تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السادس


المقصد الرابع

في وقت القضاء

الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ان وقت القضاء للصلاة الفائتة هو وقت ذكرها ما لم تتضيق الحاضرة، قال في الذكرى وقت القضاء للفائتة الواجبة ذكرها ما لم تتضيق الحاضرة لقوله تعالى: " واقم الصلاة لذكرى " (1) اي لذكر صلاتي، قال كثير من المفسرين انها في الفائتة لقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها ان الله يقول واقم الصلاة لذكري " وروى زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) " إذا فاتتك صلاة.. " ثم نقل الرواية كما ستأتي وقال: وفيه دلالات ثلاث: التوقيت بالذكر ووجوب القضاء وتقديمه على الحاضرة مع السعة، ثم نقل رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها " ثم قال: وفيه دلالتان احداهما توقيت قضاء الفائتة بالذكر والثاني وجوب القضاء مع الفوات، ووجوبه في حق المعذور يستلزم اولويته في حق غيره، ثم نقل رواية زرارة الآتية المشتملة على انه يصليها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها، ثم قال وتقريره كالسالف. وبالجملة فان ظهور كون الذكر هو وقت القضاء من الآية والاخبار مما لا يتجشمه الانكار وانما الخلاف في وجوب الفورية وعدمه. وتحقيق القول في المسألة كما هو حقه يقع في مواضع:

(الاول) في ذكر الاقوال في المسألة فنقول قد اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فالمتقدمون منهم على قولين: القول بالفورية وهو مذهب الاكثر إلا انهم بين مصرح ببطلان الحاضرة لو قدمها مع سعة الوقت وبين مطلق، والقول بالمواسعة وهو مذهب الصدوقين وظاهر النقل عنهما استحباب تقديم الحاضرة في السعة، والمتأخرون منهم على اقوال ثلاثة: فالمشهور بينهم هو ما ذهب إليه الصدوقان من المواسعة إلا انهم يستحبون تقديم


(1) سورة طه، الآية 14. (2) و (3) سنن البيهقي ج 2 ص 218 وفي الوسائل الباب 61 من المواقيت.


[ 337 ]

الفائتة، وقيل بالفرق بين الفائتة الواحدة والمتعددة فيجب التقديم مع الاتحاد دون التعدد وهو مذهب المحقق ومال إليه في المدارك، وقيل بالفرق بين يوم الفوات وغيره فيجب تقديم الفائتة إذا ذكرها في يوم الفوات ما لم يتضيق وقت الحاضرة متحدة كانت أو متعددة ويجب تقديم سابقها على لاحقها وان لم يذكرها حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة في اول وقتها ثم يشتغل بالقضاء سواء اتحدت الفائتة أو تعددت ويجب الابتداء بسابقها على لاحقها والاولى تقديم الفائتة إلى ان تتضيق الحاضرة، ذهب إليه العلامة في المختلف. ولا بأس بذكر جملة من عبائر الاصحاب في المقام وان طال به زمام الكلام، قال في المبسوط: اعلم ان من عليه قضاء وادى فريضة الوقت في اوله فانه لا يجزئه. وقال الشيخ المفيد (قدس سره) من فاتته صلاة لخروج وقتها صلاها كما فاتته ولم يؤخر ذلك إلا ان يمنعه تضيق وقت فرض حاضر. وقال السيد المرتضى (رضي الله عنه) في الجمل كل صلاة فاتت وجب قضاؤها في حال الذكر لها من سائر الاوقات إلا ان يكون في آخر وقت فريضة حاضرة ويخاف فيه من التشاغل بالفائتة فوت الحاضرة فيجب حينئذ الابتداء بالحاضرة والتعقيب بالماضية. واوجب في المسائل الرسية الاعادة لو صلى الحاضرة في اول وقتها أو قبل تضيق وقتها ومنع فيها من الاشتغال بغير القضاء في الوقت المتسع ومنع من التكسب بالمباح وكل ما يزيد على ما يمسك به الرمق ومن النوم إلا بقدر الضرورة التي لا يمكن الصبر عنها، وتبعه ابن ادريس في ذلك فصرح في السرائر بنحوه. وقال ابن ابي عقيل من نسى صلاة فرض صلاها اي وقت ذكرها الا ان يكون في وقت صلاة حاضرة يخاف ان بدأ بالفائتة فاتته الحاضرة فانه يبدأ بالحاضرة لئلا يكونا جميعا قضاء. وقال ابن الجنيد وقت الذكر لما فات من الفروض وقت القضاء ما لم يكن آخر فريضة يخشى ان ابتداء بالقضاء فاتته الصلاة التي هو في وقتها فان لم يكن يخشى ذلك بدأ بالفائتة وعقب بالحاضرة وقتها. وقال ابن البراج لو صلى الحاضرة والوقت متسع وهو عالم


[ 338 ]

بذلك لم تنعقد وعليه ان يقضي الفائتة ثم يأتي بالحاضرة. وقال أبو الصلاح وقت الفائتة حين الذكر إلا ان يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف بفعل الفائتة فوتها فليزم المكلف الابتداء بالحاضرة ويقضي الفائت، وما عدا ذلك من سائر الاوقات فهو وقت للفائت ولا يجوز التعبد فيه بغير القضاء من فرض حاضر ولا نفل. وقال سلار كل صلاة فاتت بعمد أو تفريط يجب فيها القضاء على الفور وان فات سهوا وجب القضاء وقت الذكر. وقال أبو جعفر بن بابويه إذا فاتتك صلاة فصلها إذا ذكرت فان ذكرتها وانت في وقت فريضة اخرى فصل التي انت في وقتها ثم صل الصلاة الفائتة، قال وان نمت عن الغداة حتى طلعت الشمس فصل الركعتين ثم صل الغداة، قاله في المقنع والفقيه. وقال ابوه ان فاتتك فريضة فصلها إذا ذكرت فان ذكرتها وانت في وقت فريضة اخرى فصل التي انت في وقتها ثم صل الصلاة الفائتة. هذه جملة من اقوال المتقدمين واما المتأخرون فقد عرفت ان المشهور عندهم هو القول بالمواسعة مع استحباب تقديم الفائتة إلى ان تتضيق الحاضرة، قال في المختلف وهو مذهب والدي واكثر من عاصرناه من المشايخ.

(الثاني) - في ذكر اخبار المسألة من الطرفين وما استدلوا به سواها في البين، فنقول قد اختلفت الاخبار الواردة في المقام وبه اختلف كلام علمائنا الاعلام، والاظهر عندي هو القول المشهور بين المتقدمين، وها انا اذكر الاخبار الدالة عليه موضحا لوجه دلالتها ثم اردفها بالاخبار التي استند إليها القائلون بالمواسعة وغيرها من الادلة التي ذكروها وابين ما فيها مما يمنع من صحة الاعتماد عليها والاستناد إليها: فاقول - وبالله سبحانه الثقة لادراك المأمول ونيل المسؤول - مما يدل على ما اخترناه قوله عزوجل " واقم الصلاة لذكري " (1) المفسر - في الاخبار عن اهل البيت (عليهم السلام) الذي نزل ذلك القرآن فيه فهم اعرف الناس بباطنه وخافيه - بقضاء الفائتة ساعة ذكرها كما ستقف عليه.


(1) سورة طه، الآية 14.


[ 339 ]

ومما يدل على ذلك الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ باولاهن فاذن لها واقم ثم صلها ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة " قال وقال أبو جعفر (عليه السلام) " ان كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصل الغداة اي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها، وقال ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فانما هي اربع مكان اربع، فان ذكرت انك لم تصل الاولى وانت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى فصل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر، وان كنت ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب وان كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر، وان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فاتمها بركعتين ثم سلم ثم صل المغرب، وان كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب، وان كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة، وان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة، وان كنت ذكرتها وانت في الركعة الاولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة واذن واقم، وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة ابدأ بالمغرب ثم العشاء فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثم بالغداة ثم صل العشاء، وان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدأت بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب والعشاء ابدأ باولاهما لانهما جميعا قضاء ايهما ذكرت فلا تصلهما الا بعد شعاع الشمس. قال: قلت لم ذاك ؟ قال لانك لست تخاف فوتهما ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 63 من المواقيت.


