تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السادس


 المقصد الثالث

في الأحكام

وفيه ايضا مسائل:

(الاولى) المشهور بين الاصحاب وجوب الصلاة في الاوقات المحدودة في الاخبار المتقدمة وجوبا موسعا من اول الوقت إلى آخره لا يتضيق إلا بظن الوفاة، ونقل في المنتهى عن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قال: ان اخرها ثم اخترم في الوقت قبل ان يؤديها كان مضيعا لها وان بقى حتى يؤديها في آخر الوقت أو فيما بين الاول والآخر عفى عن ذنبه. قال في المنتهى وفيه تعريض بالتضيق ثم نقل عنه انه قال في موضع آخر: ان اخرها لغير عذر كان عاصيا ويسقط عقابه لو فعلها في بقية الوقت. ونقل في المختلف عن الشيخ انه قال الصلاة تجب في اول الوقت وجوبا موسعا والافضل تقديمها في اول الوقت، قال ومن اصحابنا من قال تجب باول الوقت وجوبا مضيقا الا انه متى لم يفعله لم يؤاخذ به عفوا من الله تعالى والاول ابين في المذهب. ثم نقل في المختلف ايضا عن الشيخ المفيد ما نقله عنه اولا


[ 255 ]

في المنتهى ثم قال وهو يشعر بالتضيق، ثم نقل عن ابن ابي عقيل انه قال ان اخر الصحيح السليم الذي لا علة به من مرض ولا غيره ولا هو مصل سنة صلاته عامدا من غير عذر إلى آخر الوقت فقد ضيع صلاته وبطل عمله وكان عندهم إذا صلاها في آخر وقتها قاضيا لا مؤديا للفرض في وقته. ثم نقل في المختلف عن الشيخ المفيد انه احتج بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لكل صلاة وقتان واول الوقت افضله وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر " ثم قال: والجواب ان الحديث يدل على ان التقديم من باب الاولى لا انه واجب وجوبا مضيقا. انتهى. اقول: لا يخفى انه قد تقدم منا ما هو التحقيق في المقام وبيان ما فيه من ابرام النقض ونقض الابرام، وقد ذكرنا ان ما نسبوه للشيخ المفيد من القول بالتضيق ليس في محله وانما كلامه (قدس سره) وقع على نهج الاخبار المستفيضة في المسألة من ان لكل صلاة وقتين وان الوقت الثاني انما هو لذوي الاعذار والاضطرار وان من اخر الصلاة إليه ولم يكن كذلك كان تحت المشيئة لا يجب على الله تعالى قبول عمله ان شاء عذبه وان شاء عفى عنه. وهو ظاهر في حصول العصيان بالتأخير وان وقعت الصلاة اداء. ونحوه كلام ابن ابي عقيل إلا انه بالغ في ذلك بنسبته إلى ابطال العمل وكونه قاضيا للفرض لا مؤديا. وبالجملة فان ما ذكره شيخنا المفيد هو الذي تكاثرت به الاخبار المتقدمة كما اوضحناه بما لا مزيد عليه، ومراده باول الوقت يعني الوقت الاول من الوقتين اللذين دلت الاخبار عليهما بالنسبة إلى كل صلاة.

(المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه هل يجوز صلاة النافلة مبتدأة أو قضاء عن راتبة بعد دخول وقت الفريضة ام لا ؟ جزم الشيخان بالمنع وبه صرح المحقق في المعتبر واسنده إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه،


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب المواقيت.


[ 256 ]

واختاره العلامة في جملة من كتبه، وصرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض بانه المشهور بين المتأخرين. واختار شيخنا الشهيد في الذكرى الجواز وهو ظاهر الشهيد الثاني في الروض وتبعهما عليه جملة من متأخري المتأخرين: منهم - السيد السند في المدارك والمحدث الكاشاني في المفاتيح والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهم. والمعتمد هو القول الاول. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - صحيحة زرارة المتقدمة قريبا (1) وقوله (عليه السلام) فيها " أتريد ان تقايس ؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع ؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة ". وصحيحته الثانية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) " انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلوات لم يصلها أو نام عنها ؟ فقال يقضيها إذا ذكرها، إلى ان قال (عليه السلام) ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها ". وصحيحة ثالثة له ايضا رواها في الذكرى وسيأتي نقلها كملا ان شاء الله في المسألة الآتية (3) وفيها " إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة ". وصحيحة رابعة له نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض (4) والسيد السند في المدارك وشيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين ولم اقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الاربعة ولا كتاب الوسائل الذي زاد فيه على ما في الكتب الاربعة ولكن كفى بالناقلين المذكورين حجة، والظاهر ان من تأخر عن شيخنا الشهيد الثاني انما اخذها عنه، وهي ما رواه زرارة في الصحيح قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اصلي نافلة وعلى فريضة أو في وقت فريضة ؟ قال لا انه لا تصلى نافلة في وقت فريضة أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك ان تتطوع حتى تقضيه ؟ قال قلت لا.


(1) ص 243. (2) و (3) الوسائل الباب 61 من المواقيت. (4) ص 184 وفي الوافي في باب (كراهة التطوع في وقت الفريضة) عن الحبل المتين.


[ 257 ]

قال فكذلك الصلاة. قال فقايسني وما كان يقايسني ". ورواية زياد بن ابي عتاب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرك ان تترك ما قبلها من النافلة ". وحسنة نجية (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) تدركني الصلاة أو يدخل وقتها علي فابدأ بالنافلة ؟ قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) لا ولكن ابدأ بالمكتوبة واقض النافلة ". وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة - والرواية كما ترى صحيحة - عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " لا تصل من النافلة شيئا في وقت الفريضة فانه لا تقضى نافلة في وقت فريضة فإذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة ". وما رواه الصدوق في كتاب الخصال باسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الاربعمائة (4) قال: " لا يصلي الرجل نافلة في وقت الفريضة إلا من عذر ولكن يقضي بعد ذلك إذا امكنه القضاء قال الله تعالى " الذين هم على صلاتهم دائمون " (5) إلى ان قال لا يقضى النافلة في وقت الفريضة ابدأ بالفريضة ثم صل ما بدا لك ". ورواية ابي بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (6) قال: " إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع ". ورواية اديم بن الحر (7) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت الفريضة. قال وقال إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها ". وموثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (8) قال: " قال لي رجل من اهل المدينة يا ابا جعفر ما لي لا اراك تتطوع بين الاذان والاقامة كما يصنع


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 35 من المواقيت. (5) سورة المعارج، الآية 23.


[ 258 ]

الناس ؟ فقلت انا إذا اردنا ان نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع ". هذا ما حضرني من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا لهذا القول المذكور وهي ظاهرة الدلالة عليه تمام الظهور وجملة منها صحيح باصطلاحهم المشهور. إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ان نقل هذا القول قال: واستدلوا عليه برواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي رجل من اهل المدينة.. إلى آخر الخبر كما قدمناه ثم ذكر بعدها روايتي ابي بكر الحضرمي واديم بن الحر المذكورتين، ثم قال وفى الجميع قصور من حيث السند باشتمال سند الرواية الاولى والاخيرة على الطاطري وعبد الله بن جبلة وهما واقفيان وعدم ثبوت توثيق ابي بكر الحضرمي، نعم روى زرارة في الصحيح، ثم ساق صحيحته الرابعة التي نقلناها عن الروض وقال بعدها: ويمكن حمل هذه الروايات على الافضلية كما تدل عليه حسنة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا دخل وقت الفريضة اتنفل أو ابدأ بالفريضة ؟ فقال ان الفضل ان تبدأ بالفريضة وانما اخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من اجل صلاة الاوابين " وموثقة سماعة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى اهله أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع ؟ فقال ان كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة وان خاف فوت الوقت من اجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة وهو حق الله تعالى ثم ليتطوع بما شاء " ثم قال ويمكن الجمع بينها ايضا بتخصيص النهي الواقع عن التنفل بعد دخول وقت الفريضة بما إذا كان المقيم قد شرع في الاقامة كما تدل عليه صحيحة عمر بن يزيد (3) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي ان يتطوع في وقت


(1) الوسائل الباب 36 من المواقيت. (2) و (3) الوسائل الباب 35 من المواقيت.


[ 259 ]

فريضة ما حد هذا الوقت ؟ قال إذا اخذ المقيم في الاقامة. فقال له الناس يختلفون في الاقامة ؟ قال المقيم الذي تصلي معه " انتهى. واستدل في الذكرى لما اختاره من القول الثاني بموثقة سماعة المذكورة، وما رواه في الكافي عن اسحاق بن عمار (1) قال: " قلت اصلي في وقت فريضة نافلة ؟ قال نعم في اول الوقت إذا كنت مع امام تقتدي به فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة " وعن محمد بن مسلم، ثم ساق روايته المتقدمة الدالة على ان الفضل ان تبدأ بالفريضة، ثم نقل عن المانعين انهم احتجوا برواية ابي بكر الحضرمي ورواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) " لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها " وما روى عنهم (عليهم السلام) (3) " لا صلاة لمن عليه صلاة " ثم قال: والجواب لما تعارضت الروايات وجب الجمع بالحمل على الكراهة في هذا النهي وبنفي الصلاة الكاملة في الخبر الثاني، وقد ذكر فيما تقدم التصريح بان قاضي الفريضة يصلي امامها نافلة ركعتين وان النبي (صلى الله عليه وآله) فعل ذلك، قال الكليني والصدوق (قدس سرهما): الله انام النبي (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الصبح رحمة للامة. انتهى. وفى الروض استدل للقول المشهور بقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لا صلاة لمن عليه صلاة " وبخبر زرارة الذي ذكره في الذكرى، ثم استدل لما اختاره من الجواز برواية سماعة ورواية اسحاق بن عمار المتقدم ذكرهما عن الذكرى ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس فقال يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة " وعن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (5) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذه حر الشمس فركع ركعتين ثم صلى الصبح " ثم ذكر صحيحة زرارة التي قدمنا نقلها


(1) الوسائل الباب 35 من المواقيت. (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 61 من المواقيت. (3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 46 من المواقيت عن النبي (صلى الله عليه وآله).


[ 260 ]

عنه آنفا، ثم حمل اخبار النهي على الكراهة جمعا. اقول - وبالله الثقة - لا يخفى عليك بعدما تلوناه من اخبار القول المشهور ما في كلامهم في المقام من القصور وذلك من وجوه: (الاول) - انه من القواعد المتكررة في كلامهم والمتداولة على رؤوس اقلامهم انهم لا يجمعون بين الاخبار إلا مع التكافؤ في الاسانيد وإلا فتراهم يطرحون الضعيف ويعملون على الصحيح، ومن قواعدهم ايضا انه مع حصول الترجيح في احد الجانبين فانهم يعملون بالراجح ويجعلون التأويل في جانب المرجوح، ومقتضى هاتين القاعدتين هو العمل بما ذكرناه من الاخبار الدالة على القول المشهور لصحه كثير منها كما عرفت وكثرتها وصراحتها وضعف ما قابلها سندا وعددا ودلالة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى ولكنهم (رضوان الله عليهم) لجمودهم على ما حضرهم من الاخبار وعدم التتبع لروايات المسألة كما هو حقه عكسوا القضية في الموضعين، والعجب من صاحب المدارك انه يطعن على روايتي محمد بن مسلم واديم بن الحر باشتمالهما على الطاطري وعبد الله بن جبلة مع انهما ثقتان فحديثهما معدود في الموثق وان كان الموثق عنده من قسم الضعيف ثم يستدل بموثقة سماعة ويصفها بكونها موثقة مع ذكره تلك الروايتين بعنوان رواية فلان ايذانا بضعفهما وسؤال الفرق متجه، مع ان رواية سماعة قد اشتمل طريقها على عثمان بن عيسى الذي قد علم من طريقته عد حديثه في الضعيف زيادة على سماعة، فان كان الخبر الموثق يصلح دليلا شرعيا فلا معنى لرده الخبرين المذكورين وإلا فلا معنى لتعلقه بخبر سماعة، ولكن اصحاب هذا الاصطلاح لضيق الخناق ولا سيما السيد المذكور لا يقفون على قاعدة ولا ضابطة (الوجه الثاني) - ما عرفت في غير مقام مما تقدم من ان ما اصطلحوا عليه في الجمع بين الاخبار بحمل النهي على الكراهة والامر على الاستحباب قاعدة لم يرد بها نص ولا كتاب وان اتخذوها قاعدة كلية في جميع الابواب، وكيف لا وقد صرحوا في الاصول بان النهي حقيقة في التحريم والامر حقيقة في الوجوب، فحمل كل منهما


[ 261 ]

على خلاف ذلك مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، وايضا فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل النص أو الظاهر في ذلك كغيره من الوجوب والتحريم وإلا لكان قولا على الله تعالى بغير دليل، ومجرد وجود المعارض ليس بدليل على ذلك إذ يمكن ان يكون له معنى آخر لا ينافي التحريم والوجوب من تقية ونحوها أو معنى غير ما فهموه كما سيظهر لك في اخبار هذا المقام. (الثالث) - ان الاخبار التي استندوا إليها في الدلالة لا ظهور لها فيما ذكروه ولا وضوح فيها لما اعتبروه. وتحقيق الكلام في المقام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام) وبه يرتفع التنافي بين الاخبار على وجه واضح المنار ان نقول يجب ان يعلم: (اولا) - انه لا يخفى ان المستفاد من الاخبار التي قدمناها هو المنع من النافلة مطلقا وان كانت راتبة متى خرج وقتها الموظف لها شرعا ودخل وقت فريضتها، وجل الروايات الواردة بهذا المعنى عند التأمل في مضامينها انما وردت بالنسبة إلى الراتبة وجواز مزاحمة الفريضة بها وعدمه وان استفيد من ظاهرها العموم، وذلك فان الراتبة في الظهرين لها جزء معلوم من وقت الفريضة بخروجه يمتنع اداؤها ويتحتم تقديم الفريضة وهو الذراع والذراعان أو القدمان والاربعة اقدام كما تقدم بيانه موضحا مشروحا، وان الاشارة في بعض الروايات بوقت الفريضة الممنوع من التطوع فيه انما هو إلى ما بعد ذلك الجزء الذي تختص به النافلة، ومن ذلك يعلم ان المراد بالتطوع الممنوع منه في امثال ذلك انما هو النافلة الراتبة وامتناع غيرها يكون بطريق اولى، وجملة منها عامة دالة بعمومها على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة راتبة أو غيرها. و (ثانيا) - انه لا يخفى ان اطلاق وقت الظهر على هذا الوقت المختزل منه قدر النافلة قد صار شائعا في الاخبار كما في موثقة سعيد الاعرج عن ابي عبد الله (عليه


[ 262 ]

السلام) (1) قال: " سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس ؟ فقال بعد الزوال بقدم.. " ونحوها موثقة اسماعيل بن عبد الخالق وغيرها من الروايات الكثيرة المتقدمة في القصد الاول وقد دلت الاخبار ايضا على ان هذا الوقت المختزل انما هو للنافلة كقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) " أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قلت لم ؟ قال لمكان الفريضة لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان يبلغ الفئ ذراعا فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة " وفي معناها اخبار عديدة قد تقدمت. هذا بالنسبة إلى المتنفل واما من لا يتنفل فان الافضل له المبادرة بالفريضة في اول الزوال ولا يستحب له التأخير إلى ذلك الوقت وعليه تدل الاخبار ايضا، وحينئذ فالوقت بالنسبة إلى المتنفل غيره بالنسبة إلى من لا يتنفل. إذا عرفت ذلك فاعلم ان استدلال صاحب المدارك على حمل روايات المنع على الافضلية بصحيحة محمد بن مسلم مبني على انه فهم من قوله (عليه السلام) " الفضل ان تبدأ بالفريضة " جواز البدأة بالنافلة وان كان خلاف الافضل بناء على ان قول السائل " إذا دخل وقت الفريضة.. الخ " هو اول الوقت الحقيقي. وليس الامر كما فهمه (قدس سره) بل المراد بالوقت المسؤول عنه هنا والمفروض دخوله انما هو الوقت المعين للفريضة بعد مضي وقت النافلة كما اشرنا إليه، وهذا الاطلاق كان شائعا كما يستفاد من الاخبار التي اشرنا إليها، وحينئذ فمعنى الرواية - والله سبحانه واولياؤه اعلم - ان السائل انما سأل انه إذا دخل هذا الوقت المذكور فهل يجوز لي ان اتنفل ام لا ؟ فقال (عليه السلام) الفضل ان تبدأ بالفريضة لانه اول وقت فضيلتها والنافلة هنا لا فضل فيها لخروج وقتها ومتى كانت لا فضل فيها فلا يشرع الاتيان بها لانها عبادة، فإذا انتفى الفضل فيها دل على عدم صحتها نظير ما تقدم تحقيقه في مسألة الغسلة الثانية في


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من المواقيت.


[ 263 ]

الوضوء من قولهم (عليهم السلام) (1) " ومن توضأ مرتين لا يؤجر " وقد نسبوا إلى الصدوق القول بتحريم الثانية للخبر المذكور، قالوا لان العبادات لا مباح فيها وهي اما واجبة أو مندوبة وكلاهما محصل للاجر، صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان، نعم ربما يحتمل ما ذكره لو قال (عليه السلام) " الافضل " بصيغة افعل التفصيل الدال على حصول فضل في الابتداء بالنافلة لكن العبارة ليست كذلك، ويوضح ما قلناه قوله (عليه السلام): " وانما اخرت الظهر ذراعا.. الخ " اي انما اخرت الظهر إلى هذا الوقت المسؤول عنه من اجل صلاة الاوابين فمتى خرج وقتها الموظف لها فلا تضايق بها الفريضة بل الفضل في البدأة بالفريضة. هذا معنى الخبر المذكور بما لا يتطرق إليه الوهن ولا القصور. والعجب منه (قدس سره) انه يتوهم ان النافلة المسؤول عنها في الخبر النافلة الغير الراتبة كما يعطيه سياق استدلاله وهو مطرح كلامه وخياله مع انه لا يلائم قوله (عليه السلام) في الرواية " وانما اخرت الظهر ذراعا.. الخ " كما لا يخفى وانما يتلائم الكلام اولا وآخرا على ما ذكرناه. واما موثقة سماعة على الوجه الذي نقله في المدارك فهي المروية في الفقيه وهي مروية في الكافي والتهذيب ايضا (2) وفيها زيادة على ما نقله " الامر موسع ان يصلي الانسان في اول دخول وقت الفريضة النوافل إلا ان يخاف فوت الفريضة، والفضل إذا صلى الانسان وحده ان يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل اول الوقت للفريضة وليس بمحظور عليه ان يصلي النوافل من اول الوقت إلى قريب من آخر الوقت " وحاصل معنى الرواية المذكورة بناء على ما ذكرناه - والله سبحانه وقائلها اعلم - ان الراوي سأله عن من يأتي المسجد وقد صلى اهله المكتوبة في اول وقتها وكأنه ليس بين مجيئه وصلاة اهل المسجد الا يسير فكأن بعض وقت النافلة كان باقيا فسأله عن التطوع بالراتبة أيتطوع بها في ذلك الوقت ام يبتدئ بالمكتوبة ؟ إذ لا جائز ان يحمل التطوع هنا على غير


(1) الوسائل الباب 31 من الوضوء. (2) الوسائل الباب 35 من المواقيت.


