
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السادس
المقدمة الثانية
في أعداد الصلوات اليومية ونوافلها
وما يتبع ذلك من الاحكام، وروى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الفريضة والنافلة احدى وخمسون ركعة: منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة وهو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة والنافلة اربع وثلاثون ركعة " وبهذا الاسناد عن الفضيل والبقباق وبكير (2) قالوا: " سمعنا ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي من التطوع مثلى الفريضة ويصوم من التطوع مثلى الفريضة ". وروى في الكافي والتهذيب عن ابن ابي عمير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) افضل ما جرت به السنة من الصلاة قال تمام الخمسين ". وروى في الكافي والتهذيب عن حنان (4) قال: " سأل عمرو بن حريث ابا عبد الله (عليه السلام) وانا جالس فقال له جعلت فداك اخبرني عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال كان النبي يصلي ثماني ركعات الزوال واربعا الاولى وثماني بعدها واربعا العصر وثلاثا المغرب واربعا بعد المغرب والعشاء الآخرة اربعا وثماني صلاة الليل وثلاثا الوتر وركعتي الفجر وصلاة الغداة ركعتين. قلت جعلت فداك فان كنت اقوى على اكثر من هذا يعذبني الله على كثرة الصلاة ؟ فقال لا ولكن يعذب على ترك السنة ". وروى في الفقيه عن الصيقل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " اني لامقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول ازيد كأنه يري ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قصر في شئ، واني لامقت الرجل قد قرأ
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (5) ج 1 ص 303.
[ 28 ]
القرآن ثم يستيقظ من الليل فلا يقوم حتى إذا كان عند الصبح قام يبادر بصلاته ". بيان: الظاهر ان مقت الاول لما يفهم من كلامه من انه بزيادته في الصلاة على ما كان يأتي به (صلى الله عليه وآله) كأنه يريد ان يفوقه ويعلو عليه بالزيادة وهو ان لم يكن كفرا فهو جهل محض لان العبرة ليس بكثرة الصلاة بل بالاقبال عليها الذي هو روح العبادة والاتيان بها على اكمل وجوهها، ومن ذا الذي يروم بلوغه في المقام الاول ؟ وكذا في المقام الثاني حتى انه روى (1) " انه كان يقوم في الصلاة على اطارف اصابعه حتى تورمت قدماه اجهادا لنفسه في العبادة حتى عاتبه الله تعالى على ذلك رأفة به فقال: طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى " (2) " وكان يقسم الليل انصافا فيقوم في صلاة الليل بطوال السور وكان إذا ركع يقال لا يدرى متى يرفع وإذا سجد يقال لا يدرى متى يرفع " (3) ونحو ذلك. والظاهر ان مقت الثاني لمزيد الكسل عن صلاة الليل إذا كان ممن يقرأ القرآن ويحفظ سورة وتلاوتها ينتبه في وقت صلاة الليل فلا يقوم إليها حتى إذا فجأه الصبح قام مبادرا بها يصليها بعجل وقلة توجه واقبال أو يزاحم بها الفريضة في وقتها. وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شئ ؟ قال لا غير اني اصلي بعدها ركعتين ولست احسبهما من صلاة الليل " بيان: الظاهر ان الاستفهام عن توظيف شئ من النوافل قبل أو بعد مثل سائر النوافل الموظفة فأجاب ب " لا " وذلك لان العلة كما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى ان هاتين الركعتين انما زيدتا على الموظف في اليوم والليلة لاحدى جهتين يأتي ذكرهما ان شاء الله، وفي قوله: " ولست احسبهما من صلاة الليل " رد على ما ذهب إليه العامة من جواز تقديم الوتر الموظف آخر الليل في اوله
(1) تفسير البرهان ج 2 ص 670. (2) سورة طه، الآية 1 و 2. (3) الوسائل في الباب 53 من ابواب المواقيت. (4) رواه في الوسائل في الباب 27 من اعداد الفرائض.
[ 29 ]
فان استيقظوا آخر الليل اعادوه وصلوا وترين في ليلة (1). وروى الشيخ في التهذيب في الحسن عن عبد الله بن سنان (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تصل اقل من اربع واربعين ركعة. قال ورأيته يصلي بعد العتمة اربع ركعات " بيان: قال في الوافي اما الاربع ركعات فلعلها كانت غير الرواتب أو قضاء لها. انتهى. وروى الشيخان المذكوران في الكتابين عن احمد بن محمد بن ابي نصر (3) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) ان اصحابنا يختلفون في صلاة التطوع: بعضهم يصلي اربعا واربعين وبعضهم يصلي خمسين فاخبرني بالذي تعمل به انت كيف هو حتى اعمل بمثله ؟ فقال اصلي واحدة وخمسين ركعة ثم قال امسك - وعقد بيده - الزوال ثمانية واربعا بعد الظهر واربعا قبل العصر وركعتين بعد المغرب وركعتين قبل العشاء الآخرة وركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام وثمان صلاة الليل والوتر ثلاثا وركعتي الفجر والفرائض سبع عشرة فذلك احدى وخمسون ركعة ". وروى في الكافي في الصحيح عن حماد بن عثمان (4) قال: " سألته عن التطوع بالنهار فذكر انه يصلي ثماني ركعات قبل الظهر وثماني بعدها ". وعن الحارث بن المغيرة في الصحيح (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام)
(1) في المغنى ج 2 ص 163 " من اوتر من الليل ثم قام للتهجد فالمستحب ان يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره " وفي ص 164 قال، " سئل احمد عن من اوتر يصلي بعدها مثنى مثنى قال نعم ولكن يكون الوتر بعد ضجعة " وفي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 292 " عند المالكية إذا قدم الوتر عقب صلاة العشاء ثم استيقظ آخر الليل وتنفل كره له أن يعيد الوتر ". (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (5) رواه في الوسائل في الباب 24 من اعداد الفرائض.
[ 30 ]
اربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في حضر ولا سفر " ونحوه في خبر آخر عنه (عليه السلام) ايضا (1) وزاد فيه " وان طلبتك الخيل ". وروى الشيخ في التهذيب عن زرارة (2) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زالت قدر نصف اصبع صلى ثماني ركعات فإذا فاء الفئ ذراعا صلى الظهر ثم صلى بعد الظهر ركعتين ويصلي قبل وقت العصر ركعتين فإذا فاء الفئ ذراعين صلى العصر وصلى المغرب حين تغيب الشمس فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء وآخر وقت المغرب اياب الشفق فإذا آب السفق دخل وقت العشاء وآخر وقت العشاء ثلث الليل، وكان لا يصلي بعد العشاء حتى ينتصف الليل ثم يصلي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ومنها ركعتا الفجر قبل الغداة فإذا طلع الفجر واضاء صلى الغداة ". وروى في الفقيه مرسلا (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زالت صلى ثماني ركعات وهي صلاة الاوابين تفتح في تلك الساعة ابواب السماء ويستجاب الدعاء وتهب الريح وينظر الله إلى خلقه فإذا فاء الفئ ذراعا صلى الظهر اربعا وصلى بعد الظهر ركعتين ثم صلى ركعتين اخراوين ثم صلى العصر اربعا إذا فاء الفئ ذراعا ثم لا يصلي بعد العصر شيئا حتى تؤوب الشمس فإذا آبت وهو ان تغيب صلى المغرب ثلاثا وبعد المغرب اربعا ثم لا يصلي شيئا حتى يسقط الشفق فإذا سقط الشفق صلى العشاء ثم اوى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى فراشه ولم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل فإذا زال نصف الليل صلى ثماني ركعات واوتر في الربع الاخير من الليل بثلاث ركعات
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت. (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض.
[ 31 ]
فقرأ فيهن فاتحة الكتاب وقل هو الله احد ويفصل بين الثلاث بتسليمة ويتكلم ويأمر بالحاجة ولا يخرج من مصلاه حتى يصلي الثالثة التي يوتر فيها ويقنت فيها قبل الركوع ثم يسلم ويصلي ركعتي الفجر قبل الفجر وعنده وبعيده ثم يصلي ركعتي الصبح وهو الفجر إذا اعترض الفجر واضاء حسنا، فهذه صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي قبضه الله عزوجل عليها ". وروى في التهذيب عن يحيى بن حبيب (1) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن افضل ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى من الصلاة ؟ قال ست واربعون ركعة فرائضه ونوافله قلت. هذه رواية زرارة ؟ قال أو ترى احدا كان اصدع بالحق منه ؟ ". وعن ابى بصير (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التطوع بالليل والنهار فقال الذي يستحب ان لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس وبعد الظهر ركعتان وقبل العصر ركعتان وبعد المغرب ركعتان وقبل العتمة ركعتان ومن السحر ثمان ركعات ثم يوتر والوتر ثلاث ركعات مفصولة ثم ركعتان قبل صلاة الفجر، واحب صلاة الليل إليهم آخر الليل " بيان: من المحتمل قريبا ان يكون قوله في آخر الخبر " واحب صلاة الليل إليهم " من كلام ابي بصير والمراد بضمير " إليهم " الائمة (عليهم السلام) ويحتمل ان يكون من قول الامام (عليه السلام) ويكون الضمير راجعا إلى الآمرين بها وهم الرسول والائمة (صلوات الله عليهم). وروى الشيخ في الموثق عن زرارة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما جرت به السنة في الصلاة ؟ قال ثمان ركعات الزوال وركعتان بعد الظهر وركعتان قبل العصر وركعتان بعد المغرب وثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر وركعتا الفجر. قلت فهذا جميع ما جرت به السنة ؟ قال نعم. فقال أبو الخطاب أفرأيت ان قوي فزاد ؟ قال فجلس وكان متكئا قال ان قويت فصلها كما كانت تصلى وكما ليست في ساعة
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض.
[ 32 ]
من النهار فليست في ساعة من الليل ان الله عزوجل يقول: ومن آناء الليل فسبح " (1) بيان: هذا الخبر مؤيد لما قدمناه في بيان مقت الصادق (عليه السلام) لمن سأل عن عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول ازيد، وحاصل كلامه (عليه السلام) ان هذا العدد وان قل في النظر إلا انه صعب من حيث اخذ الاقبال والخشوع فيه وتفريقه في الساعات المذكورة والمداومة عليه ونحو ذلك مما تقدم. وروى الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اني رجل تاجر اختلف واتجر فكيف لي بالزوال والمحافظة على صلاة الزوال وكم اصلي ؟ قال تصلي ثماني ركعات إذا زالت الشمس وركعتين بعد الظهر وركعتين قبل العصر فهذه اثنتا عشرة ركعة، وتصلي بعد المغرب ركعتين وبعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ومنها ركعتا الفجر وذلك سبع وعشرون ركعة سوى الفريضة، وانما هذا كله تطوع وليس بمفروض، ان تارك الفريضة كافر وان تارك هذه ليس بكافر ولكنها معصية لانه يستحب إذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه ". وروى في الكافي عن الفضل بن أبي قرة رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سئل عن الخمسين والواحدة ركعة فقال ان ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة وساعات الليل اثنتا عشرة ساعة ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة غير ساعات الليل والنهار ومن غروب الشمس إلى غروب الشفق غسق فلكل ساعات ركعتان وللغسق ركعة " وروى الشيخ في التهذيب عن الحجال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " انه كان يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ولا يحتسب بهما وركعتين وهو جالس
(1) سورة طه، الآية 130. (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض. (3) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (4) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب المواقيت.
[ 33 ]
يقرأ فيهما بقل هو الله احد وقل يا أيها الكافرون فان استيقظ من الليل صلى صلاة الليل واوتر وان لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعة فصارت شفعا واحتسب بالركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا " وفي بعض نسخ الحديث " صلى ركعتين فصارت شفعا " وفى بعضها " فصارت سبعا " والظاهر ان الاخير تصحيف. وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) " اعلم يرحمك الله ان الفريضة والنافلة في اليوم والليلة احدى وخمسون ركعة، الفرض منها سبع عشرة ركعة فريضة واربعة وثلاثون ركعة سنة: الظهر اربع ركعات والعصر اربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والعشاء الآخرة اربع ركعات والغداة ركعتان فهذه فريضة الحضر، وصلاة السفر الفريضة احدى عشرة ركعة: الظهر ركعتان والعصر ركعتان والمغرب ثلاث ركعات والعشاء الآخرة ركعتان والغداة ركعتان، والنوافل في الحضر مثلا الفريضة لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فرض علي ربي سبع عشرة ركعة ففرضت على نفسي واهل بيتي وشيعتي بازاء كل ركعة ركعتين ليتم بذلك الفرائض ما يلحقه من التقصير والثلم: منها - ثمان ركعات قبل زوال الشمس وهي صلاة الاوابين وثمان بعد الظهر وهي صلاة الخاشعين واربع ركعات بين المغرب والعشاء الآخرة وهي الصلاة الذاكرين وركعتان عند صلاة العشاء الآخرة من جلوس تحسب بركعة من قيام وهي صلاة الشاكرين وثمان ركعات صلاة الليل وهي صلاة الخائفين وثلاث ركعات الوتر وهي صلاة الراغبين وركعتان بعد الفجر وهي صلاة الحامدين، والنوافل في السفر اربع ركعات بعد المغرب وركعتان بعد العشاء الآخر من جلوس وثلاث عشرة ركعة صلاة الليل مع ركعتي الفجر، وان لم يقدر بالليل قضاها بالنهار أو من قابله في وقت صلاة الليل أو من اول الليل " اقول: في هذه الاخبار الجليلة عدة طرائف نبيلة وجملة لطائف جميلة:
(1) ص 6.
[ 34 ]
(الاولى) - اختلفت هذه الاخبار في عدد النافلة الموظفة في اليوم والليلة، فمنها ما دل على انها اربع وثلاثون وهذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل الشيخ فيه الاجماع، ومنها ما دل على انها ثلاث وثلاثون باسقاط الوتيرة بعد العشاء، ومنها ما دل على انها تسع وعشرون باسقاط اربع قبل العصر مضافة إلى الوتيرة، ومنها ما دل على انها سبع وعشرون باسقاط ركعتين من نافلة المغرب زيادة على ما ذكر، والوجه في الجمع بينها في ذلك - كما ذكره جملة من اصحابنا - ان يحمل الفرد الاقل على ما كان اوكد استحبابا إذ الامر بالاقل لا يوجب نفي استحباب الاكثر، نعم ربما اوهم صحيح زرارة المتقدم - لقوله فيه " اخبرني عما جرت به السنة في الصلاة " فاجابه بان جميع ما جرت به السنة ما عده وهو سبع وعشرون - خلاف ذلك فان الظاهر نفي السنة والتوظيف عما عدا السبع والعشرين، والشيخ (قدس سره) قد حمل الرواية المذكورة على انه سوغ ذلك لزرارة لعذر كان فيه. ولا يخلو من بعد بل الاظهر الحمل على السنة المؤكدة التي لا مرتبة بعدها في النقصان، ويشير إلى ذلك رواية ابن ابي عمير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن افضل ما جرت به السنة من الصلاة ؟ فقال تمام الخمسين " والتقريب فيها ان النوافل منها بعد اخراج الفرائض ثلاث وثلاثون باسقاط الوتيرة لانها ليست من الرواتب وانما زيدت عليها ليتم بها عدد النوافل بان يكون بازاء كل ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة، فهذه هي المرتبة العليا في الفضل وان جاز النقصان فيها من حيث التوظيف منتهيا إلى السبع والعشرين التي هي السنة المؤكدة لا مرتبة دونها.
بقى الاشكال هنا في موضعين:
(الاول) ان اكثر الاخبار دل على انه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يصلي الوتيرة التي بعد العشاء وانه كان بعد صلاة العشاء يأوى إلى فراشه إلى نصف الليل. واظهر منها ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث في الوتيرة " قال فقلت هل صلى رسول الله
(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 21 من اعداد الفرائض.