[ 340 ]

اقول: لو لم يكن في الباب إلا هذا الخبر لكفى به دليلا لما فيه من التكرار الموجب للتأكيد في الحكم المذكور الموجب لظهوره غاية الظهور، ولهذا قال الشيخ في الخلاف بعد نقله: جاء هذا الخبر مفسرا للمذهب كله. ومنها - صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في المسألة الثالثة من سابق هذا المقصد (1) حيث قال فيها: " من نسى شيئا من الصلوات فليصلها إذا ذكرها فان الله عزوجل يقول: واقم الصلاة لذكري " (2). وما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: (إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى فان كنت تعلم انك إذا صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك فان الله يقول " واقم الصلاة لذكري " وان كنت تعلم انك إذا صليت التي فاتتك فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي انت في وقتها فصلها ثم اقم الاخرى ". وهاتان الروايتان قد دلتا على تفسير الآية بالصلاة الفائتة كما ترى فلا معدل عنهما إلى ما ذكره المفسرون المتخرصون الذين قال الله سبحانه فيهم وفى امثالهم " قتل الخراصون " (4). ومنها - ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) " انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلاة لم يصلها أو نام عنها ؟ فقال يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها من ليل أو نهار فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت وهذه احق بوقتها فليصلها فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها "


(1) ص 271. (2) سورة طه، الآية 14. (3) الوسائل الباب 62 من المواقيت. (4) سورة الذاريات، الآية 10. (5) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.


[ 341 ]

ومنها - ما روياه عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى صلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى ؟ فقال إذا نسى الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها، وان ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسى، وان ذكرها مع امام في صلاة المغرب اتمها بركعة ثم صلى المغرب ثم صلى العتمة بعدها، وان كان صلى العتمة وحده فصلى منها ركعتين ثم ذكر انه نسى المغرب اتمها بركعة فتكون صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم يصلي العتمة بعد ذلك " ومنها - ما روياه ايضا في الصحيح عن صفوان عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل نسى الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر ؟ فقال كان أبو جعفر (عليه السلام) أو كان ابي (عليه السلام) يقول ان امكنه ان يصليها قبل ان تفوته المغرب بدأ بها وإلا صلى المغرب ثم صلاها ". ومنها - ما روياه عن ابي بصير (3) قال: " سألته عن رجل نسى الظهر حتى دخل وقت العصر ؟ قال يبدأ بالظهر وكذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلا ان تخاف ان يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي انت في وقتها ثم تقضي التي نسيت ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل ام قوما في العصر فذكر وهو يصلي بهم انه لم يكن صلى الاولى ؟ قال فليجعلها الاولى التي فاتته ويستأنف بعد صلاة العصر وقد قضى القوم صلاتهم ". وما رواه الشيخ عن معمر بن يحيي (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت له القبلة وقد دخل وقت صلاة اخرى ؟ قال يعيدها قبل ان يصلي هذه التي قد دخل وقتها " ورواها في موضع آخر وزاد " إلا ان يخاف فوت التي دخل وقتها ".


(1) و (4) الوسائل الباب 63 من المواقيت. (2) و (3) الوسائل الباب 62 من المواقيت. (5) رواه في الوسائل في الباب 9 من القبلة. (6) ص 146.


[ 342 ]

وما رواه في كتاب قرب الاسناد بسنده إلى علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل نسى العشاء ثم ذكر بعد طلوع الفجر كيف يصنع ؟ قال يصلي العشاء ثم الفجر. قال وسألته عن رجل نسى الفجر حتى حضرت الظهر ؟ قال يبدأ بالفجر ثم يصلي الظهر كذلك كل صلاة بعدها صلاة ". والتقريب في هذه الاخبار انها دلت على الامر بالقضاء ساعة الذكر متحدة كانت الفائتة أو متعددة، وتضمنت الامر بالعدول عن صاحبة الوقت متى ذكر الفائتة في اثنائها، والامر حقيقة في الوجوب كما هو المتفق عليه بين محققي الاصوليين وقد قدمنا الدليل عليه من الآيات القرآنية والسنة المعصومية، وتضمنت وجوب تأخير صاحبة الوقت إلى آخر وقتها ما لم يتم القضاء، وجميع ذلك اصرح صريح في المضايقة، ويؤكد ذلك الاخبار الدالة على الامر بالمبادرة ساعة الذكر اي وقت كان، ومنها - صحيحة معاوية بن عمار (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول خمس صلوات لا تترك على كل حال: إذا طفت بالبيت وإذا اردت ان تحرم وصلاة الكسوف وإذا نسيت فصل إذا ذكرت وصلاة الجنازة ". وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " اربع صلوات يصليهن الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها اديتها... الحديث ". ورواية نعمان الرازي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاته شئ من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها ؟ قال فليصل حين ذكره " وموثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) " انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسى صلاة لم يصلها أو نام عنها ؟ قال يصليها إذا ذكرها في اي ساعة


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من قضاء الصلوات. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (5) المروية في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.


[ 343 ]

ذكرها ليلا أو نهارا ". وصحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس ؟ قال يصلي حين يستيقظ. قلت أيوتر أو يصلي الركعتين ؟ قال بل يبدأ بالفريضة " وصحيحة زرارة والفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: فيها " ان شككت فيها بعدما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن فان استيقنت فعليك ان تصليها في اي حال كنت ". واما ما اجاب به في الذكرى عن خبري " خمس صلوات " - من انه لا يدل على الوجوب المضيق حيث انهما اشتملا على صلاة الكسوف والجنازة والاحرام ولم يقل احد بوجوب تقديمها على الحاضرة - ففيه ان محل الاستدلال انما هو تقييد الصلاة الفائتة وتوقيتها بساعة الذكر كما في تلك الاخبار الكثيرة لا ان احدا يدعي المضايقة في هذه الصلوات المذكورة حتى يورد عليه بما ذكره، والغرض من الاخبار المذكورة انما هو بيان ان هذه الصلوات لا تترك متى حصل اسبابها لكراهة بعض الاوقات والمنع من الصلاة فيها بل تصلى في كل وقت، وعد منها الصلاة الفائتة وجعل وقتها ساعة الذكر ومثل ساعة الذكر وان كان في تلك الاوقات المنهي عن الصلاة فيها، هذا حاصل معنى تلك الاخبار ولو صح ما توهمه لكان الجواب عنه ما صرح به جملة من المحقيقين من انه إذا قام الدليل على اخراج بعض افراد العام من عموم ذلك الحكم فانه لا ينافي اثبات الحكم لما عداه مما لم يقم على خروجه دليل فكذلك ما نحن فيه. واما ما استدل به المتأخرون كالشهيد في الذكرى والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهما على ما ذهبوا إليه من القول بالمواسعة فروايات:


(1) الوسائل الباب 61 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 60 من المواقيت.


[ 344 ]

منها - صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا نام الرجل أو نسى ان يصلي المغرب والعشاء الآخرة فان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس ". ورواية ابي بصير - والظاهر انه يحيى بن القاسم بقرينة شعيب عنه - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان نام الرجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسى فان استيقظ قبل الفجر بقدر ما يصليهما كلتيهما وان خشى ان تفوته احدهما فليبدأ بالعشاء الآخرة وان استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس قال خاف ان تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ". وصحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار ؟ قال يصليها ان شاء بعد المغرب وان شاء بعد العشاء ". ورواية الحسن بن زياد الصيقل (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى الاولى حتى صلى ركعتين من العصر قال فليجعلها الاولى وليستأنف العصر. قلت فانه نسى المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر ؟ قال فليتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب. قال قلت له جعلت فداك قلت حين نسى الظهر ثم ذكر وهو في العصر يجعلها الاولى ثم يستأنف وقلت لهذا يتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب فقال ليس هذا مثل هذا ان العصر ليس بعدها صلاة والعشاء بعدها صلاة ". ورواية جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " قلت له تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة ؟ قال يبدأ بالوقت الذي هو فيه فانه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخل ثم يقضي ما فاته الاول فالاول ".


(1) و (2) الوسائل الباب 62 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (4) الوسائل الباب 63 من المواقيت. (5) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.


[ 345 ]

وصحيحة علي بن جعفر المروية في كتاب قرب الاسناد عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل نسى المغرب حتى دخل وقت العشاء الآخرة ؟ قال يصلي العشاء ثم المغرب ". وموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة فقال ان حضرت العتمة وذكر ان عليه صلاة المغرب فاحب ان يبدأ بالمغرب بدأ وان احب بدأ بالعتمة ثم صلى المغرب بعدها ". واستدلوا ايضا - زيادة على ذلك كما ذكره في الذكرى - بوجوه: (الاول) قضية الاصل، قال فانه دليل قطعي حتى يثبت الخروج عنه. و (الثاني) لزوم الحرج والعسر المنفيين بالكتاب والسنة (3) و (الثالث) عموم آي الصلاة مثل " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (4) " اقيموا الصلاة " (5) قال فانه يشمل من عليه فائتة وغيره. (والرابع) تسويغ الاصحاب الاذان والاقامة للقاضي مع استحبابهما وقد رووه بطرق كثيرة (6) ثم ذكر بعض الاخبار الدالة على الاذان في اول ورده والاقامة في كل منها، وزاد في المدارك الاستدلال بالروايات الدالة على جواز النافلة لمن عليه فريضة. اقول والجواب اما عن الاخبار المذكورة (اولا) فانه من القواعد المتكررة في كلامهم والدائرة على رؤوس اقلامهم انهم لا يجمعون بين الخبرين المتعارضين إلا مع التكافؤ في الصحة والصراحة والا فتراهم يطرحون المرجوح ويجعلون التأويل في جانبه لمرجوحيته وابقاء ما ترجح عليه على ظاهره، ولا يخفى على المتأمل المنصف ان هذه الاخبار التي استندوا إليها تقصر عن معارضة ما قدمناه سندا وعددا ودلالة كما ظهر وسيظهر لك ان شاء الله، فكيف عكسوا القضية هنا وعملوا بهذه الاخبار مع ما هي عليه وجعلوا


(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات. (2) الوسائل الباب 62 من المواقيت. (3) ج 1 ص 151. (4) سورة بني اسرائيل، الآية 80. (5) سورة البقرة، الآية 40. (6) رواه في الوسائل في الباب 37 من الاذان و 8 من قضاء الصلوات.


