
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السادس
المقدمة الرابعة
في القبلة
وفيها بحوث:
(الاول) في الماهية وما يتبعها، قيل: القبلة لغة الحالة التي عليها الانسان حال استقباله الشئ ثم نقلت في العرف إلى ما يجب استقبال عينه أو جهته في الصلاة. والمراد هنا بالقبلة الكعبة المعظمة بالضرورة من الدين وان وقع الخلاف - كما سيأتي - بالنسبة إلى البعيد عنها في الجهة والمسجد والحرم الا ان ذلك راجع إليها بطريق الاخرة ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة، فروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي إلى بيت المقدس ؟ قال نعم. فقلت أكان يجعل الكعبة خلف ظهره ؟ فقال اما إذا كان بمكة فلا واما إذا هاجر إلى المدينة فنعم حتى حول إلى الكعبة ". وروى الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي باسناده إلى الصادق (عليه السلام) (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) صلى بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة وبعد هجرته (صلى الله عليه وآله) صلى بالمدينة سبعة اشهر ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة، وذلك ان اليهود كانوا يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون له انت
(1) الوسائل الباب 2 من القبلة. (2) مستدرك الوسائل الباب 2 من القبلة.
[ 369 ]
تابع لنا تصلي إلى قبلتنا فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر إلى افاق السماء ينتظر من الله تعالى في ذلك امرا فلما اصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين فنزل عليه جبرئيل فاخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وانزل عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (1) فصلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة ". وقال الصدوق في الفقيه (2): صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة وتسعة عشر شهرا بالمدينة ثم عيرته اليهود فقالوا له انك تابع قبلتنا فاغتم لذلك غما شديدا فلما كان في بعض الليل خرج (صلى الله عليه وآله) يقلب وجهه في آفاق السماء فلما اصبح صلى الغداة فلما صلى من الظهر ركعتين جاءه جبرئيل فقال له: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام... الآية " (3) ثم اخذ بيد النبي (صلى الله عليه وآله) فحول وجهه إلى الكعبة وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال فكان اول صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة وبلغ الخبر مسجدا بالمدينة وقد صلى اهله من العصر ركعتين فحولوا نحو القبلة فكانت اول صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين، فقال المسلمون صلاتنا إلى بيت المقدس تضييع يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانزل الله عزوجل " وما كان الله ليضيع ايمانكم " (4) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس. قال في الفقيه قد اخرجت الخبر في ذلك على وجهه في كتاب النبوة. اقول: وربما يتسارع إلى الناظر المنافاة بين هذه الاخبار بالنسبة إلى صلاة النبي
(1) و (3) سورة البقرة، الآية 139. (2) الوسائل الباب 2 من القبلة. (4) سورة البقرة، الآية 138.
[ 370 ]
(صلى الله عليه وآله) في مكة فان الخبر الاول دل انه يستقبل الكعبة والخبران الاخيران على انه يستقبل بيت المقدس (1) ووجه الجمع بينهما ممكن بجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس فيصلي اليهما معا فلا منافاة. وروى الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال " سألته عن قول الله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول (صلى الله عليه وآله) ممن ينقلب على عقبيه " (3) امره به ؟ قال نعم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقلب وجهه في السماء فعلم الله عزوجل ما في نفسه فقال: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " (4). وروى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " قلت له متى صرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة ؟ قال بعد رجوعه من بدر ". وعن ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) (6) في حديث قال: " قلت له الله امره ان يصلي إلى بيت المقدس ؟ قال نعم ألا ترى ان الله تعالى يقول: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول.. الآية " (7) ثم قال ان بني عبد الاشهل اتوهم وهم في الصلاة قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس فقيل لهم ان نبيكم (صلى الله عليه وآله) قد صرف إلى الكعبة فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء
(1) فيه انه غفلة واضحة إذ ليس في الخبر الاول انه (صلى الله عليه وآله) كان يستقبل الكعبة بل هو صريح في انه ما كان يستقبلها بل انما يدل على انه ما كان يجعل الكعبة خلفه في مكة وهو غير الصلاة إليها كما لا يخفى فلا تعارض بين الاخبار اصلا. مير سيد على (قدس سره). (2) الوسائل الباب 1 من القبلة. (3) و (7) سورة البقرة، الآية 138. (4) سورة البقرة، الآية 139. (5) و (6) الوسائل الباب 2 من القبلة.
[ 371 ]
وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين فلذلك سمى مسجدهم مسجد القبلتين " إلى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عنها المقام. واما ما يدل على وجوب التوجه نحوها زيادة على اتفاق المسلمين بل الضرورة من الدين، فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة ؟ فقال الوقت والطهور والقبلة والتوجه والركوع والسجود والدعاء. قلت ما سوى ذلك ؟ فقال سنة في فريضة ". وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) لزرارة: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ". وروى الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن قول الله تعالى " فاقم وجهك للدين حنيفا " (4) قال امره ان يقيم وجهه للقبلة ليس فيه شئ من عبادة الاوثان خالصا مخلصا ". وروى المشايخ الثلاثة في الصحيح في الكافي والتهذيب عن زرارة عن ابي جعفر ومرسلا في الفقيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (6) واخشع ببصرك ولا ترفعه إلى السماء وليكن حذاء وجهك في موضع سجودك ". وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " لا صلاة إلا إلى القبلة. قال قلت اين حد القبلة ؟ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله. قال قلت فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت ؟ قال يعيد ". إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يجب
(1) و (3) الوسائل الباب 1 من القبلة. (2) و (5) و (7) الوسائل الباب 9 من القبلة. (4) سورة الروم، الآية 29. (6) سورة البقرة، الآية 139.
[ 372 ]
استقباله فذهب المرتضى وابن الجنيد وابو الصلاح وابن ادريس والمحقق في المعتبر والنافع والعلامة واكثر المتأخرين إلى انه عين الكعبة لمن تمكن من العلم بها من غير مشقة شديدة عادة كالمصلي في بيوت مكة وجهتها لغيره من البعيد ونحوه، واختاره في المدارك. وذهب الشيخان وجمع من الاصحاب: منهم - سلار وابن البراج وابن حمزة والمحقق في الشرائع إلى ان الكعبة قبلة لمن كان في المسجد والمسجد قبلة لمن كان في الحرم والحرم قبلة لاهل الدنيا ممن بعد، ورواه الصدوق في الفقيه (1) ونسبه في الذكرى إلى اكثر الاصحاب، ونسبه في المختلف إلى ابن زهرة ايضا ولعله في غير كتابه الغنية فان بعض الاصحاب نقل عنه في الكتاب المذكور انه قال: القبلة هي الكعبة فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجه إليها ومن شاهد المسجد الحرام ولم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجه إليه ومن لم يشاهده توجه نحوه بلا خلاف. انتهى. وهذه العبارة كما ترى عارية عن ذكر الحرم وانه قبلة لمن نأى عنه كما صرح به اصحاب القول الثاني. قيل: والظاهر انه لا خلاف بين الفريقين في وجوب التوجه إلى الكعبة للمشاهد ومن هو بحكمه وان كان خارج المسجد فقد صرح به من اصحاب القول الثاني الشيخ في المبسوط وابن حمزة في الوسيلة وابن زهرة في الغنية ونقل المحقق الاجماع عليه لكن ظاهر كلام الشيخ في النهاية والخلاف يخالف ذلك. اقول: غاية ما يمكن القطع به هنا في اجتماع القولين بالنسبة إلى المشاهد خاصة وإلا فمن بحكمه كالمصلي في بيوت مكة وفي الحرم مع عدم المشاهدة فان ظاهر اصحاب القول الاول ان القبلة في حقه هي الكعبة وظاهر اصحاب القول الثاني انما هو المسجد. واستدل في المعتبر على وجوب استقبال العين للقريب باجماع العلماء كافة على ذلك. وقال في المدارك بعد نقل ذلك: فان تم فهو الحجة والا امكن المناقشة في ذلك إذ الآية الشريفة انما تدل على استقبال شطر المسجد الحرام والروايات خالية من هذا
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من القبلة.
[ 373 ]
التفصيل. انتهى. وهو جيد إذ لم نقف في شئ من الاخبار المستدل بها على القول الاول كما سيأتيك ان شاء الله تعالى على التفصيل بين القريب والبعيد بالعين والجهة كما ذكروا، بل ظاهر الآية هو استقبال شطر المسجد الحرام يعني جهته مطلقا. وهذا احد الوجوه التي يمكن تطرق الضعف بها إلى القول الاول. واستدل في المدارك للقول الاول بالنسبة إلى البعيد بما رواه زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " لا صلاة إلا إلى القبلة. قلت له اين حد القبلة ؟ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله ". اقول: ويقرب من هذه الرواية ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ قال قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة " اقول: لا يخفى ما في الاستدلال بهاتين الروايتين من الاشكال فان القول باتساع الجهة بهذا المقدار مما لم يذهب إليه احد في ما اعلم. نعم صرحوا بذلك بالنسبة إلى من اخطأ ظنه في القبلة أو جهل القبلة فظهرت صلاته بعد الفراغ في ما بين المشرق والمغرب فانه لا اعادة عليه. واستدل في الذخيرة لذلك ايضا بالاخبار المتقدمة في صدر المبحث كخبر علي ابن ابراهيم وما ذكره في الفقيه وصحيحة الحلبي أو حسنته ونحوها مما دل على انه (صلى الله عليه وآله) صلى إلى الكعبة وليس المراد العين البتة فيحمل على جهتها كما هو المدعى وفيه ان الآية التي أو ردوها دليلا على الحكم المذكور في اكثر هذه الاخبار انما تضمنت الامر بالصلاة شطر المسجد الحرام اي جهته وناحيته ووجه الجمع يقتضي حمل الكعبة على جهة المسجد الحرام تجوزا لان الآية انما دلت على جهة المسجد لا جهة الكعبة واحدهما غير الآخر، وحينئذ فلا دلالة في الاخبار المذكورة على ما ادعوه.
(1) الوسائل الباب 9 من القبلة. (2) الوسائل الباب 10 من القبلة.
[ 374 ]
اللهم الا ان يقال ان هذه الاطلاقات انما خرجت بناء على اتساع جهة القبلة كما سيظهر ان شاء الله تعالى. واحتمل بعض الاصحاب حمل المسجد على الكعبة التي هي اشرف اجزائه واحتمل بعض آخر خروج هذه الاخبار مخرج المسامحة في التأدية من حيث كون الكعبة قبلة عند جمهور العامة (1) قال فلعله (عليه السلام) سامح في التأدية لئلا يخالف ظاهر الكلام مذهب جمهور العامة فانه اقرب إلى الاحتياط والتقية. والظاهر - كما ذكره بعض محققي متأخري المتأخرين - ان الآية لا دلالة لها على شئ من القولين المذكورين. والذي يدل على ما ذهب إليه الشيخان واتباعهما جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) والصدوق في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " ان الله تعالى جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد وجعل المسجد قبلة لاهل الحرم وجعل الحرم قبلة لاهل الدنيا " ورواه الصدوق في كتاب العلل عن ابيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين عن الحجال.. إلى آخره (3). وعن بشر بن جعفر الجعفي ابي الوليد (4) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول البيت قبلة لاهل المسجد والمسجد قبلة لاهل الحرم والحرم قبلة للناس جميعا " ورواه الصدوق ايضا في كتاب العلل بالسند المتقدم. وما رواه الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن الحسين عن الصفار عن العباس ابن معروف عن علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد عن ابراهيم بن ابي البلاد عن ابي غرة (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) البيت قبلة المسجد والمسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الدنيا ".
(1) المغني ج 1 ص 439. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من القبلة.
[ 375 ]
ومما يؤيد هذه الاخبار باوضح تأييد الاخبار الدالة على الامر بالتياسر فان ذلك مبني على التوجه إلى الحرم وستأتي ان شاء الله تعالى في موضعها. واما ما اوردوه على هذا القول - من ان التكليف باصابة الحرم يستلزم بطلان صلاة اهل البلاد المتسعة بعلامة واحدة للقطع بخروج بعضهم عن الحرم واللازم باطل فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة، مع ان المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى صرحا بان قبلة اهل العراق وخراسان واحدة ومعلوم زيادة التفاوت - فالجواب عنه ما افاده شيخنا الشهيد في هذا المقام وتلقاه بالقبول جملة من الاعلام من ان ذكر المسجد والحرم اشارة إلى الجهة، قال وذكره على سبيل التقريب إلى افهام المكلفين واظهارا لسعة الجهة وان لم يكن ملتزما. انتهى. وهو جيد وجيه، كما ان ذكر الكعبة في تلك الاخبار التي قدمنا نقلها عنهم في وجوب الاستقبال إلى الكعبة لابد من حملها على الجهة كما قدمنا ذكره وإلا لبطلت صلاة الصف الطويل الذي يخرج عن سمت الكعبة. واما ما طعن به في المعتبر والمدارك من ضعف الاخبار فقد رده شيخنا الشهيد في الذكرى بناء على اصطلاحهم المعمول عندهم بانه إذا اشتهرت بين الاصحاب لا سبيل إلى ردها. هذا على تقدير صحة اصطلاحهم وإلا فالامر مفروغ منه عندنا كما عرفت في غير موضع. وكيف كان فانه ينبغي ان يعلم ان النزاع بالنسبة إلى البعيد - بان يكون قبلته جهة الكعبة كما هو احد القولين أو الحرم أو جهته بناء على التأويل المذكور - قليل الجدوى لاتفاقهم جميعا على رجوع البعيد إلى الامارات الآتي ذكرها ووجوب عمله عليها، وحينئذ فلا ثمرة في هذا الاختلاف كما لا يخفى. ثم انهم اختلفوا في تعريف الجهة على اقوال عديدة قد اطال فيها الكلام بابرام النقض ونقض الابرام شيخنا الشهيد الثاني في روض الجنان وجعل اقربها ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى حيث عرفها بانها السمت التي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق
[ 376 ]
الجهة كما قال بعض العامة ان الجنوب قبلة لاهل الشمال وبالعكس والمغرب قبلة لاهل المشرق وبالعكس لانا نتيقن الخروج هنا عن القبلة وهو ممتنع. اقول وهذا الاختلاف ايضا هنا قليل الجدوى لما عرفت من انهم قد اوجبوا على البعيد الرجوع إلى العلامات التي ذكرها علماء اهل الهيئة والتوجه إلى السمت الذي تدل عليه فكان الاولى تعريف الجهة بها.
وينبغي التنبيه هنا على امور بها يتم البحث عن تحقيق المسألة كما هو حقها:
(الاول) قد صرح غير واحد من الاصحاب بل ظاهر كلام المعتبر المتقدم الاجماع على ذلك بانه يجب على المكي لتمكنه من مشاهدة عين الكعبة الصلاة إليها ولو بالصعود على سطح لقدرته على العلم فلا يجوز له البناء على الظن، ولو نصب محرابا بعد المعاينة جازت صلاته إليه دائما لتيقنه الصواب، وكذا الذي نشأ بمكة وتيقن الاصابة، ولا يكفي الاجتهاد بالعلامات هنا لانه رجوع إلى الظن مع امكان العلم وهو غير جائز. نعم لو كان محبوسا لا قدرة له على استعلام العين جاز له التعويل على الاجتهاد وكذا من هو في نواحي الحرم، وهل يكلف الصعود الى الجبل لاستعلام العين ؟ قولان نقل عن الشيخ والعلامة في بعض كتبهما ذلك. قال في المدارك بعد اختيار القول الآخر: وهو بعيد. اقول: لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما تقدم انه لا دليل في اصل هذه المسألة إلا ما يدعونه من الاجماع وإلا فالآية انما دلت على شطر المسجد مطلقا كما تقدم، والاخبار لا تعرض فيها لذلك بوجه وان كان الاحتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) إلا ان في سقوط صعود الجبل كما هو احد القولين في المسألة كما عرفت نظرا واستبعاد صاحب المدارك لا يخلو من بعد لما اتفقوا عليه من عدم جواز البناء على الظن إلا مع تعذر العلم والعلم بذلك ممكن بصعود الجبل، فكيف يجوز له ان يصير إلى الظن والحال ما ذكرنا ؟ الا ان يدعى استلزام المشقة بذلك لكن اطلاق كلامهم يقتضي العموم، وهو غير جيد.
[ 377 ]
(الثاني) - ينبغي ان يعلم ان القبلة ليس نفس البنية الشريفة بل محلها من تخوم الارض إلى عنان السماء، فلو زالت البنية - والعياذ بالله - صلى إلى جهتها التي تشتمل على العين كما يصلي من هو اعلى من الكعبة إلى الجهة المسامتة للبنية وكذا من هو اخفض من موضعها بان يكون في سرداب، والظاهر انه لا خلاف فيه، ويدل عليه مضافا إلى الاتفاق ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سأله رجل قال صليت فوق جبل ابي قبيس العصر فهل يجزئ ذلك والكعبة تحتي ؟ قال نعم انها قبلة من موضعها إلى السماء " وعن خالد بن ابي اسماعيل أو ابن اسماعيل (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصلي على ابي قبيس مستقبل القبلة ؟ قال لا بأس ".
(الثالث) - لو صلى على سطح الكعبة فهل يصلي قائما ويبرز بين يديه منها شيئا يصلي إليه أو يستلقى على قفاه ويصلي ؟ قولان المشهور الاول وبه قال الشيخ في المبسوط وقال في الخلاف والنهاية وابن بابويه وابن البراج بالثاني لكن قيده ابن البراج بعدم التمكن من النزول. واستند الاولون في وجوب الصلاة قياما إلى الادلة الدالة على وجوب القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة كما يصلى داخلها. واحتج الشيخ في الخلاف على ما ذهب إليه بالاجماع وبما رواه عن علي بن محمد عن اسحاق بن محمد عن عبد السلام عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة ؟ قال ان قام لم يكن له قبلة ولكن يستلقى على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور ويقرأ فإذا اراد ان يركع غمض عينيه وإذا اراد ان يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه والسجود على نحو ذلك ". اقول: لا ريب ان من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فانه يتحتم عنده القول بالاول لضعف الخبر المذكور واما من لا يعمل عليه فيبقى عنده التعارض بين تلك الاخبار
(1) و (2) الوسائل الباب 18 من القبلة. (3) الوسائل الباب 19 من القبلة.
[ 378 ]
المشار إليها في الاتيان بواجبات الصلاة كما هي وبين هذا الخبر والترجيح لتلك الاخبار لكثرتها وشهرتها، والظاهر انه لما ذكرنا ذهب الاكثر حتى من المتقدمين إلى القول الاول. إلا انه يمكن ان يقال ان تلك مطلقة عامة وهذا الخبر خاص ومن القاعدة تقديم العمل به وتخصيص عموم تلك الاخبار به. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال إلا ان الامر في ذلك هين لعدم اتفاق هذا الحكم وحصوله.