[ 35 ]
(صلى الله عليه وآله) هاتين الركعتين ؟ قال لا. قلت ولم ؟ قال لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الوحي وكان يعلم انه هل يموت في هذه الليلة ام لا وغيره لا يعلم فمن اجل ذلك لم يصلهما وامر بهما " مع ان رواية الفضيل والبقباق وبكير وهي الثانية من الروايات المتقدمة دلت على انه (صلى الله عليه وآله) يصلي من التطوع مثلي الفريضة وهذا لا يكون إلا بضم الوتيرة حتى تتم المماثلة وان يكون بازاء كل ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة. واما ما اجاب به في الوافي - من حمل اخبار انه كان بعد صلاة العشاء يأوى إلى فراشه على ان المراد بالعشاء نافلتها - ففيه انه وان تم له في هذه الاخبار مع بعده إلا انه لا يتم في خبر العلل الذي ذكرناه. وما اجاب به في الوسائل ايضا - من الجمع بينها بانه كان يصليها تارة ويترك تارة - في غاية البعد ولاسيما من خبر العلل كما لا يخفى.
(الثاني) ما تضمنه خبر زرارة في وصف صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الاقتصار على تسع وعشرين بترك الوتيرة واربع ركعات من الثمان التي بعد الظهر وكذلك مرسلة الفقيه التي بعدها ودلالة المرسلة المذكورة على ان هذه صلاته التي قبض عليها، مع ان جملة الاخبار الواردة في وصف صلاته انما اختلفت في الوتيرة خاصة فأكثرها دال على عدمها واما ما عداها فلا ومنها الرواية الثانية من الروايات التي قدمناها والرابعة وهي رواية حنان ورواية كتاب الفقه الرضوي. فانها قد اشتركت في الدلالة على صلاة ثمان بعد الظهر كما استفاضت به الاخبار. وحمل الخبرين الدالين على السقوط على كون ذلك في آخر عمره كما احتمله البعض لا يخلو من الاشكال لانه ان كان عن نسخ فكيف استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بفعلها وان كان عن ضعف وعلة بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله) فبعده اظهر من ان ينكر.
(الطريفة الثانية) - ما دل عليه قوله (عليه السلام) في آخر خبر حنان " ولكن يعذب على ترك السنة " ربما اشكل بحسب ظاهره حيث ان المستحب مما يجوز تركه شرعا
[ 36 ]
فكيف يترتب على تركه العذاب ؟ ولهذا قال المحدث الكاشاني ذيل هذا الخبر: يعني ان السنة في الصلاة ذلك فمن زاد عليه وجعل الزائد سنة فقد ابدع وترك سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وبدلها بسنته التي ابدعها فيعذبه الله على ذلك لا على كثرة الصلاة من غير ان يجعلها بدعة مرسومة ويعتقدها سنه قائمة لما ورد من ان الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل (1). انتهى. اقول: لا يخفى انه قد ورد في الاخبار ما هو ظاهر التأييد لما دل عليه ظاهر هذا الخبر مثل قوله (عليه السلام) " معصية " في صحيحة زرارة المذكورة في المقام من الدلالة على كون ذلك معصية وان كان مستحبا ومتى ثبت كونه معصية حسن ترتب العذاب عليه، ويؤيد ذلك استفاضة الاخبار بان تارك صلاة الجماعة من غير علة مستحق لان يحرق عليه بيته (2) مع ان صلاة الجماعة ليست بواجبة، وكذلك ما ورد من انه لو اصر اهل مصر على ترك الاذان لقاتلهم الامام (3). نعم يبقى الاشكال في انه قد ورد ايضا في جملة من الاخبار ان العبد إذا لقى الله عزوجل بصلاة الفريضة لم يسأله عما سواها، ومن تلك الاخبار حديث عائذ الاحمسي المروي بعدة اسانيد ومتون مختلفة: منها - ما رواه في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج عن عائذ الاحمسي قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وانا اريد ان اسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال وعليك السلام اي والله انا لولده وما نحن بذوي قرابته، ثلاث مرات
(1) رواه في الوسائل في الباب 42 من احكام المساجد وفي المستدرك في الباب 10 و 12 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من صلاة الجماعة. (3) لم نعثر عليه في مظانه نعم ورد ذلك بنحو الفتوى في كلام بعض كما في البحر الرائق ج 1 ص 255. (4) الفروع ج 1 ص 137 وفي الوسائل في الباب 17 من اعداد الفرائض.
[ 37 ]
قالها ثم قال من غير ان اسأله إذا لقيت الله بالخمس المفروضات لم يسألك عما سوى ذلك " وروى في الفقيه مرسلا عن معمر بن يحيى (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا جئت بالخمس الصلوات لم تسأل عن صلاة وإذا جئت بصوم شهر رمضان لم تسأل عن صوم " وبهذا المضمون اخبار عديدة قد تضمن بعضها ايضا عدم السؤال عن الصدقة إذا ادى الزكاة الواجبة. اقول: ووجه الجمع بين هذه الاخبار والاخبار المتقدمة محتمل باحد وجهين:
(الاول) حمل عدم السؤال في هذه الاخبار على الاتيان بالفرائض كاملة صحيحة مقبولة لا تحتاج إلى تكميل حيث ان النوافل انما وضعت لتكميل الفرائض كما عرفت فيما تقدم وحينئذ فإذا اتى بها على الوجه المذكور لم يحتج إلى النوافل ولم يسأل عنها.
(الثاني) - ان يحمل الترك الموجب للعذاب والمؤاخذة في الاخبار الاولة على ترك يكون على جهة الاستخفاف بالدين والتهاون بكلام سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) وعدم المبالاة بكمالات الشرع المبين وبذلك لا يبعد ترتب العقاب على ذلك كما يشير إلى ذلك قوله (عليه السلام) في بعض تلك الاخبار في تارك النافلة (2) " لقى الله مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ".
(الثالثة) - قال الصدوق (قدس سره): افضل هذه الرواتب ركعتا الفجر ثم ركعة الوتر ثم ركعتا الزوال ثم نافلة المغرب ثم تمام صلاة الليل ثم تمام نوافل النهار. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: ولم نقف له على دليل يعتد به. اقول: ستعرف دليله ان شاء الله تعالى في المقام. ونقل عن ابن ابي عقيل لما عد النوافل وثماني عشرة ركعة بالليل منها نافلة المغرب والعشاء ثم قال بعضها اوكد من بعض واوكدها الصلوات التي تكون بالليل لا رخصة في تركها في سفر ولا حضر. وقال في المعتبر ركعتا الفجر افضل من الوتر ثم
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 18 من اعداد الفرائض.
[ 38 ]
نافلة المغرب ثم صلاة الليل، وذكر روايات تدل على فضل هذه الصلوات. وقال في الذكرى بعد نقلها - ونعم ما قال - هذه المتمسكات غايتها الفضيلة اما الافضلية فلا دلالة فيها عليها. انتهى. ومنه يظهر ايضا ما في كلام صاحب المدارك هنا حيث انه قال افضل الرواتب صلاة الليل لكثرة ما ورد فيها من الثواب ولقول النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته لعلي (عليه السلام) (1) " وعليك بصلاة الليل، ثلاثا " رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) ثم صلاة الزوال لقوله (صلى الله عليه وآله) في الوصية (2) بعد ذلك " وعليك بصلاة الزوال، ثلاثا " ثم نافلة المغرب لقوله (عليه السلام) في رواية الحارث بن المغيرة (3) " اربع ركعات لا تدعهن في حضر ولا في سفر " ثم ركعتا الفجر. أقول: لم اقف لهذه الاقوال على مستند من الاخبار زيادة على ما عرفت سوى ما ذكره في الفقيه فانه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على ما عرفت سابقا وستعرف قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (4) " واعلم ان افضل النوافل ركعتا الفجر وبعدها ركعة الوتر وبعدها ركعتا الزوال وبعدها نوافل المغرب وبعدها صلاة الليل وبعدها نوافل النهار " انهى. وبه يظهر لك مستند الصدوق (قدس سره) فيما ذكره إلا ان الكتاب لم يصل إلى نظر المتأخرين فكثيرا ما يعترضون عليه وعلى ابيه في مثل ذلك مما مستنده مثل هذا الكتاب كما تقدم في غير موضع ويأتي امثاله ان شاء الله تعالى.
(الرابعة) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر وتبعهم المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني والمحقق الفاضل الشيخ احمد بن اسماعيل الجزائري المجاور في النجف الاشرف حيا وميتا بان في الوتر التي هي عبارة عن الركعات الثلاث المشهورة في كلام الاصحاب بركعتي الشفع ومفردة الوتر قنوتات ثلاثة احدها في ركعتي
(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من اعداد الفرائض. (3) المروية في الوسائل في الباب 24 من اعداد الفرائض. (4) ص 13.
[ 39 ]
الشفع والثاني في مفردة الوتر قبل الركوع والثالث فيها ايضا بعد الركوع. والمستفاد من الاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة انه ليس فيها إلا قنوت واحد في الركعة التي سموها مفردة الوتر قبل الركوع. واستدلوا على استحباب القنوت في ركعتي الشفع باطلاق الاخبار الدالة على ان القنوت في كل ركعتين من الفريضة والنافلة في الركعة الثانية (1) وفى بعضها ايضا بزيادة قبل الركوع وستأتي ان شاء الله في باب القنوت. اقول: ويدل على ذلك خصوص ما رواه في كتاب عيون الاخبار عن رجاء بن ابي الضحاك الذي حمل الرضا (عليه السلام) إلى خراسان في حديث وصف صلاته (عليه السلام) (2) قال: " فيصلي ركعتي الشفع يقرأ في كل ركعة منهما الحمد وقل هو الله احد ثلاث مرات ويقنت في الثانية... الحديث ". وصرح شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشي كتاب مفتاح الفلاح بان القنوت في الوتر التي هي عبارة عن الثلاث انما هو في الثالثة وان الاوليين المسماتين بركعتي الشفع لا قنوت فيهما، واستدل على ذلك بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " القنوت في المغرب في الركعة الثانية وفي العشاء والغداة مثل ذلك وفى الوتر في الركعة الثالثة " ثم قال (قدس سره) وهذه الفائدة لم يتنبه عليها وعلماؤنا. انتهى. وظاهر كلامه شهرة القول باستحباب القنوت في ركعتي الشفع حتى انه لم يحصل فيه مخالف قبله، وهو كذلك إلا انه قد سبقه إلى ما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك والظاهر انه لم يقف عليه حيث قال في اول كتاب الصلاة في الفوائد التي قدمها: الثامنة - يستحب القنوت في الوتر في الركعة الثالثة. انتهى. وقد ذكر في الفائدة السابعة الركعتين الاوليين من الوتر وذكر القراءة فيهما ولم يتعرض للقنوت ثم ذكره في الثامنة التي بعدها كما نقلناه وهو ظاهر في تخصيصه القنوت بالثالثة من الثلاث، وجرى على منواله الفاضل الخراساني في الذخيرة، وهو الاظهر
(1) و (3) الوسائل الباب 3 من القنوت. (2) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض.
[ 40 ]
عندي وعليه اعمل. ولشيخنا المعاصر الفاضل الشيخ احمد الجزائري المتقدم ذكره (طاب ثراه) هنا كلام قد انتصر فيه للقول المشهور وطعن فيما خالفه بالقصور لا بأس بنقله وبيان ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه، قال في جواب من سألة عن صلاة الشفع هل فيها قنوت ام لا ؟ فأجاب باستحباب القنوت فيها واستدل بنحو ما قدمناه دليلا للقول المشهور، إلى ان قال: واما صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: القنوت ثم ساق الرواية كما قدمنا، ثم قال وقد ترآى لبعض الفضلاء عدم الاستحباب ولعله من جهة ما ورد من صحة اطلاق الوتر على الثلاث وتعريف المبتدأ باللام يشعر باختصاص القنوت في المواضع الاربعة وقد ذكر انه في الركعة الثالثة فيدل على ان الثانية ليس فيها قنوت. وهذا باطل ورأي فاسد بالاجماع ودلالة الاخبار على استحباب القنوت فيما عدا الاربعة المذكورة من الفرائض والنوافل كما هو واضح بلا شك ولا شبهة فتعين المصير إلى حملها على تأكد الاستحباب في الاربعة المذكورة لا نفيه عما سواها، مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة لانه فرد خفي لانها مفردة مفصولة وقد اشتهر ان القنوت انما يكون في كل ركعتين لا انه لا يستحب في ثانية الشفع، أو لجواز حملها على ما إذا صلى الوتر موصولة ولو على ضرب من التقية كما ورد في بعض الاخبار فلا تنافي استحبابه في الشفع عند صلاتها مفصولة. انتهى كلامه زيد مقامه. وهو محل نظر من وجوه:
(الاول) قوله: " ولعله من جهة ما ورد من صحة اطلاق الوتر على الثلاث " فانه يؤذن بندور هذا الاطلاق وانه مجاز لا حقيقة وان الوتر حقيقة انما يطلق على هذه المفردة وان الاطلاق الشائع في الاخبار واعصار الائمة الابرار (صلوات الله عليهم) انما هو التعبير بركعتي الشفع ومفردة الوتر كما عبر به كثير من الاصحاب، وهو غلط محض بل الامر بالعكس كما لا يخفى على الممارس للاخبار والمتلجلج في تيار تلك البحار فان الذي استفاضت به الاخبار هو اطلاق الوتر على الثلاث ولم
[ 41 ]
يوجد فيها ما يخالف ذلك سوى رواية رجاء بن ابي الضحاك المتقدمة (1) وبه صرح السيد السند في المدارك ايضا فقال: ان المستفاد من الروايات الصحيحة المستفيضة ان الوتر اسم للركعات الثلاث لا الركعة الواحدة الواقعة بعد الشفع كما يوجد في عبارات المتأخرين. انتهى وهو كذلك فان جملة من الاخبار الواردة في احكام صلاة الوتر وانها مفصولة أو موصولة وما يقرأ فيها ونحو ذلك قد اشتملت على اطلاقها على الثلاث وقد حضرني منها ما يقرب من ثلاثة عشر حديثا: منها - الاحاديث المتقدمة في المقام ولولا انها تأتي ان شاء الله تعالى في محالها لسردناها في هذا المقام، ولم اقف على خلاف ذلك إلا في الرواية المذكورة وهي لشذوذها وضعفها لا تبلغ قوة في معارضة خبر واحد من هذه الاخبار.
و (ثانيها) - قوله: وتعريف المبتدأ إلى آخر ما يتعلق به، فان فيه ان الاستدلال بالخبر المذكور على كون القنوت في ثالثة الوتر لا الثانية لا توقف له على هذا الكلام حتى انه يسجل عليه بانه كلام باطل ورأي فاسد بالاجماع ودلالة الاخبار ونحو ذلك مما اطال به. فان احدا لم يدع من الرواية المذكورة اختصاص القنوت بهذه المواضع الاربعة فلا وجه للتطويل به بالكلية، بل وجه الاستدلال انما هو ما سلمه ووافق عليه من دلالة هذه الاخبار على استحباب القنوت وتأكده في هذه الفرائض الثلاث والنافلة، فان مقتضاه انه هو الموظف شرعا في هذه المواضع المذكورة في الخبر ومتى ثبت توظيفه في هذه المواضع من الفرائض المذكورة والنافلة فغيره يحتاج إلى دليل، فكما انه لا دليل على غير الثانية من الفرائض كذلك لا دليل على غير الثالثة من الوتر إلا ما يترآى من اطلاق الاخبار المشار إليها آنفا ورواية عيون الاخبار، فاما اطلاق الاخبار فيقيد بهذه الرواية لانها
(1) لا يخفى ما في هذا الكلام من الدلالة على عدم الاطلاع على القواعد الاصولية فان غاية ما يستفاد من الاخبار وان كانت شائعة هو اطلاقه عليها وهو لا يستلزم كونه حقيقة فيها فان الاطلاق اعم من الحقيقة سيما مع وجود امارات الحقيقة من التبادر وغيره في خلافها. السيد علي (قدس سره).