[ 346 ]

التأويل في تلك الاخبار مع ما هي عليه من الصحة والصراحة والاستفاضة ؟ و (ثانيا) - انه من القواعد المقررة في كلام اهل العصمة (عليهم السلام) - وان كان اصحابنا (رضوان الله عليهم) قد اعرضوا عنها واطرحوها كما اوضحناه في غير موضع مما تقدم، واتخذوا لهم قواعد في هذه الابواب لم يرد بها سنة ولا كتاب من حمل النهي على الكراهة والامر على الاستحباب - هوانه مع اختلاف الاخبار تعرض على كتاب الله عزوجل ويؤخذ بما وافقه ويضرب ما خالفه عرض الحائط (1) وقد عرفت تأيد الاخبار الاولة بتلك الآية الشريفة، وحينئذ فمقتضى القاعدة المذكورة وان كانت بينهم مهجورة هو العمل بتلك الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و (ثالثا) - ما في هذه الروايات من تطرق الطعن إليها عند النظر بعين التحقيق والتأمل بالفكر الصائب الدقيق: فاما صحيحة عبد الله بن سنان ورواية ابي بصير فباشتمالهما على ما لا يقول به الاصحاب وهو ايضا خلاف ما استفاضت به الاخبار من المنع من قضاء الفريضة في ذلك الوقت، وقد تقدم الكلام في ذلك قريبا في المسألة السابعة من مسائل المقصد المتقدم، وبينا ان الشيخ (قدس سره) قد حمل هذه الاخبار على التقية لذلك ولاشتمالها ايضا على امتداد وقت العشاءين إلى طلوع الفجر وهو قول العامة وان تبعهم من اصحابنا من تبعهم، وقد تقدم تحقيق ذلك في مسألة بيان آخر وقت المغرب منقحا موضحا، ومن ذلك يظهر لك عدم جواز الاستناد اليهما والاعتماد عليهما. على ان صحيحة زرارة الطويلة المتقدمة قد دلت في هذه الصورة على الامر بتقديم المغرب والعشاء على الغداة وانه ان خشى ان تفوته الغداة مع تقديمهما معا قدم المغرب وانه انما يصلي الغداة متقدمة عليهما إذا خشى فواتها، فهل يعارض هذا التفصيل الواضح في هذه الصحيحة المؤيدة بما عرفت الواقع كله بلفظ الامر الدال على الوجوب عندهم بمثل هاتين الروايتين المتهافتتين


(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي.


[ 347 ]

المخالف متنهما لاصول المذهب ؟ ما هذا إلا عجيب واي عجيب. واما صحيحة محمد بن مسلم فالمراد بصلاة النهار فيها انما هو النوافل النهارية وقد تقدم الكلام فيها وفى امثالها منقحا في مسألة جواز التطوع في وقت الفريضة، وكيف كان فلا اقل من قيام الاحتمالين وبه يسقط الاستدلال من البين. واما باقي الروايات فانها قد اشتركت كلها في الدلالة على ان من فاتته المغرب ثم ذكرها وقت العشاء تلبس بشئ من العشاء ام لا فانه يأتي بالعشاء اولا، وهذا لا يخلو اما ان يكون المراد بوقت العشاء فيها هو الوقت المختص وحينئذ فلا دليل فيها لما ادعوه منها للاتفاق على اختصاص الوقت الاخير بالعشاء، أو يكون المراد به الوقت المشترك وحينئذ فيشكل التعويل عليها والاستناد إليها في ما ذكروه لانه لا خلاف نصا وفتوى في وجوب الترتيب بين الفرائض الحاضرة في الوقت المشترك، فالقول بتقديم العشاء في الوقت المشترك في هذا الاخبار باطل البتة ويشبه ان يكون مخرج الروايات بهذا المعنى مخرج التقية، ومما يؤنس بذلك ذكره (عليه السلام) في رواية الحسن الصيقل وجه الفرق بين من ذكر فوات الظهر وهو في العصر وانه يعدل إلى الظهر وبين من ذكر فوات المغرب وهو في العشاء وانه يتم العشاء ثم يستأنف المغرب، معللا ذلك بان العصر لا يجوز ان يصلى بعدها فوجب العدول منها إلى الظهر ثم الاتيان بها والعشاء لا تحرم الصلاة بعدها فوجب اتمامها ثم الاتيان بالمغرب بعدها، وهذا الفرق وجوبا أو استحابا لا يتمشى على اصولنا وانما يجري على قواعد العامة المانعين من الصلاة بعد العصر مطلقا كما تقدم. والعلامة في المختلف بعد نقله موثقة عمار حمل المغرب فيها على مغرب سابقة فرارا من الاشكال المذكور. وانت خبير بانه بالتأمل في تلك الروايات وامعان النظر فيها يظهر ان المغرب المذكورة انما هي مغرب ذلك اليوم وهو الذي فهمه منها عامة الاصحاب ولهذا ان الشيخ في التهذيبين نسبه إلى الشذوذ. والمحدث الشيخ الحر في الوسائل بعد نقله موثقة عمار احتمل فيها الحمل على التقية


[ 348 ]

وبعد ان نقل رواية الصيقل قال: هذا محمول على تضيق العشاء دون العصر لما تقدم لان ذلك اوضح دلالة واوثق واكثر وهو الموافق لعمل الاصحاب. انتهى وفيه ان التعليل المذكور في الرواية ظاهر في خلاف ما ذكره بل الوجه انما هو التقية بقرينة التعليل المذكور. واجاب في الذكرى عن رواية الصيقل بالحمل على مغرب امسه، قال وهو اولى لرواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) الدالة على العدول. وفيه ما في سابقة من المنافاة لظاهر التعليل بل الوجه انما هو ما ذكرناه وهو الذي صرح به المحدث الكاشاني في الوافي، فانظر إلى هذه الاخبار التي استندوا إليها بعين الاعتبار وترجيحهم لها على تلك الاخبار الرفيعة المنار الساطعة الانوار مع ما اشتملت عليه مما اوضحنا لك بيانه من هذه الاكدار، فتأولوا لاجلها تلك الاخبار بالحمل على الاستحباب وانه لمن العجب العجاب عند من اعطى الانصاف حقه في هذا الباب فاعتبروا يا اولي الالباب. واما باقي الادلة التي اوردوها فهي في الضعف اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، اما الاصل فمع تسليمه فانه يجب الخروج عنه بالدليل وقد اوضحناه، وهم قد يخرجون عنه بما هو اقل من هذه الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار واما لزوم العسر والحرج - والظاهر انه اشار إلى ما ذكره المرتضى (رضي الله عنه) من المنع من اكل ما يزيد على سد الرمق ونحوه - فسيأتي بيان الجواب عنه ان شاء الله تعالى. واما عموم آي الصلاة فالجواب عنه بما اجيب به عن الاصل إذ لا خلاف بينهم ولا اشكال في تخصيص عمومات القرآن وتقييد مطلقاته بالاخبار وان كان خبرا واحدا فضلا عن هذه الاخبار المتعددة، وما عارضوها به من اخبارهم المتقدمة فقد عرفت ضعفه عن المعارضة وتبين قوة القول بها والتعويل عليها. واما الاستناد إلى الاقامة والاذان - كما ذكره وتبعه عليه جملة من الاعيان


[ 349 ]

كصاحب المدارك وغيره فهو مما يقضى منه العجب عند ذوي الافهام والاذهان لاستفاضة الاخبار بل ربما يدعى الضرورة من الدين بانهما من جملة الصلاة وان كانا من مستحباتها فكيف يعترض بهما على وجوب تقديم الفائتة أو يعترض بهما على منافاة الفورية. وبالجملة فان الواجب هو قضاء الصلاة التي هي عبارة عن الاذان والاقامة وما بعدهما لا ان القضاء انما يختص بتكبيرة الاحرام وما بعدها، غاية الامر ان الشارع رخص لمن عليه صلوات متعددة ان يأتي باذان واحد في اول ورده ويكتفي في الباقي باقامة اقامة واما بالنسبة إلى الروايات المتضمنة لجواز النافلة لمن عليه فريضة كما ذكره في المدارك ففيه (اولا) ان ظاهر ما قدمه في بحث الاوقات هو التوقف في هذه المسألة كما قدمنا ذكره في المسألة المذكورة. و (ثانيا) ان هذه الروايات معارضة بجملة من الروايات الصحاح الصراح الدالة على العدم كما تقدم تحقيقه في المسألة المذكورة. اقول: انظر رحمك الله تعالى إلى ما لفقوه في هذه المسألة من هذه الادلة العليلة والحجج الواهية الضئيلة وخرجوا بها عن تلك الاخبار الصحاح الصراح التي هي في الدلالة على المراد كضوء المصباح بل اسفار الصباح وتأولوها بالحمل على الاستحباب الذي لا مستند له من سنة ولا كتاب وان عكفوا عليه في جميع الابواب.