(الرابع) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز صلاة النافلة في جوف الكعبة وكذا الفريضة حال الاضطرار وادعى عليه في المعتبر والمنتهى اتفاق اهل العلم وانما الخلاف في الفريضة مع الاختيار فذهب الاكثر ومنهم الشيخ في النهاية والاستبصار إلى الجواز على كراهة، وذهب في الخلاف إلى التحريم وتبعه ابن البراج. احتج المجوزون بان القبلة ليس مجموع البنية بل نفس العرصة وكل جزء من اجزائها إذ لا يمكن محاذاة المصلي بازائها منه إلا قدر بدنه والباقي خارج عن مقابلته، وهذا المعنى يتحقق مع الصلاة فيها كما يتحقق مع الصلاة في خارجها. وما رواه يونس بن يعقوب في الموثق (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا حضرت الصلاة المكتوبة وانا في الكعبة أفاصلي فيها ؟ قال صل ". ويعضده قوله سبحانه " وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود " (2) فان الظاهر منها تعميم الاذن والترخيص في اجزاء البيت باسرها. اقول: ويمكن ان يجاب عن ذلك (اما عن الاول) فبما ذكره في الذخيرة من انه يجوز ان يكون المعتبر التوجه إلى جهة القبلة بان تكون الكعبة في جهة مقابلة للمصلي وان لم تحصل المحاذاة لكل جزء منها لابد لنفي ذلك من دليل. و (اما عن الموثقة المذكورة)
(1) الوسائل الباب 17 من القبلة. (2) سورة البقرة، الآية 116.
[ 379 ]
فبالمعارضة بما هو اصح منها كما سيأتي. و (اما عن الآية) فبتخصيصها بالخبرين الصحيحين الصريحين في المنع. احتج الشيخ (قدس سره) على ما ذهب إليه من التحريم باجماع الفرقة، وبان القبلة هي الكعبة لمن شاهدها فتكون القبلة جملتها والمصلي في وسطها غير مستقبل للجملة، وبما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يدخلها في حج ولا عمرة ولكن دخلها في فتح مكة فصلى فيها ركعتين بين العمودين ومعه اسامة " وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " لا تصل المكتوبة في الكعبة " ورواه في الكافي في الصحيح ايضا (3) ثم قال: وقد روى في حديث آخر " يصلي إلى اربع جوانبها إذا اضطر إلى ذلك " وروى الشيخ هذه الصحيحة في موضع آخر في الموثق عن محمد عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " لا تصلح صلاة المكتوبة جوف الكعبة " وفي موضع ثالث في الصحيح ايضا مثله (5) وزاد " واما إذا خاف فوت الصلاة فلا بأس ان يصليها في جوف الكعبة ". قال في المدارك بعد نقل هذه الادلة: واجيب عن الاول بمنع الاجماع على التحريم كيف وهو في اكثر كتبه قائل بالكراهة. وعن الثاني بعدم تسليم كون القبلة هي الجملة لاستحالة استقبالها باجمعها بل المعتبر التوجه إلى جزء من اجزاء الكعبة بحيث يكون مستقبلا ببدنه ذلك الجزء. وعن الروايتين بالحمل على الكراهة. ثم قال ويمكن المناقشة في هذا الحمل بقصور الرواية الاولى عن مقاومة هذين الخبرين من حيث السند، ويشكل الخروج بها عن ظاهرهما وان كان الاقرب ذلك لاعتبار سند الرواية وشيوع استعمال النهي في الكراهة بل ظهور لفظ " لا يصلح " فيه كما لا يخفى. انتهى.
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة. (5) التهذيب ج 1 ص 516 باب دخول الكعبة.
[ 380 ]
اقول: فيه (اولا) ان ما اجاب به عن الوجه الثاني - من ان المعتبر التوجه إلى جزء من اجزاء الكعبة.. إلى آخره - مما لادليل عليه وانما المعتبر ما دلت عليه ظواهر الادلة من التوجه إلى جهة الكعبة، نعم اللازم من ذلك محاذاة البدن لجزء من اجزاء تلك الجملة واحدهما غير الآخر. وبالجملة فهو يرجع إلى ما تقدم ذكره في كلام صاحب الذخيرة. و (ثانيا) - انه من العجب العجاب عدوله هنا عن طريقته التي جرى عليها في هذا الكتاب كما لا يخفى على من له انس بكلامه في جميع الابواب، فان من قاعدته دورانه مدار الاسانيد الصحيحة كما صرحنا به في غير موضع عنه وان كانت متون تلك الاخبار مشتملة على علل عديدة، ومن قاعدته رد الاخبار الموثقة وعدها في سلك الاخبار الضعيفة، فكيف خرج عن ذلك هنا متعللا بهذه التعليلات الضعيفة والحجج السخيفة ؟ واما قوله في الرجوع عما ذكره من المناقشة " ان سند الرواية المذكورة معتبر " ان اريد يخصوص هذه الرواية فلا وجه له فان في سندها الحسن بن علي بن فضال ويونس ابن يعقوب وهما من ثقات الفطحية ولا خصوصية للعمل برواية هذين دون غيرهما من ثقات الفطحية، فان عمل بالاخبار الموثقة فليكن في كل مقام وإلا فلا وجه لهذا الكلام المنحل الزمام. واما تعلله بشيوع النهي في الكراهة فهو وارد عليه في جميع المقامات التي استدل فيها على الوجوب بلفظ الامر فلا معنى للطعن به في هذا المقام خاصة، ومقتضى التحقيق الذي صرح به هو وغيره في الاصول والفروع ان الامر حقيقة في الوجوب ولا يخرج عنه إلا بقرينة، على ان شيوع النهي في الكراهة ان كان مع القرائن الحالية أو المقالية الدالة على ذلك فهو لا ينفعه وإلا فهو محل المنع ايضا. واما ما اعتضد به من ظهور لفظ " لا يصلح " في الكراهة فهو مبني على نقله الرواية بذلك في كتابه كما هو في احد طرق الخبر المذكور، ونحن قدمنا لك الخبر بجميع
[ 381 ]
طرقه، والطريق الاول بنقل الشيخين المتقدمين مع الخبر قد اشتمل على النهي الذي هو حقيقة في التحريم مثل الخبر الاول فلا وجه لما ذكره. بقى هنا شئ ينبغي التنبيه عليه وهو ان ظاهر كلمة الاصحاب هنا الاتفاق على ان الصلاة في جوف الكعبة انما هو باستقبال اي جدرانها شاء مع انه قد روى الشيخ في التهذيب بسنده عن محمد بن عبد الله بن مروان (1) قال: " رأيت يونس بمنى يسأل ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة وهو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة استلقى على قفاه وصلى ايماء وذكر قول الله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله " (2) وانت خبير بان موثقة يونس الدالة على الجواز مطلقة وتقييدها بهذه الرواية ممكن إلا اني لم اقف على قائل بذلك هنا وان قيل به في الصلاة على ظهر الكعبة كما تقدم. والصدوق (قدس سره) في الفقيه مع تصريحه بالصلاة مستلقيا على ظهر الكعبة صرح في الصلاة في جوفها بما ذكره الاصحاب من استقبال اي جدرانها شاء واستحباب استقبال الركن الذي فيه الحجر. ولعله لنص وصل إليه ولم يصل الينا. والله العالم.
(الخامس) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا في الذكرى بانه لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة حتى خرج عن الكعبة بطلت صلاة الخارج لعدم اجزاء الجهة هنا، ولو استداروا صح للاجماع عليه عملا في كل الاعصار السالفة، نعم يشترط ان لا يكون المأموم اقرب إلى الكعبة من الامام. انتهى. ولا بأس به.
(السادس) - قال في الذكرى: ظاهر كلام الاصحاب ان الحجر من الكعبة باسره وقد دل عليه النقل انه كان منها في زمن ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) إلى ان بنت قريش الكعبة فاعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه وكان كذلك في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ونقل عنه الاهتمام بادخاله في بناء الكعبة وبذلك احتج ابن
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة. (2) سورة البقرة، الآية 109.
[ 382 ]
الزبير حيث ادخله فيها ثم اخرجه الحجاج بعده ورده إلى ما كان، ولان الطواف يجب خارجه. وللعامة خلاف في كونه من الكعبة باجمعة أو بعضه أو ليس منها وفي الطواف خارجه (1) وبعض الاصحاب له فيه كلام ايضا مع اجماعنا على وجوب ادخاله في الطواف وانما تظهر الفائدة في جواز استقباله في الصلاة بمجرده فعلى القطع بانه من الكعبة يصح وإلا امتنع لانه عدول من اليقين إلى الظن. انتهى. وقال في الدروس: ان المشهور كونه من البيت ولا يخلو من غرابة. ونقل في المدارك عن العلامة في النهاية انه جزم بجواز استقباله. وهو اغرب لما ورد في النصوص من انه ليس من البيت حتى ان في بعضها " ولا قلامة ظفر " فمنها ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحجر أمن البيت هو أو فيه شئ من البيت ؟ فقال لا ولا قلامة ظفر ولكن اسماعيل دفن فيه امه فكره ان يوطأ فحجر عليه حجرا وفيه قبور انبياء " وعن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الحجر هل فيه شئ من البيت ؟ قال لا ولا قلامة ظفر " وروى في كتاب من لا يحضره الفقيه مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) (4) قال: " صار الناس يطوفون حول الحجر ولا يطوفون به لان ام اسماعيل دفنت في الحجر ففيه قبرها فظيف كذلك لئلا يوطأ قبرها " قال: وروى ان فيه قبور الانبياء (عليهم السلام) وما في الحجر شئ من البيت ولا قلامة ظفر. واما ما ذكره في الذكرى من النقل الذي دل على ان الحجر كان من البيت في زمن ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام).. إلى آخره فلم نقف عليه في اخبارنا وبه اعترف جملة من علمائنا، إلا ان العلامة في التذكرة نقل ان البيت كان
(1) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 634 إلى 639 وبدائع الصنائع ج 2 ص 132. (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 30 من الطواف. (3) رواه في الوسائل في الباب 54 من احكام المساجد.
[ 383 ]
لاصقا بالارض وله بابان شرقي وغربي فهدمه السيل قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله) بعشر سنين واعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم وقصرت الاموال الطيبة والهدايا والنذور عن عمارته فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وقطعوا الركنين الشاميين من قواعد ابراهيم (عليه السلام) وضيقوا عرض الجدار من الركن الاسود إلى الشامي الذى يليه فبقى من الاساس شبه الدكان مرتفعا وهو الذي يسمى الشاذروان. انتهى. وهو مع مخالفته للنصوص المتقدمة انما يدل على جزء من الحجر لا مجموعه كما يستفاد من كلامه. والظاهر ان هذه الرواية انما هي من طرق المخالفين فانهم رووا عن عائشة انها قالت: " نذرت ان اصلي ركعتين في البيت فقال النبي (صلى الله عليه وآله) صلي في الحجر فان فيه ستة اذرع من البيت " (1) وسيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ما فيه زيادة تحقيق المقام بنقل الاخبار الواردة في بناء البيت والطواف. والله العالم.
(السابع) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب تياسر العراقي إلى يسار القبلة قليلا وربما ظهر من عبارات الشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف الوجوب. والاصل في ذلك الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بذلك: منها - ما رواه في الكافي عن علي بن محمد رفعه (2) قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام) لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار ؟ فقال لان للكعبة ستة حدود اربعة منها على يسارك واثنان منها على يمينك فمن اجل ذلك وقع التحريف إلى اليسار ". وروى الصدوق باسناده عن المفضل بن عمر (3) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام)
(1) تذكرة العلامة ج 1 المسألة 6 من كيفية الطواف وفي المغنى ج 3 ص 382 " قالت عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) اني نذرت ان اصلي في البيت فقال صلي في الحجر فان الحجر من البيت ". (2) و (3) الوسائل الباب 4 من القبلة.
[ 384 ]
عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه ؟ فقال ان الحجر الاسود لما انزل به من الجنة ووضع في موضعه جعل انصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة اربعة اميال وعن يسارها ثمانية اميال كله اثنا عشر ميلا فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة انصاب الحرم وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة " ورواه الشيخ باسناده عن المفضل والصدوق في العلل باسناده عن المفضل (1). وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) " إذا اردت توجه القبلة فتياسر مثل ما تيامن فان الحرم عن يمين الكعبة اربعة اميال وعن يسارها ثمانية اميال ". وقال الشيخ في النهاية من توجه إلى القبلة من اهل العراق والمشرق قاطبة فعليه ان يتياسر قليلا ليكون متوجها إلى الحرم، بذلك جاء الاثر عنهم (عليهم السلام) انتهى وظاهر هذه العبارة الوجوب كما قدمنا ذكره وانه المستفاد عنده من الاخبار وهذه الروايات انما خرجت بناء على كون القبلة في حق البعيد هو الحرم فهي مؤيدة للاخبار المتقدمة الدالة على قول الشيخين واتباعهما في تلك المسألة، واحتمل في المختلف اطراد الحكم على القولين. ورده في المدارك بان العلامات المنصوبة للجهة لا تقتضي وقوع الصلاة على نفس الحرم. وهو كذلك. وقال في المدارك بعد نقل المرفوعة المتقدمة وخبر المفضل: والروايتان ضعيفتا السند جدا والعمل بهما لا يؤمن معه الانحراف الفاحش عن حد القبلة، وان كان في ابتدائه يسيرا. انتهى. اقول: لا ريب انه وان كانت الروايتان كما ذكره الا انهما مجبورتان بعمل الاصحاب إذ لا مخالف في الحكم المذكور بل قيل في المسألة بالوجوب كما عرفت من عبارة الشيخ (قدس سره) وهو ايضا ظاهر كلام الشيخ الجليل شاذان بن جبرئيل القمي
(1) الوسائل الباب 4 من القبلة. (2) ص 6.
[ 385 ]
في رسالته التي في القبلة حيث قال: وعلى اهل العراق ومن يصلي إلى قبلتهم من اهل المشرق التياسر قليلا، ثم نقل عن الصادق (عليه السلام) مضمون حديث المفضل. وقد صرح في غير موضع بقبول الخبر الضعيف المجبور بعمل الاصحاب ومنه ما تقدم قريبا في مسألة من ادرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس حيث قال: وهذه الروايات وان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها ولا معارض لها فينبغي العمل عليها. انتهى. والحال في المقامين واحد، ولكنه (قدس سره) كما صرحنا به في غير مقام لضيق الخناق في هذا الاصطلاح ليس له قاعدة يعتمد عليها ولا ضابطة يرجع إليها. واما ما ذكره - من انه لا يؤمن من العمل بهما الانحراف الفاحش - فهو اجتهاد في مقابلة النصوص وقد ردته الاخبار بالعموم والخصوص. نعم قد احتمل شيخنا العلامة المجلسي (قدس سره) هنا وجها وجيها في الجواب عن هذه الاخبار وما يلزم فيها من الاشكال الذي عرضه المحقق الخواجة نصير الملة والدين على المحقق جعفر بن سعيد وقت الدرس فأجاب بجواب اقناعي ثم كتب في المسألة رسالة في تحقيق الجواب واستحسنه المحقق المذكور، والرسالة المذكورة ذكرها ابن فهد في كتابه المهذب فمن احب الوقوف على ذلك فليرجع إلى الكتاب المذكور. واما ما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في المقام فحاصله انه لا يبعد ان يكون الامر بالتياسر لاهل العراق لكون المحاريب المشهورة المبنية فيها في زمان خلفاء الجور ولا سيما المسجد الاعظم كانت مبنية على التيامن عن القبلة ولم يمكنهم (عليهم السلام) اظهار خطأ هؤلاء الفساق فامروا شيعتهم بالتياسر عن تلك المحاريب وعللوا ذلك بما عللوه لئلا يشتهر بينهم الحكم بخطأ من مضى من خلفاء الجور، قال ويؤيده ما ورد في وصف مسجد غنى وان قبلته لقاسطة فهو يومئ إلى سائر المساجد في قبلتها شئ، ومسجد غنى اليوم موجود. ويؤيده ايضا ما رواه محمد بن ابراهيم النعماني في كتاب الغيبة عن ابن عقدة عن علي بن الحسن عن الحسن ومحمد بني يوسف عن سعدان بن مسلم عن
[ 386 ]
صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن حبة العرني (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) كأني انظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما انزل اما ان قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته " على انه لا يعلم بقاء البناء الذي كان على عهد امير المؤمنين (عليه السلام) بل يدل بعض الاخبار على هدمه وتغييره كما رواه الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان عن علي ابن الحكم عن الربيع بن محمد المسلى عن ابن طريف عن ابن نباتة (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له حتى انتهى إلى مسجد الكوفة وكان مبنيا بخزف ودنان وطين فقال ويل لمن هدمك وويل لمن سهل هدمك وويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة نوح طوبى لمن شهد هدمك مع قائم اهل بيتي اولئك خيار الامة مع ابرار العترة " هذا كلامه (قدس سره) في مجلد المزار من كتاب بحار الانوار. وقال في مجلد الصلاة من الكتاب المذكور - بعد ذكر الاشكال المتقدم ونقل حاصل كلام المحقق في رسالته والاشارة إلى انه غير حاسم لمادة الاشكال - ما صورته والذي يخطر في ذلك بالبال انه يمكن ان يكون الامر بالانحراف لان محاريب الكوفة وسائر بلاد العراق اكثرها كانت منحرفة عن خط نصف النهار كثيرا مع ان الانحراف في اكثرها يسير بحسب القواعد الرياضية كمسجد الكوفة فان انحراف قبلته إلى اليمين ازيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا وكذا مسجد السهلة ومسجد يونس، ولما كان اكثر تلك المساجد مبنية في زمان عمر وسائر خلفاء الجور لم يمكنهم القدح فيها تقية فامروا بالتياسر وعللوه بتلك الوجوه الخطابية لاسكاتهم وعدم التصريح بخطأ خلفاء الجور وامرائهم. وما ذكره اصحابنا من ان محراب المعصوم (عليه السلام) لا يجوز الانحراف عنه انما يثبت إذا علم ان الامام (عليه السلام) بناه - ومعلوم انه لم يبنه - أو صلى فيه من غير انحراف، وهو ايضا غير ثابت بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة عند
(1) البحار ج 13 ص 194. (2) البحار ج 13 ص 186.
