
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السادس
المقدمة الثالثة
في المواقيت
والكلام فيها يقع في مقاصد اربعة:
(الاول) في مواقيت الفرائض الخمس، وتفصيل البحث فيه يقع في مسائل:
(الاولى) - اجمع المسلمون على ان كل صلاة من الصلوات الخمس موقتة بوقت لا يجوز التقدم عليه ولا التأخر عنه، والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد ان يكون اجماعا ان لكل صلاة وقتين اولا وآخرا سواء في ذلك المغرب وغيرها. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين:
(الاول) ما نقله في المختلف عن ابن البراج انه قال وفي اصحابنا من ذهب إلى انه لا وقت للمغرب إلا واحد وهو غروب القرص في افق المغرب. اقول: ولعل المستند لهذا القول هو ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت المغرب فقال
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت.
[ 88 ]
ان جبرئيل اتى النبي (صلى الله عليه وآله) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فان وقتها واحد ووقتها وجوبها " اقول: يعني سقوطها كقوله سبحانه: " فإذا وجبت جنوبها " (1) والضمير راجع إلى الشمس بقرينة المقام. وعن اديم بن الحر في الصحيح (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ان جبرئيل امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين غير المغرب فانه جعل لها وقتا واحدا ". وروى في الكافي في الصحيح عن زرارة والفضيل (3) قالا: " قال أبو جعفر (عليه السلام) ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد ووقتها وجوبها ووقت فوتها سقوط الشفق ". قال في الكافي (4): " وروى ايضا ان لها وقتين آخر وقتها سقوط الشفق " ثم قال: وليس هذا مما يخالف الحديث الاول ان لها وقتا واحدا لان الشفق هو الحمرة وليس بين غيبوبة الشمس وبين غيبوبة الحمرة إلا شئ يسير، وذلك ان علامة غيبوبة الشمس بلوغ الحمرة القبلة وليس بين بلوغ الحمرة القبلة وبين غيبوبتها إلا قدر ما يصلي الانسان صلاة المغرب ونوافلها إذا صلاها على توئدة وسكون وقد تفقدت ذلك غير مرة ولذلك صار وقت المغرب ضيقا. انتهى. ومثله الشيخ في التهذيب وقال انما نفى بالخبرين سعة الوقت اقول: ومما يدل على الامتداد إلى غروب الشفق رواية اسماعيل بن مهران (5) قال: " كتبت إلى الرضا (عليه السلام) إلى ان قال فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق وآخر وقتها ذهاب الحمرة ومصيرها إلى البياض في افق المغرب " وروى الشيخ عن ابن سنان - يعني عبد الله - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث قال: " وقت المغرب حين تجب الشمس إلى ان تشتبك النجوم " وفى رواية ذريح عن ابي عبد الله
(1) سورة الحج، الآية 37. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت.
[ 89 ]
(عليه السلام) (1) " ان جبرئيل اتى النبي (صلى الله عليه وآله) في الوقت الثاني في المغرب قبل سقوط الشفق " وعن اسماعيل بن جابر في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن وقت المغرب قال ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق ". وحمل اصحابنا (رضوان الله عليهم) الاخبار الاولة على افضلية الاسراع بها في اول الوقت. وقال في كتاب الوافي بعد نقل كلام صاحب الكافي: اقول: والذي يظهر لي من مجموع الاخبار والتوفيق بينها ان مجموع هذا الوقت هو الوقت الاول للمغرب واما الوقت الثاني لها فهو من سقوط الشفق إلى ان يبقى مقدار اربع ركعات إلى انتصاف الليل وانما ورد نفي وقتها الثاني في بعض الاخبار لشدة التأكيد والترغيب في فعلها في الوقت الاول زيادة على الصلوات الاخر حتى كأن وقتها الثاني ليس وقتا لها إلا في الاسفار وللمضطرين وذوي الاعذار. انتهى. وهو جيد ويرجع بالاخرة إلى ما ذكره الاصحاب.
(الثاني) - ان المشهور بين المتأخرين من المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما وهو المنقول عن المرتضى وابن ادريس في الوقتين اللذين لكل فريضة ان الاول للفضيلة والثاني للاجزاء، وذهب الشيخان وابن ابي عقيل وابو الصلاح وابن البراج ومن متأخري المتأخرين المحدث الكاشاني ان الوقت الاول للمختار والثاني للمضطرين وذوي الاعذار قال في المبسوط والعذر اربعة: السفر والمطر والمرض وشغل يضر تركه بدينه أو دنياه، والضرورة خمسة: الكافر يسلم والصبي يبلغ والحائض تطهر والمجنون يفيق والمغمى عليه يفيق. قال في المدارك: واختلف الاصحاب في الوقتين فذهب الاكثر ومنهم المرتضى وابن الجنيد وابن ادريس وسائر المتأخرين إلى ان الاول للفضيلة والآخر للاجزاء، وقال الشيخان الاول للمختار والآخر للمعذور والمضطر، والاصح الاول لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (3) " واول الوقتين افضلهما " والمفاضلة تقتضي الرجحان
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت. (3) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت.
[ 90 ]
مع التساوي في الجواز. اقول: لا يخفى على من اعطى التأمل حقه في الاخبار والتدبر قسطه من النظر فيها بعين التفكر والاعتبار واحاط علما بما جرى في هذا المضمار ان الاصح من القولين المذكورين هو الثاني، وحيث ان المسألة المذكورة لم يعطها احد من الاصحاب حقها من التحقيق ولم يلج احد منهم في لجج هذا المضيق فحري بنا ان نرخى عنان القلم في ساحة هذا المضمار ونذكر جميع ما وقفنا عليه من الاخبار ونميز القشر فيها من اللباب ونحقق ما هو الحق فيها والصواب بتوفيق الملك الوهاب: فنقول: من الاخبار الدالة على القول المختار ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول لكل صلاة وقتان واول الوقت افضله وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا في عذر من غير علة " قال في الوافي قوله: " من غير علة " بدل من قوله " إلا في عذر ". ومنها - ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) اول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله والعفو لا يكون إلا عن ذنب ". ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ربعي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " انا لنقدم ونؤخر وليس كما يقال من اخطأ وقت الصلاة فقد هلك وانما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها " اقول: ذكر هذه المعدودات خرج مخرج التمثيل لا الحصر فلا ينافي ما تقدم في كلام الشيخ. ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب ايضا في التصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب المواقيت. (4) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب المواقيت.
[ 91 ]
ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسى أو سها أو نام، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى ان تشتبك النجوم وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر أو علة ". وما رواه ايضا عن ابراهيم الكرخي (1) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) متى يدخل وقت الظهر ؟ وساق الخبر كما سيأتي ان شاء الله تعالى بتمامه في موضعه إلى ان قال: متى يخرج وقت العصر ؟ فقال وقت العصر إلى ان تغرب الشمس وذلك من علة وهو تضييع. فقلت له لو ان رجلا صلى الظهر بعد ما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام أكان عندك غير مؤد لها ؟ فقال ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة والوقت لم تقبل منه كما لو ان رجلا اخر العصر إلى قرب ان تغرب الشمس متعمدا من غير علة لم تقبل منه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت للصلوات المفروضات اوقاتا وحد لها حدودا في سنته للناس فمن رغب عن سنة من سننه الموجبات كان كمن رغب عن فرائض الله تعالى ". ومنها - ما رواه في الكافي عن داود بن فرقد (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى: " ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " (3) قال كتابا ثابتا، وليس ان عجلت قليلا أو اخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع تلك الاضاعة فان الله عزوجل يقوم لقوم: اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " (4) قال بعض المحدثين اريد التعجيل والتأخير اللذان يكونان في طول اوقات الفضيلة والاختيار لا اللذان يكونان خارج الوقت واريد بالاضاعة التأخير عن وقت الفضيلة بلا عذر. انتهى. وهو جيد.
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (2) رواه في الوسائل في الباب 7 من اعداد الفرائض. (3) سورة النساء، الآية 104. (4) سورة مريم، الآية 60.
[ 92 ]
ومنها - ما رواه في التهذيب عن ابي بصير في الموثق (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الموتور اهله وماله من ضيع صلاة العصر. قلت وما الموتور ؟ قال لا يكون له اهل ومال في الجنة. قلت وما تضييعها ؟ قال يدعها حيت تصفر أو تغيب " ومثله روى في الفقيه عن ابي بصير (2). ومنها - ما في كتاب الفقه الرضوي (3) قال: " اعلم ان لكل صلاة وقتين اول وآخر فاول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله، ويروى ان لكل صلاة ثلاثة اوقات اول ووسط وآخر فاول الوقت رضوان الله ووسطه عفو الله وآخره غفران الله واول الوقت افضله، وليس لاحد ان يتخذ آخر الوقت وقتا انما جعل آخر الوقت للمريض والمعتل والمسافر " وقال فيه ايضا بعد ذلك بعد ان ذكر صلاة الظهر في استقبال القدم الثالث والعصر في استقبال القدم الخامس " فإذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلاة وهو قاض بعد الوقت " وقال ايضا في الباب المذكور بعد ذلك " ان لكل صلاة وقتين اولا وآخرا كما ذكرنا في اول الباب واول الوقت افضلهما وانما جعل آخر الوقت للمعلول فصار آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته ونفسه وماله.. إلى آخره " وقال في موضع آخر ايضا بعد ما ذكر التحديد بالقدمين والاربعة: " وقد رخص للعليل والمسافر منها إلى ان يبلغ ستة اقدام وللمضطر إلى مغيب الشمس ". فهذه جملة من الاخبار العلية المنار واضحة الظهور على القول المذكور ولم نقف في الاخبار على ما يعارضها صريحا، وغاية ما ربما يتوهم منه المنافاة اطلاق بعض الاخبار القابل للتقييد بهذه الاخبار كاخبار امتداد وقتي الظهرين إلى الغروب كما سيأتي ان شاء الله تعالى ايضاحه. واما ما ذكره في المدارك وقبله غيره من الاحتجاج على ما ذهبوا إليه بالاخبار الدالة على افضلية اول الوقتين فلا منافاة فيها كما اوضحه المحدث الكاشاني في كتاب الوافي حيث قال بعد نقل صحيحة عبد الله بن سنان - ونعم ما قال -: والمستفاد
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب المواقيت. (3) ص 2.
[ 93 ]
من هذا الخبر وما في معناه ان الوقت الاول للمختار والثاني للمضطر كما فهمه صاحب التهذيب وشيخه المفيد. ويؤيده اخبار اخر يأتي ذكرها، ولا ينافي ذلك كون الاول افضل وكون الثاني وقتا لان ما يفعله المختار افضل مما يفعله المضطر ابدا وكما ان العبد بقدر التقصير متعرض للمقت من مولاه كذلك بقدر حرمانه عن الفضائل مستوجب للبعد عنه، نعم إذا كان الله هو الذي عرضه للحرمان فلا يعاتبه عليه لان ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر، فالوقت الثاني اداء للمضطر ووقت له وفي حقه بل المضطر ان كان ناسيا أو نائما فالوقت في حقه حين يتفطن أو يذكر وذلك لانه غير مخاطب بتلك الصلاة في حال النوم والنسيان فان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها.. إلى آخره. اقول: ومما يؤيد ما ذكرناه ويؤكد ما سطرناه ما ورد بطريقين - احدهما ما رواه في الكافي في الصحيح والآخر بسند فيه العبيدي عن يونس - عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " يا ابان هذه الصلوات الخمس المفروضات من اقام حدودهن وحافظ على مواقيتهن لقى الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنة ومن لم يصلهن لمواقيتهن ولم يحافظ عليهن فذاك إليه ان شاء غفر له وان شاء عذبه ". وما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد وفيه ناس من اصحابه فقال أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا الله ورسوله اعلم. فقال ان ربكم جل جلاله يقول ان هذه الصلوات الخمس المفروضات من صلاهن لوقتهن وحافظ عليهن لقيني يوم القيامة وله عندي عهد ادخله به الجنة ومن لم يصلهن لوقتهن ولم يحافظ عليهن فذاك الي ان شئت عذبته وان شئت غفرت له ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) " ان الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب المواقيت.
[ 94 ]
حفظتني حفظك الله وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول ضيعتني ضيعك الله ". والتقريب في هذه الاخبار ان المراد بهذه المواقيت المأمور بالمحافظة عليها هي الاوقات الاوائل وهي اوقات الفضائل بلا ريب ولا اشكال وفي التي تتصف فيها الصلاة بمزيد الشرف والكمال والقبول من حضرة ذي الجلال، وان الاوقات الاخيرة متى لم يكن التأخير إليها ناشئا عن عذر من تلك الاعذار المذكورة جملة منها في الاخبار فصاحبها مستوجب لمزيد البعد منه سبحانه كما دلت عليه هذه الاخبار وانه داخل تحت المشيئة بمعنى انه ليس ممن يستحق بعمله ذلك الجزاء بالثواب وما اعده الله تعالى على تلك العبادة من الاجر الذي لا تحيط به الالباب بل هو من المرجئين لامر الله ان شاء عذبه بتقصيره وتأخيره الصلاة عن ذلك الوقت الاول وان شاء عفى عن تقصيره بكرمه ورحمته، وهذا ما تضمنه حديث الفقيه المتقدم من ان " آخر الوقت عفو الله والعفو لا يكون إلا عن ذنب " ولا جائز ان يحمل هذا الوقت الاخير الذي جعل صاحبه تحت المشيئة على خارج الوقت الذي هو المشهور عندهم وهو ما بعد غروب الشمس بالنسبة إلى الظهرين مثلا. كما ربما يتوهمه بعض معكوسي الاذهان ومن ليس من فرسان هذا الميدان، فانه لو كان كذلك لم يحكم على صاحبه بانه تحت المشيئة بل يجب الحكم عليه بالفسق بل الكفر كما دلت عليه الاخبار المتقدمة (1) من ان " تارك الصلاة عمدا كافر " فهو مستحق لمزيد النكال والعذاب كما لا يخفى على ذوي الالباب. ومما يزيد ذلك تأييدا ويعليه تشييدا الاخبار الواردة في وضع الاوقات واشارة جبرئيل بها على النبي (صلى الله عليه وآله) فانها انما تضمنت اوائل الاوقات خاصة دون اواخرها، ففي موثقة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه اتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثم اتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر ثم
(1) ص 15. (2) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت.
[ 95 ]
اتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم اتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء ثم اتاه حين طلوع الفجر فأمره فصلى الصبح ثم اتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثم اتاه حين زاد من الظل قامتان فأمره فصلى العصر ثم اتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء ثم اتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح ثم قال ما بينهما وقت " ونحو هذه الرواية غيرها ايضا، والظاهر ان وضع هذه الاوقات في اول الامر للمكلفين ثم حصلت الرخصة لذوي الاعذار والاضطرار بالوقت الثاني بعد ذلك كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى، وبذلك يجمع بين هذه الاخبار وبين الاخبار الدالة على الوقتين بحمل ما دل على الثاني على ذوي الاعذار والاضطرار وتخرج الاخبار المتقدمة شاهدا على ذلك. قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الاخبار المتقدمة: بيان - انما اقتصر في هذه الاخبار على بيان اوائل الاوقات ولم يتعرض لبيان اواخرها لان اواخر الاوقات الاوائل تعرف من اوائل الاوقات الاواخر واواخر الاواخر كانت معلومة من غيرها، أو نقول لم يؤت للاوقات الاواخر بتحديد تام لانها ليست باوقات حقيقة وانما هي رخص لذوي الاعذار كخارج الاوقات لبعضهم وانما اتى باوائلها ليتبين بها اواخر الاوائل التي كان بيانها من المهمات واهمل اواخرها لانها تضييع للصلاة، وعلى الثاني لا خفاء في قوله: " ما بينهما وقت " في الحديث الاول وقوله " ما بين هذين الوقتين وقت " في الحديث الاخير، واما على الاول فلابد لهما من تأويل بان يقال يعني بذلك ان ما بينهما وبين نهايتيهما وقت، وبالجملة لا تستقيم هذه الاخبار إلا بتأويل. وانت خبير بما فيه فان ما ذكره من الاحتمال بان اواخر الاواخر كانت معلومة من غيرها ممنوع لان هذه الاخبار دالة على ان ذلك بعد وضع الاوقات للصلوات ومقتضاه انه قبل ذلك الوقت لم يتعين شئ من الاوقات لها فمن اين تكون اواخر الاواخر معلومة يومئذ ؟ بل الوجه في معنى الاخبار المذكورة والجمع بينها بين تلك
[ 96 ]
الاخبار الدالة على الامتداد إلى آخر الوقت الثاني انما هو ما ذكرناه ثانيا وهو وجه وجيه لا يداخله الشك ولا يعتريه، وحينئذ فلا يحتاج إلى ما تكلفه اخيرا من التطبيق والتشديد بناء على ما ذكره من الاحتمال الاول فانه كما عرفت بعيد وغير سديد. ومن الاخبار الدالة على ما اخترناه ايضا جملة من الاخبار الصحاح الدالة على ان وقت الظهر من زوال الشمس إلى ان يذهب الظل قامة ووقت العصر إلى ان يذهب قامتين (1) والاصحاب وان حملوها على اوقات الفضيلة جمعا بينها وبين ما دل على ان لكل صلاة وقتين (2) والاخبار الدالة على امتداد الوقتين إلى الغروب (3) فليس باولى من حملنا لها على المختار وحمل ما عارضها على ذوي الاعذار والاضطرار، بل ما ذكرناه هو الاولى لتأيده بما عرفت من الاخبار ولا سيما روايات وضع الاوقات وروايات دخول اصحاب الوقت الثاني تحت المشيئة (4). واما ما اجاب به جملة من اصحابنا: منهم - شيخنا الشهيد في الذكرى عما رواه الصدوق من قوله (عليه السلام) " اول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله " - من جواز توجيه العفو بترك الاولى مثل " عفى الله عنك " (5) وزاد الفاضل الخراساني انه يمكن الجواب ايضا بانه يجوز ان يكون المراد الصلاة في آخر الوقت توجب غفران الذنوب والعفو عنها - ففيه (اولا) ان تتمة الخبر تنادي بان العفو لا يكون إلا عن ذنب وهو صريح في كون التأخير موجبا للتأثيم فكيف يحمل العفو على ترك الاولى ؟ وقياس الخبر على الآية قياس مع الفارق لظهور قرينة المجاز في الآية من حيث عصمته (صلى الله عليه وآله) وصراحة الخبر فيما ذكرناه باعتبار تتمته، وابعد من ذلك الاحتمال الثاني فانه مما لا ينبغي ان يصغى إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. و (ثانيا) - الاخبار التي قدمناها الدالة على ان من لم يحافظ على ذلك
(1) رواها في الوسائل في الباب 8 و 10 من ابواب المواقيت. (2) الوسائل الباب 3 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 4 من المواقيت. (4) ص 93 و 94. (5) سورة التوبة، الآية 43.
[ 97 ]
الوقت كان لله فيه المشيئة ان شاء غفر له وان شاء عذبه بتقصيره في التأخير إلى الوقت الاخير فانه صريح في استحقاق العقوبة بالتأخير لغير عذر إلى الاوقات الاخيرة. ومن الاخبار الدالة على الحث على الوقت الاول ايضا زيادة على ما قدمناه وان التأخير عنه إلى الثاني لغير عذر موجب للتضييع ما رواه الصدوق في كتاب المجالس في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من صلى الصلوات المفروضات في اول وقتها فاقام حدودها رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقية وهي تهتف به حفظك الله كما حفظتني فاستودعك الله كما استودعتني ملكا كريما، ومن صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة وهي تهتف به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا رعاك الله كما لم ترعني.. الحديث ". وروى الشيخ أبو علي في المجالس وغيره في غيره ونحوه في كتاب نهج البلاغة ايضا فيما كتب امير المؤمين (عليه السلام) لحمد بن ابي بكر (رضي الله عنه) (2) " ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله لفراغ ولا تؤخرها عنه لشغل فان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن اوقات الصلاة فقال اتاني جبرئيل فاراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن ثم اتاني وقت العصر فكان ظل كل شئ مثله ثم صلى المغرب حين غربت الشمس ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق ثم صلى الصبح فاغلس بها والنجوم مشتبكة، فصل لهذه الاوقات والزم السنة المعروفة والطريق الواضح، إلى ان قال واعلم ان كل شئ من عملك تبع لصلاتك فمن ضيع الصلاة كان لغيرها اضيع ". وروى في كتاب ثواب الاعمال (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لفضل الوقت الاول عى الاخير خير للمؤمن من ولده وماله " وقال في حديث آخر
(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت. (2) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت.
[ 98 ]
قال الصادق (عليه السلام) (1) " فضل الوقت الاول على الاخير كفضل الآخرة على الدنيا ". وفي صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك " اقول: المراد بغير وقتها يعني غير وقت الفضيلة وهو الوقت الاول لان السفر احد الاعذار كما تقدم، ويظهر من جملة من الاخبار ما ذكر في المقام وما لم يذكر ولا سيما الخبر الاخير ان اكثر اطلاق لفظ الوقت انما هو على هذا المعنى اعني الوقت الاول خاصة إلا مع القرينة الصارفة عنه. وقد استفيد من الاخبار المذكورة في المقام بضم بعضها إلى بعض ان المراد بالوقت المرغب فيه وهو الذي يكون للعبد فيه عهد عند الله سبحانه بايقاع الصلاة فيه انما هو الوقت الاول وان ترتب الفضل فيه ايضا اولا فاولا وهو الوقت الذي اول ما فرض وان كان الثاني وقتا في الجملة، وان التأخير إلى الثاني ان كان لضرورة أو عذر فلا اشكال ولا ريب في كونه وقتا له وانه غير مؤاخذ بالتأخير وان كان فضله اقل وثوابه انقص، وان كان لا كذلك فهو تضييع للصلاة وان وقعت فيه اداء واسقطت القضاء إلا ان صاحبها تحت المشيئة بسبب تقصيره في التأخير فان شاء الله عفى عنه وقبل منه وان شاء عذبه، وملخصه ان وقتية هذا الوقت الثاني اولا وبالذات انما هي لاصحاب الاعذار والاضطرار ورخصة لهم من حيث ذلك وان اجزأت لغيرهم مع استحقاقهم البعد والمؤاخذة من الله سبحانه إلا ان يعفو بفضله وكرمه، والى ما ذكرنا يشير كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (3) حيث قال: " وانما جعل آخر الوقت للمعلول فصار آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته ونفسه وماله وهي رحمة للقوى الفارغ لعلة الضعيف والمعلول " ثم اطال بذكر بعض النظائر ومرجعه إلى ما ذكرناه، وبذلك يظهر لك قوة ما اخترناه
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت. (2) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب المواقيت. (3) ص 2.
[ 99 ]
وان كان خلاف المشهور لظهوره من الاخبار كالنور على الطور. ومما حققناه في المقام يعلم الوجه فيما نقل عن شيخنا مفيد الطائفة المحقة ورئيس الفرقة الحقة (قدس سره واعلى في جوار أئمته مقعده) في كتاب المقنعة حيث حكم انه لو مات قبل ادائها في الوقت كان مضيعا لها وان بقى حتى يؤديها في آخر الوقت أو ما بين الاول والآخر عفى عن ذنبه. والاصحاب بهذه العبارة نسبوا إليه وجوب المبادرة في اول الوقت وجعلوه مخالفا لما هو المشهور عندهم من الاستحباب حيث ان الصلاة من الواجبات الموسعة. اقول: وصورة عبارته لا تحضرني الآن إلا ان الظاهر ان بناء كلامه انما هو على ما نحن فيه من ان الوقت الشرعي للمختار انما هو الوقت الاول والثاني انما هو من قبيل الرخص لاصحاب الاعذار وهو تضييع بالنسبة إلى غيرهم ومن اجل ذلك اوجب الصلاة في ذلك الوقت الذي هو الوقت الشرعي له غاية الامر انه ان بقى إلى الوقت الثاني واداها فيه عفى عن ذنبه، وكلامه هذا وان كان خلاف ما هو المشهور بينهم إلا انه هو الموافق لمذهبه في المسألة والمطابق لما ذكرناه وحققناه من الاخبار كما عرفت واما ما ذكره الشيخ في التهذيب في شرح هذا الموضع - مما يشعر بان الخلاف بينه وبين الاصحاب لفظي حيث استدل له بالاخبار الدالة على فضل الوقت الاول وحمل الوجوب في كلامه على ما يستحق به اللوم والعتاب دون ما يستحق به العقاب - فهو من غفلاته الناشئة عن استعجاله في التأليف فان الادلة - كما عرفت - ظاهرة منطبقة على كلامه (قدس سره) كالمرسلة المروية من الفقيه وصحيحة ابان بن تغلب والروايات التي بعدها لا ما اورده من الروايات الدالة على مجرد افضلية الوقت الاول، وسيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة آخر وقت الظهر ما فيه مزيد تأكيد بما ذكرناه وتشييد لما اسسناه. تتمة وجدت في بعض الكتب المشتملة على جملة من رسائل شيخنا الشهيد الثاني وجملة
[ 100 ]
من الاسئلة واجوبتها والظاهر ايضا انها له (قدس سره) على صورة سؤال وجواب بهذه الكيفية: مسألة - قيل ان تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لا يجوز إلا لذوي الاعذار فهل يأثم غيرهم على هذا القول فيجتمع الاداء والاثم ام لا ؟ فان كان الاول فقد اجتمعا وان كان الثاني فقد ورد " اول الوقت رضوان الله واخره عفو الله " فعلى ما يحمل الخبر ؟ الجواب: المشهور بين المتأخرين اشتراك وقت الفرضين على الوجه الذي فصلوه جمعا بين الاخبار وان دل بعضها على ذلك وبعضها على اختصاص كل واحدة بوقت مع الاختيار بحمل هذه على الفضيلة وخالف جماعة فحكموا باختصاص جواز التأخير بذوي الاعذار، وعليه فمن اخر لا لعذر اثم ويبقى اداء ما دام وقت الاضطرار باقيا، والخبر الذي ذكرتموه ظاهر في هذا القول لان العفو يقتضي حصول الذنب واصحاب القول الاول حملوه على المبالغة في الكراهة ونقصان الثواب. انتهى.
(المسألة الثانية) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) اختصاص الظهر من اول الوقت بمقدار ادائها ثم اشتراك الوقت بين الفرضين إلى ان يبقى مقدار اداء العصر قبل الغروب فيختص به العصر، وهكذا في المغرب والعشاء يختص المغرب من اوله بثلاث ركعات ثم يشترك الوقتان إلى ان يبقى من الانتصاف قدر صلاة العشاء فتختص به. ونقل عن الصدوق في الفقيه القول باشتراك الوقتين من اول الوقت إلى آخره لنقله الاخبار الدالة على الاشتراك من اول الوقت إلى آخره وعدم نقل ما يخالفها وإلا فانه لم يصرح بذلك في الكتاب ولو بالاشارة، وغاية ما يمكن التعلق به في هذه النسبة هو ما ذكرناه وهو لا يخلو من اشكال، حيث انهم نقلوا عنه الاشتراك من اول الوقت إلى آخره كما هو ظاهر الاخبار المذكورة مع ان كلامه في الفقيه كما سيأتي نقله ان شاء تعالى صريح في اختصاص آخر الوقت بالفريضة الاخيرة كما هو القول المشهور ونقله المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية عن الاصحاب، حيث قال: يختص اصحابنا بانهم يقولون إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معا الا ان الظهر قبل العصر، قال وتحقيق هذا الموضع انه إذا
[ 101 ]
زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدي اربع ركعات فإذا خرج هذا المقدار اشترك الوقتان ومعنى ذلك انه يصح ان يؤدي في هذا الوقت المشترك الظهر والعصر بطوله والظهر مقدمة ثم إذا بقى للغروب مقدار اربع ركعات خرج وقت الظهر وخلص للعصر. قال العلامة في المختلف وعلى هذا التفسير الذي ذكره السيد يزول الخلاف وكيف كان فالواجب هو بسط الاخبار الواردة في المسألة ونقل ما ذكروه وبيان ما فيه من صحة أو فساد وتحقيق ما هو الحق المطابق للسداد: فنقول من الاخبار الدالة على ما نسبوه إلى الصدوق ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر فإذا غابت الشمس فقد دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة ". وعن عبيد بن زرارة في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر والعصر فقال إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر والعصر جميعا إلا ان هذه قبل هذه ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس ". وروى الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في قوله تعالى: " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (4) قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات اول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل: منها - صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه، ومنها - صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه " وروى العياشي في تفسيره عن عبيد بن زرارة مثله (5). وروى الشيخان في الكافي والتهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب المواقيت. (3) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت. (4) سورة بنى اسرائيل، الآية 80. (5) المستدرك الباب 4 من المواقيت.
[ 102 ]
السلام) (1) قال: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان هذه قبل هذه " وروى في التهذب عن الصباح بن سيابة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ". وعن مالك الجهني (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ". وروى في الفقيه (4) قال: " سأل مالك الجهني ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين فإذا فرغت من سبحتك فصل الظهر متى ما بدا لك ". وروى في الكافي عن اسماعيل بن مهران (5) قال: " كتبت إلى الرضا (عليه السلام) ذكر اصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة إلا ان هذه قبل هذه في السفر والحضر وان وقت المغرب إلى ربع الليل ؟ فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق.. الحديث ". وروى في التهذيب عن سفيان بن السمط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ". وعن منصور بن يونس عن العبد الصالح (عليه السلام) (7) قال: " سمعته يقول إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ". هذا ما حضرني من الاخبار الدالة على القول المذكور وهي ظاهرة الدلالة متعاضدة المقالة في الاشتراك من اول الوقت إلى آخره. واما ما يدل على القول المشهور مما اشتمل عليه كلامهم في المقام من البحث في
(1) و (2) و (3) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب المواقيت. (4) روا في الوسائل في الباب 5 من ابواب المواقيت.
[ 103 ]
المسألة بابرام النقض ونقض الابرام فوجوه:
(الاول) - رواية داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي اربع ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي اربع ركعات فإذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقى وقت العصر حتى تغيب الشمس، وإذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي اربع ركعات فإذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقى وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل "
(الثاني) - ما ذكره السيد السند في المدارك من انه لا معنى لوقت الفريضة إلا ما جاز ايقاعها فيه ولو على بعض الوجوه ولا ريب ان ايقاع العصر عند الزوال على سبيل العمد ممتنع وكذا مع النسيان على الاظهر لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه وانتفاء ما يدل على الصحة مع المخالفة وإذا امتنع وقوع العصر عند الزوال مطلقا انتفى كون ذلك وقتا لها، ثم قال ويؤيده رواية داود بن فرقد عن بعض اصحابنا ثم ساق من الرواية ما يتعلق بالظهرين.
(الثالث) ما ذكره في المختلف وملخصه ان القول باشتراك الوقت حين الزوال بين الصلاتين مستلزم لاحد الباطلين اما تكليف ما لا يطاق أو خرق الاجماع فيكون باطلا، بيان الاستلزام ان التكليف حين الزوال اما ان يقع بالعبادتين معا أو باحداهما لا بعينها أو بواحدة معينة والثالث خلاف فرض الاشتراك فتعين احد الاولين، على ان المعينة ان كانت هي الظهر ثبت المطلوب وان كانت هي العصر لزم خرق الاجماع، وعلى الاحتمال الاول يلزم تكليف ما لا يطاق وعلى الثاني يلزم خرق الاجماع إذ لا خلاف
(1) المروية في الوسائل في الباب 4 و 17 من ابواب المواقيت.