[ 42 ]
ظاهرة في تخصيص القنوت في الوتر بالثالثة. ومما يؤكد ذلك باوضح تأكيد ويؤيده باظهر تأييد بناء على ما عرفت من ان الوتر في الاخبار الدالة على ان ذلك في عرفهم (عليهم السلام) عبارة عن الثلاث جملة وافرة من الاخبار الدالة على انه يدعو في قنوت الوتر بكذا ويستغفر كذا وكذا مرة ويستحب فيه كذا ويدعو بعد رفع رأسه منه بكذا وكان امير المؤمنين (عليه السلام) يدعو في قنوت الوتر بكذا وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يدعو في قنوت الوتر بكذا وامثال ذلك، فانه متى كان الوتر اسما للثلاث كما ذكرنا انه المستفاد من الاخبار فلو كان فيها قنوتان كما يدعيه الخصم لم يحسن هذا الاطلاق في جملة هده الاخبار ولكان ينبغي ان يقيد ولو في بعضها بالقنوت الثاني. وما رواية كتاب العيون فهي ضعيفة قاصرة عن معارضة هذه الصحيحة المؤيدة بهذه الاخبار المشار إليها. على ان التحقيق ان يقال - وهو الاقرب من الخبر المذكور واليه يشير كلام المعترض إلا انه لم يأته من وجهه - ان المراد انما هو الاخبار عن ان القنوت موضعه الركعة الثانية من هذه الفرائض والثالثة من الوتر فيصير قوله: " في الركعة الثانية " هو الخبر عن المبتدأ وكذا قوله " في الركعة الثالثة " بالنسبة إلى الوتر وقوله " في المغرب " ظرف لغو وكذا في ما عطف عليه، فيصير الخبر دالا على حصر القنوت في ثانية الفرائض المذكورة وثالثة الوتر وهو حصر اضافي بالنسبة إلى غير هذه الركعات بمعنى ان القنوت في الثانية لا الاولى ولا الثالثة وكذا في الوتر في الثالثة لا في الاولى ولا في الثانية لان الحصر حقيقي على الوجه الذي ذكره ليتم ما سجل به واكثر من التشنيع فانه مبني على جعل خبر المبتدا قوله " في المغرب " وهكذا في باقي الافراد المذكورة وان يكون حصرا حقيقيا فانه باطل كما اشرنا إليه آنفا وبينا صحة الاستدلال على ذلك التقدير وما ذكرناه من هذا الوجه اظهر في الاستدلال بالخبر المذكور لانه من حيث الحصر يتضمن النفي لغير هذه المواضع المذكورة. و (ثالثها) - قوله: مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة... الخ، فان
[ 43 ]
فيه انه مع الاغماض عما فيه من التكلف والبعد يتم لو انحصر الدليل في هذه الرواية وقد عرفت مما قدمنا انه ظاهر جملة من الاخبار بل هو مشتهر فيها غاية الاشتهار، وما عداه فهو فيها على العكس من الاستتار وان اشتهر في كلام علمائنا الابرار إلا انه من قبيل رب مشهور لا اصل له ورب متأصل غير مشهور. وابعد من ذلك حمله ايضا الخبر على ما إذا صلى الوتر موصولة ولو على ضرب من التقية فانه بمحل من التكلف البعيد والتمحل الشديد، وما ادرى ما الحامل على هذه التكلفات المتعسفة والتمحلات المتصلفة مع ظهور الخبر في المراد ؟ وغفلة الاصحاب عن الحكم المذكور وعدم تنبههم له وحكمهم بخلافه لا يوجب ذلك، فكم لهم من غفلة عن الاحكام المودعة في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. والظاهر ان منشأ الشبهة في المقام هو دلالة الاخبار على فصل الركعتين الاوليين من الوتر وجواز وقوع المبطلات قبل الثالثة فجعلوهما بهذا التقريب صلاة منفصلة يحكم عليهما بما يحكم على سائر النوافل، ولهذا استدلوا على استحباب القنوت فيهما بما دل على القنوت في كل ركعتين من النوافل، والمفهوم من الاخبار ان الثلاث صلاة واحدة مسماة بالوتر كما سميت الفرائض كل باسم مثل الظهر والعصر ونحوهما، غاية الامر ان الشارع جوز الفصل فيها والانسان مخير بين الفصل والوصل كما هو مقتضى الجمع بين اخبار المسألة ومتى ثبت كونها صلاة واحدة فليس فيها إلا قنوت واحد كسائر الصلوات وان جعل محله في الثالثة منها. هذا. واما ما ذكروه من القنوت الثالث الذي بعد الرفع من الركوع فالذي دل عليه الخبر الوارد بذلك انما هو استحباب الدعاء بعد رفع الرأس من الركوع الثالث بهذا الدعاء الموظف كما رواه في الكافي (1) بسنده قال: " كان أبو الحسن (عليه السلام) إذا رفع رأسه في آخر ركعة من الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك وسيئاته بعمله
(1) الفروع ج 1 ص 325 الطبع الحديث.
[ 44 ]
.. الدعاء إلى آخره " فان ارادوا انه يطلق على الدعاء كذلك انه قنوت فلا مشاحة في الاصطلاح وان ارادوا انه قنوت شرعي يستحب فيه ما يستحب في القنوت من رفع اليدين قبال الوجه فالخبر المذكور لا دلالة له عليه وليس غيره في الباب، مع ان المستفاد من الاخبار المتكاثرة ان قنوت الوتر انما هو قبل الركوع عموما في كثير منها وخصوصا في صحيحة معاوية بن عمار (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت في الوتر ؟ قال قبل الركوع. قال فان نسيت اقنت إذا رفعت رأسي ؟ قال لا " وفى هذا الخبر ايضا اشارة إلى ما قدمنا البحث فيه من عدم القنوت في الركعتين الاوليين بتقريب ما قدمناه من ان الوتر اسم للركعات الثلاث حيث انه انما امر فيها بقنوت واحد قبل الركوع، ولا جائز ان يحمل على القنوت في الركعتين الاوليين لكونه خلاف الاجماع نصا وفتوى فان القائل به يجعله ثانيا لا انه يخصه به. وبالجملة فاني لا اعرف لهذا القنوت الثالث وجها إلا الحمل على التجوز في تسمية الدعاء قنوتا وفيه ما لا يخفى. والله العالم.
(الخامسة) - قد اشتهر في كلام الاصحاب استحباب الدعاء لاربعين من اخوانه في قنوت الوتر، قال في المدارك بعد الكلام في استحباب الاستغفار في قنوت الوتر سبعين مرة، ويستحب الدعاء فيه لاخوانه المؤمنين باسمائهم واقلهم اربعون، فروى الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " دعاء المرأ لاخيه بظهر الغيب يدر الرزق ويدفع المكروه " وفي الحسن عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من قدم اربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له " اقول: لا ريب في استحباب الدعاء للاخوان وكذا الاربعين من الاخوان كما ورد في عدة اخبار زيادة على ما ذكره إلا انها لا تقييد فيها بوقت
(1) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب القنوت. (2) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب الدعاء. (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب الدعاء.
[ 45 ]
مخصوص من صلاة أو غيرها، واما الروايات الواردة في قنوت الوتر على تعددها وكثرتها فلم ينهض شئ منها على استحباب الدعاء للاربعين بل ولا الاخوان بقول مطلق ولعل من ذكر ذلك من اصحابنا نظر إلى كون هذا الوقت من افضل الاوقات وانه مظنة للاجابة فذكر هذا الحكم فيه وإلا فلا اعرف لذكره في خصوص الموضع وجها مع خلو الاخبار عنه، وكيف كان فالعمل بذلك بقصد ما ذكرناه لا بأس به. واما ما نقل عن بعض مشايخنا المعاصرين من المبالغة في الدعاء للاربعين في هذا القنوت حتى انه يأتي به بعد الفراغ من الركعة لو اخل به فالظاهر انه وهم من الناقل لما عرفت.
(السادسة) - لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في سقوط نافلة الظهرين في السفر وعليه تدل الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب " وعن خذيفة بن منصور في الصحيح عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (2) انهما قالا " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ " وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب فان بعدها اربع ركعات لا تدعهن في حضر ولا سفر " وعن ابي يحيى الحناط (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر ؟ فقال يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة ". وانما الخلاف في ركعتي الوتيرة فالمشهور بين الاصحاب سقوطها ايضا ونقل ابن ادريس فيه الاجماع ونقل عن الشيخ في النهاية انه قال يجوز فعلها، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وربما كان مستنده ما رواه ابن بابويه عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (5) انه قال: " انما صارت العشاء مقصورة وليس تترك ركعتاها لانها
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 21 من اعداد الفرائض. (5) رواه في الوسائل في الباب 29 من اعداد الفرائض.
[ 46 ]
زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع " وقواه في الذكرى قال: لانه خاص ومعلل وما تقدم خال منهما إلا ان ينعقد الاجماع على خلافه. وهو جيد لو صح السند لكن في الطريق عبد الواحد بن عبدوس وعلي بن محمد القتيبي ولم يثبت توثيقهما فالتمسك بعمومات الاخبار المستفيضة الدالة على السقوط اولى. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: الاظهر عندي هو القول بما صرح به في النهاية من بقاء استحبابها في السفر كما في الحضر لعدة من الاخبار زيادة على الخبر المذكور: منها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل والاحكام بسنده عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر. قال قلت تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة ؟ قال نعم فانهما تعدان بركعة فمن صلاهما ثم حدث به حدث الموت مات على وتر وان لم يحدث به حدث الموت صلى الوتر في آخر الليل " وروى في الكتاب المذكور عن زرارة بن اعين في الصحيح (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر " وروى هذه الرواية ايضا الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عنه (عليه السلام) (3) وروي في كتاب العلل ايضا بسند ليس في رجاله من ربما يتوقف فيه إلا محمد بن عيسى المشترك بين العبيدي والاشعري عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبيتن الرجل وعليه وتر " وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم في باب التفويض إلى رسول الله والائمة (صلوات الله عليهم) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث طويل قال فيه " الفريضة والنافلة احدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة تعدان بركعة مكان الوتر ".
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 29 من اعداد الفرائض. (5) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض.
[ 47 ]
والتقريب في هذه الاخبار انها قد دلت باظهر تأكيد واصح تشديد على الحث على الاتيان بهاتين الركعتين حتى نسب التارك لهما إلى عدم الايمان بالله واليوم الآخر، ولفظ الوتر في اكثر هذه الاخبار لا يخلو من اجمال إلا ان رواية ابي بصير وهي الاولى قد اوضحت وصرحت بكون المراد بهما الوتيرة التي بعد صلاة العشاء الآخرة، واطلاقها المؤيد بما ذكرنا من هذا التأكيد الذي ليس عليه مزيد ظاهر في شمول الحضر والسفر فانها قد تضمنت انه لا يبيتن إلا على وتر اعم من ان يكون في سفر أو حضر، ويؤكده ايضا حديث ابي بصير والحديث الاخير الدالان على ان العلة فيها انها تقوم مكان الوتر التي تستحب في آخر الليل لو مات في ليلته ولا يخفى ان استحباب الوتر ثابت سفرا وحضرا، واظهر من جميع ما ذكر عبارة الفقه الرضوي المتقدمة وقوله فيها " والنوافل في السفر اربع ركعات، إلى ان قال وركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس.. الحديث " وبالجملة فالاخبار المذكورة ظاهرة في الاستحباب مطلقا اتم الطهور لا يعتريها نقص ولا قصور. وبذلك يظهر ما في كلام السيد السند، وفيه زيادة على ما عرفت بالنسبة إلى طعنه في الرواية التي نقلها في المقام انه قال - في كتاب الصوم في مسألة الافطار على محرم وبيان الخلاف في وجوب كفارة واحدة أو ثلاث بعد ان نقل الرواية التي استدل بها الصدوق على الثلاث عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري عن علي بن محمد بن قتيبة ونقل عن العلامة في المختلف ان عبد الواحد بن عبدوس لا يحضرني الان حاله فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها - ما صورته: اقول عبد الواحد بن عبدوس وان لم يوثق صريحا لكنه من مشايخ الصدوق (قدس سره) المعتبرين الذين اخذ عنهم الحديث فلا يبعد الاعتماد على روايته لكن في طريق هذه الرواية علي بن محمد بن قتيبة وهو غير موثق بل ولا ممدوح مدحا يعتد به. انتهى. اقول: ما ذكره في عبد الواحد بن عبدوس من الاعتماد على حديثه حيث انه من مشايخ الاجازة هو المشهور بين اصحاب هذا الاصطلاح، فانهم صرحوا بان مشايخ
[ 48 ]
الاجازة يعد حديثهم في الصحيح وان لم ينقل توثيقهم في كتب الرجال لان اعتماد المشايخ المتقدمين على النقل عنهم واخذ الاخبار منهم والتلمذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال " فلان ثقة " وقد ناقض كلامه هنا بالطعن في عبد الواحد المذكور فقال انه لم يثبت توثيقه. واما ما ذكره في علي بن محمد بن قتيبة فان الكلام فيه ليس كذلك فان المفهوم من الكشي في كتاب الرجال انه من مشايخه الذين اكثر النقل عنهم، ولهذا كتب بعض مشايخنا المعاصرين على كلام السيد في هذا المقام ما صورته: صحح العلامة في الخلاصة في ترجمة يونس بن عبد الرحمان طريقين فيهما علي بن محمد بن قتيبة واكثر الكشي الرواية عنه في كتابه المشهور في الرجال. فلا يبعد الاعتماد على حديثه لانه من مشايخه المعتبرين الذين اخذ الحديث عنهم، والفرق بينه وبين عبد الواحد بن عبدوس تحكم لا يخفى، وسؤال الفرق متجه بل هذا اولى بالاعتماد لا يراد العلامة له في القسم الاول من الخلاصة وتصحيحه حديثه في ترجمة يونس فتأمل وانصف. انتهى. اقول: ويؤيد ما ذكره شيخنا المذكور ان العلامة في المختلف بعد ذكره حديث الافطار على محرم لم يذكر التوقف في صحة الحديث إلا من حيث عبد الواحد بن عبدوس وقال انه كان ثقة والحديث صحيح. وهو يدل على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة حيث انه مذكور معه في السند كما لا يخفى. تنبيه قد وقع لجملة من الاعلام في هذا المقام أوهام ناشئة عن عدم الوقوف على ما نقلناه من اخبارهم (عليهم السلام): منهم - المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى وابنه الفاضل الشيخ محمد في شرحه على الفقيه، ولا بأس بذكر كلامهما وبيان ما فيه لتطلع على ما في الزوايا من الخبايا: فاما المحقق المذكور فانه قال في كتاب المنتقى - بعد نقل صحيحة زرارة المتقدمة برواية الشيخ لها في التهذيب - ما صورته: قلت هذا الخبر محمول على المبالغة في كراهة
[ 49 ]
ترك الوتر في كل ليلة، وفهم منه بعض الاصحاب ارادة التقديم في اول الليل كما قد ورد، في جملة من الاخبار - وستأتي في بابها - فحمله على الضرورة، وفيه تكلف ظاهر مع عدم الحاجة إليه فان المبيت بغير وتر صالح لارادة اخلاء الليل من الوتر ولو مجازا فان بابه واسع، والقرينة على ارادة هذا المعنى من الكلام واضحة وان استبعد ذلك بالنظر إلى ظاهر اللفظ، فالوجه حينئذ حمله على التقية كما احتمله بعض الاصحاب. انتهى. اقول: ظاهر كلامهم يعطي انهم حملوا الوتر في الخبر المذكور على الوتر المضاف إلى صلاة الليل، ولما كان وقته آخر الليل وهذا الخبر يدل بظاهره على تقديمه اول الليل اضطروا إلى تأويله واضطربوا في التفصى عن ذلك، فبين من حمل تقديمه في اول الليل على الضرورة بالنظر إلى ما ورد من جواز تقديم صلاة الليل لذوي الاعذار، وبين من حمله على التقية، وبين من حمله - كما اختاره المحقق المذكور - على ان المراد الاتيان به في جزء من الليل وان كان في آخره وان معنى المبيت عليه ان لا ينقضي الليل إلا وفيه وتر. والكل كما عرفت تكلف ناشئ عن عدم الوقوف على رواية ابي بصير الكاشفة عن هذا الاجمال. واما الفاضل الشيخ محمد ابن المحقق المذكور فانه قال في شرح قول الصدوق في الفقيه (1) " واما الركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس فانهما تعدان بركعة فان اصاب الرجل حدث قبل ان يدرك آخر الليل ويصلي الوتر يكون قد مات على الوتر وإذا ادرك آخر الليل صلى الوتر بعد صلاة الليل، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر " فكتب الفاضل المذكور على صدر العبارة: كأن المصنف اراد بيان معنى الحديث الوارد بعد هذا الكلام وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله) " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر " وحاصل كلامه ظاهر غير انه بعيد المناسبة لسياق الحديث كما لا يخفى على المتأمل، ويخطر بالبال ان يكون المراد
(1) ج 1 ص 128.