[ 387 ]
تعمير المسجد في زماننا ما يدل على خلافه كما سيأتي ذكره مع ان الظاهر من بعض الاخبار ان هذا البناء الذي كان في زمن امير المؤمنين (عليه السلام) انتهى.
(الثامن) - قد صرح غير واحد من فضلاء متأخري المتأخرين بسهولة الامر في القبلة واتساع الدائرة فيها وانه لا ضرورة إلى ما ذكره المنجمون. وهو كذلك، وتوضيحه انه لا يخفى ان الصلاة عمود الدين الذي لا ثبوت له ولاقيام إلا بها ولذا ورد ان قبول الاعمال يتوقف على قبولها وورد ان تاركها كافر كما تقدم ذكر ذلك في المقدمة الاولى، ولا ريب ان صحتها منوطة بالاستقبال بالضرورة من الدين ومع هذا فلم يرد عنهم (عليهم السلام) في معرفتها مع البعد الا خبران مجملان بالنسبة إلى اهل العراق خاصة من قوله (عليه السلام) (1) في احدهما بعد سؤاله عن القبلة " ضع الجدي في قفاك وصل " وقوله (عليه السلام) (2) في الآخر بعد قول السائل: اني اكون في السفر ولا اهتدي إلى القبلة بالليل فقال: " أتعرف الكوكب الذي يقال له الجدي ؟ قال: نعم قال اجعله على يمينك وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك " ومع غفلة اصحابهم عن السؤال عن ذلك وتحقيقة كيف رضوا لهم بذلك ولم يحققوا لهم تلك المسالك مع ضروريته وتوقف صحة الصلاة عليه لو كان ذلك على ما يقوله اهل الهيئة من التدقيقات والتحقيقات والعلامات لكل قطر وناحية ؟ مع ان الذي ورد عنهم (عليهم السلام) انما هو عكس ذلك وهو قولهم في الحديثين المتقدمين (3) " ما بين المشرق والمغرب قبلة " ويؤيد ذلك باوضح تأييد ما عليه قبور الائمة (عليهم السلام) في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينها على وجه يقطع بعدم انحراف القبلة فيه مع استمرار الاعصار والادوار من العلماء الابرار على الصلاة عندها ودفن الاموات ونحو ذلك، وهو اظهر ظاهر في التوسعة كما لا يخفى. وكيف كان فما ذكره علماء الهيئة مما سيأتي الاشارة إلى بعضه اولى واحوط إلا ان في وجوبه كما يفهم من كلام اكثر اصحابنا اشكالا لما عرفت
(1) و (2) الوسائل الباب 5 من القبلة. (3) ص 373.
[ 388 ]
قال السيد السند في المدارك: ثم ان المستفاد من الادلة الشرعية سهولة الخطب في امر القبلة والاكتفاء في التوجه إلى ما يصدق عليه عرفا انه جهة المسجد وناحيته كما يدل عليه قوله تعالى: " فولوا وجوهكم شطره " (1) وقولهم (عليهم السلام): " ما بين المشرق والمغرب قبلة " (2) و " ضع الجدي في قفاك وصل " (3) وخلو الاخبار مما زاد على ذلك مع شدة الحاجة إلى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة. واحالتها على علم الهيئة مستبعد جدا لانه علم دقيق كثير المقدمات، والتكليف به لعامة الناس بعيد من قوانين الشرع، وتقليد اهله غير جائز لانه لا يعلم اسلامهم فضلا عن عدالتهم، وبالجملة التكليف بذلك مما علم انتفاؤه ضرورة. والله العالم بحقائق احكامه.
(التاسع) - اعلم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا لاكثر البلدان علامات تعرف بها قبلتها، والظاهر ان ذلك كله أو اكثره مأخوذ من كلام علماء الهيئة الآخذين ذلك من الارصاد ومعرفة البلاد طولا وعرضا، وقد عرفت ما في ذلك من الاشكال وانه لم يرد عنهم (عليهم السلام) في معرفة القبلة إلا ما قدمنا ذكره. ثم انهم (رضوان الله عليهم) قد ذكروا لاهل العراق علامات ثلاثا:
(الاولى) - جعل المشرق على المنكب الايسر والمغرب على اليمين وقيد ذلك اكثر الاصحاب بالاعتداليين لعدم انضباط ما عداهما، والظاهر - كما صرح به بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين - انه لا حاجة إلى هذا التقييد حيث قال اطلاق القوم المشرق والمغرب لا قصور فيه وتقييد بعض مشايخنا غير محتاج إليه بل هو مقلل للفائدة، وما ظنوه من ان الاطلاق مقتض للاختلاف الفاحش في الجهة ليس كذلك لان مراد القدماء ان العراقي يجعل اي يوم شاء على يمينه ومشرق ذلك اليوم بعينه على يساره، وهذا لا يقتضي الاختلاف الذي زعموه وهو عام في كل الاوقات لكل المكلفين، بخلاف القيد الذي ذكروه فانه يقتضي ان لا تكون العلامة موضوعة
(1) سورة البقرة، الآية 139. (2) ص 373. (3) ص 387.
[ 389 ]
إلا لآحاد الناس القادرين على استخراج خط الاعتدال ومع ذلك فليس باضبط مما ذكرناه كما لا يخفى، فاي داع إلى تقييد عبارات المتقدمين بما تقل معه الفائدة ويعسر ضبطه على اكثر المكلفين ؟ انتهى. وهو جيد متين.
(الثانية) - جعل الجدي بحذاء المنكب الايمن، والجدي مكبر وربما يصغر ليتميز عن البرج وهو نجم مضئ يدور مع الفرقدين حول قطب العالم الشمالي، والقطب نقطة مخصوصة يقابلها مثلها من الجنوب، قال شيخنا الشهيد الثاني: واقرب الكواكب إليها نجم خفي لا يكاد يدركه إلا حديد البصر يدور حولها كل يوم وليلة دورة لطيفة لا تكاد تدرك، ويطلق على هذا النجم القطب لحال المجاورة للقطب الحقيقي وهو علامة لقبلة العراقي إذا جعله المصلي خلف منكبه الايمن ويخلفه الجدي في العلامة إذا كان في غاية الارتفاع والانخفاض، وانما اشترط ذلك لكونه في تلك الحال على دائرة نصف النهار وهي مارة بالقطبين وبنقطة الجنوب والشمال، فإذا كان القطب مسامتا لعضو من المصلي كان الجدي مسامتا له لكونهما على دائرة واحدة بخلاف ما لو كان منحرفا نحو المشرق أو المغرب. قال في المدارك بعد نقل ذلك عن جده (قدس سره) قلت ما ذكره مشهور بين الاصحاب وممن صرح به المصنف في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى ونقل شيخنا المحقق المدقق مولانا احمد المجاور بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه السلام عن بعض محققي اهل ذلك الفن ان هذا الشرط غير جيد لان الجدي في جميع احواله اقرب إلى القطب الحقيقي من ذلك النجم الخفي ولهذا كان اقل حركة منه كما يظهر بالامتحان، وهذه الحركة الظاهرة انما هي للفرقدين لا للجدي فان حركته يسيرة جدا وقد اعتبرنا ذلك فوجدناه كما افاد. انتهى.
(الثالثة) - جعل الشمس على الحاجب الايمن مما يلي الانف عند الزوال لان الشمس قبل الزوال تكون على دائرة نصف النهار المتصلة بنقطتي الجنوب والشمال فيكون حينئذ مستقبلا نقطة الجنوب بين العينين فإذا زالت مالت إلى طرف الحاجب الايمن
[ 390 ]
وانت خبير بما بين هذه العلامات من الاختلاف فان العلامة الاولى والثالثة تقتضيان كون قبلة العراقي في نقطة الجنوب والعلامة الثانية تقتضي انحرافا بينا عنها نحو المغرب، ولا يخفى ما فيه من التدافع. إلا ان بعض متأخري اصحابنا المحققين قسم العراق إلى ثلاثة اقسام فجعل العلامة الاولى والثالثة لاطراف العراق الغربية كالموصل وسنجار وما والاها، وحمل العلامة الثانية على اوساط العراق كالكوفة وبغداد والحلة والمشاهد المقدسة، واما اطرافها الشرقية كالبصرة وما والاها فتحتاج إلى زيادة انحراف نحو المغرب ولذا حكموا بان علامتها جعل الجدي على الخد الايمن. وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين وهذا التقسيم هو الموافق لقواعد الهيئة فان طول بغداد على ما ذكره المحقق نصير الملة والدين يزيد على طول مكة بثلاث درجات فقبلتها منحرفة يسيرا عن نقطة الجنوب إلى المغرب والموصل يساوي طولها طول مكة فقبلتها نقطة الجنوب لاتحاد نصف نهاريهما، واما البصرة فيزيد طولها على طول مكة بسبع درجات ففي قبلتها زيادة انحراف إلى المغرب عن قبلة بغداد فجعلوا علامتها وضع الجدي على الخد الايمن. انتهى. اقول: قد صرح ارباب هذا الفن بان الاقاليم السبعة المسكونة وما فيها من البلدان كلها في النصف الشمالي من الارض بعد خط الاستواء القاسم للافق نصفين شمالي وجنوبي، والنصف الجنوبي غير مسكون لاستيلاء الحرارة والماء عليه، والنصف الشمالي المعمور فيه ايضا انما هو نصفه المتصل بخط الاستواء وهو الذي فيه الاقاليم السبعة والنصف الآخر خراب لشدة البرد. وقد اثبتوا لهذه الاقاليم طولا وعرضا، فالطول عبارة عن طرف العمارة من جانب المغرب وهو ساحل البحر إلى منتهاها من الجانب الشرقي وهي كنك وجملة ذلك من الجزائر مائة وثمانون جزء نصف دائرة عظمي من دوائر الفلك لان كل دائرة منها مقسومة ثلاثمائة وستين جزء وتسمى هذه الاجزاء درجات، والعرض من خط الاستواء في جهة الجنوب إلى منتهى الربع المعمور
[ 391 ]
في جهة الشمال وذلك تسعون جزء ربع دائرة عظمي، وحينئذ فطول البلد عبارة عن بعدها عن منتهى العمارة من الجانب الغربي وعرض البلد عبارة عن بعدها عن خط الاستواء، فإذا ساوى طول البلد طول مكة وعرض تلك البلد اكثر فسمت قبلة تلك البلد نقطة الجنوب وان كان اقل فقبلتها نقطة الشمال وان تساوى العرضان وطول البلد اكثر فسمت القبلة نقطة المغرب وان كان اقل فهو نقطة المشرق. ومعرفة السمت في هذه الاربعة سهل يتوقف على اخراج الجهات الاربع على وجه الارض، وان زادت مكة على البلد طولا وعرضا فسمت القبلة بين نقطتي المشرق والشمال وان نقصت فيهما فهو بين نقطتي الجنوب والمغرب وان زادت عن البلد طولا ونقصت عرضا فسمت قبلة البلدين نقطتي الجنوب والمشرق وان انعكس فبين نقطتي المغرب والشمال، واكثر البلدان على الانحراف. ولنذكر جملة ما ذكروه من البلدان المنحرفة وبيان قدر انحرافها، فاما البلدان المنحرفة عن نقطة الجنوب إلى المغرب فبلادنا (البحرين) بسبع وخمسين درجة وثلاث وعشرين دقيقة، و (الحساء) بتسع درجات وثلاثين دقيقة و (البصرة) بثمان وثلاثين درجة، و (واسط) بعشرين درجة واربع وخمسين دقيقة، و (الاهواز) باربعين درجة وثلاثين دقيقة، و (الحلة) باثنتي عشرة درجة، و (المدائن) بثمان درجات وثلاثين دقيقة، و (بغداد) باثنتي عشرة درجة وخمس واربعين دقيقة، و (الكوفة) باثنتي عشرة درجة واحدى وثلاثين دقيقة، و (سر من رأى) بسبع درجات وست وخمسين دقيقة و (كاشان) باربع وثلاثين درجة واحدى وثلاثين دقيقة، و (قم) باحدى وثلاثين درجة واربع وخمسين دقيقة، و (ساوة) بتسع وعشرين درجة وست عشرة دقيقة، و (اصبهان) باربعين درجة وتسع وعشرين دقيقة، و (قزوين) بتسع وعشرين درجة واربع وثلاثين دقيقة، و (تبريز) بخمس عشرة درجة واربعين دقيقة، و (مراغة) بست عشرة درجة وسبع عشرة دقيقة، و (استراباد) بثمان وثمانين درجة وثمان واربعين دقيقة.
[ 392 ]
و (طوس والمشهد الرضوي) بخمس واربعين درجة وست دقائق، و (نيسابور) بست واربعين درجة وخمس وعشرين دقيقة، و (سبزوار) باربع واربعين درجة واثنتين وخمسين دقيقة، و (شيراز) بثلاث وخمسين درجة وثمان وعشرين دقيقة، و (همدان) باثنتين وعشرين درجة وست وعشرين دقيقة، و (تون) بخمسين درجة وعشرين دقيقة و (طبس) باثنتين وخمسين درجة وخمس وخمسين دقيقة. و (اردبيل) بسبع عشرة درجة وثلاث عشرة دقيقة. و (هرات) باربع وخمسين درجة وثمان دقائق. و (قاين) باربع وخمسين درجة، و (سمنان) بست وثلاثين درجة وسبع عشرة دقيقة، و (دامغان) بثمان وثلاثين درجة، و (بسطام) بتسع وثلاثين درجة وثلاث عشرة دقيقة، و (لاهجان) بثلاث وعشرين درجة، و (آمل) بثلاثين درجة وست ثلاثين دقيقة، و (قندهار) بخمس وسبعين درجة، و (الري) بسبع وثلاثين درجة وست وعشرين دقيقة، و (كرمان) باثنتين وستين درجة واحدى وخمسين دقيقة، و (تفليس) باربع عشرة درجة واحدى واربعين دقيقة، و (شيروان) بعشرين درجة وتسع دقائق، وكذا الشماخي، و (سجستان) بثلاث وستين درجة وثماني عشرة دقيقة، و (طالقان) بتسع وعشرين درجة وثلاث وثلاثين دقيقة، و (بلخ) بستين درجة وست وثلاثين دقيقة، و (بخارى) بتسع واربعين درجة وثمان وثلاثين دقيقة، و (بدخشان) باربع وستين درجة وتسع دقائق، و (سمرقند) باثنتين وخمسين درجة واربع وخمسين دقيقة، و (كاشغر) بثمان وخمسين درجة وست وثلاثين دقيقة، و (تبت) بست وثلاثين درجة وعشرين دقيقة، و (هرموز) باربع وسبعين درجة، و (ابهر) باربع وعشرين درجة، و (كازران) باحدى وخمسين درجة وست وخمسين دقيقة، و (جرباذقان) بثمان وثلاثين درجة، و (خوارزم) باربعين درجة واما الانحراف من الجنوب إلى المشرق (فالمدينة المشرفة) منحرفة قبلتها عن نقطة الجنوب إلى المشرق بسبع وثلاثين درجة وعشرين دقيقة، و (مصر) بثمان وخمسين درجة وتسع وعشرين دقيقة، و (قسطنطنية) بثمان وثلاثين درجة وسبع عشرة دقيقة.
[ 393 ]
و (الموصل) باربع درجات واثنتين وخمسين دقيقة، و (بيت المقدس) بخمس واربعين درجة وست وخمسين دقيقة. واما الانحراف من الشمال إلى المغرب (فاكره) بتسع وثمانين درجة، و (سرنديب) بسبعين درجة واثنتي عشرة دقيقة، و (چين) بخمس وسبعين درجة، و (سومنات) بخمس وسبعين درجة واربع وثلاثين دقيقة. واما ما كان من الشمال إلى المشرق (فصنعاء) بدرجة وخمس عشرة دقيقة، و (عدن) بخمس درجات وخمس وخمسين دقيقة، و (جرمى) دار ملك الحبشة بسبع واربعين درجة وخمس وعشرين دقيقة. وسائر البلاد القريبة من تلك البلاد والمتوسطة بينها يعرف انحرافها بالمقايسة. اقول: لا يخفى على من عرف ما عليه هذه البلدان من القبلة في جميع الازمان فانه لا يوافق شيئا مما ذكر في هذا المكان مع استمرار السلف والخلف عليها من العلماء والاعيان، ومن ذلك قبلة البحرين والقطيف والاحساء فانها نقطة المغرب وهكذا جميع ما ذكر من البلدان. ولقد اتفق في هذه السنين التي مضت لنا مجيئ رجل من الفضلاء يسمى الشيخ حسين ممن يصلي الجمعة والجماعة إلى بلدة بهبهان فانحرف عن قبلة مساجدها بناء على الضابطة التي ذكرها علماء الهيئة وصلى إلى تلك الجهة التي هي موافقة لكلام علماء الهيئة وحمل الناس على الصلاة إليها فتناولته الالسن من كل مكان وكثر الطعن عليه في جميع البلدان حتى كأنه ممن ابدع في الدين وافترى على الملك الديان.
(البحث الثاني) - في المستقبل، الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب العلم بالقبلة مع امكانه فلا يجوز التعويل على الظن، قالوا ويتحقق العلم بالمعاينة والشياع والخبر المحفوف بالقرائن ومحراب المعصوم (عليه السلام). اقول: ان اريد بالعلم هنا العلم بالعين مع امكان المشاهدة فهذا مخصوص بالقريب كما تقدم ولا ريب ان هذا لا يسوغ له الاجتهاد ولكن المدعى اعم من ذلك، وان
[ 394 ]
اريد العلم بالعين بالنسبة إلى البعيد فظاهر ان هذا مما يتعذر، وان اريد العلم بالجهة بالنسبة إلى البعيد - والظاهر انه هو المراد من كلامهم - فمن الظاهر انه انما يحصل بالاجتهاد الذي غايته الظن فلا معنى لتقديمه وجعل الظن في المرتبة الثانية بعد تعذره. واما ما مثلوا به لصور تحصيل العلم من المعاينة فقد عرفت انه مخصوص بالقريب المتمكن من المشاهدة لا على وجه يستلزم المشقة والعسر. واما الخبر المحفوف بالقرائن والشياع فهو وان مثلوا بهما لا فادة العلم لكن ذلك بالنسبة إلى الخبر وهو قبول قول الغير الذي غاية ما يفيده هو الظن فانه قد يفيد العلم إذا انضمت إليه امارات من خارج أو كان شائعا بحيث يفيد العلم، وهذا لا معنى له بالنسبة إلى القبلة والعلم بجهتها للبعيد، فانه اما ان يرجع إلى الامارات المتقدمة التي ذكرها اهل الهيئة للبلدان وغاية ما تفيده الظن بالجهة، أو قبلة البلد أو المحاريب والقبور ونحو ذلك وغاية الجميع الظن، إلا ان يقال بحصول العلم بالجهة بالامارات التي ذكرها علماء الهيئة وليس ببعيد فيخص العلم به ويجعل الظن في ما عداه مما ذكرناه ونحوه، نعم ربما يتم ما ذكر في محراب المعصوم (عليه السلام) ان ثبت صلاته فيه على الهيئة التي هو عليها الآن ودون ثبوته شوك القتاد وان ادعى بعض الاصحاب ذلك. قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لا اجتهاد في محراب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جهة القبلة ولا في التيامن والتياسر فانه منزل منزلة الكعبة، وروى انه لما اراد نصبه زويت له الارض فجعله بازاء الميزاب (1) ولان النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم لا يتصور منه الخطأ وعند من جوزه من العامة لا يقر عليه فهو صواب قطعا فيستقبله معاينة وتنصب المحاريب هناك عليه وفى معنى المدينة كل موضع تواتر ان النبي (صلى الله عليه وآله) صلى فيه إلى جهة معينة مضبوطة الآن، وكذا لا اجتهاد في المسجد الاعظم بالكوفة في التيامن ولا التياسر مثل ما قلناه في مسجد النبي (صلى الله عليه
(1) تاريخ المدينة للسمهوي ج 1 ص 261 والدرة الثمينة ص 357.