[ 104 ]
في ان الظهر مرادة بعينها حين الزوال لا لانها احد الفعلين.
(الرابع) - رواية الحلبي (1) " في من نسى الظهر والعصر ثم ذكر عند غروب الشمس ؟ قال (عليه السلام) ان كان في وقت لا يخاف فوت احداهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر وان هو خاف ان تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا " وفي معناها اخبار اخر تأتي ان شاء الله تعالى في موضعها.
(الخامس) - ما ذكره المحقق في المعتبر حيث انه نقل عن ابن ادريس انه نقل عن بعض الاصحاب وبعض الكتب انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر إلا ان هذه قبل هذه ثم انكره وجعله ضد الصواب، فاعترضه المحقق وبالغ في انكار كلامه والتشنيع عليه استنادا إلى ما قدمناه من الاخبار، قال لان ذلك مروي عن الائمة (عليهم السلام) في اخبار متعددة، على ان فضلاء الاصحاب رووا ذلك وافتوا به فيجب الاعتناء بالتأويل لا الاقدام بالطعن، ثم قال ويمكن ان يتأول ذلك من وجوه: (احدها) ان الحديث تضمن " إلا ان هذه قبل هذه " وذلك يدل على ان المراد بالاشتراك ما بعد وقت الاختصاص.
(الثاني) انه لما لم يكن للظهر وقت مقدر بل اي وقت فرض وقوعها فيه امكن فرض وقوعها في ما هو اقل منه حتى لو كانت الظهر تسبيحة كصلاة شدة الخوف كانت العصر بعدها، ولانه لو ظن الزوال وصلى ثم دخل الوقت قبل اكمالها بلحظة امكن وقوع العصر في اول الوقت إلا ذلك القدر فلقلة الوقت وعدم ضبطه كان التعبير عنه بما ذكر في الرواية من الخص العبارات واحسنها.
(الثالث) ان هذا الاطلاق مقيد برواية داود بن فرقد، واخبار الائمة (عليهم السلام) وان تعددت في حكم الخبر الواحد. انتهى. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل بعض الاخبار المتقدمة ما لفظه: وفهم بعض من هذه الاخبار اشتراك الوقتين وبمضمونها عبر ابنا بابويه ونقله المرتضى في الناصرية
(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب المواقيت.
[ 105 ]
عن الاصحاب حيث قال: يختص اصحابنا بانهم يقولون إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معا إلا ان الظهر قبل العصر، قال وتحقيقه، ثم نقل كلام المرتضى كما قدمناه ونقل قول العلامة بعده انه على هذا يزول الخلاف ثم نقل تأويل المحقق الذي ذكرناه وقال بعده: قلت ولانه يطابق مدلول الآية في قوله تعالى: " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) وضرورة الترتيب تقتضي الاختصاص مع دلالة رواية داود بن فرقد المرسلة ثم ساق الرواية كما قدمناه. اقول: هذا ما وقفت عليه من كلامهم (رضوان الله عليهم) المتضمن لاستدلالهم على القول المشهور بينهم، وانت خبير، بما في هذا الكلام كما قدمنا نقله عنهم من الدلالة على شهرة القول بالاشتراك في الصدر الاول استنادا إلى هذه الاخبار سيما عبارة المرتضى في الناصرية حيث اسنده إلى اصحابنا وان تأوله بما ذكره. ولا يخفى عليك ان جميع ما ذكروه في تشييد القول المشهور لا يخلو في نظري القاصر من الضعف والقصور: اما الرواية فانه لا يخفى على من احاط خبرا بقواعدهم واصطلاحاتهم التي بنوا عليها الكلام في جميع الاحكام ان الاستناد إلى هذه الرواية غير جيد في المقام لان من قواعدهم تنويع الروايات إلى الانواع الاربعة المشهورة وطرحهم قسم الضعيف من البين بل الموثق عند جملة منهم ايضا كما لا يخفى وقضية ذلك طرح هذه الرواية لضعفها، ومن قواعدهم انه متى تعارضت الاخبار عملوا على الصحيح منها ورموا الضعيف أو تأولوه تفاديا من الرمي بالكلية فالتأويل انما يكون في جانب المرجوح فكيف خرجوا عن هاتين القاعدتين في المقام من غير صارف ولا موجب كما لا يخفى على ذوي الافهام ؟ ويمكن الجواب عن الرواية المذكورة بما ذكره بعض المحققين من متأخري المتأخرين من ان المراد بوقت الظهر في قوله: " فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار اربع
(1) سورة بني اسرائيل، الآية 80.
[ 106 ]
ركعات " الوقت المختص بالظهر عند التذكر لا مطلقا وكذا بالنسبة إلى العصر، قال والاضافة لا تقتضي اكثر من ذلك. وهذا الجواب لا يخلو من بعد إلا انه في مقام الجمع لا بأس به وهو اقرب إلى هذا الخبر مما تأولوا به الاخبار المتقدمة الدالة على القول الآخر واما ما ذكره في المدارك فانه مدخول بان قضية الاشتراك من اول الوقت على القول به جار على مقتضى الاشتراك المتفق عليه وهو بعد مضي قدر الاربع فبعين ما يقال ثمة يقال في ما نحن فيه، ولا ريب ان الوقت المتفق على اشتراكه لا يجوز تقديم العصر فيه عمدا فلو قدمها بطلت البتة اما لو قدمها نسيانا أو بناء على انه صلى الظهر فانها تقع صحيحة اتفاقا فكذا في ما نحن فيه. فقوله " انه يمتنع وقوع العصر ولو نسيانا " لا يخلو من مصادرة ولهذا ان جملة من الاصحاب قد فرعوا على الخلاف المذكور فروعا: منها - ما لوصلى العصر ناسيا في اول الوقت. ومنها - لو كان الوقت مشتبها لغيم ونحوه فصلى الظهر والعصر ثم انكشف له ان صلاة العصر كانت في اول الوقت فانها تصح في الصورتين المذكورتين على قول الصدوق ومن معه وتبطل على المشهور بينهم. واما ما ذكره في المختلف فانه مدخول ايضا بان غاية ما يلزم منه وجوب الاتيان بالظهر دون العصر بالنسبة على الذاكر وهو غير مستلزم للاختصاص، فان القائل بالاشتراك لا يخالف في ذلك في صورة التذكر وانما مطرح الخلاف ومظهر الفائدة في صورة النسيان والاشتباه كما قدمنا ذكره فانها تقع صحيحة على هذا القول، وهذا هو المراد بالاشتراك في الوقت بعين ما قرروه واتفقوا عليه في ما بعد مضي قدر الظهر إلى ما قبل قدر العصر من الغروب. ولو صح ما ذكره للزم ان لا يكون شئ من الوقت مشتركا اصلا لانه في كل جزء من الوقت ان لم يأت بالظهر سابقا يلزم اختصاصه بالظهر لعين الدليل المذكور وان اتى بها سابقا فالوقت مختص بالعصر، وهو (قدس سره) قد استشعر هذا الجواب عما ذكره حيث انه اعترض على نفسه به ثم اجاب عن ذلك بما ملخصه ان الاشتراك على ما فسرتموه فرع وقوع التكليف بالفعل ونحن قد بينا عدم تعلق التكليف.
[ 107 ]
وفيه نظر لانه ان اراد عدم التكليف مع التذكر فمسلم ولا ضرر فيه، وان اراد ولو في الصور التي قدمناها فهو ممنوع لانا لا نسلم عدم تعلق التكليف في ذلك الوقت ولم يلزم ذلك من دليله الذي ذكره فانه غير آت عليه كما عرفت. وبالجملة فالامر هنا جار على قياس الوقت المشترك فيه اتفاقا كما ذكرنا. واما ما ذكره في المعتبر من التأويل لتلك الاخبار فمع الاغماض عما فيه لا ريب انه خروج عن الظاهر وهو انما يكون عند وجود معارض اقوى يجب ترجيحه وتقديمه في العمل ليتجه ارجاع ما سواه إليه، وما ذكروه من الادلة في المقام قد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه وخافيه، والاستناد في الاختصاص إلى قوله " إلا ان هذه قبل هذه " مردود (اولا) بان غاية ما تدل عليه هذه العبارة وجوب الترتيب وهو مما لا خلاف فيه إلا انه انما ينصرف إلى الذاكر بعين ما قالوا في الوقت الذي اتفقوا على اشتراكه. و (ثانيا) بانه لو كان ذلك منافيا للاشتراك المطلق للزم اختصاص الوقت بالظهر ما لم يؤدها ولا اختصاص له بمقدار ادائها. واما ما ذكره في الذكرى من الاستدلال بالآية ففيه ان الآية بالدلالة على خلاف ما رامه اشبه، ولهذا ان العلامة في المختلف جعلها من ادلة الصدوق على القول بالاشتراك من اول الوقت وذلك لان غاية ما تدل عليه الآية المذكورة التكليف بالصلاتين أو الصلوات الاربع في ذلك الوقت المحدود ولا يلزم من ذلك وجوب الترتيب بل الترتيب انما قام بدليل من الخارج وهو انما ينصرف إلى الذاكر كما عرفت فعند عدم التذكر يبقى اطلاق الآية على حاله. واما ما استدلوا به من رواية الحلبي ونحوها ففيه انه وان اشتهر في كلامهم نسبة القول بالاشتراك من اول الوقت إلى آخره إلى الصدوق وفرعوا على ذلك جملة من الفروع كما مضى وسيأتي إلا ان معلومية ذلك من كلام الصدوق غير ظاهر حيث انه لم يصرح بهذا القول وانما نسبوه إليه باعتبار نقله جملة من الروايات المتقدمة، وصريح كلامه بالنسبة إلى آخر الوقت يوافق كلام الاصحاب فانه قال في باب احكام السهو في
[ 108 ]
الصلاة ما صورته: وان نسيت الظهر والعصر ثم ذكرتهما عند غروب الشمس فصل الظهر ثم صل العصر ان كنت لا تخاف فوت احداهما وان خفت ان تفوتك احداهما فابدأ بالعصر ولا تؤخرها فيكون قد فاتتاك جميعا ثم صل الاولى بعد ذلك على اثرها. انتهى وحينئذ فالخلاف لو سلم انما هو في اول الوقت خاصة. بقى الكلام بالنسبة إلى من نقل عنه القول بذلك غيره فهل هو على حسب ما ذكرناه عن الصدوق أو مطلقا ؟ كل محتمل. نعم يبقى الاشكال في الاخبار حيث ان ظاهر الاخبار التي قدمناها امتداد الاشتراك إلى آخر الوقت وبموجبه انه لو لم يبق من الوقت إلا بقدر اربع ركعات فانه يختص بالظهر ورواية الحلبي المذكورة ونحوها تدفعه، وربما صارت هذه الاخبار قرينة على ارتكاب التأويل في اول الوقت في تلك الاخبار الدالة على الاشتراك مطلقا فانها وان كانت لا معارض لها بالنسبة إلى اول الوقت إلا ان المعارض بالنسبة إلى آخره موجود كما عرفت. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فان الخروج عما عليه جل الاصحاب مع تأيده بما عرفت مشكل والقول بتخصيص الاشتراك باول الوقت دون آخره كما هو المفهوم من الاخبار بالتقريب الذي ذكرناه مع عدم ذهاب احد إليه فيما اعلم اشكل والاحتياط بحمد الله سبحانه واضح. (تنبيه) اعلم ان جماعة من الاصحاب قد فرعوا على الخلاف المتقدم في المسألة فروعا: (منها) - ما قدمناه من صلاة العصر في الوقت المختص بالظهر ساهيا وما لو صلى الظهرين بناء على ظن دخول الوقت ثم ظهر وقوع العصر في الوقت المختص بالظهر، فعلى القول بالاشتراك تصح العصر ويصلي الظهر بعدها لان غايته الاخلال بواجب وهو الترتيب سهوا أو بناء على ما جوزه الشارع من العمل بالظن ولا ضير فيه، وعلى القول بالاختصاص تبطل العصر ويجب اداؤها بعد الظهر. و (منها) - ان من ظن ضيق الوقت إلا عن اداء العصر فانه يتعين عليه
[ 109 ]
الاتيان بالعصر فلو صلى ثم تبين الخطأ ولم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة مثلا فحينئذ يجب عليه الاتيان بالظهر اداء على القول بالاشتراك حسب، كذا ذكره بعض الاصحاب ولا يخلو من شوب الارتياب فان من ظن ضيق الوقت إلا عن اداء اربع ركعات أو تيقن ذلك فانه على القول بالاشتراك فالواجب عليه الاتيان بالظهر لقولهم (عليهم السلام) " إلا ان هذه قبل هذه " واما على القول بالاختصاص فالواجب الاتيان بالعصر كما دلت عليه رواية الحلبي المتقدمة، وكذا لو لم يبق من الوقت إلا بقدر اداء ركعة فانها تختص بالظهر اداء على القول بالاشتراك وبالعصر على القول بالاختصاص. و (منها) - ان من ادرك اربع ركعات من آخر وقت العشاءين فانه يجب عليه الاتيان بالمغرب اولا ثم العشاء وان لم يدرك منها إلا ركعة على القول بالاشتراك وتتعين العشاء على القول بالاختصاص. و (منها) - ان من صلى الظهر ظانا سعة الوقت ثم تبين الخطأ ووقوعها في الوقت المختص بالعصر على القول المشهور فانه يجب قضاء العصر خاصة على القول بالاشتراك وقضاؤهما معا بناء على الاختصاص. والله العالم.
(المسألة الثالثة) - لا خلاف بين الاصحاب في ان اول وقت الظهر زوال الشمس الذي هو عبارة عن ميلها وانحرافها عن دائرة نصف النهار وقد نقل الاجماع على ذلك في المعتبر والمنتهى، والاصل فيه الآية والاخبار قال الله عزوجل " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) والدلوك هو الزوال كما نص عليه اهل اللغة ودل عليه صحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) " قال الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (3) ودلوكها زوالها... الحديث " وقد تقدم بتمامه مع البحث في ذيله عن معناه منقحا في فصول المقدمة الاولى (4) وروى
(1) و (3) سورة بني اسرائيل، الآية 80. (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من اعداد الفرائض. (4) ص 20.
[ 110 ]
الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة " إلى غير ذلك من الاخبار المستفيضة التي تقدم كثير منها في سابق هذه المسألة وربما يتوهم دلالة بعض الاخبار على ما ينافي ذلك كصحيحة اسماعيل بن عبد الخالق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر قال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول " وعن سعيد الاعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس ؟ فقال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة فان وقتها إذا زالت " ونحوهما غيرهما، فانها محمولة على وقت المتنفل والوقت الاول لغيره كما سيأتي توضيحه ان شاء الله تعالى في محله مفصلا، وبالجملة فالتحديد بالزوال لاولية وقت الظهر مما وقع الاتفاق عليه نصا وفتوى. وانما الخلاف بينهم في آخر وقتها وقد اختلفت فيه اقوالهم، قال العلامة في المختلف: اختلف علماؤنا في آخر وقت الظهر فقال السيد المرتضى (رضي الله عنه) إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر فإذا مضى مقدار صلاة اربع ركعات اشتركت الصلاتان الظهر والعصر في الوقت إلى ان يبقى إلى مغيب الشمس مقدار اربع ركعات فيخرج وقت الظهر ويبقى وقت العصر وبالغروب ينقضي وقت العصر وهو اختيار ابن الجنيد وسلار وابن ادريس وابن زهرة، وقال الشيخ في المبسوط إذا زالت الشمس دخل وقت الفريضة ويختص به مقدار ما يصلي فيه اربع ركعات ثم يشترك الوقت بعده بينه وبين العصر إلى ان يصير ظل كل شئ مثله، وروى حتى يصير الظل اربعة اقدام وهو اربعة اسباع الشاخص المنتصب ثم يختص بعد ذلك بوقت العصر إلى ان يصير ظل كل شئ مثليه
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب المواقيت. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 111 ]
فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر، هذا وقت الاختيار واما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه إلى ان يبقى من النهار مقدار ما يصلي فيه اربع ركعات فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر إلى ان تغرب الشمس، وفى اصحابنا من قال ان هذا ايضا وقت الاختيار الا ان الاول افضل، وافتى في الخلاف بمثل ذلك وكذلك في الجمل، وقال في النهاية آخر وقت الظهر لمن لا عذر له إذا صارت الشمس على اربعة اقدام، وقال في الاقتصاد آخره إذا زاد الفئ اربعة اسباع الشاخص أو يصير ظل كل شئ مثله وهو اختياره في المصباح وقال في عمل يوم وليلة إذا زاد الفئ اربعة اسباع الشاخص، وقد جعل في المبسوط اربعة اسباع الشاخص رواية ولم يتعرض لهذه الرواية في الخلاف والجمل وافتى في النهاية وعمل يوم وليلة بهذه الرواية ولم يتعرض للظل المماثل وافتى في الاقتصاد باحدهما لا بعينه وقال المفيد وقت الظهر بعد زوال الشمس إلى ان يرجع الفئ سبعي الشاخص. وقال ابن ابي عقيل اول وقت الظهر زوال الشمس إلى ان ينتهي الظل ذراعا واحدا أو قدمين من ظل قامته بعد الزوال فإذا جاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر، مع انه حكم ان الوقت الآخر لذوي الاعذار فان اخر المختار الصلاة من غير عذر إلى آخر الوقت فقد ضيع صلاته وبطل عمله وكان عند آل محمد (عليهم السلام) إذا صلاها في آخر وقتها قاضيا لا مؤديا للفرض في وقته. وقال ابن البراج آخر الوقت ان يصير ظل كل شئ مثله، وقال أبو الصلاح آخر وقت المختار الافضل ان يبلغ الظل سبعي القائم وآخر وقت الاجزاء ان يبلغ الظل اربعة اسباعه وآخر وقت المضطر ان يصير الظل مثله. وللشيخ في التهذيب قول آخر وهو ان وقت الظهر اربعة اقدام وهي اربعة اسباع الشاخص وبه قال السيد المرتضى في المصباح. ثم قال في المختلف، والذي نذهب إليه نحن ما اختاره السيد المرتضى اولا. اقول: وما ذهب إليه (قدس سره) هو المشهور بين المتأخرين ومتأخريهم واستدلوا عليه - كما ذكره العلامة في المختلف والسيد في المدارك وغيرهما - بقوله عزوجل
[ 112 ]
" اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) والمعنى - والله اعلم - اقم الصلاة من وقت دلوك الشمس ممتدا ذلك إلى غسق الليل فتكون اوقاتها موسعة، وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " ففي ما بين الزوال إلى غسق الليل اربع صلوات سماهن وبينهن ووقتهن ". وقال في المدارك ومقتضى ذلك امتداد وقت الظهرين أو العصر خاصة إلى الغروب ليتحقق كون الوقت المذكور ظرفا للصلوات الاربع بمعنى ان كل جزء من اجزائه ظرف لشئ منها. وقال في المنتهى وكل من قال بان وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس فهو قائل بامتداد الظهر إلى ما قبل ذلك. ثم روى في المدارك عن احمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الضحاك بن زيد عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في قوله تعالى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (4) قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات اول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل: منها - صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه، ومنها - صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه " قال: وليس في طريق هذه الرواية من قد يتوقف في شأنه إلا الضحاك بن زيد فانه غير مذكور في كتب الرجال بهذا العنوان لكن الظاهر انه أبو مالك الثقة كما يستفاد من النجاشي فيكون السند صحيحا ومتنها صريح في المطلوب، ثم قال في المدارك ويشهد لهذا القول ايضا روايتا داود بن فرقد والحلبي المتقدمتان ورواية زرارة (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) احب الوقت إلى الله عزوجل حين يدخل وقت
(1) و (4) سورة بني اسرائيل، الآية 80. (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من اعداد الفرائض. (3) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت. (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت.
[ 113 ]
الصلاة فصل الفريضة فان لم تفعل فانك في وقت منها حتى تغيب الشمس " ثم نقل موثقة عبد الله بن سنان (1) الدالة على ان الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر وان طهرت في آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء ثم صحيحة زرارة (2) الدالة على ان من الامور امورا مضيقة وامورا موسعة وان الوقت وقتان والصلاة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وربما اخر.. الحديث، إلى ان قال: واما انتهاء وقت الفضيلة بصيرورة ظل كل شئ مثله فيدل عليه صحيحة احمد بن عمر عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن وقت الظهر والعصر فقال وقت الظهر إذا زالت الشمس إلى ان يذهب الظل قامة ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين " وصحيحة احمد بن محمد (4) قال: " سألته عن وقت صلاة الظهر والعصر فكتب قامة للظهر وقامة للعصر " قال وانما حملناهما على وقت الفضيلة لان اجراءهما على ظاهرهما اعني كون ذلك آخر الوقت مطلقا ممتنع اجماعا فلابد من حملهما اما على وقت الفضيلة أو الاختيار ولا ريب في رجحان الاول لمطابقته لظاهر القرآن ولصراحة الاخبار المتقدمة في امتداد وقت الاجزاء إلى الغروب ولقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (5) " لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما " انتهى. اقول - وبه سبحانه الثقة لادراك المأمول -: انا قدمنا البحث في المقام بما ازال عنه غشاوة اللبس والابهام ونقول هنا ايضا في الكلام على كلامه (قدس سره) في هذا المقام ان فيه نظرا من وجوه: (احدها) انه لا مدفع لدلالة الآية والاخبار المذكورة على الامتداد في الجملة وكون
(1) المروية في الوسائل في الباب 49 من ابواب الحيض. (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت.
[ 114 ]
ذلك وقتا في الجملة انما البحث في تخصيص ذوي الاعذار به أو عمومه لهم ولذوي الاختيار وهذه الادلة كلها لا تصريح ولا ظاهرية فيها بكون الامتداد إلى الغروب والى الانتصاف وقتا للمختار كما هو المطلوب بالاستدلال وانما تدل على كونه وقتا في الجملة ويكفي في صدقه كونه وقتا لذوي الاعذار والاضطرار، ومما يؤيد ما ذكرنا ما صرح به شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين حيث نقل عن العلامة الاحتجاج للقول المشهور بالآية وانها تدل على التخيير في ايقاع الصلاة بين هذين الوقتين، ثم قال (قدس سره) واما الآية فلا تدل على ان ما بين الدلوك والغسق وقت للمختار وانما تدل على ان ما بينهما وقت في الجملة وهذا لا ينافي كون البعض وقتا للمختار والبعض الآخر وقتا للمعذور. انتهى. وقد وفق الله سبحانه للاطلاع عليه بعد خطور ما ذكرناه بالبال اولا فهو من قبيل توارد الخاطر. و (ثانيها) - ان ما ذكره (قدس سره) في الرواية المشتملة على الضحاك بن زيد - من ان الظاهر انه أبو مالك الثقة كما يستفاد من النجاشي فيكون السند صحيحا - لا اعرف له وجه استقامة ولا لهذه الظاهرية وجه ظهور، فان مجرد ذكر النجاشي للضحاك وانه أبو مالك الحضرمي وانه ثقة لا يقتضي حمله على الرجل المذكور في الرواية المعبر عنه بالضحاك بن زيد، ومجرد الاشتراك في الاسم أو الطبقة لا يقتضي حمل احدهما على الآخر، والذي يستفاد من النجاشي توثيق الرجل الذي ذكره واما كونه هو هذا المذكور في الخبر فلا يستفاد من كلامه بوجه من الوجوه، وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من عجب من مثله كما ترى، واعجب من ذلك قوله ايضا " ومتنها صريح في المطلوب " واي صراحة في الدلالة على الامتداد بالنسبة إلى المختار كما هو المدعى ومحل البحث ؟ وانما غايتها - كما عرفت - الدلالة على ما دلت على الآية والاخبار الباقية من كونه وقتا في الجملة. و (ثالثها) - قوله بعد ذكر صحيحتي الاحمدين الدالتين على التحديد بالقامة والقامتين من ان الاظهر حملهما على الفضيلة دون الاختيار لظاهر القرآن وصراحة
[ 115 ]
الاخبار المتقدمة في امتداد وقت الاجزاء إلى الغروب، فان فيه انه لا ريب ان هاتين الصحيحتين من جملة الصحاح التي اشرنا سابقا إلى دلالتها على ما اخترناه من ان الوقت الاول هو الوقت الاصلي لجملة الفرائض وان الثاني انما وقع رخصة لذوي الاعذار والاضطرار وان من اخر إليه مختارا فهو مستحق للمؤاخذة إلا ان يعفو الله عزوجل. ومنها - زيادة على الخبرين المذكورين ما رواه في الكافي عن يزيد بن خليفة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا. قلت ذكر انك قلت ان اول صلاة افترضها الله عزوجل على نبيه الظهر وهو قول الله تعالى: " اقم الصلاة لدلوك الشمس " (2) فإذا زالت الشمس لم يمنعك إلا سبحتك ثم لا تزال في وقت الظهر إلى ان يصير الظل قامة وهو آخر الوقت فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين وذلك المساء ؟ قال صدق " وما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن حكيم (3) قال: " سمعت العبد الصالح (عليه السلام) وهو يقول ان اول وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال واول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان. قلت في الشتاء والصيف سواء ؟ قال نعم " ومنها - موثقة معاوية بن وهب المتقدمة (4) في المسألة الاولى الدالة على نزول جبرئيل بالاوقات على النبي (صلى الله عليه وآله). إلا انه يبقى الاشكال في هذه الاخبار من حيث الدلالة على امتداد الفضيلة أو الاختيار إلى صيرورة ظل كل شئ مثله فانه مبني على حمل القامة على قامة الانسان. وفيه ما سيأتي تحقيقة في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. واما ما ذكره هنا من حمل هذا الوقت على وقت الفضيلة فقد عرفت انه مجرد دعوى لا دليل عليها واستنادهم إلى الآية والاخبار قد عرفت ما فيه إذ محل البحث في المسألة
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من المواقيت. (2) سورة بني اسرائيل، الآية 80. (3) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (4) ص 94.
[ 116 ]
وقت المختار ولا دلالة في الآية عليه ولا في شئ من تلك الاخبار، وبالجملة فانا لا نمنع دلالة الآية وهذه الاخبار على انه وقت في الجملة واما كونه وقتا للمختار كما هو المدعى فلا فان قضية الجمع بينها وبين ما قدمناه من الاخبار الدالة على كون الوقت الثاني انما هو لذوي الاعذار وانه بالنسبة إلى غيرهم تضييع وانه موجب لوقوف عمله عن القبول وبقائه تحت المشيئة هو حمل هذه الاخبار على ما ذكرناه، واما على ما ذهبوا إليه فانه لا مناص لهم عن طرح تلك الاخبار مع ما هي عليه من الاستفاضة والكثرة والصحة في كثير منها والصراحة. ومما يزيدها تأكيدا زيادة على ما قدمناه ما رواه الصدوق في كتاب العيون عن الرضا (عليه السلام) وفى كتاب المجالس وثواب الاعمال عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) قال: " لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن - وفى بعضها هائبا لابن آدم ذعرا منه - ما حافظ على الصلوات الخمس فإذا ضعيهن اجترأ عليه واوقعه في العظائم " وروى في كتاب العيون عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان وكان حقا على الله تعالى ان يدخله النار مع المنافقين فالويل لمن لم يحافظ على صلاته وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) " وروى الصدوق في كتاب المجالس بسند صحيح عن خالد بن جرير عن ابي الربيع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينال شفاعتي غدا من اخر الصلاة المفروضة بعد وقتها " وروى في الخصال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) ليس عمل احب إلى الله عزوجل من الصلاة فلا يشغلنكم عن اوقاتها شئ من امور الدنيا فان الله عزوجل ذم اقواما فقال: الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) يعني انهم غافلون استهانوا باوقاتها " وروى
(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب المواقيت. (2) رواه في الوسائل في الباب 7 من اعداد الفرائض. (5) سورة الماعون، الآية 4 و 5.
[ 117 ]
الطبرسي في مجمع البيان عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " هذه الفريضة من صلاها لوقتها عارفا بحقها لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه ومن صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها فان ذلك إليه ان شاء غفر له وان شاء عذبه " وروى الثقة الجليل علي بن ابراهيم (2) في تفسير قوله تعالى: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " (3) قال: عنى به تاركون لان كل احد يسهو في الصلاة وعن ابي عبد الله (عليه السلام) " تأخير الصلاة عن اول وقتها لغير عذر " وفي كتاب المجمع هم الذين يؤخرون الصلاة عن اوقاتها عن ابن عباس وروى ذلك مرفوعا. وفي تفسير العياشي في تفسير الآية المذكورة عن يونس بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن قوله تعالى، " الذين هم عن صلاتهم ساهون " أهي وسوسة الشيطان ؟ قال لا كل احد يصيبه هذا ولكن ان يغفلها ويدع ان يصلي في اول وقتها " وعن ابي اسامة زيد الشحام (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى " الذين هم عن صلاتهم ساهون " قال هو الترك لها والتواني عنها " وعن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) " هو التضييع لها ". اقول: انظر ايدك الله تعالى بعين الاعتبار في هذه الاخبار وامثالها مما قدمناه مما هو صريح الدلالة واضح المقالة في ان التأخير عن الوقت الاول تضييع وان المراد بالوقت في جميع هذه الاخبار السابقة واللاحقة هو الوقت الاول فربما اطلق في بعضها وربما قيد باول الوقت من قبيل اضافة الصفة إلى الموصوف اي الوقت الاول وان التأخير عنه تضييع للصلاة غير مستحق للقبول بل مستحق للعقاب والحشر مع قارون وهامان وانه لا تناله الشفاعة إلا ان يعفو الله بكرمه، وكيف يلائم هذا كله القول بانه وقت شرعي للمختار يجوز له التأخير إليه في حال الاختيار ؟
(1) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب المواقيت. (2) ص 740. (3) سورة الماعون، الآية 4 و 5.