[ 264 ]

الراتبة لانه إذا كانت الراتبة بزوال وقتها الموظف لها في تلك الاخبار لا يجوز مزاحمة الفريضة بها فلان يمتنع مزاحمة غيرها بطريق اولى، وامعان النظر في معنى الرواية وسياقها صريح في ارادة الراتبة خاصة، فأجاب (عليه السلام) بانه ان كان اتيانه في وقت حسن يعني يسع الراتبة ولو مخففة فلا بأس بالتطوع بها قبل الفريضة وان كان يخاف فوت الوقت اي وقت فضيلة الفريضة لو اشتغل بالنافلة لما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة في اول وقت فضيلتها ثم يتطوع بعدها بما شاء، ويوضح ما قلناه الزيادة التي ذكرناها على ما نقله في المدارك برواية الشيخين من ان الامر موسع له في النوافل من اول دخول الوقت المحدود لها في تلك الاخبار إلا ان يخاف فوت وقت الفريضة يعني فوت وقتها الذي لها بعد النافلة وهو اول وقت فضيلتها، وملخصه انه ان اتى في وقت يمكن الاتيان بالنافلة ولو مخففة وإلا بدأ بالفريضة في وقت فضلها المحدود لها. وقد وفق الله تعالى بعد ان خطر هذا المعنى بالبال للوقوف عليه في كلام شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين حيث قال: وقوله (عليه السلام) في الحديث الرابع عشر " ان كان في وقت حسن " اي متسع يعطي باطلاقه جواز مطلق النافلة في وقت الفريضة إلا ان يحمل التطوع على الرواتب ويكون في قول السائل " وقد صلى اهله الفريضة " نوع ايماء خفي إلى ذلك فان " قد " تقرب الماضي من الحال كما قيل. انتهى. ثم كتب في الحاشية ما صورته: فيفهم منه انه لم يمض من وقت صلاتهم إلى وقت مجئ ذلك الرجل الا زمان يسير فالظاهر عدم خروج وقت الراتبة بمضي ذلك الزمان اليسير. انتهى. وهو من عجيب توارد الخواطر. وظاهر كلام شيخنا المذكور يعطي نوع تردد في حمل الرواية على المعنى الذي ذكرناه، والحق انه لا معدل عنه ولا معنى للرواية غيره سيما بالنظر إلى الزيادة التي ذكرها الشيخان المذكوران. واما قوله (عليه السلام) في جملة الزيادة المشار إليها " والفضل إذا صلى الانسان وحده.. الخ " فالظاهر - والله سبحانه واولياؤه اعلم - ان المراد من هذا الكلام ان الانسان


[ 265 ]

إذا صلى وحده ودخل عليه وقت الفريضة اي الوقت المعين لها بعد مضي وقت النافلة - لما اشرنا إليه سابقا من شيوع هذا الاطلاق في الاخبار - فليبدأ بالفريضة لخروج وقت النافلة وليكون قد صلى الفريضة في اول وقت فضيلتها ولا يحظر عليه صلاة النوافل في اول الوقت يعني وقتها المقرر لها. وفيه اشارة إلى انه إذا صلى مع امام فانه يجوز له مزاحمة وقت الفريضة بها لانتظار الجماعة فيكون هذا مستثنى كغيره مما يأتي التنبيه عليه. وعلى ذلك تحمل موثقة اسحاق بن عمار التي استدل بها الشهيدان في الذكرى والروض كما تقدم ذكره من قوله: " قلت اصلي في وقت فريضة نافلة ؟ قال نعم في اول الوقت إذا كنت مع امام تقتدي به وإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة " فانه لا يصح حمل الوقت هنا على ما زعماه من الوقت الحقيقي الذي هو اول الزوال لما استفاض من استحباب النافلة فيه للمنفرد وغيره فكيف يؤمر المنفرد هنا بترك النافلة فيه ؟ بل المراد انما هو الوقت الذي بعد مضي وقت النافلة وانه يجوز مزاحمة النافلة للفريضة فيه لانتظار الجماعة. ويؤيده ايضا صحيحة عمر بن يزيد " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت ؟.. الحديث كما تقدم " فان هذا الحديث ايضا محمول على من ينتظر الجماعة فرخص له في الاتيان بالراتبة بعد مضي وقتها ومزاحمة وقت الفريضة بها لاجل انتظار فضيلة الجماعة وإلا فالحد الحقيقي للنافلة انما هو الذراع والذراعان وانه بعد مضيهما فلا يتطوع ولكنه لما ساعت المزاحمة هنا جعل الحد الاقامة وان زاد على الحد المقرر. وبما ذكرنا في معاني حسنة محمد بن مسلم وموثقة سماعة وموثقة اسحاق بن عمار يظهر لك انه لا منافاة فيها للاخبار السابقة التي استدللنا بها بل هي منطبقة عليها على احسن وجوه الانطباق ومتفقة معها باوضح معاني الاتفاق، وان خلاف من خالف بناء على ما فهمه من هذه الروايات انما نشأ من عدم اعطاء النظر حقه في التأمل في معاني الاخبار. واما ما استدل به في الروض ونحوه في الذكرى وان لم ننقله سابقا من روايات


[ 266 ]

صلاة الركعتين قبل الغداة لمن نام عن الغداة وحديث نوم النبي (صلى الله عليه وآله) فسيأتي الكلام عليها في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. وبالجملة فان ما تعلقوا به من الروايات التي ذكروها واعتمدوها دليلا على الجواز فقد عرفت انه لا دلالة فيها ولا منافاة لما ذكرناه. نعم هنا روايات اخر لم يتعرضوا لنقلها ولم يلموا بها وكان الاولى لهم الاستدلال بها في المقام: ومنها - صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار ؟ قال يقضيها ان شاء بعد المغرب وان شاء بعد العشاء ". وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها ؟ قال متى شاء ان شاء بعد المغرب وان شاء بعد العشاء ". ورواية ابي بصير (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان فاتك شئ من تطوع النهار والليل فاقضه عند زوال الشمس وبعد الظهر عند العصر وبعد المغرب وبعد العتمة ومن آخر السحر ". ويؤيدها اطلاق جملة من الاخبار كرواية ابي بصير (4) قال: " ان قويت فاقض صلاة النهار بالليل " ورواية محمد بن يحيى بن حبيب (5) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) تكون علي صلاة النافلة متى اقضيها ؟ فكتب في اي ساعة شئت من ليل أو نهار " ورواية الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " اقض صلاة النهار اي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء " وصحيحة ابن ابي يعفور (7) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار يجوز قضاؤها اي ساعة شئت من ليل أو نهار " وصحيحة حسان بن مهران (8) قال: " سألت


(1) و (2) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 57 من ابواب المواقيت.


[ 267 ]

ابا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء النوافل قال ما بين طلوع الشمس إلى غروبها " ونحوها روايات عديدة بالنسبة إلى قضاء صلاة الليل وقضاء الوتر. ويمكن ان يقال في الجمع بين هذه الاخبار وما قدمناه ان اكثر تلك الاخبار انما دل على المنع من مزاحمة الراتبة للفريضة بعد دخول وقت فضيلتها وان استفيد منه بطريق الاولوية المنع من المبتدأة، وبعضها وان كان ظاهرا في العموم كصحاح زرارة الثلاث إلا انه يمكن ان يقال باستثناء النوافل المقضية من ذلك بهذه الاخبار، وتوضيح ذلك ان يقال انه لا نافلة بعد دخول وقت الفضيلة للفريضة مطلقا راتبة أو مبتدأة أو مقضية، ونعني بوقت الفضيلة هو ما بعد الذراع والذراعين بالنسبة إلى الظهرين واول الغروب بالنسبة إلى المغرب وبعد غياب الشفق بالنسبة إلى العشاء واول الفجر الثاني بالنسبة إلى صلاة الفجر بناء على ما اخترناه فلا يصلي في هذه الاوقات نافلة مطلقا، واما ما قبل هذه الاوقات مما اشتمل على وقت الفريضة فانه يجوز القضاء فيه بهذه الاخبار دون النافلة المبتدأة عملا بعموم صحاح زرارة في منع النافلة المبتدأة، وحينئذ فمعنى قضاء نوافل النهار بعد المغرب يعني قبل دخول وقت فضيلة العشاء، ويؤيده ان المتبادر من البعدية هو البعدية القريبة، وقوله في رواية ابي بصير " فاقضه عند زوال الشمس " يعني قبل زوال الشمس أو بعد الزوال قبل دخول وقت الفضيلة " وبعد الظهر عند العصر " يعني قبل دخول فضيلة العصر وعلى هذا يحمل اطلاق الاخبار المتقدمة. ويحتمل ايضا خروج الصريح من هذه الاخبار مخرج التقية لاشعار صحيحتي زرارة السابقتين المشتملتين على المقايسة بذلك إلا انه لا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة. هذا، وربما استند بعض المجوزين إلى الاستدلال على ذلك بمواضع: منها - ما ورد من انه متى تلبس المصلي بركعة من نوافل الزوال فانه يتمها وان خرج وقتها، ومنها - من تلبس باربع ركعات من صلاة الليل ثم طلع الفجر فانه يزاحم بها الفريضة، ومنها - ما ورد ايضا من جواز ايقاع صلاة الليل كملا بعد الفجر ابتداء بالنسبة إلى من يعتادها ثم تغلبه


[ 268 ]

عيناه عنها في بعض الاوقات حتى يطلع الفجر فانه يصليها مخففة كما تقدم جميع ذلك، فان هذه المواضع كلها تدل على جواز ايقاع النافلة في وقت الفريضة. والجواب عن ذلك (اولا) ان هذه المواضع خارجة عن محل النزاع فان مطرح البحث النوافل المبتدأة أو قضاء الراتبة والخصم لا يقول بان النوافل في هذه الاوقات تصلى قضاء فلا دليل له في ذلك. و (ثانيا) انا نقول ان جواز النافلة في هذه الصورة انما خرج مخرج الرخصة وليست باعظم رتبة من الفريضة، والشارع قد جوز فيها ذلك وبه صرح الاصحاب فقالوا بان من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت كله ورووا ذلك بهذا العنوان ووردت به الرواية في خصوص صلاة الصبح كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محله، وقد اتفقوا على انه لا قضاء عليه بعد ذلك مع الاتفاق نصا وفتوى على بطلان الصلاة في غير وقتها فليكن ما نحن فيه من قبيل ذلك. ومن الرخص في النوافل ايضا ما تقدم من جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف للمسافر والشاب الذي تمنعه رطوبة دماغه عن الانتباه، وتقديم نافلة الزوال لمن يشتغل عن ادائها وقضائها، ومنها - تقديم غسل الجمعة لخائف عوز الماء. واعطاء زكاة الفطرة قبل وقتها، ونحو ذلك، وهذه المواضع المعدودة من قبيل ذلك فلا منافاة فيها للاخبار الدالة على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة كما لا يخفى. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز النافلة لمن عليه قضاء فريضة، فالاكثر منهم على المنع من ذلك وهو اختيار العلامة في المختلف واكثر المتأخرين، وقيل بالجواز ونقل عن الصدوق وابن الجنيد واليه ذهب الشهيدان والاظهر عندي هو القول المشهور. لنا - ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي من قوله تعالى: " واقم الصلاة لذكري " (1) المفسر في الاخبار بذكر الصلاة الفائتة، وما يأتي ايضا من الروايات الدالة


(1) سورة طه، الآية 14.


[ 269 ]

على وجوب ترتب الحاضرة على الفائتة وانه يجب تأخير الحاضرة إلى ان يتضيق وقتها وإذا وجب ذلك في الفريضة التي هي صاحبة الوقت ففي نافلتها بطريق اولى واولى منه في غير نافلتها. ويدل على ذلك ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في صدر المسألة السابقة (1) حيث قال فيها " ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها ". وصحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس ؟ فقال يصلي حين يستيقظ. قلت يوتر أو يصلي الركعتين ؟ قال بل يبدأ بالفريضة ". وصحيحة زرارة المتقدم نقلها في صدر المسألة السابقة (3) عن المشايخ المتقدم ذكرهم وقوله (عليه السلام) فيها " اصلي نافلة وعلي فريضة أو في وقت فريضة ؟ قال لا انه لا تصلى نافلة في وقت فريضة.. الحديث " ويؤكده قضية التنظير بقضاء شهر رمضان فانه صريح في المنع. واما ما تكلفه بعضهم في الجواب عن هذه الصحيحة - بالحمل على الاداء خاصة مستندا إلى ان المتبادر من قوله " في وقت فريضة " ودخول وقت الفريضة وقت الاداء وان المراد بقوله (عليه السلام) " لو كان عليك من شهر رمضان " الاداء لا القضاء - ففيه من البعد عن حاق اللفظ وسياق الكلام ما لا يخفى على ذوي الالباب والافهام ومن له ادنى معرفة باساليب الكلام، لان قول السائل " علي فريضة أو في وقت فريضة " مرددا ب‍ " أو " صريح في مغايرة الاول للثاني وان الاول مراد به القضاء أو الاعم منه والثاني مراد به الاداء خاصة. واما جوابه (عليه السلام) بقوله " لا تصلى نافلة في وقت فريضة " وان كان ظاهرا في الاداء إلا ان قضية تطبيق الجواب على السؤال بناء على ما ذكرنا ارادة العموم في الجواب، ويكون معنى الجواب حينئذ


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 61 من ابواب المواقيت. (3) ص 256.


[ 270 ]

انه لا تصلى نافلة في وقت وجوب فريضة، والفائتة - كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي - وقتها ساعة ذكرها. واما التنظير بشهر رمضان وان المراد عدم جواز التطوع بالصوم لمن عليه قضاء شهر رمضان فهو الذي عليه اتفاق الاصحاب ومستندهم انما هو هذه الرواية كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الصوم. وبالجملة فان ارتكاب هذه الاحتمالات الغثة البعيدة والتمحلات الغير السديدة لو تم لا نغلق باب الاستدلال إذ لا لفظ إلا وهو قابل للاحتمال ولا قول إلا وللقائل فيه مجال، والنظر في الاستدلال انما يبنى على ما يتبادر إلى الفهم من حاق الكلام ودل عليه السياق الذي به النظام. استدل القائلون بالجواز بما رواه الشيخ عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس ؟ قال يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة ". وما روى بطرق عديدة منها الصحيح وغيره من نومه (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الصبح حتى آذاه حر الشمس ثم استيقظ وركع ركعتي الفجر ثم صلى الصبح بعدهما، ومن تلك الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس ثم استيقظ فعاد ناديه ساعة فركع ركعتين ثم صلى الصبح. الحديث ". واجاب الشيخ عن الخبرين المذكورين في كتاب الاستبصار فقال بعد ذكرهما: فالوجه في هذين الخبرين ان نحملهما على من يريد ان يصلي بقوم وينتظر اجتماعهم جاز له ان يبدأ بركعتي النافلة كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) واما إذا كان وحده فلا يجوز له ذلك على حال. انتهى. وحاصل كلامه يرجع إلى ان جواز ذلك رخصة لانتظار


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 61 من المواقيت.


[ 271 ]

الجماعة. وقال المحدث الكاشاني في الوافي بعد ان نقل كلام الشيخ واستبعده: والاولى حمله على الرخصة. وليس بذلك البعيد. وكيف كان فما استدلوا به اخص من المدعى فلا يقوم حجة إذ مدلول الخبرين ركعتا الفجر وصلاة الصبح والمدعى اعم من ذلك. واما ما يقال في امثال هذه المقامات - من ان هذه الاخبار قد دلت على الجواز في هذا الموضع ويضم إليه انه لا قائل بالفرق فيتم في الجميع - فكلام ظاهري لا يعول عليه وتخريج شعري لا يلتفت إليه. ومن روايات هذه المسألة ما رواه شيخنا الشهيد في الذكرى في الصحيح عن زرارة بنحو ابسط من الخبر المتقدم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة. قال فقدمت الكوفة فاخبرت الحكم بن عتيبة واصحاب فقلبوا ذلك مني فلما كان في القابل لقيت ابا جعفر (عليه السلام) فحدثني ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرس في بعض اسفاره وقال من يكلؤنا ؟ فقال بلال انا. فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس، فقال يا بلال ما ارقدك فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخذ بنفسي ما اخذ بانفاسكم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي اخذتكم فيه الغفلة، وقال يا بلال اذن فاذن فصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتي الفجر وامر اصحابه فصلوا ركعتي الفجر ثم قام فصلى بهم الصبح، ثم قال من نسى شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها فان الله عزوجل يقول: " واقم الصلاة لذكرى " (2) قال زرارة فحملت الحديث إلى الحكم واصحابه فقالوا نقضت حديثك الاول فقدمت على ابي جعفر (عليه السلام) فاخبرته بما قال القوم فقال يا زرارة ألا اخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعا وان ذلك كان قضاء من رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وهذه الرواية لم نقف عليها إلا في كتاب الذكرى وكفى به ناقلا.


(1) الوسائل الباب 61 من المواقيت. (2) سورة طه، الآية 14.


[ 272 ]

قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى بعد ذكر الخبر المذكور: ان فيه فوائد: منها - استحباب ان يكون للقوم حافظ إذا ناموا صيانة لهم عن هجوم ما يخاف منه. ومنها - ما تقدم من ان الله انام نبيه (صلى الله عليه وآله) لتعليم امته ولئلا يعير بعض الامة بذلك. ولم اقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة به. ومنها - ان العبد ينبغي ان يتفأل بالمكان والزمان بحسب ما يصيبه فيهما من خبر وغيره ولهذا تحول النبي (صلى الله عليه وآله) من مكان إلى آخر. ومنها - استحباب الاذان للفائتة كما يستحب للحاضرة وقد روى العامة عن ابي قتادة وجماعة من الصحابة في هذه الصورة " ان النبي (صلى الله عليه وآله) امر بلالا فاذن فصلى ركعتي الفجر ثم امره فاقام فصلى صلاة الفجر " (1) ومنها - استحباب قضاء السنن. ومنها - جواز فعلها لمن عليه قضاء وان كان قد منع منه اكثر المتأخرين. ومنها - شرعية الجماعة في القضاء كالاداء. ومنها - وجوب قضاء الفائتة لفعله (صلى الله عليه وآله) ووجوب التأسي به وقوله " فليصلها ". ومنها - ان وقت قضائها ذكرها. ومنها - ان المراد بالآية الكريمة ذلك. انتهى. اقول: قد اهمل شيخنا (قدس سره) هنا شيئا هو اظهر الاشياء من الرواية اما غفلة أو لمنافاته لما اختاره في المسألة وهو المنع من صلاة النافلة إذا دخل وقت المكتوبة كما صرح به (عليه السلام) في صدر الخبر واكده بالفرق بينه وبين القضاء. واما قوله (قدس سره): ومنها جواز فعلها - يعني السنن - لمن عليه قضاء " فهو ممنوع إذ اقصى ما دل عليه الخبر خصوص جواز ركعتي الفجر في هذه المادة وقضية الجمع بينه وبين ما قدمناه من الاخبار قصر هذا الخبر على مورده واستثناء هذا الموضع من المنع رخصة اما مطلقا كما ذكره المحدث الكاشاني أو لانتظار اجتماع الجماعة كما ذكره الشيخ (قدس سره) فلا دلالة فيه على الجواز مطلقا كما زعمه (قدس سره). واما قوله: " وان كان قد منع منه اكثر المتأخرين " - مشيرا إلى ان الخلاف


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 404.


[ 273 ]

في ذلك انما هو من المتأخرين - ففيه ما سيأتيك من كلام الشيخ المفيد (قدس سره) من الدلالة على ان المنع هو الذي عليه عصابة الحق. ثم العجب كل العجب من اصحابنا (رضوان الله عليهم) مع اجماعهم واتفاقهم على عدم جواز السهو على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى انهم لم ينقلوا الخلاف في ذلك إلا عن ابن بابويه وشيخه ابن الوليد، وقد طعنوا عليهما في ذلك وشنعوا عليهما اتم التشنيع حتى صنفوا في ذلك الرسائل واكثروا من الدلائل، ومنها رسالة الشيخ المفيد وربما نسبت إلى السيد المرتضى وهي عندي وفيها ما يقضى منه العجب من القدح في ابن بابويه، فكيف تلقوا هذه الاخبار بالقبول واعتمدوا على ما فيها من المنقول في مثل هذا الحكم المخالف لاعتقاداتهم ؟ فمن كلامه في تلك الرسالة المشار إليها ما صورته: والخبر المروي ايضا في نوم النبي (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الصبح من جملة الخبر عن سهوه في الصلاة فانه من اخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، ومن عمل عليه فعلى الظن معتمد في ذلك بدون اليقين، وقد سلف قولنا في نظير ذلك ما يغني عن اعادته في هذا الباب، مع انه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق لانهم لا يختلفون في ان من فاتته صلاة فريضة فعليه ان يقضيها في اي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة، فإذا حرم ان يؤدي فيه فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد فاته كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض اولى، هذا مع ان الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا صلاة لمن عليه صلاة " (1) يريد لا نافلة لمن عليه صلاة فريضة. انتهى. وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. وقال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين بعد نقله فيه صحيحتي ابن سنان وزرارة المذكورتين ما صورته: وربما يظن تطرق الضعف اليهما لتضمنهما ما يوهم القدح في العصمة لكن قال شيخنا في الذكرى انه لم يطلع على راد لهما من هذه


(1) مستدرك الوسائل الباب 46 من المواقيت.


[ 274 ]

الجهة. وهو يعطي تجويز الاصحاب صدور ذلك وامثاله من المعصوم. وللنظر فيه مجال واسع. انتهى. اقول: قد عرفت صراحة كلام شيخنا المفيد (قدس سره) في رد الاخبار المذكورة فكيف يدعى انه لا راد لهما ؟ وعدم اطلاعه عليه لا يدل على العدم. وبالجملة فمقتضى عدم تجويز السهو عليه (صلى الله عليه وآله) كما هو ظاهر اتفاقهم رد هذه الاخبار ونحوها أو حملها على التقية، كما يشير إليه ما نقله من رواية العامة الخبر المذكور عن ابي قتادة وجماعة من الصحابة، إذ لا يخفى ما بين الحكمين من التدافع والتناقض، لكنهم من حيث قولهم بهذا الحكم واختيارهم له يغمضون النظر عما في ادلته من تطرق القدح ويتسترون بالاعذار الواهية كما لا يخفى على من مارس كلامهم في الاحكام كما نبهنا عليه في غير مقام. وبالجملة فالاظهر عندي هو القول المشهور لما في ادلته من الوضوح والظهور وما في مقابلها من الوهن في الدلالة والقصور، لانه مع تسليم صحة مضمونه وقبوله لا دلالة له على المدعى بتمامه فيجب قصره على مورده ولا منافاة. ويؤيد ما نذهب إليه ايضا انه الاوفق بالاحتياط الذي هو احد المرجحات الشرعية ايضا. وظاهر صاحب المدارك التوقف في هذه المسألة حيث اقتصر على نقل الادلة من الطرفين ولم يرجح شيئا في البين. والظاهر ان السبب فيه صحة الادلة من الجانبين وتعارض التأويل من كل من القائلين. والله العالم

(المسألة الرابعة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه يستقر وجوب الصلاة بادراك الوقت على صفة الكمال ومضي مقدار ادائها مخففة مع الشرائط ويجب القضاء لو اهمل والحال هذه اما لو لم يكن كذلك فلا قضاء على الاشهر الاظهر، وانه متى ادرك الطهارة وركعة من آخر الوقت وجب الاتيان بها، ولو ادرك الطهارة وخمس ركعات لزمه الفرضان.