[ 395 ]
وآله) لوجوب عصمة الامام كالنبي وقد نصبه امير المؤمنين وصلى إليه هو والحسن والحسين (عليهم السلام) واما محراب مسجد البصرة فنصبه عقبة بن غزوان فهو كسائر محاريب الاسلام، وربما قيل بمساواته مسجد الكوفة لان امير المؤمنين (عليه السلام) صلى فيه وجمع من الصحابة فكما لا اجتهاد في مسجد الكوفة فكذا في مسجد البصرة. واما مسجد المدائن فصلى فيه الحسن (عليه السلام) فان كان المحراب مضبوطا فكذلك وبمشهد سر من رأى (صلوات الله على مشرفيه) مسجد منسوب إلى الهادي (عليه السلام) فلا اجتهاد في قبلته ايضا ان كانت مضبوطة. ولو تخيل الماهر في ادلة القبلة تيامنا وتياسرا في محراب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومحراب امير المؤمنين (عليه السلام) فخياله باطل لا يجوز له ولا لغيره العمل به. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه ما افاده شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار حيث قال في تتمة الكلام الذي قدمنا نقله عنه آنفا: وما ذكره اصحابنا من ان محراب مسجد الكوفة محراب المعصوم لا يجوز الانحراف عنه انما يثبت إذا علم ان الامام بناه - ومعلوم انه لم يبنه - أو صلى فيه من غير انحراف عنه وهو ايضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة عند تعمير المسجد في زماننا ما يدل على خلافه كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، مع ان الظاهر من بعض الاخبار ان هذا البناء غير البناء الذي كان في زمن امير المؤمنين (عليه السلام) بل ظهر لي من بعض الادلة والقرائن ان محراب مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة ايضا قد غير عما كان في زمانه لانه على ما شاهدنا في هذا الزمان موافق لخط نصف النهار وهو مخالف للقواعد الرياضية من انحراف قبلة المدينة إلى اليسار قريبا من ثلاثين درجة ومخالف لما رواه الخاصة والعامة من انه (صلى الله عليه وآله) زويت له الارض ورأى الكعبة فجعله بازاء الميزاب (1) فان من وقف بحذاء الميزاب يصير القطب الشمالي محاذيا لمنكبه الايسر، ومخالف لبناء
(1) تاريخ المدينة للسمهوي ج 1 ص 261 والدرة الثمينة ص 357.
[ 396 ]
بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي دفن فيه. مع ان الظاهر ان بناء البيت كان موافقا لبناء المسجد وبناء البيت اوفق بالقواعد من المحراب، وايضا مخالف لمسجد قبا ومسجد الشجرة وغيرهما من المساجد التي بناها النبي (صلى الله عليه وآله) أو صلى فيها ولذا حمل بعض الافاضل ممن كان في عصرنا حديث المفضل وامثاله على مسجد المدينة وقال لما كانت الجهة وسيعة وكان الافضل بناء المحراب على وسط الجهات إلا ان تعارضه مصلحة كمسجد المدينة حيث بنى محرابه على خط نصف النهار لسهولة استعلام الاوقات مع ان وسط الجهات فيه منحرف نحو اليسار فلذا حكموا باستحباب التياسر فيه ليحاذي المصلي وسط الجهة المتسعة، وسيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد مع الاخبار والقرائن الدالة عليه في كتاب المزار. والله اعلم وحججه (عليهم السلام) بحقائق الاخبار والآثار. انتهى كلامه علت في الخلد اقدامه. وما اشار إليه في كتاب المزار قد قدمنا ذكر جملة منه آنفا في مسألة استحباب التياسر، وإذا ثبت ما ذكرنا في مسجد المدينة والكوفة ففي ما ذكره من المساجد بطريق اولى إذ ليس لها من الشهرة وقوة الاعتماد ما لهما. ثم ان جملة من المتأخرين ذكروا انه مع فقد العلم يعول على الامارات المفيدة للظن وادعى عليه في المعتبر والمنتهى اتفاق اهل العلم. ويدل عليه من الاخبار صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " يجزئ التحري ابدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة ". وموثقة سماعة (2) قال: " سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم ؟ قال اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك ". وروى المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه عن تفسير النعماني باسناده عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (3) " في قول الله عزوجل: فول وجهك شطر المسجد
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 من القبله.
[ 397 ]
الحرام (1) قال معنى " شطره " نحوه ان كان مرئيا وبالدلائل والاعلام ان كان محجوبا، فلو علمت القبلة لوجب استقبالها والتولي والتوجه إليها ولو لم يكن الدليل عليها موجودا حتى تستوي الجهات كلها فله حينئذ ان يصلي باجتهاده حيث احب واختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة والعلامات المثبوتة، فان مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غربا والغرب شرقا زال معنى اجتهاده وفسد حال اعتقاده " قال: وقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) خبر منصوص مجمع عليه ان الادلة المنصوبة على بيت الله الحرام لا يذهب بكليتها حادثة من الحوادث منا من الله تعالى على عباده في اقامة ما افترض عليهم اقول: الظاهر - والله سبحانه وقائله اعلم - من قوله: " فان مال عن هذا التوجه " اي انه بعد توجهه بالاجتهاد إلى جهة ادى إليها اجتهاده فان ظهر له بعد ذلك الميل عن القبلة على وجه يكون مستدبر القبلة بان جعل الشرق في موضع الغرب والغرب في موضع الشرق أو محض اليمين واليسار فانه يصدق ايضا ذلك في الجملة فقد ظهر فساد اجتهاده وفساد اعتقاده فتجب الاعادة عليه وسيجئ تحقيق الكلام في ذلك. واما ما نقله (عليه السلام) من الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) فلعل المراد بتلك الادلة هي النجوم، وقد روى العياشي في تفسيره عن اسماعيل بن ابي زياد عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وبالنجم هم يهتدون " هو الجدي لانه نجم لا يزول وعليه بناء القبلة وبه يهتدي اهل البر والبحر " ويمكن ان يستفاد من هذا الخبر حصول العلم بالجهة بالدلائل التي ذكرها علماء الهيئة كما هو الظاهر من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وليس بذلك البعيد كما قدمنا الاشارة إليه وان قلنا بعدم وجوب التكليف به، لما عرفت مما قدمنا نقله عن جملة من افاضل متأخري المتأخرين وان كان افاضل المتأخرين على خلافه
(1) سورة البقرة، الآية 139. (2) الوسائل الباب 5 من القبلة. (3) سورة الروم، الآية 49.
[ 398 ]
تنبيهات:
(الاول) - المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) الذي قدمنا ذكره هو ان الاجتهاد الذي هو عبارة عن بذل الوسع في تحصيل الامارات المفيدة للظن بالجهة بعد تعذر العلم بالجهة بالامارات المذكورة في كلام علماء الهيئة، فيجتهد مع فقدها في تحصيل امارة توجب ظنه بالجهة ويبنى عليها. وقد تقدم من الاخبار ما يدل على جواز البناء على هذا الظن الناشئ عن التحري ويزيده بيانا ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الاعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة ؟ قال يعيد ولا يعيدون فانهم قد تحروا " ويؤيده ايضا صحيحة سليما بن خالد (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) " الرجل يكون في قفر من الارض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يضحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع ؟ قال ان كان في وقت فليعد صلاته وان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده " ونحوها صحيحة يعقوب بن يقطين (3). وربما ظهر من كلام الشيخين في المقنعة والمبسوط هنا عدم العمل على الظن والصلاة إلى اربع جهات، قال في المقنعة: إذا اطبقت السماء بالغيم فلم يجد الانسان دليلا عليها بالشمس والنجوم فليصل إلى اربع جهات فان لم يقدر على ذلك بسبب من الاسباب المانعة من الصلاة اربع مرات فليصل إلى اي جهة شاء وذلك مجزئ مع الاضطرار. وقال في المبسوط بعد ان ذكر اربع علامات نجومية لقبلة العراق: فان فقد هذه الامارات يصلي إلى اربع جهات الصلاة الواحدة مع الاختيار. واستدل الشيخ لذلك برواية خراش عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من القبلة.
[ 399 ]
السلام) (1) قال: " قلت له جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا اطبقت علينا أو اظلمت فلم نعرف السماء كنا وانتم سواء في الاجتهاد ؟ فقال ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل إلى اربع وجوه ". ولا يخفى ان هذا الخبر لضعف سنده لا يبلغ قوة في معارضة الاخبار المتقدمة وبذلك رده الاصحاب مع انهم قائلون بمضمونه في وجوب الاربع مع فقد الظن كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. والحق في الجواب عنه ما سنذكره ثمة ان شاء الله تعالى. والشيخ (قدس سره) جمع بين هذا الخبر والاخبار السابقة بحمل الاخبار المتقدمة على صورة الاضطرار وعدم التمكن من الصلاة إلى اربع جهات وهذا الخبر على صورة التمكن والاختيار. وبعض الاصحاب احتمل الجمع بحمل الاخبار الاولة على التقية كما يشعر به هذا الخبر لكنه استشكل ذلك بان المصير إلى الحمل فرع حصول المعارضة وهذا الخبر قاصر عن معارضة تلك الاخبار. والحق في الخبر المذكور ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى.
(الثاني) - لو اجتهد واداه اجتهاده إلى جهة مخصوصة ثم اخبره من يوثق به بغيرها فهل يجب عليه العمل على اجتهاده أو يرجع إلى قول الثقة ؟ قولان، فالشيخ واتباعه على الاول والظاهر انه المشهور. وقيل بالثاني إذا افاده ظنا زائدا على ما ادى إليه اجتهاده. ذهب إليه المحقق والشهيد واختاره جملة من افاضل متأخري المتأخرين، وهو الاظهر لان المسألة ظنية فيتبع فيها اقوى الظنين، ولا ينافيه اخبار الامر بالتحري فان الاستخبار ممن يفيد قوله الظن الراجح نوع من التحري. ولو تعذر الظن لفقد ما يدل عليه واخبره من يوثق بقوله فهل يصلي إلى اربع جهات ام يعمل بقول المخبر ؟ قولان ولعل اظهرهما الثاني بالتقريب المتقدم. وهل يشترط عدالة المخبر فلو كان فاسقا أو كافرا لم يقبل قوله ؟ اشكال ولعل الاقرب القبول ان افاد الظن كما ذكرنا.
(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من القبلة.
[ 400 ]
(الثالث) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه مع تعذر الظن بالقبلة يصلي كل فريضة إلى اربع جهات. وقال ابن ابي عقيل لو خفيت عليه القبلة لغيم أو ريح أو ظلمة فلم يقدر على القبلة صلى حيث شاء مستقبل القبلة وغير مستقبلها ولا اعادة عليه إذا علم بعد ذهاب وقتها انه صلى لغير القبلة. وهو الظاهر من ابن بابويه ونفى عنه البعد في المختلف ومال إليه في الذكرى واختاره جملة من محققي متأخري المتأخرين، وهو المختار لما ستعرف من الاخبار. احتج الشيخ ومن تبعه من اصحاب القول المشهور برواية خراش المتقدمة، وردها القائلون بالقول الآخر بضعف السند وبانها متروكة الظاهر من حيث تضمنها سقوط الاجتهاد بالكلية مع دلالة الاخبار المتقدمة عليه. والحق في الجواب عن الرواية المذكورة ما افاده المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية من ان قصده (عليه السلام) انما هو مجرد الرد على المخالفين في ما يدعونه من الالتجاء إلى الاجتهاد الذي يبنون عليه الاحكام الشرعية وقد منعت منه النصوص المعصومية بان لنا مندوحة عن ذلك وهو المصير إلى العمل بالاحتياط الذي يحصل بالصلاة إلى اربع جهات لا ان مراده (عليه السلام) نفي الاجتهاد في القبلة بالكلية مع دلالة اخبارهم (عليهم السلام) عليه كما عرفت مما قدمناه وهو معنى صحيح لا غبار عليه. وبه تبقى ادلة القول الثاني سالمة من المعارض، ومنها ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " يجزئ المتحير ابدا اينما توجه إذا لم يعلم اين وجه القبلة ". وروى في الكافي في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن زرارة (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير فقال يصلي حيث شاء ".
(1) و (2) الوسائل الباب 8 من القبلة.
[ 401 ]
وروى الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: " قلت الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعدما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ فقال قد مضت صلاته فما بين المشرق والمغرب قبلة، ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير: ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله " (2) كذا استدل بها في المدارك، واحتمل جملة من المحققين كون قوله في هذه الرواية " ونزلت هذه الآية " من كلام الصدوق لا من الرواية وعليه تنتفي دلالة الرواية. والمستفاد من بعض الاخبار ان هذه الآية انما نزلت في النافلة وجواز صلاتها إلى غير القبلة، فروى الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (3) في قوله تعالى: " فاينما تولوا فثم وجه الله " انها ليست منسوخة وانها مخصوصة بالنوافل في حال السفر. وروى الشيخ في النهاية عن الصادق (عليه السلام) (4) في قوله تعالى: " فاينما تولوا فثم وجه الله " قال: " هذا في النوافل في حال السفر خاصة فاما الفرائض فلابد فيها من استقباله القبلة ". وقال الثقة الجليل علي بن ابراهيم في تفسيره (5) " ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله " (6) قال العالم (عليه السلام): " فانها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر فاما الفرائض فقوله: " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (7) يعني الفرائض لا تصلها إلا إلى القبلة ". وفى تفسير العياشي عن حريز عن ابي جعفر (عليه السلام) (8) " انزل الله هذه الآية في التطوع خاصة " فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم " (9) وصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ايماء على راحلته اينما توجهت به حيث خرج إلى خيبر
(1) الفقيه ج 1 ص 179 والوسائل الباب 10 من القبلة. (2) و (6) و (9) سورة البقرة، الآية 109. (3) و (4) و (8) الوسائل الباب 15 من القبلة. (5) ص 50. (7) سورة البقرة الآية 139 و 145.
[ 402 ]
وحين خرج من مكة وجعل الكعبة خلف ظهره " قال زرارة (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الصلاة في السفينة والمحمل سواء ؟ قال النافلة كلها سواء، ثم ساق الخبر في الكتاب المذكور إلى ان قال كل ذلك قبلة للمتنفل انه قال: فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم ". وروى فيه عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته ؟ قال يسجد حيث توجهت فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة يقول: فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم ". ولا يخفى ما في دلالة هذه الاخبار على المنافاة لما تقدم من نزول الآية المذكورة في قبلة المتحير سواء جعلت من الخبر أو من كلام الصدوق والحمل على الثاني اوفق بانتظام الاخبار وسلامتها من الاختلاف في هذا المضمار وان كان الظاهر ان الصدوق ايضا لا يقوله إلا عن رواية وصلت إليه. وربما جمع بعضهم بين الاخبار المتقدمة بحمل روايات الصلاة إلى اي جهة شاء على عدم التمكن من الصلاة إلى اربع جهات وتبقى رواية خراش على ظاهرها. ولا يخفى بعده عن ظاهر سياق الاخبار المذكورة. وبالجملة فالرواية المذكورة مع ضعف سندها معارضة بالاخبار المتقدمة وبهذه الاخبار والاظهر في معناها هو ما ذكرناه وبه تنتفي المناقضة بين الاخبار ويظهر اجتماعها على وجه واضح المنار. وذهب السيد رضي الدين بن طاووس في هذه المسألة إلى الرجوع إلى القرعة قال في المدارك: ولا بأس به. اقول: بل البأس فيه اظهر ظاهر إذ الظاهر من الاخبار ان مشروعية القرعة انما هو من حيث الاشكال وانها لكل امر مشكل والظاهر انه لا اشكال هنا مع وجود الادلة الصحيحة الصريحة في الحكم. اما على ما ذكرنا في معنى
(1) الوسائل الباب 13 من القبلة. (2) البحار ج 18 الصلاة ص 370.
[ 403 ]
رواية خراش فظاهر، واما على ما ذكره من طرحها لضعفها سندا ودلالة فقال انه لا تعويل عليها فاظهر، وعلى كل من الوجهين تبقى الاخبار سالمة من المعارض فاي وجه هنا للقرعة واي اشكال في الحكم يوجب الرجوع إليها ؟ ثم انه على القول المشهور من الصلاة إلى اربع جهات يعتبر في الجهات الاربع كونها على خطين مستقيمين وقع احدهما على الآخر على وجه يحدث عنهما زوايا قوائم لانه المتبادر من النص. اقول: ويمكن حصول ذلك بالخطوط الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم بناء على ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار (1) " في من صلى ثم نظر بعد ما فرغ فرأى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ فقال قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة " ثم انهم بناء على القول المذكور صرحوا بانه لو ضاق الوقت عن الاربع اتى بما امكن ولو واحدة إلى اي جهة شاء، وبالجملة بما يتسع له الوقت. قال في المعتبر وكذا لو منعت ضرورة من عدو أو سبع أو مرض.