(الموضع الثالث) - في نقل اجوبتهم عن الادلة التي قدمناها واعتمدنا عليها في المقام والجواب عنها بوجوه شافية وافية ظاهرة لذوي الاذهان والافهام، ولنكتف هنا بما ذكره السيد السند في المدارك لانه نقل ما ذكره من تقدمه وزاد على ذلك: فنقول: قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: احتج القائلون بالتضييق بالاجماع والاحتياط وانه مأمور بالقضاء على الاطلاق والاوامر المطلقة للفور وقوله تعالى: " واقم الصلاة لذكري " (1) والمراد بها الفائتة لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة (2) " ابدأ بالتي فاتتك فان الله تعالى يقول واقم الصلاة لذكري " وما رواه الشيخ


(1) سورة طه، الآية 14. (2) ص 340.


[ 350 ]

في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية وهي صحيحة زرارة الطويلة التي صدرنا بها الاخبار الدالة على القول المختار، واقتصر عليها ولم يورد غيرها من الاخبار التي قدمناها، ثم قال: والجواب اما عن الاجماع فبالمنع منه في موضع النزاع خصوصا مع مخالفة ابني بابويه اللذين هما من اجلاء هذه الطائفة واحتمال وجود المشارك لهم في الفتوى. واما عن الاحتياط فبأنه انما يفيد الاولوية لا الوجوب مع انه معارض باصالة البراءة. واما قولهم الاوامر المطلقة للفور فممنوع بل الحق انها تدل على طلب الماهية من غير اشعار بفور ولا تراخ، قال في المعتبر ولو قالوا ادعى المرتضى ان اوامر الشرع على الضيق، قلنا يلزمه ما علمه واما نحن فلا نعلم ما ادعاه، على ان القول بالتضيق يلزم منه منع من عليه صلوات كثيرة ان يأكل شبعا أو ينام زائدا على الضرورة أو يتعيش إلا لاكتساب قوت يومه له ولعياله وانه لو كان معه درهم ليومه حرم عليه الاكتساب حتى تخلو يده والتزام ذلك مكابرة صرفة والتزام سوفسطائي (ولو قيل) قد اشار أبو الصلاح إلى ذلك (قلنا) فنحن نعلم من المسلمين كافة خلاف ما ذكره فان اكثر الناس يكون عليهم صلوات كثيرة فإذا صلى الانسان منهم شهرين في يومه استكثره الناس. واما الآية فلو سلم اختصاصها بالفائتة لم تدل على ازيد من الوجوب ونحن نقول به ولا يلزم منه التضيق، مع ان الظاهر تناولها للحاضرة والفائتة، وذكر المفسرون ان معنى قوله " لذكري " ان الصلاة تذكر بالمعبود وتشغل اللسان والقلب بذكره، وقيل ان المراد لذكري خاصة لا ترائي بها ولا تشيبها بذكر غيري، وقيل ان المراد لاني ذكرتها في الكتب وامرت بها. وهذه الوجوه كلها آتية في مطلق الصلاة الحاضرة والفائتة. واما عن الرواية فبالحمل على الاستحباب جمعا بينها وبين صحيحة ابن سنان المتضمنة للامر بتقديم الحاضرة على الفوائت المتعددة، واعمال الدليلين اولى من اطراح احدهما خصوصا مع اشتهار استعمال الاوامر في الندب. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه نظر من وجوه: (الاول) ما ذكره في الجواب عن الاجماع وان كنا


[ 351 ]

لا نرى العمل بهذه الاجماعات المتناقلة إلا انا نجيب عن ذلك الزاما بمقتضى قواعدهم المقررة بينهم وهو انهم قد صرحوا في الاصول بان مخالفة معلوم النسب غير قادح في الاجماع فإذا ادعى الاجماع من المتقدمين على هذا الحكم فمخالفة ابني بابوية بناء على ما قرروه غير مانعة من حجيته، واما المتأخرون فهم محجوجون به بمقتضى قواعدهم فانه متى كان الاجماع المنقول بخير الواحد حجة كما هو المذكور في اصولهم ومخالفة معلوم النسب غير قادح في دعوى الاجماع فكيف ساغ لهم الخروج عنه والقول بخلافه وهو احد الادلة الشرعية عندهم ؟ واما الاطراء على ابني بابويه في هذا الموضع بانهم من اجلاء الطائفة حيث وافقوا ما اختاره ففيه ان مقتضى هذه الاطراء اتباعهما في كل ما ذهبا إليه ولا اراه يقول به، واما احتمال وجود المشارك فهو اضعف فانه إذا كان وجود المخالف المعلوم النسب غير قادح فكيف بالاحتمال ؟ وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. و (الثاني) - ما ذكره - من منع دلالة الامر على الفور - فان فيه انه ربما كان يذهب ذلك القائل إلى القول بذلك والمسألة قد حققت في الاصول، والحق فيها وان كان هو ما ذكره (قدس سره) من ان الامر انما يدل على مجرد الطلب من غير اشعار بتراخ ولا فورية ولكن الذي نقوله نحن هنا ان الاوامر لم تقع هنا مطلقا كما توهمه بل وقعت مقيدة بساعة الذكر كما دلت عليه الآية والاخبار التي قدمناها والقول بالمضايقة انما نشأ من ذلك، ولهذا دلت الروايات الصحيحة على وجوب العدول من الحاضرة لو ذكر الفائتة في اثنائها كما تكرر في صحيحة زرارة الطويلة المتقدمة وغيرها وما ذاك إلا لان الوقت لا يصلح لغيرها بل هو مختص بها، وهكذا ما دام الوقت متسعا مع تعدد الفوائت إلى ان تتضيق الحاضرة، وهذا كله انما نشأ من التضييق كما لا يخفى على من شرب بكأس التحقيق فالاوامر هنا ليست مطلقة كما ظنه. ولهذا ان الفاضل الخراساني في الذخيرة استشعر ما ذكرناه واجاب بجواب آخر فانه - بعد ان منع الفورية بكلام المحقق في المعتبر الذي تقدم نقله - قال ما صورته:


[ 352 ]

والاولى للمستدل ان يقول وقع الامر بالفائتة عند الذكر ومقتضى ذلك عدم جواز التأخير، ثم اجاب بان النصوص محمولة على بيان مبدأ الوجوب أو على الاستحباب جمعا.. إلى آخره. وانت خبير بما في ذلك من التعسف والتكلف الذي لا ضرورة تلجى إليه بعد وضوح الدلالة على ما ادعيناه وانطباقها عليه، واي ثمرة تترتب على هذا القيد والحال ان مبدأ الوجوب معلوم من تحقق الخطاب بالاتيان بالمأمور به، فان السيد إذا قال لعبده افعل غيره مقيد بزمان ولا شرط علم ان مبدأ الوجوب من ذلك الوقت، وكذلك إذا قال الشارع " من فاتته صلاة فليقضها " فانه لا ريب ان مبدأ الوجوب من علم المكلف بالفوائت مع علمه بالحكم غاية الامر انه يكون وجوبا موسعا. فاي ثمرة تترتب على هذا القيد والتقييد بساعة الذكر لو لم يكن التضييق مرادا ؟ ومن اظهر الروايات زيادة على ما قدمناه فيها ذكرناه رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا نسى الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، ومن نسى اربعا فليقض اربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما، وان نسى ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما " فانظر إلى ظهوره في كون الامر بالقضاء مقيدا بحين الذكر فكأنه قال: " فليقض في هذا الوقت " تحقيقا للظرفية، ونحوها غيرها من الروايات المتقدمة واما ما ذكره من الحمل على الاستحباب فسيأتي ما فيه قريبا ان شاء الله تعالى في المقام. و (الثالث) - ما ذكره في المعتبر - من ان القول بالتضييق يلزم منه منع من عليه صلوات كثيرة.. الخ - فانه ممنوع وانما اللازم منه وجوب المبادرة إلى ايقاعها في اي وقت ذكرها مقدمة على غيرها كسائر الواجبات الفورية كما دلت عليه الاخبار المعتمدة. نعم يأتي ما ذكره على قول من يذهب إلى ان الامر بالشئ يستلزم النهي


(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من قضاء الصلوات.