[ 275 ]

وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:

(الاول) - لا خلاف ولا اشكال في انه لو حصل احد الاعذار المانعة من الصلاة كالجنون والحيض والاغماء ونحوها بعد مضي مقدار اداء الفريضة بشرائطها فانه يجب عليه القضاء، ويدل عليه عموم ما دل على وجوب القضاء، واما لو لم يمض ذلك المقدار فانه لا قضاء على الاشهر الاظهر، قال الشيخ في الخلاف: إذا ادرك من الظهر دون اربع ثم جن أو اغمى عليه أو حاضت لم تلزمه الظهر لاجماع الفرقة فانهم لا يختفلون في ان من لم يدرك من اول الوقت مقدار ما يؤدي الفرض فيه لم يلزمه اعادته. وظاهر الصدوق والمرتضى وابن الجنيد اعتبار ادراك الاكثر. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة بكلا طرفيها منقحا في بحث الحيض من كتاب الطهارة.

(الثاني) - لو زال المانع وقد بقى من الوقت ما يسع الطهارة ونحوها من الشروط والصلاتين أو احداهما فانه يجب الاداء ومع التفريط القضاء. وقد مر الكلام ايضا منقحا في ذلك في الموضع المشار إليه. وكذلك لو لم يدرك إلا ركعة مع الشروط فانه يجب عليه الاتيان بها وان خرج الوقت. وقد نقل في المدارك ان هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب ونقل عن المنتهى انه لا خلاف فيه بين اهل العلم، قال والاصل فيه ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) انه قال: " من ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة " وعنه (صلى الله عليه وآله) (2) " من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر " ومن طريق الاصحاب ما رواه الشيخ عن الاصبغ بن نباتة (3) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد ادرك الغداة تامة " وفى الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته " ثم قال وهذه الروايات


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 30 من المواقيت.


[ 276 ]

وان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها ولا معارض لها فينبغي العمل عليها. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره من روايتي الاصبغ وعمار اللتين هما من طريق الاصحاب وان عمل الطائفة عليهما انما موردهما صلاة الصبح خاصة والمدعى اعم من ذلك، نعم الخبر الاول صريح في العموم لكن ظاهر كلامه انه من طرق العامة كما هو ظاهر الذكرى ايضا، وحينئذ فيشكل الحكم بالعموم الا ان يقال ان العمدة في الاستدلال انما هو الاجماع كما هو ظاهر كلامه ونقله عن المنتهى. وفيه ما لا يخفى. وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال لما عرفت. ثم لا يخفى عليك ما في تستره عن العمل بهذين الخبرين باتفاق الاصحاب على العمل بهما، فان فيه (اولا) ما عرفت من عدم الدلالة على المدعى بل هما اخص من ذلك. و (ثانيا) - انه منع من العمل بالخبر الضعيف في غير موضع وان كان ظاهر الاصحاب الاتفاق على العمل بمضمونه وربما حمله تفاديا من طرحه على الكراهة أو الاستحباب. و (ثالثا) - ان الخبر الضعيف بمقتضى هذا الاصطلاح ليس بدليل شرعي فوجوده كعدمه فالاعتماد عنده انما هو على الاجماع، مع طعنه فيه في غير موضع بل ذكر في صدر كتابه انه صنف رسالة في ابطاله وان استسلقه في امثال هذه المقامات. وبالجملة فان هذه المناقضات انما نشأت من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب منه إلى الصلاح.

(الثالث) - المشهور بينهم ان الركعة عبارة عن الركوع والسجود، وهل يتحقق برفع الرأس من السجدة الثانية أو باتمام ذكر السجدة الثانية ؟ قولان، ونقل في المدارك عن الشهيد في الذكرى انه احتمل الاجزاء بالركوع للتسمية لغة وعرفا ولانه المعظم، ثم رده بانه بعيد. اقول: ما احتمله الشهيد (قدس سره) هنا هو ظاهر اختيار المحقق في المسائل البغدادية في مسألة الشك بين الاربع والخمس فيما إذا عرض الشك بعد الركوع وقبل السجود حيث ان الاشهر بين الاصحاب الحكم بالصحة في هذه الصورة


[ 277 ]

وانه يتم ويسجد سجدتي السهو لدخولها تحت نص المسألة، وهذا الحكم منهم هنا يخالف ما ذكروه من ان الركعة عبارة عن الركوع والسجود، فان مقتضى هذا الكلام الابطال لا الصحة حيث انه لم يأت بالركعة فلا يكون داخلا تحت النص المذكور فكيف يحكمون بالصحة في الصورة المذكورة ؟ والمحقق المشار إليه في اجوبة المسائل المشار إليها تخلص من ذلك بحمل الركعة على مجرد الركوع، ثم قال بعد حكمه بالصحة في المسألة المذكورة ما لفظه: لان الركعة واحدة الركوع وعند ايقاع الركوع تسمى ركعة وليس تسميتها ركعة مشروطا بالاتيان بالسجدة لان الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة والسجود والركبة والركوب. انتهى. وبذلك يظهر قوة ما احتمله الشهيد فانه ليس لقولهم بالصحة في صورة الشك المتقدمة وجه إلا على هذا القول كما سيأتي تحقيقه في المسألة المذكورة وإلا فالصحة غير متجهة، والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال كما سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله في الموضع المذكور، وعلى هذا فلو خرج الوقت بعد الركوع وقبل السجود وجب الاتمام من غير قضاء على قول المحقق المذكور وسقط الفرض اداء وقضاء على القول المشهور.

(الرابع) - اختلف الاصحاب في من ادرك ركعة من آخر الوقت هل يكون مؤديا للجميع أو قاضيا للجميع أو بالتوزيع ؟ اقوال ثلاثة، ونقل في الذكرى عن الشيخ انه نقل هذا الخلاف عن الاصحاب، وظاهر المشهور بينهم هو الاول وهو اختيار الشيخ في الخلاف ومن تأخر عنه، وادعى عليه في الخلاف الاجماع حيث نقل عن الاصحاب انهم لا يختلفون في ان من ادرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس يكون مؤديا في الوقت، قال وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " من ادرك من الصبح قبل طلوع الشمس فقد ادرك الصبح ومن ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر " قال وكذلك روى عن أئمتنا (عليه السلام) ونقل في المدارك القول بقضاء الجميع عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) معللا له بان آخر الوقت يختص بالركعة الاخيرة فإذا وقعت فيه الاولى وقعت في غير وقتها ولا معنى


(1) المغني ج 1 ص 377 و 386.


[ 278 ]

لقضاء العبادة إلا ذلك. واما القول بالتوزيع فوجهه ظاهر بمعنى ان ما صادف الوقت ووقع فيه يكون اداء لوجود معنى الاداء فيه وما وقع بعد خروجه يكون قضاء لانه ليس القضاء إلا ما وقع بعد خروج وقته. قالوا وثمرة الخلاف تظهر في النية. وقال في الذكرى انها تظهر ايضا في الترتب على الفائتة السابقة فعلى القضاء يترتب دون الاداء. واعترضه في المدارك بانه ضعيف جدا، قال إذ الاجماع منعقد على وجوب تقديم الصلاة التي ادرك من وقتها مقدار ركعة مع الشرائط على غيرها من الفوائت. اقول: والتحقيق عندي انه لا ثمرة لهذا الخلاف ولا اثر يترتب على هذا الاختلاف، إذ المستفاد من الاخبار هو صحة الصلاة على الوجه المذكور وعدم وجوب القضاء بعد ذلك واما كونها اداء أو قضاء أو موزعة فلا يظهر له اثر من تلك الاخبار، وهذه الفائدة التي اتفقوا عليها انما يتم التفريع بها لو قام الدليل على وجوب نية الاداء في ما كان اداء والقضاء في ما كان قضاء، والحال انه لا دليل على ذلك سوى مجرد اعتبارات ذكروها وخيالات سطروها لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية كما تقدم تحقيقه في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة، وبذلك اعترف السيد السند وغيره من افاضل متأخري المتأخرين. واضعف من ذلك ما ذكره في الذكرى لما ذكره السيد المذكور.

(الخامس) - قالوا: لو ادرك قبل الغروب أو قبل انتصاف الليل احدى الفريضتين لزمته واحدة خاصة لاستحالة التكليف بهما في وقت لا يسعهما. بقى الكلام في انه ان قلنا بالاشتراك في الوقت من اوله إلى آخره كما تقدم نقله عن الصدوق فاللازمة منهما هي الاولى لتقدمها ووجوب الترتيب وان قلنا بالمشهور من الاختصاص فالواجب هي الثانية. واما لو ادرك خمس ركعات في الموضعين فانهم صرحوا من غير خلاف يعلم انه يلزمه الفرضان بناء على ما تقدم من ان من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت كله


[ 279 ]

وحيث ان الركعة الاولى من الخمس المذكورة للفريضة الاولى وبها يصدق ادراك الوقت فانها تزاحم الفريضة الثانية بثلاث، وهكذا في الفريضة الثانية فانه يبقى لها ركعة من الخمس وبها يحصل ادراك الوقت فيجب الاتيان بالفرض المذكور وان زاحم وقت الفريضة التي بعدها كما في العصر التي بعدها صلاة المغرب أو وقع خارج الوقت كما في فريضة العشاء. والمسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال لعدم وجود نص في المقام وليس إلا البناء على ما تقدم من قولهم: ان من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت كله. وقد عرفت انه لا دليل عليه سوى رواية عامية والروايات الواردة من طرقنا مختصة بصلاة الصبح وليس إلا الاجماع المدعى في المقام كما تقدم. ويمكن القول باختصاص هذا الحكم بالصبح كما هو مورد النص، ويؤكده انها ليس بعدها فريضة يحصل بها المشاركة في الوقت بخلاف غيرها من الفرائض سيما على المشهور من اختصاص الفريضة الاخيرة بمقدار ادائها من الوقت، فادراك ركعة من الفريضة الاولى في صورة ما إذا ادرك من الوقت خمسا مع كون ما بعد تلك الركعة وقتا مخصوصا بالثانية لا يجدي نفعا في وجوب الاتيان بها، لان ما بعد تلك الركعة مختص بالثانية ومزاحمتها فيها تحتاج إلى دليل وليس إلا الاجماع المذكور واختصاص الخبرين بصلاة الصبح. وبالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها لازم على كل حال. ولو ادرك اربعا من آخر وقت العشاءين فظاهر الاكثر ان المغرب لا تزاحم العشاء فيه وان بقى منه ركعة للعشاء لدلالة النصوص على اختصاص هذا المقدار بالعشاء، ونقل في الذكرى عن بعض الاصحاب تبعا لبعض العامة وجها بوجوب المغرب والعشاء بادراك الاربع، وذكر انه مخرج على ادراك الخمس من الظهرين ورده بما هو مذكور ثمة. والاظهر في رده ما ذكرنا من دلالة النصوص على اختصاص العشاء بهذا المقدار بخلاف ما لو ادرك خمسا فانه قد ادرك ركعة من وقت المغرب فيجري فيها


[ 280 ]

ما تقدم من حديث " من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت كله " ويزاحم بها العشاء مع ما عرفت من الاشكال في المقام.

(السادس) - قد عرفت ان النصوص المتقدمة انما رتبت الحكم المذكور على ادراك ركعة ولكن ظاهر الاصحاب الاتفاق على تقييد ذلك بادراك جميع الشرائط من الطهارة وغيرها ولا عبرة بتمكنه منها قبل الوقت لانه غير مخاطب بها حينئذ، ولو اتفق حصول الشرائط قبل الوقت كفى في ادراك الصلاة، وكذا لو حصل البعض كفى ادراك الباقي مع الصلاة.

(السابع) - قد اشرنا سابقا إلى ان المعتبر اخف صلاة يقتصر فيها على الواجب وحينئذ فلو طول في صلاته ثم جن أو عرض الحيض أو نحو ذلك من الموانع وجب القضاء ان حصل من ذلك اخف صلاة يؤتى بها. ولو كان في احد الاماكن الاربعة التي يتخير فيها بين القصر والاتمام فهل يكتفي بالقصر لانه لو قصر لاداها أو يتعلق الحكم بما قصده ونواه ؟ وجهان جزم في الذكرى بالاول ولو قيل بالثاني لكان غير بعيد.

(الثامن) - قد عرفت مما تقدم انه لابد في وجوب الفريضة اداء أو قضاء بالنسبة إلى اول الوقت من ادراك الصلاة كملا بشروطها واما بالنسبة إلى الآخر فانه يكفي ادراك ركعة خاصة ولا يكفي ذلك في الاول، ووجه الفرق ظاهر لتمكن المكلف في آخر الوقت بعد ادراك الركعة من اتمام الصلاة من غير مانع بخلاف اول الوقت إذ لا سبيل إلى ذلك، كذا ذكروه ولا يخلو من خدش، نعم ذلك يصلح وجها للنص الدال على الحكمين.

(التاسع) - قال في الذكرى: لا فرق بين الكافر وغيره من المعذورين لان الكافر لا يؤاخذ بما تركه في حال الكفر، وتوهم بعض كون الكافر غير معذور هنا لمخاطبته بالاسلام المقدور فيجب القضاء متى ادرك الوقت. وهو ضعيف لقوله تعالى


[ 281 ]

" قل الذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (1) ولقول النبي (صلى الله عليه وآله): " الاسلام يهدم ما قبله " (2) انتهى. اقول: لا يخفى ان الاوفق بما ذهبوا إليه بل اتفقوا عليه من ان الكفار مكلفون بالاسلام ومخاطبون به وان الاسلام شرط في الصحة والقبول لا شرط في التكليف هو ما نقله عن البعض المذكور، وكيف يكون الكفر عذرا شرعيا لهم كالجنون والحيض والحال انهم مخاطبون ومكلفون في حال الكفر ؟ ألا ترى ان الحيض والجنون ونحوهما انما صارت اعذارا شرعية من حيث ارتفاع التكليف معها ؟ واما الاستدلال بالآية والخبر المذكور فيمكن الجواب عنه بان المراد مغفرة ما كانوا عليه من الكفر وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " الاسلام يهدم ما قبله " يعني الاحكام المتربتة على الكفر بمعنى ان يكونوا طاهرين بعد ان كانوا نجسين ومحقوني الدم والمال بعد ان لم يكونوا كذلك ونحو ذلك من احكام الاسلام. واما العبادات فالذي ثبت بالاخبار والادلة التي قدمناها في بحث غسل الجنابة من كتاب الطهارة انهم غير مكلفين بها وان الاسلام شرط في التكليف بها فلا يتوجه العقاب عليها والمؤاخذة بتركها لعدم التكليف بها بالكلية، وبالجملة فان مقتضى قاعدتهم المذكورة هو وجوب القضاء كما لا يخفى.

(العاشر) - قال في الذكرى: حكم اثناء الوقت حكم اوله في ذلك فلو افاق المجنون في اثناء الوقت ثم جن أو اغمى عليه في الوقت اعتبر في قدر الافاقة ادراك جميع الشرائط والاركان، وكذا لو كانت مجنونة فافاقت ثم حاضت. انتهى. وبذلك صرح في المنتهى ايضا. وهو كذلك.

(الحادي عشر) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه إذا بلغ الصبي المتطوع بالصلاة في اثنائها بما لا يبطل الطهارة كالسن والانبات وكان الوقت باقيا


(1) سورة الانفال، الآية 39. (2) احكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 35.


[ 282 ]

بحيث يسع ركعة فانه يجب عليه الاستئناف، ذهب إليه الشيخ في الخلاف وجملة ممن تأخر عنه قالوا لانه بعد البلوغ مخاطب بالصلاة والوقت باق فيجب عليه الاتيان بها وما فعله اولا لم يكن واجبا فلا يحصل به الامتثال. وذهب الشيخ في المبسوط إلى انه يتم وظاهره عدم وجوب الاعادة، واستدل له في المختلف بانها صلاة شرعية فلا يجوز ابطالها لقوله تعالى: " ولا تبطلوا اعمالكم " (1) وإذا وجب اتمامها سقط بها الفرض لان امتثال الامر يقتضي الاجزاء. واجاب عنه في المدارك قال: والجواب بعد تسليم دلالة الآية على تحريم ابطال العمل ان الابطال هنا لم يصدر من المكلف بل من حكم الشارع، سلمنا وجوب الاتمام لكن لا نسلم سقوط الفرض بها والامتثال انما يقتضي الاجزاء بالنسبة إلى الامر الوارد بالاتمام لا بالنسبة إلى الاوامر الواردة بوجوب الصلاة. انتهى. اقول: ما ذكره في الجواب من ان الابطال هنا من حكم الشارع لا اعرف له وجها فانه لا نص في المسألة كما لا يخفى، وايجاب الشارع عليه الصلاة بعد البلوغ لا يستلزم ابطال هذه إذ يجوز ان يكتفي فيه باتمامها كما ذهب إليه في المبسوط. وبالجملة فالمسألة لكونها عارية عن النص لا تخلو من الاشكال. قال المحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته على شرح المدارك: اقول: في المسألة احتمالات اخر: احدها - صحة صلاته إذا دخل عليه وقت الوجوب في اثنائها. وثانيها - صحة صلاته إذا ادرك ركعة في وقت الوجوب. وثالثها - صحتها إذا ادرك الركعتين الاوليين أو احداهما في وقت الوجوب. ولا يمكن ان يفتى باحد الاحتمالات قبل ظهور نص يدل عليه، نعم يتجه ان يقال قطعنا بشمول العمومات له وجهلنا كفاية ما يعمل وعدم كفايته فيجب العمل بالاحتياط حتى نعلم حكم الله بعينه. وهذه القاعدة من قسم القطعي من القواعد الاصولية ونطقت بها روايات كثيرة لا من القسم الظني من قواعدها المردودة عندي كما حققناه في الفوائد المدنية. انتهى. وهو جيد.


(1) سورة محمد، الآية 35.


[ 283 ]

ولو بلغ في الوقت بعد فراغه من الصلاة وامكنه الطهارة واداء ركعة فالظاهر ان حكمه كما لو بلغ في اثنائها وبه صرح في المدارك ايضا، وقد صرح العلامة في المنتهى هنا بانه يجب عليه الطهارة والصلاة ولا يجزئه ما فعله اولا. واستحسنه في المدارك ولا ريب انه الاحوط. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - اجمع اهل العلم كافة على انه لا يجوز الصلاة قبل دخول وقتها، قال في المعتبر وهو اجماع اهل العلم. وقال في المنتهى لا يجوز الصلاة قبل دخول وقتها وهو قول اهل العلم كافة إلا ما روى عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه، وبمثله قال الحسن والشعبي (1) لنا - الاجماع على ذلك وخلاف هؤلاء لا اعتداد به وقد انقرض ايضا فلا تعويل عليه. انتهى. اقول: ويدل على ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من صلى في غير وقت فلا صلاة له " وعن محمد بن الحسن العطار عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال " لان اصلي الظهر في وقت العصر احب الي من ان اصلي قبل ان تزول الشمس فاني إذا صليت قبل ان تزول الشمس لم تحسب لي وإذا صليت في وقت العصر حسبت لي " وعن عبد الله ابن سليمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (4). وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) لان اصلي بعد ما مضى الوقت احب الي من ان اصلي وانا في شك من الوقت وقبل الوقت ". وروى الشيخ في التهذيب عن سماعة في الموثق (6) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) اياك ان تصلي قبل ان تزول فانك تصلي في وقت العصر خير لك من ان تصلي قبل ان تزول ".


(1) المغني ج 1 ص 396. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.