[ 50 ]
بقوله " فلا يبيتن إلا بوتر " صلاة العشاء لانها الخامسة وهي وتر بالنسبة إلى العدد وقد ورد في روايات كثيرة تسمية العشاء بالوتر. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما فيه من النظر الظاهر والقصور بعد مما عرفت مما ذكرناه واظهرناه غاية الظهور، وكأن منشأ الاستبعاد عنده في حمل الوتر في الحديث النبوي - على قائله وآله افضل الصلاة والسلام - على الركعتين بعد العشاء المذكورتين في كلام المصنف هو دلالة الخبر بحسب ظهره على كفر تاركه فاستبعد انطباق الخبر على الركعتين المذكورتين وتمحل لحمله على صلاة العشاء ولم يتفطن (قدس سره) إلى ان هذه العبارة وامثالها كثيرا ما يذكرونها (عليهم السلام) في المستحبات لمزيد التأكيد عليها كما ورد (1) من انه " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تدع عانتها زيادة على عشرين يوما " وورد لعن من بات على سطح غير محجر (2) من سافر وحده (3) ومن بات في بيت وحده (4) ونحو ذلك، واعجب من ذلك دعواه كثرة الروايات بتسمية العشاء وترا فانا لم نقف بعد التتبع على اشارة إلى ذلك في رواية واحدة فضلا عن وجود الروايات الكثيرة ولم ينقله ناقل غيره. والله العالم.
(السابعة) - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ترك النافلة لعذر ومنه الهم والغم، واستدلوا على ذلك برواية علي بن اسباط عن عدة من اصحابنا (5) " ان ابا الحسن موسى (عليه السلام) كان إذا اهتم ترك النافلة " وعن معمر بن خلاد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (6) " ان ابا الحسن (عليه السلام) كان إذا
(1) رواه في الوسائل في الباب 86 من آداب الحمام. (2) البحار ج 16 باب (انواع النوم) ولكن لم نعثر على اللعن فيه وانما هو بلفظ النهى والكراهة وانه برئت منه الذمة. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 30 من آداب السفر. (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 16 من اعداد الفرائض.
[ 51 ]
اغتم ترك الخمسين " قال في التهذيب: يريد به تمام الخمسين لان الفرائض لا يجوز تركها على حال. واعترضهم في المدارك بان في الروايتين قصورا من حيث السند، قال والاولى ان لا تترك النافلة بحال للحث الاكيد عليها في النصوص المعتمدة وقل ابي جعفر الصادق (عليه السلام) (1) " وان تارك هذا ليس بكافر - يعني النافلة - ولكنها معصية لانه يستحب إذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه " وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان الواردة في من فاته شئ من النوافل (2) " ان كان شغله في طلب معيشة لا بد منها أو حاجة لاخ مؤمن فلا شئ عليه وان كان شغله لدنيا يتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء وإلا لقى الله عزوجل مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". اقول: فيه (اولا) ان ما طعن به في الخبرين المذكورين فهو لا يقوم حجة على المتقدمين كما سلف بيانه في غير موضع. و (ثانيا) - انه مما يؤيد هذين الخبرين ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) ان للقلوب اقبالا وادبارا فإذا اقبلت فتنفلوا وإذا ادبرت فعليكم بالفريضة " ومثله عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة (4) قال: " ان للقلوب اقبالا وادبارا فإذا اقبلت فاحملوها على النوافل وان ادبرت فاقتصروا بها على الفرائض " ولا ريب ان الهم والغم موجبان لادبارها. و (ثالثا) - ان ما ذكره من الخبرين معارض بما تكاثر في الاخبار من ان " من لقى الله عزوجل بالفرائض الخمس لم يسأله عما سواهن " وقد تقدم الكلام في
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض. (2) التهذيب ج 1 ص 136 وفي الوسائل في الباب 18 من اعداد الفرائض. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 16 من اعداد الفرائض.
[ 52 ]
ذلك قريبا وذكرنا وجه الجمع بين الاخبار باحد وجهين، ونزيد هنا وجها ثالثا ولعله الاقرب وهو حمل اخبار جواز ترك النافلة على ظاهرها وحمل اخبار الذم وجعلها معصية يستحق عليها العذاب على مجرد التأكيد، فانه لا يخفى على من احاط خبرا باخبارهم (عليهم السلام) انهم كثيرا ما يؤكدون في المستحبات على وجه يكاد يلحقها بالواجبات وفى النهي عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيز المحرمات، ويؤيد هذا التوجيه سوق الصلاة في قرن الصوم الواجب والزكاة الواجبة في تلك الاخبار الدالة على الجواز مع ان تارك الصوم المستحب والزكاة المستحبة باي نحو كان لا يكون مؤاخذا فانه لم يرد فيهما ما يدل على ان تركهما معصية أو يكون موجبا لاستحقاق العقاب وحينئذ فذكر ذلك في الصلاة دونهما محمول على مجرد التأكيد والحث على النوافل. والله العالم.
(الثامنة) - ما تضمنته مرفوعة الفضل ابن ابي قرة من تقسيم الاحدى وخمسين ركعة على الساعات المذكورة في الخبر قد روى الصدوق في كتاب العلل عن ابي هاشم الخادم (1) قال: " قلت لا بي الحسن الماضي (عليه السلام) لم جعلت صلاة الفريضة والنافلة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص منها ؟ قال لان ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة فجعل لكل ساعة ركعتين وما بين سقوط الشمس إلى سقوط الشفق غسق فجعل للغسق ركعة " وهذا الخبر وان تضمن السؤال عن الخمسين إلا ان الجواب - كما ترى - يشتمل على احدى وخمسين فيشبه ان يكون قد وقع فيه سهو باسقاط " احدى " من السؤال من المصنف أو احد الرواة، ويحتمل ان السؤال انما كان كذلك فأجاب بما ذكر وفيه تنبيه للسائل على انه كان الاولى ان يسأل عن احدى وخمسين، إلا ان الصدوق في الخصال قد روى هذا الخبر بغير قوله " فجعل للغسق ركعة " وحينئذ فيكون الجواب موافقا للسؤال، إلا انه يبقى الاختلاف بين هذا الخبر على هذه الرواية وبين مرفوعة الفضل المتقدمة،
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض.
[ 53 ]
والصدوق في الفقيه عبر بمضمون هذه الرواية التي ذكرها في الخصال فقال " وانما صارت خمسين ركعة لان ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة " قال شيخنا المجلسي (طاب ثراه) - في كتاب بحار الانوار بعد نقل خبر ابي هاشم الخادم من كتابي العلل والخصال - ما صورته: بيان - هذا اصطلاح شرعي للساعات وهي مختلفة باختلاف الاصطلاحات فمنها مستوية ومنها معوجة والركعة التي جعلت للغسق لعلها ركعتا الوتيرة فانهما تعدان بركعة. انتهى. اقول: وفى هذين الخبرين اشكال لم ار من تنبه له في هذا المجال وهو انهما يشعران بان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من ساعات الليل ولا من ساعات النهار والاجماع نصا وفتوى إلا ما يظهر من هذين الخبرين على ان هذه الساعة من ساعات النهار ولهذا ان صلاة الفجر من صلاة النهار فتوى ورواية. وقد ورد نظير هذين الخبرين فيما رواه جملة من اصحابنا: منهم - السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس في كتاب الامان من اخطار الاسفار والازمان (1) في حديث الامام الباقر (عليه السلام) مع قسيس النصارى حيث قال له القسيس " اخبرني عن ساعة ليست من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فقال (عليه السلام) هي ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها الساهر ويفيق فيها المغمى عليه جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين وفى الآخرة للعاملين لها دليلا واضحا وحجابا مانعا على الجاحدين المتكبرين التاركين لها... الحديث ". وشيخنا البهائي (قدس سره) قد اجاب عن هذا الخبر في صدر كتاب مفتاح الفلاح بعد ذكر نحو ما ذكرناه من اتفاق الاصحاب (رضي الله عليهم) على عد هذه الساعة من النهار بانه يمكن التفصي عن الاشكال فيها بانه لعل الامام (عليه السلام) اجاب السائل على ما يوافق عرفه واعتقاده حيث انه سأله عن مسائل لم تكن معروفة
(1) ص 56.
[ 54 ]
إلا بين اكابر علمائهم وهذه المسألة من جملتها. وانت خبير بان جوابه هذا انما ينطبق على هذا الخبر خاصة، وكأنه غفل عن الخبرين المتقدمين أو لم يطلع عليهما في البين فالاشكال فيهما باق على حاله. وقال المحقق الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد (طيب الله تعالى مرقده) في هذا المقام: واما اخراج ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من الليل والنهار واعتبار زمانه على حياله ساعة فقد ورد به بعض الاخبار عنهم (عليه السلام) ومن ذلك ما رواه جماعة من مشيخة علمائنا عن مولانا الصادق (عليه السلام) " ان مطران النصراني سأل اباه الباقر (عليه السلام) عن مسائل عديدة عويصة: منها - الساعة التي ليست من ساعات الليل ولا من ساعات النهار اية ساعة هي ؟ فقال هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " فاستشكل ذلك من باعه في تتبع العلوم وتعرف المذاهب قاصر زاعما ان هذا امر لم ينعقد عليه اصطلاح ولم يذهب إليه ذاهب اصلا، إلى ان قال أليس هذا الاصطلاح منقولا في كتب اعاظم علماء الهيئة من حكماء الهند وأليس الاستاذ أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي ذكر ان براهمة الهند ذهبوا إلى ان ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شئ من الليل والنهار وان ذلك بمنزلة الفصل المشترك بينهما، واورد ذلك الفاضل البير جندي في شرح الزيج الجديد وفي شرح التذكرة. ثم ان ما في اكثر رواياتنا عن ائمتنا المعصومين (عليهم السلام) وما عليه العمل عند اصحابنا (رضوان الله عليهم) اجماعا هو ان زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار ومعدود من ساعاته، وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق فان ذلك امارة غروبها في افق المغرب، والنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفى سائر الابواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعول عليه عند اساطين الالهيين والرياضيين من حكماء اليونان، إلى ان قال واما اصحاب الاحكام من المنجمين فالنهار
[ 55 ]
عندهم محدود في طرفي المبدأ والمنتهى بطلوع مركز الشمس من افق المشرق وغروبه في افق المغرب، وزمان ظهور جرم الشمس إلى طلوع مركزها محسوب عندهم من الليل وزمان غروب المركز إلى اختفاء الجرم ايضا كذلك فليعرف. انتهى. اقول: انت خبير بان غاية ما افاده كلامه هو ثبوت الاصطلاح بذلك ردا على من انكر القول به وانه لم يذهب إليه ذاهب. واما الجواب عن الخبرين المذكورين وكذا خبر النصراني فلم يتعرض له. ويقرب عندي - والله سبحانه واولياؤه اعلم - ان هذه الساعة وان كانت من النهار كما عرفت إلا انها لما كانت اشرف ساعاته كما يستفاد من كلام الباقر (عليه السلام) في جواب النصراني ويدل عليه الامر بالتعقيب والاشتغال بالدعاء فيها وكراهة النوم فيها كراهة مؤكدة ونحو ذلك جعلت مفصولة مستقلة وافردت بالذكر على حدة تنويها بشأنها وعلو رتبتها على غيرها من الساعات. والله العالم.
(التاسعة) - المشهور بين الاصحاب ان نافلة الظهر ثمان ركعات قبلها ونافلة العصر ثمان ركعات قبلها، وقال ابن الجنيد تصلي قبل الظهر ثمان ركعات وثمان ركعات بعدها منها ركعتان نافلة العصر. ومقتضاه ان الزائد على الركعتين ليس للعصر، قيل وربما كان مستنده رواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر وست ركعات بعد الظهر وركعتان قبل العصر " وهي لا تعطي كون الست للظهر مع انه قد تقدم في رواية البزنطي (2) انه يصلي اربعا بعد الظهر واربعا قبل العصر، وبالجملة فالمفهوم من كلامه اضافة هذه النوافل التي قبل الظهر إليها وكذا التي قبل العصر إلى العصر والتي بعد المغرب إلى المغرب والاخبار لا تنهض بذلك إلا ان كان بنوع اشارة وإلا فلا ظهور لها فيه وان قرنت بالقبلية لها والبعدية، ويؤيده ان الشارع قد حد لها وقتا معينا من القدم والقدمين والذراع والذراعين ونحوهما كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وحينئذ فالاولى في نيتها الاقتصار على ملاحظة الامتثال بها خاصة
(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (2) ص 29.
[ 56 ]
من دون اضافتها إلى الفرائض. قيل: وتظهر فائدة الخلاف في اعتبار ايقاع الست قبل القدمين أو المثل ان جعلناها للظهر، وفي ما إذا نذر نافلة العصر فان الواجب الثمان على المشهور وركعتان على قول ابن الجنيد. قال في المدارك ويمكن المناقشة في الموضعين (اما الاول) فبان مقتضى النصوص اعتبار ايقاع الثمان التي قبل الظهر قبل القدمين أو المثل والثمان التي بعدها قبل الاربعة أو المثلين سواء جعلنا الست منها للظهر ام للعصر. و (اما الثاني) فلان النذر يتبع قصد الناذر فان قصد الثماني أو الركعتين وجب وان قصد ما وظفه الشارع للعصر امكن التوقف في صحة هذا النذر لعدم ثبوت الاختصاص كما بيناه. انتهى. وهو جيد إلا انه ينقدح عليه مناقشة اخرى وهي ان ظاهر قوله " مقتضى النصوص اعتبار ايقاع الثمان التي قبل الظهر قبل القدمين أو المثل... الخ " يدل على وجود روايات تدل على كون المثل وقتا لنافلة الظهر والمثلين وقتا لنافلة العصر، وليس كذلك وان قيل به بل ربما كان هو المشهور فانا لم نقف في الاخبار على ما يدل عليه، ويذلك اعترف هو ايضا في رده لكلام المحقق فيما ذكره في شرح قوله في الشرائع " وقت النوافل اليومية للظهر.. الخ " حيث ذكر الرواية التي استدلوا بها على اعتبار المثل وطعن فيها بعدم الدلالة على ذلك وان المراد من القامة فيها قامة الانسان. وليس غيرها في الباب كما سيأتي تحقيقها ان شاء الله تعالى في موضعه فكيف يسند المثل هنا إلى النصوص وهي عارية عن ذلك على العموم والخصوص ؟ والله العالم.
(العاشرة) - قد صرح جملة من الاصحاب بكراهة الكلام بين المغرب ونافلتها لرواية ابي العلاء الخفاف عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) قال: " من صلى المغرب ثم عقب ولم يتكلم حتى يصلي ركعتين كتبتا له في عليين فان صلى اربع ركعات كتبت له حجة مبرورة " واستدل على ذلك في المدارك ايضا بما رواه الشيخ
(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من ابواب التعقيب.