[ 353 ]

عن ضده الخاص فانه منه المنع من جميع ما ذكره، وهذا ليس مختصا بما نحن فيه بل هو فرع القول بتلك المسألة في كل مأمور به فورا، ولعل بعض من قال بالمضايقة يذهب في تلك المسألة الاصولية إلى القول بان الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص فصرح هنا بما نقله، وحينئذ فما اطال به - من تعديد تلك الالزامات وقوله بعد ذلك " ان التزام ذلك مكابرة صرفة.. الخ - غير وارد على القول بالمضايقة وانما هو ناشئ عن تلك المسألة الاصولية. وتصريح المرتضى (رضي الله عنه) بما شنعوا به عليه لعله انما نشأ عن هذا القول في تلك المسألة فانها مما طال فيها بينهم النزاع والجدال واكثروا فيها من القيل والقال وصنفت فيها الرسائل واكثروا فيها من الدلائل. وبالجملة فان الذي دلت عليه الآية والروايات المتقدمة باصرح دلالة هو القول بوجوب القضاء حين الذكر فيصير من قبيل الاوامر الواجبة الفورية كالامر بالحج والامر بقضاء الدين بعد الحلول عند المطالبة والتمكن من الاداء ونحو ذلك من الاوامر الموجبة لتأثيم المكلف بالاخلال بها مع التمكن، واما انه لا يجوز له الاكل والشرب ونحو ذلك من الاضداد الخاصة كما اطالوا به التشنيع على هذا القول فانه تطويل بغير طائل وتشنيع لا يرجع إلى حاصل، لان ذلك فرع ذلك القول في المسألة الاصولية فان كل من قام عنده الدليل فيها على ذلك القول فله ان يفرع ما ذكر وامثاله وإلا فلا ولا خصوصية له بهذا المسألة. وبذلك يظهر ما في كلام جملة من المتأخرين التابعين للمحقق في هذا التشنيع كما تقدم الاشارة إليه في كلام الذكرى وكذا غيره. و (الرابع) - ما ذكر المحقق المذكور - من ان اكثر الناس عليهم صلوات كثيرة وانه إذا صلى الانسان شهرين في يوم استكثره الناس - فانه كلام لا طائل تحته ولا ثمرة تترتب عليه، وذلك فانه إذا قام الدليل في تلك المسألة الاصولية على ما ذهبوا إليه من استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص كما ذهب إليه طائفة من اصحابنا: منهم - العلامة والمحقق الاردبيلي وغيرهما ونفى عنه البعد السيد السند في المدارك لزم وجوب


[ 354 ]

الاتيان بالفوائت والمنع مما عداها ولو بان يقضى سنة كاملة في يوم، واستكثار الناس ذلك لا مدخل له في الاحكام الشرعية إذا قامت الادلة عليها. ثم اي ناس يريد باولئك الناس فان اراد العامة الذين هم من النسناس فلا حجة فيه ولا عبرة به وان اراد من هم المرجع في الاحكام الشرعية فهم يفرعون ذلك على تلك المسألة الاصولية على ان لقائل ان يمنع صحة تلك الدعوى إذ من البعيد تعمد ترك الفرائض والصلوات أو نسيانها على وجه يصل إلى حد الكثرة من واحد فضلا عن كثير من الناس لا عن الاكثر، هذا كله على تقدير ثبوت ما ادعى في تلك المسألة الاصولية وإلا فمع عدم الثبوت كما هو المشهور والمؤيد المنصور وان الامر بالشئ انما يستلزم النهي عن الضد العام لا يستلزم شيئا مما ذكروه، على انهم قد صرحوا في وجوب ازالة النجاسة عن المسجد وقضاء الدين ونحوهما من الواجبات الفورية بنحو ذلك، وقد منعوا من الصلاة إلا في آخر الوقت ومن كل ضد خاص ينافي الاشتغال بذلك المأمور به بناء على ما اختاروه في تلك المسألة الاصولية، وما نحن فيه كذلك. و (الخامس) - ما ذكره السيد المذكور من انه مع تسليم اختصاص الآية بالفائتة فلا دلالة لها على امرا زيد من الوجوب... إلى آخره فان فيه انه ان اراد بالنظر الى لفظ الامر فيها فهو مسلم ولكن بالنظر إلى الروايتين الواردتين بتفسير الآية المذكورة يظهر تقييد الوجوب بحين الذكر، وحينئذ فالآية بناء على تفسيرهم (عليهم السلام) لها بما ذكروه ظاهرة في المدعى. واما ما اطال به من الاحتمالات التي نقلها عن المفسرين فسيأتي ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه، ونحن انما استدللنا بالآية بناء على تفسيرهم (عليهم السلام) لها بما ذكرناه (فان قيل) ان الاعتماد حينئذ على الاخبار لا على الآية إذ الآية في حد ذاتها خالية عن ذلك كما اعترفتم به (قلنا) هذه مغلطة لا تروج إلا على ضعيفي الاذهان من البله والنساء والصبيان فانه لو تم ذلك للزم ان العامل بكلام المفسرين للقرآن انما عمل باقوال العلماء لا بالقرآن والمتلقى لحل حديث


[ 355 ]

من اخبارهم (عليهم السلام) عن شيخه لم يكن معولا الا على كلام شيخه لا على كلام الامام (عليه السلام) ولا يخفى ان المفسر لكلامه (عزوجل) انما هو مخبر عنه (عزوجل) بان مراده بهذا الكلام هذا المعنى ولهذا منعنا عن العمل بتفسير غيرهم (عليهم السلام) كما ظهر وسيظهر لك انشاء الله تعالى بيانه ويثبت بنيانه. و (السادس) - ما ذكره ايضا (قدس سره) من ان الظاهر تناول الآية للحاضرة والفائتة واعتضاده في ذلك بكلام المفسرين وان كان قد سبقه إليه جده في الروض والشهيد في الذكرى وغيرهما فان فيه ما يقضى منه العجب العجاب عند من مارس اخبار الائمة الاطياب وما ورد عنهم في الباب، فانه قد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع من تفسير القرآن ولاسيما مجملاته ومتشابهاته إلا بالاخذ عنهم (عليهم السلام) وقد قدمنا ذكر ذلك في مقدمات الكتاب. ونزيده هنا بيانا بما رواه العياشي في تفسيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من فسر القرآن برأيه ان اصاب لم يؤجر وان اخطأ خر ابعد من السماء ". وفى الكافي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ما ضرب القرآن رجل بعضه ببعض إلا كفر " وروى غير واحد من اصحابنا عن النبي (صلى الله عليه واله) (3) قال: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ". وحمل الرأي على الميل الطبيعي المترتب علي الاغراض الفاسدة كما احتمله بعضهم بعيد غاية البعد كما اوضحناه في كتابنا الدرر النجفية. وما رواه البرقي في كتاب المحاسن في باب (انزل الله في القرآن تبيان كل شئ) عن ابيه عن الحسن بن علي بن فضال عن ثعلبة بن ميمون عن من حدثه عن المعلى ابن خنيس (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رسالة: واما ما سألت عن


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 13 من صفات القاضي وما يقضي به.


[ 356 ]

القرآن فذلك ايضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة لان القرآن ليس على ما ذكرت وكل ما سمعت فمعناه غير ما ذهبت إليه وانما القرآن امثال لقوم يعلمون دون غيرهم ولقوم يتلونه حق تلاوته وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه فاما غيرهم فما اشد اشكاله عليهم وابعده من مذاهب قلوبهم، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه ليس شئ با بعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن وفى ذلك تحير الخلائق اجمعون إلا من شاء الله وانما اراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا إلى بابه وصراطه وان يعبدوه وينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه والناطقين عن امره وان يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم (عليهم السلام) لا عن انفسهم، ثم قال: " ولو ردوه إلى الرسول والي اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " فاما غيرهم فليس يعلم ذلك ابدا ولا يوجد وقد علمت انه لا يستقيم ان يكون الخلق كلهم ولاة الامر إذ لا يجدون من يأتمرون عليه ولا من يبلغونه امر الله ونهيه فجعل الله تعالى الولاة خواصا ليقتدي بهم من لم يخصصهم بذلك فافهم ذلك ان شاء الله تعالى، واياك وتلاوة القرآن برأيك فان الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الامور ولا قادرين عليه ولا على تأويله إلا من حده وبابه الذي جعله الله له فافهم ان شاء الله تعالى واطلب الامر من مكانه تجده ان شاء الله تعالى ". اقول: لو لم يرد الا هذا الحديث الشريف لكفى به حجة في ما قلناه كيف والاخبار بذلك مستفيضة كما بسطنا الكلام عليه في كتاب الدرر النجفية واشرنا إلى ذلك في مقدمات الكتاب، وحينئذ فكيف يجوز لمن وقف على هذه الاخبار وتأملها بعين الاعتبار ان يستند في تفسير مثل هذه الآية التي هي من متشابهات القرآن إلى تفسير هؤلاء المفسرين الضالين المضلين ؟ وما نقله عن المفسرين فهو مأخوذ من تفسير البيضاوي فانه ذكر هذه الاحتمالات (2) ثم قال في آخرها: أو لذكر صلاتي لما روى عنه


(1) سورة النساء، الآية 85. (2) ص 262.