(الرابع) - الظاهر من كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان من لا يتمكن من الاجتهاد كالاعمى والعامي مع ضيق الوقت عن التعلم والعالم بالعلامات مع خفائها لعارض من غيم ونحوه فانه يجوز له التقليد. وظاهر كلام الشيخ (قدس سره) في الخلاف المنع من التقليد للاعمى وغيره ووجوب الصلاة إلى اربع جهات مع السعة والتخيير مع الضيق. احتج الاولون بان قول العدل احد الامارات المفيدة للظن فكان العمل به لازما مع انتفاء العلم وعدم امكان تحصيل ظن اقوى منه لقوله (عليه السلام) (2) " يجزي التحري ابدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة " واحتج في الخلاف على ما ذكره بان الاعمى ومن لا يعرف امارات القبلة إذا صليا إلى اربع جهات برئت ذمتهما بالاجماع وليس على براءة ذمتهما إذا صليا إلى الواحدة
(1) الوسائل الباب 10 من القبلة. (2) الوسائل الباب 6 من القبلة.
[ 404 ]
دليل. ثم استدل على التخيير مع الضيق والضرورة بان وجوب القبول من الغير لم يقم عليه دليل والصلاة إلى الجهات الاربع منفي لكون الحال حال الضرورة فيثبت التخيير وجوابه معلوم من حجة القول المشهور المتقدمة. إلا ان المسألة لعدم النص لا تخلو من شوب الاشكال وان كان القول المشهور لا يخلو من قوة لما علم من الاعتماد على الظن في مسألة القبلة مع ما عرفت من سعة الامر فيها. وربما يستدل هنا على وجوب التقليد للاعمى وعدم وجوب الصلاة إلى اربع جهات بالاخبار الدالة على جواز امامته في الصلاة كصحيحة عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس ان يؤم الاعمى القوم وان كانوا هم الذين يوجهونه " وصحيحة زرارة أو حسنته عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: " قلت له اصلي خلف الاعمى ؟ قال نعم إذا كان له من يسدده وكان افضلهم " ونحوهما رواية السكوني (3). والظاهر انه ليس كذلك فان هنا مقامين:
(الاول) ان تكون القبلة معلومة في حد ذاتها لا تحتاج إلى اجتهاد لكنها بالنسبة إلى الاعمى غير معلومة على السمت الذي تجب الصلاة له فيحتاج إلى من يسدده ويرشده وهذا هو مورد الاخبار المذكورة، والظاهر ان الشيخ لا يخالف في هذه الصور ويوجب عليه الصلاة إلى اربع جهات ويطرح هذه الاخبار من غير معارض.
(الثاني) ان تكون القبلة مجهولة تحتاج إلى اجتهاد وهذا هو موضوع المسألة، فهل يجوز للاعمى الرجوع إلى من حصل القبلة باجتهاده أو يجب عليه الصلاة إلى اربع جهات ؟ والاخبار المذكورة لا دلالة لها على هذه الصورة بل موردها الصورة الاولى. وبذلك يظهر ما في كلام جملة من الاصحاب هنا: منهم السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة من ان المراد بالتقليد هنا قبول قول الغير سواء كان مستندا إلى الاجتهاد أو اليقين، فانه بظاهره شامل لما ذكرنا من المقام
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 7 من القبلة.
[ 405 ]
الاول مع انه ليس كذلك. وبالجملة فان الظاهر ان موضوع المسألة انما هو صورة جهل القبلة وحصول من يتمكن من الاجتهاد في معرفتها ومن لا يتمكن، فهل يرجع من لا يتمكن من الاجتهاد للاعذار المتقدمة إلى المتمكن ام لا ؟ واما في مقام العلم بالقبلة فليس من محل البحث في شئ فان ما يحصل به اليقين عند المقلد بفتح اللام من رؤية أو مشاهدة أو تعيين الجهة من العلامات المذكورة بين علماء الهيئة يحصل به اليقين عند المقلد بكسرها إلا ان يكون اعمى مكفوف البصر، وقد عرفت حكمه من الاخبار المتقدمة وان الشيخ لا يخالف في هذه الصورة. وينبغي ان يعلم انه لو تفاوتت الظنون بالنسبة إلى المخبرين من حيث العدالة والتعدد ونحو ذلك وعدمها عمل على اقواها ووجب دوران الحكم معه كما يجب تقديم العلم على الظن. والكلام بالنسبة إلى الكافر ونحوه كما تقدم من حصول الظن بقوله وعدمه.
(الخامس) - قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بانه يجوز التعويل على قبلة البلد إذا لم يعلم انها بنيت على الغلط، والمراد بقبلتها محاريبها المنصوبة وقبورها ونحوها، ونقل في التذكرة الاجماع عليه. والظاهر من كلامهم التعليل ببعد اجتماع الخلق الكثير في المدد المتطاولة على الخطاء. واطلاق كلامهم يقتضي انه لا فرق في ذلك بين ما يفيد العلم بالجهة أو الظن ولا بين ان يكون المصلي متمكنا من معرفة القبلة بالعلامات المفيدة للعلم أو الاجتهاد المفيد للظن أو ينتفي الامران فانه يعول على قبلة البلد على جميع هذه التقادير اقول: وفى بعض هذه الشقوق اشكال وهو انه لو كان قبلة البلد انما تفيد الظن بالجهة مع تمكنه من العلم فان الظاهر وجوب الرجوع إلى العلامات المفيدة للعلم، ولعل في تصريح بعضهم في هذا المقام بانه ان جهلها عول على الامارات المفيدة للظن ما يشير إلى ما قلناه. وبالجملة فانه لا يجوز الرجوع إلى الظن إلا مع تعذر العلم كائنا ما كان. واطلاق كلامهم اعم من ان تكون البلدة من الامصار العظيمة أو قرية من القرى
[ 406 ]
قال في الذكرى: لو كانت قرية صغيرة نشأ فيها قرون من المسلمين لم يجتهد في قبلتها. وصرح جماعة منهم بعدم جواز التعويل على المحاريب المنصوبة في الطرق النادر مرور المسلمين عليها ونحو القبر والقبرين من المسلمين في الموضع المنقطع. وصرح جملة منهم بعدم جواز الاجتهاد في الجهة التي عليها قبلة البلد، والظاهر ان مرادهم الاجتهاد إلى احدى الجهات الاربع كجهة المغرب مثلا بان يجتهد فيها إلى جهة الشمال ونحوها اما في التيامن والتياسر في تلك الجهة فانه يجوز الاجتهاد فيه لعموم الامر بالتحري. وربما قيل بالمنع لان احتمال اصابة الخلق الكثير اقرب من اصابة الواحد. واعترض عليه بانه يجوز انهم تركوا الاجتهاد لعدم وجوبه عليهم فهذا التعليل انما يتم لو ثبت وجوب الاجتهاد عليهم ووقوعه منهم. اقول: قد اشرنا سابقا إلى انه لا يخفى على من تأمل جميع البلدان ولا شاهد ابلغ من العيان فانه ليس شئ منها موافقا للعلامات الرياضية التي حكموا بافادتها العلم فضلا عن الظن، فاني من جملة من تتبع ذلك لاني لما سافرت إلى حج بيت الله الحرام على طريق البحر رجعت على طريق البر فاتفق ان جماعة الحجاج اتفقوا مع الامير ان يمضي بهم إلى المدينة فخرجنا من مكة المعظمة سائرين إلى جهة الشمال خمسة ايام حتى وصلنا إلى منزل يقال له مران فوقع بين الامير والحاج اختلاف في ما وعدهم وطلب منهم مبلغا زائدا واتفق الامر على عدم مغدى المدينة المشرفة والرجوع إلى الاحساء، فمشينا على الطريق المتوجهة إلى الاحساء وكان مسيرنا إلى طرف المشرق وكنت إذا جن الليل ارى المسير على مطلع الثريا وهو مائل عن نقطة المشرق إلى الشمال كما لا يخفى حتى وصلنا إلى منزل يسمى سديرة فسافرنا منه قاصدين إلى جهة الشمال ثلاثة ايام ثم دخلنا الاحساء، والاحساء كالبحرين والقطيف قبلتها الآن على نقطة المغرب، وما ذكرناه من هذا الانحراف الذي شاهدناه موافق لما ذكره علماء الهيئة مما قدمنا نقله ومؤيد له مع ان قبلة هذه البلدان منذ وجدت ودخلت في الاسلام في زمن النبي (صلى الله عليه
[ 407 ]
وآله) وعين فيها ولاة من جهته (صلى الله عليه وآله) انما كان على هذه الجهة التي هي نقطة المغرب واستمر عليها السلف والخلف، وقد قدمنا لك ما وقع في مصرنا لبعض الفضلاء الاعيان في اجتهاده في مساجد بهبهان، ومثل ذلك ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى قال: وقد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق وان فيه تياسرا عن القبلة مع تواطؤ الاعصار الماضية على عدم ذلك، انتهى. وقد وقع مثله لشيخنا الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي في قبلة خراسان كما ذكره بعض الاعيان. ونقل في الذخيرة عن عبد الله بن المبارك انه امر اهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحج، وقد تقدم في كلام شيخنا المجلسي ان محراب مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) مخالف للقواعد الرياضية وكذا مسجد الكوفة ومسجد السهلة ومسجد يونس وتقدم بيان ذلك، إلى غير ذلك من البلدان التي يقع التأمل فيها والمطابقة بين قبلتها والقبلة التي ذكرها علماء الهيئة بالنسبة إليها، واللازم من ذلك احد امرين اما بطلان صلوات اهل تلك البلدان في جميع الازمان أو عدم اعتبار هذه العلامات وان افادت اليقين كما ذكروه دون الظن والتخمين. والاول اظهر في البطلان من ان يحتاج إلى البيان سيما وجملة منها مما صلى فيه الائمة (عليهم السلام) كالمدينة وخراسان ومسجد الكوفة ودعوى التغيير في هذه البلدان عما كانت عليه في سابق الازمان دعوى بغير دليل بل مخالفة لما جرت عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل فيتعين الثاني، ويتأيد بما قدمناه من الاخبار والمؤيدات الدالة على سعة امر القبلة، وبذلك يسقط هذا البحث من اصله وما ذكر فيه من التفريعات. والله العالم.
(السادس) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا بل قال في المعتبر انه مذهب العلماء كافة سواء في ذلك الحاضر والمسافر. والاصل في ذلك الاخبار، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن
[ 408 ]
ابن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة وتجزئه فاتحة الكتاب ويضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ ويومئ في النافلة ايماء ". وعن عبد الله بن سنان (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا ؟ قال لا إلا من ضرورة ". وعن عبد الله بن سنان في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا تصل شيئا من المفروض راكبا، قال النضر في حديثه: إلا ان تكون مريضا ". وصاحب المدارك قد نقل الرواية الاولى من روايتي عبد الله بن سنان المذكورتين وجعلها من الموثق مع ان في سندها احمد بن هلال وهو ضعيف غال وروايته الموثقة انما هي الثانية بغير المتن الذي نقله. واما ما يدل على الجواز مع الضرورة مضافا إلى ما عرفت من هذه الروايات فمنه ما رواه الشيخ عن محمد بن عذافر (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون في وقت الفريضة لا يمكنه الارض من القيام عليها ولا السجود عليها من كثرة الثلج والماء والمطر والوحل أيجوز له ان يصلي الفريضة في المحمل ؟ قال نعم هو بمنزلة السفينة ان امكنه قائما وإلا قاعدا، وكل ما كان من ذلك فالله اولى بالعذر يقول الله عزوجل: بل الانسان على نفسه بصيرة " (5) وعن جميل بن دراج في الصحيح (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر " وعن مندل بن علي (7) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على راحلته الفريضة في يوم مطير " وقال في الفقيه (8)
(1) و (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة. (5) سورة القيامة، الآية 14.
[ 409 ]
" كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي على راحلته الفريضة في يوم مطير ". وعن الحميري وهو عبد الله بن جعفر (1) قال: " كتب إلى ابي الحسن (عليه السلام) روى جعلني الله فداك مواليك عن آبائك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى الفريضة على راحلته في يوم مطير ويصيبنا المطر في محاملنا والارض مبتلة والمطر يؤذي فهل يجوز لنا يا سيدي ان نصلي في هذه الحال في محاملنا أو على دوابنا الفريضة ان شاء الله تعالى ؟ فوقع (عليه السلام) يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة). وروى أبو منصور احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه) (2) " انه كتب إليه يسأله عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة رجل فيتخوف ان نزل الغوص فيه وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال فلا يستوي له ان يلبد شيئا منه لكثرته وتهافته هل يجوز ان يصلي في المحمل الفريضة فقد فعلنا ذلك اياما فهل علينا في ذلك اعادة ام لا ؟ فأجاب لا بأس به عند الضرورة والشدة ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) " ان صليت فريضة على ظهر دابتك استقبل القبلة بتكبيرة الاحرام ثم امض حيث توجهت بك دابتك تقرأ فإذا اردت الركوع والسجود استقبل القبلة واركع واسجد على شئ يكون معك مما يجوز عليه السجود ولا تصلها إلا في حال الاضطرار جدا، وتفعل فيها مثله إذا صليت ماشيا إلا انك إذا اردت السجود سجدت على الارض ". واما ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم - (4) قال: " سأله احمد بن النعمان فقال اصلي في محملي وانا مريض ؟ قال فقال اما النافلة فنعم واما الفريضة فلا. قال وذكر احمد شدة وجعه فقال انا كنت مريضا شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة ينيخوا بي فاحتمل بفراشي فاوضع واصلي ثم احتمل بفراشي فاوضع في محملي " - فحمله الشيخ على
(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 14 من القبلة. (3) ص 16.
[ 410 ]
الاستحباب. والاقرب حمله على مرض يحتمل فيه الوضع على الارض كما حكاه الامام (عليه السلام) عن نفسه، وقد عرفت من روايتي الحميري وابنه اناطة الصلاة في المحمل بالضرورة الشديدة.
وتحقيق البحث كما هو حقه في المقام يتوقف على رسم فوائد:
(الاولى) (1) - اطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي انه لا فرق في الصلاة المفروضة بين اليومية وغيرها ولا بين ما وجب بالاصل أو لعارض، وبه صرح الشهيد (قدس سره) في الذكرى فقال: لا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا اجماعا لاختلال الاستقبال وكانت منذورة سواء نذرها راكبا أو مستقرا على الارض لانها بالنذر اعطيت حكم الواجب. قال في المدارك بعد نقل ملخص ذلك: ويمكن القول بالفرق واختصاص الحكم بما وجب بالاصل خصوصا مع وقوع النذر على تلك الكيفية عملا بمقتضى الاصل وعموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر. ويؤيده رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل جعل الله عليه ان يصلي كذا وكذا هل يجزئه ان يصلي ذلك على دابته وهو مسافر ؟ قال نعم " ثم قال وفي الطريق محمد بن احمد العلوي ولم يثبت توثيقه. وسيأتي تمام البحث في ذلك ان شاء الله تعالى. انتهى وما ذكره جيد للخبر المذكور مؤيدا بما ذكره قبله وان عكس الامر بناء على ضعفه باصطلاحه كما نبه عليه. اقول: يمكن ان يقال باختصاص اطلاق الاخبار هنا باليومية لانها المتبادرة عند الاطلاق والفرد والمتكثر المتكرر الشائع فينصرف إليه الاطلاق كما قرروه في امثال هذا الموضع، وبه يتايد ما ذكر في حكم الصلاة المنذورة لعدم دخولها تحت الاطلاق المذكور بناء على ما ذكرناه.
(1) هذه الفائدة هي الثانية في النسخة المطبوعة القديمة مع انها الاولى في النسخ الخطية ولذا قدمناها ويساعده ترتيب الفوائد ايضا كما يظهر بالتأمل، واما الاولى في النسخة المطبوعة فهي الثالثه في هذه الطبعة كما في النسخ الخطية. (2) الوسائل الباب 14 من القبلة.
[ 411 ]
(الثانية) - المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب الاستقبال بما امكن من صلاته لقوله تعالى " فولوا وجوهكم شطره " (1) وعلى هذا فيجب عليه ان يحرف الدابة لو انحرفت عن القبلة مع المكنة إذا كان المشي إلى صوب القبلة. ولو حرفها عنها عمدا لغير ضرورة بطلت صلاته. والذي وقفت عليه من الاخبار مما يتعلق بهذا الحكم صحيحة زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواقفة ايماء على دابته. ثم قال ويجعل السجود اخفض من الركوع ولا يدور إلى القبلة ولكن اينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة باول تكبيرة حين يتوجه ". وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " إذا كنت راكبا وحضرت الصلاة وتخاف ان تنزل من سبع أو لص أو غير ذلك فلتكن صلاتك على ظهر دابتك وتستقبل القبلة وتومئ ايماء ان امكنك الوقوف وإلا استقبل القبلة بالافتتاح ثم امض في طريقك التي تريد حيث توجهت بك راحلتك مشرقا ومغربا، وتنحني للركوع والسجود ويكون السجود اخفض من الركوع، وليس لك ان تفعل ذلك إلا آخر الوقت " وظاهر الجميع بل صريحه الاستقبال بتكبيرة الافتتاح، وقد دلت العبارة المتقدمة على الاستقبال ايضا بالركوع والسجود وعليه العمل وان كان المحافظة على ما ذكروه احوط ثم انه بناء على ما قدمنا ذكره عنهم قيل يجب عليه تحري الاقرب إلى جهة القبلة فالاقرب، قال في المدارك: وكأن وجهه ان للقرب اثرا عند الشارع ولهذا افترقت الجهات في الاستدارك لو ظهر خطأ الاجتهاد. وقيل بالعدم للخروج عن القبلة فتتساوى الجهات. قال في المدارك: ولو قيل يجب تحري ما بين المشرق والمغرب دون باقي الجهات لتساويها في الاستدراك لو ظهر خطأ الاجتهاد لقولهم (عليهم السلام) (4) " ما بين المشرق
(1) سورة البقرة، الآية 139 و 145. (2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف. (3) ص 14. (4) الوسائل الباب 9 و 10 من القبلة.
[ 412 ]
والمغرب قبلة " كان قويا. انتهى. اقول: قد عرفت انه بالنظر إلى الخبرين المذكورين وما دلا عليه فلا اثر لهذه التخريجات.
(الثالثة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا بالنسبة إلى الماشي المضطر إلى الصلاة مع ضيق الوقت انه يستقبل القبلة بما امكنه من صلاته ويسقط مع العجز واستدل عليه في المدارك بقوله عزوجل: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا " (1) وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخاف من سبع أو لص كيف يصلي ؟ قال يكبر ويومئ برأسه ". وانت خبير بما في الدليل المذكور من القصور عن الاستدلال فانه لا دلالة فيه على المشي بوجه وغاية ما تدل عليه الرواية الصلاة في حال الخوف من السبع بالايماء وان كان واقفا في محله. واظهر منها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يلقى السبع وقد حضرت الصلاة ولا يستطيع المشي مخافة السبع فان قام يصلي خاف في ركوعه وسجوده السبع والسبع امامه على غير القبلة فان توجه إلى القبلة خاف ان يثب عليه الاسد كيف يصنع ؟ قال يستقبل الاسد ويصلي ويومئ برأسه ايماء وهو قائم وان كان الاسد على غير القبلة ". والآية والخبر ايضا على تقدير دلالتهما لا دلالة لهما على اعتبار ضيق الوقت كما ذكروه إلا ان يدعى ذلك في جميع اصحاب الاعذار كما تقدم. والاظهر الاستدلال على ذلك بما رواه في الكافي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على راحلته ؟ قال يومئ ايماء وليجعل السجود اخفض من الركوع. قلت يصلي وهو يمشي. قال نعم يومئ
(1) سورة البقرة، الآية 240. (2) و (3) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف. (4) رواه في الوسائل في الباب 15 و 16 من القبلة.