[ 57 ]
عن ابي الفوارس (1) قال: " نهاني أبو عبد الله (عليه السلام) ان اتكلم بين الاربع ركعات التي بعد المغرب " قال: وكراهة الكلام بين الاربع يقتضي كراهة الكلام بينها وبين المغرب بطريق اولى. اقول: وانت خبير بانه لا وجه لهذه الاولوية في المقام إذ من الجائز اختصاص الكراهة بالكلام بين الاربع وان جاز الكلام بينها وبين المغرب بان تجعل الاربع مرتبطة بعضها ببعض كأنها صلاة واحدة، وهذا الحكم لم يذكره الاصحاب مع ان الرواية المذكورة صريحة فيه وان كان في الاولى ايضا نوع اشارة إليه فان قوله (عليه السلام) " فان صلى اربعا " داخل تحت حيز " ثم عقب ولم يتكلم " يعني ان صلى ركعتين مع عدم الفصل بالكلام كان له كذا وان صلى اربعا كان له كذا. وظاهر رواية الخفاف استحباب تقديم التعقيب على صلاة النافلة، ونقل عن الشيخ المفيد في المقنعة ان الاولى القيام إلى نافلة المغرب عند الفراغ منها قبل التعقيب وتأخيره إلى ان يفرغ من النافلة، واحتج له في التهذيب بهذه الرواية وهي كما عرفت بالدلالة على خلافه اشبه. وقال السيد السند في المدارك - بعد ان نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة والشيخ في التهذيب ما قدمناه - ما صورته: وقال الشهيد في الذكرى الافضل المبادرة بها - يعني نافلة المغرب - قبل كل شئ سوى التسبيح ونقل عن المفيد مثله. واستدل عليه بان النبي (صلى الله عليه وآله) فعلها كذلك فانه لما بشر بالحسن (عليه السلام) صلى ركعتين بعد المغرب شكرا فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين ولم يعقب حتى فرغ منها (2) ومقتضى هذه الرواية اولوية فعلها قبل التسبيح ايضا إلا انها مجهولة السند ومعارضة بالاخبار الصحيحة المتضمنة للامر بتسبيح الزهراء (عليها السلام) قبل ان يثني المصلي رجليه من صلاة الفريضة (3) انتهى اقول: ظاهر قوله " واستدل عليه "
(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب التعقيب. (2) رواه في الوسائل في الباب 24 من اعداد الفرائض. (3) رواها في الوسائل في الباب 7 من ابواب التعقيب.
[ 58 ]
ان المستدل هو الشهيد وليس كذلك بل ظاهر الذكرى ان المستدل انما هو الشيخ المفيد (قدس سره) واختيار الذكرى الذي نقله عنه مؤخر عن هذا النقل والاستدلال، وذلك فانه في الذكرى صرح اولا بان وقت نافلة المغرب بعدها حتى يذهب الشفق المغربي قاله الشيخ (قدس سره) في النهاية ثم نقل احتجاج المعتبر على ذلك، إلى ان قال وقال المفيد تفعل بعد التسبيح وقبل التعقيب كما فعلها النبي (صلى الله عليه وآله) لما بشر بالحسن (عليه السلام) فانه صلى ركعتين شكرا فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين ولم يعقب حتى فرغ منهما، وابن الجنيد لا يستحب الكلام ولا عمل شئ بينها وبين المغرب، وبالجملة التوقيت بما ذكره الشيخ (قدس سره) لم نقف عليه، إلى ان قال ولو قيل بامتداد وقتها بوقت المغرب امكن لانها تابعة لها وان كان الافضل المبادرة بها قبل كل شئ سوى التسبيح. انتهى. وبذلك يظهر ما في نقل السيد (قدس سره) من الاجمال الموجب للوقوع في الاشكال. ثم انه لا يخفى ان الرواية الواردة في تعليل النوافل بولادة الحسنين (عليهما السلام) لا اشعار فيها بهذه الزيادة التي ذكرها وهي قوله: " ولم يعقب حتى فرغ منها " وبدونها لا يتم ما ذكره، وهذه صورة الخبر على ما نقل في كتب الاخبار برواية الصدوق والشيخ عنه (1) ونقله في الذكرى ايضا متقدما على هذا الموضع " وسئل الصادق (عليه السلام) لم صارت المغرب ثلاث ركعات واربعا بعدها ليس فيها تقصير في حضر ولا سفر ؟ فقال ان الله تبارك وتعالى انزل عليه نبيه كل صلاة ركعتين فاضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل صلاة ركعتين في الحضر وقصر فيها في السفر إلا المغرب والغداة فلما صلى المغرب بلغه مولد فاطمة (عليها السلام) فاضاف إليها ركعة شكرا لله عزوجل فلما ان ولد الحسن (عليه السلام) اضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل فلما ان ولد الحسين (عليه السلام) اضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل فقال " للذكر مثل
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من اعداد الفرائض.
[ 59 ]
حظ الانثيين " (1) فتركها على حالها في الحضر والسفر " هذا صورة ما روى من الخبر وليس فيه اشعار فضلا عن الدلالة على كون النافلة متقدمة على التعقيب أو متأخرة عنه إذ غايته الدلالة على صلاة هذه الركعات بعد المغرب. واما ما اجاب به في المدارك بناء على ثبوت هذه الزيادة فهو محل نظر ايضا (اما اولا) فلان الطعن فيها بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين كما عرفت، مع انه انما استند في حكمه بكراهة الكلام بين المغرب ونافلتها إلى خبر ضعيف ايضا ولم يطعن فيه بالضعف ولكنهم لا قاعدة لهم يقفون عليها كما عرفت في غير موضع مما تقدم و (اما ثانيا) فانا لم نقف في شئ من الاخبار على ان الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يسبح بعد الصلاة هذا التسبيح الذي علمه فاطمة (عليها السلام) واشتهر بتسبيحها وترادفت النصوص بفضله واستحبابه بعد الصلاة، وبالجملة فغاية ما يفهم من الاخبار انه بعد امره لفاطمة (عليها السلام) بذلك شاع استحبابه واما انه (صلى الله عليه وآله) فعله فغير معلوم من الاخبار، نعم ما ذكره جيد بالنسبة إلى غيره لاستفاضة الاخبار بما ذكره من استحبابه قبل ان يثني المصلي رجليه من جلوسه للتشهد.
(الحادية عشرة) - قال في المنتهى: سجود الشكر في المغرب ينبغي ان يكون بعد نافلتها لما رواه الشيخ عن حفص الجوهري (2) قال: " صلى بنا أبو الحسن (عليه السلام) صلاة المغرب فسجد سجدة الشكر بعد السابعة فقلت له كان آباؤك يسجدون بعد الثالثة فقال ما كان احد من آبائي يسجد إلا بعد السابعة ". قال في المدارك بعد نقل ذلك: وفى السند ضعف مع انه روى جهم بن ابي جهم (3) قال: " رأيت ابا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد سجد بعد الثلاث الركعات من المغرب فقلت له جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث فقال ورأيتني ؟ فقلت نعم. قال
(1) سورة النساء، الآية 12. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب التعقيب.
[ 60 ]
فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب " والظاهر ان المراد به سجدة الشكر والكل حسن ان شاء الله تعالى. انتهى. وظاهر كلامه اخيرا هو التخيير بين الامرين، وبذلك صرح في الذكرى ايضا فقال: في موضع سجدتي الشكر بعد المغرب روايتان يجوز العمل بهما احداهما رواية حفص الجوهري والثانية رواية جهم. اقول: لا يخفى ان القول بالتخيير هنا لا يخلو من الاشكال حيث ان ظاهر كل من الخبرين يدفع الآخر فان ظاهر الاول استحباب السجود بعد السابعة وانه هو الموظف خاصة لفعله (عليه السلام) ذلك ولانكاره على الراوي بانه لم يسجد احد من آبائي إلا بعد السابعة، والمراد بابي الحسن هنا هو الهادي (عليه السلام) كما صرح به في التهذيب وظاهر الخبر الثاني - حيث رآه سجد بعد الثالثة وقوله (عليه السلام): فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب - هو كون ذلك هو السنة الموظفة فكيف يتم القول بالتخيير فيهما كما ذكروه ؟ والاظهر عندي وفاقا للمحدث الكاشاني في الوافي هو حمل الرواية الاولى على التقية كما يشعر به قول الكاظم (عليه السلام) " ورأيتني " وكأنه يستخفي بذلك، ويؤيده ما ورد في توقيعات صاحب الامر (عجل الله نصره وظهوره) من انها بعد الفريضة افضل، روى الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) (1) " انه كتب إليه يسأله عن سجدة الشكر بعد الفريضة فان بعض اصحابنا ذكر انها بدعة فهل يجوز ان يسجدها الرجل بعد الفريضة فان جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الاربع ركعات النافلة ؟ فأجاب (عليه السلام) سجدة الشكر من الزم السنن وأوجبها ولم يقل ان هذه السجدة بدعة إلا من اراد ان يحدث في دين الله بدعة. واما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب التعقيب.
[ 61 ]
انها بعد الثلاث أو بعد الاربع فان فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعد النوافل كفضل الفرائض على النوافل والسجدة دعاء وتسبيح فالافضل ان يكون بعد الفرض وان جعلت بعد النوافل ايضا جاز " انتهى. وجمع بعض الاصحاب بين الخبرين يحمل الاول الدال على انها يعد السبع على الجواز والثاني على الافضل ويدل عليه خبر التوقيع المذكور، والظاهر انه لم يطلع عليه وليته كان حيا فاهديه إليه، إلا انك قد عرفت ان الخبر الاول لا يخلو من منافرة لذلك حيث انه (عليه السلام) مع فعله ذلك انكر ان احدا من آبائه لم يسجد إلا بعد السبع ولا يبعد ملاحظة التقية في التجويز بعد السبع في التوقيع المذكور. والله هو العالم.
(الثانية عشرة) - ذكر جمع من الاصحاب ان الجلوس في الركعتين اللتين بعد العشاء افضل من القيام لورود جملة من النصوص بالجلوس فيهما، ومنها صحيحة الفضيل بن يسار أو حسنته وهي الرواية الاولى من الروايات المتقدمة صدر المقدمة (1) ورواية احمد بن محمد بن ابي نصر ورواية كتاب الفقه الرضوي، وروى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابي عبد الله القزويني (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) لاي علة تصلى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود ؟ فقال لان الله فرض سبع عشرة ركعة فاضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثليها فصارت احدى وخمسين ركعة فتعد هاتان الركعتان من جلوس بركعة " وعن المفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت اصلي العشاء الآخرة فإذا صليت صليت ركعتين وانا جالس فقال اما انهما واحدة ولو مت مت على وتر " وروى الكشي في كتاب الرجال عن هشام المشرقي عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " ان اهل البصرة سألوني فقالوا يونس يقول من السنة ان يصلي الانسان ركعتين وهو جالس فقلت صدق يونس ". إلا انه قد روى الشيخ في الموثق عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه
(1) ص 27. (2) (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 29 من اعداد الفرائض.
[ 62 ]
السلام) في حديث (1) قال: " وركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا والقيام افضل ولا تعدهما من الخمسين " وهو صريح في افضلية القيام، ويقرب منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحارث بن المغيرة النصري (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار، إلى ان قال وركعتان بعد العشاء الآخرة كان ابي يصليهما وهو قاعد وانا اصليهما وانا قائم... الحديث " والتقريب فيه مواظبته (عليه السلام) على القيام فيهما وحمل صلاة ابيه (عليه السلام) وهو قاعد على كونه ثقيل البدن يشق عليه القيام كما ورد عنه (عليه السلام) في خبر حنان بن سدير عن ابيه (3) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) أتصلي النوافل وانت قاعد ؟ قال ما اصليها إلا وانا قاعد منذ حملت هذا اللحم وبلغت هذا السن " وبذلك يظهر ما في الحكم بافضلية الجلوس كما قدمنا نقله عن جملة من الاصحاب والجمع بين اخبار المسألة لا يخلو من اشكال، واما ما ذكره في الذكرى - في الجمع بين الاخبار بجوازها من قعود ومن قيام - ففيه ان محل البحث وتصادم الاخبار في الافضل لافي اصل الجواز. ورجح في المدارك العمل بالخبرين الاولين وطعن في سند الخبرين الاخيرين. وهو متجه بناء على نقله صحيح ابن المغيرة عن الكافي فان سنده فيه ضعيف واما في التهذيب فهو صحيح لانه رواه فيه عن احمد بن محمد بن عيسى عن علي بن حديد عن علي بن النعمان عن الحارث النصري. ويمكن ترجيح الاخبار الاولة باوفقية البدلية لان الركعتين من جلوس تعدان بركعة قائما بخلاف صلاتهما قادما فانه ربما حصلت الزيادة على العدد، ويؤيد ذلك ما رواه في العلل عن ابي عبد الله القزويني إلا انه يتوقف على وجوده محمل للخبرين المذكورين ولا يحضرني الآن محمل يحملان عليه. والله العالم.
(الثالثة عشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز الجلوس في النافلة اختيارا بل قال في المعتبر وهو اطباق العلماء. وقال في المنتهى انه لا يعرف
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 13 من اعداد الفرائض. (3) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب القيام.
[ 63 ]
فيه خلافا. ونقل الشهيد (قدس سره) في الذكرى عن ابن ادريس انه منع من جواز النافلة جالسا مع الاختيار إلا الوتيرة ونسب الجواز إلى الشيخ (قدس سره) في النهاية والى رواية شاذة، قال واعترض على نفسه بجواز النافلة على الراحلة مختارا سفرا وحضرا واجاب بان ذلك خرج بالاجماع، ثم قال في الذكرى قلت دعوى الشذوذ هنا مع الاشتهار عجيبة والمجوزون للنافلة على الراحلة هم المجوزون لفعلها جالسا وذكر النهاية هنا والشيخ يشعر بالخصوصية مع انه قال في المبسوط يجوز ان يصلي النوافل جالسا مع القدرة على القيام وقد روى انه يصلي بدل كل ركعة ركعتين وروى انه ركعة بركعة، وهما جميعا جائزان. وقد ذكره ايضا المفيد (قدس سره) فانه قال وكذلك من اتعبه القيام في النوافل كلها واحب ان يصليها جالسا للترفه فليفعل ذلك وليجعل كل ركعتين ركعة. انتهى ما ذكره في الذكرى. وهو جيد. ومن الاخبار ما رواه في الكافي والفقيه عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له انا نتحدث نقول من صلى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة وسجدتين بسجدة ؟ فقال ليس هو هكذا هي تامة لكم " وروى الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه عن معاوية بن ميسرة (2) " انه سمع ابا عبد الله (عليه السلام) يقول أو سئل أو يصلي الرجل وهو جالس متربعا أو مبسوط الرجلين فقال لا بأس " وروى في الكافي عن معاوية بن ميسرة (3) " ان سنانا سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه وهو جالس قال لا بأس ولا اراه إلا قال في المعتل والمريض " قال في الكافي (4) وفي حديث آخر " يصلي متربعا ومادا رجليه كل ذلك واسع " وفي التهذيب عن محمد بن سهل عن ابيه وفي الفقيه عن ابيه (5)
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب القيام. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب القيام. (5) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب القيام.
[ 64 ]
" انه سأل ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن الرجل يصلي النافلة قاعدا وليست به علة في سفر أو حضر قال لا بأس به " وروى في الكافي في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت الرجل يصلي وهو قاعد فيقرأ السورة فإذا اراد ان يختمها قام فركع بآخرها، قال صلاته صلاة القائم " وفي الصحيح عن حماد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصلي وهو جالس فقال إذا اردت ان تصلي وانت جالس وتكتب لك صلاة القائم فاقرأ وانت جالس فإذا كنت في آخر السورة فقم فاتمها واركع فتلك تحسب لك بصلاة القائم " وروى في الفقيه عن حماد بن عثمان (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قد يشتد علي القيام في الصلاة ؟ فقال إذا اردت ان تدرك صلاة القائم فاقرأ وانت جالس فإذا بقى من السورة آيتان فقم واتم ما بقى واركع واسجد فذلك صلاة القائم " وروى في التهذيب عن محمد بن مسلم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا ؟ قال يضعف ركعتين بركعة " وعن الصيقل (5) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صلى الرجل جالسا وهو يستطيع القيام فليضعف ". اقول: قد اتفقت هذه الاخبار في رد ما ذكره ابن ادريس من منع جواز النافلة جالسا مع الاختيار ونسبة الرواية الدالة على ذلك إلى الشذوذ. بقى الكلام في ان الروايتين الاخيرتين قد دلتا على استحباب التضعيف متى صلى جالسا وعلى ذلك حملهما الشيخ ومن تبعه من الاصحاب وبه صرح الشيخ المفيد فيما قدمناه من عبارته المنقولة عنه في الذكرى. وانت خبير بان رواية ابي بصير قد تضمنت بعد الاخبار عما دلت عليه هاتان الروايتان من نقصان الصلاة من جلوس الموجب في تحصيل اتمامها إلى التضعيف ان الصلاة من جلوس تامة لكم يعني ثوابها تام لا يحتاج
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب القيام. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب القيام.