[ 357 ]

(عليه الصلاة والسلام) قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها ان الله تعالى يقول: واقم الصلاة لذكري ". على ان المفهوم من كلام امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان ان ما ذكرناه هو الذي عليه اكثر المفسرين فانه روى في الكتاب المذكور عن الباقر (عليه السلام) قال: ان معنى الآية اقم الصلاة متى ذكرت ان عليك صلاة كنت في وقتها ام لم تكن. ونسبه إلى اكثر المفسرين ثم قال ويعضده ما رواه انس ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك وقرأ اقم الصلاة لذكري " رواه مسلم في الصحيح (1) انتهى. ومن ذلك يعلم اتفاق روايات الخاصة والعامة على تفسير الآية بما ذكرناه، وحينئذ فلا مجال للحمل على هذه الاحتمالات وضرب الصفح عن الروايات وهل هو إلا من المغالطات والمجازفات ؟ ثم العجب منه في ذكر هذه الاحتمالات عن البيضاوي وعدم ذكره وعدم ذكره الاحتمال الاخير المؤيد بالرواية لكونه ظاهرا في الرد عليه. (والسابع) - ما ذكره - من حمل صحيحة زرارة الطويلة التي ذكرها على الاستحباب جمعا بينها وبين صحيحة ابن سنان... إلى آخر ما ذكر في المقام - فان فيه: (اولا) انك قد عرفت ان المخالفة ليست مخصوصة بصحيحة زرارة بل بجملة الروايات التي قدمناها وقد عرفت انها مستفيضة متكاثرة لا تبلغ هذه الرواية قوة في معارضة الصحاح منها فضلا عن الجميع الذي يقرب من عشرين رواية، والجمع بمقتضى قاعدته في غير موضع فرع التكامؤ في الصحة والدلالة وقد عرفت ما في دلالة روايته من المطاعن، فالواجب هو العمل بتلك الاخبار وجعل التأويل في جانب هذه الرواية لا العكس كما زعمه سيما مع ما عليه الرواية المذكورة من تكرار هذا الحكم فيها الموجب لتأكده وتقويته، ما هذه إلا مجازفة ظاهرة. و (ثانيا) - ما قدمناه في غير مكان من ان هذه القاعدة وان اشتهرت بينهم


(1) ج 1 ص 257.


[ 358 ]

في الجمع بين الاخبار بحمل النهي على الكراهة والامر على الاستحباب إلا انه لا مستند لها من سنة ولا كتاب ومقتضى القواعد المروية عن اهل العصمة (عليهم السلام) هو عرض الاخبار على القرآن والاخذ بما وافقه، وقضية الترجيح بهذه القاعدة العمل بالاخبار التي ذكرناها وطرح هذا الخبر في مقابلتها، والتشبث بما ذكره من ان اعمال الدليلين اولى من طرح احدهما من البين من الاجتهادات الصرفة لما تقدم بيانه في المقدمة السادسة من مقدمات الكتاب، ونزيده بيانا هنا فنقول لا ريب انه قد استفاضت الاخبار بطرح ما خالف القرآن في مقام الترجيح بالعرض على الكتاب وطرح ما وافق العامة في مقام عرض الاخبار على مذهب العامة وطرح ما خالف الاشهر في الرواية في مقام الترجيح بذلك ايضا (1) فإذا امر الائمة (عليهم السلام) بطرح الاخبار في هذه المقامات ونحوها ورخصوا في ذلك فهل يليق ممن يعمل باخبارهم ويتمسك بآثارهم ان يضرب عن ذلك صفحا ويعتمد على هذه القاعدة التي ابتدعوها والمغالطة التي اخترعوها ؟ ما هذا إلا اجتهاد في مقابلة النصوص وجرأة على اهل الخصوص و (ثالثا) - انه لو سلم له ذلك في الاخبار فلا يتم في الآية لاتفاقهم على كون الاوامر القرآنية للوجوب إلا ما خرج بدليل، وقد عرفت مما قدمناه تأكد دلالتها على الوجوب بمعونة الاخبار سيما الاخبار الواردة في تفسيرها فكيف يمكن حملها على الاستحباب ؟ و (رابعا) - انهم قد حققوا في الاصول ان الامر حقيقة في الوجوب وبه استدل هذا القائل في غير موضع من كتابه بل ذهب في جملة من المواضع إلى دلالة الجملة الخبرية على ذلك ايضا وهو المؤيد بالآيات القرآنية والاخبار المعصومية كما تقدم في مقدمات الكتاب، ولا ريب ان الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة، ومجرد اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. وايضا فالاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح كالوجوب والتحريم واختلاف الاخبار ليس دليلا شرعيا


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به.


[ 359 ]

على ذلك، والاستناد إلى اشتهار استعمال الامر في الندب كما ذكره مردود بانه ان كان ثمة قرينة توجب الخروج عن الحقيقة فلا دلالة فيه وإلا فهو ممنوع بل هو اول المسألة. تذييل جميل وتكميل نبيل اعلم ان ممن ذهب إلى القول بالمواسعة السيد الجليل ذو المقامات والكرامات رضي الدين بن علي بن طاووس في رسالة صنفها في المسألة وذكر فيها الاستدلال ببعض الاخبار المتقدمة في ادلة القائلين بالمواسعة وزاد عليها اخبارا غريبة اطلع عليها من الاصول التي عنده، والفاضل الخراساني في الذخيرة لما اختاره هذا القول في الكتاب المذكور اطال في الاستدلال عليه بادلة جمع فيها بين الغث والسمين والعاطل والثمين ونقل فيها تلك الاخبار الغريبة التي ذكرها السيد المشار إليه في رسالته، فرأينا نقل كلامه في المقام والكلام على ما فيه من نقض وإبرام وتحقيق ما هو الحق الظاهر لذوي الافهام لئلا يغتر بكلامه من لا يعض على المسألة بضرس قاطع ويظن ما ذكره شرابا وهو سراب لامع: قال (قدس سره) والاقرب عندي القول بالمواسعة، لنا اطلاقات الآيات الدالة على وجوب اقامة الصلاة المتحققة لكل وقت إلا ما خرج بالدليل، وقوله تعالى: " اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) والاخبار الدالة على ذلك كقوله (عليه السلام) (2) " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر " واوضح منها دلالة صحيحة سعد بن سعد (3) قال: " قال الرضا (عليه السلام) إذا دخل الوقت عليك فصلها فانك لا تدري ما يكون " ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان ورواية ابي بصير السابقتين ثم نقل صحيحة سعيد الاعرج (4) الدالة على انه (صلي الله عليه وآله) نام


(1) سورة بني اسرائيل، الآية 80. (2) الوسائل الباب 4 من المواقيت. (3) الوسائل الباب 3 من المواقيت. (4) المروية في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.


[ 360 ]

عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ثم قام فبدأ فصلى الركعتين قبل الفجر ثم صلى الفجر ثم نقل موثقة عمار الساباطي المتقدمة (1) الدالة على انه من ذكر المغرب في وقت العتمة تخير في تقديم ايهما شاء، وحمل المغرب فيها على مغرب امسه، ثم نقل رواية اخرى عن عمار ايضا وهي ما رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس وهو في سفر كيف يصنع أيجوز له ان يقضي بالنهار ؟ قال لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار ولا يجوز له ولا يثبت له ولكن يؤخرها فيقضيها بالليل " ثم نقل عن عمار في خبر آخر (3) قال: " فإذا اردت ان تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدأ فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة لها ثم اقض ما شئت " ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم (4) وحسنة الحلبي (5) المتضمنتين للسؤال عن من فاتته صلاة النهار قال يقضيها ان شاء بعد المغرب وان شاء بعد العشاء، ثم نقل رواية ابي بصير الدالة على ذلك (6) ثم قال: وجه الدلالة في هذه الاخبار الثلاثة ان صلاة النهار اعم من الفريضة والنافلة، ثم نقل رواية جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " قلت له يفوت الرجل الاولى والعصر.. الخبر " ثم رواية الحسن الصيقل ثم رواية علي بن جعفر، وقد تقدم جميع ذلك في ادلة القائلين بالمواسعة، ثم نقل رواية من كتاب الحسين بن سعيد (8) وهي احدى الروايات الغريبة من روايات السيد المتقدم بما هذا لفظه: صفوان عن عيص بن القاسم قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى أو نام عن الصلاة حتى دخل عليه وقت صلاة اخرى ؟ فقال ان كانت صلاة الاولى فليبدأ بها وان كانت صلاة العصر فليصل العشاء ثم يصلي العصر " ثم نقل عن اصل عبيد الله الحلبي وهذا ايضا من اخبار السيد المذكور (9) ما هذا لفظه " ومن نام أو نسى ان يصلي المغرب


(1) ص 345. (2) و (3) و (7) رواه في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات. (4) و (5) الوسائل الباب 39 من المواقيت. (6) ص 344. (8) و (9) البحار ج 18 الصلاة ص 683.