[ 284 ]

وعن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " في رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فاخبر انه صلى بليل ؟ قال يعيد صلاته ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " ليس لاحد ان يصلي صلاة إلا لوقتها وكذلك الزكاة، إلى ان قال: وكل فريضة انما تؤدى إذا حلت ". وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) أيزكي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة ؟ قال لا أيصلي الاولى قبل الزوال ؟ ". وعن زرارة (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة " وبالجملة فالحكم اتفاقي نصا وفتوى واما ما رواه الشيخ - في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك ". وروى الصدوق باسناده عن الحلبي مثله (6) - فقد حمله الشيخ على خروج الوقت فيكون قضاء، والاظهر الحمل على وقت الاختيار والتأخير عنه إلى وقت الاضطرار وذوي الاعذار لما حققناه سابقا من ان السفر من جملة الاعذار المسوغة للتأخير إلى الوقت الثاني، وقد تقدم شيوع اطلاق الوقت على الوقت الاول وتبادره من الاخبار بما لا يعتريه شبهة الانكار، فلا منافاة في هذا الخبر لما قدمناه من الاخبار. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لو صلى قبل الوقت فلا يخلو اما ان يكون عامدا أو جاهلا أو ناسيا أو ظانا، فههنا مقامات اربعة:

(الاول) - ان يكون عامدا والاشهر الاظهر بطلان صلاته للنهي المتقدم في الاخبار السابقة المقتضى لذلك، وقال الشيخ في النهاية: ومن صلى الفرض قبل دخول الوقت عامدا أو ناسيا ثم علم بعد ذلك وجب عليه اعادة الصلاة، فان كان في الصلاة لم يفرغ


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.


[ 285 ]

منها بعد ثم دخل وقتها فقد اجزأت عنه، ولا يجوز لاحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول وقتها أو يغلب على ظنه ذلك. انتهى. ولا يخفى ما فيه من التدافع بين طرفي كلامه، لان قضية قوله " ولا يجوز لاحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول وقتها.. الخ " بطلان صلاة العامد وان دخل عليه الوقت في اثنائها وهذا هو المطابق لعموم النهي المتقدم فان النهي في تلك الاخبار اعم من ان يدخل عليه الوقت في اثنائها ام لا فكيف تجزئ عنه كما يدل عليه صدر كلامه ؟ ولذا حمله في الذكرى على ان مراده بالمتعمد الظان لانه يسمى متعمدا للصلاة، قال في المدارك: ولا بأس به جمعا بين الكلامين، وحمله العلامة في المختلف على رجوع تفصيله إلى الناسي دون المتعمد. ولا بأس به ايضا صونا لكلامه (قدس سره) من التناقض.

(المقام الثاني) - ان يكون ناسيا والمراد به ناسى مراعاة الوقت، وفى الذكرى جعله اعم منه وممن جرت منه الصلاة حال عدم خطور الوقت بالبال، والظاهر انه لا خلاف في البطلان لو وقعت الصلاة كملا في خارج الوقت، اما لو وقع بعضها في الوقت فقد اختلف الاصحاب فيه، وظاهر عبارة النهاية المتقدمة الصحة ونقل في المختلف انه منصوص ابي الصلاح وظاهر كلام ابن البراج. وقال السيد المرتضى لا تصح صلاته، وفى المختلف انه منصوص ابن ابي عقيل وظاهر كلام ابن الجنيد، واليه ذهب العلامة، وهو المشهور بين المتأخرين. احتج العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من البطلان برواية ابي بصير المتقدمة الدالة على ان من صلى في غير وقت فلا صلاة له، ولانه فعل العبادة قبل حضور وقتها فلا تكون مجزئة عنه كما لو وقعت باجمعها في غير الوقت، ولان النسيان غير عذر في الفوات فلا يكون عذرا في التقديم، ولانه ليس بعذر في الجميع فلا يكون عذرا في البعض. ثم نقل عن الشيخ انه احتج بان الناسي معذور ومخاطب كالظان، قال والجواب المنع من المقدمتين.


[ 286 ]

اقول: والظاهر عندي هو القول المشهور لظاهر رواية ابي بصير المذكورة وحملها على خصوص من اتى بالصلاة كملا في غير الوقت وان احتمل الا ان ظاهر الرواية العموم. والاظهر عندي في الاستدلال على ذلك انما هو معلومية التكليف بالضرورة من الدين، وسقطوه بالصلاة على هذا الوجه يحتاج الي دليل. واما لو اتفق وقوعها كملا في الوقت فظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى البطلان قال في الكتاب المذكور: لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت أو بالحكم ففي الاجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، ومن مطابقة العبادة ما في نفس الامر. والاول اقوى. وفى البيان اختار الصحة لمطابقة العبادة ما في نفس الامر. والظاهر هو الصحة لما يأتي في المقام الآتي ان شاء الله تعالى من التحقيق الرشيق وبذلك صرح السيد السند في المدارك كما سيأتي نقل عبارته في المقام المشار إليه. قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: ولو وقعت صلاة الناسي بتمامها في الوقت ففيه وجهان اقربهما الصحة، لانه اتى بالمأمور به فتكون مجزئه (لا يقال): كان الواجب عليه مراعاة الوقت ولم تحصل فلم يأت بالمأمور به على وجهه (لانا نقول) وجب عليه المراعاة من باب المقدمة حال ملاحظة وجوب الاتيان بها في الوقت ليتأتى منه الاتيان بها في الوقت على وجه الامتثال والاطاعة واما عند الذهول عن هذه المقدمة فله الاتيان بها في وقتها متقربا ممتثلا من دون ملاحظة الوقت ومراعاته فلا تكون المراعاة مقدمة للفعل مطلقا. انتهى. اقول: والتحقيق مضافا إلى ما سيأتي ان شاء الله تعالى ان التكليف بمراعاة الوقت انما هو لاجل ان تقع الصلاة في الوقت فالغرض الذاتي والمقصود الكلي هو وقوعها في الوقت فإذا حصل ذلك باي وجه اتفق فقد حصل مراد الشارع وان لزم الاخلال بالمراعاة إذا المراعاة ليست واجبا ذاتيا يترتب على تركه الاثم أو البطلان. وما ذكره في الذكرى من ان دخوله غير شرعي على اطلاقه ممنوع إذ الدخول على


[ 287 ]

ما ذكرنا شرعي لتبين كونه في الوقت الذي هو مراد الشارع. والى ما ذكرنا يرجع كلام الفاضل المذكور.

(المقام الثالث) - ان يكون جاهلا وقد تقدم في عبارة الذكرى ان المراد به جاهل دخول الوقت أو جاهل الحكم اي وجوب المراعاة، والظاهر انه لا خلاف بينهم في بطلان صلاته لو وقعت كملا في خارج الوقت، وانما الخلاف فيما إذا وقعت في الوقت كملا أو بعضا، فالمشهور البطلان في الموضعين، ونقل في المختلف عن ابي الصلاح صحة صلاته لو دخل عليه الوقت وهو فيها. والظاهر هنا هو القول المشهور لما ذكرنا في المقام المتقدم بالنسبة إلى ما وقع بعضها في الوقت، واما مع مصادفتها الوقت كملا فقد تقدم في كلام الذكرى التصريح بالبطلان. وقال السيد السند في المدارك: ولو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الاجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، ومن مطابقة العبادة ما في نفس الامر وصدق الامتثال. والاصح الثاني وبه قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى، قال وكذا البحث في كل من اتى بما هو الواجب في نفس الامر وان لم يكن عالما بحكمه ومثله القول في الاعتقادات الكلامية إذا طابقت نفس الامر فانها كافية وان لم تحصل بالادلة المقررة كما صرح به سلطان المحققين نصير الملة والدين. انتهى كلامه اطال الله بقاءه وهو في غاية الجودة. انتهى كلام السيد السند (قدس سره) ومراده من قوله " شيخنا " هو المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد اختياره البطلان كما هو المشهور: ولو اتفقت صلاة الجاهل في الوقت فان قصدنا بالجاهل من علم وجوب رعاية الوقت وعرف المواقيت لكنه جاهل بالوقت لعدم مراعاته الوقت فالظاهر بطلان صلاته على القول باشتراط التقرب وقصد الامتثال في الطاعة لانه لم يأت بها على وجه الامتثال والاطاعة. نعم ان قيل بعدم اشتراط ذلك في الصحة وسقوط التعبد لم يبعد القول بالصحة هنا. وان قصدنا


[ 288 ]

بالجاهل من علم وجوب رعاية الوقت لكنه غير عارف بالوقت ايضا فالظاهر البطلان ايضا على القول المذكور بالتقريب السابق. وان قصدنا به الجاهل بوجوب رعاية الوقت ففيه اشكال. ورجح بعض افاضل المتأخرين الصحة لصدق الامتثال. وقال ايضا وبالجملة كل من فعل ما هو في نفس الامر وان لم يعرف كونه كذلك ما لم يكن عالما بنهيه وقت الفعل حتى لو اخذ المسائل من غير اهله بل لو لم يأخذ من احد وظنها كذلك فانه يصح ما فعله، وكذا في الاعتقادات وان لم يأخذها عن ادلتها فانه يكفي ما اعتقده دليلا واوصله إلى المطلوب ولو كان تقليدا، قال كذا يفهم من كلام منسوب إلى المحقق نصير الملة والدين. قال وفى كلام الشارع اشارة إليه، وذكر اشياء يطول الكلام بنقلها. وعندي ان ما ذكره منظور فيه مخالف للقواعد المقررة العدلية وليس المقام مقام تفصيله لكن اقول اجمالا ان احد الجاهلين إذا صلى في الوقت والآخر في غير الوقت فلا يخلو اما ان يستحقا العقاب أو لا يستحقا اصلا أو يستحق احدهما دون الآخر، وعلى الاول ثبت المطلوب لان استحقاق العقاب انما يكون لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، وعلى الثاني يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا، ولو انفتح هذا الباب لجرى الكلام في كل واحد واحد من افعال الصلاة ويفضى الامر إلى ارتفاع جل التكاليف، وهذا مفسدة واضحة لا يسوغ لاحد الاجتراء عليه ومعلوم فساده بالضرورة، وعلى الثالث يلزم خلاف العدل لاستوائهما في الحركات الاختيارية الموجبة للمدح والذم وانما حصل مصادفة الوقت وعدمه بضرب من الاتفاق من غير ان يكون لاحد منهما فيه ضرب من التعمد أو السعي، وتجويز مدخلية الاتفاق الخارج عن القدرة في استحقاق المدح والذم مما هدم بنيانه البرهان وعليه اطباق العدلية في كل زمان. واما الاشارات التي ذكرها فكل منها قابل للتأويل فيشكل الاعتماد عليها والتعويل وليس المقام مقام التفصيل هذا ظاهر التحقيق وان كان الاشكال فيه وفى نظائره ثابتا. انتهى كلام الفاضل المشار إليه اقول - وبالله سبحانه التوفيق لبلوغ كل مأكول - لا يخفى ان ما تكلفه هذا


[ 289 ]

الفاضل في المقام من النقض والابرام وزعم به ابطال ما ذكره المحقق الامام غير خال من الوهن الظاهر لمن اعطى التأمل حقه من ذوي الافهام: (اما اولا) - فان من جملة الاخبار الدالة على ما ذكره شيخنا المحقق المتقدم - من الاكتفاء بمطابقة الحكم واقعا وان لم يكن عن علم ومعرفة - رواية عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " جاء رجل يلبى حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه فوثب إليه الناس من اصحاب ابي حنيفة فقالوا شق قميصك واخرجه من رجليك فان عليك بدنة وعليك الحج من قابل وحجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبر واستقبل الكعبة فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اسكن يا عبد الله فلما كلمه وكان الرجل اعجميا فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما تقول ؟ قال كنت رجلا اعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت احج ولم اسأل احدا عن شئ فافتوني هؤلاء ان اشق قميصي وانزعه من قبل رجلي وان حجي فاسد وان علي بدنة. فقال له متى لبست قميصك أبعد ما لبيت ام قبل ؟ قال قبل ان البي. قال فاخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه، طف بالبيت اسبوعا وصل ركعتين عند مقام ابراهيم واسع بين الصفا والمروة وقصر من شعرك فإذا كان يوم التروية فاغتسل واهل بالحج واصنع كما يصنع الناس " والتقريب فيه انه مع تصريحه بمعذورية الجاهل بوجه كلي وقاعدة مطردة تضمن صحة ما فعله قبل لقاء الامام (عليه السلام) من الاغتسال والاحرام والتلبية ونحوها من اخباره بانه لم يسأل احدا عن شئ من الاحكام التي اتى بها ولهذا وقع فيما وقع فيه، وامره (عليه السلام) ان يصنع كما يصنع الناس من واجب أو مستحب مع عدم المعرفة بشئ من ذلك، ويعضد ذلك اخبار معذورية الجاهل وصحة عباداته على التفصيل الذي


(1) المروية في الوسائل في الباب 45 من ابواب تروك الاحرام.


[ 290 ]

تقدم في مقدمات الكتاب من الجلد الاول. و (اما ثانيا) - فان ما اطال به - من تقسيم الجاهل إلى ما ذكره من الاقسام وتخصيص كلام المحقق الاردبيلي بالجاهل بوجوب رعاية الوقت - تطويل بغير طائل وترديد لا يرجع إلى حاصل، فانه على القول بالبطلان فلا فرق في شئ من هذه الاقسام وكذا على القول بالصحة الذي صرح به المحقق المذكور كما لا يخفى على من راجع كلامه فانه بعد ان فصل اجمل بقوله: " وبالجملة كل من فعل ما هو في نفس الامر.. إلى آخره " وهو ظاهر بل صريح في العموم وان امكن ارجاع ما ذكره من الاقسام عدا الاخير إلى الخروج عن محل البحث. و (اما ثالثا) - فانا نقول بعد اختيار الشق الثالث من ترديده الذي هو محل النزاع في المسألة: (اولا) انه متى قام الدليل من خارج على معذورية الجاهل وصحة عباداته إذا طابقت الواقع فهذا الاستبعاد العقلي غير مسموع وان اشتهر بينهم ترجيح الدليل العقلي على النقلي إلا ان ما نحن فيه ليس منه. و (ثانيا) ان المدح والذم على هذه الحركات الاختيارية ان كان من الله سبحانه فاستواؤهما فيه ممنوع إذ ايجاب الحركات للذم والمدح ليس لذاتها وانما هو لموافقة الامر وعدمها تعمدا أو اتفاقا، وحينئذ فمقتضى ما قلناه من قيام الدليل على صحة عبادة الجاهل إذا صادفت الوقت فانه تصح عبادة من صادفت صلاته الوقت فتكون حركاته موجبة للمدح بخلاف من لم تصادف فانها تكون موجبة للذم لعدم المصادفة الموجبة للصحة. و (ثالثا) ان الغرض من التكليف بالمراعاة كما تقدم آنفا واعترف هو به (قدس سره) الاتيان بما كلف به حسب الامر، ومن صادفت صلاته الوقت يصدق عليه انه اتى بالمأمور به وامتثال الامر يقتضي الاجزاء، وعين ما ذكره في الناسي مما تقدم نقله في المقام الثاني من قوله في جواب السؤال الذي اورده " لانا نقول. إلى آخره " جار فيما نحن فيه كما لا يخفى. و (اما رابعا) فان ما ذكره منقوض بما وقع الاتفاق عليه نصا وفتوى من صحة


[ 291 ]

صلاة الجاهل بوجوب التقصير تماما مع كونها غير مطابقة للواقع، فإذا كان الجهل عذرا مع عدم المطابقة فبالاولى ان يكون عذرا مع المطابقة، ومثله ما لو قصر بعد نية الاتمام الموجبة لتمام جاهلا فانه وان كان المشهور الاعادة إلا ان صحيحة منصور بن حازم (1) تدل على انه لو تركه جاهلا فليس عليه الاعادة وبها قال بعض الاصحاب، وعلى هذه الرواية يتجه ايضا ما قلناه من صحة عبادة الجاهل وان خالفت الواقع. و (اما خامسا) - فانه معارض ايضا بما صرح به الاصحاب كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة - من ان من صلى بالنجاسة جاهلا بها وان صحت صلاته ظاهرا إلا انها غير صحيحة ولا مقبولة واقعا لفقد شرطها واقعا، فانه يلزم بمقتضى ما ذكره ايضا خلاف العدل لاستواء حركات هذا المصلي مع حركات من اتفق كون صلاته في طاهر واقعا في المدح والذم فكيف تقبل احداهما دون الاخرى ؟ إذ كل منهما قد بنى على ظاهر الطهارة في نظره وانما حصلت الطهارة الواقعية في احداهما بضرب من الاتفاق، والفرض ان الاتفاق الخارج لا مدخل له. ومثل ذلك في من توضأ بماء نجس واقعا مع كونه طاهرا في الظاهر فان بطلان طهارته وعبادته دون من توضأ بماء طاهر ظاهرا وواقعا مع اشتراكهما فيما ذكر من الحركات والسكنات وكون الطهارة والنجاسة واقعا بنوع من الاتفاق خلاف العدل والاصحاب لا يقولون به. و (اما سادسا) - فانه لو كان الاتفاق الخارج لا مدخل له في الصحة في الاحكام الشرعية على الاطلاق كما زعمه لما اجزأ صوم آخر يوم من شعبان من اول يوم من شهر رمضان متى ظهر كونه منه بعد ذلك، ولسقط القضاء عن من افطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية ثم ظهرت الرؤية في البلاد المتقاربة أو مطلقا على الخلاف في ذلك، ولوجب الحد على من زنى بامرأة ثم ظهر كونها زوجته، ولصح شراء من اشترى شيئا من يد احد المسلمين ثم ظهر كونه غصبا، ولوجب القضاء والكفارة على من افطر


(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من صلاة المسافر.


[ 292 ]

يوم الثلاثين من شهر رمضان ثم ظهر كونه من شوال، ولوجب القود أو الدية على من قتل شخصا عدوانا ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا، ولوجب العوض على من غصب مالا وتصرف فيه ثم ظهر كونه له، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، واللوازم كلها باطلة اتفاقا (فان قيل) ان هذه الاحكام المعترض بها انما صير إليها لقيام الدليل عليها (قلنا) قيام الدليل عليها دليل على ان الاتفاق واقعا مما له دخل في المدح والذم والصحة والفساد كما هو المدعى، ولا يخفى ان الاحكام الشرعية لا تنطبق على الادلة العقلية بل قد توافقها تارة وتخالفها اخرى. وبالجملة فان ما تكلفه هذا الفاضل في المقام مما لا اعرف له وجه صحة كما كشفنا عنه نقاب الابهام. والله العالم.

(المقام الرابع) - ان يكون ظانا والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو دخل في الصلاة ظانا دخول الوقت ثم تبين فساد ظنه بوقوع الصلاة كملا قبل الوقت فانه يجب عليه الاعادة، ويدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة (1) " في من صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فاخبر انه صلى بليل ؟ قال يعيد صلاته " ورواية ابي بصير المتقدمة (2) الدالة ايضا على ان من صلى في غير وقت فلا صلاة له. وصحيحة زرارة (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة ومضى صومك ". انما الخلاف في من دخل عليه الوقت في اثنائها ولو قبل التسليم، فالمشهور الصحة لانه متعبد بظنه خرج منه ما إذا لم يدرك من الوقت شيئا بالنص والاجماع المتقدمين وبقى الباقي، ويدل عليه ايضا رواية اسماعيل بن رياح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4)


(1) ص 284. (2) ص 283. (3) الوسائل الباب 16 من المواقيت. (4) المروية في الوسائل في الباب 25 من المواقيت.