[ 118 ]
و (رابعها) - ان ما ادعاه - من صراحة الاخبار المتقدمة وامتداد وقت الاجزاء - ففيه ان تلك الاخبار لم يصرح في شئ منها بكونه وقت اجزاء ولا غيره وهذه التسمية انما وقعت في كلامهم باعتبار حملهم الوقت الاول على وقت الفضيلة فسموا الوقت الثاني وقت اجزاء، وغاية ما دلت عليه الاخبار المتقدمة ان الوقت يمتد إلى غروب الشمس لقوله (عليه السلام) في بعضها (1) " انت في وقت حتى تغيب الشمس " ولكن مقتضى الجمع بينها وبين الاخبار الدالة على التحديد بالقامة والقامتين يدل على ان ما بعد القامة في الظهر والقامتين في العصر وقت مرجوح مفضول ليس كالوقت الاول إلا انهم سموه باعتبار حملهم اخبار القامة والقامتين على الفضيلة وقت اجزاء والآخرون خصوه باصحاب الضرورات والاعذار وان اسقط القضاء عن غيرهم ايضا إلا انه على الحال التي عرفت من الاخبار المتقدمة. وهذا هو الارجح والاظهر للاخبار المذكورة كما عرفت. إذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من الاصحاب قد نقلوا عن الشيخ في الخلاف الاحتجاج على ما ذهب إليه من انتهاء وقت الاختيار بصيرورة ظل كل شئ مثله بان الاجماع منعقد على ان ذلك وقت للظهر وليس على ما زاد عليه دليل، وبما رواه عن زرارة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني فلما ان كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد بن هلال ان زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم اخبره فحرجت من ذلك فاقرأه مني السلام وقل له إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر " وبصحيحتي احمد بن عمر واحمد بن محمد المتقدمتين. واجاب عن ذلك في المدارك قال: والجواب عن الاول انا قد بينا الدلالة
(1) كما في الحديث رقم " 5 " ورقم " 22 " من الباب 4 من مواقيت الوسائل. (2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 119 ]
على كون الزائد وقتا للظهر وعن الرواية الاولى بمنع الدلالة على المدعى بل هي بالدلالة على نقيضه اشبه لان امره (عليه السلام) بالصلاة بعد المثل يدل على عدم خروجه به. وعن الروايتين الاخيرتين بالحمل على وقت الفضيلة كما بيناه. انتهى. وفيه ما عرفت ونزيده هنا ان الشيخ (قدس سره) انما احتج هنا على انتهاء وقت الاختيار لا انتهاء الوقت مطلقا والذي اشار إليه من الادلة ليس فيها ما يدل على كون الزائد وقتا للمختار وانما غايتها - كما عرفت - الدلالة على كونه وقتا في الجملة فكلام الشيخ في محله لا يندفع بما ذكره. واما استدلال الشيخ برواية زرارة فهو ليس في محله والظاهر حملها على الابراد المأمور به كما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضعه. واما الصحيحان الآخران فهما من اوضح الادلة على ما ادعاه والحمل على وقت الفضيلة قد عرفت ما فيه. واما ما افتى به الشيخ في بعض كتبه ونسبه إلى الرواية في بعض آخر - من انتهاء الوقت باربعة اقدام وهو اربعة اسباع الشاخص لمن لا عذر له واما من له عذر فهوفي فسحة إلى آخر النهار - فاستدل عليه في التهذيب بما رواه عن ابراهيم الكرخي (1) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) متى يدخل وقت الظهر ؟ قال إذا زالت الشمس فقلت متى يخرج وقتها ؟ فقال من بعد ما يمضي من زوالها اربعة اقدام ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره. قلت فمتى يدخل وقت العصر ؟ قال ان آخر وقت الظهر هو اول وقت العصر. قلت فمتى يخرج وقت العصر ؟ فقال وقت العصر إلى ان تغرب الشمس وذلك من علة وهو تضييع. فقلت له لو ان رجلا صلى الظهر من بعد ما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام أكان عندك غير مؤد لها ؟ فقال ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة والوقت لم تقبل منه كما لو ان رجلا اخر العصر إلى قرب ان تغرب الشمس متعمدا
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 120 ]
من غير علة لم تقبل منه " وعن الفضل بن يونس (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) قلت المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة ؟ قال إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام فلا تصل إلا العصر لان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم.. ". قال في المدارك بعد نقل ذلك: والجواب عن الروايتين بالطعن في السند (اما الاولى) فبجهالة ابراهيم الكرخي مع ان فيها ما اجمع الاصحاب على خلافه وهو قوله " ان آخر وقت الظهر هو اول وقت العصر " ومن المعلوم ان اوله عند الفراغ منها لا بعد مضي اربعة اقدام. و (اما الثانية) فبالفضل بن يونس فانه واقفي مع انها معارضة بموثقة عبد الله بن سنان المتقدمة عن الصادق (عليه السلام) وهي اوضح سندا من هذه الرواية إذ ليس في طريقها من يتوقف فيه الا علي بن الحسن بن فضال وقال النجاشي في تعريفه انه كان فقيه اصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث والمسموع قوله فيه فانه سمع منه شيئا كثيرا ولم يعثر له على زلة فيه. انتهى. اقول: اما الطعن في السند فقد عرفت في غير موضع مما تقدم انه لا يقوم حجة على المتقدمين ولا على من لا يرى هذا الاصطلاح. واما ما طعن به في متنها من دلالتها على ان اول وقت العصر هو آخر وقت الظهر والحال ان اول وقتها انما هو الفراغ من الظهر فيمكن الجواب عنه بان المراد بالوقت هنا هو اول وقت الفضيلة كما ذهب إليه جملة من الاصحاب من استحباب تأخير العصر إلى بعد مضى المثل أو الاقدام كما سيأتي نقله عن الشيخ المفيد وابن الجنيد في المسألة الآتية لا ان المراد الوقت الحقيقي، ومثل ذلك ايضا يأتي ان شاء الله تعالى في اول وقت العشاء فان الشيخين ذهبا إلى انه انما يدخل بذهاب الحمرة المغربية وعليه يدل بعض النصوص والاصحاب حملوها على اول وقت الفضيلة، فليكن ما اشتمل عليه هذا الخبر من ذلك القبيل وبه يندفع الطعن المذكور.
(1) رواه في الوسائل في الباب 49 من ابواب الحيض.
[ 121 ]
واما طعنه في الرواية الثانية بالفضل بن يونس وانه واقفي ففيه انه وان كان واقفيا كما ذكره الشيخ إلا انه ثقة كما ذكره النجاشي ولم يذكر كونه واقفيا، ويأتي على ما يختاره البعض من تقديم قول النجاشي لانه اضبط واثبت الحكم بصحة الرواية، ومع التنزل والعمل بقول الشيخ فيكون من قسم الموثق فلا معنى لترجيح موثقة عبد الله بن سنان عليها. واما ما سجل به من ترجيح موثقة عبد الله بن سنان بعد اوصاف علي بن الحسن ابن فضال ففيه انه قد رد روايته في غير موضع من شرحه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى فيما يأتي. نعم يبقى الكلام في الرواية المذكورة من حيث دلالتها على خروج وقت الظهر في الحيض بعد الاربعة اقدام والعلامة (قدس سره) قد ادعى الاجماع على ان آخر وقت الظهر للمعذور إلى قبل الغروب بمقدار العصر وبه طعن في هذه الرواية، وتنظر فيه بعضهم بان الشيخ (قدس سره) صرح في التهذيب والاستبصار بان الحائض إذا طهرت بعد ما يمضي من الوقت اربعة اقدام لم يجب عليها صلاة الظهر فادعاء الاجماع على خلافه مع مخالفة الشيخ محل تأمل. اقول: ومما يدل على ما دلت عليه الرواية المذكورة من الحكم المذكور حسنة معمر بن يحيى (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الحائض تطهر بعد العصر تصلي الاولى ؟ قال لا انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها " وموثقة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " قلت المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر ؟ قال تصلي العصر وحدها فان ضيعت فعليها صلاتان " إلا انه يمكن حمل هاتين الروايتين على الوقت المختص بالعصر فلا يكون سبيلها سبيل تلك الرواية. وبالجملة فان رواية الكرخي لا اشكال فيها لما عرفت وانما الاشكال في رواية
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 49 من ابواب الحيض.
[ 122 ]
الفضل بن يونس بما دلت عليه من ان وقت الظهر انما هو إلى مضي الاربعة اقدام وبعده يخرج حتى بالنسبة إلى ذوي الاعذار كالحيض، ولا يحضرني في ذلك محمل غير التقية وبه صرح الفاضل الخراساني في الذخيرة وزاد مع ذلك احتمال حمل رواية ابن سنان على الاستحباب، والاظهر هو العمل برواية ابن سنان لا عتضادها بالاخبار المستفيضة الدالة على وجوب الصلاة وامتداد الوقت سيما لذوي الاعذار إلى الغروب وحمل تلك الرواية على التقية وان لم يعلم بها الآن قائل منهم لما قدمناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب من انه لا يشترط في الحمل عليها وجود قائل منهم، ولما علم من الاخبار من انه لا منشأ للاختلاف في اخبارنا إلا التقية، ولما تطابقت فتوى علمائنا وتظافرت اخبارنا بما دلت عليه رواية ابن سنان وجب حمل ما يخالفها على ذلك. واما ما ذهب إليه الشيخ مما قدمنا نقله عنه من العمل بالرواية المذكورة فهو مما لا يلتفت إليه في معارضة الاخبار المشار إليها المعتضدة بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا ومنهم الشيخ في غير الكتابين المذكورين. نعم ما دلت عليه رواية ابن سنان من امتداد وقت العشاءين إلى آخر الليل محمول عندي على التقية لما تقدم تحقيقه في باب التيمم ويأتي مزيد كلام فيه ان شاء الله تعالى في باب قضاء الصلاة. واما ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) - من ان وقت الظهر بعد زوال الشمس إلى ان يرجع الفئ سبعى الشاخص - فاستدل له العلامة في المختلف بما رواه ابن بابويه والشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار وزرارة بن اعين وبكير بن اعين ومحمد ابن مسلم وبريد بن معاوية العجلي عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما قالا: " وقت الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان وهذا اول الوقت إلى ان يمضي اربعة اقدام للعصر " وما رواه الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك اربعة اقدام من زوال الشمس " قال في المدارك - ونعم ما قال
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 123 ]
هنا -: والجواب منع دلالة الروايتين على خروج وقت الظهر بذلك بل مقتضى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) استحباب تأخير الظهر إلى ان يصير الفئ على قدمين من الزوال فانه (عليه السلام) قال (1) " ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قامة وكان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أتدري لم جعل الذراع والذراعان قلت لم جعل ذلك ؟ قال لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان يمضي الفئ ذراعا فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة " والظاهر ان ذلك هو مراد المفيد (قدس سره) وان كانت عبارته مجملة وهو الذي فهمه منه الشيخ في التهذيب، فانه قال بعد نقل كلامه: وقت الظهر على ثلاثة اضرب: من لم يصل شيئا من النوافل فوقته حين تزول الشمس بلا تأخير، ومن صلى النافلة فوقتها حين صارت على قدمين أو سبعين أو ما اشبه ذلك، ووقت المضطر ممتد إلى اصفرار الشمس، ثم استدل على الضرب الثاني برواية زرارة وما في معناها. وبالجملة فالقول بخروج وقت الظهر بصيرورة الفئ على قدمين مقطوع بفساده. انتهى. وهو جيد واما ما نقل عن ابن ابي عقيل فاحتج له في المختلف برواية زرارة المتقدمة في ما استدل به للشيخ المفيد ورواية محمد بن حكيم (2) قال: " سمعت العبد الصالح (عليه السلام) يقول ان اول وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال " قال وقد روى علي بن ابي حمزة (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول القامة هي الذراع " وقال له أبو بصير (4): " كم القامة ؟ فقال ذراع ان قامة رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت ذراعا " واجاب عنه بما يرجع إلى ما قدمنا نقله عن صاحب المدارك في الجواب عن كلام الشيخ المفيد (قدس سره). وبالجملة فالمعتمد من هذه الاقوال ما قدمنا لك تحقيقه واوسعنا مضيقه في هذا المجال. والله العالم.
(المسألة الرابعة) - المشهور في كلام الاصحاب ان الوقت الاول للظهر وهو
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 124 ]
وقت الفضيلة أو الاختيار على الخلاف المتقدم من الزوال إلى مضي مثل الشاخص وللعصر إلى مضي مثليه، قال في المعتبر آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثله ثم يمتد وقت الاجزاء حتى يبقى للغروب مقدار اربع ركعات فيختص الوقت بالعصر، واليه ذهب علم الهدى وابن الجنيد. وقد نقل في المدارك ايضا عن السيد المرتضى انه يمتد وقت الفضيلة في الظهر إلى ان يصير ظل كل شئ مثله ووقت الاجزاء إلى ان يبقى للغروب قدر اربع ركعات فيختص بالعصر. وقد تقدم في صدر المسألة الثالثة كلام الشيخ بنحو ذلك. والمشهور في كلام المتأخرين افضلية تأخير العصر إلى اول المثل الثاني، قال في الذكرى يمتد وقت الفضيلة للظهر أو الاختيار إلى ان يصير الظل الحادث بعد الزوال مماثلا للشاخص في المشهور، ثم نقل خلاف المشهور التقدير بالاقدام الاربعة لرواية ابراهيم الكرخي، ثم قال في موضع آخر بعد البحث في المقام: نعم الاقرب استحباب تأخير العصر إلى ان يخرج وقت فضيلة الظهر اما القدر بالنافلتين والظهر واما المقدر بما سلف من المثل والاقدام وغيرهما. وقد تقدم في سابق هذه المسألة تصريح صاحب المدارك بما ذكرنا اولا من امتداد وقت فضيلة الظهر إلى تمام مثل الشاخص واستدلاله على ذلك بصحيحتي احمد بن عمر واحمد بن محمد المشتملتين على التحديد بالقامة وان وقت الظهر قامة ووقت العصر قامة وفي معناهما روايات اخر قدمنا ذكرها ايضا. وفى الاستدلال بها عندي اشكال حيث ان مبنى الاستدلال بها على حمل القامة على قامة الشاخص والمفهوم من الاخبار ان لفظ القامة الوارد فيها انما هو بمعنى الذراع والقامتين بمعنى الذراعين، فمن ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال له: " كم القامة ؟ فقال ذراع ان قامة رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت ذراعا "
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 125 ]
وعن علي بن ابي حمزة (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول القامة هي الذراع " وعن علي بن حنظلة (2) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) القامة والقامتين الذراع والذراعين في كتاب علي (عليه السلام) " قال في الوافي: نصبهما بالحكاية. وعن علي بن حنظلة (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) القامة ذراع والقامتان ذراعان " قال في الوافي: تفسير القامة بالذراع انما يصح إذا كان قامة الشاخص ذراعا فيعبر عن احدهما بالآخر كما دل عليه حديث ابي بصير لا مطلقا كما زعمه صاحب التهذيب أو اريد به في زمان يكون فيه الظل الباقي بعد نقصانه ذراعا ويراد بالقامة قامة الظل الباقي لا قامة الشاخص كما دل عليه حديث اول الباب. انتهى. اقول: من المحتمل قريبا بل الظاهر ان المراد باللام في القامة والقامتين في هذه الاخبار العهد وتكون اشارة إلى ما قدمنا من الاخبار الدالة على تحديد وقت الظهر بالقامة ووقت العصر بالقامتين بمعنى ان القامة الواردة في تلك الاخبار المراد منها الذراع لا قامة الشاخص، وبه يظهر ان حمل القامة في تلك الاخبار على قامة الشاخص ليكون دليلا على امتداد وقت الفضيلة بامتداد المثل والمثلين لا وجه له. واما ما ذكره من استحباب تأخير العصر إلى اول المثل الثاني فاستدلوا عليه برواية زرارة المتقدمة المتضمنة لسؤاله ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر في القيظ وقد تقدمت في سابق هذه المسألة (4) وهي مع كونها اخص من المدعى ومع اشتمالها على خلاف المدعى ايضا حيث دلت على الصلاة بعد نقص المثل محمولة على الابراد كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله. نعم يدل على ذلك ما قدمنا من رواية الشيخ في كتاب المجالس مما كتبه الامير (عليه السلام) لمحمد بن ابي بكر حين ولاه مصر (5) حيث قال في الحديث " فان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن اوقات الصلاة
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (4) ص 118. (5) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت.
[ 126 ]
فقال اتاني جبرئيل فاراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن ثم اراني وقت العصر فكان ظل كل شئ مثله... الحديث " وهو مع ضعفه معارض بالاخبار المستفيضة كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى، ومنها اخبار نزول جبرئيل بالاوقات (1) ويمكن حمله على التقية حيث انه هو المعمول عليه عند العامة قديما وحديثا (2) ويؤيد ما ذكرنا ما صرح به شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار حيث قال - ونعم ما قال - ثم انه لما كان المشهور بين المخالفين تأخير الظهرين عن اول الوقت بالمثل والمثلين فلذا اختلفت الاخبار في ذلك ففي بعضها " إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر وإذا صار ظلك مثليك فصل العصر " (3) وفي بعضها " ان آخر وقت الظهر المثل وآخر وقت العصر المثلان " كما ذهب إليه اكثر المتأخرين من اصحابنا، وفي بعضها " ان وقت نافلة الزوال قدمان ووقت الظهر ونافلة العصر بعدهما قدمان " ووقت فضيلة العصر اربعة اقدام في بعض الاخبار وفى بعضها قدمان ونصف وفى كثير منها " لا يمنعك من الفريضة الا سبحنك ان شئت طولت وان شئت قصرت " (4) والذي ظهر لي من جميعها ان المثل والمثلين انما وردا تقية لاشتهارهما بين المخالفين، وقد اولهما في بعض الاخبار بالذراع والذراعين تحرجا من الكذب، أو المثل والمثلان وقت الفضيلة بعد الذراع والذراعين والاربع اي إذا اخروا الظهر عن اربعة اقدام فينبغي ان لا يؤخروها
(1) ص 127. (2) في عمدة القارئ ج 2 ص 540 " آخر وقت الظهر عند ابي حنيفة إذا صار ظل كل شئ مثليه فيخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر، وعند ابي يوسف ومحمد إذا صار ظل كل شئ مثله يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر وهي رواية الحسن بن زياد وبه قال مالك والشافعي واحمد والثوري واسحاق لكن عند الشافعي آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه لمن ليس له عذر واما اصحاب العذر فآخر وقتها لهم غروب الشمس. وقال القرطبي خالف الناس كلهم ابا حنيفة فيما قاله حتى اصحابه ". (3) ص 118. (4) ص 136.
[ 127 ]
عن السبعة وهي المثل وإذا اخروا العصر عن الثمانية فينبغي ان لا يؤخروها عن الاربعة عشر اعني المثلين، فالافضل في الاوقات الاقدام لكن لا بمعنى ان الظهر لا يقدم على القدمين بل بمعنى ان النافلة لا توقع بعد القدمين وكذا نافلة العصر لا يؤتى بها بعد الاربعة اقدام فاما العصر فيجوز تقديمها قبل مضي الاربعة ان فرغ من النافلة قبلها بل التقديم فيهما افضل، واما آخر وقت فضيلة العصر فله مراتب الاولى ستة اقدام والثانية ستة اقدام ونصف والثالثة ثمانية اقدام والرابعة المثلان على احتمال، فإذا رجعت إلى الاخبار الواردة في هذا الباب لا يبقى لك ريب في تعين هذا الوجه في الجمع بينها. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: لم اقف فيما حضرني من الاخبار على ما يدل على المثل والمثلين سوى الخبرين اللذين ذكرتهما (1) وقد عرفت الوجه فيهما، وظني ان ما تكلفه زيادة على ذلك لا وجه له إذ التقية في ذلك اظهر ظاهر في المقام فلا ضرورة في ارتكاب ما ذكره (طيب الله مرقده). والواجب هو بسط الاخبار المتعلقة بالمسألة كما هي عادتنا في الكتاب ليظهر بذلك تحقيق الحق بغير شك ولا ارتياب فاقول: ان جملة من الاخبار قد وردت في نزول جبرئيل بالاوقات: ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " اتى جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمواقيت الصلاة فاتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثم اتاه حين زاد من الظل قامة فأمره فصلى العصر ثم اتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم اتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء ثم اتاه حين طلوع الفجر فأمره فصلى الصبح ثم اتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثم اتاه حين زاد من الظل قامتان فأمره فصلى العصر ثم اتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل
(1) ص 125 رقم 4 و 5. (2) رواه في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
[ 128 ]
فأمره فصلى العشاء ثم اتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح وقال ما بينهما وقت " وعن معاوية بن ميسرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: اتى جبرئيل وساق الخبر مثل السابق إلا انه قال بدل القامة والقامتين ذراع وذراعين. وعن المفضل بن عمر (2) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وساق الخبر كالاول إلا انه ذكر بدل القامة والقامتين قدمين واربعة اقدام. اقول: وهذه الاخبار بانضمام بعضها إلى بعض ظاهرة الدلالة في ان الوقت الاول للظهرين هو الذراع والذراعان والقدمان والاربعة اقدام لان القامة في الخبر الاول كما عرفت بمعنى الذراع إلا انها ظاهرة الاختصاص بغير المتنفل وكأن النوافل وتحديدها بالذراع والذراعين انما وقع بعد ذلك، وحينئذ فيكون هذا الوقت وقت فضيلة بالنسبة إلى غير المتنفل وعلى ذلك تحمل الاخبار المتقدمة ايضا كصحيحتي الاحمدين ورواية محمد ابن حكيم، واما رواية يزيد بن خليفة فالظاهر حمل القامة فيها على قامة الشاخص حيث قال في آخرها: " ووقت العصر حتى يصير الظل قامتين وذلك المساء " فان المساء انما يترتب على قامة الشاخص دون الذراعين كما لا يخفى إلا ان يحمل على المبالغة وهو بعيد بل الظاهر هو حملها على التقية، ويؤيده دلالتها على عدم دخول وقت العصر حتى يصير الظل قامة الشاخص يعني وقت فضيلتها وهو مذهب العامة حيث انهم يؤخرون العصر إلى ذلك الوقت (3) ولعل من هذا الخبر ونحوه حكم المتأخرون باستحباب تأخير العصر إلى اول المثل الثاني كما قدمنا نقله عن الذكرى والحق فيه ما عرفت، ويمكن ان يجعل هذا الخبر دليلا لما قدمناه عن المشهور بين الاصحاب من امتداد فضيلة الظهر إلى المثل والعصر إلى المثلين حيث قال فيه: " ثم لا تزال في وقت الظهر إلى ان يصير الظل قامة " وقد عرفت ان المراد بالقامة هنا قامة الانسان، قوله " وهو آخر الوقت " اي وقت
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب المواقيت. (3) راجع التعليقة 2 ص 126.
[ 129 ]
الفضيلة وقوله: " فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر " اي الوقت المختص فضله بالعصر بحيث لا يشاركه الظهر فيه لان ما قبل ذلك وقت فضيلة لهما معا كما دلت عليه الاخبار من ان كل ما قرب من اول الوقت فهو افضل وانه لا يمنعه إلا السبحة أو الذراع والذراعان، وحينئذ فإذا بلغ الظل المثل الثاني اختصت الفضيلة بالعصر إلى تمام المثل الثاني، وهذا المعنى وان كان محتملا إلا انه لا يخلو من تكلف ولعل حمل الخبر على الخروج مخرج التقية اظهر كما ذكرنا. وجملة من الاخبار قد دلت على التحديد بالذراع والذراعين والقدم والقدمين والاربعة ونحو ذلك، ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك اربعة اقدام من زوال الشمس، وقال زرارة قال لي أبو جعفر (عليه السلام) حين سألته عن ذلك: ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قامة فكان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قلت لم جعل ذلك ؟ قال لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان يمضي الفئ ذراعا فإذا بلغ فيؤك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة " قال في التهذيبين: قال ابن مسكان حدثني بالذراع والذراعين سليمان بن خالد وابو بصير المرادي وحسين صاحب الفلانس وابن ابي يعفور ومن لا احصيه منهم. اقول القامة في هذا الخبر مراد بها قامة الانسان وكذا في الذي بعده. وعن زرارة في الموثق (2) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قامة فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 130 ]
وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قلت لا. قال من اجل الفريضة إذا دخل وقت الذراع والذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة ". اقول: حيث انه قد دلت الاخبار على انه لا تطوع في وقت فريضة بل اكثر الاخبار الدالة على هذا المعنى انما اريد بها هذا المقام حيث ان الشارع قد عين للنافلة من اول الوقت هذا المقدار من الذراع والذراعين والقدمين والاربعة فمتى خرج هذا الوقت ولم يأت بالنافلة وجبت البدأة بالفريضة واما لو فرغ من النافلة قبل هذا المقدار فانه يجوز بل يستحب مزاحمة الفريضة لها في هذا المقدار كما سيأتيك ان شاء الله تعالى ذكره في الاخبار وعن اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان فئ الجدار ذراعا صلى الظهر وإذا كان ذراعين صلى العصر. قال قلت ان الجدران تختلف بعضها قصير وبعضها طويل، فقال كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قامة " وعن اسحاق بن عمار مثله سندا ومتنا (2) وزاد " وانما جعل الذراع والذراعان لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة ". وعن اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قال: قلت لم ؟ قال لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه ". وعن زرارة في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قال قلت لم ؟ قال لمكان الفريضة لك ان تتنفل من زوال الشمس
(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. وهذا الحديث يرويه اسحاق بن عمار عن اسماعيل الجعفي ايضا الا ان الراوي عن اسحاق هو صفوان بن يحيى في الاول والحسن بن عديس في الثاني.
[ 131 ]
إلى ان يبلغ ذراعا فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة ". وعن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " وقت الظهر على ذراع " وعن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن صلاة الظهر فقال إذا كان الفئ ذراعا. قلت ذراعا من اي شئ ؟ قال ذراعا من فيئك. قلت فالعصر ؟ قال الشطر من ذلك.. الحديث ". وعن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي الظهر على ذراع والعصر على نحو ذلك ". وعن عبيد بن زرارة في الموثق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن افضل وقت الظهر قال ذراع بعد الزوال. قال: قلت في الشتاء والصيف سواء ؟ قال نعم ". وروى في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن الفضيل وزرارة وبكير ومحمد بن مسلم وبريد (5) قالوا: " قال أبو جعفر وابو عبد الله (عليهما السلام) وقت الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان وهذا اول الوقت إلى ان يمضي اربعة اقدام للعصر ". اقول: ربما سبق إلى بعض الاوهام كما وقع فيه بعض الاعلام ان المراد من هذا الخبر انما هو تحديد وقت فضيلة الظهر أو الاختيار بمعنى ان الافضل ايقاعها في هذا المقدار وكذلك العصر فيكون منافيا لما دل على التحديد بالقامة والقامتين والمثل والمثلين ومن اجل ذلك حكم بطرح اخبار المثل والمثلين لصحة هذا الخبر. وانت خبير بان ظاهر الصحيحة المذكورة وان اوهم ذلك في بادئ النظر الا ان الظاهر ان المراد انما هو التحديد بما بعد القدمين والاربعة، فمعنى قوله (عليه السلام): " وقت الظهر بعد الزوال قدمان " يعني مضي قدمين وهكذا وقت العصر، كما وقع نظيره في موثقة زرارة
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 132 ]
المتقدمة حيث قال: " إذا دخل وقت الذراع والذراعين بدأت بالفريضة " فان ظاهر وقت الذراع يعني اول الذراع مع ان المراد انما هو مضي الذراع كما هو صريح صدر الرواية، وقد وقع مثل ذلك في صدر صحيحة زرارة التي في صدر هذه الجملة حيث قال فيها " سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراع من وقت الظهر " فان المراد بعد ذراع كما تنادي به تتمة الرواية وقوله فيها " ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قامة فكان إذا مضي من فيئه ذراع صلى الظهر وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر.. الخبر ". وروى في التهذيب عن عبد الله بن محمد (1) قال: " كتبت إليه جعلت فداك روى اصحابنا عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) انهما قالا إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان بين يديها سبحة ان شئت طولت وان شئت قصرت. وروى بعض مواليك عنهما ان الظهر على قدمين من الزوال ووقت العصر على اربعة اقدام من الزوال فان صليت قبل ذلك لم يجزئك، وبعضهم يقول يجزئ ولكن الفضل في انتظار القدمين والاربعة اقدام، وقد احببت جعلت فداك ان اعرف موضع الفضل في الوقت ؟ فكتب (عليه السلام) القدمان والاربعة اقدام صواب جميعا ". اقول: ظاهر هذه الرواية كما ترى ان جملة من معاصري الائمة (عليهم السلام) قد فهموا الاختلاف بين روايات التقدير بالنافلة كما يأتي في المقام ان شاء الله تعالى وبين روايات التحديد بالاقدام والاذرع، ورجح بعضهم العمل بروايات الاقدام على روايات التحديد بالنافلة حتى بالغ بعضهم واوجب تأخير الفريضة إلى مضي المقدار المذكور وحكم بعدم اجزائها قبله ولا ريب ان التأخير ظاهر منها كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى. ثم انه لا يخفى ما في الجواب من الاجمال وعدم الانطباق على السؤال وصاحبه اعرف بتحقيق الحال ولعله قد سقط شئ من البين وربما كان فيه اشعار وايماء إلى ترجيح العمل بروايات الاقدام.
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 133 ]
ومنها - موثقة سعيد الاعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس ؟ فقال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة فان وقتها إذا زالت " وروى الصدوق في الفقيه في باب صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي من النهار شيئا حتى يزول النهار فإذا زال صلى ثماني ركعات وهي صلاة الاوابين تفتح في تلك الساعة ابواب السماء ويستجاب الدعاء وتهب الرياح وينظر الله إلى خلقه، فإذا فاء الفئ ذراعا صلى الظهر اربعا وصلى بعد الظهر ركعتين وصلى ركعتين اخراوين ثم صلى العصر اربعا إذا فاء الفئ ذراعين ". وفي خبر آخر رواه الكليني بطريقين احدهما صحيح أو حسن بابراهيم بن هاشم في باب بناء مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " وكان جداره قبل ان يظلل قامة فكان إذا كان الفئ ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر وإذا كان ضعف ذلك صلى العصر ". وروى محمد بن الفرج (4) قال: " كتبت اسأله عن اوقات الصلاة فأجاب إذا زالت الشمس فصل سبحتك واحب ان يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين ثم صل سبحتك واحب ان يكون فراغك من العصر والشمس على اربعة اقدام.. الحديث " وقد تقدمت رواية ابراهيم الكرخي (5) الدالة على خروج وقت الظهر بعد ما يمضي من الزوال اربعة اقدام وان اول وقت العصر هو آخر وقت الظهر وان آخر وقت العصر حتى تغرب الشمس. وهو محمول على خروج وقت الفضيلة بمضي الاربعة اقدام للظهر. ورواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " العصر على
(1) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت. (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من اعداد الفرائض. (6) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب المواقيت.
[ 134 ]
ذراعين فمن تركها حتى تصير على ستة اقدام فذلك التضييع ". وعن ابي بصير (1) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) صل العصر يوم الجمعة على ستة اقدام " وعن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " صل العصر على اربعة اقدام " وعن سليمان بن جعفر (3) قال: " قال الفقيه (عليه السلام) آخر وقت العصر ستة اقدام ونصف " وعن صفوان الجمال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت العصر متى اصليها إذا كنت في غير سفر ؟ قال على قدر ثلثي قد بعد الظهر ". وفى كتاب الفقه الرضوي (5) قال: " وقت الظهر زوال الشمس وآخره ان يبلغ الظل ذراعا أو قدمين من زوال الشمس في كل زمان، ووقت العصر بعد القدمين الاولين إلى قدمين آخرين وذراعين لمن كان مريضا أو معتلا أو مقصرا فصار قدمان للظهر وقدمان للعصر، فان لم يكن معتلا من مرض أو من غيره ولا مقصرا ولا يريد ان يطيل التنفل فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وليس يمنعه منهما إلا السبحة بينهما والثمان ركعات قبل الفريضة والثمان بعدها فان شاء طول إلى قدمين وان شاء قصر، إلى ان قال فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاة وله مهلة في التنفل والقضاء والنوم والشغل إلى ان يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال فإذا بلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال فقد وجب عليه ان يصلي الظهر في استقبال القدم الثالث، وكذلك يصلي العصر إذا صلى في آخر الوقت في استقبال القدم الخامس وإذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلاة وهو قاض للصلاة بعد الوقت ". اقول: قوله " وله مهلة في التنفل والقضاء والنوم والشغل إلى ان يبلغ ظل قامته قدمين " الظاهر ان معناه بيان اتساع الوقت إلى الحد المذكور بمعنى ان وقت الظهر من الزوال إلى اول القدم الثالث فهو في هذه المدة مرخص في اشتغاله بنافلة أو نوم أو شغل
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل في الباب 9 من ابواب المواقيت. (5) ص 2.