[ 361 ]

والعشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر بمقدار دما يصليهما جميعا فليصلهما وان استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثم يصل المغرب ثم العشاء " ثم قال: ومما يؤيد المطلوب الاخبار الدالة على كراهة الصلاة مطلقا في الاوقات المكروهة وقد سلفت في محلها وفى بعضها تصريح بالقضاء كقوله (عليه السلام) في موثقة عمار الساباطي (1) " وقد سأله عن الرجل إذا غلبته عيناه أو عاقه امر عن صلاة الفجر: فان طلعت الشمس قبل ان يصلي ركعة فليقطع الصلاة ولا يصلي حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها " والاخبار الدالة على استحباب الاذان والاقامة لقاضي الصلاة (2) إلى ان قال: ومما يؤيد المطلوب ان القول بالمضايقة على الوجه الذي ذكر يتضمن حرجا عظيما وعسرا بالغا ومشقة شديدة لانه يحتاج إلى ضبط الاوقات ومعرفة الساعات والرصد لآخر كل صلاة وضبط انتصاف الليل ومعرفة طلوع الشمس وغروبها وضبطها بحيث يتحقق اتمام الحاضرة عنده، ولا شك في كون هذه الاشياء من اعظم الحرج. وكذا ما ذكره جماعة منهم من الاقتصار على اقل ما يحصل به التعيش بتضمن حرجا عظيما وتعطيلا في الامور وتفويتا للاغراض، وقد يدعى الاجماع من فقهاء الاعصار والامصار على بطلان ذلك. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: لا يخفى ما فيه من التطويل الذي ليس عليه مزيد تعويل، فاما ما ذكره - من الاستدلال بالعمومات الدالة على الامر بالصلاة بدخول الوقت والمسارعة لها والعمومات الدالة على جواز قضاء النوافل في كل وقت ونحوها - ففيه انه قد وقع الاتفاق منهم على عدم العمل بها على عمومها بل خصصوها بادلة من خارج في مواضع كما اشار إليه بقوله: " إلا ما خرج بالدليل " فليكن ما نحن فيه من ذلك القبيل لقيام تلك الادلة التي قدمناها آية ورواية على المنع من الصلاة والحال كذلك، والامر بتقديم الفائتة وتأخير الحاضرة إلى آخر وقتها والعدول عنها لو ذكر في الاثناء، فيكون عموم الاخبار والآيات التي ذكرها


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 و 30 من ابواب المواقيت. (2) راجع التعليقة 6 ص 345.


[ 362 ]

مخصصا بما ذكرناه، على انهم قد صرحوا في الاصول بانه لا يجوز العمل بالعام قبل استقصاء البحث في طلب المخصص بل قال جماعة منهم انه ممتنع اجماعا، فعلى هذا انما يستدل بالعام بعد الطلب لكل ما يصلح للتخصيص، وحيئذ فلا حجة في الاستدلال بالعام على الخصم لصراحة المخصص في التخصيص وقبول العام له. واما حمل ذلك المخصص على ما هو بعيد عن سياق عبارته ومفاد الفاظه - بدعوى مقابلته بما هو ارجح منه فيخرج عن التخصيص للعام - فهو مسلم بعد ثبوت تلك الدعوى وحيث لم تثبت فالتخصيص ثابت. والاستدلال بالعام هنا على المسألة التنازع فيها مع كون الاستدلال متوقفا على عدم صلوح المخصص المشار إليه للتخصيص دور كما لا يخفى. واما الجواب عن صحيحة عبد الله بن سنان ورواية ابي بصير فقد تقدم في الجواب عن كلام صاحب المدارك وتحقيقه ما تقدم في بحث الاوقات. واما صحيحة سعيد الاعرج فقد تقدم ايضا الجواب عنها في الاوقات. واما موثقة عمار الاولى فقد تقدم الجواب عنها ايضا واما روايته الثانية فهي مخالفة للكتاب والسنة والاجماع وما هذا سبيله فلا تقوم به الحجة الا على الرعاع العادمي الابصار والاسماع، إذ جواز القضاء بالنهار ثابت بالثلاثة المذكورة، وبالجملة فانه ليس في الاستدلال بمثل هذا الخبر إلا تكثير السواد واضاعة القرطاس والمداد، وهذا من جملة اخبار السيد المتقدم ذكره في رسالته ايضا. واما الخبر الثالث عن عمار ايضا فظاهره كما ترى النهي عن القضاء في المكتوبة وغيرها حتى يصلي نافلة قبل الفريضة التي حضر وقتها ثم يقضي، وليس فيه تصريح بتقديم الفريضة التي هي صاحبة الوقت على القضاء وانما تضمن صلاة ركعتين نافلة ثم القضاء، ومفاده تحريم القضاء أو كراهته على غير هذه الكيفية، ولا اعرف به قائلا ولا عاملا إلا ان يكون هذا المستدل الذي اورده واعتمده دليلا إذ هو مقتضى استدلاله ولعله يقول به وامثاله من اخباره المتقدمة وكفى به شناعة. فانظر ايدك الله تعالى إلى هذه الادلة المخالفة لاصول المذهب وقواعده كما عرفت


[ 363 ]

ولا سيما روايات عمار. ولله در المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال - في موضع منه بعد نقل بعض اخباره المخالفة وبعد ان تكلف في تأويله - ما صورته: هذا مع ما في روايته من الطعن المشهور وما في رواياتهم من الخلل والقصور. وقال في موضع آخر بعد نقل بعض رواياته التي من هذا القبيل: ولو كان الراوي غير عمار لحكمنا بذلك إلا ان عمارا ممن لا يوثق باخباره. وقال في ثالث - بعد ان نقل عنه حديثا دالا على المنع من الصلاة متى اكل اللبن حتى يغسل يديه ويتمضمض - ما صورته: هذا مع ما في اخبار عمار من الغرائب. انتهى. وبالجملة فالواجب اولا في مقام الاستدلال ملاحظة الدليل فان كان ما تضمنه سالما من الطعن فلا بأس من ايراده والاستدلال به وإلا فلا، ومن الظاهر ان هذا المستدل لا يقول بهذه الاخبار المتهافتة ولا سيما روايات عمار فكيف يحسن منه الاستدلال بها ويروم الزام الخصم بها ؟ واما الروايات الثلاث الدالة على قضاء صلاة النهار ان شاء بعد المغرب وان شاء بعد العشاء فقد عرفت ان المراد من صلاة النهار انما هو نافلة النهار كما هو المفهوم من كلام الاصحاب في هذا المقام وبه صرح هو وغيره من الاعلام حيث اوردوها دليلا على جواز قضاء النوافل في الاوقات المذكورة كما قدمنا تحقيقه في تلك المسألة، وعلى تقدير احتمال شمولها للفرائض فهي محمولة على تلك الروايات الدالة على وجوب القضاء وفوريته ومخصصة بها إلا ان الاول هو المعتمد. واما روايتا الصيقل وعلي بن جعفر فقد تقدم الجواب عنهما واما رواية عيص ابن القاسم المنقولة من كتاب الحسين بن سعيد وما اشتملت عليه من التفصيل - وهذه ايضا من روايات السيد المتقدم ذكره - فالجواب عنها ما تقدم في الجواب عن خبر الصيقل فان هذا الفرق بين الاولى والعصر انما يتمشى على مذهب العامة واصولهم ولا اظن هذين الفاضلين المستدلين به يقولان بمضمونه فكيف يرومان الاستدلال به ؟ واما ما نقله


[ 364 ]

عن كتاب عبيدالله بن علي الحلبي - وهو ايضا من روايات السيد المتقدم - فهو مضمون ما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان ورواية ابي بصير فالجواب عنه عين الجواب عنهما وقد تقدم والطعن عليه وارد كالطعن عليهما. واما ما ذكره من الاخبار الدالة على كراهة الصلاة مطلقا في الاوقات المكروهة فهي غير معمول عليها عندنا ولا قائل بها منا، فإذا لم يقل هو ولا غيره بمضمونها فكيف يسوغ له الاستدلال بها ؟ بل هي محمولة على التقية البتة لمعارضتها بالاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة الدالة على قضاء الفريضة في كل وقت سيما بعد العصر فانه من سر آل محمد المخزون (1) وكذا سائر تلك المواضع فريضة كانت أو نافلة، مضافا إلى اتفاق الاصحاب على ذلك وانما الكلام في المبتدأة كما تقدم. واما رواية عمار الدالة على المنع من قضاء صلاة الصبح والامر بقطعها لو طلعت عليه الشمس ولم يصل منها ركعة فهي مردودة بالاخبار المستفيضة الدالة على خلاف ذلك عموما وخصوصا في الفريضة بل النافلة كما في صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس ؟ قال يصلي حين يستيقظ. قلت يوتر أو يصلي الركعتين ؟ قال بل يبدأ بالفريضة " وقد ورد في الاخبار (3) ان القضاء بعد الغداة وبعد العصر من سر آل محمد المخزون. وبالجملة فالراوية لا قائل بها من الاصحاب ولا عاضد لها من سنة ولا كتاب بل الاخبار في ردها ظاهرة لذوي الالباب فليس في ايرادها وامثالها مما تقدم إلا التطويل والاطناب سيما والراوي عمار الذي عرفت ما في رواياته من العجب العجاب، والرواية المذكورة محمولة على التقية كما في نظائرها. والعجب من هذا المستدل ان جميع ما اورده إلا النزر القليل لا يقول بمضمونه كما لا يخفى على من راجع كتابه لمخالفته لاصول المذهب وقواعده فكيف يتوهم الزام


(1) و (3) الوسائل الباب 39 و 45 من المواقيت. (2) الوسائل الباب 61 من المواقيت.