[ 293 ]

قال: " إذا صليت وانت ترى انك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وانت في الصلاة فقد اجزأت عنك " ونقل عن السيد المرتضى وابن ابي عقيل وابن الجنيد البطلان كما لو وقعت باسرها قبل الوقت، واختاره العلامة في المختلف والسيد السند في المدارك، وظاهر المحقق في المعتبر التوقف في المسألة حيث قال: ان ما اختاره الشيخ اوجه بتقدير تسلم صحة الرواية وما ذكره المرتضى اوجه بتقدير اطراحها. قال في المدارك بعد نقله عنه: هذا كلامه لكن الاطراح متعين لضعف السند. انتهى. واحتج في المختلف على ما ذهب إليه من البطلان برواية ابي بصير المتقدمة، وبانه مأمور بايقاع الصلاة في وقتها ولم يحصل الامتثال. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهو جيد ولا ينافيه توجه الامر بالصلاة بحسب الظاهر لاختلاف الامرين كما لا يخفى. انتهى. ثم نقل في المختلف عن الشيخ انه احتج بما رواه اسماعيل بن رياح ثم ساق الرواية وبأنه مأمور بالدخول في الصلاة عند الظن إذ مع الاشتباه لا يصح التكليف بالعلم لاستحالة التكليف بما لا يطاق فيتحقق الاجزاء. ثم اجاب عن ذلك اما عن الرواية فبالمنع من صحة السند واما عن الثاني فبان الاجزاء انما يتحقق مع استمرار سببه وهو الظن فإذا ظهر كذبه انتفى ويبقى في عهدة الامر كما لو فرغ من العبادة قبل الدخول. ثم قال واعلم ان الرواية التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في طريقها اسماعيل بن رياح ولا يحضرني الآن حاله فان كان ثقة فهي صحيحة وتعين العمل بمضمونها وإلا فلا. انتهى اقول: انت خبير بان كلامهم في هذه المسألة صحة وبطلانا دائر مدار خبر اسماعيل المذكور قبولا وردا فمن قبله وعمل به اما لكونه ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح أو يراه ولكن يجبر ضعف الخبر بالشهرة فانه يحكم بالصحة ومن رده فانه يحكم بالبطلان وحيث كان الخبر عندنا مقبولا لا وجه لرده لعدم عملنا على هذا الاصطلاح المحدث فالقول بالصحة ظاهر. واما ما احتج به في المختلف كما نقله عنه في المدارك - من قوله


[ 294 ]

ولانه مأمور بايقاع الصلاة في وقتها ولم يحصل الامتثال - ففيه وان استجوده السيد المذكور انه ان اريد بهذا الوقت الذي هو مأمور بايقاع الصلاة فيه بمعنى الوقت الواقعي النفس الامري كما هو ظاهر كلاميهما فهو ممنوع لان الشارع لم يجعل الواقع ونفس الامر مناطا للاحكام الشرعية لا في هذا الموضع ولا في غيره، وان اريد به ما هو وقت في نظر المكلف كما هو المناط في جميع التكاليف فهو صادق على ما نحن فيه كما هو المفروض غاية الامر انه وقت ظني، وسيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة الاتية بيان قوة القول بالبناء على الظن مع الاشتباه، وحينئذ فالتحقيق ان يقال انه مكلف بايقاع الصلاة في وقتها المعلوم أو المظنون فمتى صلاها في احدهما فقد امتثل وامتثال الامر يقتضي الاجزاء، غاية ما في الباب انه قام الدليل على البطلان أو وقعت كملا قبل الوقت وبقى الباقي على الصحة بمقتضى الامر ودلالة الرواية المذكورة، ويؤيده رواية الاصبغ بن نباتة وموثقة عمار المتقدمتان في من ادرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس. واما ما ذكره في المدارك - بعد حكمه بكونه جيدا بقوله: " ولا ينافيه توجه الامر بالصلاة بحسب الظاهر لاختلاف الامرين " - فلا وجه له بعد ما عرفت لان الاختلاف بين الامرين كما ادعاه انما يتم لو كان الوقت الذى ادعى انه مأمور بايقاع الصلاة فيه هو الوقت الواقعي النفس الامري وقد عرفت فساده، ومتى اريد به الوقت الذي في نظر المكلف فهو يرجع إلى ما ذكره ثانيا من الامر بالصلاة بحسب الظاهر فلا اختلاف بين الامرين كما لا يخفى. والله العالم.

(المسألة السادسة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان من كان له طريق إلى العلم بالوقت فلا يجوز له الصلاة إلا بعد العلم بذلك فان لم يكن له طريق إلى ذلك فهل يجوز له الاجتهاد في الوقت بمعنى التعويل على الامارات المفيدة للظن أو يجب عليه الصبر حتى يتيقن الوقت ؟ قولان المشهور الاول. فالكلام هنا يقع في موضعين:

(الاول) فيما إذا كان له طريق إلى العلم وقد عرفت ان مذهب الاصحاب انه لا يجوز له الصلاة الا بعد العلم ولا يجوز له التعويل


[ 295 ]

على الظن، قال في المدارك بعد ذكر الحكم المذكور: وهو مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا. واستدل عليه في المنتهى بان العلم يؤمن معه الخطأ والظن لا يؤمن معه ذلك وترك ما يؤمن معه الخطأ قبيح عقلا. واعترضه في المدارك بانه ضعيف جدا قال والعقل لا يقضي بقبح التعويل على الظن هنا بل لا يأباه لو قام عليه الدليل. والاجود الاستدلال عليه بانتفاء ما يدل على ثبوت التكليف مع الظن للتمكن من العلم، ويؤيده عموم النهي عن اتباع الظن. انتهى. اقول: لا يخفى ان الاحكام الشرعية كما قدمناه في غير موضع توقيفية لا مسرح للعقل فيها بوجه وانما هي منوطة بالنصوص والادلة الواردة عن صاحب الشريعة وجودا وعدما وصحة وبطلانا، ولكنهم (رضوان الله عليهم) حيث اشتهر بينهم ترجيح الادلة العقلية على السمعية فتراهم في كل حكم يقدمون دليلا عقليا بزعمهم ثم يردفونه بالادلة السمعية وان كانت ادلتهم فيها ما هو اوهن من بيت العنكبوت وان لاوهن البيوت. والتحقيق هو الرجوع إلى الاخبار الواردة عن الائمة (عليهم السلام) في هذا المقام وغيره. ثم ان ما يظهر من كلام صاحب المدارك من عدم العلم بالمخالف المؤذن بدعوى الاجماع على المسألة المذكورة محل نظر فان ظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية يشعر بالخلاف، قال في المقنعة: من ظن ان الوقت قد دخل فصلى ثم علم بعد ذلك انه صلى قبله اعاد الصلاة إلا ان يكون الوقت دخل وهو في الصلاة لم يفرغ منها فيجزئه ذلك. وقال في النهاية ولا يجوز لاحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول الوقت أو يغلب على ظنه ذلك. وهو ظاهر المبسوط ايضا، والحمل على ان المراد بالظن في مقام عدم امكان العلم وان امكن إلا انه خلاف الظاهر من العبارتين المذكورتين. وبما ذكرنا من ظهور العبارتين المذكورتين في المخالفة للقول المشهور صرح الفاضل الخراساني ايضا في الذخيرة ويمكن الاستدلال على قول الشيخين بظاهر رواية اسماعيل بن رياح عن


[ 296 ]

ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا صليت وانت ترى انك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وانت في الصلاة فقد اجزأت عنك " وظاهر الاصحاب حمل هذه الرواية على صورة تعذر العلم حيث اوردوها في تلك المسألة وهي كما ترى مطلقة لا تقييد فيها بذلك لان قوله: " وانت ترى - اي تظن - انك في وقت " اعم من ان يكون العلم ممكنا أو غير ممكن، على ان ما ذكروه من عدم جواز التعويل على الظن مع امكان العلم لا يخلو من المناقشة، فان المستفاد من لاخبار المستفيضة الاعتماد على اذان المؤذنين وان كانوا من المخالفين، ومن الظاهر ان غاية ما يفيد هو الظن وان تفاوت شدة وضعفا باعتبار المؤذنين وما هم عليه من زيادة الوثاقة والضبط في معرفة الاوقات وعدمه. وها انا اسوق من الاخبار الجارية في هذا المضمار، فمنها - صحيحة ذريح المحاربي (2) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) صل الجمعة باذان هؤلاء فانهم اشد شئ مواظبة على الوقت ". ورواية محمد بن خالد القسري (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اخاف ان اصلي يوم الجمعة قبل ان تزول الشمس ؟ قال انما ذاك على المؤذنين ". وروى العياشي في تفسيره عن سعيد الاعرج (4) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وهو مغضب وعنده اناس من اصحابنا وهو يقول تصلون قبل ان تزول الشمس ؟ قال وهم سكوت، قال قلت ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة قال فلا بأس اما انه إذا اذن فقد زالت الشمس.. الخبر " والخبر صحيح كما ترى بالاصطلاح القديم لكون الكتاب من الاصول المعتمدة. وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل صلى الفجر في


(1) المروية في الوسائل في الباب 25 من المواقيت. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من الاذان.


[ 297 ]

يوم غيم أو في بيت واذن المؤذن وقعد فاطال الجلوس حتى شك فلم يدر هل طلع الفجر ام لا فظن ان المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر ؟ قال اجزأه اذانهم ". وروى الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: " المؤذن مؤتمن والامام ضامن ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) في المؤذنين انهم الامناء ". وروى فيه ايضا مرسلا (3) قال: " كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤذنان احدهما بلال والآخر ابن ام مكتوم وكان ابن ام مكتوم اعمى وكان يؤذن قبل الصبح وكان بلال يؤذن بعد الصبح فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ان ابن ام مكتوم يؤذن بليل فإذا سمعتم اذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا اذان بلال ". وروى في الفقيه ايضا مرسلا (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث المؤذن له من كل من يصلي بصوته حسنة ". وباسناده عن عبد الله بن علي عن بلال في حديث (5) قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول المؤذن امناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم.. الحديث ". وروى الشيخ المفيد في المقنعة (6) قال: " روى عن عن الصادقين (عليهم السلام) انهم قالوا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغفر للمؤذن مد صوته وبصره ويصدقه، إلى ان قال وله من كل من يصلي باذانه حسنة ". وروى الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن الفضل بن الربيع في حكاية حبس الكاظم (عليه السلام) عنده (7) " انه كان يعقب بعد الفجر إلى


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 3 من الاذان. (3) الوسائل الباب 8 من الاذان. (7) الوسائل الباب 59 من المواقيت.


[ 298 ]

ان تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس وقد وكل من يترصد الزوال فلست ادري متى يقول له الغلام قد زالت الشمس إذ وثب فيبتدئ الصلاة من غير ان يحدث وضوء، ثم ساق الكلام إلى ان قال فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست ادري متى يقول الغلام ان الفجر قد طلع إذ وثب هو لصلاة الفجر.. الحديث ". وهذه الاخبار كلها - كما ترى - ظاهرة الدلالة متعاضدة المقالة في جواز الاعتماد على المؤذنين وغيرهم كما يدل عليه الحديث الاخير، ولا يخفى ان غاية ما يفيد هو الظن، ويعضد هذه الاخبار رواية اسماعيل بن رياح المتقدمة. إلا انه روى الشيخ عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) " في الرجل يسمع الاذان فيصلي الفجر ولا يدري أطلع الفجر ام لا غير انه يظن لمكان الاذان انه طلع ؟ قال لا يجزئه حتى يعلم انه طلع " وهي ظاهرة في عدم جواز التعويل على الاذان، وبها استدل في المدارك على القول المشهور. وانت خبير بان ما قابلها من الاخبار المتقدمة اكثر عددا واوضح سندا، وحينئذ يتعين ارتكاب التأويل في هذه الرواية بان تحمل على عدم الوثوق بالمؤذن أو على الفضل والاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الابواب. وظاهر المحقق في المعتبر الميل إلى الاعتماد على اذان الثقة الذي يعرف منه الاستظهار لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " المؤذنون امناء " ولان الاذان مشروع للاعلام بالوقت فلو لم يعول عليه لم تحصل الغاية من شرعيته. واعترضه الشهيد وغيره بانه يكفي في صدق الامانة تحققها بالنسبة إلى ذوي الاعذار وشرعية الاذان للاعلام لتقليدهم خاصة ولتنبيه المتمكن على الاعتبار.


(1) الوسائل الباب 58 من المواقيت عن الذكرى وكتاب علي بن جعفر. (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاذان.


[ 299 ]

وفيه نظر: (اما اولا) فانه تقييد لاطلاق الاخبار المتقدمة بغير دليل سوى مجرد دعواهم الاتفاق على اشتراط العلم. و (اما ثانيا) فان الدليل غير منحصر فيما ذكره المحقق من التعليلين المذكورين ليتم ما قالوه بالجواب عنهما بل ظاهر صحيحة ذريح ورواية محمد بن خالد ونحوهما من الروايات المتقدمة هو العموم لذوي الاعذار وغيرهم وهو اظهر من ان يحتاج إلى مزيد بيان وبذلك يظهر ما في جمود صاحب المدارك على كلام الشهيد هنا واعتضاده به وتردد الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقله فانه لا وجه له بعد ما عرفت من الاخبار التي قدمناها وظهورها في العموم، ولكنهم لعدم اعطاء التتبع والتأمل حقهما في الاخبار جرى لهم ما جرى في امثال هذا المضمار. واما ما نقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر - من كتاب نوادر البزنطي عن عبد الله بن عجلان (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل ركعتين فإذا استيقنت انها قد زالت بدأت بالفريضة " - فلا منافاة فيه لما ذكرناه إذ غاية ما يدل عليه هو عدم جواز الصلاة مع الشك في الوقت وجوازها مع اليقين ولا، دلالة فيه على التخصيص به وعدم جواز الاعتماد على الظن الحاصل بالاذان ونحوه بل هو مطلق بالنسبة إلى ذلك فيجب تقييده بما ذكرنا من الاخبار. واما ما رواه المرتضى (رضي الله عنه) في رسالة المحكم والمتشابه - عن تفسير النعماني باسناده عن اسماعيل بن جابر عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث طويل (2) قال: " ان الله إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على اوقات الصلوات فموسع عليهم تأخير الصلاة ليتبين لهم الوقت بظهورها ويستيقنوا انها قد زالت " - فمورده صورة الاشتباه وسيأتي الكلام فيها ثمة. واما ما في حديث على بن مهزيار (3) - وقول ابي جعفر (عليه السلام) فيه


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 58 من المواقيت.


[ 300 ]

" الفجر هو الخيط الابيض المعترض فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تتبينه فان الله سبحانه لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " (1) - فان ظاهر سياق الخبر انه مع الاشتباه وعدم تبين الفجر الصادق من الكاذب لا يجوز له الصلاة حتى يتبين ذلك، إلا ان تبينه كما يكون برؤيته بنفسه كذلك يكون بسماع الاذان كما ينادي به قوله (صلى الله عليه وآله) في مرسلة الفقيه " فكلوا واشربوا حتى تسمعوا اذان بلال " (2) وهو ظاهر اطلاق باقي الاخبار، وحاصل المعنى هو الرخصة في الاكل والشرب حتى يتبين الفجر باحد الامرين المذكورين. وقال في المدارك - بعد اعتراضه على كلام المعتبر المتقدم بما قدمنا نقله عن الشهيد - ما صورته: نعم لو فرض افادته العلم بدخول الوقت كما قد يتفق كثيرا في اذان الثقة الضابط الذي يعلم منه الاستظهار في الوقت إذا لم يكن هناك مانع من العلم جاز التعويل عليه قطعا ويدل عليه صحيحة ذريح، ثم اورد الصحيحة المذكورة وعقبها برواية محمد ابن خالد القسري. اقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه (اما اولا) فان ما ذكره من افادة اذان الثقة الضابط للعلم ينافي ما ذكروه في الاصول بالنسبة إلى الاخبار المروية عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) بنقل الثقات العدول المجمع على فضلهم وورعهم وعدالتهم من ان غاية ما تفيده رواياتهم هو الظن دون العلم، وهذه احدى المعارك العظام بين الاصوليين والاخباريين كما حقق في محله. و (اما ثانيا) فان ما زعمه من دلالة الخبرين المذكورين على افادة العلم لا اعرف له وجها، نعم يستفاد من الاول حصول الظن الراجح باذانهم. وبالجملة فالظاهر عندي من الاخبار الواردة في المقام هو ما ذهب إليه الشيخان


(1) سورة البقرة، الآية 183. (2) ص 297.


[ 301 ]

المتقدمان في المسألة من العمل على الظن. والله العالم.

(الموضع الثاني) - فيما لو لم يكن له طريق إلى العلم لغيم ونحوه فهل يجب الصبر عليه حتى يتيقن الوقت أو يجوز له الاجتهاد والبناء على الظن ؟ المشهور الثاني، ونقل عن ابن الجنيد انه قال ليس للشاك يوم الغيم ولا غيره ان يصلي إلا عند تيقنه الوقت وصلاته في آخر الوقت مع اليقين خير من صلاته مع الشك. والى هذا القول مال في المدارك، قال (قدس سره) بعد ذكر القول المشهور ثم مذهب ابن الجنيد: احتج الاولون برواية سماعة (1) قال: " سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم ؟ قال اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك " قيل وهذا يشمل الاجتهاد في الوقت والقبلة. ويمكن ان يستدل له ايضا بما رواه أبو الصباح الكناني (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت وفى السماء علة فافطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب ؟ فقال قد تم صومه ولا يقضيه " وإذا جاز التعويل على الظن في الافطار جاز في الصلاة إذ لا قائل بالفرق. وصحيحة زرارة (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام ان كنت اصبت منه شيئا " وتقريب الاستدلال ما تقدم. ويمكن المناقشة في الروايتين الاوليين بضعف السند وفي الثالثة بقصور الدلالة لاحتمال ان يراد بمضي الصوم فساده. وبالجملة فالمسألة محل تردد وقول ابن الجنيد لا يخلو من قوة. انتهى. اقول ؟ لا يخفى ان ما ذكره من الاستدلال برواية سماعة مبني على حمل الاجتهاد على الوقت والظاهر بعده بل المراد انما هو الاجتهاد في القبلة فيكون العطف تفسيريا فلا تكون الرواية المذكورة من المسألة في شئ. واما رواية الكناني وصحيحة زرارة


(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب القبلة. (2) و (3) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك.


[ 302 ]

فهما ظاهرتا الدلالة على القول المشهور، وما ردهما به من الطعن في غاية القصور لما صرح به هو نفسه (قدس سره) في كتاب الصوم في مسألة الافطار للظلمة الموهمة حيث نقل ثمة انه لا خلاف بين علمائنا ظاهرا في جواز الافطار عند ظن الغروب إذا لم يكن للظان طريق إلى العلم وانما اختلفوا في وجوب القضاء وعدمه إذا انكشف فساد الظن، ثم نقل القول بعدم الوجوب عن جمع من الاصحاب ونقل القول بالوجوب عن آخرين واختار الاول، واستدل بصحيحة زرارة ورواية ابي الصباح الكناني المذكورتين وصحيحة اخرى لزرارة ايضا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " انه قال لرجل ظن ان الشمس قد غابت فافطر ثم ابصر الشمس بعد ذلك فقال ليس عليه قضاء " ونقل ايضا رواية الشحام الدالة على ذلك. وانت خبير بظهور دلالة هذه الروايات كملا على القول المشهور إذ الحكم في الصلاة والصوم واحد لابتنائهما على وقت واحد واما ما ذكره هنا - من التأويل في صحيحة زرارة بحمل قوله: " قد مضى صومك " على معنى فساده - فهو من التأويلات الغثة التي يقضى منها العجب من مثل فان هذه العبارة انما يرمى بها في مقام الكناية عن الصحة اي مضى صومك على الصحة. ومما يؤيد القول المشهور زيادة على ما ذكرنا موثقة عبد الله بن بكير عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار ؟ قال فقال لا تعد ولا تعد " ورواية اسماعيل ابن رياح المتقدمة. والروايات الدالة على الاعتماد على صياح الديك، ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن في كتابي الكليني والشيخ إلى ابي عبد الله الفراء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " انه قال له رجل من اصحابنا انه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم ؟ فقال تعرف هذه


(1) رواها في الوسائل في الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك. (2) الوسائل الباب 4 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 14 من المواقيت.


[ 303 ]

الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك ؟ فقال نعم. قال إذا ارتفعت اصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس أو قال فصله " كذا في الكتابين المتقدمين وفى الفقيه (1) " فعند ذلك فصل ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسين بن المختار عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اني رجل مؤذن فإذا كان يوم الغيم لم اعرف الوقت ؟ فقال إذا صاح الديك ثلاثة اصوات ولاء فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة " ورواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) مثله. وقد ظهر لك بما ذكرناه قوة القول المشهور وانه لا يعتريه نقص ولا قصور وبذلك يظهر لك ضعف ما ذكره في المدارك ومثله الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه تردد في المسألة. ويمكن ان يستدل لابن الجنيد بما تقدم من رواية اسماعيل بن جابر المنقولة عن تفسير النعماني المذكورة في الموضع الاول الا ان ظاهرها لا يخلو من اشكال لدلالتها على التأخير حتى تطلع الشمس مع انها ربما لا تطلع في ذلك اليوم بالكلية، ويمكن حملها على استحباب التأخير لتحقق الوقت، وكيف كان فهي لا تبلغ حجة في مقابلة ما قدمناه من الاخبار سندا ولا عددا ولا دلالة فيتحتم تأويلها بما ذكرناه أو غيره. هذا مع استمرار الاشتباه واما إذا انكشف فساد الظن المذكور فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في المقام الرابع من المسألة المتقدمة. والله العالم.

(المسألة السابعة) - اتفق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على كراهة النوافل في الاوقات الخمسة المشهور في الجملة، وهي عند طلوع الشمس حتى تذهب الحمرة وينتشر شعاعها، وعند غروبها اي حال دنوها من الغروب واصفرارها حتى يكمل الغروب بذهاب الحمرة المشرقية، وعند قيامها اي كونها في وسط النهار على دائرة


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب المواقيت.