[ 135 ]
أو نحو ذلك لاتساع الوقت في هذه المدة فإذا كان اول القدم الثالث تعين ايقاع الظهر فيه وليس له سعة في الاشتغال بنافلة ولا غيرها، وهكذا بالنسبة إلى العصر إلى اول القدم الخامس فهو في سعة منها إلى الحد المذكور فلو اخرها عن الحد المذكور مختارا كان مضيعا وهو قاض اي آت وفاعل للصلاة بعد الوقت المعين لها اختيارا لا ان المراد بالقضاء فعل الشئ خارج وقته، وهو مفسر ومبين لجملة من الاخبار المتقدمة وموضح لها ودال باظهر دلالة على ان الوقت الاول للظهر من الزوال إلى مضي القدمين أو الذراع وللعصر إلى مضي الاربعة اقدام أو الذراعين وانه مع الاشتغال بالنافلة يزاحم بفريضة الظهر القدم الثالث وبفريضة العصر القدم الخامس وانه بعد ذلك يخرج الوقت الاول لكل منهما ويدخل الوقت الثاني الذي نسبه إلى التضييع. ثم قال (عليه السلام): " وقد جاءت احاديث مختلفة في الاوقات ولكل حديث معنى وتفسير. ان اول وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة رجل، قدم وقدمان، وجاء على النصف من ذلك وهو احب الي، وجاء آخر وقتها إذا تم قامتين، وجاء اول وقت العصر إذا تم الظل قدمين وآخر وقتها إذا تم اربعة اقدام، وجاء اول وقت العصر إذا تم الظل ذراعا وآخر وقتها إذا تم ذراعين، وجاء لهما جميعا وقت واحد مرسل قوله: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين. وجاء ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر ثم العشاء والعتمة من غير سفر ولا مرض. وجاء ان لكل صلاة وقتين اول وآخر كما ذكرنا في اول الباب واول الوقت افضلهما وانما جعل آخر الوقت للمعلول.. إلى آخره " وهذه الاخبار التي نقلها (عليه السلام) كلها تدور على التحديد بالاقدام زيادة ونقيصة وليس في شئ ما يدل على المثل والمثلين كما هو المشهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم). فهذه جملة وافرة من الاخبار التي تضمنت تحديد الوقت بالاقدام والاذرع وهي ظاهرة في ان الفضل في هذا المقدار ولا سيما كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي وان ما خرج
[ 136 ]
عن هذا المقدار فهو المراد بالوقت الثاني وهو المفضول المعين لاصحاب الاعذار والضرورات وجملة من الاخبار قد تضمنت التحديد بالنافلة، ومنها رواية يزيد بن خليفة وقد تقدم الكلام فيها (1). وما رواه في الكافي عن ذريح في الحسن (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) متى اصلي الظهر ؟ قال صل الزوال ثمانية ثم صل الظهر ثم صل سبحتك طالت أو قصرت ثم صل العصر ". وعن عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا ان بين يديها سبحة وذلك اليك ان شئت طولت وان شئت قصرت ". وعن ابن ابي عمير (4) قال: " إذا صليت الظهر فقد دخل وقت العصر إلا ان بين يديها سبحة وذلك اليك ان شئت طولت وان شئت قصرت ". وفي الصحيح عن الحارث بن المغيرة وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم (5) قالوا: " كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع فقال أبو عبد الله (عليه السلام) الا انبئكم بابين من هذا ؟ إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا ان بين يديها سبحة وذلك اليك ان شئت طولت وان شئت قصرت " ورواه في التهذيب عن الحارث وعمر ومنصور مثله (6) وفيه " اليك فان انت خففت سبحتك فحين تفرغ من سبحتك وان انت طولت فحين تفرغ من سبحتك ". وروى الشيخ في التهذيب عن الحسن عن عيسى بن ابي منصور (7) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت الشمس فصليت سبحتك فقد دخل وقت الظهر " وعن سماعة في الموثق (8) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت
(1) ص 115 و 128. (2) و (3) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 5 من المواقيت (4) الوسائل الباب 5 من المواقيت، والراوي في كتب الحديث مسمع بن عبد الملك.
[ 137 ]
الشمس فصل ثماني ركعات ثم صل الفريضة اربعا فإذا فرغت من سبحتك قصرت أو طولت فصل العصر ". وروى في الفقيه (1) قال: " سأل مالك الجهني ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين فإذا فرغت من سبحتك فصل الظهر متى ما بدا لك ". وروى في التهذيب عن محمد بن احمد بن يحيى (2) قال: " كتب بعض اصحابنا إلى ابي الحسن (عليه السلام) روى عن آبائك القدم والقدمين والاربع والقامة والقامتين وظل مثلك والذراع والذراعين ؟ فكتب (عليه السلام) لا القدم ولا القدمين إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة وهي ثمان ركعات فان شئت طولت وان شئت قصرت ثم صل الظهر فإذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة وهي ثمان ركعات ان شئت طولت وان شئت قصرت ثم صل العصر ". فهذه جملة من الاخبار المتعلقة بالمسألة وكلها ظاهرة الدلالة متطابقة المقالة في ان فضيلة الظهر والوقت الاول لها من اول الزوال إلى انتهاء الاقدام أو الاذرع المذكورة في الاخبار وان الافضل من ذلك هو تقديم الفريضتين قبل بلوغ ذلك الحد بالاسراع في النافلة لو كان ممن يتنفل كما يدل عليه قوله: (عليه السلام) في رواية ابي بصير (3) قال: " ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) اول الوقت وفضله فقلت كيف اصنع بالثمان ركعات ؟ قال خفف ما استطعت ". وجملة من اصحابنا - كما تقدم في كلام صاحب المدارك ومثله المحدث الكاشاني - قد استدلوا على القول المشهور وهو امتداد وقت فضيلة الظهرين بالمثل والمثلين بصحيحتي الاحمدين المتقدمتين بحمل القامة فيهما على قامة الانسان ومثلهما رواية يزيد بن خليفة
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 5 من المواقيت. (3) المروية في الوسائل في الباب 3 و 15 من ابواب المواقيت.
[ 138 ]
ومحمد بن حكيم المتقدم جميع ذلك، وهو وان احتمل إلا ان احتمال حمل القامة فيها على الذراع قائم إلا في رواية يزيد بن خليفة كما تقدم. وبالجملة فاني لم اقف للقول بالمثل والمثلين كما هو المشهور على دليل تطمئن به النفس سيما مع ما عرفت من احتمال التقية واشتهار القول بذلك بين العامة فالخروج عن مقتضى هذه الاخبار المستفيضة التي سردناها بمجرد ذلك مشكل. بقى هنا شيئان يجب التنبيه عليهما في المقام: (احدهما) ان ظاهر الاخبار المتقدمة مما دل على التحديد بالاقدام والاذرع والاخبار الدالة على التحديد بالنافلة لا يخلو من تدافع، وذلك فان مقتضى الاخبار الدالة على التحديد بالنافلة هو ان الافضل ايقاع الفريضة بعد الفراغ من النافلة وان كان قبل بلوغ القدمين والاربعة والذراع والذراعين ومقتضى اخبار الاقدام والاذرع هو تأخير الفريضة إلى تمام القدمين والاربعة والذراع والذراعين وان كان قد فرغ من النافلة قبل ذلك، والجمع بينهما لا يخلو من الاشكال والقصور إذ كل من اخبار الطرفين ظاهر فيما ذكرنا تمام الظهور. وظاهر المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى الميل إلى العمل باخبار التحديد بالاقدام والاذرع وان الافضل عنده تأخير الفريضة وان اتم النافلة إلى القدم الثالث والخامس والذراع الثاني والثالث، قال (عطر الله مرقده) في الكتاب المذكور بعد ذكر الاخبار المشار إليها: إذا تبين ان المراد من التقدير بالذراع والذراعين ما قد علم وكذا من القدمين والاربعة في الخبر الاول فيرد عليهما مع سائر ما في معناهما ان الاخبار الكثيرة المتضمنة لدخول الوقت بزوال الشمس تعارضها وخصوصا حديث محمد بن احمد ابن يحيى السابق حيث نفى فيه اعتبار القدم والقدمين وكذلك الاخبار الدالة على ترجيح اول الوقت مطلقا، ويجاب بان المراد من الوقت الداخل بزوال الشمس وقت الاجزاء ومما بعد القدمين والاربعة وقت الفضيلة في الجملة وقد وقع التصريح بهذا في بعض الاخبار السابقة، وإذا ثبت ذلك حملنا الاخبار الواردة برجحان اول الوقت على ارادة الاول
[ 139 ]
مما بعد وقت الفضيلة لا من ابتداء الوقت، ويبقى الكلام في الخبر النافي لاعتبار القدم والقدمين وقد ذكر الشيخ (قدس سره) انه انما نفى ذلك فيه لئلا يظن انه وقت لا يجوز غيره. وهو متجه، ويحتمل ايضا ان يكون واردا على جهة التقية لما هو معروف من حال اكثر اهل الخلاف في انكار ذلك والعمل بخلافه. انتهى كلامه زيد مقامه. وبعض افاضل متأخري المتأخرين قد رجح العمل بالاخبار الاخر الدالة على التحديد بالنافلة وتأول الاخبار الاخر الدالة على التحديد بالاقدام والاذرع فحمل جملة اخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدالة ظاهرا على تأخيره الصلاة إلى مضي القدر المذكور في تلك الاخبار على استيعاب الوقت بالنافلة والاطالة فيها لغرض حصول الجماعة أو انه يفرغ قبل ذلك ولكنه ينتظر اجتماع الناس بهذا المقدار أو ينتظر فراغ الجماعة من النوافل بهذا المقدار. اقول: وعندي في ما ذكره كل من هذين الفاضلين (قدس سرهما) نظر، اما ما ذكره الشيخ حسن فوجه النظر المتطرق إليه ان ما ادعاه - من ان الوقت الداخل بالزوال انما هو وقت الاجزاء لا الفضيلة وانما وقت الفضيلة بعد مضي الذراع والذراعين وجملة الاخبار الدالة على رجحان اول الوقت وافضليته على ارادة الاول مما بعد دخول وقت الفضيلة عنده لا من ابتداء الوقت والزوال - مما يجب القطع بفساده: (اما اولا) فلبعده غاية البعد عن سياق الاخبار الدالة على ان لكل صلاة وقتين واول الوقتين افضلهما، فانه انما عنى بالوقت الاول للظهرين ما بعد الزوال لا ما بعد الذراع. و (اما ثانيا) فللاخبار الكثيرة الدالة على استحباب مزاحمة الفريضة للنافلة في الذراع والذراعين، ومنها ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الفرج (1) قال: " كتبت اسأله عن اوقات الصلاة فأجاب إذا زالت الشمس فصل سبحتك واحب ان
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 140 ]
يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين ثم صل سبحتك واحب ان يكون فراغك من العصر والشمس على اربعة اقدام " وما رواه في الموثق عن ذريح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سأله اناس وانا حاضر فقال إذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك منه إلا سبحتك تطيلها أو تقصرها. فقال بعض القوم انا نصلي الاولى إذا كانت على قدمين والعصر على اربعة اقدام ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) النصف من ذلك احب الي " ورواية صفوان الجمال المروية في التهذيب ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت العصر متى اصليها إذا كنت في غير سفر ؟ فقال على قدر ثلثي قدم بعد الظهر " إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على المزاحمة وافضلية ما قرب من الزوال، وفى رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) اول الوقت وفضله فقلت كيف اصنع بالثمان ركعات ؟ قال خفف ما استطعت ". و (اما ثالثا) فلما رواه الشيخ في الصحيح إلى سعيد بن الحسن (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) اول الوقت زوال الشمس وهو وقت الله الاول وهو افضلهما " ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) وفى الصحيح عن محمد بن مسلم (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخل وقت الصلاة فتحت ابواب السماء لصعود الاعمال فما احب ان يصعد عمل اول من عملي ولا يكتب في الصحيفة احد اول مني " وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (7) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا زالت الشمس فتحت ابواب السماء وابواب الجنان واستجيب الدعاء فطوبى لمن رفع
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 و 8 من ابواب المواقيت. (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من المواقيت. (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت. (7) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 141 ]
له عند ذلك عمل صالح " ومن ذلك رواية الصدوق المتقدم نقلها (1) في باب صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله: " فإذا زال صلى ثماني ركعات وهي صلاة الاوابين تفتح في تلك الساعة ابواب السماء ويستجاب الدعاء وتهب الرياح وينظر الله إلى خلقه " إلى غير ذلك من الاخبار الصريحة في ان اول الزوال هو المخصوص بالفضل لا انه وقت الاجزاء والفضل انما هو بعده كما توهمه (قدس سره). و (اما رابعا) فان ما نقله عن الشيخ في معنى رواية محمد بن احمد بن يحيى واستوجهه فهو بعيد غاية البعد وانما المعنى فيها والمراد هو انه لما كان سؤال السائل يعطي انه فهم من هذه الاخبار كما فهمه هذا المحقق وغيره ممن تقدم ايضا كما اشارت إليه رواية عبد الله بن محمد المتقدمة من ان اول وقت فضيلة الظهر انما هو بعد مضي المدة المذكورة كما ينادي به ظاهر تلك الاخبار نفاه (عليه السلام) في هذا الخبر وجعل الفضيلة بعد الفراغ من النافلة طالت أو قصرت، وفيه اشارة إلى انه ليس الغرض من التحديد بالذراع والذراعين ما توهمه السائل مما ذكرناه وانما الغرض من ذلك ما ذكروه (عليهم السلام) في جملة من الاخبار من بيان الوقت الذي تختص به النافلة بحيث لا يجوز الاتيان بها بعده، هذا هو ظاهر معنى الرواية المذكورة. و (اما خامسا) فان ما احتمله من الحمل على التقية باعتبار ان العامة لا يقولون بالاقدام ففيه ايضا ان العامة لا يقولون بما افتى به (عليه السلام) في الرواية من تعجيل الصلاتين في اقل من مقدار الاقدام المذكورة فانهم يعتبرون التفريق بين الفرضين في المثل والمثلين كما هو الآن معمول عليه بينهم (2). واما ما ذكره الفاضل الآخر (ففيه اولا) انه على تقدير تمامه انما يتمشى في الظهر خاصة اما العصر الواقعة بعد اجتماع الناس فلا يجري فيها ما ذكره مع ان الاخبار قد دلت على التأخير فيها ايضا بذلك المقدار، اللهم إلا ان يقال انه يفرق بين الوقتين
(1) ص 133. (2) راجع. التعليقة 2 ص 126 والمغني ج 2 ص 271 و 274 و 278 وبداية المجتهد ج 1 ص 159.
[ 142 ]
بالمثل والمثلين فلا يصليهما في وقت واحد. إلا ان فيه مع الاغماض عن المناقشة فيه كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى ان الحكم لا يتم حينئذ كليا لانه ربما فرق وربما جمع. و (ثانيا) انه يستفاد من بعض الاخبار ان المسارعة بالفريضة في اول وقتها افضل من انتظار الاجتماع، وهو ما رواه القطب الراوندي في كتاب الخرائج والجرائح بسنده عن ابراهيم بن موسى القزاز (1) قال " خرج الرضا (عليه السلام) يستقبل بعض الطالبيين وجاء وقت الصلاة فمال إلى قصر هناك فنزل تحت صخرة فقال اذن فقلت ننتظر يلحق بنا اصحابنا فقال غفر الله لك لا تؤخرن صلاة عن اول وقتها إلى آخر وقتها من غير علة عليك ابدأ باول الوقت فاذنت فصلينا " قال شيخنا المجلسي (طاب ثراه) في كتاب البحار ذيل هذا الخبر: يدل على انه لا ينبغي التأخير عن اول الوقت لانتظار الرفقة للجماعة ايضا. انتهى. و (ثالثا) ان التطويل في النافلة على وجه يستوعب ذلك المقدار ترده الاخبار المتقدمة الدالة على افضلية التخفيف في النافلة ومزاحمة الفريضة لها في ذلك المقدار، ونحوها الاخبار الدالة على افضلية ما قرب من الزوال. وبالجملة فان فضل اول الوقت مما لا اشكال فيه لاستفاضة الاخبار به واستحباب التأخير لانتظار الجماعة مما لم يقم عليه دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. ثم انه (قدس سره) تأول باقي الاخبار بتأويلات عديدة إلا انها تكلفات سخيفة بعيدة. والاظهر عندي ان منشأ هذا الاختلاف في الاخبار انما هو التقية التي هي اصل كل محنة في الدين وبلية كما يدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح على الظاهر عن سالم ابي خديجة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سأله انسان وانا حاضر فقال ربما دخلت المسجد وبعض اصحابنا يصلي العصر وبعضهم يصلي الظهر ؟ فقال انا امرتهم بهذا لو
(1) البحار ج 18 الصلاة 51. (2) الوسائل الباب 7 من المواقيت.
[ 143 ]
صلوا في وقت واحد لعرفوا فاخذ برقابهم " وما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت انه ليس شئ اشد علي من اختلاف اصحابنا قال ذلك من قبلي " وما رواه الشيخ في كتاب العدة (2) عن الصادق (عليه السلام) مرسلا " انه سئل عن اختلاف اصحابنا في المواقيت فقال انا خالفت بينهم " وما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن الخزاز عن من حدثه عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " اختلاف اصحابي لكم رحمة وقال اني إذا كان ذلك جمعتكم على امر واحد. وسئل عن اختلاف اصحابنا فقال انا فعلت بكم ذلك ولو اتفقتم على امر واحد لاخذ برقابكم " إلى غير ذلك من الاخبار الدالة بعمومها أو خصوصها على المراد، والمستفاد من هذه الاخبار ونحوها ان ايقاعهم الاختلاف في الاحكام لا يتوقف على القول بالحكم المخالف من العامة ولا على حضور احد منهم في مجلس الفتوى كما تقدم تحقيقه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، والمسألة هنا من مسائل الاوقات التي دلت على ايقاع الاختلاف فيها تقية جل هذه الروايات بل لو ادعى ان هذه الاخبار انما خرجت في هذه المسألة لم يكن بعيدا لانا لم نقف في مسائل الاوقات على مسألة انتشرت فيها الاخبار من الطرفين وتصادمت من الجانبين ما بلغ في هذه المسألة كما عرفت مما شرحناه ونقلناه، وتشير إلى ذلك رواية عبد الله بن محمد المتقدمة (4) الدالة على وقوع هذا الاختلاف في عصر الائمة (عليهم السلام) واختلاف اصحابهم يومئذ في ذلك حتى ان منهم من يوجب تأخير الظهرين عن ذينك المقدارين ومنهم من يحمل ذلك على وجه الافضلية. بقى الكلام في ان التقية في اي الطرفين في هذه الاخبار ولعل الاقرب كونها في اخبار التحديد بالاقدام والاذرع، وذلك (اولا) من حيث اعتضاد اخبار التحديد بالنافلة بعمل الاصحاب قديما وحديثا ولم نقف على قائل بظاهر ترجيح اخبار الاقدام
(1) و (3) راجع التعليقة 2 و 3 ص 7 ج 1. (2) ص 53. (4) ص 132.
[ 144 ]
سوى المحقق المذكور. و (ثانيا) من حيث اعتضادها باخبار استحباب تحفيف النافلة واخبار افضلية ما قرب من اول الوقت. و (ثالثا) انه الاقرب إلى جادة الاحتياط وقد عرفت ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك من العامة وان اشتهر بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) تخصيص الحمل على التقية بذلك إلا ان ظاهر اخبارهم يرده فان المستفاد من الاخبار المذكورة في المقام وكذا نحوها مما تقدم ذكره في المقدمة الاولى ان منشأ التقية انما هو من حيث ان اتفاقهم على امر واحد واجتماع كلمتهم على ذلك يوجب الاخذ برقابهم ودخول الضرر عليهم وإذا كانت كلمتهم متفرقة وتقولهم عن الامام (عليه السلام) مختلفة هانوا في نظر العدو ونسبوهم إلى عدم الدين والمذهب فلم يعبأوا بهم ولا بمذهبهم. هذا ما ادى إليه الفكر القاصر في المقام والله سبحانه واولياؤه اعلم بالاحكام. و (ثانيهما) قد عرفت في ما تقدم ان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) امتداد وقت فضيلة الظهر من الزوال إلى تمام مثل الشاخص وكذا وقت فضيلة العصر إلى مثليه، والمماثلة المعتبرة انما هي بين ظل الشاخص الحادث من الزوال وبين قامة الشاخص، قال في المعتبر وهو الاظهر لانه المستفاد من الروايات الدالة على المماثلة كرواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) المتضمنة لامره عمرو بن سعيد بن هلال ان يقول لزرارة " إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر وإذا صار ظلك مثليك فصل العصر " وروايات القامة كما تقدم في صحيحتي الاحمدين بناء على حمل القامة فيها على قامة الشاخص كما ذكروه، ورواية يزيد بن خليفة الظاهرة في ذلك كما تقدم. اقول: ومثلها رواية كتاب المجالس المتقدمة ايضا وذهب الشيخ في التهذيب ومثله المحقق في الشرائع إلى ان المماثلة انما هي بين الفئ الزائد بعد الزوال والظل الاول وهو الباقي منه عند الزوال لا الشاخص. واستدل على ذلك بما رواه عن صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عما جاء في الحديث
(1) ص 118. (2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب المواقيت.
[ 145 ]
ان صل الظهر إذا كانت الشمس قامة وقامتين وذراعا وذراعين وقدما وقدمين من هذا ومن هذا، فمتى هذا وكيف هذا وقد يكون الظل في بعض الاوقات نصف قدم ؟ قال انما قال ظل القامة ولم يقل قامة الظل وذلك ان ظل القامة يختلف مرة يكثر ومرة يقل والقامة قامة ابدا لا تختلف، ثم قال ذراع وذراعان وقدم وقدمان فصار ذراع وذراعان تفسير القامة والقامتين في الزمان الذي يكون فيه ظل القامة ذراعا وظل القامتين ذراعين فيكون ظل القامة والقامتين والذراع والذراعين متفقين في كل زمان معروفين مفسرا احدهما بالآخر مسددا به فإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة وكانت القامة ذراعا من الظل وإذا كان ظل القامة اقل أو اكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين، فهذا تفسير القامة والقامتين والذراع والذراعين ". وقد رد هذا الخبر جملة من المتأخرين ومتأخريهم بضعف الاسناد والدلالة كما ذكره في الذكرى مع المعارضة بالاخبار المتقدمة ولزوم اختلاف الوقت بالطول والقصر بحسب الازمنة والامكنة بخلاف الشاخص. قال في المدارك بعد ذكر الخبر المذكور: وهذه الرواية ضعيفة بالارسال وجهالة صالح بن سعيد ومتنها متهافت مضطرب لا يدل على المطلوب، وايضا فان قدر الظل الاول غير منضبط وقد ينعدم في بعض الاوقات فلو نيط الوقت به لزم التكليف بعبادة موقتة في غير وقت أو في وقت يقصر عنها وهو معلوم البطلان. وجملة من متأخري المتأخرين قد تصدوا لتصحيح معناه وتكلفوا لتشييد مبناه كالمحدث الكاشاني في الوافي، ولا بأس بنقل كلامه في المقام فانه جيد ينجلي به غشاوة الابهام عن بعض مواضع الخبر وان بقى الباقي في الاكمام. قال (قدس الله سره ونور ضريحه) بعد ذكر الخبر المذكور: لا بد في هذا المقام من تمهيد مقدمة ينكشف بها نقاب الارتياب من هذا الحديث ومن سائر الاحاديث التي نتلوها عليك في هذا الباب وما بعده من الابواب ان شاء الله تعالى فنقول وبالله التوفيق ان
[ 146 ]
الشمس إذا طلعت كان ظلها طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول فإذا زالت زاد، ثم قد تقرر ان قامة كل انسان سبعة اقدام باقدامه وثلاث اذرع ونصف بذراعه والذراع قدمان فلذلك يعبر عن السبع بالقدم وعن طول الشاخص الذي يقاس به الوقت بالقامة وان كان في غير الانسان، وقد جرت العادة بان يكون قامة الشاخص الذي يجعل مقياسا لمعرفة الوقت ذراعا كما تأتي الاشارة إليه في حديث تعريف الزوال، وكان رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يقيس به الوقت ايضا ذراعا، فلاجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع وعن الذراع بالقامة، وربما يعبر عن الظل الباقي عند الزوال من الشاخص بالقامة ايضا وكأنه كان اصطلاحا معهودا وبناء هذا الحديث على ارادة هذا المعنى كما ستطلع عليه. ثم ان كلا من هذه الالفاظ قد يستعمل لتعريف اول وقتي فضيلة الفريضتين كما في هذا الحديث وقد يستعمل لتعريف آخر وقتي فضيلتهما كما يأتي في الاخبار الاخر، فكل ما يستعمل لتعريف الاول فالمراد به مقدار سبعي الشاخص وكل ما يستعمل لتعريف الآخر فالمراد به مقدار تمام الشاخص ففي الاول يراد بالقامة الذراع وفي الثاني بالعكس، وربما يستعمل لتعريف الآخر لفظه " ظل مثلك وظل مثليك " ويراد بالمثل القامة، والظل قد يطلق على ما يبقى عند الزوال خاصة وقد يطلق على ما يزيد بعد ذلك فحسب الذي يقال له الفئ من " فاء يفئ إذا رجع " لانه كان اولا موجودا ثم عدم ثم رجع وقد يطلق على مجموع الامرين. ثم ان اشتراك هذه الالفاظ بين هذه المعاني صار سببا لاشتباه الامر في هذا المقام حتى ان كثيرا من اصحابنا عدوا هذا الحديث مشكلا لا ينحل وطائفة منهم عدوه متهافتا ذا خلل وانت بعد اطلاعك على ما اسلفناه لا احسبك تستريب في معناه، إلا انه لما صار على الفحول خافيا فلا بأس ان نشرحه شرحا شافيا نقابل به الفاظه وعباراته ونكشف به عن رموزه واشاراته، فنقول والهداية من الله تفسير الحديث على وجهه والله اعلم ان يقال ان مراد السائل انه ما معنى ما جاء في الحديث من تحديد اول وقت فريضة الظهر واول وقت فريضة العصر تارة بصيرورة
[ 147 ]
الظل قامة وقامتين واخرى بصيرورته ذراعا وذراعين واخرى قدما وقدمين وجاء من هذا القبيل من التحديد مرة ومن هذا اخرى فمتى هذا الوقت الذي يعبر عنه بالفاظ متباينة المعاني وكيف يصح التعبير عن شئ واحد بمعاني متعددة مع ان الظل الباقي عند الزوال قد لا يزيد على نصف القدم ؟ فلابد من مضي مدة مديدة حتى يصير مثل قامة الشخص فكيف يصح تحديد اول الوقت بمضي مثل هذه المدة الطويلة من الزوال ؟ فأجاب (عليه السلام) بان المراد بالقامة التي يحد بها اول الوقت التي هي بازاء الذراع ليس قمة الشاخص الذي هو شئ ثابت غير مختلف بل المراد به مقدار ظلها الذي يبقى على الارض عند الزوال الذي يعبر عنه بظل القامة وهو يختلف بحسب الازمنة والبلاد مرة يكثر ومرة يقل وانما يطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعا فإذا زاد الفئ اعني الذي يزيد من الظل بعد الزوال بمقدار ذراع حتى صار مساويا للظل فهو اول الوقت للظهر وإذا زاد ذراعين فهو اول الوقت للعصر. واما قوله (عليه السلام): " فإذا كان ظل القامة اقل أو اكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين " فمعناه ان الوقت انما ينضبط حينئذ بالذراع والذراعين خاصة دون القامة والقاميتن. واما التحديد بالقدم فاكثر ما جاء في الحديث فانما جاء بالقدمين والاربعة اقدام وهو مساو للتحديد بالذراع والذراعين وما جاء نادرا بالقدم والقدمين فانما اريد بذلك تخفيف النافلة وتعجيل الفريضة طلبا لفضل اول الوقت فالاول ولعل الامام (عليه السلام) انما لم يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب وتبيينه لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك وانه انما كان اكثر اهتمامه بتفسير القامة وطلب العلة في تأخير اول الوقت إلى ذلك المقدار، وفي التهذيب فسر القامة في هذا الخبر بما يبقى عند الزوال من الظل سواء كان ذراعا أو اقل أو اكثر وجعل التحديد بصيرورة الفئ الزائد مثل الظل الثاني كائنا ما كان واعترض عليه بعض مشايخنا (طاب ثراهم) بانه يقتضي اختلافا فاحشا في الوقت بل يقتضي التكليف بعبادة يقصر عنها الوقت كما إذا كان الباقي شيئا يسيرا جدا بل يستلزم الخلو من التوقيت في اليوم الذي تسامت فيه الشمس رأس
[ 148 ]
الشاخص لانعدام الظل الاول حينئذ، ونعني بالعبادة النافلة لان هذا التأخير عن الزوال انما هو للاتيان بها كما ستقف عليه. اقول: اما الاختلاف الفاحش فغير لازم وذلك لان كل بلد أو زمان يكون الظل الباقي فيه شيئا يسيرا فانما يزيد الفئ فيه في زمان طويل لبطئه حينئذ في التزايد، وكل بلد أو زمان يكون الظل الباقي فيه كثيرا فانما يزيد الفئ فيه في زمان يسير لسرعته في التزايد حينئذ فلا يتفاوت الامر في ذلك، واما انعدام الظل فهو امر نادر لا يكون إلا في قليل من البلاد وفي يوم تكون الشمس فيه مسامتة لرؤوس اهله لا غير ولا عبرة بالنادر. نعم يرد على تفسير صاحب التهذيب امران (احدهما) انه غير موافق لقوله (عليه السلام): " فإذا كان ظل القامة اقل أو اكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين " لانه على تفسيره يكون دائما محصورا بمقدار ظل القامة كائنا ما كان و (الثاني) انه غير موافق للتحديد الوارد في سائر الاخبار المعتبرة المستفيضة كما يأتي ذكرها بل يخالفه مخالفة شديدة كما يظهر عند الاطلاع عليها والتأمل فيها، وعلى المعنى الذي فهمناه من الحديث لا يرد عليه شئ من هذه المؤاخذات إلا انه يصير جزئيا مختصا بزمان خاص ومخاطب مخصوص ولا بأس بذلك. (ان قيل) اختلاف وقتي النافلة في الطول والقصر بحسب الازمنة والبلاد وتفاوت حد اول وقتي الفريضتين التابع لذلك لازم على اي التقادير ولما ذكرت من سرعة تزايد الفئ تارة وبطوئه اخرى فكيف ذلك ؟ (قلنا) نعم ذلك كذلك ولا بأس بذلك لانه لطول اليوم وقصره كسائر الاوقات في الايام والليالي. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: ويقرب مما دل عليه هذا الخبر ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا في هذه المسألة ما صورته: " وانما سمي ظل القامة قامة لان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قامة انسان فسمي ظل الحائط ظل قامة وظل قامتين وظل قدم وظل قدمين وظل اربعة اقدام وذراع، وذلك
(1) ص 3.