[ 413 ]
ايماء وليجعل السجود اخفض من الركوع ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفر وانا امشي ؟ قال اومئ ايماء واجعل السجود اخفض من الركوع ". وما رواه الثلاثة في الصحيح عن حريز عن من ذكره عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) " انه لم يكن يرى بأسا ان يصلي الماشي وهو يمشي ولكن لا يسوق الابل ". واطلاق هذه الاخبار وان تبادر منه النافلة لكنه شامل للفريضة ايضا وان قيدت بحال الضرورة كما لا يخفى. ويدل على ذلك صريحا قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) بعد ذكر صلاة الراكب على ظهر الدابة وانه يستقبل القبلة بتكبيرة الافتتاح ثم يمضي حيث توجهت دابته وانه وقت الركوع والسجود يستقبل القبلة ويركع ويسجد على شئ يكون معه مما يجوز عليه السجود، إلى ان قال: وتفعل فيها مثله إذا صليت ماشيا إلا انك إذا اردت السجود سجدت على الارض. انتهى. وروى في المقنعة (4) قال: " سئل (عليه السلام) عن الرجل يجد به السير أيصلي على راحلته ؟ قال لا بأس بذلك يومئ ايماء وكذلك الماشي إذا اضطر إلى الصلاة " والتقييد بجد السير في الراكب والاضطرار في الماشي قرينة الحمل على الفريضة إذ لا يشترط شئ من ذلك في النافلة كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ثم انهم ذكروا انه لو امكن الركوب والمشي في الفريضة مع عدم امكان الاستقرار احتمل التخيير لظاهر قوله تعالى: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا " (5) وترجيح المشي لحصول ركن القيام وترجيح الركوب لان الراكب مستقر بالذات وان تحرك بالعرض
(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 16 من القبلة. (3) ارجع إلى ص 409. (5) سورة البقرة، الآية 240.
[ 414 ]
بخلاف الماشي. والاجود تقديم اكثرهما استيفاء للافعال ومع التساوي فالتخيير.
(الرابعة) - لو كان الراكب يتمكن من الركوع والسجود وفرائض الصلاة كالراكب في الكنيسة أو على بعير معقول أو نحو ذلك فهل يجوز الصلاة ام لا ؟ المشهور الثاني لظواهر الاخبار المتقدمة لاطلاقها في المنع من الصلاة راكبا، قال شيخنا الشهيد الثاني وهي عامة ووجه عمومها الاستثناء المذكور فيها. واورد عليه سبطه في المدارك ان هذا العموم انما هو في الفاعل خاصة اما الدابة فمطلقة، ولا يبعد حملها على ما هو الغالب اعني من لا يتمكن من استيفاء الافعال. انتهى. وهو جيد. ونقل عن فخر المحققين الاستدلال على ذلك بما لا يخلو من ضعف كما نبه عليه في المدارك. ثم قال في المدارك: والاقرب الجواز كما اختاره العلامة في النهاية إذ المفروض التمكن من استيفاء الافعال والامن من زواله عادة في ثاني الحال. انتهى. وهو جيد ان تم ما ذكره من التمكن إلا ان ظاهر كلام الشهيد في الذكرى تعليل المنع في الكنيسة بعدم الاستقرار وعليه فلا يكون متمكنا من استيفاء الافعال حيث انه علل المنع في الراكب في الكنيسة بعدم الاستقرار، قال ولهذا لا يصح صلاة الماشي مستقبلا مستوفيا للافعال لان المشي افعال كثيرة خارجة عن الصلاة فيبطلها وانما خرجت النافلة بدليل آخر مع المسامحة فيها. انتهى. وعندي في حمل الصلاة في الكنيسة على صلاة الماشي وانها مثلها في عدم الاستقرار اشكال، لان الراكب في الكنيسة مستقر في مكانه وانما يتحرك به البعير والدابة بخلاف الماشي المتحرك بنفسه، وبالجملة فاني لا اعرف له وجه استقامة. ومثله الكلام في الدابة المعقولة بحيث لا يأمن من الحركة والاضطراب فان استيفاء الافعال على ظهرها غير ممكن مع ان اطلاق الامر بالصلاة ينصرف إلى الفرد المعهود وهو ما كان على الارض وما في معناها فالاظهر العدم إلا مع الضرورة.
[ 415 ]
واشكل من ذلك ما ذكروه في الارجوحة المعلقة بالحبال فقال في المدارك على اثر عبارته المتقدمة - وهي قوله: والاقرب الجواز كما اختاره العلامة في النهاية - وقريب من ذلك الكلام في الارجوحة المعلقة بالحبال ونحوها. فانه ظاهر في جواز الصلاة عليها، وظاهره باعتبار اتصاله بالكلام المتقدم انه يمكن استيفاء الافعال عليها، ونقل القول بالجواز عليها عن العلامة في التذكرة ايضا. ومنع من الصلاة عليها في الذكرى ونقله في الذخيرة عن المنتهى ايضا ونقل عن القواعد التوقف. والارجوحة على ما ذكره في القاموس حبل يعلق ويركبه الصبيان، وهو معمول في زماننا ايضا بان يعلق حبل بين جذعين رفيعين ويجلس عليه الصبي فيحرك به في الهواء صعودا ونزولا ولا يخفى ما في عده في هذا المقام والحكم بصحة الصلاة عليه من الاشكال لاضطرابه وعدم استقراره وعدم امكان القيام عليه والركوع والسجود والجلوس كما هو بوجه من الوجوه، ولعلهم ارادوا بما ذكروه معنى آخر غير ما ادى إليه فهمي القاصر إلا ان عبارة القاموس ظاهرة فيما قلناه. وقد روى علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي على الرف المعلق بين نخلتين ؟ قال ان كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس " قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل الخبر من كتاب قرب الاسناد يدل على جواز الصلاة على الرف المعلق بين النخلتين وهو يحتمل وجيهن (الاول) ان يكون المراد شد الرف بالنخلتين فالسؤال باعتبار احتمال حركتهما والجواب مبني على انه يكفي الاستقرار في الحال فلا يضر الاحتمال أو على عدم ضرر مثل تلك الحركة. و (الثاني) ان يكون المراد تعليق الرف بحبلين مشدودين بنخلتين، وفيه اشكال لعدم
(1) الوسائل الباب 35 من مكان المصلى.
[ 416 ]
تحقق الاستقرار في الحال. والحمل على الاول اولى واظهر ويؤيده ما ذكره الفيروز آبادي في تفسير الرف بالفتح انه شبه الطاق. انتهى. اقول: الظاهر من تشبيه بالطاق يعني في الانحنا وحينئذ فتكون حدبيته في جانب السفل ليحصل القيام على باطنها، وينبغي ان يكون فيه عرض يحصل فيه السجود والركوع والجلوس مع طمأنينة واستقرار، واليه يشير قوله: " إذا كان مستويا يقدر على الصلاة عليه " والظاهر ان منشأ السؤال انما هو من حيث كونه في الهواء ليس على الارض وان امكن الاستقرار فيه والاتيان بالصلاة فيه على وجهها. وبالجملة فان ذكر الارجوحة في هذا المقام مع ما عرفت غريب لا اعرف له وجه استقامة على الظاهر. والله العالم.
(السابع) - قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو اختلف المجتهدون صلوا فرادى لا جماعة لان المأموم ان كان محقا في الجهة فسدت صلاة امامه وإلا فصلاته فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين. ثم قال بعد ذلك بقليل: لو اختلف الامام والمأموم في التيامن والتياسر فالاقرب جواز الافتداء لان صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء والاختلاف هنا يسير، ولان الواجب مع البعد الجهة وهي حاصلة هنا والتكليف بالعين مع البعد ضعيف. انتهى. اقول: الظاهر ان كلامه الاول مبني على ما هو المشهور بينهم من ان مناط الصحة مطابقة ما فعله المكلف للواقع وان كان بحسب ظاهر الشرع متعبدا بظنه، وحينئذ فغاية ما تفيده عبادته مع المخالفة هو سقوط القضاء والمؤاخذة لا قبول العبادة وصحتها وترتب الثواب عليها من حيث كونها عبادة. وقد عرفت ما فيه في ما تقدم من كتاب الطهارة من النجاسات، وإلا فكيف يحكم هنا ببطلان صلاة احدهما والحال ان كلا منهما مكلف بما ادى إليه اجتهاده وامتثال الامر يقتضي الاجزاء، فتكون صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء كما قال في المسألة الثانية، وحينئذ فلا فرق بين المسألة الاولى
[ 417 ]
والثانية في صحة الاقتداء وصحة صلاة كل منهما. ولهذه المسألة نظائر عديدة: منها - ما لو توضأ بماء قليل نجس بالملاقاة كما هو المشهور من نجاسة القليل بالملاقاة لانه عنده غير نجس كما هو القول الآخر في المسألة، فانه ان قلنا ان الصحة عبارة عن مطابقة الطهارة للواقع امتنع الائتمام به لمن يعتقد النجاسة لعدم معلومية المطابقة، وان قلنا ان صحتها لا تعلق لها بالواقع بل الظاهر في نظر المكلف فهي عند المأموم وان كان لا يعتقد ذلك صحيحة فيجوز له الاقتداء فيها وان خالف اعتقاده لان صحتها دائرة مدار ظن فاعلها، وهكذا غير ذلك من الفروع فاحتفظ به فانه فرع غريب. ثم ان الظاهر ان المراد بالتياسر والتيامن في كلامه ما كان قليلا بحيث لا يخرج به عن الجهة التي يجب التوجه إليها وان مكروها كما سيأتي ان شاء الله تعالى، والوجه فيه ان العلامات التي بنيت عليها الجهة للبلدان المتسعة تقتضي نوع اتساع في تلك الجهة فلا يضر التيامن والتياسر اليسير فيها.
(الثامن) - اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة في السفينة فذهب ابن بابويه وابن حمزة على ما نقل عنهما إلى جواز الصلاة فيها فرضا ونفلا مختارا، وهو ظاهر اختيار العلامة في اكثر كتبه واليه مال السيد السند في المدارك، ونقل عن ابي الصلاح وابن ادريس انهما منعا من الصلاة فيها إلا لضرورة، واستقربه الشهيد في الذكرى، وحكى عن كثير من الاصحاب انهم نصوا على الجواز إلا انهم لم يصرحوا بكونه على وجه الاختيار. والواجب ذكر اخبار المسألة والنظر في ما تدل عليه، ومنها - صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " اكون في سفينة قريبة من الجد فاخرج واصلي ؟ قال صل فيها اما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام) ؟ ".
(1) الوسائل الباب 13 من القبلة. وفي كتب الحديث، تكون السفينة قريبة.. "
[ 418 ]
وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن صلاة الفريضة في السفينة وهو يجد الارض يخرج إليها غير انه يخاف السبع أو اللصوص ويكون معه قوم لا يجتمع رأيهم على الخروج ولا يطيعونه ؟ وهل يضع وجهه إذا صلى أو يومئ ايماء أو قاعدا أو قائما ؟ فقال ان استطاع ان يصلي قائما فهو افضل وان لم يستطع صلى جالسا، وقال لا عليه ان لا يخرج فان ابي سأله عن مثل هذه المسألة رجل فقال أترغب عن صلاة نوح ؟ ". وصحيحة معاوية بن عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة ؟ فقال تستقبل القبلة بوجهك ثم تصلي كيف دارت تصلي قائما فان لم تستطع فجالسا تجمع الصلاة فيها ان ارادوا ويصلى على القير والقفر ويسجد عليه ". وحسنة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " انه سئل عن الصلاة في السفينة قال يستقبل القبلة فإذا دارت واستطاع ان بتوجه إلى القبلة فليفعل وإلا فليصل حيث توجهت به، قال فان امكنه القيام فليصل قائما وإلا فليقعد ثم يصلي ". وبهذه الاخبار استدل في المدارك على ما اختاره من القول بالجواز مطلقا ثم نقل عن المانعين انهم احتجوا بان القرار ركن في القيام وحركة السفينة تمنع من ذلك، وبان الصلاة فيها مستلزمة للحركات الكثيرة الخارجة عن الصلاة فلا يصار إليها إلا مع الضرورة، وبما رواه الشيخ عن حماد بن عيسى (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام)، يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول ان استطعتم ان تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فان لم تقدروا فصلوا قياما فان لم تستطيعوا فصلوا قعودا وتحروا القبلة " وعن علي بن ابراهيم (5) قال: " سألته عن الصلاة في السفينة قال يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة ولا يصلي في السفينة وهو يقدر على الشط، وقال يصلي في السفينة يحول وجهه
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 14 من القبلة. (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 13 من القبلة.
[ 419 ]
إلى القبلة ثم يصلي كيف ما دارت " ثم قال: واجيب عن الاول بان الحركة بالنسبة إلى المصلي عرضية لانه ساكن. ويمكن الجواب عنه ايضا بان ذلك مغتفر بالنص وهو الجواب عن الثاني. وعن الروايتين بعد سلامة السند بحمل الامر في الاولى على الاستحباب والنهي في الثانية على الكراهة جمعا بين الادلة. انتهى. اقول: والتحقيق عندي في هذا المقام ان يقال لا ريب انه قد علم من الادلة القطعية وجوب القيام في الصلاة والاستقبال والركوع والسجود والاستقرار والطمأنينة في تلك الافعال وانه لا يجوز الاخلال بذلك اختيارا، ويؤيده مراعاة ذلك في الصلاة في السفينة كما دلت عليه الروايات المذكورة في الباب وانه لا يخل بشئ من ذلك إلا مع عدم التمكن منه، ويعضده ايضا ما تقدم من الاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة على الراحلة اختيارا، وبما ذكرنا اعترف السيد المذكور في مسألة الصلاة على ظهر الكعبة حيث قال بعد نقل القول بانه يصلي مستلقيا ما صورته: والاصح ما اختاره المصنف من وجوب الصلاة على سطحها كما يصلي داخلها عملا بمقتضى الادلة القطعية الدالة على وجوب القيام والاستقبال والركوع والسجود. انتهى. وحينئذ فالواجب في هذا المقام تطبيق الاخبار الواردة في الصلاة في السفينة على هذه القواعد القطعية المتفق على العمل بها، والاخبار المذكورة عند التأمل الصادق في معانيها منطبقة عليها باوضح وجه من غير تكلف ولا خروج عن ظواهرها كما سنوضحه ان شاء الله تعالى في المقام، وبموجب ذلك لا يتم ما ذهبوا إليه من القول بالجواز مطلقا على اي نحو كانت السفينة من استقرار واضطراب وتفصيل ما اجملناه من الكلام المتقدم هو ان يقال انه ان لم يتمكن من الارض والصلاة عليها على الوجه المتقدم من الاتيان بجميع الشرائط فلا ريب انه يصلي في السفينة على اي نحو كانت لمكان الضرورة ويتحرى الاتيان بتلك الواجبات حسب الامكان، وعلى هذا تحمل الاخبار الدالة على جواز الصلاة في السفينة وان دارت وتحركت واضطربت كصحيحة عبد الله بن سنان وصحيحة معاوية بن عمار وحسنة حماد بن عثمان
[ 420 ]
ونحوها، وان تمكن من الخروج من السفينة والصلاة على الارض فلا يخلو اما ان يتمكن من الصلاة في السفينة والاتيان بها على وجهها ايضا ام لا، فعلى الاول يتخير بين الصلاة في السفينة وخارجها وعلى هذا تحمل صحيحة جميل بن دراج ومثلها ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في السفينة الفريضة وهو على الجد ؟ قال نعم لا بأس " وعلى الثاني يجب الخروج والصلاة على الارض تحصيلا للاتيان بالواجبات المتقدمة على وجهها لامكان الاتيان بها كما هو المفروض ولا يجوز الصلاة في السفينة هنا وهذه الصورة هي مظهر الخلاف في البين، وعلى ما ذكرنا تدل صحيحة حماد بن عيسى أو حسنته بابراهيم بن هاشم التي نقلها عارية عن الوصف بشئ من الامرين ايذانا بضعفها كما اشار إليه اخيرا، ورواية علي بن ابراهيم، ومثلهما ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى والحسن بن ظريف وعلي بن اسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان اهل العراق يسألون ابي (رضي الله عنه) عن صلاة السفينة فيقول ان استطعتم ان تخرجوا إلى الجد فافعلوا فان لم تقدروا فصلوا قياما فان لم تقدروا فصلوا قعودا وتحروا القبلة " ومحمد بن عيسى وان كان مشتركا وعلي بن اسماعيل مهملا إلا ان الحسن بن ظريف ثقة فالحديث صحيح صريح في المراد. وعلى ما ذكرناه قد اجتمعت الاخبار على وجه لا يعتريه الغبار إلا انه قد روى الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون في السفينة وتحضر الصلاة أيخرج إلى الشط ؟ فقال لا أيرغب عن صلاة نوح ؟ فقال صل في السفينة قائما فان لم يتهيأ لك من قيام فصلها قاعدا فان دارت السفينة فدر معها وتحر
(1) و (2) الوسائل الباب 14 من القيام. (3) مستدرك الوسائل الباب 9 من القبلة.