[ 65 ]
إلى التضعيف، وهو بظاهره مدافع لما دل عليه الخبران المذكوران، ولم اقف على من تعرض لوجه الجواب عن ذلك مع ظهور التدافع كما عرفت، ولا يحضرني الآن وجه للجواب عن ذلك الا بان يحمل تمامها على القيام فيها في آخر السورة ثم الركوع عن قيام كما دل عليه صحاح حماد وزرارة لما دلت عليه من انه من صلاها على هذا الوجه حسب له ثواب صلاة القائم واما لو صلاها لا كذلك فان الافضل التضعيف. وقال في المدارك: وفى جواز الاضطجاع والاستلقاء مع القدرة على القيام قولان اظهرهما العدم لتوقف العبادة على النقل وعدم ثبوت التعبد به. وقيل بالجواز لان الكيفية تابعة للاصل فلا تجب كالاصل. وضعفه ظاهر لان الوجوب هنا بمعنى الشرط كالطهارة في النافلة وترتيب الافعال فيها. انتهى. وهو جيد. والله العالم.
(الرابعة عشرة) - قد صرح جملة من الاصحاب بان الافضل في الصلاة جالسا ان يكون متربعا، قال في المنتهى واما استحباب التربيع في حال الجلوس فهو قول علمائنا والشافعي ومالك والثوري واحمد واسحاق وروى عن ابن عمر وابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير خلافا لابي حنيفة (1) ثم قال: لنا ما رواه الجمهور عن انس (2) " انه صلى متربعا فلما ركع ثنى رجليه " ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن حمران بن اعين عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " كان ابي إذا صلى جالسا تربع فإذا ركع ثنى رجليه " انتهى ولم يفسر التربيع الذي ذكره ولم يبين كيفيته ولم اقف على من بين كيفيته إلا على كلام لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة في الفصل الرابع في بيان مستحبات الصلاة حيث قال بعد قول المصنف: " وتربع المصلي قاعدا " ما لفظه: لعجز أو لكونها نافلة بان يجلس على الييه وينصب ساقيه ووركيه كما تجلس المرأة للتشهد. انتهى ولم اقف في شئ من الاخبار على ما يدل على هذه الكيفية في صلاة القاعد نعم فيها كما
(1) و (2) المغنى ج 2 ص 142. (3) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب القيام.
[ 66 ]
عرفت من رواية حمران استحباب التربع ولكن لم تبين كيفيته. وفي المقام اشكال لم ار من تنبه له ولا نبه عليه وهو ان معنى رواية حمران المذكورة استحباب التربع في الصلاة من جلوس وقد عرفت دعوى العلامة اتفاق علمائنا واكثر العامة على ذلك، مع ان هنا جملة من الاخبار قد وردت بكراهة ذلك واطلاقها شامل للصلاة وغيرها، ومنها ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) إذا جلس احدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد ولا يضع احدى رجليه على الاخرى ولا يتربع فانها جلسة يبغضها الله تعالى ويبغض صاحبها " وفى بعض الاخبار (2) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس ثلاثا: القرفصاء وعلى ركبتيه وكان يثني رجلا واحدة ويبسط عليها الاخرى، ولم ير متربعا قط " وظاهر هذين الخبرين - كما ترى - عموم الكراهة في جميع الحالات من صلاة وغيرها، إلا انه قد ورد بازاء هذين الخبرين ايضا ما يدل على الجواز كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي ابن ابي شعبة (3) " انه رأى ابا عبد الله (عليه السلام) متربعا.. الحديث " وروى الصدوق عن حماد بن عثمان عن عمر بن اذينة عن ابي سعيد (4) " انه رأى ابا عبد الله (عليه السلام) يأكل متربعا ". قال الشيخ الفاضل الزاهد العابد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي (قدس سره) في كتاب مجمع البحرين بعد نقل الحديث النبوي " ولم ير متربعا قط ": التربع عبارة عن ان يقعد على وركيه ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه وقدمه إلى جانب شماله واليسرى بالعكس، ثم قال قاله في المجمع، ثم حمل خبر اكل الصادق (عليه السلام) متربعا على الضرورة أو بيان الجواز، وحينئذ فان كان التربع عبارة عن هيئة واحدة - كما هو ظاهر الشيخ فخر الدين حيث حمل حديث الصادق (عليه السلام) على الضرورة
(1) و (4) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب المائدة. (2) الوسائل الباب 74 من احكام العشرة. (3) الوسائل في الباب 6 من آداب المائدة.
[ 67 ]
أو الجواز، ومثله الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل حيث ان ظاهر كلامه بعد حكمه بكراهة التربع حمل الحديث المذكور على بيان الجواز - اشكل الحكم في الجمع بين هذه الاخبار فان الاستحباب والكراهة حكمان متقابلان لا يتصف بهما امر واحد، واحتمال الاستحباب والكراهة بالنظر إلى حالتي الصلاة والاكل فيستحب في حال الصلاة ويكره في الجلوس للاكل يدفعه عموم اخبار الكراهة من قوله: " لم ير متربعا قط " وقوله " انها جلسة يبغضها الله تعالى ويبغض صاحبها " وان كان له كيفيات متعددة - كما يظهر من عبارة القاموس حيث قال: " وتربع في جلوسه خلاف جثى وأقعى " وظاهره صدق التربع على جميع هيئات الجلوس إلا الجلوس جاثيا ومقعيا - زال الاشكال، إلا اني لم اقف على دليل واضح من الاخبار لبيان هيئة من هيئاته. نعم روى الكشي (1) في ترجمة جعفر بن عيسى في حديث عن ابي الحسن (عليه السلام) قال فيه " وكان جالسا إلى جنب رجل وهو متربع رجلا على رجل " ويمكن ان يحمل خبر ابي بصير المتقدم وقوله فيه: " ولا يضع احدى رجليه على الاخرى ولا يتربع " على ان التربع هو وضع احدى الرجلين على الاخرى كما دل عليه خبر الكشي فيكون قوله " ولا يتربع " عطفا تفسيريا وهو الاوفق بقوله " فانها جلسة يبغضها الله تعالى " بان يكون وضع احدى الرجلين على الاخرى هو التربع الذي يبغضه الله تعالى، والكلام في جلوسه (عليه السلام) متربعا يحمل على ما حملت عليه الاخبار المتقدمة من الضرورة أو بيان الجواز أو تعدد الهيئات. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال إلا ان المقام مقام استحباب أو كراهة. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد ذكر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية ركوع القاعد حالتين (احداهما) ان ينحني بحيث يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع القائم بالنسبة إلى القائم بالنسبة إلى القائم. و (ثانيتهما) ان ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده
(1) ص 310.
[ 68 ]
وادناه ان ينحني بحيث تصل جهته إلى قدام ركبتيه، واكمل ركوع القائم ان يستوي ظهره وعنقه وهو يستلزم محاذاة الجبهة موضع السجود. والظاهر ان كلا منهما محصل ليقين البراءة لكن المنقول عن الشهيد (قدس سره) في بعض كتبه انه اوجب رفع الفخذين من الارض استنادا إلى انه واجب حال القيام والاصل بقاؤه. واعترض عليه بان ذلك غير مقصود حال القيام بل انما جعل تبعا للهيئة الواجبة في تلك الحالة وهي منتفية ههنا وانه ينتقض بالصاق البطن فانه يحصل في حال القعود اكثر مما يحصل في حال القيام ولم يحكم باعتبار التجافي. والله العالم. (الخامسة عشرة) - قد تكاثرت الاخبار باستحباب صلاة ركعتين بين المغرب والعشاء وتسمى ركعتي الغفيلة وركعتي الغفلة وركعتي ساعة الغفلة، ومن ذلك ما رواه الشيخ في كتاب المصباح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من صلى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الاولى الحمد وقوله تعالى " وذو النون إذ ذهب مغاضبا.. إلى وكذلك ننجي المؤمنين " (2) وفي الثانية الحمد وقوله تعالى " وعنده مفاتح الغيب.. إلى آخر الآية " (3) فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال: اللهم اني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا انت ان تصلي على محمد وآل محمد وان تفعل بي كذا وكذا، ويقول اللهم انت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فاسألك بمحمد وآله (عليهم السلام) لما قضيتها لي، وسأل الله حاجته اعطاه الله تعالى ما سأل " ورواه السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل باسناده عن هشام بن سالم مثله (4) وزاد " فان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لا تتركوا ركعتي الغفلة وهما ما بين العشاءين " ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: قال رسول الله (صلى الله
(1) و (5) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة. (2) سورة الانبياء، الآية 87. (3) سورة الانعام، الآية 59. (4) البحار ج 18 ص 544.
[ 69 ]
عليه وآله) وفى كتاب العلل مسندا في الموثق عن سماعة عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تنفلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فانهما تورثان دار الكرامة " قال: وفى خبر آخر " دار السلام وهي الجنة " وساعة الغفلة ما بين المغرب والعشاء الآخرة. وروى الشيخ في التهذيب بسنده عن وهب أو السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تنفلوا.. الحديث إلى قوله دار الكرامة " ثم زاد " قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما ساعة الغفلة ؟ قال ما بين المغرب والعشاء " ورى هذه الرواية ايضا ابن طاووس في كتاب فلاح السائل (3) وزاد " قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما معنى خفيفتين ؟ قال تقرأ فيهما الحمد وحدها. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمتى اصليها ؟ قال ما بين المغرب والعشاء " وروى الصدوق في الفقيه عن الباقر (عليه السلام) (4) " ان ابليس انما يبث جنوده جنود الليل من حين تغيب الشمس. إلى مغيب الشفق ويبث جنود النهار من حين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وذكر ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقول: اكثروا ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين وتعوذوا بالله عزوجل من شر ابليس وجنوده وعوذوا صغاركم في هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة ".
اقول: وفي المقام فوائد:
(الاولى) - ظاهر الاخبار المذكورة ان محل الصلاة المذكورة بين صلاتي المغرب والعشاء متى صليتا في وقت فضيلتهما، وظاهر شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح ان وقتهما من غروب الشمس إلى غروب الشفق المغربي، قال في الكتاب المذكور - بعد ذكر حديث السكوني أو وهب المنقول برواية الشيخ في
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة. (3) البحار ج 18 ص 545. (4) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب التعقيب.
[ 70 ]
التهذيب وقوله فيه " ما بين المغرب والعشاء " ما لفظه: ولا يخفى ان المراد ما بين وقت المغرب ووقت العشاء اعني مابين غروب الشمس إلى غيبوبة الشفق كما يرشدك إليه الحديث السابق لا ما بين الصلاتين، وقد ورد الاحاديث الصحيحة ان اول وقت العشاء غيبوبة الشفق (1) ومن هذا يستفاد ان وقت اداء ركعتي الغفيلة ما بين الغروب وذهاب الشفق فان خرج صارت قضاء. انتهى. اقول: اشار بالحديث السابق إلى ما نقلناه اخيرا من حديث بث ابليس جنوده من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق. وانت خبير بان غاية ما يدل عليه الخبر المذكور ان ابتداء البث من ذلك الوقت ولا دلالة فيه على كون الصلاة من ذلك الوقت، ومجرد كون هذه الصلاة تصلى في ساعة الغفلة لا يستلزم جواز تقديمها على الفريضة سيما مع استفاضة النصوص بالمنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها، على انها بين الفرضين واقعة في الساعة المذكورة متى صلى الفرضين في وقت فضيلتهما، ورواية هشام بن سالم صريحة في كونها بين الفرضين وكذا المرسلة المنقولة في كتاب فلاح السائل عن النبي (صلى الله عليه وآله) ونحوهما المرسلة الثانية. وبالجملة فالظاهر من الاخبار ان وقتها انما هو بين الصلاتين وان كانت ساعة الغفلة ممتدة من غروب الشمس، ولعل السر في تخصيصها بما ذكرناه من حيث الاخبار المانعة من التطوع بعد دخول وقت الفريضة.
(الثانية) - المفهوم من الاخبار اختصاص القضاء بالرواتب اليومية بعد فوات اوقاتها، وصريح شيخنا المتقدم ان هاتين الركعتين تقضيان بعد فوات وقتهما، ولم اقف له على دليل بل ولا قائل سواه (قدس سره) ولعل منشأ ما ذهب إليه من حيث التوقيت إلا ان مجرد ذلك لا يوجب القضاء فانه كما يتوقف الاتيان بها في ذلك الوقت على دليل كذلك يتوقف القضاء على الدليل على الاشهر الاظهر، ومجرد فوات الاداء لا يستلزم القضاء كما عليه المحققون من اصحابنا (رضوان الله عليهم).
(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من المواقيت.
[ 71 ]
(الثالثة) - ذهب بعض مشايخنا المعاصرين - على ما نقل عنه - إلى انه يكفي في اداء هذه الوظيفة الاتيان بنافلتي المغرب. ولعله نظر إلى الامر بالتنفل في ساعة الغفلة بقول مطلق، وهو وان امكن احتماله إلا ان ورود الخبر بتعيين صلاة معينة بقراءة خاصة وكيفية تفارق بها كيفية نافلتي المغرب الموظفة يعطي تقييد ذلك الاطلاق بهذه الصلاة الخاصة الزائدة على نافلتي المغرب، ولا ريب ان الاحتياط في تحصيل هذه الوظيفة انما يتم بما ذكرنا، وهو ظاهر الاصحاب ايضا حيث انهم ذكروا في هذا المقام هذه الصلاة المخصوصة زيادة على نافلتي المغرب.
(الرابعة) - ما ورد في الرواية المنقولة من كتاب فلاح السائل من تفسير الخفيفتين بالاقتصار على الحمد وحدها مع ما عرفت من رواية هشام بن سالم من استحباب قراءة الآيتين المذكورتين لعله محمول على ضيق الوقت أو الاستعجال لحاجة ونحو ذلك، وظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى ان هاتين الركعتين في هذه الرواية غير ركعتي الغفيلة المذكورة في رواية هشام بن سالم حيث قال: يستحب ركعتان ساعة الغفلة وقد رواهما الشيخ، ثم نقل الرواية المشتملة على الركعتين الخفيفتين ثم قال ويستحب ايضا بين المغرب والعشاء ركعتان يقرأ في الاولى بعد الحمد: وذا النون إذ ذهب مغاضبا.. الخ، إلى ان قال فان الله تعالى يعطيه ما يشاء. والظاهر عندي ان الركعتين المذكورتين في الروايتين انما هما صلاة واحدة وان اختلفت العبارتان كما ذكرنا.
(الخامسة) - نقل الشيخ الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابن عباس في تفسير قوله سبحانه حكاية عن موسى على نبينا وآله وعليه السلام " ودخل المدينة على حين غفلة من اهلها " (1) ان دخوله كان فيما بين المغرب والعشاء. انتهى. وفيه اشارة إلى ما دلت عليه هذه الاخبار ان ثبت النقل المذكور. (السادسة) - قوله في الدعاء المذكور في القنوت " لما قضيتها لي " يجوز
(1) سورة القصص، الآية 15.
[ 72 ]
قراءته بالتشديد والتخفيف فعلى تقدير التشديد يكون " لما " بمعنى " إلا " يعني " إلا قضيتها لي " وعلى تقدير التخفيف تجعل " ما " زائدة للتأكيد واللام فيها جواب القسم والتقدير " لتقضيها لي " كذا في كتاب مجمع البيان.