[ 149 ]
انه إذا مسح بالقدمين كان قدمين وإذا مسح بالذراع كان ذراعا وإذا مسح بالذراعين كان ذراعين وإذا مسح بالقامة كان قامة اي هو ظل القامة وليس هو بطول القامة سواء مثله لان ظل القامة ربما كان قدما وربما كان قدمين ظل مختلف على قدر الازمنة واختلافها لان الظل قد يطول وينقص لاختلاف الازمنة والحائط المنسوب إلى قامة الانسان قائم معه غير مختلف ولا زائد ولا ناقص، فلثبوت الحائط المقيم المنسوب إلى القامة كان الظل منسوبا إليه ممسوحا به طال الظل ام قصر " انتهى. ويتلخص من الخبين ان المعتبر في ذلك انما هو الذراع والذراعان كما في سائر الاخبار وان وقت اظهر بعد الاول والعصر بعد الثاني وهو لا يختلف باختلاف الازمان والاحوال، وان التقدير بالقامة انما هو لما كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قامة انسان، قال في وقت كان ظل ذلك الجدار المتخلف عند الزوال ذراعا إذا كان الفئ مثل ظل القامة فصلوا الظهر وإذا كان مثليه فصلوا العصر، وقال مثل القامة وغرضه ظل القامة لقيام القرينة بذلك فلم يفهم المخالفون ذلك وتوهموا ان المراد بالقامة قامة الجدار فجعلوا للظهر قامة وللعصر قامتين وهما المعبر عنهما بالمثل والمثلين وانما مراده مثل الظل في ذلك الوقت وهو الذراع ومرجعه إلى زيادة الظل ذراعا من الزوال من قامة الانسان، وبهذا يتم قوله (عليه السلام) " فيكون ظل القامة والقامتين والذراع والذراعين متفقين في كل زمان " يعني به انا لما فسرنا القامة أو ظل القامة بالظل الحاصل في الزمان المخصوص الذي صدر فيه الحكم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وكان في ذلك الوقت ذراعا فلا يختلف الحكم باختلاف البلاد والفصول وكان اللفظان مفادهما واحدا مفسرا احدهما اي ظل القامة بالآخر اي الذراع. واما التحديد بالاقدام فاكثر ما جاء في الاخبار بالقدمين والاربعة ومرجعه إلى الذراع والذراعين. واما ما نقص عن ذلك فقد عرفت وجهه من كلام المحدث الكاشاني. والله العالم.
(المسألة الخامسة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان اول وقت العصر
[ 150 ]
الفراغ من الظهر ولو تقديرا وقد تقدم القول في تحقيق الاشتراك من اول الوقت وعدمه وادعى في المعتبر والمنتهى الاجماع على ان وقتها بعد الفراغ من الظهر، والاخبار بذلك مستفيضة: منها - الاخبار الدالة على انه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان إلا ان هذه قبل هذه (1) والاخبار المتكاثرة الدالة في كل من الظهرين انه لا يمنعك إلا سبحتك طولت أو قصرت (2) ويزيده تأكيدا ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) بين الظهر والعصر حد معروف ؟ فقال لا ". بقى الكلام في الفضل والاستحباب فهل الافضل تعجيل العصر بعد الظهر لغير المتنفل وبعد النافلة أو مضي الذراعين لغيره على الخلاف المتقدم أو ان الافضل تأخيرها إلى مضي المثل الاول ؟ الاشهر الاول ونقل في المدارك عن جمع من الاصحاب انهم ذهبوا إلى استحباب تأخير العصر إلى ان يخرج وقت فضيلة الظهر وهو المثل أو الاقدام، قال وممن صرح بذلك المفيد في المقنعة فانه قال في باب عمل الجمعة: والتفريق بين الصلاتين في سائر الايام مع الاختيار وعدم العوارض افضل وقد ثبتت السنة به إلا في يوم الجمعة فان الجمع بينهما افضل. انتهى. وقريب من ذلك عبارة ابن الجنيد فانه قال: لا نختار ان يأتي الحاضر بالعصر عقيب الظهر التي صلاها مع الزوال إلا مسافرا أو عليلا أو خائفا ما يقطعه عنها بل الاستحباب للحاضر ان يقدم بعد الزوال وقبل فريضة الظهر شيئا من التطوع إلى ان تزول الشمس قدمين أو ذراعا من وقت زوالها ثم يأتي بالظهر ويعقبها بالتطوع من التسبيح والصلاة ليصير الفئ اربعة اقدام أو ذراعين ثم يصلي العصر. هذا كلامه وهو مضمون رواية زرارة إلا ان اكثر الروايات تقتضي استحباب المبادرة بالعصر عقيب نافلتها من غير اعتبار للاقدام والاذرع. انتهى ما ذكره في المدارك. اقول: الظاهر من عبارتي الشيخ المفيد وابن الجنيد انما هو استحباب التفريق
(1) ص 101. (2) ص 136. (3) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
[ 151 ]
بين الفرضين بالنافلة كما هو المتفق عليه نصا وفتوى لا التفريق بتأخير العصر إلى اول المثل الثاني، واما تأخير العصر إلى مضي الاقدام الاربعة أو النافلة طالت ام قصرت فهي مسألة اخرى قد تقدم الكلام فيها، نعم من يخص وقت فضيلة الظهر بالقدمين من الزوال والذراع وقدر الفريضة وفضيلة العصر بالاربعة والذراعين والفريضة كما هو القول الاظهر من الاخبار فانه يتجه فيه ما ذكره، انما الاشكال في من يقول بامتداد وقت فضيلة الظهر إلى اول الثاني وفضيلة العصر باول المثل الثاني إلى تمام المثل فهل يستحب له تأخير العصر إلى مضي وقت فضيلة الظهر ؟ قد تقدم في صدر المسألة الرابعة تصريح شيخنا الشهيد في الذكرى بان الاقرب استحباب تأخير العصر إلى ان يخرج وقت فضيلة الظهر اما المقدر بالنافلتين والظهر واما المقدر بالمثل والاقدام، وقد عرفت ان التأخير في المواضع المذكورة في كلامه مما لا اشكال في شئ منها لوروده في الاخبار المتفق عليها إلا في التأخير إلى مضي المثل فانه لم يدل عليه إلا رواية زرارة المتضمنة لسؤاله عن وقت الظهر في القيظ ورواية كتاب المجالس (1) وقد تقدم الكلام فيهما وبينا الوجه في ما تضمناه. وبالجملة فان المستفاد من الاخبار التي عليها الاعتماد والمدار في الايراد والاصدار هو ان الافضل المبادرة بالعصر بعد الظهر لمن لا يتنفل أو كان في سفر أو يوم جمعة وبعد النافلة لمن يتنفل أو بعد مضي الذراع على الخلاف المتقدم، والتفريق الموجب للاذان للثانية يحصل بالفصل بالنافلة ولا يتوقف على بلوغ المثل الثاني. قال في الذكرى: لا خلاف عندنا في جواز الجمع بين الظهر والعصر حضرا وسفرا للمختار وغيره وقد رواه العامة عن علي (عليه السلام) (2) إلى ان قال وبالجملة كما علم من مذهب الامامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقا علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص والمصنفات بذلك. واورد على المحقق نجم الدين تلميذه
(1) ص 118 و 97. (2) كما في المبسوط ج 1 ص 150.
[ 152 ]
جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المشغري وكان ايضا تلميذ السيد ابن طاووس ان النبي (صلى الله عليه وآله) ان كان يجمع بين الصلاتين فلا حاجة إلى الاذان الثاني إذ هو للاعلام وللخبر المتضمن انه عند الجمع بين الصلاتين يسقط الاذان، وان كان يفرق فلم ندبتم إلى الجمع وجعلتموه افضل ؟ فاجابه المحقق ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يجمع تارة ويفرق اخرى، ثم ذكر الروايات كما ذكرنا وقال انما استحببنا الجمع في الوقت الواحد إذا اتى بالنوافل والفرضين فيه لانه مبادرة إلى تفريغ الذمة من الفرض حيث ثبت دخول وقت الصلاتين، ثم ذكر خبر عمرو بن حريث المتقدم عن الصادق (عليه السلام) المتضمن انه سأله عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي ثمان ركعات الزوال ثم يصلي اربعا الاولى وثماني بعدها واربعا للعصر وثلاثا للمغرب واربعا بعدها.. الحديث إلى آخره " وقد تقدم (1). اقول: لا يخفى ان كلا من السؤال والجواب لا يخلو من الاجماع بل الاشكال في هذا الباب. اما السؤال فان ظاهره ان الجمع الموجب لسقوط الاذان هو جمع الصلاتين في وقت واحد وهو لمثل الاول بناء على القول المشهور من ان المثل الاول للظهر وان فصل بالنافلة حيث علله بان الاذان للثانية للاعلام ومع اجتماع الناس للاولى فلا يحتاج إلى الاعلام، وللخبر ان الجمع بين الصلاتين موجب لسقوط الاذان يعني الجمع بينهما في وقت واحد والتفريق انما هو عبارة عن جعل العصر في اول المثل الثاني كما هو المشهور من انه وقت فضيلة العصر، وعلى الثاني فكيف ندبتم إلى الجمع وقلتم انه افضل ؟ هذا حاصل كلامه، ووجه الاشكال فيه ان الجمع والتفريق وان حصل بما ذكره إلا ان المستفاد من الروايات ان الجمع والتفريق المترتب عليه سقوط الاذان وعدمه انما هو باعتبار الاتيان بالنافلة وعدمه ولو في وقت واحد فالاول يسمى تفريقا والثاني جمعا كما
(1) ص 27.
[ 153 ]
سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في بحث الاذان، وتعليله سقوط الاذان في صورة الجمع في وقت واحد وان فصل بالنافلة كما يظهر من كلامه - بان الاذان للاعلام وهو غير محتاج إليه في الصورة المذكورة فانه مع اجتماع الناس للاولى لا معنى للاعلام حينئذ - مردود بان المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل الانكار ان الاذان كما يستحب في اوائل الاوقات بان يأتي به المؤذن على المنارة للاعلام إذا دخل وقت الظهر أو دخل وقت العصر وهو اول المثل الثاني كما يدعونه وكذا في غروب الشمس لصلاة المغرب وزوال الحمرة المغربية للعشاء وهذا الاذان ليس من محل البحث في شئ، كذلك يستفاد منها ما وقع عليه الاتفاق نصا وفتوى من انه يستحب لكل مصل منفردا كان أو جامعا ذكرا كان أو انثى ان يأتي في اول صلاته باذان واقامة في اول الوقت كان أو في آخره وهذا الاذان هو الذي يسقط بالجمع بين الصلاتين وعدم الفصل بالنافلة كما في ما نحن فيه وفى عصر عرفة وعشاء المزدلفة وعصري الجمعة والسفر ونحو ذلك واما مع الاتيان بالنافلة فانه يحصل التفريق ولا يسقط هذا الاذان وان كان في وقت واحد ومقام واحد، على ان ما ادعاه من انه (صلى الله عليه وآله) ان كان يفرق باعتبار تأخير العصر إلى المثل الثاني مثلا ووافقه عليه المحقق في جوابه لم يرد به دليل يعتمد عليه وان اشتهر ذلك في كلامهم، ولو ورد ثمة دليل كان سبيله الحمل على التقية لما عرفت من الاخبار المتقدمة سابق هذه المسألة واستفاضة الاخبار عنه (صلى الله عليه وآله) في ما كان يفعله وعن اهل بيته في ما فعلوه وامروا به انما هو التفريق بالنافلة وان العصر بعد صلاة النافلة أو الاقدام الاربعة ونحوها خاصة دون المثل وان العمل بما ذكر انما هو مذهب العامة كما هو الآن معلوم. هذا ما في السؤال المذكور. واما الجواب فظاهره موافقة السائل فيما ذكره من معنى الجمع والتفريق وانه باعتبار الاوقات وظاهره انه مع الفصل بالنافلة في الوقت الواحد فلا اذان، وهو غلط محض لمخالفته الروايات المتكاثرة الدالة على ما قدمناه من ان الجمع والتفريق انما هو باعتبار
[ 154 ]
الفصل بالنافلة وعدمه، وملخص كلامه هو ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يجمع بين الصلاتين في وقت واحد تارة ويفرق في وقتين تارة، ونحن انما استحببنا الجمع في وقت وندبنا إليه بالاتيان بالفرضين والنوافل كملا دون التفريق وهو التأخير إلى المثل الثاني لما ثبت من دخول الوقتين بالزوال فصارت الذمة مشغولة بهما، والمبادرة إلى تفريغ الذمة من الواجب امر مندوب إليه ومحثوث عليه. وهو مشعر بموافقته السائل في سقوط الاذان في الصورة المذكورة حيث جعله جمعا لا تفريقا ومن شأن الجمع سقوط الاذان فيه كما ذكره السائل، وفيه ما عرفت. والعجب ان شيخنا الشهيد في الذكرى جرى على ذلك من غير تنبيه على ما ذكرنا واهمل السبب فيه من حيث قوله بتحديد الوقت بالمثل والمثلين لفضيلتي الظهر والعصر كما تقدم نقله عنه إلا ان الكلام في سقوط الاذان مع الاتيان بالنوافل كما يشعر به كلامهما متى جمع الفرضين في وقت واحد فان الاخبار دالة على ثبوت الاذان في الصورة المذكورة، وقد تنبه لذلك السيد السند في المدارك حيث قال بعد ان نقل عن الذكرى ملخص ما ذكرناه ما صورته: قلت ما ذكره (قدس سره) جيد والاذان انما يسقط مع الجمع بين الفرضين إذا لم يأت المكلف بالنافلة بينهما اما مع الاتيان بها فيستحب الاذان للثانية كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى. انتهى.
(المسألة السادسة) - اختلف الاصحاب في آخر وقت العصر فذهب السيد المرتضى في الجمل وفي جواب المسائل الناصرية إلى انه غروب الشمس وهو اختيار ابن الجنيد وابن ادريس وابن زهرة. وقال المفيد يمتد وقتها إلى ان يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب وللمضطر والناسي إلى مغيبها. وقال الشيخ في الخلاف آخره إذا صار ظل كل شئ مثليه. وقال في المبسوط آخره إذا صار ظل كل شئ مثليه فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر. هذا وقت الاختيار فاما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه إلى ان يبقى من النهار بمقدار ما يصلي فيه اربع ركعات فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر إلى ان تغرب الشمس، واختاره ابن البراج وابن حمزة وابو الصلاح وهو
[ 155 ]
الظاهر من كلام سلار. وقال ابن ابي عقيل إلى ان ينتهي الظل ذراعين بعد زوال الشمس فإذا جاوز ذلك فقد دخل في الوقت الآخر، كذا نقل العلامة في المختلف ثم قال: والحق عندي قول السيد المرتضى. ونقله في المدارك عن عامة المتأخرين ونقل فيه عن المرتضى في بعض كتبه انه يمتد حتى يصير الظل بعد الزيادة ستة اسباعه للمختار ثم اختار ما ذهب إليه المرتضى اولا. اقول: ومن الاخبار المتعلقة بالمقام رواية سليمان بن جعفر (1) قال: " قال الفقيه (عليه السلام) آخر وقت العصر ستة اقدام ونصف " وهذه الرواية نقلها في المختلف حجة للشيخ المفيد، قال واحتج المفيد بما رواه سليمان بن جعفر في الصحيح ثم ساق الرواية ثم قال وهو اشارة إلى الاصفرار لان الظل إلى آخر النهار يقسم سبعة اقدام. اقول: الظاهر ان المراد بالستة اقدام ونصف هنا يعني بعد المثل الاول ليتحقق ما ذكره من الاصفرار ثم حمله في المختلف على ان ذلك وقت الفضيلة، وهو متجه بناء على ما ذكروه من ان وقت فضيلة العصر في المثل الثاني إلى آخره، وقد تقدم في كلام الشيخ ان وقت الاختيار إلى مضي المثلين. ورواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " العصر على ذراعين فمن تركها حتى تصير على ستة اقدام فذلك المضيع " وهو محمول على ان وقت الفضيلة أو الاختيار بعد الذراعين وتركها إلى ان يمضي ستة اقدام وقت الاجزاء على المشهور والاضطرار على القول الآخر. وبالجملة فانه لا ريب ان المفهوم من اخبار هو الامتداد إلى الغروب ولكن هل ذلك مخصوص باصحاب الاعذار والاضطرار كما هو احد القولين المتقدمين أو محمول على الاجزاء كما هو المشهور ؟ واما ما قبله من وقت الاختيار أو الفضيلة فقد تقدم الكلام فيه من انه المثل كما هو المشهور أو الاربعة اقدام مع الفريضة أو الستة ونصف، والكل مروي إلا
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب المواقيت.
[ 156 ]
انك قد عرفت ما في روايات المثل والمثلين. والله العالم.
(المسألة السابعة) - قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) لمعرفة الزوال طرقا: منها زيادة الظل بعد انتهاء نقصانه أو حدوثه بعد عدمه، قالوا والمراد بالظل هو المبسوط المأخوذ من المقاييس القائمة على سطح الافق لا الظل المنكوس وهو المأخوذ من المقاييس الموازية للافق، وتوضيح ذلك ان الشمس إذا طلعت وقع لكل شاخص قائم على سطح الارض بحيث يكون عمودا على سطح الافق ظل طويل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص كلما ارتفعت الشمس حتى تبلغ كبد السماء وتصل إلى دائرة نصف النهار، وهي دائرة عظيمة موهومة تفصل بين المشرق والمغرب تقاطع دائرة الافق على نقطتين هما نقطتا الجنوب والشمال، وقطباها منتصف النصف الشرقي ومنتصف النصف الغربي من الافق وهما نقطتا الشرق والغرب، وحينئذ فيكون ظل الشاخص المذكور واقعا على خط نصف النهار وهو الخط الواصل بين نقطتي الجنوب الشمال، وهناك ينتهي نقصان الظل المذكور وقد لا يبقى للشاخص ظل اصلا في بعض البلاد، وإذا بقى الظل فمقداره مختلف باختلاف البلاد والفصول فكلما كان بعد الشمس عن مسامتة رؤوس اهل البلاد اكثر كان الظل فيها اطول، فإذا مالت الشمس عن وسط السماء وانحرفت عن دائرة نصف النهار إلى المغرب فان لم يكن بقى الظل حدث حينئذ في جانب المشرق وكان ذلك علامة الزوال وان كان قد بقى اخذ في الزيادة حينئذ فيكون ذلك علامة الزوال ايضا. والذي ورد في الاخبار وكذا في جملة من عبارات الاصحاب هو الثاني خاصة وهو مبني على الغالب بالنسبة إلى البلاد والزمان، وطريق استعلام ذلك ان ينصب مقياسا ويقدر ظله عند قرب الشمس من الاستواء ثم يصبر قليلا ويقدر فان كان دون الاول أو بقدره فالى الآن لم تزل وان زاد فقد زالت. وقد ورد هذا الاعتبار في جملة من الاخبار: منها - رواية سماعة (1) قال:
(1) المروية في الوسائل في الباب 11 من ابواب المواقيت.
[ 157 ]
" قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك متى وقت الصلاة ؟ فاقبل يلتفت يمينا وشمالا كأنه يطلب شيئا فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت هذا تطلب ؟ قال نعم فاخذ العود فنصبه بحيال الشمس ثم قال ان الشمس إذا طلعت كان الفئ طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول الشمس فإذا زالت زاد فإذا استبنت الزيادة فصل الظهر ثم تمهل قدر ذراع وصل العصر " وعن علي بن ابي حمزة (1) قال: " ذكر عند ابي عبد الله (عليه السلام) زوال الشمس فقال أبو عبد الله (عليه السلام) تأخذون عودا طوله ثلاثة اشبار وان زاد فهو ابين فيقام فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) تبيان زوال الشمس ان تأخذ عودا طوله ذراع واربع اصابع فتجعل اربع اصابع في الارض فإذا نقص الظل حتى يبلغ غايته ثم زاد فقد زالت الشمس وتفتح ابواب السماء وتهب الرياح وتقضى الحوائج العظام ". وهذا الطريق عام النفع للعالم والعامي إلا انه انما يعلم به زوال الشمس بعد زمان طويل كما لا يخفى وبه صرح في الروض ايضا. والمفهوم من هذه الاخبار - وبه صرح جملة من علمائنا الابرار - ان الاعتبار في العلم بالزوال بظهور الزيادة بعد النقص كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية سماعة " فإذا استبنت الزيادة فصل الظهر " وكذا قوله (عليه السلام) في رواية علي بن ابي حمزة " فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت " ونحوه في مرسلة الفقيه وربما ظهر من كلام العلامة في المنتهى الاكتفاء بعدم النقص، قال والدي (قدس سره) في حاشيته على شرح اللمعة: وجعل العلامة (طاب ثراه) في المنتهى عدم نقص الظل علامة للزوال، وهو كما ترى فان الظل عند قرب الزوال جدا ربما لا يحس بنقصانه ويرى مكانه واقفا لا يزيد ولا ينقص فلا يعلم حينئذ عدم نقصه ليعلم به الزوال، وعدم ظهور النقص غير كاف في الحكم به
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب المواقيت.
[ 158 ]
لانه يجامع حصول النقص كما عرفت. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ومن اظهر الادلة في بطلان ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه (1) قال: روى حريز بن عبد الله انه قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل فقال جعلت فداك ان الشمس تنقض ثم تركد ساعة من قبل ان تزول ؟ فقال انها تؤامر أتزول أو لا تزول " وروى في الكتاب المذكور (2) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) عن الشمس كيف تركد كل يوم ولا يكون لها يوم الجمعة ركود ؟ قال لان الله عزوجل جعل يوم الجمعة اضيق الايام. فقيل له ولم جعله اضيق الايام ؟ قال لانه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده " وروى في الكافي عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: " قلت له بلغني ان يوم الجمعة اقصر الايام ؟ قال كذلك هو. قلت جعلت فداك كيف ذاك ؟ قال ان الله تعالى يجمع ارواح المشركين تحت عين الشمس فإذا ركدت عذب الله ارواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود يرفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود " وقد دلت هذه الاخبار على ان الشمس بوصولها إلى دائرة نصف النهار يحصل لها ركود ووقوف عن الجريان وهو غاية نقصان الظل وان الزوال انما يحصل بعد ذلك وهو ميلها عن الدائرة إلى جهة المغرب، فكيف يصح ما ذكره من الاكتفاء في ثبوت الزوال بعدم النقص ؟ وفى هذه الاخبار ابحاث شريفة وشحناها بها في شرحنا على كتاب من لا يحضره الفقيه ومنها استعلام ذلك بالاقدام روى ذلك الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم وفى النصف من تموز على قدم ونصف وفي النصف
(1) ج 1 ص 146. (2) ج 1 ص 145. (3) الفروع ج 1 ص 116 وفي الوسائل في الباب 40 من صلاة الجمعة. (4) رواه في الوسائل في الباب 11 من المواقيت.
[ 159 ]
من آب على قدمين ونصف وفى النصف من ايلول على ثلاثة اقدام ونصف وفي النصف من تشرين الاول على خمسة اقدام ونصف وفى النصف من تشرين الآخر على سبعة اقدام ونصف وفي النصف من كانون الاول على تسعة اقدام ونصف وفى النصف من كانون الآخر على سبعة ونصف وفى النصف من شباط على خمسة ونصف وفى النصف من آذار على ثلاثة ونصف وفى النصف من نيسان على قدمين ونصف وفى النصف من ايار على قدم ونصف وفى النصف من حزيران على نصف قدم ". اقول: قد اشتمل هذا الخبر على بيان اختلاف الظل الباقي عند الزوال بحسب اختلاف الازمنة إلا ان جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم): منهم العلامة في المنتهى وشيخنا البهائي ذكروا ان هذه الرواية مختصة بالعراق وما قاربها لان عرض البلاد العراقية يناسب ذلك، ولان الرواي لهذا الحديث وهو عبد الله بن سنان عراقي فالظاهر انه (عليه السلام) بين له علامة الزوال بما يناسب بلاده. وما ذكروه مما لا محيص من الحمل عليه إذ لا ريب ان ما كان عرضه مساويا للميل الكلي ينعدم فيه الظل يوما واحدا حقيقة وبحسب الحس اياما وما كان عرضه اقل ينعدم فيه الظل يومين حقيقة واياما حسا فهذا انما يتم في ما يكون عرضه اكثر من الميل الكلي، والمناسب له من البلدان الكثيرة العروض ولاية العراق، والقدم على ما ذكره اصحابنا وعليه تدل ظواهر الاخبار سبع الشاخص بناء على ان قامة الانسان المستوى الخلقة سبعة اقدام بقدمه، والنصف من حزيران على ما ذكره بعض محققي اصحابنا من اوائل السرطان والنصف من تموز في اوائل الاسد والنصف من آب في اوائل السنبلة والنصف من ايلول في اوائل الميزان والنصف من تشرين الاول في اوائل العقرب والنصف من تشرين الآخر اول القوس تقريبا والنصف من كانون الاول اول الجدي تقريبا والنصف من كانون الآخر اول الدلو تقريبا والنصف من شباط اول الحوت تقريبا والنصف من آذار في اوائل الحمل والنصف من نيسان في اوائل الثور والنصف من ايار في اوائل الجوزاء
[ 160 ]
بقى الكلام ان في الحديث اشكالا ظاهرا يمنع من الاعتماد عليه في المقام وان كان قد غفل عنه جملة من علمائنا الاعلام، وذلك انه من المعلوم المشاهد بالوجدان والمستغني بالعيان عن البيان ان ظل الزوال يتزايد من اول السرطان الذي هو اول الرجوع عن انتهاء الميل الكلي إلى آخر القوس وينقص من اول الجدي إلى آخر الجوزاء يوما فيوما وشهرا فشهرا على سبيل التزايد في كل من النقيصة والزيادة، بمعنى ان زيادته وانتقاصه في اليوم الثاني والشهر الثاني ازيد منه في اليوم الاول والشهر الاول وهكذا في الثالث بالنسبة إلى الثاني وفى الرابع بالنسبة إلى الثالث حتى ينتهي إلى غاية الزيادة والنقصان، ومن هذا القبيل حال ازدياد الساعات وانتقاصها في ايام السنة ولياليها وهذا ظاهر للناقد البصير ولا ينبئك مثل خبير، فكيف يكون ازدياد الظل في ثلاثة اشهر قدما قدما وفى الثلاثة الاخرى قدمين قدمين كما في الرواية المذكورة ؟ فانه خلاف ما يحكم به المشاهدة والوجدان. والله سبحانه وقائله اعلم. ومنها - ميل الشمس إلى الحاجب الايمن لمن يستقبل قبلة العراق كما ذكروه، والظاهر انها انما تتم بالنسبة إلى اطراف العراق الغربية كالموصل وما والاها ممن تكون قبلتهم نقطة الجنوب إذ تكون دائرة نصف النهار حينئذ بين العينين فإذا زالت الشمس عن دائرة نصف النهار نحو المغرب مالت بالضرورة إلى الحاجب الايمن، واما اطراف العراق الشرقية وما والاها من اواسطها ممن تميل قبلتهم عن الجنوب نحو المغرب على تفاوت في ذلك زيادة ونقيصة فعند ميل الشمس إلى الحاجب الايمن يكون قد مضى من الزوال مقدار غير قليل لانحراف قبلتهم نحو المغرب وان كان ذلك قى اواسط العراق اقل لقلة انحرافهم نحو المغرب بالنسبة إلى الاطراف الشرقية، قال والدي (قدس سره) بعد ذكر نحو ما قلناه: واما ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) - من ان ذلك يمكن جعله علامة للزوال في اواسط العراق ايضا كالكوفة وما والاها لانه عند ميل الشمس إلى الحاجب الايمن لمن يستقبل قبلتهم لا يكون مضى من الزوال قدر معتد به -
[ 161 ]
فبعيد جدا لان انحراف اوساط العراق نحو المغرب - كما ذكره شيخنا الشهيد الثاني - ازيد من انحراف الشامي نحو المشرق، ومن المقرر ان انحراف الشامي نحو المشرق قدر ثلث قوس ما بين نقطتي الجنوب والمشرق كما ذكره في شرح الالفية، ومن المعلوم ان من انحرف قدر ثلث القوس المذكور فضلا عما زاد عنها نحو المغرب يكون عند ميل الشمس إلى حاجبه الايمن قد مضى من الزوال قدر معتد به فتدبر. انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. اقول: ومما يدل على هذه العلامة من الاخبار ما تقدم في حديث كتاب مجالس الشيخ المذكور في المسألة الرابعة من قوله (صلى الله عليه وآله): " اتاني جبرئيل فاراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن ". وكيف كان فالظاهر ايضا ان الكلام في معلومية الزوال بهذه العلامة كما تقدم في العلامة الاولى من حصول الزوال قبل ذلك بمدة، قال شيخنا الشهيد الثاني (طاب ثراه) في كتاب روض الجنان بعد ذكر المصنف العلامة المذكورة ما لفظه: وهذه العلامة لا يعلم بها الزوال إلا بعد مضي زمان كثير لاتساع جهة القبلة بالنسبة إلى البعيد ومن ثم قيدها المصنف في النهاية والمنتهى بمن كان بمكة إذا استقبل الركن العراقي ليضيق المجال ويتحقق الحال والامر باق بحاله فان الشمس لا تصير على الحاجب الايمن لمستقبل الركن العراقي إلا بعد زمان كثير بل ربما امكن استخراجه للبعيد في زمان اقل منه لمستقبل الركن، والتحقيق انه لا حاجة إلى التقييد بالركن لما ذكرناه ولان البعيد إذا استخرج نقطة الجنوب باخراج نصف النهار صار المشرق والمغرب على يمينه ويساره كما هو احد علامات العراقي وان كان في هذه العلامة بحث تقف عليه في محله ان شاء الله تعالى فإذا وقف الانسان على سمت هذا الخط ظهر له ميل الشمس إذا مالت في زمان قصير يقرب من زيادة الظل بعد نقصه، واما إذا اعتبر البعيد قبلة العراقي بغير هذه العلامة خصوصا بالنظر الدقيق الذي يخرج به سمت القبلة فان الزوال لا يظهر حينئذ إلا بعد
[ 162 ]
مضي ساعات من وقت الظهر كمالا يخفى على من امتحن ذلك، وقريب من ذلك اعتباره باستقبال الركن العراقي فانه ليس موضوعا على حد الشمال حتى يكون استقباله موجبا لاستقبال نقطة الجنوب والوقوف على خط نصف النهار وانما هو بين المشرق والشمال فوصول الشمس إليه يوجب زيادة ميل عن خط نصف النهار كما لا يخفى. انتهى كلامه زيد مقامه. ومنها - الدائرة الهندية وقد ذكرها الشيخ المفيد والعلامة وغيرهما، ودلالتها على ذلك بميل الظل عن خط نصف النهار إلى جانب المشرق فان الظل يقابل الشمس دائما فإذا كانت الشمس في جهة المشرق كان ظل الشاخص في جهة المغرب وبالعكس وإذا كانت في وسط السماء على دائرة نصف النهار كان ظل الشاخص على خط نصف النهار من الشمال أو الجنوب ان كان له ظل فإذا زالت الشمس بان مالت عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب مال ظل الشاخص إلى جانب المشرق ان كان له ظل أو حدث من ذلك الجانب ان لم يكن، وطريق استخراج خط نصف النهار بالدائرة الهندية ليعلم منها ما ذكرناه - على ما ذكره جملة من الاصحاب - ان تسوى موضعا من الارض تسوية صحيحة بحيث تخلو من الانخفاض والارتفاع ثم يدار عليها بدائرة باي بعد كان وكلما كانت الدائرة اوسع كانت المعرفة اسهل، وتنصب على مركزها مقياسا مخروطا محدد الرأس يكون طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريبا نصبا مستقيما بحيث تحدث من جوانبه زوايا قوائم وتعلم ذلك بان تقدر ما بين رأس المقياس ومحيط الدائرة بمقدار واحد من ثلاثة مواضع أو اكثر فان تساوت الابعاد فهو عمود، ثم ترصد ظل المقياس قبيل الزوال حين يكون خارجا من محيط الدائرة نحو المغرب فإذا انتهى رأس الظل إلى محيط الدائرة يريد الدخول فيه فعلم عليه علامة ثم ترصده بعد الزوال قبل خروج الظل من الدائرة فإذا اراد الخروج عنه فعلم عليه علامة وتصل ما بين العلامتين بخط مستقيم وتنصف ذلك الخط وتصل ما بين مركز الدائرة ومنتصف الخط بخط وهو خط نصف النهار، فإذا القى
[ 163 ]
المقياس ظله على هذا الخط الذي هو خط نصف النهار كانت الشمس في وسط السماء لم تزل وإذا ابتدأ رأس الظل يخرج عنه فقد زالت الشمس، وبذلك تعرف القبلة ايضا، ولو نصفت القوسين الحادثين من قطع خط نصف النهار للدائرة ووصلت بينهما بخط يقاطع خط نصف النهار على اربع زوايا قوائم كل منها ربع المحيط كان ذلك الخط خط المشرق والمغرب فيتصل احد طرفيه بنقطة مشرق الاعتدال والآخر بنقطة مغربه، وهذه صورة الدائرة المذكورة:
(المسألة الثامنة) - لا خلاف بين الاصحاب في ان اول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس قال في المعتبر وهو اجماع العلماء، وانما الخلاف في ما به يتحقق الغروب فالمشهور - وهو الذي عليه الاكثر من المتقدمين والمتأخرين - انه انما يعلم بزوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس إلى ناحية المغرب، وقيل انه عبارة عن غيبوبة القرص عن العين في الافق مع عدم الحائل، ونقل عن الشيخ في المبسوط والمرتضى وابن الجنيد وبه صرح الصدوق في كتاب العلل وهو ظاهره في كتاب من لا يحضره الفقيه حيث
[ 164 ]
اقتصر فيه على الاخبار الموافقة لهذا القول ولم يتعرض لشئ من اخبار القول الآخر. ومنشأ ذلك هو اختلاف الاخبار الواردة في المسألة والذي ظهر لي من الاخبار هو القول المشهور، فالواجب هو بسط اخبار المسألة والكلام فيها وبيان رجحان ما ذهب إليه المشهور منها وضعف القول الآخر: فاقول - وبالله سبحانه الثقة لبلوغ المأمول - من الاخبار الدالة على القول المختار ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن ابن ابي عمير عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " وقت سقوط القرص ووجوب الافطار ان تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص ". وما رواه بطريقين عن القاسم بن عروة والشيخ في التهذيب بطريقين آخرين عنه ايضا عن بريد بن معاوية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا غابت الحمرة من هذا الجانب - يعني من المشرق - فقد غابت الشمس من شرق الارض وغربها " وما رواه في الكافي عن احمد بن اشيم عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذاك ؟ قلت لا. قال لان المشرق مطل على المغرب هكذا - ورفع يمينه فوق يساره - فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا ". وما رواه الشيخ عن محمد بن علي (4) قال: " صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا اقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد ". وعن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): " انما امرت ابا الخطاب ان يصلي المغرب حين زالت الحمرة فجعل هو الحمرة من قبل المغرب ". ومنها - الاخبار الواردة في الافاضة من عرفات المحدودة بغروب الشمس ايضا ففي
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب المواقيت.