[ 304 ]

نصف النهار حتى يتحقق الزوال باحد اسبابه المتقدمة إلا يوم الجمعة فان ظاهرهم الاتفاق على استثنائه كما سيأتي ان شاء الله تعالى، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وانما اختلفت كلمتهم في تخصيص النوافل المذكورة بالمبتدأة أو عمومها للقضاء وذوات الاسباب أو احدهما دون الآخر على اقوال، والمشهور تخصيص الكراهة بالنوافل المبتدأة وهو المنقول عن الشيخ في المبسوط والاقتصاد واليه ذهب المتأخرون وحكم في النهاية بكراهة النوافل اداء وقضاء عند الطلوع والغروب ولم يفرق بين ذي السبب وغيره. وفصل في الخلاف فقال في ما نهى عنه لاجل الوقت وهي المتعلقة بالشمس لا فرق فيه بين الصلوات والبلاد والايام إلا يوم الجمعة فانه يصلى عند قيامها النوافل، ثم قال وما نهى عنه لاجل الفعل وهي المتعلقة بالصلوات انما يكره ابتداء الصلاة فيه نافلة فاما كل صلاة لها سبب فانه لا بأس به. وجزم المفيد (قدس سره) بكراهة النوافل المبتدأة وذات السبب عند الطلوع والغروب على ما نقله في المختلف، وظاهره في المقنعة التحريم، وقال ان من زار احد المشاهد عند طلوع الشمس أو غروبها اخر الصلاة حتى تذهب حمرة الشمس عند طلوعها وصفرتها عند غروبها والى ما ذكره يرجع كلام الشيخ في النهاية. وعن ابن ابي عقيل لا نافلة بعد طلوع الشمس إلى الزوال ولا بعد العصر حتى يغيب القرص إلا يوم الجمعة وقضاء فوائت السنن فان القضاء مطلق بعد طلوع الشمس إلى الزوال وبعد العصر إلى ان تغيب الشمس وقال ابن الجنيد ورد النهي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الابتداء بالصلاة عند طلوع الشمس وعند قيامها نصف النهار وعند غروبها واباح الصلاة نصف النهار يوم الجمعة فقط. وقال السيد المرتضى ومما انفردت به الامامية كراهة صلاة الضحى وان التنفل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرم إلا في يوم الجمعة خاصة. وقال في اجوبة المسائل الناصرية حيث قال الناصر لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس وعند استوائها وعند غروبها. قال وهذا عندنا صحيح وعندنا انه يجوز ان يصلى في الاوقات المنهى عن


[ 305 ]

الصلاة فيها كل صلاة لها سبب متقدم وانما لا يجوز ان يبتدأ فيها بالنوافل. وصريح كلامي المرتضى (رضي الله عنه) هو التحريم في المبتدأة وهو ظاهر كلام ابن ابي عقيل وابن الجنيد. والاصل في هذا الاختلاف هو اختلاف الاخبار الواردة في المقام وها انا املي عليك ما وقفت عليه من تلك الاخبار واردفه بما وفقني الله تعالى لفهمه منها على وجه لا يعتريه ان شاء الله العثار ولا يحصل الصد عنه والنفار: فمنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع ولا سجود وانما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود لانها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن محمد الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان. وقال لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب ". وعن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ". وعن ابي الحسن علي بن بلال (4) قال: " كتبت إليه في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد العصر إلى ان تغيب الشمس ؟ فكتب الي لا يجوز ذلك إلا للمقتضى فاما لغيره فلا " يعني لا يجوز الصلاة في هذين الوقتين إلا لمن يقضي نافلة أو فريضة.


(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من صلاة الجنازة. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 38 من المواقيت.


[ 306 ]

وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ". وعن محمد بن فرج (2) قال: " كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) اسأله عن مسائل فكتب الي: وصل بعد العصر من النوافل ما شئت وصل بعد الغداة من النوافل ما شئت " وروى الصدوق في الفقيه عن الحسين بن زيد في حديث المناهي عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: " ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها ". ورواه في المجالس ايضا (4) وقال: " وقد روى نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لان الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان ". وروى الصدوق في كتاب العلل بسند قوي عن سليمان بن جعفر الجعفري (5) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول لا ينبغي لاحد ان يصلي إذا طلعت الشمس لانها تطلع بقرني شيطان، فإذا ارتفعت وصفت فارقها فيستحب الصلاة ذلك الوقت والقضاء وغير ذلك، فإذا انتصف النهار قارنها فلا ينبغي لاحد ان يصلي في ذلك الوقت لان ابواب السماء قد غلقت، فإذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن علي بن سليمان عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن محمد بن الفضيل البصري (6) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) ان يونس كان يفتي الناس عن آبائك (عليهم السلام) انه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى ان تغيب الشمس ؟ فقال كذب لعنه الله على ابي أو قال على آبائي ". ونقل شيخنا في البحار (7) عن كتاب زيد النرسي عن علي بن مزيد قال:


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 38 من المواقيت. (7) ج 18 الصلاة ص 82.


[ 307 ]

" سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ان الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر ". وروى الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا عن محمد بن جعفر الاسدي والصدوق في كتاب اكمال الدين مسندا عن محمد بن احمد السناني وعلي بن احمد بن محمد الدقاق والحسين بن ابراهيم المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق (1) قالوا: " حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الاسدي قال كان فيما ورد على الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري في جواب مسائلي إلى صاحب الدار - وفى الاحتجاج إلى صاحب - الزمان: اما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلان كان كما يقول الناس ان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان فما ارغم انف الشيطان بشئ مثل الصلاة فصلها وارغم انف الشيطان ". إذا عرفت ذلك فالكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع:

(الاول) لا يخفى ان بعض هذه الاخبار وان دل باطلاقه على المنع من صلاة الفريضة في هذه الاوقات مثل صحيحة محمد بن مسلم وموثقة الحلبي ونحوهما من الاخبار الدالة على انه لا صلاة في هذه الاوقات إلا انه يجب تقييدها بما ورد من الاخبار الدالة على قضاء الفريضة وجوازه في هذه الاوقات: كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " اربع صلوات يصليهن الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها اديتها وصلاة ركعتي الطواف الفريضة وصلاة الكسوف والصلاة على الميت، هؤلاء تصليهن في الساعات كلها ". ورواية نعمان الرازي (3) قال ؟ " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاته شئ من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها قال فليصل حين ذكره ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " خمس صلوات


(1) الوسائل الباب 38 من المواقيت. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 39 من المواقيت.


[ 308 ]

تصليهن في كل وقت: صلاة الكسوف والصلاة على الميت وصلاة الاحرام والصلاة التي تفوت وصلاة الطواف من الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى الليل ". وصحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول خمس صلوات لا تترك على كل حال: إذا طفت بالبيت وإذا اردت ان تحرم وصلاة الكسوف وإذا نسيت فصل إذا ذكرت وصلاة الجنازة ". وما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي من الاخبار الدالة على الفورية بالقضاء وان وقتها ساعة ذكرها. (فان قيل): ان النسبة بين هذه الاخبار وبين الاخبار الدالة على المنع العموم من وجه لان هذه الاخبار دلت على الجواز اعم من ان يكون على جهة الكراهة أو بدونها وتلك الاخبار دلت على المنع من الصلاة فريضة كانت أو غيرها من هذه المعدودات، فما المرجح لما ذكرتموه من الجمع بتقييد تلك الاخبار بهذه واستثناء هذه الصلاة من الكراهة ولم لا يجوز العكس بابقاء تلك الاخبار على ظاهرها من المنع وحمل الجواز في هذه الاخبار على الجواز المطلق الغير المنافي للكراهة ؟ (قلنا): وجه الترجيح لما ذكرنا من الجمع وجوه عديدة: منها كثرة هذه الاخبار وظهورها في الجواز من غير كراهة وتأيدها بالشهرة وعمل الاصحاب بذلك وتصريح رواية ابي بصير بالنسبة إلى ما بعد الفجر وما بعد العصر. إلا انه لا يخفى ايضا انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على الكراهة في قضاء الفرائض في بعض هذه الاوقات، مثل رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان نام الرجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء الآخرة أو نسى فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما وان خشى ان تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وان استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس


(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.


[ 309 ]

فان خاف ان تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها " ونحوها رواية الحسن بن زياد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) الدالة على " ان الذاكر ظهرا منسية في اثناء العصر يعدل ولو ذكر مغربا في اثناء العشاء صلى المغرب بعدها ولا يعدل لان العصر ليس بعدها صلاة " وفي صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس ". وهذه الاخبار قد حملها الشيخ على التقية وهو جيد لما قدمنا تحقيقه من ان رواية ابي بصير وصحيحة ابن سنان الدالتين على امتداد وقت العشاءين إلى قبل الفجر انما خرجتا مخرج التقية في ذلك فكذا في هذا الحكم. وبالجملة فان المستفاد من الاخبار المذكورة هو استثناء هذه الصلوات المذكورة كملا من عموم تلك الاخبار فلا كراهة فيها بالكلية.

(الثاني) - المستفاد من هذه الاخبار بعد ضم مطلقها إلى مقيدها هو جواز قضاء النوافل في هذه الاوقات من غير كراهية، لان بعضها وان دل باطلاقه على المنع إلا ان رواية علي بن بلال قد صرحت باستثناء القضاء، وعليها يحمل ايضا اطلاق صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على انه يصلي بعد العصر من النوافل ما شاء وبعد الغداة يعني قضاء وكذا رواية محمد بن فرج لما عرفت من دلالة الاخبار المذكورة على المنع من المبتدأة خصوصا وعموما. ومما يدل على جواز القضاء في هذه الاوقات الاخبار المستفيضة كرواية محمد بن يحيى بن حبيب (3) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) تكن علي الصلاة النافلة متى اقضيها ؟ فكتب في اي ساعة شئت من ليل أو نهار ".


(1) الوسائل الباب 63 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 62 من المواقيت. (3) المروية في الوسائل في الباب 39 من ابواب المواقيت.


[ 310 ]

ورواية حسان بن مهران (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء النوافل قال ما بين طلوع الشمس إلى غروبها ". وعن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في قضاء صلاة الليل والوتر تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ؟ قال لا بأس بذلك ". وعن جميل بن دراج (3) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس ؟ قال نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد المخزون ". وفى الصحيح عن احمد بن النضر وعن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي في بعض اسناديهما (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن القضاء قبل طلوع الشمس وبعد العصر فقال نعم فاقضه فانه من سر آل محمد عليهم السلام ". وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال الصادق (عليه السلام) قضاء صلاة الليل بعد الغداة وبعد العصر من سر آله محمد المخزون ". وروى الشيخ عن سليمان بن هارون (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء الصلاة بعد العصر قال نعم انما هي النوافل فاقضها متى شئت ". وعن الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " اقض صلاة النهار اي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء ". وعن ابن ابي يعفور في الصحيح (8) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار يجوز قضاؤها اي ساعة شئت من ليل أو نهار ". وبذلك يظهر ما في كلام الشيخين في المقنعة والنهاية من الحكم بكراهة قضاء النافلة في الاوقات الثلاثة وهي عند الطلوع والغروب والقيام، فانه ناشئ عن الغفلة


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (5) رواه في الوسائل في الباب 45 و 56 من المواقيت.


[ 311 ]

عن ملاحظة هذه الاخبار. وظاهر الاخبار الدالة على ان القضاء بعد الفجر وبعد العصر من سر آل محمد المخزون ربما اشعر بكون ما دل على المنع من القضاء في هذين الوقتين انما خرج مخرج التقية. وكيف كان فانه يبقى الاشكال فيما عدا القضاء من ذوات الاسباب فان ظاهر القول المشهور الجواز من غير كراهية وروايات المسألة كما ترى لا تعرض فيها لشئ من ذلك إلا ما دلت عليه الاخبار المتقدمة في الموضع الاول من ركعتي الطواف وصلاة الاحرام ويبقى ما عدا ذلك على الاشكال المذكور. واما ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن طريف وعلي بن اسماعيل ومحمد بن عيسى جميعا عن حماد بن عيسى (1) قال: " رأيت ابا الحسن موسى (عليه السلام) صلى الغداة فلما سلم الامام قام فدخل الطواف فطاف اسبوعين بعد الفجر قبل طلوع الشمس ثم خرج من باب بني شيبة ومضى ولم يصل " فيجب حمله على التقية كما ان قران الطوافين محمول عليها ايضا. وظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى الجمع بين الاخبار بتخصيص عموم هذه الروايات بروايات ذوات الاسباب، قال والاقرب على القول بالكراهة استثناء ماله سبب لان شرعيته عامة وإذا تعارض العمومان وجب الجمع والحمل على غير ذوات الاسباب وجه جمع فان مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا دخل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " يشمل جميع الاوقات وكذا كل ذي سبب فان النص عليه شامل. انتهى وانت خبير بانه لقائل ان يقول كما يجوز ان يخصص عموم تلك الاخبار بهذه فلم لا يجوز العكس بابقاء اخبار المنع على عمومها وتخصيص هذه الاخبار بها بان يقال انه


(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من الطواف. (2) صحيح مسلم ج 1 ص 267 " إذا دخل احدكم المسجد فليركع ركعتين قبل ان يجلس ".


[ 312 ]

يؤتى بذوات الاسباب متى وجد السبب إلا في ما إذا كان في احد هذه الاوقات ؟ فلابد لترجيح احد الحملين على الآخر من مرجح. ويمكن ان يرجح ما ذكره بتطرق التخصيص إلى تلك الاخبار بما قدمناه من اخبار قضاء الفرائض وقضاء النوافل وما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة في الموضع الاول من تلك الصلوات الخمس التي تصلى في كل وقت، سيما مع ما ستعرف ان شاء الله تعالى من احتمال تطرق التقية إلى هذه الاخبار كلا أو بعضا، واعتضاد تلك الاخبار ايضا بعموم ما دل على مشروعية الصلاة ورجحانها في كل وقت.

(الثالث) - ظاهر الصدوق (قدس سره) في الفقيه التوقف في هذه المسألة حيث قال: وقد روى نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان. إلا انه روى لي جماعة من مشايخنا عن ابي الحسين محمد بن جعفر الاسدي، ثم اورد الرواية كما قدمناه. وقال الشيخ في التهذيب بعد ان اورد الاخبار المتضمنة للكراهة: وقد روى رخصة في الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ونقل الرواية بعينها. وقال السيد السند في المدارك بعد نقل كلام الفقيه بتمامه: ولولا قطع الرواية ظاهرا لتعين المصير إلى ما تضمنته وحمل اخبار النهي على التقية لموافقتها لمذهب العامة واخبارهم وقد اكثر الفقيه الجليل محمد بن محمد بن النعمان في كتابه المسمى ب‍ " افعل لا تفعل " من التشنيع على العامة في روايتهم ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقال انهم كثيرا ما يخبرون عن النبي (صلى الله عليه وآله) بتحريم شئ وبعلة تحريمه وتلك العلة خطأ لا يجوز ان يتكلم بها النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يحرم الله من قبلها شيئا، فمن ذلك ما اجمعوا عليه من النهي عن الصلاة في وقتين عند طلوع الشمس حتى يلتئم طلوعها وعند غروبها، فلولا ان علة النهي انها تطلع وتغرب بين قرني الشيطان لكان ذلك جائزا، فإذا كان آخر الحديث موصولا باوله وآخره فاسد فسد الجميع. وهذا جهل من قائله والانبياء لا تجهل


[ 313 ]

فلما بطلت هذه الرواية بفساد آخر الحديث ثبت ان التطوع جائز فيهما. انتهى. اقول: ما ذكره من ان الرواية مقطوعة غفلة عن مراجعتها من كتاب اكمال الدين واتمام النعمة إلا انه ربما لو اطلع على ذلك لطعن في ذلك بعدم توثيق المشايخ المذكورين في كتب الرجال. ولكن التحقيق كما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) هو صحة الرواية، حيث قال: والظاهر صحة الرواية لان قول الصدوق " روى لي جماعة من مشايخنا " يدل على استفاضتها عنده، والمشايخ الاربعة الذين ذكرهم في اكمال الدين وان لم يوثقوا في كتب الرجال لكنهم من مشايخ الصدوق ويروي عنهم كثيرا ويقول غالبا بعد ذكر كلامهم " رضي الله عنهم " واتفاق هذا العدد من المشايخ على النقل لا يقصر عن نقل واحد قال فيه بعض اصحاب الرجال " ثقة "، فلا يبعد حمل اخبار النهى مطلقا على التقية أو الاتقاء لاشتهار الحكم بين المخالفين واتفاقهم على اضرار من صلى في هذه الاوقات. ثم نقل كلام الشيخ المفيد المتقدم في كلام السيد (قدس سرهما). اقول: والقول بما صرحوا به (نور الله مراقدهم) من الحمل على التقية قريب في الباب لصحة هذا الخبر وصراحته إلا انه ربما اشكل ذلك لورود هذا اللفظ في جملة من الاخبار الخارجة عن اخبار المسألة مثل خبر النفر من اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله اعلمهم عن مسائل (1) وفيه في تعليل صلاة الفجر في الوقت المخصوص بها ما صورته " واما صلاة الفجر فان الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان فأمرني ربي عزوجل ان اصلي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة وقبل ان يسجد لها الكافر لتسجد امتي لله عزوجل.. الحديث " ونحوه ما رواه الصدوق في العلل (2) في ما اجاب به امير المؤمنين (عليه السلام) عن مسائل اليهود قال: " ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان " ونحوهما مما لا يخفى على المتتبع، والظاهر انه لذلك قال شيخنا البهائي في كتاب


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من اعداد الفرائض. (2) البحار ج 18 الصلاة ص 82 عن الخصال. (7)


[ 314 ]

الحبل المتين بعد نقل كلام الصدوق ودلالته على التوقف: والاولى عدم الخروج عما نطقت به الروايات المتكثرة وقال به جماهير الاصحاب. انتهى. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال وان كان ما ذكرناه من الحمل على التقية اقرب قريب.

(الرابع) - ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من تعليل الكراهة حال الطلوع والغروب بان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان قد ورد مثله في اخبار العامة (1) وقد ذكروا في معناه وجوها: قال في النهاية الاثيرية: فيه " الشمس تطلع بين قرني الشيطان " اي ناحيتي رأسه وجانبيه. وقيل القرن القوة اي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها وقيل بين قرنيه اي امتيه الاولين والاخرين. وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سول له ذلك فإذا سجد لها فكأن الشيطان مقترن بها. وقال في القاموس: قرن الشيطان وقرناه امته والمتبعون لرأيه أو قوته وانتشاره وتسلطه. وقال الطيبي في شرح المكشاة: فيه وجوه: (احدها) - انه ينتصب قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه اي فوديه فيكون مستقبلا لمن يسجد للشمس فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان. و (ثانيها) - ان يراد بقرنيه حزباه اللذان يبعثهما لاغواء الناس. و (ثالثها) - انه من باب التمثيل شبه الشيطان في ما يسول لعبدة الشمس ويدعوهم إلى معاندة الحق بذوات القرون التي تعالج الاشياء وتدافعها بقرونها. و (رابعها) - ان يراد بالقرن القوة من قولهم انا نقرن له اي نطيق، ومعنى التثنية تضعيف القوة كما يقال " مالي بهذا الامر يد ولا يدان " اي لا قدرة ولا طاقة. انتهى. وقال شيخنا في الذكرى: قيل قرن الشيطان حزبه وهم عبدة الشمس يسجدون


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 307.


[ 315 ]

لها في هذه الاوقات. وقال بعض العامة ان الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الاوقات ليكون الساجد للشمس ساجدا له. انتهى. اقول: والذي وقفت عليه في اخبارنا مما يتعلق بذلك ما رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه رفعه (1) قال: " قال رجل لابي عبد الله (عليه السلام) الحديث الذي روي عن ابي جعفر (عليه السلام) ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان ؟ قال نعم ان ابليس اتخذ عرشا بين السماء والارض فإذا طلعت الشمس وسجد في ذلك الوقت الناس قال ابليس لشياطينه ان بني آدم يصلون لي " ونحوه ما تقدم من حديث النفر من اليهود مما يرجع إلى التعليل بسجود الكافر لها فيه. وحاصل معنى الخبرين المذكورين يرجع إلى التمثيل الذي ذكره في النهاية بان المصلي في ذلك الوقت كأنه ساجد ويصلي للشيطان من حيث سجوده للشمس بتسويل الشيطان واغوائه فطلوعها كذلك يقترن بالشيطان باعتبار تسويله واضلاله.

(الخامس) - ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية علي بن بلال (2) " لا يجوز ذلك إلا للمقتضى " مما يدل على ما صرح به المرتضى من التحريم، وهو ايضا ظاهر قولهم " لا صلاة " وكذا نهى النبي (صلى الله عليه وآله) فان ظواهر هذه الالفاظ هو التحريم وان تفاوتت في الدلالة على ذلك شدة وضعفا، إلا ان كلام الاكثر كما عرفت هو الكراهة والشهيد في الذكرى حمل التحريم في كلام المرتضى على الرجوع إلى صلاة الضحى لتقدمها في صدر الكلام، وهو انما يتم له في العبارة الاولى من عبارتيه السالفتين واما عبارته في اجوبة المسائل الناصرية فلا لعدم ذكر صلاة الضحى فيها ولتصريحه فيها بالنوافل المبتدأة وانه لا يجوز ان يبتدأ بالنوافل في هذه الاوقات. وظاهر عبارة الشيخ المفيد ايضا هو التحريم حيث قال في المقنعة: " ولا يجوز ابتداء النوافل ولا قضاء شئ منها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها " بعد ان صرح اولا بانه لا بأس ان يقضي الانسان نوافله بعد


(1) الفروع ج 1 ص 80 والوسائل الباب 38 من المواقيت. (2) ص 305.