(تذنيب) من المستحب في هذه الساعة ايضا صلاة ركعتين يقرأ في الاولى بعد الحمد سورة الزلزلة ثلاث عشرة مرة وفى الثانية بعد الحمد التوحيد خمس عشرة مرة. روى الشيخ (طاب ثراه) في كتاب المصباح عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلوات الله عليهم) (1) قال: " اوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الاولى الحمد وإذا زلزلت ثلاث عشرة مرة وفي الثانية الحمد وقل هو الله احد خمس عشرة مرة فانه من فعل ذلك كل شهر كان من الموقنين، فان فعل ذلك في كل سنة كان من المحسنين، فان فعل ذلك في كل جمعة كان من المخلصين، فان فعل ذلك كل ليلة زاحمني في الجنة ولم يحص ثوابه إلا الله تعالى ".
(السادسة عشرة) - ما تضمنه خبر الحجال - من صلاة الصادق (عليه السلام) الركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ثم ركعتين من جلوس وانه متى لم يدرك صلاة الليل والوتر في آخره اضاف إليها ركعة كما في بعض الاخبار أو ركعتين كما في الرواية الاخرى واحتسب بها مع ما قدمه وترا (2) - لا يخلو من الاشكال. قال شيخنا الشهيد في الذكرى - بعد نقل الخبر المذكور بالرواية المشتملة على لفظ الركعة - ما صورته: وفيه ايماء إلى جواز تقديم الشفع في اول الليل وهو خلاف المشهور، نعم في خبر زرارة عنه (عليه السلام) (3) " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن حتى يوتر " وهذا يمكن حمله على الضرورة، وفى المصباح يستحب ان يصلي بعد ركعتي الوتيرة ركعتين من قيام، وانكرهما ابن ادريس استسلافا لان الوتيرة
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من الصلوات المندوبة. (2) ص 32. (3) رواه في الوسائل في الباب 29 من اعداد الفرائض.
[ 73 ]
خاتمة النوافل كما صرح به الشيخان في المقنعة والنهاية حتى في نافلة شهر رمضان وهو مشهور بين الاصحاب، والذي في رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك " ولكنه في سياق الوتر لا الوتيرة. ونسب ابن ادريس الرواية بالركعتين إلى الشذوذ، وفى المختلف لا مشاحة في التقديم والتأخير لصلاحية الوقت للنافلة. اقول: ما ذكره من ان في الخبر ايماء الجواز تقديم الشفع وانه خلاف المشهور صحيح ولكنه بهذا التقريب يجب حمله على التقية، لان المنقول عن العامة انهم يستحبون تقديم الوتر في اول الليل فان انتبهوا في آخر الليل صلوا صلاة الليل واوتروا فصلوا وترين في ليلة وإلا احتسبوا بما قدموه (2) والاخبار قد نفت عليهم فعل وترين في ليلة واحدة إلا ان يكون احدهما قضاء (3) ومما يشير إلى ذلك ما في صحيحة الحلبي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شئ ؟ قال لا غير اني اصلي بعدها ركعتين ولست احسبهما من صلاة الليل " قال في الوافي: فيه رد على العامة فانهم ابدعوا وترا بعد صلاة العشاء يحسبونه من صلاة الليل إذا لم يستيقظو آخر الليل فان استيقضوا اعادوها فيصلون وترين في ليلة. انتهى. واما ما ذكره - من دلالة خبر زرارة على ذلك ايضا حتى انه تأوله بحمله على الضرورة - فقد تقدم الكلام فيه منقحا وبينا ان المراد بالوتر هنا انما هي الوتيرة التي تستحب بعد العشاء فلا اشكال في الخبر المذكور. واما ما نقله عن ابن ادريس - من انكاره لما ذكره الشيخ ونسبة الرواية إلى الشذوذ - ففيه ان ما دل على الصلاة بعد الوتيرة ليس منحصرا في رواية الشيخ المذكورة بل هو مدلول الخبر الذي هو محل البحث وصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في صدر المقدمة (5) إلا ان ظاهر
(1) و (3) رواها في الوسائل في الباب 42 من الصلوات المندوبة. (2) راجع التعليقة 1 ص 29. (4) المروية في الوسائل في الباب 27 من اعداد الفرائض. (5) ص 29.
[ 74 ]
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة أو حسنته المشار إليها في كلامه " وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك " هو ان خاتم صلاة تلك الليلة الوتيرة، واستبعاد اطلاق الوتر على الوتيرة كما يفهم من كلامه مدفوع بما تقدم في الفائدة السادسة من الاخبار الدالة على صحة هذا الاطلاق وان كان سياق الخبر انما هو في الوتر الذي في آخر الليل والكلام في قضائه إلا انه لا منافاة في ذلك، وبالجملة فالكلام في المسألة غير خال من شوب الاشكال لما عرفت. وقال المحدث الكاشاني في الوافي ذيل الخبر المشار إليه: لعل المراد انه صلى ركعة فصارت مع اللتين صلاهما جالسا شفعا فتصيران نافلة الفجر فقوله " واحتسب بالركعتين " بيان لعدهما واحدة لتصيرا مع هذه شفعا، وفي بعض النسخ " صلى ركعتين " فيكون المراد فصارت صلاته هذه شفعا وهي مع اللتين صلاهما جالسا تحتسب بصلاة الوتر لانهما تعدان بواحدة وربما يوجد " سبعا " مكان " شفعا " وكأنه تصحيف انتهى. ولا يخلو من اضطراب وتناقض. والذي يقرب عندي في معنى الخبر المذكور ان الركعتين اللتين صلاهما (عليه السلام) بعد العشاء بلا فصل وقرأ فيهما مائة آية هما ركعتا الوتيرة بقرينة قراءة مائة آية التي قد ورد في غير هذا الخبر استحبابها فيها وقرينة قوله " ولا يحتسب بهما " يعني من صلاة الليل كما تقدم ذكره، واما الركعتان من جلوس اللتان بعدهما فان الغرض منهما انه متى لم يستيقظ حتى يطلع الفجر فانه يضيف اليهما ركعة من قيام كما في احدى الروايتين أو ركعتين يعني من جلوس كما في الرواية الاخرى ويحتسب بذلك عن صلاة الفجر، واما قوله " واحتسب بالركعتين " فهو راجع إلى الوتيرة بقرينة قوله " اللتين صلاهما بعد العشاء " فانهما اللتان يحتسب بهما عن الوتر لما عرفت من ان من جملة التعليلات في الوتيرة هو قيامها مقام الوتر في آخر الليل لو مات ولم يوتر، ومورد ذلك الخبر وان كان الموت إلا ان ظاهر هذا الخبر فوات الوقت ايضا، وكيف كان فالحكمان المذكوران
[ 75 ]
لا يخلوان من غرابة ولعل ذلك من جملة الرخص الواردة في الشريعة. ومما يؤيد هذا الخبر باعتبار دلالته على الزيادة على الوتيرة بعد العشاء الآخرة ما تقدم في حسنة عبد الله بن سنان (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) إلى ان قال ورأيته يصلي بعد العتمة اربع ركعات " وقد تقدم النقل عن صاحب الوافي انه حملها على غير الرواتب أو انها قضاء لها والظاهر حملها على ما دل عليه هذا الخبر، وكذلك الخبر الذي نقله في الذكرى عن الشيخ في المصباح إلا ان خبر المصباح تضمن الركعتين من قيام والخبر الذي نحن فيه من جلوس وخبر ابن سنان مجمل.
(السابعة عشرة) - روى الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " من قال في آخر سجدة من النافلة بعد المغرب ليلة الجمعة - وان قال كل ليلة فهو افضل -: اللهم اني اسألك بوجهك الكريم واسمك العظيم ان تصلي على محمد وآل محمد وان تغفر لي ذنبي العظيم - سبع مرات انصرف وقد غفر له " وظاهر الشهيد في الذكرى ان محل هذا الدعاء السجدة الواقعة بعد السبع حيث قال بعد ذكر الخلاف في موضع سجدتي الشكر بعد المغرب وذكر روايتي حفص الجوهري وجهم المتقدمتين في الفائدة الحادية عشرة: ويستحب ان يقال في السجدة بعد السبع ليلة الجمعة: اللهم اني اسألك، وساق الدعاء إلى آخره، وهو وهم منه (قدس سره) لما عرفت من الرواية المذكورة التي هي المستند في هذا الحكم.
(الثامنة عشرة) - المعروف من مذهب الاصحاب - وبه صرح جملة منهم - ان كل النوافل يسلم فيها على الركعتين إلا مفردة الوتر وصلاة الاعرابي بل نقل عن الشيخ في الخلاف وابن ادريس دعوى الاجماع عليه. قال في الذكرى: ومنع في المبسوط من الزيادة على ركعتين اقتصارا على ما نقل
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض. (2) رواه في الوسائل في الباب 46 من صلاة الجمعة.
[ 76 ]
عن النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته، وقال في الخلاف ان فعل خالف السنة واحتج باجماعنا وبما رواه ابن عمر (1) " ان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشى احدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى " ثم نقل عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى " ثم قال فدل على ان ما زاد على مثنى لا يجوز. وظاهر كلامه في الكتابين عدم شرعيته وانعقاده. وهل يجوز الركعة الواحدة في غير الوتر ؟ منع منه في الخلاف والمعتبر اقتصارا على المتفق عليه من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ولرواية ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " انه نهى عن البتراء يعني الركعة الواحدة " وقد ذكر الشيخ في المصباح (4) عن زيد بن ثابت صلاة الاعرابي عند ارتفاع نهار الجمعة عشر ركعات يقرأ في الركعتين الاوليين الحمد مرة والفلق سبعا وفى الثانية بعد الحمد الناس سبعا ويسلم ويقرأ آية الكرسي سبعا ثم يصلي ثمان ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة والنصر مرة والاخلاص خمسا وعشرين مرة ثم يدعو بالمرسوم، ولم يذكر سندها ولا وقفت لها على سند من طريق الاصحاب قال ابن ادريس قد روى رواية في صلاة الاعرابي فان صحت لا تعدى لان الاجماع على ركعتين بتسليمة. انتهى ما ذكره في الذكرى. اقول: الاظهر في الاستدلال على الحكم المذكور هو ما اشاروا إليه مما ملخصه ان العبادات توقيفية متلقاة من صاحب الشرع والذي ثبت وصح عنه ان كل ركعتين بتسليمة خرج منها ركعة الوتر بالنصوص المستفيضة، ويزيده تأكيدا ما رواه عبد الله بن
(1) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 280 وسنن البيهقي ج 2 ص 486. (2) كما في سنن البيهقي ج 2 ص 487. (3) نقل الشوكاني في نيل الاوطار ج 3 ص 28 عن الحنفية الايتار بثلاث واستدلوا عليه بما رواه محمد بن كعب القرظي " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن البتيراء ". (4) ص 222.
[ 77 ]
جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصلي النافلة أيصلح له ان يصلي اربع ركعات لا يسلم بينهن ؟ قال لا إلا ان يسلم بين كل ركعتين " وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن ابي بصير (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم " واما صلاة الاعرابي فلم يثبت طريقها من روايات الاصحاب كما اعترف به شيخنا المذكور وغيره والخبر الوارد بها عامي لا يمكن تخصيص الاخبار به. والله العالم.
(التاسعة عشرة) - اتفق اصحابنا (رضوان الله عليهم) على ان صلاة الضحى بدعة، قال الشيخ في الخلاف صلاة الضحى بدعة لا يجوز فعلها وخالف جميع الفقهاء في ذلك فقالوا انها سنة (3) ثم قال دليلنا اجماع الفرقة ثم نقل بعض الروايات الدالة على ذلك من طرقهم. وقال العلامة في المنتهى صلاة الضحى بدعة عند علمائنا خلافا للجمهور فانهم اطبقوا على استحبابها.
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 15 من اعداد الفرائض. (3) في نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 53 ان ابن القيم جمع الاقوال في صلاة الضحى فبلغت إلى ستة " الاول " انها سنة " الثاني " لا تشرع إلا بسبب فان النبي (صلى الله عليه وآله) صلاها يوم الفتح بسبب الفتح والامراء يسمونها صلاه الفتح " الثالث " انها لا تستحب " الرابع " يستحب فعلها تارة وتركها اخرى " الخامس " يستحب المحافظة عليها في البيوت " السادس " انها بدعة. وفي زاد المعاد لابن القيم على هامش شرح الزرقاني على المواهب ج 1 ص 343 عن ابي هريرة انه لم ير النبي (صلى الله عليه وآله) صلى صلاة الضحى إلا يوما واحدا. وعن عبد الرحمان بن ابي بكرة ان ابا بكرة رأى ناسا يصلون الضحى فقال انكم تصلون صلاة ما صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا عامة اصحابه. وعن مجاهد انه وعروة بن الزبير دخل المسجد وابن عمر فيه والناس يصلون الضحى فسألناه عنها فقال بدعة ونعمت البدعة. وفي الموطأ لمالك ج 1 ص 167 عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى سبحة الضحى قط. وفي شرح السيوطي عليه ما يؤيده وكذا في صحيح البخاري ابواب التطوع.
[ 78 ]
واستدل في المنتهى على ذلك بما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل (1) قالوا: " سألناهما (عليهما السلام) عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا ان النبي (صلى الله عليه وآله) قام على منبره فحمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة وصلاة الضحى بدعة ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلوا صلاة الضحى فان ذلك معصية ألا وان كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار، ثم نزل وهو يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة ". اقول: ويدل على ذلك ايضا ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " ما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الضحى قط. قال فقلت له ألم تخبرني انه كان يصلي في صدر النهار اربع ركعات ؟ فقال بلى انه كان يجعلها من الثمان التي بعد الظهر " اقول سيأتي الكلام ان شاء الله تعالى في تقديم نافلة الزوال في صدر النهار، والمراد بقوله " بعد الظهر " يعني بعد وقت الظهر وهو الزوال لا الصلاة. وعن بكير بن اعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " ما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الضحى قط " وعن عبد الواحد بن المختار الانصاري عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن صلاة الضحى قال اول من صلاها قومك انهم كانوا من الغافلين فيصلونها ولم يصلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال ان عليا (عليه السلام) مر على رجل وهو يصليها فقال ما هذه الصلاة ؟ قال ادعها يا أمير المؤمنين ؟ فقال علي (عليه السلام) اكون انهى عبدا إذا صلى " وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار في حديث رجاء بن ابي الضحاك الذي صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى خراسان (5) قال: " ما رأيته صلى الضحى في سفر ولا حضر " وروى في الكافي
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان. (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 31 من اعداد الفرائض.
[ 79 ]
في الصحيح عن سيف بن عميرة رفعه (1) قال: " مر أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل يصلي الضحى في مسجد الكوفة فغمز جنبه بالدرة وقال نحرت صلاة الاوابين نحرك الله. قال فاتركها ؟ قال فقال: " أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " (2) فقال أبو عبد الله (عليه السلام) وكفى بانكار علي (عليه السلام) نهيا ". واما ما رواه في الكافي عن معاوية بن وهب - (3) قال: " لما كان يوم فتح مكة ضربت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيمة سوداء من شعر بالابطح ثم افاض عليه الماء من جفنة يرى فيها اثر العجين ثم تحرى القبلة ضحى فركع ثماني ركعات لم يركعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ذلك ولا بعد " - فحمله في الوافي على ما دل عليه صحيح زرارة المتقدم من كون ذلك من نافلة الظهر التي يجوز تقديمها صدر النهار. وفيه انه (صلى الله عيله وآله) كان مسافرا فرضه التقصير فكيف يصلي نوافل الظهر ؟ والاظهر عندي حمل هذه الصلاة على الشكر لله سبحانه في التوفيق للفتح كما يشير إليه قوله " لم يركعها قبل ذلك ولا بعد ". واما ما رواه في كتاب البحار (4) عن كتاب الاختصاص في الموثق عن يونس ابن يعقوب - قال: " دخل عيسى بن عبد الله القمي على ابي عبد الله (عليه السلام) فلما انصرف قال لخادمه ادعه فانصرف إليه فاوصاه باشياء ثم قال يا عيسى بن عبد الله ان الله تعالى يقول " وامر اهلك بالصلاة " (5) وانك منا اهل البيت فإذا كانت الشمس من ههنا بمقدارها من ههنا من العصر فصل ست ركعات، قال ثم ودعه وقبل ما بين عيني عيسى وانصرف، قال يونس بن يعقوب فما تركت الست ركعات منذ سمعت ابا عبد الله
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من اعداد الفرائض. (2) سورة العلق، الآية 10. (3) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب المواقيت. (4) ج 18 الصلاة ص 83. (5) سوره طه، الآية 132.