[ 165 ]
موثقة يونس بن يعقوب المروية في الكافي (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) متى الافاضة من عرفات ؟ قال إذا ذهبت الحمرة يعني من الجانب الشرقي ". وروى في التهذيب عن يونس المذكور في الموثق ايضا (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) متى تفيض من عرفات ؟ فقال إذا ذهبت الحمرة من ههنا، واشر بيده إلى المشرق والى مطلع الشمس ". وما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (3) حيث قال: " واول وقت المغرب سقوط القرص وعلامة سقوطه ان يسود افق المشرق وآخر وقتها غروب الشفق " وقال في موضع آخر: " وقت المغرب سقوط القرص إلى مغيب الشفق، إلى ان قال والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق وفي الغيم سواد المحاجر وقد كثرت الروايات في وقت المغرب وسقوط القرص والعمل من ذلك على سواد المشرق إلى حد الرأس " انتهى. والظاهر ان المراد بسواد المحاجر في عبارته (عليه السلام) سواد الافق من جميع جهاته. هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على القول المشهور ووضوحها في الدلالة غاية في الظهور لا يعتريها قصور ولا فتور. واما ما استدل به للقول الآخر فمنها ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها ". وعن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة ".
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 22 من الوقوف بعرفات. (3) ص 2 و 7. (4) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب المواقيت. (5) رواه في الوسائل في الباب 4 و 17 من ابواب المواقيت.
[ 166 ]
وهاتان الروايتان مما استدل به في المدارك للقول المذكور وهي غير واضحة الظهور، وذلك لان غاية ما دلتا عليه هو كون وقت المغرب عبارة عن غيبوبة الشمس وغروبها وقد عرفت ان هذا مما لا خلاف فيه وانما الخلاف - كما قدمنا وبه اعترف في المدارك في صدر البحث - في ما به يتحقق الغروب من مجرد استتار القرص عن النظر مع عدم الحائل أو يتوقف على زوال الحمرة المشرقية وميلها إلى المغرب، وبذلك يظهر لك انه لا دلالة للخبرين المذكورين على ما ادعاه وان صح سندهما بل هما مجملان، وبذلك يظهر الجواب عن ما استدلوا به من رواية يزيد بن خليفة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت ؟ قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا. قلت قال وقت المغرب إذا غاب القرص إلا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا جد به السير اخر المغرب ويجمع بينها وبين العشاء ؟ فقال صدق.. الحديث " وما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص " وبالجملة فان غيبوبة القرص وغروب الشمس ونحو ذلك من هذه العبارات مجملة قابلة للحمل على كل من القولين إذ لفظ القرص ولفظ الشمس بمعنى واحد ولفظ الغيبوبة ولفظ الغروب بمعنى واحد كما لا يخفى، وقد عرفت من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد ان عبر بسقوط القرص انه جعل علامته ان يسود افق المشرق، ونحوه في مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة. واستدل في المدارك لهذا القول بصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام ان كنت اصبت منه شيئا " وموثقة ابي اسامة زيد الشحام (4) قال: " قال رجل لابي عبد الله (عليه السلام) اؤخر المغرب حتى تستبين
(1) الفروع ج 1 ص 78 وفي الوسائل في الباب 10 من المواقيت. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 16 من المواقيت. (4) المروية في الوسائل في الباب 18 من المواقيت.
[ 167 ]
النجوم ؟ فقال خطابية ان جبرئيل نزل بها على محمد (صلى الله عليه وآله) حين سقط القرص " وفيه ان ظاهر سياق صحيحة زرارة المذكورة انها انما وردت في مقام الاشتباه لغيم ونحوه والبناء في دخول الوقت على الظن فكأنه قال: " وقت المغرب إذا حصل لك ظن بغيبوبة القرص فان رأيته بعد ذلك.. إلى آخر الخبر " وحينئذ فليست من محل البحث في شئ، ولو كان المراد بغيبوبة القرص فيها غيبوبته عن النظر مع عدم الحائل فكيف تتصور الرؤية بعد ذلك ؟ ولو استند في الاستدلال بها إلى مجرد التعبير بغيبوبة القرص قياسا على الخبرين المذكورين في كلامه لكان الجواب عنها بما عرفت، وبه يعلم الجواب ايضا عن موثقة زيد الشحام المذكورة فان غاية ما تدل عليه النهي عن التأخير إلى ان تستبين النجوم والعمل على سقوط القرص وقد عرفت من روايتي ابن ابي عمير وكتاب الفقه ان سقوط القرص انما يتحقق بزوال الحمرة إلى ناحية المغرب، هذا غاية ما استدل به في المدارك على القول المذكور وقد ظهر لك صحة ما ادعيناه من عدم دلالتها على المراد وتطرق البحث إليها والايراد. ومثل هذه الاخبار جملة اخرى بهذا المضمون اعرضنا عن التطويل بنقلها لما عرفت. ومنها - رواية الصدوق في الموثق عن سماعة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) في المغرب انا ربما صلينا ونحن نخاف ان تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل ؟ فقال ليس عليك صعود الجبل " وما رواه فيه ايضا عن زيد الشحام (2) قال: " صعدت مرة جبل ابي قبيس والناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب وانما توارت خلف الجبل عن الناس فلقيت ابا عبد الله (عليه السلام) فاخبرته بذلك فقال لي ولم فعلت ذلك ؟ بئس ما صنعت انما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها فانما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس ان يبحثوا ".
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب المواقيت.
[ 168 ]
اقول: لا يخفى ان هذين الخبرين لا ينطبقان على شئ من القولين، اما القول المشهور فظاهر واما القول الآخر فلانه لا خلاف بين اصحاب هذا القول - كما صرح به غير واحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) - في انه لابد في سقوط القرص الذي يجعل وقتا للغروب على هذا القول من انتفاء الحائل بين الناظر وبين موضع غروب الشمس من افق تلك البلاد ولا ريب في ان جبل ابي قبيس حائل، وبالجملة فان الاستدلال من صاحب الفقيه بهذين الخبرين - كما ذكره في الفقيه ومثله في كتاب المجالس وغيرهما على هذا القول حيث اختاره - من اعجب العجائب لما عرفت من الاشكال الذي ليس عنه ثمة جواب. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد ذكر هذين الخبرين: ظاهر هذا الخبر والخبر المتقدم الاكتفاء بغيبوبة الشمس خلف الجبل وان لم تغرب عن الافق ولعله لم يقل به احد وان كان ظاهر الصدوق القول به لكنه لم ينسب إليه هذا القول ويمكن حمله على ما إذا غابت عن الافق الحسي لكن يبقى ضوؤها على رؤوس الجبال كما نقلنا عن الشيخ في المبسوط ولعل الشيخ حملهما على هذا الوجه وليس ببعيد جدا والاولى الحمل على التقية. قال الوالد (قدس سره) في الخبر الاول الظاهر ان ذمه على صعود الجبل لانه كان غرضه منه اثارة الفتنة بان يقول انهم يفطرون ويصلون والشمس لم تغب بعد وكان مظنة ان يصل الضرر إليه والى غيره فنهاه (عليه السلام) لذلك. ويمكن ان يكون المراد بقوله: " فانما عليك مشرقك ومغربك " انك لا تحتاج إلى صعود الجبل فانه يمكن استعلام الطلوع والغروب بظهور الحمرة وذهابها في المشرق للغروب وعكسه للطلوع. وهذا الوجه جار في الخبر الاخير ايضا. انتهى كلامه. وما ذكره من حمل خبر سماعة على التقية هو الوجه الوجيه، وما نقله عن والده في معنى خبر الشحام جيد لا ريب فيه. ومنها - وهو اصرحها في الدلالة على القول المذكور لظهوره في ذلك تمام الظهور وكان ينبغي لمن قال بذلك القول ان يستند إليه ويعول في ذلك عليه ما رواه الشيخ
[ 169 ]
في التهذيب عن علي بن الحكم عن من حدثه عن احدهما (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن وقت المغرب فقال إذا غاب كرسيها. قلت وما كرسيها ؟ قال قرصها. فقلت متى يغيب قرصها ؟ قال إذا نظرت إليه فلم تره " وما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن ابان بن تغلب والربيع ابن سليمان وابان بن ارقم وغيرهم (2) قالوا: " اقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الاجفر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في انفسنا فجعل يصلي ونحن ندعو عليه حتى صلى ركعة ونحن ندعو عليه ونقول هذا من شباب اهل المدينة فلما اتيناه فإذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا له جعلنا فداك هذه الساعة تصلي ؟ فقال إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت ". وما رواه في الكتاب المذكور عن محمد بن يحيى الخثعمي (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي المغرب ويصلي معه حي من الانصار يقال لهم بنو سلمة منازلهم على نصف ميل فيصلون معه ثم ينصرفون إلى منازلهم وهم يرون مواضع نبلهم ". هذا ما يدل على هذا القول صريحا، والجواب عنه بالحمل على التقية كما هو احد القواعد المنصوصة عن اهل البيت (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار من العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافهم، واتفاق المخالفين قديما وحديثا على هذا القول مما لا سبيل إلى انكاره (4) بل ورد في جملة من الاخبار الامر بعرض الاخبار على مذهبهم والاخذ بخلافه وان لم يكن في مقام الاختلاف (5) بل ورد ما هو اعظم من ذلك وهو انه إذا لم يكن في البلد من تستفتيه في الحكم فاستفت قاضي العامة واعمل على خلافه (6)
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب المواقيت. (3) رواه في الوسائل في الباب 18 من المواقيت. (4) كما في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 157 والمغني ج 1 ص 389. (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يقضى به.
[ 170 ]
وحينئذ فإذا كانت النصوص عنهم (عليهم السلام) بلغت هذا المبلغ في الامر بمخالفتهم فالواجب هو طرح هذه الاخبار من البين لظهور موافقتها لهم برأي العين، وبالجملة فاخبار هذا القول وان كثرت فمنها ما هو غير صريح بل ولا ظاهر في المدعى كما عرفت ومنها ما هو صريح ويتعين حمله على التقية. واما ما صار إليه بعض من حمل اخبار القول المشهور على الاستحباب فليس بالوجه الوجيه لما ذكرنا من التنبيه والتوجيه، ويزيد ذلك بيانا في رد هذا الحمل المذكور وبيان ما فيه من القصور استفاضة الاخبار الدالة على افضلية اول الوقت (1) والاخبار الدالة على النهي عن تأخير المغرب طلبا لفضلها (2) ولو كان مجرد توارى القرص عن النظر هو الوقت الشرعي لها كان الافضل هو المسارعة بها في ذلك الوقت عملا بالاخبار الاولى وكان تأخيرها طلبا لفضلها موجبا للدخول تحت النهي في الاخبار الثانية. والعجب منهم (رضوان الله عليهم) حيث الغوا العمل بالقواعد المنصوصة عن الائمة (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار واستنبطوا لانفسهم قواعد بنوا عليها بمجرد الاعتبار، وخبر محمد بن يحيى الخثعمي المذكور قد ورد نحوه من طريق المخالفين كما نقله شيخنا صاحب البحار (قدس سره) (3) حيث رووا عن جابر وغيره قال: " كنا نصلي المغرب مع النبي (صلى الله عليه وآله) ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة فننظر إلى مواضع النبل من الاسفار " وفيه تأييد لما ذكرنا من الحمل على التقية. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام يظهر لك ما في كلام جملة من متأخري المتأخرين الاعلام: منهم - السيد السند في المدارك حيث ان ظاهره الميل إلى القول بما قدمنا نقله عن الصدوق والمرتضى وغيرهما، فانه قال بعد نقل ادلة المسألة ومنها الصحاح التي ذكرها كما قدمنا نقله فيه
(1) ص 90. (2) الوسائل الباب 18 من المواقيت. (3) ج 18 الصلاة ص 60.
[ 171 ]
وطعنه في روايات القول المشهور بضعف الاسانيد: انه لا يخلو من قوة، وجعل ما قابله احوط. وهو يشعر بالتوقف مع الميل إلى القول المذكور. وفيه ما عرفت من ان الصحاح التي استند إليها غير ظاهرة في المدعى كما اوضحناه، والطعن بضعف السند غير مرضي عندنا بل ولا عند كافة الاصحاب سيما المتقدمين ولا معتمد، اما المتقدمون فلعدم عملهم على هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب منه إلى الصلاح، واما المتأخرون فلان هذه الاخبار عندهم مجبورة بالشهرة. ومنهم - المحدث الكاشاني في الوافي وهو اعجب حيث قال بعد نقل اخبار القول المشهور المذكورة في الكافي والتهذيب وآخرها حديث ابن اشيم ما صورته: الاطلال بالمهملة الاشراف، إلى ان قال بقى الكلام في الحمرة المشرقية السماوية والاخبار في اعتبار ذهابها مختلفة، فمنها ما يدل على اعتباره وجعله علامة لغروب الشمس كهذه الاخبار ومنها ما يدل على ان ذهاب القرص عن النظر كاف في تحقق الغروب كالاخبار التي مضت، والمستفاد من مجموعها والجمع بينها ان اعتباره في وقتي صلاة المغرب والافطار احوط وافضل وان كفى استتار القرص في تحقق الوقت كما يظهر لمن تأمل فيها ووفق للتوفيق بينها وبين الاخبار التي نتلوها عليك في الباب الآتي ان شاء الله تعالى. انتهى. اقول: العجب منه (قدس سره) وهو من اكابر المحدثين كيف الغى القاعدة المنصوصة في الباب تبعا لغيره من المجتهدين الذين قد اكثر من التشنيع عليهم في الخروج عن جادة العمل بالاخبار في جملة من كتبه، واشار بالاخبار التي مضت إلى ما قدمه في سابق هذا الباب من الاخبار التي قدمنا نقلها، وقد عرفت ان اكثرها غير ظاهر الدلالة ولا واضح المقالة في ما ادعاه منها تبعا لصاحب المدارك، وعمدة الشبهة عنده من الاخبار التي ذكرها في تالي هذا الباب كما اشار إليه بقوله جمعا بينها وبين الاخبار التي نتلوها عليك في الباب الآتي، وها نحن بتوفيق الله تعالى نبين لك ما يكشف عن اشكالها نقاب الابهام ونبين ما هو الحق فيها لذوي الافهام وضعف ما سبق إلى خلافه من الاوهام:
[ 172 ]
فنقول - وبالله سبحانه التوفيق لبلوغ المأمول ونيل المسؤول - اعلم ان ههنا جملة من الاخبار قد اضطربت فيها الافكار من جملة من اصحابنا الابرار (رفع الله تعالى اقدارهم في دار القرار) وقد عنون لها في الوافي بابا سماه باب " تأخير المغرب عن استتار القرص للاحتياط ": منها - ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال لي مسوا بالمغرب قليلا فان الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا ". وعن عبد الله بن وضاح (2) قال: " كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة ويؤذن عندنا المؤذن أفاصلي وافطر ان كنت صائما أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟ فكتب الي ارى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك " وروى في الكافي عن جارود (3) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا جارود ينصحون فلا يقبلون وإذا سمعوا بشئ نادوا به أو حدثوا بشئ اذاعوه، قلت لهم مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم فانا الآن اصليها إذا سقط القرص ". وروى في التهذيب بسندين احدهما في الحسن والآخر في الموثق عن ذريح (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان اناسا من اصحاب ابي الخطاب يمسون بالمغرب حتى تشتبك النجوم، فقال ابرأ إلى الله ممن فعل ذلك متعمدا ". وعن شهاب بن عبد ربه في الحسن (5) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا شهاب اني احب إذا صليت المغرب ان ارى في السماء كوكبا ". وعن بكر بن محمد الازدي في الصحيح ورواه في الفقيه عن الازدي ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سأله سائل عن وقت المغرب قال ان الله يقول
(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 16 من ابواب المواقيت. (4) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت.
[ 173 ]
في كتابه لابراهيم: " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " (1) فهذا اول الوقت وآخر ذلك غيبوبة الشفق واول وقت العشاء ذهاب الحمرة وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل ". وروى في التهذيب في الصحيح عن زرارة (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن وقت افطار الصائم قال حين يبدو ثلاثة انجم ". وروى في الفقيه عن ابان عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " يحل لك الافطار إذا بدت لك ثلاثة انجم وهي تطلع مع غروب الشمس ". هذا جملة ما وقفت عليه من الاخبار وقد عرفت ما حملها عليه صاحب الوافي ومن حذا حذوه، وقال في المدارك: وقد ورد في بعض الاخبار اعتبار رؤية النجوم كصحيحة بكر بن محمد ثم ساق الخبر إلى ان قال: وحملها الشيخ (قدس سره) على حال الضرورة أو على مدها حتى تظهر النجوم فيكون فراغه منها عند ذلك. وهو بعيد جدا ويمكن حملها على وقت الاشتباه كما تشعر به رواية علي بن الريان (4) قال: " كتبت إليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب ومعرفة مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء الآخرة متى يصليها وكيف يصنع ؟ فوقع (عليه السلام) يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم والعشاء عند اشتباكها وبياض مغيب الشفق " وذكر الشيخ في التهذيب ان معنى قصر النجوم بيانها. ويمكن حملها ايضا على ان المراد بها بيان وقت الفضيلة كما تشعر به صحيحة اسماعيل بن همام (5) قال: " رأيت الرضا (عليه السلام) وكنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم فقام فصلى بنا على باب دار ابن ابي محمود "
(1) سورة الانعام، الآية 76. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 52 من ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك. (4) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب المواقيت. (5) المروية في الوسائل في الباب 19 من ابواب المواقيت.
[ 174 ]
ورواية شهاب بن عبد ربه، ثم ساق الرواية ثم قال: ولا ريب ان الاحتياط للدين يقتضي اعتبار ذهاب الحمرة أو ظهور النجوم وان كان الاكتفاء بغروب الشمس لا يخلو من قوة. انتهى. اقول: لا ريب في بعد هذه المحامل كلها، والذي ظهر لي من معنى هذه الاخبار ورزقني الله سبحانه فهمه منها ببركة الائمة الابرار (عليهم السلام) هو انه لما كان وقت المغرب عند العامة جميعا في جميع الامصار وجملة الاعصار والادوار عبارة عن مجرد غيبوبة القرص عن النظر مع عدم الحائل وكان الوقت عندهم (عليهم السلام) انما هو عبارة عن زوال الحمرة المشرقية كما عليه جل شيعتهم قديما وحديثا، فربما افتوا بما يوافق العامة صريحا كالاخبار التي قدمناها صريحة في ذلك وربما افتوا بما يوافق مذهبهم (عليهم السلام) صريحا كالاخبار التي قدمنا صريحة في القول المشهور، وربما عبروا بعبارات مجملة تحتمل الامرين كالاخبار الصحاح التي قدمنا نقلها عن المدارك ونحوها مع ما ورد في بعض اخبارهم (عليهم السلام) من تفسير الغيبوبة الكاشف عن هذا الاجمال كما عرفت، وربما عبروا عن مذهبهم بعبارات تشير إليه وان كانت غير ظاهرة الدلالة عليه كما تضمنته هذه الاخبار الاخيرة مثل الامر بالاخذ بالاحتياط في رواية عبد الله بن وضاح ومثل التعليل في رواية يعقوب بن شعيب بعد الامر بالتسمية بان الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا وانما العلة الحقيقية هي انتظار زوال الحمرة المشرقية، وربما عللوه بانتظار ظهور كوكب أو ثلاث كواكب كما في روايتي شهاب بن عبد ربه وبكر ابن محمد وروايتي زرارة. فهذه العلل كلها انما خرجت مخرج التقية للتحاشي عن التصريح بمخالفة القوم باعتبار ما تضمنته المقامات والاوقات حيث انها لا تقتضي اظهار مذهبهم (عليهم السلام) الواقعي فيجعلونه في هذه القوالب التي لا يستنكرها المخالف لو سمعها، ويزيدك بيانا لما ذكرناه خبر جارود وشكايته (عليه السلام) من اولئك القوم انه اسر إليهم ونصحهم في الباطن ان يمسوا بالمغرب يعني انتظار زوال الحمرة دون العمل على مجرد غيبوبة القرص فاذاعوا سره وحدثوا به حتى افرطوا في التمسية واخروها
[ 175 ]
إلى اشتباك النجوم فلما عرف (عليه السلام) ظهور ذلك منهم لا علاج انه اظهر مخالفة ما امرهم به اولا سرا فصار يصلي على خلاف ما امرهم ليعلم الناس كذبهم عليه، ومنه يظهر الوجه في حديث الجماعة الذين رأوه في طريق مكة يصلي وهم ينظرون إلى شعاع الشمس كما تقدم (1) فانه لهذا السبب فعل ذلك وامر به، هذا هو الوجه الوجيه في هذه الاخبار كما لا يخفى على من نظره بعين الفكر والاعتبار. واما ما ذكره في المدارك فقد عرفت ما فيه آنفا ونزيده هنا ايضا بان ما ذكره من حمل رواية بكر بن محمد الدالة على رؤية النجوم مستندا إلى صحيحة اسماعيل بن همام المتقدمة وقوله بعد ذلك " والاحتياط للدين يقتضي ذهاب الحمرة أو ظهور النجوم " ففيه ان ما اشتملت عليه صحيحة اسماعيل بن همام المذكورة مما ترده جملة الاخبار الدالة على افضلية اول الوقت ولا سيما في المغرب الدالة على انه ليس لها إلا وقت واحد وهو وقت وجوب الشمس وما دل على ذم تأخيرها إلى ظهور النجوم طلب فضلها كقول الصادق (عليه السلام) في مرفوعة محمد بن ابي حمزة (2) " ملعون ملعون من اخر المغرب طلب فضلها. وقيل له ان اهل العراق يؤخرون المغرب حتى تشتبك النجوم ؟ قال هذا من عمل عدو الله ابي الخطاب " ونحوها من الاخبار، والرواية المذكورة غير معمول بها على ظاهرها فلابد من تأويلها بالعذر. واما ما اشتملت عليه صحيحة بكر بن محمد ورواية شهاب من ظهور نجم وروايتا زرارة من ظهور ثلاثة انجم فقد عرفت الوجه فيه وفي الغالب انه بزوال الحمرة يرى بعض النجوم لبعض الناظرين. والله العالم.
(المسألة التاسعة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في آخر وقت المغرب، فالمشهور انه إلى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار اداء العشاء، وهو اختيار السيد المرتضى في الجمل وابن الجنيد وابن زهرة وابن ادريس والمحقق وابن عمه نجيب الدين وسائر المتأخرين، وقال الشيخ في اكثر كتبه آخره غيبوبة الشفق المغربي للمختار وربع
(1) ص 169. (2) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت.
[ 176 ]
الليل مع الاضطرار وبه قال ابن حمزة وابو الصلاح، وقال في الخلاف آخره غيبوبة الشفق واطلق وبه قال ابن البراج، وقال الشيخ المفيد آخر وقتها غيبوبة الشفق وهو الحمرة في المغرب والمسافر إذا جد به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيره إلى ربع الليل، وهو كقول الشيخ المتقدم. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة وروى ربع الليل وحكم بعض اصحابنا ان وقتها يمتد إلى نصف الليل. وقال ابن ابي عقيل اول وقت المغرب سقوط القرص وعلامته ان يسود افق السماء من المشرق وذلك اقبال الليل وتقوية الظلمة في الجو واشتباك النجوم وان جاوز ذلك باقل قليل حتى يغيب الشفق فقد دخل في الوقت الآخر. وقال ابن بابويه وقت المغرب ان كان في طلب المنزل في سفر إلى ربع الليل وكذا المفيض من عرفات إلى جمع. وقال سلار يمتد وقت العشاء الاول إلى ان يبقى لغياب الشفق الاحمر مقدار اداء ثلاث ركعات. ونقل عن المبسوط انه حكى عن بعض علمائنا قولا بامتداد وقت المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر. وقال في المدارك: والمعتمد امتداد وقت الفضيلة إلى ذهاب الشفق والاجزاء للمختار إلى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء وللمضطر إلى ان يبقى قدر ذلك من الليل وهو اختيار المصنف في المعتبر. اقول: الظاهر ان اول من ذهب صريحا إلى امتداد العشاءين إلى طلوع الفجر للمضطر هو المحقق في المعتبر وتبعه صاحب المدارك وشيده، وقد تبعه في هذا القول جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا. اقول: والسبب في اختلاف هذه الاقوال اختلاف الاخبار الواردة في المقام واختلاف ما ادت إليه الافكار فيها والافهام، ونحن نبسط الاخبار اولا كما هي قاعدتنا في الكتاب ثم نردفها بما يزيل عنها ان شاء الله تعالى نقاب الارتياب: ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب المواقيت.
[ 177 ]
الليل إلا ان هذه قبل هذه ". وعن داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي اربع ركعات فإذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقى وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل ". وعن اسماعيل بن مهران (2) قال: " كتبت إلى الرضا (عليه السلام) ذكر اصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة إلا ان هذه قبل هذه في السفر والحضر وان وقت المغرب إلى ربع الليل ؟ فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق وآخر وقتها ذهاب الحمرة ومصيرها إلى البياض في افق المغرب " المراد - والله سبحانه وقائله اعلم - ان وقت المختار ضيق واما المضطر والمسافر فموسع كما يظهر من غيره. وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " وقت المغرب حين تغيب الشمس " وعن اسماعيل بن جابر في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن وقت المغرب قال ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق ". وقد تقدم قريبا (5) في صحيحة بكر بن محمد الازدي تحديد اول الوقت برؤية الكوكب ثم قال (عليه السلام): " هذا اول الوقت وآخر ذلك غيبوبة الشفق.. الحديث " وفي صحيحة زرارة والفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) " ووقت فوتها سقوط الشفق " وفى رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) " وآخر وقت
(1) الوسائل الباب 17 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 17 و 18 من المواقيت. (3) و (4) الوسائل الباب 16 من المواقيت. (5) ص 172. (6) الوسائل الباب 18 من المواقيت. (7) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
[ 178 ]
المغرب اياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى ان تشتبك النجوم ". وعن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل " ونحوه مروي في الكافي ايضا بسند غير نقي. وما رواه في الكافي في الصحيح عن عمر بن يزيد (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل " قال في الكافي: وروى ايضا " إلى نصف الليل ". وما رواه في التهذيب في الموثق عن ابي بصير ورواه في الفقيه عن ابي بصير (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) انت في وقت من المغرب في السفر إلى خمسة اميال من بعد غروب الشمس ". وعن محمد بن علي الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس ان تؤخر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق، ولا بأس ان تعجل العتمة في السفر قبل ان يغيب الشفق ". وعن اسماعيل بن جابر (6) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) حتى إذا بلغنا بين العشاءين قال يا اسماعيل امض مع الثقل والعيال حتى الحقك وكان ذلك عند سقوط الشمس فكرهت ان انزل واصلي وادع العيال وقد امرني ان اكون معهم فسرت ثم لحقني أبو عبد الله (عليه السلام) فقال يا اسماعيل هل صليت المغرب بعد ؟ فقلت لا. فنزل عن دابته فاذن واقام وصلى المغرب وصليت معه
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب المواقيت. (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 19 من المواقيت. (5) الوسائل الباب 22 من المواقيت. والراوي عنه (ع) هو عبيد الله ومحمد عنه.