[ 316 ]

صلاة الغداة إلى ان تطلع الشمس وبعد صلاة العصر إلى ان يتغير لونها. وفي المختلف نقل عنه عبارة اخرى ولعلها من غير المقنعة وعبر فيها بالكراهة، والذي وجدته في المقنعة هو ما ذكرته. إلا ان الشيخ المفيد جعل التحريم في وقتي الطلوع والغروب لكل من النافلة المبتدأة والمقضية، والسيد في كلامه الاول جعل التحريم في ما بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها واطلق في التنقل وفي الثاني صرح بالمبتدأة وان التحريم مخصوص بها وعمم في الاوقات كلها. وكيف كان فظواهر الاخبار الدلالة على التحريم كما ذكرنا إلا انك قد عرفت تخصيص تلك الاخبار بما عدا القضاء بل ذي السبب مطلقا فيرجع التحريم إلى المبتدأة خاصة، ولا اعرف لهم دليلا على الخروج عن ظواهرها من التحريم بدليل يوجب الخروج عن ظاهر ما دلت عليه مع قول جمع منهم به كما عرفت بذلك قال في الذكرى. ولعل استناد الاصحاب في الحكم بالكراهة وحمل الاخبار المشار إليها على ذلك هو قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم " وانما تكره الصلاة عند طلوع الشمس.. إلى آخره " وقوله (عليه السلام) في رواية سليمان بن جعفر الجعفري المنقولة من العلل " لا ينبغي لاحد ان يصلي إذا طلعت الشمس.. إلى آخره " والظاهر انه إلى ما ذكرنا اشار العلامة في المنتهى حيث قال: النهي الوارد ههنا للكراهة لان اخبارنا ناطقة بذلك خلافا لبعض الجمهور. وفيه ما عرفته في غير مقام مما تقدم من كثرة ورود هذين اللفظين في التحريم في اخبارهم (عليهم السلام) وقد حققنا فيما تقدم انهما من الالفاظ المتشابهة التي لا تحمل على احد المعنيين إلا بالقرينة. وبالجملة فالحكم عندي غير خال من شوب الاشكال لما عرفت. وقال في الذكرى: لو اوقع النافلة المكروهة في هذه الاوقات فالظاهر انعقادها ان لم نقل بالتحريم إذ الكراهة لا تنافي الصحة كالصلاة في الامكنة المكروهة، وتوقف فيه الفاضل من حيث النهي. قلنا ليس بنهي تحريم عندكم. وعليه يبنى نذر الصلاة في هذه الاوقات فعلى قولنا ينعقد وعلى المنع جزم الفاضل بعدم انعقاده لانه مرجوح. ولقائل


[ 317 ]

ان يقول بالصحة ايضا لانه لا يقصر عن نافلة لها سبب وهو عنده جائز، ولانه جوز ايقاع الصلاة المنذورة مطلقا في هذه الاوقات. انتهى. اقول: يمكن ان يكون توقف الفاضل نظرا إلى ظاهر النهي وانه حقيقة في التحريم وان كان خلاف المشهور بينهم وخلاف ما نسبه إليه بقوله: " ليس بنهي تحريم عندكم " فان اقواله (قدس سره) في اكثر المسائل متعددة، وعليه يحمل ايضا جزمه بعدم انعقاد النذر المذكور كما نقله عنه. وبالجملة فان جميع ما ذكره من البطلان وعدم انعقاد النذر انما يتم مع الاخذ بظاهر النهي فلعل العلامة في هذا الموضع اختار خلاف ما صرح به هو وغيره مما عليه القول المشهور من الجواز على كراهية.

(السادس) - ظاهر الاصحاب الاتفاق على استثناء يوم الجمعة من المنع من النوافل عند قيام الشمس، ونسبه في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه ونقله ايضا عن جماعة من العامة (1) وقد تقدم (2) صحيح عبد الله بن سنان الدال على ذلك، ومثله صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ قال قبل الاذان ".

(السابع) - اكثر الاخبار المتقدمة دلت على ان مقارنة الشيطان للشمس انما هو وقت الطلوع ووقت الغروب، وظاهر رواية الجعفري المتقدم نقلها من كتاب العلل مقارنته لها ايضا في حال الانتصاف وان النهي عن الصلاة وقت قيامها في الاخبار انما هو لذلك. ومن الاخبار الدالة على ذلك ايضا ما رواه في الذكرى قال: " روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها، ونهى عن الصلاة في هذه الاوقات " والظاهر ان الخبر المذكور من طريق العامة (4) حيث انه


(1) و (4) المغني ج 2 ص 123. (2) ص 306. (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.


[ 318 ]

غير موجود في كتب اخبارنا. وروى في الكافي عن الحسين بن مسلم (1) قال ؟ " قلت لابي الحسن الثاني (عليه السلام) اكون في السوق فاعرف الوقت ويضيق علي ان ادخل فاصلي ؟ قال ان الشيطان يقارن الشمس في ثلاثة احنال: إذا ذرت وإذا كبدت وإذا غربت، فصل بعد الزوال فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك دونه ". قال في الوافي: ذرت الشمس طلعت، وكبدت وصلت إلى كبد السماء اي وسطها ولعل مراد الراوي ان اشتغالي بامر السوق يمنعني ان ادخل موضع صلاتي فاصلي في اول وقتها، فاجابه (عليه السلام) بان وقت الغروب من الاوقات المكروهة للصلاة كوقتي الطلوع والقيام فاجتهد ان لا تؤخر صلاتك إليه. ويحتمل ان يكون مراده اني اعرف ان الوقت قد دخل الا اني لا استيقن به يقينا تسكن نفسي إليه حتى ادخل موضع صلاتي فاصلي، ءأصلي على هذه الحال ام اصبر حتى يتحقق لي لزوال ؟ فاجابه (عليه السلام) بان وقت وصول الشمس إلى وسط السماء هو وقت مقارنة الشيطان لها كوقتي طلوعها وغروبها فلا ينبغي لك ان تصلي حتى يتحقق لك الزوال فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك سبيل الحق دونه اي يحملك على الصلاة قبل دخول وقتها لكيلا تحسب لك تلك الصلاة. انتهى اقول: الظاهر بعد ما ذكره اخيرا عن حاق سياق الخبر المذكور وان الاظهر هو الاول لكن بهذا التقريب وهو ان السائل سأل انه يدخل عليه الوقت في السوق ويعرفه ويحققه لكن تأخير الصلاة إلى ان يفرغ ويمضي إلى منزله يوجب ضيق الوقت فهل الافضل ان يصلي في السوق في اول الوقت أو يؤخر إلى ان يأتي المنزل وان ضاق الوقت ؟ فأمره (عليه السلام) بالاتيان بها في اول الوقت. والغرض من سوق هذا الكلام الدال على مقارنة الشيطان للشمس في هذه الاوقات الثلاثة بيان اضلال الشيطان للناس في هذه الاوقات الثلاثة بزيادة على ما هو عليه في جميع الاوقات، اما في وقت الطلوع


(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت. وفي الكافي والوسائل (ابن اسلم) وفي الوافي كما هنا.


[ 319 ]

فلما تقدم، واما وقت القيام ووقت الغروب فانه حيث كان وقت الصلاة بعد هذين الوقتين بلا فصل فانه يحضر هو وجنوده لاغوائهم واضلالهم عنها بما امكنه فربما سول لك التأخير إلى ان تدخل منزلك وموضع مصلاك ليقطع بك دون الزوال وفضيلته. والله العالم.

(الثامن) - ينبغي ان يعلم ان ما دل عليه موثق الحلبي المتقدم (1) - من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب - المراد به نفس فريضة الفجر وفريضة العصر لاوقتاهما، وبه صرح الشيخ (قدس سره) في ما تقدم من عبارة الخلاف في تفصيله وفرقه بين ما كان الكراهة لاجل الوقت كالثلاثة التي ذكرها أو لاجل الفعل يعني فعل الصلاة في هذين الوقتين لا من حيث الزمان كالصلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، وعلى هذا فلو صلى في هذا الوقت قبل الفريضة لم تتعلق به الكراهة وانما يرجع إلى جواز النافلة في وقت الفريضة وان كان على كراهة كما هو احد القولين وعدمه كما هو المختار، فالكراهة حينئذ على تقدير القول بالجواز انما هي من جهة اخرى غير ما نحن فيه. والظاهر تعليق الحكم على صلاة المصلي نفسه لا على الصلاة في الجملة وان كان من غيره. ونقل في الذكرى عن بعض العامة انه جعل النهي معلقا على طلوع الفجر لما روى (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين " وبعموم قوله (عليه السلام) " لا صلاة بعد الفجر " (3) ثم اجاب عن ذلك بان الحديث الاول لم نستثبته واما الثاني فنقول بموجبه ويراد به صلاة الفجر توفيقا بينه وبين الاخبار. انتهى.

(التاسع) - لو صلى الصبح والعصر منفردا ثم اراد الاعادة جماعة لتحصيل فضيلتها فهل تتصف صلاته هذه بالكراهة بناء على المشهور ام لا ؟ صرح في الذكرى


(1) ص 305. (2) سنن ابي داود ج 2 ص 25 والمغني ج 2 ص 116. (3) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب المواقيت.


[ 320 ]

بالثاني وعلله بان لها سببا، وبما روى (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى الصبح فلما انصرف رأي رجلين في زاوية المسجد فقال لم لم تصليا معنا ؟ فقالا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال إذا جئتما فصليا معنا وان كنتما قد صليتما في رحالكما لكنها لكما سبحة " انتهى. اقول: اما ما علل به اختياره لعدم الكراهة من ان هذه النافلة ذات سبب فلا اعرف له وجها إذ الصلاة فرادى ليست علة لاستحباب الاعادة جماعة ولا تعلق لها بها ولا ربط بينهما بالكلية وانما العلة هو امر الشارع بذلك في هذا المقام. الا ترى ان صلاة الزيارة لما كانت العلة فيها الزيارة بمعنى ان الشارع جعلها لاجلها وناطها بها وكذلك صلاة تحية المسجد ونحو ذلك صارت من ذلك ذات سبب. واما الخبر الذي اورده فالظاهر انه عامي حيث لم اقف عليه في كتب اخبارنا. وبالجملة فالظاهر بناء على القول بكراهة النافلة المبتدأة بعد هاتين الصلاتين هو كراهة هذه الصلاة، وتخصيص اخبارها الدالة على مشروعيتها واستحبابها مطلقا بهذه الاخبار ممنوع.

(العاشر) - قال في الذكرى: لو عرض السبب في هذه الاوقات كأن اراد الاحرام أو دخل المسجد أو زار مشهدا لم تكره الصلاة لصيرورتها ذات سبب ولان شرعية هذه الامور عامة. ولو تطهر في هذه الاوقات جاز ان يصلي ركعتين ولا يكون ابتداء للحث على الصلاة عقيب الطهارة، ولان النبي (صلى الله عليه وآله) روى انه قال لبلال (2): " حدثني بارحى عمل عملته في الاسلام فاني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة قال ما عملت عملا ارجى عندي من انني لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي ان اصلي " واقره النبي (صلى الله عليه وآله) على ذلك. انتهى.


(1) سنن الترمذي على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 18. (2) كنز العمال ج 1 ص 167.


[ 321 ]

اقول: اما ما ذكره بالنسبة إلى ذوات الاسباب فقد تقدم الكلام فيه. واما ما ذكره - من ان من تطهر في هذه الاوقات وصلى فانه لا يصدق على صلاته هذه انها نافلة مبتدأة - فلا يخفى ما فيه. وأما ما استند إليه من الحث على الصلاة عقيب الطهارة ففيه انه كما ورد استحباب الصلاة بعد الطهارة (1) كذا ورد الحث على الصلاة ايضا بقول مطلق وانها خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر (2) ورود ان الرجل ليصلي الركعتين تطوعا يريد بهما وجه الله عزوجل فيدخله الله بهما الجنة (3) ونحو ذلك. وبالجملة فالحث على الصلاة والامر بها لا ينافي الكراهة باعتبار عروض بعض اسبابها، ألا ترى ان صلاة الفريضة مع ما هي عليه من الوجوب حتى صرحت الاخبار بكفر تاركها تعرض لها الكراهة باعتبار بعض الامكنة والازمنة والاحوال مثلا. واما ما ذكره من الخبر فهو خبر عامي خبيث وكذب بحت صريح لتضمنه دخول بلال الجنة قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد بينا ما فيه من المفاسد في مقدمات كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد، فالاستدلال به من مثل شيخنا المشار إليه عجيب.

(الحادي عشر) - قال في الذكرى ايضا: ليس سجود التلاوة صلاة فلا يكره في هذه الاوقات ولا يكره التعرض لسبب وجوبه أو استحبابه، وكذا سجود الشكر. اما سجود السهو ففي رواية عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها " وفيه اشعار بكراهة مطلق السجدات.

(الثاني عشر) - قال في الذكرى: لو ائتم المسافر بالحاضر في صلاة الظهر تخير في جمع الظهر والعصر أو الاتيان بالظهر في الركعتين الاوليين فيجعل الاخيرتين نافلة. ولو ائتم في العصر فالظاهر التخيير ايضا، ويأتي على قول من عمم كراهة النافلة


(1) الوسائل الباب 11 من الوضوء. (2) الوسائل الباب 42 من احكام المساجد. (3) رواه في الوسائل في الباب 12 من اعداد الفرائض. (4) المروية في الوسائل في الباب 32 من الخلل في الصلاة.


[ 322 ]

ان يقدم في الاوليين النافلة ويجعل العصر في الاخيرتين، وقد روى ذلك محمد بن النعمان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال الشيخ: انما فعل ذلك لانه يكره الصلاة بعد العصر. انتهى اقول: ما ذكره من ان الظاهر التخيير وان الكراهة انما تتجه على القول الذي ذكره ظاهر في ان النافلة عنده ليست من النوافل المبتدأة وانما هي من ذوات الاسباب كما تقدم منه في الموضعين المتقدمين. وفيه ما عرفت فانه لا وجه لدخول هذه النافلة في ذوات الاسباب بل الكراهة فيها متجهة كما ذكره الشيخ (قدس سره) بناء على كونها مبتدأة. بقى الكلام في ما دلت عليه اخبار هذه المسألة من التخيير متى ائتم المسافر بالحاضر بين ان يجعل الاوليين هي الفريضة والاخيرتين نافلة أو بالعكس وكذا صرح به الاصحاب مع تصريحهم بتحريم الجماعة في النافلة إلا ما استثنى ولم يذكروا هذا الموضع فيما استثنوه. ولا يحضرني الآن وجه الجواب عن هذا الاشكال. والله العالم.

(المسألة الثامنة) - لا ريب في استحباب قضاء الرواتب من النوافل في اي وقت كان، وانما الخلاف في انه هل الافضل تعجيل ما فات نهارا في الليل وكذا ما فات ليلا في النهار أو تأخيره إلى الليل فتقضى صلاة الليل في الليل والنهار في النهار ؟ قولان: ظاهر الاكثر الاول لعموم قوله عزوجل " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " (2) وقوله تعالى: " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر أو اراد شكورا " (3) وقد ورد عنهم (عليهم السلام) في تفسير هذه الآية ما رواه في التهذيب عن عنبسة العابد (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر أو اراد شكورا " (5) قال قضاء صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار بالليل ". وروى في الفقيه مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) كل ما فاتك بالليل


(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة. (2) سورة آل عمران، الآية 127. (3) و (5) سورة الفرقان، الآية 63. (4) و (6) الوسائل الباب 57 من المواقيت.


[ 323 ]

فاقضه بالنهار، قال الله تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر أو اراد شكورا ". وروى الشهيد في الذكرى (1) قال: " روى ابن ابي قرة باسناده عن اسحاق ابن عمار قال لقيت ابا عبد الله (عليه السلام) بالقادسية عند قدومه على ابي العباس فاقبل حتى انتهينا إلى طيزناباذ (2) فإذا نحن برجل على ساقية يصلي وذلك ارتفاع النهار فوقف عليه أبو عبد الله (عليه السلام) وقال يا عبد الله اي شئ تصلي ؟ فقال صلاة الليل فاتتني اقضيها بالنهار. فقال يا معتب حط رحلك حتى نتغدى مع الذي يقضي صلاة الليل. فقلت جعلت فداك أتروي فيه شيئا ؟ فقال حدثني ابي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله يباهي بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبدي يقضي ما لم افترضه عليه اشهدكم اني قد غفرت له ". وروى الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي في تفسيره عن ابيه عن صالح بن عقبة عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رجل ربما فاتتني صلاة الليل الشهر والشهرين والثلاثة فاقضيها بالنهار ؟ قال قرة عين لك والله (ثلاثا) ان الله يقول: " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة.. الآية " (4) فهو قضاء صلاة النهار بالليل وقضاء صلاة الليل بالنهار وهو من سر آل محمد المكنون ". وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان إذا فاته شئ من الليل قضاه بالنهار وان فاته شئ من اليوم قضاه من الغد أو في الجمعة أو في الشهر، وكان إذا اجتمعت عليه الاشياء قضاها في شعبان حتى يكمل له عمل السنة كلها كاملة ".


(1) و (3) و (5) رواه في الوسائل في الباب 57 من ابواب المواقيت. (2) كذا في معجم البلدان ج 6 ص 79 وفي الوسائل وما وقفنا عليه من نسخ الذكرى المطبوعة والخطية " طرناباد ". (4) سورة الفرقان، الآية 63.


[ 324 ]

ونقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) في الاركان وابن الجنيد ان الافضل قضاء صلاة النهار بالنهار وصلاة الليل بالليل، واحتج لهما في المختلف بصحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار وما فاتك من صلاة الليل بالليل " ثم اجاب عنها بجواز ارادة الاباحة من الامر لخروجه عن حقيقته وهي الوجوب اجماعا، قال وليس استعمالها مجازا في الندب اولى من استعمالها مجازا في الاباحة. واعترضه في المدارك بان الواجب عند تعذر الحقيقة المصير إلى اقرب المجازات والندب اقرب إلى الحقيقة من الاباحة قطعا. انتهى. وهو جيد. اقول: ويدل على ذلك ايضا صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " افضل قضاء صلاة الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل ولا بأس ان تقضيها بالنهار وقبل ان تزول الشمس ". ورواية اسماعيل الجعفي (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) افضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل وقضاء صلاة النهار بالنهار ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار وما فاتك من صلاة الليل بالليل. قلت اقضي وترين في ليلة ؟ قال نعم اقض وترا ابدا " والى هذا القول مال السيد السند في المدارك. اقول: لا يخفى ظهور تعارض الاخبار المذكورة إلا ان الاخبار السابقة متأيدة بظاهر القرآن العزيز كما عرفت، وبعض متأخري المتأخرين من المحدثين حمل هذه الروايات المتأخرة على التقية ولا يحضرني الآن مذهب العامة فان ثبت كون مذهبهم ما دلت عليه الاخبار المذكورة تعين العمل بالاخبار الاولى وحمل الاخبار الاخيرة على التقية وإلا فالمسألة محل اشكال.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 57 من المواقيت.


[ 325 ]

واما ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) - (1) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس وهو في سفر كيف يصنع أيجوز له ان يقضي بالنهار ؟ قال لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار ولا يجوز له ولا يثبت له ولكن يؤخرها فيقضيها بالليل " - فقد اجاب عنه الشيخ (قدس سره) بان هذا خبر شاذ لا تعارض به الاخبار المطابقة لظاهر القرآن. وظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل العمل به وتخصيصه بالسفر، قال ويمكن حمله على مرجوحية القضاء نهارا لكثرة الشواغل للبال وقلة التوجه والاقبال أو على الصلاة على الراحلة. ولا يخفى ما فيه. والحق انه لو كان الراوي غير عمار لحصل منه الاستغراب ولكنه من عمار المتكرر منه نقل الغرائب غير غريب. والله العالم.

(المسألة التاسعة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب المبادرة بالصلاة في اول وقتها لما استفاض من الاخبار الدالة على افضلية اول الوقت: ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار أو ابن وهب (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لكل صلاة وقتان واول الوقت افضلهما ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخل وقت الصلاة فتحت ابواب السماء لصعود الاعمال فما احب ان يصعد عمل اول من عملي ولا يكتب في الصحيفة احد اول مني ". وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا زالت الشمس فتحت ابواب السماء وابواب الجنان واستجيب الدعاء فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح ". وروى في الكافي في الصحيح عن زرارة (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه


(1) الوسائل الباب 57 من المواقيت. (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 3 من المواقيت. (4) رواه في الوسائل في الباب 12 من المواقيت.


[ 326 ]

السلام) اعلم ان اول الوقت ابدا افضل فعجل الخير ما استطعت، واحب الاعمال إلى الله تعالى ما دوام العبد عليه وان قال ". وعن زرارة في الصحيح (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اصلحك الله وقت كل صلاة اول الوقت افضل أو وسطه أو آخره ؟ فقال اوله ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ان الله تعالى يحب من الخير ما يعجل " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة وبالجملة فان الحكم مما وقع الاتفاق عليه نصا وفتوى. إلا انه قد استثنى منه مواضع:

(الاول) تأخير المغرب والعشاء للمفيض من عرفات إلى ان يأتي المزدلفة وان مضى ربع الليل، ويدل على ذلك جملة من الاخبار قد تقدم بعضها ويأتي بعضها في كتاب الحج ان شاء الله تعالى، ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا وان ذهب ثلث الليل ".