[ 365 ]

الخصم به في المقام ؟ ما هذا إلا عجيب كما لا يخفى على ذوى الالباب والافهام. واما ما ادعاه من الحرج العظيم في ضبط الاوقات ومعرفة الساعات وضبط انتصاف الليل وطلوع الشمس وغروبها فهل هو إلا رد على الشارع من جيث لايشعر قائله حيث انه جعل هذه الاوقات حدودا للفرائض والصلوات وجعلها مناطا للاداء والقضاء واختصاص الفريضة الثانية من آخره بمقدارها والاولى من اوله بمقدارها ونحو ذلك والامر في المقامين واحد، والحرج ليس دائرا مدار ما تنفر منه النفوس البشرية وتستثقله الطبائع الانسانية وان اقتضته الادلة الشرعية وإلا لسقطت جملة من التكاليف الشاقة كالجهاد والحج والصوم في الايام الصائفة ونحو ذلك لنفور النفوس منها. واما ما ذكره من لزوم الحرج بالاقتصار على اقل ما يتعيش به فقد عرفت انه ليس من لوازم هذه المسألة بخصوصها. وبما ذكرنا يظهر لك ان جميع ما ذكره انما هو كغيم علا فاستعلى ثم فرقته الريح فتفرق وانجلى. والله العالم.

(الموضع الرابع) - في بيان ضعف القولين الآخرين وهما ما ذهب إليه صاحب المدارك تبعا للمحقق من وجوب تقديم الفائتة المتحدة دون المتعددة، وما ذهب إليه في المختلف من وجوب تقديم الفائتة ان ذكرها في يوم الفوات سواء اتحدت أو تعددت، وان لم يذكرها حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة في اول وقتها. فاما القول الاول فيرده (اولا) انه انما استدل على جواز تقديم الحاضرة على الفوائت المتعددة بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة التي قد عرفت تطرق الطعن إليها بما قدمناه، ولكن عذره في الاستدلال بها ظاهر حيث انه في باب الاوقات استدل بها على امتداد وقت العشاءين إلى قبل الفجر للمضطر، ونحن قد قدمنا في تلك المسألة بطلان هذا الاستدلال وان هذه الرواية الدالة على ذلك ونحوها انما خرجت مخرج التقية وحينئذ فلا دلالة فيها في الموضعين على ما ادعاه.


[ 366 ]

و (ثانيا) - انها معارضة بصحيحة زرارة الطويلة (1) لدلالتها على وجوب تقديم الفوائت المتعددة على صاحبة الوقت حيث تضمنت تقديم قضاء المغرب والعشاء على صلاة الصبح بقوله (عليه السلام): " وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة ابدأ بالمغرب ثم العشاء.. الحديث " والسيد المذكور قد حمله على الاستحباب جمعا بينه وبين صحيحة ابن سنان. وفيه ما عرفت من ضعف الصحيحة المذكورة بما ذكرنا من الطعن فيما تضمنته، مع ما عرفت في الحمل على الاستحباب آنفا، على ان ما تضمنته صحيحة زرارة من الحكم المذكور معتضد بجملة من الاخبار الظاهرة في الوجوب مثل صحيحته الاخرى (2) حيث " سئل (عليه السلام) عن من نسى صلوات لم يصلها أو نام عنها فقال يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الحاضرة.. الحديث " فانه صريح في وجوب تقديم الفوائت المتعددة كما ترى، ومثلها الروايات الدالة على الامر بالقضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة (3) فانها شاملة باطلاقها للمتحدة والمتعددة بل ظاهرة في المتعددة، وحينئذ فارتكاب التأويل في هذه الروايات بتلك الرواية المعلولة - مع ما عرفت في هذا الحمل من الوجوه التي قدمناها دالة على عدم صحته في نفسه - مجازفة محضة في احكامه سبحانه، وبذلك يظهر لك ضعف القول المذكور. واما القول الثاني من القولين المذكورين فلا اعرف له وجها وجيها من الاخبار وان اطال في المختلف في ذلك من غير طائل بل ظواهر الاخبار تدفعه، قال في المدارك واعلم ان العلامة في المختلف استدل برواية زرارة المتقدمة على وجوب تقديم فائتة اليوم ثم قال (لا يقال) هذا الحديث يدل على وجوب الابتداء بالقضاء في اليوم الثاني لانه


(1) ص 339. (2) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات. (3) رواها في الوسائل في الباب 62 من المواقيت و 2 من قضاء الصلاة.


[ 367 ]

(عليه السلام) قال: " وان كان المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة " ان كان الامر للوجوب وإلا سقط الاستدلال به (لانا نقول) جاز ان يكون للوجوب في الاول دون الثاني لدليل فانه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا كونه للوجوب في كل شئ. وهو جيد. انتهى. اقول: اشار برواية زرارة المتقدمة إلى روايته الطويلة فانها هي المشتملة على هذا الكلام كما قدمناه. ثم اقول ما استجوده من كلام المختلف هنا لا اعرف له وجها يعتمد عليه فانه متى كان الامر حقيقة في الوجوب كما هو مقتضى استدلاله بالرواية وبه اعترفوا في الاصول فتخصيص ذلك بموضع دون موضع يحتاج إلى القرينة الصارفة. والى ذلك يشير ايضا كلامه هنا بقوله " لدليل " وكان الواجب عليه بيان هذا الدليل الصارف عن الوجوب في هذا المقام مع انه لم يبين ذلك ولا هذا القائل الذي استجود كلامه لكونه موافقا لغرضه كما تقدم وانما اعتمدوا على مجرد الدعوى التي لا تسمن ولا تغني من جوع كما لا يخفى على من له إلى الانصاف ادنى رجوع. وبالجملة فان قوله: " انه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا كونه للوجوب في كل شئ " لا معنى له إلا ان يقوم الصارف عن الوجوب في بعض المواضع فيخرج عن حقيقته إلى المجاز وإلا فهو في كل موضع اطلق انما يتبادر منه الوجوب ومن اظهر الادلة الدالة على رد هذا القول الآية والاخبار المستفيضة بوجوب القضاء حين الذكر كما قدمناه، ووجوب تأخير صاحبة الوقت إلى آخره مع عدم استيفاء القضاء قبل ذلك، ووجوب العدول عن الحاضرة مع الذكر في اثنائها، فانها شاملة باطلاقها وعموماتها لفائتة اليوم وغيره، وصحيحة زرارة المذكورة صريحة في رده. وما اجاب به عن ذلك غير موجه وان وافقه السيد المذكور عليه لكونه موافقا لاختياره. وغاية ما استدل به في المختلف لجواز تقديم الحاضرة هو عموم الايات التي تقدمت في صدر كلام الفاضل الخراساني والاخبار الدالة على المواسعة، وقد عرفت ما في جميع ذلك، ومع الاغماض عن ذلك فغاية ما تدل عليه الادلة المذكورة من آية ورواية هو المواسعة مطلقا وتخصيصها


[ 368 ]

بغير يوم الفوات كما ادعاه يحتاج إلى دليل. وبالجملة فالادلة قد تعارضت آية ورواية في المواسعة مطلقا والمضايقة مطلقا وكل منهما مطلق في فائتة اليوم وغيره متحدة أو متعددة، واللازم من ذلك اما القول بالمضايقة مطلقا أو المواسعة مطلقا، واما تفصيل اصحاب هذين القولين فلا دليل عليه في البين ولا اثر له في الاخبار ولا عين بل هي في رده ظاهرة من الطرفين. والله العالم بحقائق احكامه ونوابه القائمون بمعالم حلاله وحرامه.

الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>