[ 179 ]
وكان من الموضع الذي فارقته فيه إلى الموضع الذي لحقني ستة اميال ". وعن القاسم بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ذكر أبو الخطاب فلعنه ثم قال انه لم يكن يحفظ شيئا، حدثته ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) غابت له الشمس في مكان كذا وكذا وصلى المغرب بالشجرة وبينهما ستة اميال فاخبرته بذلك في السفر فوضعه في الحضر ". وعن علي بن يقطين في الصحيح (2) قال: " سألته عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق أيؤخرها إلى ان يغيب الشفق ؟ قال لا بأس بذلك في السفر فاما في الحضر فدون ذلك شيئا " اقول: يعني قبل غيبوبة الشفق بقليل. وعن جميل بن دراج في الموثق (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصلي المغرب بعد ما يسقط الشفق ؟ فقال لعلة لا بأس قلت فالعشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق ؟ فقال لعلة لا بأس ". وعن عمر بن يزيد (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اكون مع هؤلاء وانصرف من عندهم عند المغرب فامر بالمساجد فاقيمت الصلاة فان انا نزلت اصلي معهم لم استمكن من الاذان والاقامة وافتتاح الصلاة ؟ فقال إئت منزلك وانزع ثيابك وان اردت ان تتوضأ فتوضأ وصل فانك في وقت إلى ربع الليل ". وعن عمر بن يزيد في الصحيح (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اكون في جانب المصر فتحضر المغرب وانا اريد المنزل فان اخرت الصلاة حتى اصلي في المنزل كان امكن لي وادركني المساء فاصلي في بعض المساجد ؟ فقال صل في منزلك ". وعن عمر بن يزيد (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب المواقيت. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
[ 180 ]
المغرب ؟ فقال إذا كان ارفق بك وامكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك ان تؤخرها إلى ربع الليل. فقال قال لي وهو شاهد في بلده ". وعن داود الصرمي (1) قال: " كنت عند ابي الحسن الثالث (عليه السلام) فجلس يحدث حتى غابت الشمس ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدث فلما خرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل ان يصلي المغرب ثم دعا بالماء فتوضأ وصلى " اقول: قد تقدم قريبا نحوه في حديث اسماعيل بن همام انه رأى الرضا (عليه السلام) كذلك، وقد حملها الشيخ في التهذيب على حال الضرورة واستند إلى اخبار عمر بن يزيد المذكورة، وهو جيد في مقام الجمع وان كان فيه نوع بعد. وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز ان تؤخر ساعة ؟ قال لا بأس ان كان صائما افطر وان كانت له حاجة قضاها ثم صلى ". فهذه جملة من الاخبار الواردة في هذا المضمار والمفهوم منها ان الوقت بالنسبة إلى المغرب ثلاثة اقسام: الاول إلى مغيب الشفق والثاني إلى ربع الليل أو ثلثه والثالث إلى ما قبل الانتصاف بقدر العشاء، والجمع بينها يقتضي حمل الوقت الاول على الفضيلة أو الاختيار على الخلاف المتقدم، وقد عرفت ان الثاني هو الظاهر من الاخبار واليه ايضا تشير اخبار هذه المسألة كما لا يخفى على المتأمل في مضامينها، والوقت الثاني على الاجزاء كما هو المشهور أو الاضطرار كما هو المختار، والثالث كسابقه إلا انه للاشد ضرورة كنوم ونسيان وحيض ونحوها على المختار أو الاجزاء وان كان تضييعا على القول الآخر إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ان ذكر القول الذي قدمنا نقله عنه واختاره من امتداد وقت الفضيلة إلى ذهاب الشفق والاجزاء للمختار إلى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء وللمضطر إلى ان يبقى قدر ذلك من
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 19 من المواقيت.
[ 181 ]
الليل - استدل عليه فقال: لنا على الحكم الاول صحيحة اسماعيل بن جابر ثم ذكر موثقة اسماعيل التي قدمناها - ووصفه لها بالصحة الظاهر انه سهو منه (قدس سره) فان في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة كما لا يخفى على من راجع التهذيب - ثم صحيحة على بن يقطين المتقدمة، ثم قال: وهما محمولان اما على وقت الفضيلة أو الاختيار إذ لا قائل بان ذلك آخر الوقت مطلقا، والدليل على ارادة الفضيلة قوله (عليه السلام) (1) في صحيحة ابن سنان " لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما " وظهور تناول الروايات المتضمنة لامتداد الوقت إلى الانصاف للمختار وغيره، وامتداد وقت المضطر إلى آخر الليل على ما سنبينه فلا يمكن حمل روايات الانتصاف عليه. ولنا على الحكم الثاني اعني امتداد وقت الاجزاء للمختار إلى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) " ففي ما بين زوال الشمس إلى غسق الليل اربع صلوات سماهن الله تعالى وبينهن ووقتهن وغسق الليل انتصافه " ثم نقل صحيحة عبيد بن زرارة ومرسلة داود بن فرقد، إلى ان قال: ولنا على الحكم الثالث اعني امتداد وقتها للمضطر إلى ان يبقى من الليل قدر العشاء ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان نام رجل أو نسى ان يصلي المغرب والعشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما فان خاف ان تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء وان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس " واجاب العلامة (قدس سره) في المنتهى عن هذه الرواية بحمل القبلية على ما قبل الانتصاف، وهو بعيد جدا ولكن لو قيل باختصاص هذا الوقت بالنائم والناسي كما هو مورد الخبر كان وجها قويا. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان ما ذكره دليلا على ارادة الفضيلة دون الاختيار من
(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض. (3) رواه في الوسائل في الباب 62 من ابواب المواقيت.
[ 182 ]
الصحيحتين المذكورتين مردود بما قدمنا تحقيقه من عدم ظهورهما في الدلالة، ولا يخفى على المتأمل في ما قدمناه من الاخبار ظهور دلالتها على ان التأخير عن غيبوبة الشفق انما هو في مقام العذر كالسفر والحوائج ونحوهما، ومنها صحيحة علي بن يقطين التي ذكرها فانها دلت على نفي البأس في السفر المؤذن بثبوته في الحضر كما اشار إليه ذيل الخبر المذكور وقوله في موثقة جميل بعد قول السائل: يصلي المغرب بعد سقوط الشفق ؟ " لعلة لا بأس " ونحوهما غيرهما مما تقدم. و (ثانيا) - ان ما استدل به على الحكم الثاني من قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة " ففي ما بين زوال الشمس.. إلى آخره " فقد اعترضه الفاضل الخراساني في الذخيرة - مع انه من التابعين له في هذه المسألة وغيرها غالبا - بما صورته: وفيه نظر لانه لا يمكن حمل الخبر على ان مجموع الوقت وقت لمجموع الصلوات الاربع إلا بارتكاب التخصيص وليس الحمل على ان المجموع وقت للمجموع ولو على سبيل التوزيع ابعد منه. انتهى. و (ثالثا) - ان ما استدل به على الحكم الثالث من صحيحة عبد الله بن سنان فانه محل نظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. ويبنغي ان يعلم اولا ان الاخبار الدالة على هذا القول ليست منحصرة في الصحيحة التي ذكرها كما ربما يتوهم بل هنا اخبار عديدة إلا انها مشتركة في ضعف السند باصطلاحه، ولعله لهذه العلة اقتصر على هذه الرواية لصحة سندها أو انه لم يطلع على تلك الاخبار وقت التأليف وإلا لعدها من المؤيدات كما هي قاعدته في غير موضع ولعله الاقرب. ومن الاخبار المشار إليها رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تفوت الصلاة من اراد الصلاة لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس
(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
[ 183 ]
ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ان نام الرجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسى فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما وان خشي ان تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة.. الحديث ". ورواية عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (2) قال: " إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر وان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء " ورواية داود الزجاجي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " إذا كانت المرأة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر وان طهرت من آخر الليل صلت المغرب والعشاء والآخرة ". ورواية عمر بن حنظلة عن الشيخ (عليه السلام) (4) قال: " إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر والعصر ". ورواية ابي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر والعصر ". هذا ما وقفت عليه من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا لهذا القول، والظاهر عندي ان هذه الاخبار انما خرجت مخرج التقية فلا تصلح للاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي، ولي على ذلك وجوه: (الاول) قوله عز شأنه: " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر " (6) وجه الدلالة ما ورد عن اصحاب البيت الذي نزل ذلك القرآن فيه فهم
(1) المروية في الوسائل في الباب 62 من المواقيت. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 49 من الحيض. (6) سورة بني اسرائيل، الآية 80.
[ 184 ]
اعرف الناس بظاهره وخافيه من ان هذه الآية قد جمعت الاوقات كلها فروى المشايخ الثلاثة والعياشي في تفسيره باسانيدهم الصحيحة عن الباقر (عليه السلام) (1) " انه سئل عما فرض الله من الصلوات فقال خمس صلوات بالليل والنهار. فقيل هل سماهن الله تعالى وبينهن في كتابه ؟ قال نعم قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " ودلوكها زوالها ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل اربع صلوات سماهن الله تعالى وبينهن ووقتهن وغسق الليل انتصافه، ثم قال وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا. فهذه الخامسة " وفي رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في قوله تعالى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات اول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، إلى ان قال ومنها صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه " وروى العياشي عنهما (عليهما السلام) (3) " ان هذه الآية جمعت الصلوات كلها ودلوك الشمس زوالها وغسق الليل انتصافه، وقال انه ينادي مناد من السماء كل ليلة إذا انتصف الليل: من رقد عن صلاة العشاء في هذه الساعة فلا نامت عيناه.. الحديث " ومن ذلك يعلم ان الوقت الزائد على هذا المقدار المذكور في الآية للعشاءين خارج عن الاوقات المحدودة في القرآن وكل ما خالف القرآن يضرب به عرض الحائط كما استفاضت به اخبارهم (عليهم السلام) من عرض الاخبار على القرآن فيؤخذ بما وافقه وما خالفه يضرب به عرض الحائط (4). (الثاني) ان الاخبار الواردة في الاوقات على تعددها وانتشارها لم يتضمن شئ منها الاشارة إلى هذا الوقت فضلا عن التصريح به وقد عرفت وستعرف اشتمالها
(1) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض. (2) الوسائل الباب 10 من المواقيت. (3) المستدرك الباب 14 من المواقيت. (4) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به.
[ 185 ]
على جملة الاوقات اختياريها وضروريها، وغاية ما دلت عليه بالنسبة إلى العشاءين امتدادهما إلى الانتصاف وهو غاية الاضطرار أو الاجزاء، فلو كان هنا وقت آخر لاشير إليه في شئ منها. (الثالث) انه من القواعد المقررة والضوابط المأثورة المعتبرة عن اهل البيت (عليهم السلام) عرض الاخبار عند الاختلاف بل مطلقا على مذهب العامة والاخذ بخلافه (1) والاخبار التي قدمناها مع مخالفتها لظاهر القرآن كما عرفت موافقة لمذهب العامة لان ذلك مذهب أئمتهم الاربعة على اختلاف بينهم في ذلك، فبعض منهم جعل هذا الوقت وقتا للمضطر كما ذهب إليه المحقق والسيد السند ومن تبعهما، وحكى هذا القول في المعتبر عن الشافعي واحمد (2) وبعضهم جعله وقتا للمختار، ونقله في المعتبر عن ابي حنيفة ومالك (3) ونظير هذه الروايات التي اسلفناها في الحائض قد ورد ايضا من طريقهم من امتداد وقتها إلى قبل الغروب بيسير جدا بالنسبة إلى الظهرين والى قبل الفجر بيسير بالنسبة إلى العشاءين، قال في المعتبر: قال الشافعي ومالك واحمد إذا طهرت قبل الغروب لزمها الفريضتان، ولو طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء، لما رواه الاثرم وابن المنذر باسنادهما عن عبد الرحمان بن عوف وعبد الله بن عباس انهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا. وعن احمد ان القدر الذي يتعلق به الوجوب ادراك تكبيرة
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به. (2) كما في الوجيز للغزالي الشافعي ج 1 ص 20 والمغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 384. (3) في البدائع فقه الحنفية ج 1 ص 124 " آخر العشاء حين يطلع الفجر عندنا واوله حين يغيب الشفق وهو البياض " وفي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 157 " عند المالكية اول العشاء الاختياري حين يغيب الشفق الاحمر إلى ثلث الليل والضروري بعد ذلك إلى ان يبقى من طلوع الشمس ما لا يسع إلا ركعتي الصبح ".
[ 186 ]
الاحرام، وعن الشافعي قدر ركعة لانه القدر الذي روى عن عبد الرحمان وابن عباس (1) ثم استدل في المعتبر على بطلان ما ذهبوا إليه واطال، إلى ان قال: وما ذكره الجمهور من قصة عبد الرحمان وابن عباس لا حجة فيه لجواز ان يكون ما قالاه اجتهادا، على انا نحمل ذلك على الاستحباب وقد روى في اخبار اهل البيت (عليهم السلام) ما يماثله، ثم نقل رواية ابي الصباح ورواية عبيد بن زرارة (2) ورواية عمر بن حنظلة. وظاهره كما ترى حمل هذه الروايات على الاستحباب تفصيا من الاشكال الوارد في المقام وهو التكليف بعبادة في وقت لا يسعها كما ذهب إليه العامة، هذا كلامه في مبحث الحيض، وفى مبحث الاوقات استند إليها في الدلالة على امتداد وقت المضطر إلى قبل الفجر واتخذه مذهبا مع مخالفة رواياته - كما عرفت - لجملة روايات الاوقات الواردة في الباب ومضادتها لآيات الكتاب وموافقتها للعامة كما كشفنا عنه نقاب الابهام والارتياب. وبالجملة فان كلامه في مبحث الحيض مخالف لكلامه في مبحث الاوقات، وظهور التقية في الاخبار المذكورة ومخالفة ظاهر الكتاب مما لا مجال لانكاره فلا وجه للاعتماد عليها. والعجب كل العجب منهم (قدس الله ارواحهم ونور اشباحهم) انه مع استفاضة الاخبار بهاتين القاعدتين كيف الغوهما في جميع ابواب الفقه وعكفوا في مقابلتهما على قواعد لم يرد بها سنة ولا كتاب ؟ ولا سيما ما تكرر في كلامهم من الجمع بين الاخبار بالحمل على الكراهة والاستحباب، ولم ار من تنبه إلى بعض ما ذكرناه في هذا المقام سوى شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان حيث قال بعد نقل الخلاف في المسألة: وللاصحاب ان يحملوا الروايات الدالة على الامتداد إلى الفجر على التقية لاطباق الفقهاء الاربعة عليه وان اختلفوا في كونه آخر وقت الاختيار أو الاضطرار (3) وهو محمل حسن في الخبرين المتعارضين إذا امكن حمل احدهما عليها كما ورد به النص عنهم (عليهم السلام) (4).
(1) كما في المغني ج 1 ص 396. (2) الصحيح (عبد الله بن سنان). (3) التعلية 2 و 3 ص 185. (4) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به.
[ 187 ]
(الرابع) - الاخبار الدالة على ذم النائم عن صلاة العتمة إلى الانتصاف وامره بالقضاء بعد الانتصاف وامره بصيام ذلك اليوم عقوبة وامره بالاستغفار، فمن ذلك الخبر المتقدم نقله عن العياشي في الوجه الاول، ومنها ما رواه الصدوق مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ملك موكل يقول من بات عن العشاء الآخرة إلى نصف الليل فلا انام الله عينه " ورواه في كتاب العلل مسندا في الصحيح عندي عن صفوان ابن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) إلا ان فيه " من نام عن العشاء " وهو اظهر. وروى الشيخ بسنده إلى ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: " وانت في رخصة إلى نصف الليل وهو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان: من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه " ونحوه في كتاب المجالس وكتاب المحاسن. وفى الموثق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل وذلك التضييع " وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: " وروى في من نام عن العشاء الآخرة إلى نصف الليل انه يقضي ويصبح صائما عقوبة وانما وجب ذلك لنومه عنها إلى نصف الليل " قال المحدث الكاشاني في ابواب الاوقات من الوافي: ستأتي هذه الرواية مسندة في كتاب الصيام (6) وفي الصحيح عن عبد الله بن مسكان رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " من نام قبل ان يصلي العتمة فلم يستيقظ حتى يمضي نصف الليل فليقض صلاته ويستغفر الله " وفي الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) " في رجل نام عن العتمة فلم يقم إلا بعد انتصاف الليل ؟ قال يصليها ويصبح صائما " وقد ذهب إلى وجوب الصوم هنا المرتضى (رضي الله عنه) مدعيا الاجماع عليه
(1) و (2) و (5) و (7) و (8) الوسائل الباب 29 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 21 و 17 من المواقيت. (4) الوسائل الباب 17 من المواقيت. (6) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب المواقيت.
[ 188 ]
وتبعه العلامة، وهو الظاهر من الصدوق في الفقيه حيث رواه وذكر وجوب ذلك، وهو اما من كلامه فيكون صريحا في كونه مذهبا له أو يكون من الرواية فيكون ظاهره ذلك ولم اقف على من نسب ذلك إليه مع ان الكلام على كلا الوجهين ظاهر الدلالة عليه، ومن ذلك يظهر لك انه لو كان الوقت ممتدا شرعا بالنسبة إلى المضطر إلى طلوع الفجر وان الصحيحة التي اعتمدها في المدارك وامثالها من الاخبار التي ذكرناها كذلك انما خرجت هذا المخرج لم يترتب على النائم عنها إلى الانتصاف ما تضمنته هذه الاخبار من الذم والدعاء عليه والقضاء الذي هو شرعا عبارة عن فعل الشئ خارج وقته والصوم عقوبة والاستغفار سيما ان النائم غير مخاطب حال النوم، فكيف يترتب عليه ما ذكر ووقته ممتد إلى الفجر لمكان العذر ؟ وبما ذكرناه من هذه الوجوه الظاهره البيان الساطعة البرهان يظهر لك ما في كلام اولئك الاعيان من النظر الناشئ عن عدم التأمل حقه في الاخبار والخروج عن القواعد المقررة عن الائمة الاطهار الابرار (صلوات الله عليهم آناء الليل واطراف النهار) والله العالم. (الخامس) - ان مقتضى ما ذكروه - كما قدمنا نقله عن المدارك ان للمغرب اوقاتا ثلاثة: وقت الفضيلة وهو إلى ذهاب الشفق ووقت الاجزاء إلى انتصاف الليل ووقت المضطر إلى الفجر، والروايات قد استفاضت بان لكل صلاة وقتين واول الوقتين افضلهما كما تقدم شطر منها، وهذان الوقتان - بناء على المشهور كما تقدم تحقيقه - الاول منهما للفضيلة والثاني للاجزاء وعلى القول الآخر الاول للمختار والثاني لاصحاب الاعذار والاضطرار، وهذا - بحمدالله سبحانه - ظاهر من الاخبار وكلام علمائنا الابرار لا يقبل الانكار فالقول بالوقت الثالث خارج عن ذلك، وجعل الثاني للاجزاء والثالث للاضطرار خارج عما تقرر في الاخبار في سائر الاوقات، إذ وصف الثاني بكونه وقت اجزاء كما هو المشهور أو وقت اضطرار كما هو القول الآخر يرجع إلى امر واحد والتغاير انما هو بالاعتبار لا انهما وقتان متعددان. وبالجملة فما ذكروه مجرد تخريج لما توهموه من العمل بظواهر
[ 189 ]
هذه الاخبار وسموه بهذه التسمية. والله العالم.
(المسألة العاشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان اول وقت العشاء إذا مضى من غروب الشمس قدر ثلاث ركعات واليه ذهب السيد المرتضى والشيخ في الاستبصار والجمل وابن بابويه وابن الجنيد وابو الصلاح وابن البراج وابن زهرة وابن ادريس ومن تأخر عنه، ونسبه العلامة في المنتهى إلى ابن ابي عقيل ايضا مع انه في المختلف نسب إليه القول الآتي، وقال الشيخان اول وقتها غيبوبة الشفق ونسبه في المختلف إلى ابن ابي عقيل وسلار، وهو احد قولي المرتضى على ما نقله بعض الاصحاب ايضا احتج جملة من الاصحاب على القول المشهور بجملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء والآخرة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " ومنها صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه ". وعن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان هذه قبل هذه ". وعن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلا ان هذه قبل هذه ". وما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال الصادق (عليه السلام) إذا غابت الشمس حل الافطار ووجبت الصلاة وإذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل ".
(1) الوسائل الباب 4 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 10 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 17 من المواقيت. (4) و (5) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
[ 190 ]
وما رواه في الكافي والتهذيب عن اسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) وقد تقدمت في صدر المسألة، ورواية داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) وقد تقدمت ثمة ايضا. وما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر وابا عبد الله (عليهما السلام) عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ؟ فقال لا بأس به ". واستدل في المدارك ايضا على ذلك بما رواه الشيخ في الموثق عن عبيد الله وعمران ابني علي الحلبي (2) قالا " كنا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق وكان منا من يضيق بذلك صدره فدخلنا على ابي عبد الله (عليه السلام) فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقال لا بأس بذلك ". وفى الصحيح عن ابي عبيدة (3) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كانت ليلة مظلمة وريح ومطر صلى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفل الناس ثم اقام مؤذنه ثم صلى العشاء ثم انصرفوا ". وعن عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لا بأس ان تؤخر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق، ولا بأس بان تعجل العتمة في السفر قبل ان يغيب الشفق " اقول: ومن هذا القبيل ما تقدم في موثقة جميل بن دراج (5) من قوله: " قلت فالعشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق ؟ فقال لعلة لا بأس ". ثم قال في المدارك: وجه الدلالة انه لولا دخول وقت العشاء قبل ذهاب الشفق لما جاز تقديمها عليه مطلقا كما لا يجوز تقديم المغرب على الغروب. احتج الشيخان - على ما نقله في المدارك والمختلف - بصحيحة الحلبي (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) متى تجب العتمة ؟ قال إذا غاب الشفق والشفق الحمرة "
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 22 من المواقيت. (5) ص 179. (6) الوسائل الباب 23 من المواقيت.
[ 191 ]
وصحيحة بكر بن محمد بن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قد تقدم (1) قال فيه " واول وقت العشاء ذهاب الحمرة وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل " وزاد في المختلف نقلا عنهما، ولان الاجماع واقع على ان ما بعد الشفق وقت العشاء ولا اجماع على ما قبله فوجب الاحتياط لئلا يصلي قبل دخول الوقت، ولانها عبادة موقتة فلا بد لها من ابتداء مضبوط وإلا لزم تكليف ما لا يطاق واداء المغرب غير منضبط فلا يناط به وقت العبادة. انتهى. اقول: ظاهر كلاميهما ولا سيما مع ما ذكره هنا من الاحتجاج في المختلف ان مراد الشيخين (طاب ثراهما) بما نقل عنهما ان غيبوبة الشفق هو الوقت الحقيقي للعشاء وان صلاتها قبله كصلاة المغرب قبل الغروب والظهر قبل الزوال. وهو عندي محل نظر من وجوه: (اما اولا) فمن البعيد بل المقطوع ببطلانه عدم اطلاع الشيخين على الاخبار المتقدمة المستفيضة الدالة على دخول الوقتين بغروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه ونحوها مما دل على جواز صلاة العشاء قبل غيبوبة الشفق، وابعد منه واشد بطلانا اطراحها والغاؤها بالكلية بعد الوقوف عليها ولا محمل لها على تقدير هذا القول بالمرة. (واما ثانيا) فلان الشيخ في النهاية قد جوز تقديم العشاء قبل غيبوبة الشفق في السفر وعند الاعذار، حيث قال بعد ان ذكر ان وقت العشاء الآخرة سقوط الشفق وآخره ثلث الليل: ويجوز تقديم العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق في السفر وعند الاعذار ولا يجوز ذلك مع الاختيار. وقال الشيخ المفيد في المقنعة: ولا بأس بان يصلي العشاء الآخرة قبل مغيب الشفق عند الضرورات. وجوز في التهذيب تقديمها إذا علم أو ظن انه ان لم يصل في هذا الوقت لم يتمكن منها بعده. وكلامه هذا يدل على كون هذا الوقت الذي نقل عنه في هذه المسألة انما اريد به الوقت الموظف لذوي الاختيار دون
(1) ص 172.
[ 192 ]
ذوي الاعذار وهذا هو الذي تنطبق عليه الاخبار الجارية في هذا المضمار، فمرجع كلاميهما إلى ان هذا الوقت الموظف لهم ليس لهم التقديم عليه إلا لعذر، وحينئذ فلا يرد عليه الاستدلال بما نقلناه عن المدارك من الاخبار فانها صريحة في اصحاب الاعذار. واما ما ذكره العلامة في المختلف من الادلة الاعتبارية فالظاهر انها من كلامه (قدس سره) كما هي قاعدته في الكتاب المذكور بناء على فهمه من كلام الشيخين المعنى الذي اشرنا إلى بطلانه وقد عرفت انه مما يجب القطع ببطلانه لما ذكرنا، غاية الامر ان للعشاء دون غيرها وقتين اضطراريين احدهما باعتبار المبدأ والآخر باعتبار المنتهى كما يأتي في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. ثم انه على تقدير ما ذكرناه من حمل كلام الشيخين على ان المراد بكون غيبوبة الشفق اول وقت العشاء الآخرة يعني وقت فضيلتها وانه لا تقدم على ذلك إلا لعذر كالسفر ونحوه فيجب حمل الاخبار التي استند إليها مما قدمنا ذكره على ذلك ايضا، إلا انه قد ورد في الاخبار ما يدل على الجواز من غير عذر ولا علة مثل موثقة زرارة المتقدمة هنا، وما رواه الشيخ في الموثق الذي هو كالصحيح عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة، من غير علة وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة وانما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليتسع الوقت على امته " وعن اسحاق بن عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل ان يغيب الشفق من غير علة ؟ قال لا بأس " وما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة باذان واقامتين " ويؤيده
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من المواقيت.
[ 193 ]
اطلاق ما رواه في التهذيب في الصحيح عن رهط: منهم - الفضيل وزرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء الآخرة باذان واحد واقامتين " والظاهر حمل هذه الروايات على الرخصة كما يشير إليه قوله (عليه السلام) " وانما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله).. إلى آخره " وان كان الافضل الانتظار إلى غيبوبة الشفق وانه لا يقدم قبل ذلك إلا مع العذر كما تقدم في جملة من الاخبار، وتطرق احتمال الحمل على التقية إلى روايات الشيخين قائم فان التأخير إلى هذا الوقت وعدم الصلاة قبله مذهب العامة قديما وحديثا كما لا يخفى (2) والله العالم.
(المسألة الحادية عشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان وقت العشاء الآخرة يمتد إلى نصف الليل وهو اختيار السيد المرتضى وابن الجنيد وسلار وابن زهرة وابن ادريس وجمهور المتأخرين، وقال الشيخ المفيد آخره ثلث الليل وهو قول الشيخ في النهاية والجمل والخلاف والاقتصاد، وقال في المبسوط آخره ثلث الليل للمختار وللمضطر نصف الليل، وجعل في الخلاف والاقتصاد نصف الليل رواية، وفى النهاية آخره ثلث الليل ولا يجوز تأخيره إلى آخر الوقت إلا لعذر وقد رويت رواية ان آخر وقت العشاء الآخرة ممتد إلى نصف الليل والاحوط ما قدمناه. قال في المختلف بعد نقل ذلك: وهذا يدل على ان وقت المضطر عنده ثلث الليل. وقال ابن حمزة كقوله في المبسوط وقال ابن ابي عقيل اول وقت العشاء الآخرة مغيب الشفق والشفق الحمرة لا البياض فان جاوز ذلك حتى دخل ربع الليل فقد دخل في الوقت الاخير وقد روى إلى نصف الليل وقال ابن البراج كقول المفيد، ونقل الشيخ في المبسوط عن بعض علمائنا ان آخره للمضطر طلوع الفجر، ونقل عنه انه قال في موضع من كتاب الخلاف لا خلاف بين اهل
(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب المواقيت. (2) كما في البدائع ج 1 ص 124 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 157.
[ 194 ]
العلم في ان اصحاب الاعذار إذا ادرك احدهم قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة انه يلزمه العشاء الآخرة، وقد تقدم في المسألة التاسعة اختيار المحقق وصاحب المدارك لهذا القول وتبعهما جملة من متأخري المتأخرين. والاظهر عندي هو امتداد وقت المضطر والمعذور إلى نصف الليل وغيرهما إلى ثلث الليل أو ربعه. ومن اخبار المسألة صحيحة زرارة ورواية عبيد بن زرارة المتضمنتان لتفسير الآية وقد تقدمتا في الوجه الاول من الوجوه المتقدمة في المسألة التاسعة، ومنها - رواية عبيد بن زرارة ومرسلة داود بن فرقد المتقدمتان ايضا في صدر المسألة المذكورة. ومنها - صحيحة بكر بن محمد وقد تقدمت في المسألة الثامنة وفيها: " واول وقت العشاء ذهاب الحمرة وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل " وما رواه في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام) وقد تقدمت في روايات المسألة العاشرة وفيها " وإذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل " وروى في التهذيب عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " آخر وقت العتمة نصف الليل " وفى كتاب الفقه الرضوي (2) " وآخر وقت العتمة نصف الليل وهو زوال الليل " وهذه الاخبار كلها دالة على الامتداد إلى نصف الليل مطلقا. ومنها - الروايات الواردة في نزول جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتحديد الاوقات وهي موثقة معاوية بن وهب ورواية معاوية بن ميسرة ورواية المفضل ابن عمر ورواية ذريح (3) وقد اشترك الجميع في الدلالة على انه اتاه في اليوم الاول في وقت العشاء حين سقط الشفق وفى اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل ثم قال له: " ما بين هذين الوقتين وقت " وفي رواية ذريح (4) " وافضل الوقت اوله، ثم قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا اني اكره ان اشق على امتي لاخرتها إلى نصف الليل ".
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب المواقيت. (2) ص 2. (3) ص 127. (4) التهذيب ج 1 ص 208 وفي الوسائل الباب 10 من المواقيت.
[ 195 ]
وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول اخر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة من الليالي العشاء الآخرة ما شاء الله فجاء عمر فدق الباب فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) نام النساء نام الصبيان فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال ليس لكم ان تؤذوني ولا تأمروني انما عليكم ان تسمعوا وتطيعوا ". وعن ابي بصير في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا اني اخاف ان اشق على امتي لاخرت العتمة إلى ثلث الليل، وانت في رخصة إلى نصف الليل وهو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه " ورواه في الكافي عن ابي بصير (3) إلى قوله " ثلث الليل " ثم قال الكليني " وروى إلى ربع الليل ". وروى الصدوق باسناده في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) في رواية " ان وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل " قال الصدوق: وكأن الثلث هو الاوسط والنصف هو آخر الوقت. وروى في كتاب العلل عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا ان اشق على امتي لاخرت العشاء إلى نصف الليل ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا نوم الصبي وعلة الضعيف لاخرت العتمة إلى ثلث الليل ". وروى الشيخ في التهذيب في الموثق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل وذلك التضييع ".
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 21 من ابواب المواقيت. (7) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب المواقيت.
[ 196 ]
وعن زرارة (1) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس، إلى ان قال ويصلي المغرب حين تغيب الشمس فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء وآخر وقت المغرب اياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء وآخر وقت العشاء ثلث الليل.. الحديث " وفى كتاب نهج البلاغة (2) في كتاب كتبه امير المؤمنين (عليه السلام) إلى امراء البلاد، إلى ان قال: " وصلوا بهم العشاء الآخرة حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل " وروى الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: " قال الصادق (عليه السلام) إذا غابت الشمس فقد حل الافطار ووجبت الصلاة ووقت المغرب اضيق الاوقات وهو إلى حين غيبوبة الشفق ووقت العشاء من غيبوبة الشفق إلى ثلث الليل ". وفي موضع آخر من كتاب الفقه الرضوي (4) غير الموضع الذي قدمناه " ووقت العشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم إلى ربع الليل وقد رخص للعليل والمسافر فيهما إلى انتصاف الليل وللمضطر إلى قبل طلوع الفجر ". هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بالمسألة وهي - كما ترى - دائرة بين وقتين احدهما ذهاب ثلث الليل وثانيهما إلى نصف الليل، وطريق الجمع ما تقدم في غيرهما من الاوقات من جعل الاول للفضيلة كما هو المشهور أو الاختيار كما هو القول الآخر والثاني للاجزاء أو لاصحاب الاعذار والاضطرار كما هو ظاهر من سياق هذه الاخبار.
تنبيهان:
(الاول) - قال شيخنا صاحب بحار الانوار في الكتاب المذكور بعد نقل جملة من اقوال المسألة كما قدمناه: ولعل الاقوى امتداد وقت الفضيلة إلى ثلث الليل ووقت الاجزاء للمختار إلى نصف الليل ووقت المضطر إلى طلوع الفجر فان اخر
(1) الوسائل الباب 10 من المواقيت. (2) شرح ابن الحديد ج 4 ص 116. (3) البحار ج 18 الصلاة ص 60. (4) ص 7.