(الثاني) - صلاة العشاء فانه يستحب تأخيرها إلى ان يذهب الشفق المغربي وقد تقدم ما يدل عليه.

(الثالث) - المتنفل يؤخر الظهرين إلى بعد النافلة أو الذراع والذراعين على الخلاف المتقدم، وقد تقدم من الاخبار ما يدل عليه. وقيل في العصر تأخيرها إلى مضي المثل ايضا بناء على ما تقدم من ان فضيلتها بعد المثل الاول. وقد تقدم ما فيه.

(الرابع) - المستحاضة تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بينهما وبين العصر والعشاء، وقد مر ما يدل عليه في فصل الاستحاضة.

(الخامس) تأخير صلاة المغرب إلى ذهاب الحمرة المشرقية بناء على القول بدخول وقتها باستتار القرص عن عين الناظر جمعا بين اخبار المسألة. وقد عرفت ما فيه في ما قدمناه من تحقيق المسألة المذكورة.


(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.


[ 327 ]

(السادس) - المشتغل بقضاء الفرائض الفائتة يستحب له تأخير الاداء إلى آخر الوقت على المشهور بين المتأخرين. وسيأتي تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي وبيان ان ذلك على جهة الوجوب كما هو المشهور بين المتقدمين لا الاستحباب.

(السابع) - تأخير صلاة الصبح إذا طلع الفجر عليه وقد صلى اربعا من صلاة الليل حتى يكمل صلاة الليل، وعندي في عد هذا الموضع في هذا المقام نظر لان الظاهر من الاخبار كما قدمنا بيانه ان ذلك انما هو على جهة الرخصة لا انه الافضل كما هو المراد في المقام وإلا لعد ايضا من صلى ركعة من نوافل الزوال قبل دخول وقت الفريضة المحدود بالقدمين ثم دخل عليه الوقت فانه يزاحم بها الفريضة رخصة كما تقدم مع انهم لم يعدوه في هذا المقام.

(الثامن) - تأخير الصائم المغرب إذا نازعته نفسه للافطار أو كان ثمة من ينتظره للافطار. وسيأتي الكلام فيه في كتاب الصوم ان شاء تعالى وذكر الاخبار الواردة في المسألة.

(التاسع) - الظان دخول الوقت حيث لا طريق له إلى العلم فان الافضل له التأخير حتى يتحقق الوقت ويحصل العلم به، ويدل عليه ما تقدم من موثقة عبد الله بن بكير عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له اني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار ؟ قال فقال لا تعد ولا تعد " فان نهيه عن العود مع نهيه عن الاعادة انما هو لما قلناه وان كانت صلاته صحيحة. واما الاستدلال لذلك بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) " وقد سأله عن من صلى الصبح مع ظن طلوع الفجر قال لا يجزئه حتى يعلم انه طلع " فهو بمعزل عما نحن فيه.

(العاشر) - المدافع للخبثين فان الافضل التأخير حتى يخرجهما لصحيحة


(1) الوسائل الباب 4 من المواقيت. (2) ص 298.


[ 328 ]

هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا صلاة لحاقن ولا لحاقب وهو بمنزلة من هو في ثيابه " والحاقن بالنون حابس البول والحاقب بالباء حابس الغائط ورواية الحضرمي عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لا تصل وانت تجد شيئا من الاخبثين ".

(الحادي عشر) - تأخير صلاة الليل إلى الثلث الاخير من الليل. وقد تقدم من الاخبار ما يدل على ذلك في المسألة المذكورة.

(الثاني عشر) - تأخير ركعتي الفجر إلى طلوع الفجر الاول. وقد تقدم ايضا ما يدل عليه وكذلك الوتر.

(الثالث عشر) - تأخير مريد الاحرام الفريضة الحاضرة حتى يصلي نافلة الاحرام، هكذا ذكروه وهو مبني عندهم على الجمع في وقت الفريضة بين الفريضة وسنة الاحرام، والمستفاد من الاخبار كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ان الاحرام اما دبر الفريضة ان اتفق ذلك في وقت الفريضة وإلا بعد سنة الاحرام ان لم يتفق ذلك واما الجمع بين الفريضة وسنة الاحرام كما ذكروه فلا وجود له في النصوص، وحينئذ فلا وجه لعد هذا الموضع في جملة هذه الافراد.

(الرابع عشر) - تأخير من فرضه التيمم الصلاة إلى آخر الوقت. اقول: وهو على اطلاقه غير متجه وانما يتجه على القول بجواز التيمم مع السعة كما دلت عليه جملة من الاخبار ويجعل التأخير افضل جمعا بينها وبين ما دل على وجوب التأخير من الاخبار ايضا، فيكون المستند فيه هو الجمع بين اخبار المسألة بناء على القول بذلك.

(الخامس عشر) - تأخير السلس والمبطون الظهر والمغرب للجمع ايضا كما تقدم في المستحاضة. وقد تقدم ما يدل عليه في المسائل الملحقة بالوضوء من كتاب الطهارة.

(السادس عشر) - تأخير اصحاب الاعذار كفاقد الساتر مثلا أو الطاهر


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من قواطع الصلاة.


[ 329 ]

منه أو فاقد الطهورين أو فاقد القبلة أو نحو ذلك فانه يستحب لهم التأخير عند جمهور الاصحاب. ونقل في المختلف عن السيد المرتضى وسلار وجوب تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، قال وهو اختيار ابن الجنيد، ثم نقل عن الشيخ القول بالجواز في اول الوقت إلا للمتيمم. قال وهو الاقوى عندي، ثم استدل على ذلك بانه مخاطب بالصلاة عند اول الوقت فكان مجزئا لانه امتثل، ثم نقل عن القائلين بالوجوب انهم احتجوا بامكان زوال الاعذار. قال والجواب انه معارض باستحباب المبادرة والمحافظة على اداء العبادة لامكان فواتها بالموت وغيره. انتهى. اقول: وحيث كانت المسألة غير منصوصة لا خصوصا ولا عموما فالحكم هنا باستحباب التأخير محل اشكال لانه ليس إلا لما ذكروه من رجاء زوال العذر وهو معارض بما ذكره العلامة (قدس سره) من المحافظة على اداء العبادة، لامكان تطرق الفوات إليها بموت ونحوه.

(السابع عشر) - قضاء صلاة الليل في صورة جواز التقديم كما ذكره بعض الاصحاب، والظاهر انه لا وجه لعد هذا الفرد في جملة هذه الافراد لان مبنى الكلام على استحباب تأخير الصلاة عن اول وقتها الموظف لها شرعا وقضاء صلاة الليل هنا انما كان افضل بالنسبة إلى تقديمها على الانتصاف لا بالنسبة إلى وقتها المعين لها فلا يكون مما نحن فيه في شئ وهو ظاهر. واما ما يفهم من كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح النفلية حيث ان المصنف عد هذا الفرد في هذا المقام - من التعليل بان اول وقت صلاة الليل مع هذه الاعذار هو اول الليل والقاضي يؤخرها عنه في الجملة وان كان يفعلها في خارج الوقت - فلا يخلو من تكلف وتمحل فان غاية ما تدل عليه تلك الاخبار - كما تقدم تحقيقه - هو الرخصة في التقديم لمن يحصل له العذر عن الاتيان بها في وقتها الموظف ودلت على ان قضاءها افضل من تقديمها بمعنى ان كلا الامرين جائز وان كان القضاء افضل، وهذا لا يدل على كون اول الليل وقتا لها في هذه الصورة كما لا يخفى.

(الثامن عشر) - تأخير الوتيرة ليكون الختم بها إلا في نافلة شهر رمضان على


[ 330 ]

قول، كذا عده جملة من الاصحاب في الباب. اقول: لعل الوجه في عد هذا الموضع في جملة هذه الافراد هو ان ظاهر الاخبار ان وقت الوتيرة بعد صلاة العشاء كما تقدم في الاخبار المتقدمة في المقدمة الثانية، مع انه قد ورد ما يدل على استحباب تأخيرها والختم بها كما تقدم ايضا في صحيحة زرارة أو حسنته (1) من قوله (عليه السلام) " وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك " وقد قدمنا ان المراد بالوتر هنا الوتيرة وان كان ظاهر كلام اصحابنا قد اضطرب فيه باعتبار حمله على الوتر الذي بعد صلاة الليل وهو غلط كما تقدم التنبيه عليه، ولو حمل على ذلك للزم خلو هذا الحكم هنا من الدليل إذ لا رواية تدل على التأخير والختم بالوتيرة سوى الرواية المذكورة. ثم ان ما ذكر من استثناء نافلة شهر رمضان وهي الاثنتا عشرة والاثنتان والعشرون بمعنى ان الوتيرة لا تؤخر عنها قد نقله في شرح النفلية عن سلار في رسالته، قال وبذلك وردت رواية محمد بن سليمان عن الرضا (عليه السلام) (2) وذكر في شرح النفلية ان هذا الزيادة كانت في نسخة الاصل بخط المصنف ثم كشطها وبقى رسمها، قال وهي موجودة في كثير من النسخ ثم قال وانما حذفها لان المشهور بين الاصحاب كما نقله المصنف في الذكرى ان الوتيرة مؤخرة عن تلك الوظيفة ايضا لتكون خاتمة النوافل. وفى الذكرى الظاهر جواز الامرين. انتهى.

(التاسع عشر) - تأخير المربية ذات الثوب الواحد الظهرين إلى آخر الوقت لتغسل ثوبها وتصلي اربع صلوات في ثوب طاهر أو نجاسة خفيفة. وانت خبير بان الرواية الواردة في المسألة مطلقة في غسل الثوب وهذا التقييد انما وقع في كلامهم كما تقدم تحقيقة، واثبات الحكم بذلك لا يخلو من الاشكال.

(العشرون) - تأخير المسافر الذي دخل عليه الوقت في السفر الصلاة إلى ان يدخل فيتم، ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) " في


(1) الوسائل الباب 42 من الصلوات المندوبة. (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان. (3) المروية في الوسائل في الباب 21 من صلاة المسافر.


[ 331 ]

الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة ؟ فقال ان كان لا يخاف ان يخرج الوقت قبل ان يدخل فليدخل وليتم وان كان يخاف ان يخرج الوقت قبل ان يدخل فليصل وليقصر وفى المسألة بحث يأتي ان شاء الله تعالى في موضعه.

(الحادي والعشرون) - انتظار الامام أو المأموم أو كثرة الجماعة. اقول: اما انتظار الامام فقد تقدم في بعض الاخبار ما يشير إليه، واما انتظار المأموم أو كثرة الجماعة فلم اقف في الاخبار على ما يدل عليه بل ربما دل بعضها على عدمه بالنسبة إلى كثرة الجماعة كما تقدم (1) في حديث الرضا (عليه السلام) وتلقيه لبعض الطالبيين وان كان الشيخ (قدس سره) قد صرح بجواز ذلك في جوابه عن حديث نوم النبي (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الصبح وتقديمه ركعتي نافلة الفجر على الفريضة (2) انه لانتظار الجماعة، إلا انه بمجرده لا يصلح مستندا.

(الثاني والعشرون) - ما إذا كان التأخير مشتملا الاتيان بالصلاة على وجهها من التوجه والاقبال وفراغ البال، وقد تقدم (3) في روايات عمر بن يزيد الثلاث ما يدل عليه، ففى بعضها عن ابي عبد الله (عليه السلام) في المغرب " إذا كان ارفق بك وامكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك ان تؤخرها إلى ربع الليل " وقد بينا سابقا ان هذا من جملة الاعذار المجوزة للتأخير إلى الوقت الثاني.

(الثالث والعشرون) - التأخير لقضاء حاجة مؤمن، واليه يشير بعض الاخبار الواردة في قطع طواف الفريضة (4) إلا انه لا يخلو من اشكال لكون الطواف غير محدود بوقت.

(الرابع والعشرون) - تأخير صلاة الظهر في الحر لمن يصلي في المسجد وهو المعبر عنه بالابراد، لما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله


(1) ص 142. (2) ص 270. (3) ص 179. (4) رواه في الوسائل في الباب 42 من الطواف.


[ 332 ]

(عليه السلام) (1) قال: " كان المؤذن يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابرد ابرد " واقل مراتب الامر الاستحباب وروى الثقة الجليل محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال والشيخ في الاختيار عن ابن بكير (2) قال: " دخل زرارة على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال انكم قلتم لنا في الظهر والعصر على ذراع وذراعين ثم قلتم ابردوا بها في الصيف فكيف الابراد بها ؟ وفتح الواحة ليكتب ما يقول فلم يجبه أبو عبد الله (عليه السلام) بشئ فاطبق الواحة وقال انما علينا ان نسألكم وانتم اعلم بما عليكم وخرج ودخل أبو بصير على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال ان زرارة سألني عن شئ فلم اجبه وقد ضقت من ذلك فاذهب انت رسولي إليه فقل صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان مثليك. وكان زرارة هكذا يصلي في الصيف ولم اسمع احدا من اصحابنا يفعل ذلك غيره وغير ابن بكير ". وروى الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن بكير عن زرارة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني فلما ان كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد بن هلال ان زرارة سألني عن وقت الظهر في القيظ فلم اخبره فحرجت من ذلك فاقرأه مني السلام وقل له إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر ". وهذان الخبران قد اشتملا على الابراد في صلاتي الظهر والعصر والاصحاب خصوا الحكم بالظهر كما هو مورد الصحيحة المتقدمة، وقيدوا ذلك ايضا بقيود: منها - كون الصلاة في جماعة وكونها في المسجد وفى البلاد الحارة وفى شدة الحر، والاصل في هذه القيود ما قاله الشيخ (قدس سره) في المسبوط حيث قال: إذا كان الحر شديدا في بلاد حارة وارادوا ان يصلوا جماعة في مسجد جاز ان يبردوا بصلاة الظهر


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 8 من المواقيت.


[ 333 ]

قليلا ولا يؤخروا إلى آخر الوقت. انتهى. والنصوص كما ترى خالية من هذه القيود إلا ان قرائن الحال في الخبر الاول تشير إلى بعض ما ذكروه. واما الخبران الاخيران فهما بالدلالة على العدم اشبه كما لا يخفى. وقال العلامة في المنتهى لا نعلم خلافا بين اهل العلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر، قالت عائشة " ما رأيت احدا اشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وآله " (1) واما في الحر فيستحب الابراد بها ان كانت البلاد حارة وصليت في المسجد جماعة وبه قال الشافعي، ثم نقل روايتي الخاصة والعامة ثم قال: ولانه موضع ضرورة فاستحب التأخير لزوالها، اما لو لم يكن الحر شديدا أو كانت البلاد باردة أو صلى في بيته فالمستحب فيه التعجيل وهو مذهب الشافعي خلافا لاصحاب الرأي واحمد (2). انتهى. وقال في الروض بعد نقل اعتبار المسجد وكون البلاد حارة عن الشيخ: والظاهر عدم اعتبارهما اخذا بالعموم. وروى الصدوق في كتاب العلل (3) بسنده عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فان الحر من فيح جهنم واشتكت النار إلى ربها فاذن لها في نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، وشدة ما تجدون من الحر من فيحها وما تجدون من البرد من زمهريرها ". قال الصدوق في الكتاب المذكور بعد نقل هذا الخبر: قوله " فابردوا بالصلاة " اي عجلوا بها وهو مأخوذ من البريد، وتصديق ذلك ما روى (4) " انه ما من صلاة يحضر وقتها الا نادى ملك قوموا إلى نيرانكم التي اوقدتموها على ظهوركم فاطفؤها


(1) و (2) المغني ج 1 ص 389. (3) ص 93 وفي الوسائل في الباب 8 من المواقيت. (4) رواه في الوسائل في الباب 3 من المواقيت.


[ 334 ]

بصلاتكم " وقال في الفقيه بعد ذكر صحيحة معاوية بن وهب: قال مصنف هذا الكتاب يعني عجل عجل واخذ ذلك من البريد. وفى بعض نسخ الكتاب من التبريد. اقول: في القاموس " أبرد: دخل في آخر النهار، وابرده: جاء به باردا، والابردان: الغداة والعشي " وقال في النهاية الاثيرية: في الحديث " ابردوا بالظهر " فالابراد انكسار الوهج والحر وهو من الابراد: الدخول في البرد، وقيل معناه صلوها في اول وقتها من برد النهار وهو اوله. وفى المغرب الباء للتعدية والمعنى ادخلوا صلاة الظهر في البرد اي صلوها إذا سكنت شدة الحر. انتهى. وانت خبير بان ما ذكره الصدوق (قدس سره) لا ينطبق على شئ من هذه المعاني، وقد قيل في توجيه كلامه ان مراده انه (صلى الله عليه وآله) امر بتعجيل الاذان والاسراع فيه كفعل البريد في مشيه اما ليتخلص الناس من شدة الحر سريعا ويفرغوا من صلاتهم حثيثا واما لتعجيل راحة القلب وقرة العين كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول " ارحنا يا بلال " (1) وكان يقول: " قرة عيني في الصلاة " (2) ولا يخفى ما فيه من التكلف. وظني ان ما فهمه اكثر الاصحاب من الحمل على التأخير لشدة الحر توسعة في التكليف ودفعا للحرج اقرب مما ذكره ويصير هذا من قبيل الرخص الواردة في الشريعة في غير موضع كما اتفقوا عليه في استثناء جملة من المواضع التي قدمناها ولعل الحامل للصدوق (قدس سره) في ارتكاب هذا التأويل البعيد وكذا من مال إلى كلامه ووجهه بما قدمناه هو شهرة هذا الحكم عند العامة، ولهذا ان بعض الاصحاب نقل عن الصدوق حمل صحيحة معاوية على التقية. وفيه ان كلام العامة ايضا مختلف في ذلك، قال محيي السنة في شرح السنة (3) بعد نقل خبر ابي هريرة المتقدم نقل الصدوق له في العلل: اختلف اهل العلم في تأخير صلاة الظهر في شدة الحر فذهب ابن المبارك واحمد واسحاق


(1) نهاية ابن الاثير في مادة (روح) وتيسير الوصول ج 2 ص 297. (2) كنز العمال ج 4 ص 63. (3) البحار ج 18 الصلاة ص 57.


[ 335 ]

إلى تأخيرها والابراد بها في الصيف وهو الاشبه بالاتباع، وقال الشافعي تعجيلها اولى إلا ان يكون امام مسجد ينتابه الناس من بعد فانه يبرد بها في الصيف فاما من صلى وجده أو جماعة في مسجد بفناء بيته لا يحضره إلا من بحضرته فانه يعجلها لانه لا مشقة عليهم في تعجيلها. انتهى. ويمكن ان يكون نظرهم إلى استفاضة الاخبار بافضلية الصلاة في اول الوقت ولعله الاظهر. وفيه انهم قد استثنوا من ذلك جملة هذه المواضع التي قدمناها ولم يختلفوا في ذلك فما بالهم اختلفوا في هذا المواضع بخصوصه ؟ على ان اخباره صريحة ظاهرة في ذلك ولا معارض لها في البين سوى ما عرفت مما ارتكبوا تخصيصه بجملة المواضع المتقدمة، مع ان جملة من تلك المواضع كما عرفت خال من الدليل كما نبهنا عليه بقى الكلام في ان الاصحاب انما صرحوا باستحباب الابراد بصلاة الظهر خاصة بالشروط التي ذكروها، والظاهر كما قدمنا من خبري زرارة هو الابراد في الظهر والعصر وهو مشكل إذ الخروج عن مقتضى الاخبار المستفيضة بمثل هذين الخبرين سيما مع عدم ذهاب احد إليه لا يخلو من بعد، بل ربما يكاد يشم من خبري زرارة رائحة التقية لانهم (عليهم السلام) كثيرا ما يخصونه باحكام ينفرد بها عن الشيعة اتقاء عليه مثل خبر الاهلال بالحج (1) وخبر النوافل (2) وإلا فاختصاص زرارة بالملازمة على ذلك وابن بكير دون جملة الشيعة الموجودين يومئذ كما صرح به حديث الكشي لا وجه له ظاهرا إلا ما قلناه. ولعل في سكوته (عليه السلام) عن جوابه والارسال إليه باطنا بذلك ما يشير إلى ما قلناه. واحتمل بعض الفضلاء في خبري زرارة حملهما على ان يكون ظل الزوال فيه حال الصيف خمسة اقدام مثلا فإذا صار مع الزيادة الحاصلة بعد الزوال مساويا للشاخص يكون قد زاد قدمين فيوافق الاخبار الاخر. وهو مع بعده لا يستقيم في العصر وكيف كان فالاحتياط في المحافظة على اول الوقت على اي نحو كان إلا مع مشقة تلزم من ذلك. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 5 من اقسام الحج. (2) الوسائل الباب 14 من اعداد الفرائض.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>