[ 421 ]
القبلة جهدك فان عصفت الريح ولم يتهيأ لك ان تدور إلى القبلة فصل إلى صدر السفينة. ولا تجامع مستقبل القبلة ولا مستدبرها ". وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) " إذا كنت في السفينة وحضرت الصلاة فاستقبل القبلة وصل ان امكنك قائما وإلا فاقعد إذا لم يتهيأ لك فصل قاعدا وان دارت السفينة فدر معها وتحر القبلة، وان عصفت الريح فلم يتهيأ لك ان تدور إلى القبلة فصل إلى صدر السفينة ولا تخرج منها إلى الشط من اجل الصلاة، وروى انه تخرج إذا امكنك الخروج ولست تخاف عليها انها تذهب ان قدرت ان توجه نحو القبلة وان لم تقدر تثبت مكانك، هذا في الفرض ويجزئك في النافلة ان تفتتح الصلاة تجاه القبلة ثم لا يضرك دارت السفينة لقول الله تعالى " فاينما تولوا فثم وجه الله " (2) والعمل على ان تتوجه إلى القبلة وتصلي على اشد ما يمكنك في القيام والقعود ثم ان يكون الانسان ثابتا في مكانه اشد لتمكنه في الصلاة من ان يدور لطلب القبلة " انتهى. وهذان الخبران ظاهران في جواز الصلاة في السفينة حال الاضطراب وان امكنه الخروج إلى الارض، والجواب عنهما انهما لا يبلغان قوة في معارضة ما اشرنا إليه من الاخبار الدالة على تلك الاحكام عموما وخصوصا ولا يبعد حملهما على التقية وان لم يحضرني الآن مذهب العامة في ذلك، ولعل في قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد افتائه بذلك " وروى.. إلى آخره " اشارة إلى ذلك فان مخالفته لما روى عن آبائه (عليهم السلام) انما يكون لذلك. وبذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند في المدارك من المجازفة في المقام (اما اولا) فلطعنه في رواية ابراهيم بن هاشم بعدم سلامة السند مع انه في الاغلب بعد حديثه في الحسن وربما عده في الصحيح في المقام الذي يحتاج إلى العمل به كما اشرنا إليه في غير موضع.
(1) ص 14. (2) سورة البقرة، الآية 109.
[ 422 ]
و (ثانيا) - تعليله المنع بان القرار ركن في القيام وجوابه عن ذلك بما ذكره اخيرا، ولا يخفى عليك ما فيه فان جواز الصلاة في السفينة ربما استلزم القيام بالكلية وترك الركوع والسجود على ما يصح السجود عليه ونحو ذلك، وكل هذه واجبات قطعية كما اعترف به آنفا لا يجوز الاخلال بها اختيارا ولهذا روعيت في الصلاة في السفينة مع الاضطرار، فكيف تكون مغتفرة بالنص كما ادعاه والحال انه يمكن الاتيان بها على وجهها بالخروج عن السفينة ؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة، نعم لو لم يمكن ذلك فلا شك في الجواز ولا خلاف لمكان الضرورة. و (ثالثا) - ان ما جمع به بين الاخبار من حمل النهي في رواية علي بن ابراهيم على الكراهة والامر في حسنة حماد على الاستحباب كما هي الطريق المتسع لهم في جميع الابواب انما يتم على تقدير تسليم ذلك لو انحصر الجمع بين الاخبار بذلك، وليس كذلك بل الاظهر في الجمع - وهو الطريق الواضح - هو ان يقال ان الروايات التي استدل بها ما عدا صحيحة جميل مطلقة وروايتنا مفصلة وطريق الجمع حمل المجمل على المفصل، واما صحيحة جميل فقد عرفت الوجه فيها. ثم ان ما تكرر من الاخبار - من قولهم (عليهم السلام): " أترغب عن صلاة نوح " ونحو ذلك مما يدل على هذا المعنى - فالظاهر ان وجهه انهم كانوا يظنون عدم جواز الصلاة في السفينة أو نقصانها ولو مع الضرورة فاجيبوا بذلك كما يشعر به صحيح ابي ايوب الخزاز (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انا ابتلينا وكنا في سفينة وامسينا ولم نقدر على مكان نخرج إليه فقال اصحاب السفينة ليس نصلي يومنا ما دمنا نطمع في الخروج ؟ فقال ان ابي كان يقول تلك صلاة نوح أو ما ترضى ان تصلي صلاة نوح ؟ فقلت بلى.. الحديث ". والله العالم.
(البحث الثالث) - في ما يستقبل له وفي احكام الخلل، فالكلام يقع في مقامين
(1) الوسائل الباب 14 من القيام.
[ 423 ]
(الاول) - ما يستقبل له، ويجب الاستقبال في فرائض الصلاة مع الامكان كما تقدم، وبالميت عند احتضاره والصلاة عليه ودفنه، وقد تقدم الكلام في ذلك في فصل غسل الاموات، وعند الذبح كما يأتي ان شاء الله تعالى في محله، كل ذلك مع الامكان فيسقط في كل موضع لا يتمكن منه كصلاة المطاردة وعند ذبح الدابة الصائلة أو المتردية بحيث لا يمكن صرفها إلى القبلة اجماعا نصا وفتوى كما سيأتي في مواضعها ان شاء الله تعالى وذكر بعض الاصحاب ان الاستقبال يتصف بالاحكام الاربعة فيجب في هذه المواضع ويحرم في حال التخلي على المشهور كما تقدم بيانه في محله، ويكره في حال الجماع مستقبلا ومستدبرا كما رواه الصدوق في كتاب الهداية عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تجامع مستقبل القبلة ومستدبرها " وقال في كتاب الفقيه (2) " ونهى عن الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها " ويستحب للجلوس للقضاء والدعاء مؤكدا بل الجلوس مطلقا لقوله (صلى الله عليه وآله) (3) " افضل المجالس ما استقبل به القبلة " ولا يكاد الاباحة بالمعنى الاخص يتحقق هنا. ويستحب الاستقبال بالنافلة لا بمعنى انه يجوز فعلها إلى غير القبلة وان كان المصلي مستقرا على الارض بل على حد استحباب الوضوء لها والقراءة فيها ونحو ذلك من حيث انها شروط في صحتها لكل لا يتصف بالوجوب مع ان اصل النافلة مستحبة. وربما ظهر من بعض العبارات جواز النافلة إلى غير القبلة وان كان مستقرا على الارض، وهو
(1) مستدرك الوسائل الباب 52 من مقدمات النكاح. (2) الوسائل الباب 12 من القبلة. (3) في الوسائل الباب 76 من احكام العشرة: روى الشيخ بهاء الدين في مفتاح الفلاح قال وروى عن أئمتنا (ع) " خير المجالس ما استقبل به القبلة " ورواه المحقق في الشرائع مرسلا وفي المستدرك الباب 64 من احكام العشرة عن كتاب الغايات عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ان لكل شئ شرفا وان اشرف المجالس ما استقبل به القبلة ".
[ 424 ]
بعيد لان العبادات موقوفة على التشريع من صاحب الشرع ولم ينقل عنه ذلك فيكون ايقاعها كذلك تشريعا محرما. ويجوز صلاتها إلى غير القبلة سفرا بلا خلاف وقال في المعتبر انه اتفاق علمائنا طويلا كان السفر أو قصيرا. واما في الحضر فقولان المشهور الجواز ونقل عن ابن ابي عقيل القول بالمنع. والاقرب جواز النافلة إلى غير القبلة راكبا وماشيا سفرا وحضرا ضرورة واختيارا. ويدل على ذلك الاخبار المتكاثرة، ومنها - صحيحة الحلبي برواية الشيخين في الكافي والتهذيب (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير والدابة فقال نعم حيث كان متوجها. قال فقلت استقبل القبلة إذا اردت التكبير ؟ قال لا ولكن تكبر حيثما تكون متوجها وكذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله: " قال فقلت إلى قوله متوجها " في رواية الكافي دون التهذيب، واكثر الاصحاب في كتب الاستدلال ومنهم صاحب المدارك انما نقلوا الرواية من طريق الشيخ عارية من هذه الزيادة. وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي النوافل في الامصار وهو على دابته حيث توجهت به ؟ فقال نعم لا بأس " ورواه الصدوق في الفقيه عن عبد الرحمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (3). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (4) " في الرجل يصلي النافلة على دابته في الامصار ؟ قال لا بأس ". وعن صفوان الجمال (5) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي صلاة الليل بالنهار على راحلته اينما توجهت به ".
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 15 من القبلة. (5) الوسائل الباب 26 من اعداد الفرائض.
[ 425 ]
وعن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال " قال لي أبو جعفر (عليه السلام) صل صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل ". وعن علي بن مهزيار في الصحيح (2) قال: " قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى ابي الحسن (عليه السلام) اختلف اصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم ان صلهما في المحمل وروى بعضهم ان لا تصلهما إلا على الارض فاعلمني كيف تصنع انت لاقتدي بك في ذلك، فوقع (عليه السلام) موسع عليك باية عملت " وروى في التهذيب والفقيه عن ابراهيم الكرخي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له اني اقدر على ان اتوجه إلى القبلة في المحمل ؟ قال ما هذا الضيق اما لك برسول الله (صلى الله عليه وآله) اسوة ؟ " وروى في التهذيب عن ابراهيم بن ميمون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " ان صليت وانت تمشي كبرت ثم مشيت فقرأت وإذا اردت ان تركع أو مأت بالركوع ثم أو مأت بالسجود، وليس في السفر تطوع ". وروى الشيخ في الصحيح عن سيف التمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: ".. انما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما ولا بعدهما شئ إلا صلاة الليل على بعيرك حيث توجه بك ". وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي: إذا اردت ان تصلي نافلة وانت راكب فاستقبل رأس دابتك حيث توجه بك مستقبل القبلة أو مستدبرها يمينا أو شمالا فان صليت فريضة على ظهر دابتك.. إلى آخر عبارة كتاب الفقه الاولى من عبارتيه المتقدمتين في الموضع السادس (6) وهذه العبارة نقلها الصدوق بتمامها في النافلة والفريضة
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 15 من القبلة. (4) الوسائل الباب 16 من القبلة. (5) الوسائل الباب 22 من اعداد الفرائض. (6) ص 409.
[ 426 ]
عن ابيه في رسالته إليه حذو عبارة كتاب الفقه كلمة كلمة وحرفا حرفا إلى آخرها، وهو دليل ما اشرنا إليه في غير موضع من الاعتماد على الكتاب المذكور. وروى الصدوق في الفقيه (1) بسنده عن سعيد بن يسار " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي صلاة الليل وهو على دابته أله ان يغطي وجهه وهو يصلي ؟ قال اما إذا قرأ فنعم واما إذا اومأ بوجهه للسجود فليكشفه حيث اومأت به الدابة " قال في الوافي: وذلك لان الايماء بالوجه بدل من السجود الذي يشترط فيه كشف الجبهة بخلاف القراءة. وهو حسن. وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي نجران (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل ؟ قال إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك. قلت جعلت فداك في أو الليل ؟ فقال إذا خفت الفوت في آخره ". اقول: في هذا الخبر دلالة على ان الرخصة بتقديم صلاة الليل في اول الليل مخصوصة بمن يخاف فواتها في آخر الليل ويجب تخصيصه ايضا بمن يخاف عدم التمكن من القضاء وإلا فالقضاء افضل وقد تقدم الكلام في المسألة. وفي الصحيح عن عبد الله بن المغيرة وصفوان بن يحيى ومحمد بن ابي عمير عن اصحابهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في الصلاة في المحمل ؟ فقال صل متربعا وممدود الرجلين وكيف امكنك ". وروى في الكافي عن سماعة في الموثق (4) قال: " سألته عن الصلاة في السفر إلى ان قال وليتطوع بالليل ما شاء ان كان نازلا وان كان راكبا فليصل على دابته وهو راكب ولتكن صلاته ايماء وليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوعه ". وعن يعقوب بن شعيب في الصحيح (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 15 من القبلة.
[ 427 ]
السلام) عن الرجل يصلي على راحلته ؟ قال يومئ ايماء (1) وليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوعه ". وروى في قرب الاسناد في الصحيح عن حماد بن عيسى (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك فكان يصلي صلاة الليل على راحلته حيث توجهت به ويومئ ايماء ". وروى امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (3) " في قوله تعالى: فاينما تولوا فثم وجه الله (4) قال هذا في النوافل في حال السفر خاصة واما الفرائض فلابد فيها من استقبال القبلة " وقد تقدم جملة من الاخبار الدالة على تفسير الآية بذلك في التنبيه الثالث من التنبيهات المتقدمة في البحث الثاني وروى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (5) قال: " سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريبا من ابيات الكوفة أو كنت مستعجلا بالكوفة ؟ فقال ان كنت مستعجلا لا تقدر على النزول وتخوفت فوت ذلك ان تركته وانت راكب فنعم وإلا فان صلاتك على الارض احب الي ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " لا بأس ان يصلي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي، ولا بأس ان فاتته صلاة الليل ان يقضيها بالنهار وهو يمشي يتوجه إلى القبلة ثم يمشي ويقرأ فإذا اراد ان يركع حول وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثم مشى ". وقد تقدمت صحيحتا يعقوب بن شعيب وصحيحة حريز في صلاة الماشي وانه
(1) في كتب الحديث " وليجعل السجود اخفض من الركوع ". (2) و (5) رواه في الوسائل في الباب 15 من القبلة. (3) الوسائل الباب 15 من القبلة. وما ذكره انما هو رواية الشيخ في النهاية راجع ص 401. (4) سورة البقرة، الآية 109. (6) الوسائل الباب 16 من القبلة.
[ 428 ]
يومئ بالركوع والسجود في الفائدة الثالثة من التنبيه السادس من البحث المتقدم. إذا عرفت ذلك فاعلم انه يستفاد من هذه الاخبار جملة من الاحكام: منها - جواز النافلة إلى غير القبلة ماشيا أو راكبا في الحضر خلافا لابن ابي عقيل كما دلت عليه صحيحتا عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان مؤيدا باطلاق جملة من روايات المسألة، ولم نقف لابن ابي عقيل على دليل وهذه روايات المسألة كما رأيت خالية من ذلك. ومنها - ان الافضل ان يستقبل بتكبيرة الاحرام على الدابة ثم يتم صلاته حيث ذهبت راحلته كما تضمنته صحيحة عبد الرحمان بن ابي نجران واطلاق جملة من الاخبار وصريح صحيحة الحلبي جوازها ايضا إلى غير القبلة بناء على رواية السكافي ولذا حملنا الصحيحة المذكورة على الفضل والاستحباب وقطع ابن ادريس بوجوب الاستقبال بالتكبير ونقله عن جماعة الاصحاب إلا من شذ. وهو محجوج بالصحيحة المذكورة. والسيد السند قد استدل في المدارك على الاستحباب بصحيحة عبد الرحمان المذكورة، ثم نقل عن ابن ادريس القول بوجوب الاستقبال بالتكبيرة ورده باطلاق الاخبار التي قدمها. وانت خبير بما فيه فان لابن ادريس الجواب عن ذلك بتقييد الاطلاق بالصحيحة المذكورة كما هو القاعدة. والحق في دفع ما ذهب إليه انما هو الاحتجاج بصحيحة الحلبي المروية في الكافي إلا ان صاحب المدارك كما اشرنا إليه آنفا انما نقل الصحيحة المذكورة من التهذيب وهي عارية فيه عن موضع الاستدلال فلهذا حصل في جوابه الاشكال. والعجب من صاحب الذخيرة انه جمد على جواب صاحب المدارك في هذا المقام مع انه روى الصحيحة بالزيادة التي هي محل الاستدلال من الكافي وغفل عن الاستدلال بها مع صراحتها في الجواب ولزوم الاشكال في الجواب بدونها كما عرفت. واما في الفريضة فانه يجب ان يستقبل بتكبيرة الاحرام فيها إلى القبلة كما تقدم. ومنها انه يومئ في حال الصلاة راكبا للركوع والسجود ويجعل الايماء للسجود اخفض من الركوع، وهذا بخلاف الفريضة فانه يجب ان يضع جبهته على ما يصح السجود
[ 429 ]
عليه كما تقدم في صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله من قوله " ويضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ ويومئ في النافلة ايماء " ومثله في عبارة كتاب الفقه الرضوي المتقدمة في التنبيه السادس. ومنها - ان الافضل للماشي ان يحول وجهه إلى القبلة ويركع ويسجد على الوجه الحقيقي فيهما جمعا بين ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة من الامر بذلك وبين صحيحتي يعقوب بن شعيب المتقدمتين في الموضع المشار إليه آنفا الدالتين على الايماء بالركوع والسجود، ونحوهما رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة هنا. ومنها - ان الافضل في صلاة النافلة في الحضر ان تكون على الارض كما يدل عليه صحيح عبد الرحمان بن الحجاج المتقدم، واما في السفر فظاهر صحيح علي بن مهزيار المتقدم التخيير. واما ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق في حديث طويل اورده الشيخ (قدس سره) في الزيادات من باب المواقيت (1) " عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها وهو مسافر ؟ قال نعم يقضيها بالليل على الارض فاما على الظهر فلا " فيمكن حمله على الفريضة وتخصيص الليل بالقضاء لانه وقت النزول والاستراحة غالبا، ولو حمل على النافلة لاشكل الحكم فيه بمخالفة هذه الاخبار المستفيضة بجواز صلاة النافلة على الدابة مطلقا. وتخصيص القضاء بالمنع غير معقول إلا ان يحمل على متفردات عمار في اخباره بالاحكام المستغربة. والله العالم.
(المقام الثاني) - في احكام الخلل، قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو صلى إلى جهة ظانا انها القبلة أو تضيق الوقت عن الجهات الاربع أو لاختيار المكلف بناء على القول بتخيير المتحير ثم ظهر الانحراف، فلا يخلو اما ان يكون في اثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها، وعلى كل منهما فاما ان يكون الانحراف في ما بين اليمين واليسار أو إلى محضهما أو إلى دبر القبلة، فههنا صور:
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من قضاء الصلوات.
[ 430 ]
(الاولى) - ان يكون ظهور الانحراف في اثناء الصلاة ويكون إلى ما بين اليمين واليسار، فالظاهر انه لا خلاف في انه يستدير إلى القبلة ويبني على ما مضى لقولهم (عليهم السلام) (1) " ما بين المشرق والمغرب قبلة " ولما رواه عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في رجل صلى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل ان يفرغ من صلاته ؟ قال ان كان متوجها في ما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة حين يعلم وان كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة " ورواية القاسم بن الوليد (3) قال: " سألته عن رجل تبين له وهو في الصلاة انه على غير القبلة ؟ قال يستقبلها إذا اثبت ذلك وان كان قد فرغ منها فلا يعيدها " والمراد انه يستقبل القبلة إذا تبين الانحراف بارجاع الضمير إلى القبلة لا إلى الصلاة كما ربما يتوهم، وهي محمولة على ما إذا كان الانحراف بين اليمين واليسار كما تضمنته رواية عمار. وظاهر المحقق في المعتبر نقل الاجماع على الحكم المذكور.