[ 80 ]
(عليه السلام) يقول ذلك لعيسى بن عبد الله " - فالظاهر حمله على التقية أو الاتقاء على الرجل المذكور لئلا يتضرر بترك ذلك. وعلى ذلك يحمل قول امير المؤمنين (عليه السلام) " أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " (1) فانه (عليه السلام) غير متمكن حسب الواقع من زجرهم عن بدع الثلاثة المتقدمين وربما احتجوا عليه بالآية المذكورة، ويشير إلى ما ذكرنا قول ابي عبد الله (عليه السلام) في مرفوعة سيف بن عمبرة " وكفى بانكار علي (عليه السلام) نهيا " فانه ظاهر في ان انشاده (عليه السلام) الآية ليس للتجويز وانما هو لما ذكرناه، وبالجملة فان غمزه (عليه السلام) للرجل بالدرة ودعاءه بان ينحره الله تعالى يعني يذبحه ظاهر في التحريم ولكنه لما كان الرجل جاهلا غبيا أو معاندا شقيا راجع في السؤال مرة ثانية فلم ير (عليه السلام) المصلحة في اظهار ذلك له زيادة على ما قدمه. والمراد بصلاة الاوابين هي نافلة الزوال كما تقدم نقله عن عبارة الفقه الرضوي، ونحرها عبارة عن اختزال هذه الصلاة منها وقطعها فكأنهم نحروها، وصلاة الضحى عند العامة اقلها ركعتان واكثرها ثمان ركعات وفعلها وقت اشتداد الحر كذا ذكره في المنتهى. (فان قيل) انه لا ريب في استحباب الصلاة وانها خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر (2) ويؤيده قوله سبحانه " أرأيت الذي ينهى... الآية " فكيف صارت هذه الصلاة بدعة ؟ (قلنا) - لا ريب في ان الصلاة خير موضوع الا انه متى اعتقد المكلف في ذلك امرا زائدا على ما دلت عليه هذه الادلة من عدد مخصوص وزمان مخصوص أو كيفية خاصة ونحو ذلك مما لم يقم عليه دليل في الشريعة فانه يكون محرما وتكون عبادته بدعة، والبدعية ليست من حيث الصلاة وانما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت والعدد والكيفية من غير ان يرد عليه دليل فمن اجل ذلك ترادفت الاخبار بالانكار عليهم في
(1) سورة العلق. الآية 10. (2) راجع التعليقة 1 ص 36.
[ 81 ]
ذلك والتصريح بكونها بدعة وضلالة.
(العشرون) - قد ورد في جملة من الاخبار تعيين ما يستحب قراءته في النوافل اليومية: روى ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن معاذ بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تدع ان تقرأ بقل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر وركعتي الزوال وركعتين بعد المغرب وركعتين من اول صلاة الليل وركعتي الاحرام والفجر إذا اصبحت بها وركعتي الطواف " ورواه في الفقيه مرسلا مقطوعا (2) قال في الكافي ونحوه في التهذيب (3): وفي رواية اخرى " انه يبدأ في هذا كله بقل هو الله احد وفي الركعة الثانية بقل يا ايها الكافرون إلا في الركعتين قبل الفجر فانه يبدأ بقل يا ايها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله احد ". وعن صفوان الجمال (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة الاوابين الخمسون كلها بقل هو الله احد " بيان: قد تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي ان صلاة الاوابين هي نافلة الزوال وبه صرح في الفقيه وبذلك صرحت ايضا مرفوعة سيف بن عميرة المتقدمة قريبا وقوله فيها " نحرت صلاة الاوابين نحرك الله " ومثله في رواية محمد بن مسلم (5) " وانما اخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من اجل صلاة الاوابين " وظاهر هذا الخبر يدل على ان صلاة الاوابين مجموع الخمسين نوافلها وفرائضها وهو غريب لم يسمع به في غيره من الاخبار ولا في كلام الاصحاب، قيل
(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب القراءة في الصلاة. (2) ج 1 ص 314. (4) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب القراءة في الصلاة. (5) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب المواقيت.
[ 82 ]
ولعل المراد بالاوابين الذين يصلون الخمسين فان من يصلي الزوال يبعد ان لا يصلي البواقي. والمراد بالحديث اما استحباب قراءة هذه السورة في كل ركعة من الخمسين أو في كل صلاة منها ولو في احدى الركعتين، ولعل الثاني اقرب لئلا ينافي توظيف جملة من السور في الفرائض والنوافل. وروى في الكافي عن ابي هارون المكفوف (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر كم اقرأ في الزوال ؟ فقال ثمانين آية فخرج الرجل فقال يا ابا هارون هل رأيت شيخا اعجب من هذا سألني عن شئ فاخبرته ولم يسألني عن تفسيره ؟ هذا الذي يزعم اهل العراق انه عاقلهم، يا ابا هارون ان الحمد سبع آيات وقل هو الله احد ثلاث آيات فهذه عشر آيات والزوال ثماني ركعات فهذه ثمانون آية " بيان: في هذا الخبر دلالة على انه يجب الرجوع إليهم (عليهم السلام) في مجملات الاخبار ومتشابهاتها ولا يجوز الاعماد في فهم معانيها على ما يتسارع إلى الفهم بل يجب مع عدم امكان السؤال والفحص الوقوف على جادة الاحتياط. وروى الشيخ في التهذيب عن محسن الميثمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " يقرأ في صلاة الزوال في الركعة الاولى الحمد وقل هو الله احد وفي الركعة الثانية الحمد وقل يا ايها الكافرون وفي الركعة الثالثة الحمد وقل هو الله احد وآية الكرسي وفى الركعة الرابعة الحمد وقل هو الله احد وآخر البقرة " آمن الرسول... إلى آخرها " وفى الركعة الخامسة الحمد وقل هو الله احد والخمس آيات من آل عمران " ان في خلق السموات والارض إلى قوله انك لا تخلف الميعاد " (3) وفى الركعة السادسة الحمد وقل هو الله احد وثلاث آيات السخرة " ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض إلى قوله ان
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب القراءة في الصلاة. (3) الآية 187 إلى 192.
[ 83 ]
رحمة الله قريب من المحسنين " (1) وفي الركعة السابعة الحمد وقل هو الله احد والآيات من سورة الانعام " وجعلوا لله شركاء الجن إلى قوله وهو اللطيف الخبير " (2) وفى الركعة الثامنة الحمد وقل هو الله احد وآخر سورة الحشر من قوله " لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته إلى آخرها " فإذا فرغت قلت: اللهم مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة انك انت الوهاب، سبع مرات ثم تقرأ استجير بالله من النار سبع مرات ". وعن عبد الخالق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " انه كان يقرأ في الركعتين بعد العتمة بالواقعة وقل هو الله احد " ورواه بطريق آخر في الصحيح عن ابن ابي عمير (4) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقرأ.. الحديث ". وروى الصدوق في كتاب المجالس عن ابيه عن الحسن بن احمد المالكي عن منصور بن العباس عن محمد بن ابي عمير عن هشام بن سالم عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " من قرأ في الركعتين الاوليين من صلاة الليل ستين مرة قل هو الله احد في كل ركعة ثلاثين مرة انفتل وليس بينه وبين الله عزوجل ذنب " وروى في التهذيب مرسلا (6) قال: " روى ان من قرأ في الركعتين الاوليين من صلاة الليل في كل ركعة منهما الحمد مرة وقل هو الله احد ثلاثين مرة انفتل وليس بينه وبين الله ذنب إلا غفر له " وكذا نقله في الفقيه (7) بلفظ " وروى ". وروى الشيخ في المصباح مرسلا (8) قال: " روى انه يقرأ في الركعة الاولى
(1) الاعراف، الآية 52 إلى 54. (2) الآية 100 إلى 103. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب القراءة في الصلاة. (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب القراءة في الصلاة. (8) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب القراءة في الصلاة.
[ 84 ]
من نافلة المغرب سورة الجحد وفي الثانية سورة الاخلاص وفى ما عداه ما اختار " قال: " وروى ان ابا الحسن العسكري (عليه السلام) كان يقرأ في الركعة الثالثة الحمد واول الحديد إلى قوله وهو عليم بذات الصدور وفي الرابعة الحمد وآخر الحشر ". وروى في الكافي عن ابن سنان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوتر ما يقرأ فيهن جميعا ؟ قال بقل هو الله احد. قلت في ثلاثتهن ؟ قال نعم " وقال في الفقيه (2): " وروى ان من قرأ في الوتر بالمعوذتين وقل هو الله احد قيل له ابشر يا عبد الله فقد قبل الله وترك " وروى في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن يقطين (3) قال: " سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن القراءة في الوتر وقلت ان بعضا روى قل هو الله احد في الثلاث وبعضا روى المعوذتين وفي الثالثة قل هو الله احد ؟ فقال اعمل بالمعوذتين وقل هو الله احد " وعن الحارث بن المغيرة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " كان ابي يقول قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن وكان يحب ان يجمعها في الوتر ليكون القرآن كله ". وروى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " اقرأ في ركعتي الفجر أي سورتين احببت، وقال اما انا فاحب ان اقرأ فيهما بقل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون " وعن يعقوب بن سالم البزاز (6) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلهما بعد الفجر واقرأ فيهما في الاولى قل يا ايها الكافرون وفي الثانية قل هو الله احد ".
بيان: توضيح الكلام في ما يستفاد من هذه الاخبار يقع في مواضع:
(الاول) - في حكم صلاة الزوال وقد دلت رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة التي بعدها على حكم الركعتين الاوليين منها وان السنة فيها ان يقرأ في الركعة الاولى
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 56 من ابواب القراءة في الصلاة. (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب القراءة في الصلاة.
[ 85 ]
بالتوحيد والثانية بالجحد، ودلت رواية ابي هارون المكفوف على التوحيد في الجميع ودلت رواية الميثمي بالنسبة إلى الاوليين على ما دلت عليه رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة المذكورة بعدها وبالنسبة إلى الباقي منها على زيادة الآيات المذكورة على التوحيد، ولا منافاة فان رواية ابي هارون محمولة على الجواز والروايتين الاخريين على الفضل والاستحباب، ويؤيده ايضا قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر صلاة الليل: " واقرأ في الركعة الاولى بفاتحة الكتاب وقل هو الله احد وفي الثانية بقل يا ايها الكافرون وكذلك في ركعتي الزوال وفي الباقي ما احببت ".
(الثاني) - في حكم نافلة المغرب وقد دلت رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة المذكورة التي على اثرها على التوحيد في الركعة الاولى والجحد في الثانية والمرسلة التي ذكرها الشيخ في المصباح على العكس والمرسلة التي نقلها عن العسكري (عليه السلام) على الآيتين بعد الحمد في الركعتين، الاخيرتين، والاقرب في الركعتين الاوليين هو الاول والظاهر ترجيحه بعمل الاصحاب على الرواية المذكورة في جميع ما تضمنته مضافا إلى انها مسندة صحيحة أو حسنة نقلها الاكثر منهم وضعف ما عارضها بالارسال وقلة الناقل لها. وذكر شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح انه يقرأ في الاوليين بعد الحمد التوحيد ثلاثا في الاولى والقدر في الثانية، قال: وان شئت قرأت في الاولى الحجد وفى الثانية التوحيد. والاول لم اقف له على مستند والثاني مستنده المرسلة المشار إليها.
(الثالث) - في حكم الوتيرة وقد عرفت دلالة الروايتين المتقدمتين على قراءة الواقعة فيهما مع التوحيد، وفي بعض الاخبار المتقدمة يقرأ فيها مائة آية ويمكن حمله على الروايتين المذكورتين.
(الرابع) - حكم الركعتين الاوليين من صلاة الليل وقد اختلف في ذلك كلام اصحابنا، فنقل شيخنا في الذكرى عن الرسالة والنهاية انه يقرأ في اوليي صلاة
(1) ص 13.
[ 86 ]
الليل في الاولى التوحيد وفى الثانية الجحد، قال وفي موضع آخر منهما قدم الجحد وروى العكس وكذا في المبسوط، ونقل في الكتاب المذكور عن الشيخ المفيد وابن البراج في اولاهما ثلاثون مرة التوحيد وفي الثانية ثلاثون مرة الجحد، وابن ادريس في كل ركعة منهما بعد الحمد ثلاثون مرة التوحيد، قال وقد روى ان في الثانية الجحد والاول اظهر، قال في الذكرى بعد نقل ما ذكرناه: قلت الكل حسن والبحث في الافضلية وينبغي للمتهجد ان يعمل يجميع الاقوال في مختلف الاحوال. انتهى. اقول: قد عرفت ان الذي وردت به الاخبار في المقام هو سورة التوحيد والجحد مرة مرة بتقديم التوحيد كما في المرسلة المتقدم نقلها عن الكافي والتهذيب ذيل رواية معاذ بن مسلم وعبارة كتاب الفقه الرضوي، أو سورة التوحيد ثلاثين مرة في كل من الركعتين كما تقدم في رواية كتاب المجالس ومرسلة الشيخ والصدوق، واما القول بالثلاثين في الجحد في الركعة الثانية - كما نقله عن الشيخ المفيد أو مرة مع التوحيد ثلاثين مرة في الاولى كما ذكره شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح - فلم نقف له على دليل، قال الصدوق في الفقيه في باب صلاة الليل: ثم صل ركعتين تقرأ في الاولى الحمد وقل هو الله احد وفى الثانية الحمد وقل يا ايها الكافرون وتقرأ في الست ركعات ما احببت ان شئت طولت وان شئت قصرت، وروى ان من قرأ في الركعتين الاوليين ثم، ساق المرسلة المتقدم نقلها عن الشيخ وعنه، وحينئذ فالتعارض واقع بين هاتين الروايتين في المقام، وظاهر كلامه في الذكرى حمل رواية الثلاثين على سعة الوقت ورواية التوحيد والجحد على ضيقه كما يشير إليه قوله مختلف الاحوال. وهو جيد.
(الخامس) - في حكم الوتر وفيها روايات: الاولى التوحيد في الثلاث. والثانية المعوذتين في الاوليين والتوحيد في الثالثة وقد تقدم في الاخبار. والثالثة ما رواه في التهذيب عن ابي الجارود عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول كان علي (عليه
(1) رواه في الوافي في باب (ما يقرأ في النوافل).
[ 87 ]
السلام) يوتر بتسع سور " قيل لعل المراد انه (عليه السلام) كان يقرأ في كل من الثلاث بكل من الثلاث والرابعة ما ذكره الشيخ في المصباح (1) قال: " روى ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلي الثلاث ركعات بتسع سور في الاولى الهيكم التكاثر وانا انزلناه وإذا زلزلت وفي الثانية الحمد والعصر وإذا جاء نصر الله وانا اعطيناك الكوثر وفي المفردة من الوتر قل يا ايها الكافرون وتبت وقل هو الله احد " اقول: يمكن حمل رواية ابي الجارود على هذه الرواية ان ثبت كونها من طرقنا وحينئذ فترجع الروايتان إلى رواية واحدة. والخامسة ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: " وتقرأ في ركعتي الشفع سبح اسم ربك وفي الثانية قل يا ايها الكافرون وفي الوتر قل هو الله احد " واكثر الاخبار على الرواية الاولى ثم الرواية الثانية وباقي الروايات لا تخلو من الشذوذ، وتحقيق المقام كما ينبغي يأتي ان شاء الله تعالى.
<>