[ 197 ]
المختار عن نصف الليل اثم ولكنه يجب عليه الاتيان بالعشاءين قبل طلوع الفجر اداء، إلى ان قال (فان قيل) ظاهر الآية انتهاء وقت العشاءين بانتصاف الليل وإذا اختلفت الاخبار يجب العمل بما يوافق القرآن (قلنا) إذا امكننا الجمع بين ظاهر القرآن والاخبار المتنافية ظاهرا فهو اولى من طرح بعض الاخبار، وحمل الآية على المختارين الذين هم جل المخاطبين وعمدتهم يوجب الجمع بينها وعدم طرح شئ منها. واما حمل اخبار التوسعة على التقية كما فعله الشهيد الثاني (قدس سره)، ثم نقل كلامه الذي قدمناه ثم قال فهو غير بعيد لكن اقوالهم لم تكن منحصرة في اقوال الفقهاء الاربعة وعندهم في ذلك اقوال منتشرة، والحمل على التقية انما يكون في ما إذا لم يكن محمل آخر ظاهر به يجمع بين الاخبار وما ذكرناه جامع بينها. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من اشكال والاحوط عدم التأخير عن تتمة الليل بعد التجاوز عن النصف وعدم التعرض للاداء والقضاء. انتهى ملخصا. اقول: فيه (اولا) ان ما ذكره - من الحمل وجمع به بين ظاهر الآية والاخبار المنافية - ان سلم له في الآية بالنظر إلى ظاهرها لكنه لا يتم بالنظر إلى الاخبار الواردة بتفسيرها كما تلوناها عليك آنفا فان ظاهرها انحصار اوقات هذه الصلوات الاربع لجميع المكلفين من مختارين ومضطرين في ما بين الدلوك إلى الغسق سيما ما اشتمل عليه ذيل رواية العياشي من قوله: " وقال انه ينادي مناد من السماء.. إلى آخره " فانه ظاهر في خروج الوقت بالانتصاف حتى بالنسبة إلى النائم واصحاب الاضطرار عنده كالنائم وشبهه وهذه صورة الحال فيهم كما ترى ولو كان لهذا الوقت اثر لاشير إليه في شئ منها، وايضا لا ريب في ان الامتداد إلى الغسق بالنسبة إلى العشاءين انما جرى على الامتداد إلى الغروب في الظهرين وان وقع مطويا في الآية إلا ان اخبار تفسيرها نبهت عليه والامتداد الاول انما هو للاجزاء والاضطرار والاعذار على القولين المتقدمين وهكذا الثاني فتخصيصه بالاجزاء كما ادعاه دون الاضطرار نظرا إلى تلك الاخبار غير جيد، نعم يدل على ما ذكره ما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي إلا
[ 198 ]
ان الواجب حمل قوله: " وللمضطر إلى قبل طلوع الفجر " على ما حملت عليه تلك الاخبار المتقدمة لما عرفت، على ان حكمه (عليه السلام) بالترخيص للعليل والمسافر في التأخير إلى انتصاف الليل لا يوافق ما ذكروه فانهم جعلوا التحديد إلى نصف الليل للمختار وحملوه على الاجزاء كما عرفت وجعلوا وقت الامتداد إلى الفجر وقتا لاصحاب الاعذار والاضطرار فكلامه (عليه السلام) لا ينطبق على شئ من القولين كما ترى. و (ثانيا) ما عرفت في ما تقدم من استفاضة الاخبار ان لكل صلاة وقتين ومقتضى ما ذكروه ان لكل من صلاتي العشاءين ثلاثة اوقات والاخبار بما ذكرناه مستفيضة و (ثالثا) ان ما اشتملت عليه الاخبار التي ذكرناها في الوجه الرابع كما اوضحناه ثمة لا يجامع القول بهذا الوقت الذي توهموه. و (رابعا) ان اخبار العرض على مذهب العامة في مقام اختلاف الاخبار مطلقة وتخصيصها بما ذكره هنا وكذا ما اشتهر من تقديم الجمع بين الاخبار بالحمل على الاستحباب أو الكراهة يحتاج إلى دليل وليس فليس، وما ادعاه من انتشار مذهب العامة ان صح فالاكثر والجمهور انما هو على القول بالامتداد إلى الفجر كما عرفت من كلام المحقق في المعتبر ومثله العلامة في المنتهى وان اختلفوا في التخصيص بذوي الاعذار أو شمول ذلك لذوي الاختيار، وقد ورد عنهم (عليهم السلام) انه مع اختلافهم تعرض الاخبار على ما عليه جمهورهم ويؤخذ بخلافه. وبالجملة فان كلامه (قدس سره) تبعا لاولئك القائلين وتزيينه بما ذكره لا يخفى ما فيه كما لا يخفى على المتأمل النبيه.
(الثاني) - قال في المدارك وربما ظهر من بعض الروايات عدم استحباب المبادرة بالعشاء بعد ذهاب الشفق كرواية ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا اني اخاف ان اشق على امتي.. الخبر " وقد تقدم، ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المتضمنة لمجئ عمر ودق الباب. وفيه عندي
(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من ابواب المواقيت.
[ 199 ]
نظر وان كان قد تقدمه في ذلك الشهيد في الذكرى، والوجه في ذلك ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى انه (صلى الله عليه وآله) اخبر انه لولا خوف المشقة على امته لجعل فضيلة العشاء في التأخير إلى مضي ثلث الليل لكن لما كان فيه مشقة عليهم لم يفعله ولم يأمر به، لان " لولا " تدل على انتفاء الشئ الذي هو الجزاء لثبوت غيره الذي هو الشرط، وهذا لا يدل على استحباب التأخير إلى ذلك المقدار حتى يكون منافيا لما دل على افضلية اول الوقت، بل هو بالدلالة على خلافه اشبه لانه (صلى الله عليه وآله) لم يشرعه ولم يأمر به وانما هو مجرد خبر أراد به اظهار الشفقة عليهم وبيان سعة الشريعة وانها مبنية على السهولة والسماحة، ولو استلزم هذا الكلام ما ذكره للزم على رواية نصف الليل كما تقدم في رواية العلل استحباب تأخير العشاء إلى بعد الانتصاف الذي قد استفاضت الاخبار بخروج الوقت به، وبالجملة فان الغرض من الخبر انما هو ما ذكرنا فلا دلالة فيه على استحباب التأخير ان لم يكن فيه دلالة على العدم، نعم آخر الثلث هو آخر وقت الفضيلة أو الاختيار على القولين المتقدمين وما بعده إلى الانتصاف هو وقت الاجزاء على المشهور أو ذوي الاعذار على المختار، واما الرواية الثانية فالظاهر ان تأخيره (صلى الله عليه وآله) تلك الليلة بخصوصها دون سائر الليالي انما كان لعذر ويشير إلى ذلك قوله (عليه السلام) " ليلة من الليالي " لا ان ذلك كان مستمرا منه (صلى الله عليه وآله) حتى يتوهم منه ما ذكره، وربما كان التفاتهم فيما فهموه من الخبر الاول إلى انه لولا خوف المشقة لاوجب التأخير وجعل ذلك فرضا واجبا عليهم ولكنه لاجل الرأفة بهم لم يوجبه وهو يومئ إلى استحباب ذلك. وفيه ان حمل الخبر على الوجوب بعيد غاية البعد عن مفاد الاخبار المستفيضة المتكاثرة المتقدمة الصريحة الدلالة في خروج وقتها بعد مضي قدر الثلث ولا سيما اخبار نزول جبرئيل بالاوقات الدالة على ان اول وقتها غيبوبة الشفق وآخره حين يذهب ثلث الليل (1) إلا ان يقال انه كان يريد نسخ ذلك في هذه الفريضة بخصوصها
(1) ص 127.
[ 200 ]
والاقرب انه انما اراد جعل ذلك وقت فضيلة لها لا وقت وجوب ولكنه للعلة المذكورة لم يجعله. والله العالم.
(المسألة الثانية عشرة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل كافة العلماء في ان اول وقت صلاة الصبح هو طلوع الفجر الثاني وهو المستطير في الافق اي المنتشر فيه الذي لا يزال في زيادة، ويقابله الفجر الاول وهو الذي يبدو كذنب السرحان مستدقا مستطيلا إلى فوق، ويسمى هذا الكاذب لعدم دلالته على الصبح واقعا وذاك يسمى الصادق لصدقه عن الصبح. والمستند في ما ذكرناه الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن علي بن مهزيار (1) قال: " كتب أبو الحسن بن الحصين إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) معي: جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الاول المستطيل في السماء، ومنهم من يصلي إذا اعترض في اسفل الافق واستبان ولست اعرف افضل الوقتين فاصلي فيه فان رأيت ان تعلمني افضل الوقتين وتحده لي وكيف اصنع مع القمر والفجر لا يتبين معه حتى يحمر ويصبح وكيف اصنع مع الغيم وما حد ذلك في السفر والحضر فعلت ان شاء الله تعالى ؟ فكتب بخطه وقرأته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الابيض المعترض ليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تتبينه فان الله تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر.. " (2) فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل والشرب في الصوم وكذلك هو الذي توجب به الصلاة ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (3)
(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب المواقيت. (2) سورة البقرة، الآية 183.
[ 201 ]
قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي ركعتي الصبح وهي الفجر إذا اعترض الفجر واضاء حسنا ". وعن علي بن عطية في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الصبح هو الذي إذا رأيته معترضا كأنه بياض سورى ". وعن هشام بن الهذيل عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن وقت صلاة الفجر فقال حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سورى ". وعن يزيد بن خليفة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " وقت الفجر حين يبدو حتى يضئ " إلى غير ذلك من الاخبار الآتي جملة منها ان شاء الله تعالى في المقام. وبالجملة فانه لا خلاف في الحكم المذكور نصا وفتوى وانما الخلاف في آخره فالمشهور ان آخره طلوع الشمس وبه قال السيد المرتضى وابن الجنيد والشيخ المفيد وسلار وابن البراج وابو الصلاح وابن زهرة وابن ادريس وعليه جمهور المتأخرين، وقال ابن ابي عقيل آخره للمختار طلوع الحمرة المشرقية وللمضطر طلوع الشمس وهو اختيار ابن حمزة، وللشيخ قولان: احدهما كالقول الاول ذهب إليه في الجمل والاقتصاد، والثاني كمذهب ابن ابي عقيل اختاره في المبسوط والخلاف. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ". وعن عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " في الرجل إذا غلبته عيناه أو عاقه امر ان يصلي المكتوبة من الفجر ما بين ان يطلع الفجر إلى
(1) و (2) الوسائل الباب 27 من المواقيت. (3) و (4) الوسائل الباب 26 من المواقيت. (5) رواه في الوسائل في الباب 26 و 30 من المواقيت.
[ 202 ]
ان تطلع الشمس وذلك في المكتوبة خاصة فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته ". وعن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تفوت الصلاة من اراد الصلاة، إلى ان قال ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسى أو نام ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسى أو سها أو نام.. الحديث ". وما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح أو الحسن عن عاصم بن حميد عن ابي بصير ليث المرادي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر ؟ فقال إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر. قلت أفلسنا في وقت إلى ان يطلع شعاع الشمس ؟ قال هيهات اين يذهب بك ؟ تلك صلاة الصبيان ". وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير المكفوف (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام ؟ فقال إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء. قلت فمتى تحل الصلاة ؟ فقال إذا كان كذلك. فقلت ألست في وقت من تلك الساعة إلى ان تطلع الشمس ؟ فقال لا انما نعدها
(1) الوسائل الباب 10 من المواقيت. (2) و (3) الوسائل الباب 26 من المواقيت. (4) الوسائل الباب 27 من المواقيت. (5) الوسائل الباب 28 من المواقيت.
[ 203 ]
صلاة الصبيان، ثم قال انه لم يكن يحمد الرجل ان يصلي في المسجد ثم يرجع فينبه اهله وصبيانه " وفي كتاب الفقه الرضوي (1) قال (عليه السلام): " اول وقت الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق وهو بياض كبياض النهار وآخر وقت الفجر ان تبدو الحمرة في افق المغرب وقد رخص للعليل والمسافر والمضطر إلى قبل طلوع الشمس ". وفي كتاب دعائم الاسلام (2) وعنه - يعني عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) - قال: " اول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق وآخر وقتها ان يحمر افق المغرب وذلك قبل ان يبدو قرن الشمس من افق المشرق بشئ ولا ينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر واول الوقت افضل ". هذا ما حضرني من الاخبار الواردة في المسألة، وانت خبير بان مقتضى الجمع بينها بضم مطلقها إلى مقيدها هو ان الحكم في هذه الصلاة كغيرها من الصلوات المتقدمة في ان لها وقتين فعلى المشهور الوقت الاول للفضيلة والثاني للاجزاء وعلى القول الآخر الوقت الاول للمختار والثاني لاصحاب الاعذار والاضطرار، وهذا هو الذي تنادي به عبارات هذه الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار والتقط من لذيذ هذه الثمار. واما ما ذكره في المدارك بناء على اختياره القول المشهور وتبعه من تبعه عليه حيث قال بعد نقل القولين: والمعتمد الاول، لنا اصالة عدم تضيق الواجب قبل طلوع الشمس وما رواه الشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة، ثم اورد موثقته المتقدمة الدالة على الامتداد إلى طلوع الشمس ثم رواية زرارة المتقدمة الدالة على ذلك ايضا ثم قال وعن الاصبغ بن نباتة (3) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة " ويمكن ايضا ان يستدل بصحيحة علي بن يقطين (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر
(1) ص 2. (2) المستدرك الباب 20 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 30 من المواقيت. (4) الوسائل الباب 51 من المواقيت.
[ 204 ]
الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما ؟ قال يؤخرهما " وجه الدلالة ان ظاهر هذا الخبر امتداد الوقت إلى ما بعد الاسفار وظهور الحمرة وكل من قال بذلك قال بامتداده إلى طلوع الشمس، ثم قال احتج الشيخ (قدس سره) على انتهائه للمختار بالاسفار بما رواه في الحسن عن الحلبي، ثم ساق الرواية كما قدمناه ثم اردفها بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، ثم قال والجواب منع دلالة الروايتين على خروج وقت الاختيار بذلك فان لفظ " لا ينبغي " ظاهر في الكراهة، وجعل ما بعد الاسفار لمن شغل يقتضي عدم فوات وقت الاختيار بذلك فان الشغل اعم من الضروري، وبالجملة فاقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة بذلك لا وقت الاختيار. انتهى - ففيه نظر من وجوه: (الاول) ان مرجع الاصل الذي تمسك به على عدم تضيق الواجب قبل طلوع الشمس إلى عموم الدليل الدال على ان وقت الصبح من الفجر الثاني إلى طلوع الشمس وهي الروايات التي استند إليها. وفيه ان من منع من الامتداد إلى طلوع الشمس وجعل نهاية وقته الاسفار وظهور الحمرة كما دلت عليه اخباره التي استند إليها لا يرد عليه هذا الكلام، لان الاوقات الشرعية لما كانت محدودة بحدود مقررة فكل من ثبت عنده حد معين لا يجوز تجاوزه ووجب عليه القول به والانتهاء إليه والثابت عند اصحاب هذا القول هو التحديد بالاسفار وانتشار الصبح، وحينئذ فلا وجه لهذه الاصالة وهل هي إلا نوع مصادرة ؟ على ان غاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هو كون ذلك وقتا في الجملة كما تقدم بيانه ويكفي في صدق ذلك كونه وقتا لذوي الاعذار كما صرحت به الاخبار، وبالجملة فالاخبار في المسألة ما بين مطلق ومقيد وطريق الجمع الواضحة حمل مطلقها على مقيدها. (الثاني) ان ما استند إليه من الاخبار التي ذكرها واعتمد في الاستدلال عليها كلها ضعيفة السند باصطلاحه وهو يردها لو كانت من طريق الخصم كما هو المعلوم من عادته بل يرد الاخبار الحسنة فضلا عن الموثقة فكيف يسوغ منه الاستدلال بها
[ 205 ]
والاعتماد عليها ؟ مع ان ما قابلها اصح سندا كما اعترف به واوضح دلالة وما طعن به في دلالتها فسيظهر لك ما فيه، على ان وصفه رواية عبيد بن زرارة بانها موثقة - وان تبعه في ذلك شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين - غفلة منه (قدس سره) وممن تبعه حيث ان في طريقها علي بن يعقوب الهاشمي وهو غير موثق. (الثالث) - ان ما اورده من رواية الاصبغ بن نباتة وصحيحة علي بن يقطين في المقام مدخول بان الاولى ظاهرة في ذوي الاعذار إذ التأخير إلى ان يفوت الوقت حتى لم يبق إلا قدر ركعة لا يكون إلا لذلك فالرواية ليست من محل البحث في شئ، واما الثانية فمع الاغماض عن حملها على ذوي الاعذار فان الاستدلال بها مبني على حجية هذا الاجماع المتناقل في كلامهم والمتداول على رؤوس اقلامهم مركبا أو بسيطا، وهو من جملة من طعن فيه في غير موضع من تحقيقاته بل ذكر في صدر كتابه انه صنف في ذلك رسالة فكيف يحتج به ههنا ؟ ولكنه جار على احتجاجه بالروايات الضعيفة كما ذكرناه وكل ذلك مجازفة ظاهرة. ومع الاغماض عن جميع ذلك فالظاهر - كما تقدم تحقيقة سابقا - ان هؤلاء القائلين بكون الوقت الاول وقتا للمختار دون غيره لا يريدون به انه لو خرج وجب الاتيان بالصلاة قضاء كما لو طلعت الشمس اتفاقا وانما يريدون به استحقاق المؤاخذة من الله تعالى وكونه تحت المشيئة ان شاء الله سبحانه قبل صلاته بفضله ورحمته وان شاء ردها عليه وهذا لا ينافي كون الوقت الباقي وقتا له ايضا على النحو المذكور، نعم هو وقت حقيقي لذوي الاعذار لا يستحقون المؤاخذة على التأخير إليه بسبب العذر. وبذلك يظهر لك ايضا ما في كلام شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين من ترجيحه القول المشهور وقوله: والحديث السابع نص فيه، واشار به إلى رواية عبيد بن زرارة التي عدها موثقة تبعا لصاحب المدارك وايدها برواية زرارة ورواية الاصبغ بالتقريب الذي ذكره في المدارك. وفيه ما عرفت. (الرابع) - ان ما طعن به على صحيحتي الحلبي وعبد الله بن سنان - وان
[ 206 ]
وصف الاولى بكونها حسنة فان ذلك انما هو بابراهيم بن هاشم الذي قد عرفت ان عد حديثه في الصحيح كما عليه جملة من محققي متأخري المتأخرين هو الصحيح - باعتبار لفظ " لا ينبغي " بانه ظاهر في الكراهة فمردود بما تقدم تحقيقه في غير مقام من ان هذا الظهور انما هو باعتبار عرف الناس واما باعتبار عرف الائمة (عليهم السلام) وما وردت به اخبارهم فاستعمال هذا اللفظ في التحريم كما ان استعمال " ينبغي " في الوجوب اكثر من ان يحصى كما انه ربما استعمل ايضا في المعنى المشهور. والتحقيق ان الحمل على احد المعنيين يحتاج إلى قرينة في البين لان اللفظ من الالفاظ المشتركة في كلامهم (عليهم السلام) والقرينة في الحمل على المعنى الذي ندعيه ظاهرة من الاخبار الاخر كصحيحة ابي بصير برواية الفقيه وموثقته برواية التهذيب وموثقة عمار المتقدم ذلك كله، فان الجميع ظاهر في ان الامتداد إلى طلوع الشمس انما هو لاصحاب الاعذار دون اصحاب الاختيار وعليها تحمل الصحيحتان المذكورتان. واما ما ذكره من حمل الشغل على ما هو اعم من الضروري ففيه ان المفهوم من الاخبار - وبه صرح المحدث الكاشاني في الوافي ايضا - ان الشغل الذي هو من جملة الاعذار لا يختص بالضروري حتى انه بالحمل على غير الضروري يجامع الاختيار، فان المستفاد منها انه يكفي الشغل الذي يكون عذرا في التأخير إلى الوقت الثاني عدم حصول التوجه والاقبال على الصلاة لو صلى في الوقت الاول كما في روايات عمر بن يزيد الثلاث المتقدمة في وقت المغرب (1). (الخامس) - قوله: " وبالجملة فاقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة " فانه مما يقضى منه العجب حيث انه (عليه السلام) قد صرح في هذين الخبرين بان هذا الوقت الاخير انما هو لهؤلاء المعدودين وهم اصحاب الاعذار ومثلهما روايات ابي بصير وعمار، والجميع ظاهر في انه ليس وقتا لغيرهم من اصحاب الاختيار، فكيف يتم ما ادعاه من ان اقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة ؟ واي مجال هنا
(1) ص 179.
[ 207 ]
لذكر الفضيلة والاجزاء الذي ذهبوا إليه، واي اشارة فضلا عن الظهور في الدلالة عليه ؟ وبذلك يظهر لك ما في كلامه (قدس سره) من المجازفة في المقام والخروج عن جادة التحقيق الظاهر لذوي الافهام.
وينبغي التنبيه على امور:
(الاول) اعلم انه قد تضمن جملة من الاخبار استحباب تأخير صلاة الصبح إلى الاسفار والاضاءة من الفجر لا بمعنى الاسفار الذي تقدم كونه وقتا لذوي الاعذار وهو ان يتجلل الصبح السماء بل بمعنى الاضاءة في الجملة المقابل للتغليس كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابي بصير " إذا اعترض فكان كالقبطية البيضاء " ونحوه في موثقته وقوله في صحيحة زرارة المتقدمة " إذا اعترض الفجر واضاء حسنا " وفى حسنة علي بن عطية " معترضا كأنه بياض سورى " وروى في كتاب الهداية مرسلا (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) حين سئل عن وقت الصبح فقال حين يعترض الفجر ويضئ حسنا " وروى في البحار (2) عن كتاب العروس باسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: " صل صلاة الغداة إذا طلع الفجر واضاء حسنا " وجملة اخرى تتضمن استحباب التغليس بها مثل رواية اسحاق بن عمار (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اخبرني عن افضل المواقيت في صلاة الفجر فقال مع طلوع الفجر ان الله يقول: " وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا " (4) يعني صلاة الفجر يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار فإذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر اثبتت له مرتين اثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار " وما رواه الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق الخلقاني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " انه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق اول ما يبدو قبل ان يستعرض وكان يقول: وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا، ان ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع
(1) و (2) البحار ج 18 الصلاة ص 64. (3) و (5) الوسائل الباب 28 من المواقيت. (4) سورة بني اسرائيل، الآية 80.
[ 208 ]
الفجر فانا احب ان تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي " وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " سأل يحيى بن اكثم القاضي ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار وانما يجهر في صلاة الليل ؟ فقال لان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يغلس بها فقربها من الليل " ونقل في الذكرى انه روى " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلي الصبح فينصرف النساء وهن متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس " (2) اقول: لعل هذه الرواية من طريق العامة فاني لم اقف عليها في اخبارنا بعد الفحص من البحار وغيره. ولعل وجه الجمع بين هذه الاخبار هو ان الافضل ما دلت عليه هذه الاخبار الاخيرة من التغليس للعلة المذكورة في بعضها ولما دل على فضل اول الوقت، ويحتمل حمل الاخبار الاول على استحباب التأخير لمن لا يدرك الفرق بين الفجرين إلا بذلك ويشتبه عليه الحال في مبدأ الامر، لكن ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على انه (صلى الله عليه وآله) كان يصلي ركعتي الصبح إذا اعترض الفجر فاضاء حسنا ربما نافر ذلك إلا ان يخص ببعض الاوقات التي يحصل فيها الاشتباه لا دائما. وجمع في المنتقى بين الاخبار المذكورة بحمل مطلق الاخبار على مقيدها، قال والذي تقتضيه القواعد هنا حمل الاخبار المطلقة على المقيدة. اقول: فيه ان ما ذكره جيد بالنسبة إلى ما عدا حديث المجالس حيث تضمن اول ما يبدو قبل ان يستعرض ولكن العذر له (قدس سره) واضح حيث لم يطلع عليه، ثم قال ولولا التصريح في بعض اخبار التقييد بان افضل الوقت مع طلوع الفجر لاتجه حمل اخبار الطلوع والانشقاق على ارادة وقت الاجزاء واخبار الاضاءة على الفضيلة بنحو ما ذكر في سائر الفرائض ونفى البأس في صحيحة محمد بن مسلم يشعر بهذا المعنى ايضا، ولو اقتصرنا في العمل على الصحيح الواضح وقطعنا النظر عما سواه كان الجمع بهذا الوجه متعينا. انتهى.
(1) الوسائل الباب 25 من القراءة. (2) صحيح مسلم ج 1 ص 239 و 240.
[ 209 ]
اقول: ما ذكره (قدس سره) من هذا الحمل لولا تصريح الخبر المشار إليه بما ذكره مردود بما اوضحنا سابقا في المسألة الرابعة بكلامنا على كلامه ونقض ابرامه وهو الذي اشار إليه هنا بقوله: " بنحو ما ذكر في سائر الفرائض " واشار بالصحيح الواضح إلى صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة على ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلي ركعتي الصبح إذا اعترض الفجر واضاء حسنا. وكيف كان فما دلت عليه هذه الصحيحة من صلاته (صلى الله عليه وآله) في هذا الوقت المذكور فيها لا يخلو من مدافعة لما دلت عليه مرسلة الفقيه المتقدمة إلا ان يحمل ذلك على بعض الاوقات دون بعض.
(الثاني) - لا يخفى ان خبر ابي بصير المتقدم قد قيده في الفقيه بكونه ليث المرادي والشيخ قيده بكونه المكفوف والكليني في الكافي قد رواه في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير واطلق وساق الحديث بنحو ما ذكره الصدوق إلا انه قال: " متى يحرم الطعام والشراب " وقال في آخره: " اين تذهب تلك صلاة الصبيان " وصاحب المنتقى قد جعل اختلاف المشايخ الثلاثة في ابي بصير - بالاطلاق من بعض والتقييد بالثقة من آخر وبالضعيف عندهم من ثالث - موجبا للعلة في الخبر المذكور فقال انه لا وثوق مع هذا الاختلاف بصحة ما في كتاب من لا يحضره الفقيه من التفسير ليتم حسنه. انتهى. اقول: قد اشتهر في كلام جماعة من المحدثين تعيين ابي بصير مع الاطلاق وتفسيره بليث المرادي متى كان الراوي عنه عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان، وبمقتضى ذلك يجب ان يحمل ما ذكره الكليني من الاطلاق على المرادي الثقة ويترجح به كلام صاحب الفقيه، مضافا إلى ما علم من الشيخ من السهو الزائد في متون الاخبار واسانيدها وحينئذ فيقوى الاعتماد على الخبر المذكور وتزول العلة والمحذور.
(الثالث) - قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين في شرح قوله (عليه السلام) في حسنة علي بن عطية " كأنه بياض سورى ": وسورى على وزن بشرى موضع بالعراق من ارض بابل والمراد ببياضها نهرها كما في رواية هشام
[ 210 ]
ابن الهذيل عن الكاظم (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. وقال في حاشية الكتاب: النباض بالنون والباء الموحدة وآخره ضاد معجمة اصله من " نبض الماء إذا سال " وربما قرى بالباء الموحدة والياء المثناة من تحت. انتهى. اقول: وقد نسب جملة من علماء الاجازة إلى هذه القرية كما ذكر في الاجازات ويشير إليها حديث جويرية بن مسهر في رد الشمس على امير المؤمنين (عليه السلام) لما رجع من قتال الخوارج (1) وظاهر كلام شيخنا المذكور ان الرواية المشهورة بين المحدثين بالنون والباء. وقال (قدس سره) في الكتاب المذكور: والقبطية بكسر القاف واسكان الباء الموحدة وتشديد الياء منسوبة إلى القبط ثياب تتخذ بمصر. انتهى: وقال في كتاب المصباح المنير: القبط بالكسر نصارى مصر الواحد قبطي على غير القياس، والقبطي بالضم ثوب من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة إلى القبط على غير القياس فرقا بين الانسان والثوب وثياب قبطية بالضم ايضا وجبة قبطية والجمع قباطي. انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: في الحديث " الفجر الصادق هو المعترض كالقباطي " بفتح القاف وتخفيف الموحدة قبل الالف وتشديد الياء بعد الطاء المهملة: ثياب بيض رقيقة تجلب من مصر واحدها قبطي بضم القاف نسبة إلى القبط بكسر القاف وهم اهل مصر، والتغيير في النسبة هنا للاختصاص كما في الدهرى بالضم نسبة إلى الدهر بالفتح، وهذا التغيير انما اعتبر في الثياب فرقا بين الانسان وغيره فاما في الناس فيبنى على اعتبار الاصل فيقال رجل قبطي وجماعة قبطية بالكسر لا غير. انتهى.
(الرابع) - قال شيخنا العلامة (قدس سره) في كتاب المنتهى: اعلم ان ضوء النهار من ضيا الشمس وانما يستضئ بها ما كان كمدا في نفسه كثيفا في جوهره كالارض والقمر واجزاء الارض المتصلة والمنفصلة، وكل ما يستضئ من جهة الشمس فانه يقع له ظل من ورائه، وقد قدر الله تعالى بلطيف حكمته دوران الشمس حول الارض فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الارض على شكل مخروط ويكون الهواء المستضئ بضياء
(1) ج 9 ص 550.
[ 211 ]
الشمس محيطا بجوانب ذلك المخروط فيستضئ نهايات الظل بذلك الهواء المضئ، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار فلا ينفذ كثيرا في اجزاء المخروط بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا فاذن متى يكون في وسط المخروط يكون في اشد الظلام، فإذا قربت الشمس من الافق الشرقي مال مخروط الظل عن سمت الرأس وقربت الاجزاء المستضيئة من حواشي الظل بضياء الهواء من البصر وفيه ادنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح، وعلى هذا كلما ازدادت الشمس قربا من الافق ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر إلى ان تطلع الشمس، واول ما يظهر الضوء عند الصباح يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود ويسمى الصبح الكاذب والاول ويشبه بذنب السرحان لدقته واستطالته، ويسمى الاول لسبقه على الثاني والكاذب لكون الافق مظلما اي لو كان يصدق انه نور الشمس لكان المنير مما يلي الشمس دون ما يبعد منه ويكون ضعيفا دقيقا ويبقى وجه الارض على ظلامه بظل الارض، ثم يزداد هذا الضوء إلى ان يأخذ طولا وعرضا فينبسط في عرض الافق كنصف دائرة وهو الفجر الثاني الصادق لانه صدقك عن الصبح وبينه لك والصبح ما جمع بياضا وحمرة، ثم يزداد الضوء إلى ان يحمر الافق ثم تطلع الشمس. انتهى كلامه زيد اكرامه. وجميع ما ذكره (قدس سره) مبني على قواعد علماء الهيئة والفلك، وقد اوضح بعض ما فيه شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين. إلا ان اخبار اهل البيت (عليهم السلام) ترده كما لا يخفى على من احاط بها خبرا من مظانها ولا سيما بالنسبة إلى ما يدعونه من ان السماء محيطة بهذه الارض التي نحن عليها وانها كالكرة في بطنها والشمس تجري في السماء من تحتنا وان نور القمر مستفاد من نور الشمس ونحو ذلك، ولتحقيق المقام محل اليق. وهذا البحث وان لم يكن من شأن الفقيه ولا تعلق له بالفقه إلا انا جرينا في نقل هذا الكلام على ما ذكره شيخنا المشار إليه ومن تبعه من الاعلام.
<>