(الثانية) - هي الاولى بعينها إلا ان الانحراف خارج عما بين اليمين واليسار اعم من ان يكون إلى محضهما أو إلى دبر القبلة، وقد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الحكم فيهما الاستئناف في الوقت. اقول: ويدل عليه بالنسبة إلى المستدبر موثقة عمار المذكورة، واما بالنسبة إلى محض اليمين واليسار فقد استدلوا عليه باخلاله بشرط الواجب مع بقاء وقته والاتيان به ممكن فيجب، ولانه موجب للاستئناف بعد الفراغ كما سيأتي ان شاء الله تعالى فكذا في الاثناء لان ما يفسد الكل يفسد الجزء. قال في المدارك ويؤيده رواية القاسم بن الوليد ثم ساق الرواية المتقدمة. واستدلاله بها هنا بناء على ارجاع الضمير في " يستقبلها " إلى الصلاة وحمل " غير القبلة " على ما خرج عما بين اليمين واليسار. والى ما ذكرنا من حملها على ما دلت عليه موثقة عمار في الصورة الاولى يشير كلام العلامة في المنتهى حيث
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من القبلة.
[ 431 ]
انه ذكرها مع موثقة عمار دليلا للصورة الاولى وكذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة. وانت خبير بان آخر الرواية المذكورة قد تضمن انه متى فرغ والحال هذه فانه لا يعيدها وهذا المعنى لا ينطبق على جعلها من قبيل الصورة الثانية لوجوب الاعادة في الوقت فيها كما عرفت مع تصريح الرواية بالعدم وانما ينطبق على الصورة الاولى التي لا اعادة فيها بعد الفراغ كصحيح معاوية بن عمار كما سيأتي في الصورة الثالثة. ويظهر من كلام الشيخ في المبسوط الخلاف في ما لو ظهر الانحراف إلى محض اليمين واليسار فانه الحقه بما بين اليمين واليسار دون دبر القبلة كما هو المعروف من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث (قدس سره): وان كان في خلال الصلاة ثم ظن ان القبلة عن يمينه أو شماله بنى عليه واستقبل القبلة واتمها وان كان مستدبرا القبلة اعاد من اولها بلا خلاف وقال فيه ايضا: وان دخل يعني الاعمى فيها ثم غلب على ظنه ان الجهة في غيرها مال إليها وبنى على صلاته ما لم يستدبر القبلة. انتهى. وهو ظاهر كما ترى في تخصيص الاستئناف بصورة الاستدبار، ومن المعلوم ان محض اليمين واليسار لا يدخل في الاستدبار ولا يصدق عليه لفظه فيكون الواجب فيها الاستدارة والاتمام كما في ما بين اليمين واليسار. والظاهر ضعفه لما عرفت. (تنبيه) - قال السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ذكر هذه الصورة: فرع - لو تبين اثناء الصلاة الاستدبار وقد خرج الوقت فالاقرب انه ينحرف ولا اعادة وهو اختيار الشهيدين، لا لما ذكراه من استلزام القطع القضاء المنفي لانتفاء الدلالة على بطلان اللازم بل لانه دخل دخولا مشروعا والامتثال يقتضي الاجزاء، والاعادة انما تثبت إذا تبين الخطأ في الوقت كما هو منطوق روايتي عبد الرحمان وسليمان بن خالد (1) انتهى. وعلى هذه المقالة تبعه من تأخر عنه كالفاضل الخراساني في الذخيرة وغيره. وفي ما ذكره عندي نظر من وجهين (احدهما) ان ما نقله عن الشهيدين لا يخلو من خلل في النقل:
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
[ 432 ]
اما الشهيد الاول فانه لم يصرح بهذه المسألة إلا في كتاب الذكرى وهذه صورة عبارته فيه: لو تبين في اثناء الصلاة الاستدبار أو احد الجانبين وقد خرج الوقت امكن القول بالاستقامة ولا اعادة لدلالة فحوى الاخبار عليه، ويمكن الاعادة لانه لم يأت بالصلاة في الوقت. انتهى وظاهره كما ترى التردد والتوقف في المسألة حيث ذكر الاحتمالين ولم يرجح شيئا في البين، والاحتمال الاول وهو الذي نسبه مذهبا إليه انما استدل عليه بفحوى الاخبار والظاهر ان مراده فحوى روايتي عبد الرحمان وسليمان بن خالد الآتيتين ان شاء الله تعالى، وهو قوله (عليه السلام) (1): " وان فاتك الوقت فلا تعد " فانه يصدق في الصورة المذكورة انه فاته الوقت وهو راجع إلى ما ذكره هو من الاستدلال بالروايتين المذكورتين ايضا، واين هذا من الذي نقله عنهما ؟ واما جده الشيهد الثاني فانه لم يذكر هذه المسألة ايضا لا في المسالك ولا في الروضة وانما ذكرها في الروض بهذه العبارة: نعم لو فرض تبين التيامن أو التياسر بعد الوقت في من ادرك منه ركعة أو المستدبر على القول بالمساواة. امكن القول بالاستقامة ولا اعادة لاطلاق الاخبار، وعدمه لانه لم يأت بالصلاة في الوقت ولان ما بعد الوقت هنا بحكم الواقع فيه فيكون بحكم الذاكر فيه. ويضعف بان الاول مصادرة ومساواة ما بعد الوقت لما قبله مطلقا ممنوعة بل في محل النص والوفاق لا في جميع الاحكام على الاطلاق. انتهى وكلامه وان كان مؤذنا باختياره ما نقله عنه إلا انه انما علله بما قدمنا نقله عن الذكرى لا ما ذكره من استلزام القطع القضاء المنفى حتى انه يعترض عليه بانتفاء الدلالة على بطلان اللازم. واحتمال كونهما ذكرا ذلك في غير هذه الكتب المشهورة بعيد غاية البعد. و (ثانيهما) - انه لا يخفى ان هذا الفرع المذكور لا يدخل تحت شئ من اخبار المسألة، وما ذكروه من الوجوه الموجبة لصحة الصلاة مع الاستدارة إلى جهة القبلة لا يخلو من اشكال، وذلك فان مورد اخبار المسألة كون الصلاة التي وقع الانحراف فيها
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
[ 433 ]
كانت في الوقت وان الوقت متسع بعدها وقد اشتملت على التفصيل في تلك الصلاة بين كون الانحراف فيها إلى ما بين اليمين واليسار مع العلم به في الاثناء والحكم فيه الاستدارة والاتمام أو خارجا عن ذلك والحكم فيه الابطال والاعادة أو انما يحصل العلم بعد الفراغ في الوقت والحكم الاعادة في الوقت خاصة على المشهور في احد فرديه. واما لو وقع جزء من الصلاة خارج الوقت وعلم الانحراف إلى دبر القبلة والحال هذه فكما يحتمل ما ذكره الشهيدان من الاستدارة والصحة بناء على اطلاق قوله (عليه السلام) في الروايتين المشار اليهما " وان فاتك الوقت فلا تعد " وان هذا قد فاته الوقت في الصورة المذكورة كذا يمكن ادخال هذه الصورة تحت موثقة عمار المتقدمة وقوله فيها " وان كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة " فان اطلاق هذا الخبر شامل لما لو كانت الصلاة اداء في الوقت أو قضاء في خارجه أو وقع بعضها في الوقت كما في الصورة المفروضة، ولا ريب ان دخول هذه الصورة في اطلاق الخبر المذكور اظهر مما ادعوه في ذينك الخبرين، لان الظاهر ان المراد من ذينك الخبرين " وان فاتك الوقت فلا تعد " انما هو بعد ان صليت الفريضة في وقتها ومضت على الصحة فلا تعدها في خارجه من اجل ذلك الانحراف لا ان المراد فوت الوقت مع وقوع الصلاة كلا أو بعضا خارجه، وإلا للزم ان من صلى قضاء وظهر الاستدبار في اثنائها انه يتمها بعد الاستدارة لانه يصدق عليها انها داخلة تحت قوله: " وان فاتك الوقت " ولا اظن هذا القائل يلتزمه بل الواجب هو الاعادة من رأس البتة. واما ما علل به الصحة في الصورة المذكورة من انه دخل دخولا مشروعا والامتثال يقتضي الاجزاء فهو ممنوع لانه وان دخل دخولا مشروعا إلا انه بعد تبين الاستدبار في الاثناء لا نسلم المشروعية. ومنه يظهر بطلان قوله: " والامتثال يقتضي الاجزاء " ويؤيد ذلك ما في كلامه في الفروع التي في المسألة المذكورة بعد هذه المسألة من حكمه بالابطال بظهور الاستدبار في الاثناء في الفرع الاول والفرع الثالث مع جريان
[ 434 ]
تعليله المذكور هنا في تلك المقامات وليس إلا من حيث ان ظهور الاستدبار موجب للبطلان كما ذكرنا. وبالجملة فانه لا ريب ان الاستدبار من قواطع الصلاة الموجبة لبطلانها ووجوب اعادتها لو وقع فيها خرج منه ما لو لم يعلم إلا بعد ان صلاها في الوقت ثم خرج الوقت بناء على المشهور وظواهر الاخبار الآتية، فيجب الاقتصار على موردها من الصلاة التي صليت في الوقت ووقع التفصيل فيها بما تقدم وبقي الباقي ومنه موضع البحث، مع ظهور دخول هذه الصورة تحت اطلاق موثقة عمار المتقدمة كما عرفت. وكيف كان فحيث كانت المسألة غير خالية من شوب الاشكال لما ذكر من تعدد الاحتمال وان كان ما ذكرنا هو الاقرب في هذا المجال فالاحتياط فيها مطلوب على كل حال. والله العالم.
(الثالثة) - ان يتبين الانحراف بعد الفراغ من الصلاة وكان الانحراف في ما بين اليمين واليسار، ولا خلاف في صحة الصلاة في الصورة المذكورة ونقل الفاضلان اجماع اهل العلم على ذلك. ويدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه انحرف عن القبلة يمينا وشمالا ؟ فقال قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول من صلى على غير القبلة وهو يرى انه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا اعادة عليه إذا كان في ما بين المشرق والمغرب ". ويعضده ايضا ما تقدم من صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " لا صلاة إلا إلى القبلة: قال قلت اين حد القبلة ؟ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله ".
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 10 من القبلة.
[ 435 ]
وذكر المشرق والمغرب في هذه الاخبار بناء على قبلة العراقي فذكرهما انما جرى مجرى التمثيل. إذا عرفت ذلك فاعلم ان كثيرا من عبارات المتقدمين هنا مطلقة في وجوب الاعادة في الوقت إذا صلى لغير القبلة من غير تفصيل بين ظهور القبلة إلى ما بين اليمين واليسار أو ما زاد على ذلك، قال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: ومن اخطأ القبلة أو سها عنها ثم عرف ذلك والوقت باق اعاد فان عرفه بعد خروج الوقت لم يكن عليه اعادة في ما مضى اللهم إلا ان يكون قد صلى مستدبر القبلة. وقال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: وإذا صلى البصير إلى بعض الجهات ثم تبين انه صلى إلى غير القبلة والوقت باق اعاد الصلاة. وقال في النهاية: فان صلاها ناسيا أو شبهة ثم تبين انه صلى إلى غير القبلة وكان الوقت باقيا وجب عليه اعادة الصلاة. وقريب منها كلامه في الخلاف وكذا كلام ابن زهرة وابن ادريس. ولعل مرادهم من الصلاة إلى غير القبلة ما لم يكن في ما بين المشرق والمغرب كما ذكره بعض الاصحاب لما اشتهر في الاخبار وكلام الاصحاب من ان ما بين المشرق والمغرب قبلة وايد بايراد الشيخ الرواية المتضمنة لذلك في شرح كلام الشيخ المفيد المتقدم من غير تعرض للكلام عليه. وبالجملة فان حمل كلامهم على ظاهره مع ما عرفت من هذه الاخبار بعيد غاية البعد فلابد من ارتكاب التأويل فيه بما ذكرنا.
(الرابعة) - الصورة بحالها مع تبين الانحراف إلى اليمين والشمال، والمشهور في كلام الاصحاب بل ادعى عليه الفاضلان في المعتبر والمنتهى الاجماع الاعادة في الوقت لا في خارجه. واستدلوا على الاول بانه قد اخل بشرط الواجب وهو الاستقبال والوقت باق فيبقى تحت عهدة الخطاب كما لو اخل بطهارة الثوب ونحوها. واما على الثاني فبان القضاء فرض جديد يتوقف على الدليل وحيث لا دليل فلا قضاء
[ 436 ]
وبصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا صليت وانت على غير القبلة واستبان لك انك صليت على غير القبلة وانت في وقت فاعد وان فاتك الوقت فلا تعد ". وصحيحة سليمان بن خالد (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون في قفر من الارض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يضحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع ؟ قال ان كان في وقت فليعد صلاته وان كان قد مضى الوقت فحسبه اجتهاده " وصحيحة يعقوب بن يقطين (3) قال: " سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة ثم طلعت الشمس وهو في وقت أيعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة ؟ وان كان قد تحرى القبلة بجهده أتجزئه صلاته ؟ فقال يعيد ما كان في وقت فإذا ذهب الوقت فلا اعادة عليه ". وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (4) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل اعمى صلى على غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد وان كان قد مضى الوقت فلا يعد. قال وسألته عن رجل صلى وهي متغيمة ثم تجلت فعلم انه صلى على غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد وان كان الوقت قد مضى فلا يعد ". ورواية محمد بن الحصين (5) قال: " كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الارض ولا يعرف القبلة فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة أيعتد بصلاته ام يعيدها ؟ فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت أو لم يعلم ان الله تعالى يقول وقوله الحق: فاينما تولوا فثم وجه الله ؟ " (6). وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك قبل ان تصبح انك صليت على غير القبلة فاعد صلاتك ".
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 11 من القبلة. (6) سورة البقرة، الآية 109.
[ 437 ]
وتقريب الاستدلال بها ان المراد انه صلى الصبح على غير القبلة واستبان له ذلك قبل الاسفار أو طلوع الشمس فقوله: " قبل ان تصبح " اشارة إلى ذلك. واما حملها على ان الفائت العشاءان وان الامر بالاعادة قبل الصبح يعني الفجر الثاني لامتداد وقت العشاءين إلى ذلك الوقت في المضطر كما تقدم القول به فبعيد، وقد تقدم تحقيق المسألة في غير مقام. ثم انه لا يخفى ان هذه الاخبار كما ترى قد دلت على وجوب الاعادة في الوقت متى ظهر انه صلى على غير القبلة واطلاقها شامل لما لو كانت صلاته في ما بين المشرق والمغرب لصدق انه إلى غير القبلة مع ان الحكم ثمة كما تقدم عدم وجوب الاعادة، والاصحاب قد قيدوا اطلاق هذه الاخبار ولاسيما صحيحة معاوية بن عمار التي هي الاصل في الاستدلال فاخرجوا من هذا الاطلاق ما بين المشرق والمغرب بتلك الاخبار. ولقائل ان يقول ان بين اخبار الطرفين عموما وخصوصا من وجه. فكما ان هذه الاخبار عامة بالنسبة إلى الصلاة إلى غير القبلة إلا انها مفصلة بالنسبة إلى الوقت وخارجه وتلك الاخبار مطلقة بالنسبة إلى الوقت وخارجه وخاصة بالنسبة إلى القبلة التي حصل فيها الانحراف وهي ما بين المشرق والمغرب، فكما يمكن ارتكاب التخصيص المذكور الذي بنى عليه الاستدلال بالاخبار في الموضعين كذلك يمكن تخصيص تلك الاخبار بالصلاة في خارج الوقت كما فصلته هذه الاخبار وابقاؤها على اطلاقها بالنسبة إلى القبلة فيقال بوجوب الاعادة في الوقت متى صلى إلى غير القبلة باي نحو كان وان كان في ما بين المشرق والمغرب، ولا يتم الاستدلال بتلك الروايات على ما ذكروه فلابد لترجيح الاول من دليل، ولعل ما تقدم نقله عن كثير من عبارات المتقدمين من اطلاقهم وجوب الاعادة في الوقت مبني على ما ذكرناه هنا. واستدل العلامة في المنتهى على ترجيح الاول بوجهين (احدهما) - موافقة الاصل وهو براءة الذمة إذ لو حملنا حديث معاوية على ما ذكرتم لزمت الاعادة لمن صلى
[ 438 ]
بين المشرق والمغرب في الوقت والاصل عدمه.
(الثاني) - انا نمنع تخصيص ما ذكرتم من الاحاديث اصلا لان قوله (عليه السلام) " ما بين المشرق والمغرب قبلة " ليس مخصصا للحديث الدال على وجوب الاعادة في الوقت دون خارجه لمن صلى إلى غير القبلة إذا قصى ما يدل عليه ان ما بين المشرق والمغرب قبلة، بل لقائل ان يقول ان قوله: " إذا صليت وانت على غير القبلة " يتناول لفظ القبلة فيه ما بين المشرق والمغرب ايضا. انتهى. اقول: لا يخفى ما فيه، اما الاستناد إلى الاصل كما ذكره فمعارض بان الاصل شغل الذمة بالعبادة وهذا اصل متيقن لا مناص عنه فلا يحكم ببراءة الذمة إلا بيقين مثله والاخبار هنا متعارضة كما عرفت والوقت باق والخطاب متوجه فلا يتيقن براءة الذمة إلا بالاعادة في الوقت. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه ولا يتطرق إليه الايراد من خلفه ولا من بين يديه. واما منع التخصيص فلا يخفى ما فيه فاني لا اعرف لكلامه هنا وجه استقامة ولعل النسخة التي عندي لا تخلو من غلط، ووجه الاشكال كما ذكرنا زيادة على ما قدمنا ان صحيحة معاوية المشار إليها قد دلت على ان من صلى بظن القبلة ثم تبين انحرافه إلى ما بين اليمين والشمال فقد صحت صلاته لان ما بين المشرق والمغرب قبلة، وتبين الانحراف عن القبلة اعم من ان يكون في الوقت أو خارجه فيمكن تقييد هذا العموم بما فصلته تلك الاخبار من ان من صلى إلى غير القبلة ثم تبين ذلك فان كان في الوقت اعاد وان كان خارج الوقت فلا اعادة عليه بان يحمل تبين الانحراف بعد خروج الوقت، وحينئذ فتجب الاعادة في الوقت وان كان فيما بين اليمين واليسار. وهذا ايضا بحمد الله سبحانه ظاهر لا مرية فيه. وبالجملة فاني لا اعرف لهم دليلا على ما ذكروه زيادة على الاجماع المدعى في تلك المسألة. نعم قوله في صحيحة معاوية " ثم ينظر بعد ما فرغ " ربما اشعر بكون ظهور الانحراف في الوقت بالحمل على البعدية القريبة كما هو المتبادر. هذا اقصى ما يمكن ان
[ 439 ]
يقال في المقام والله سبحانه واولياؤه العالمون بحقائق الاحكام.
(الخامسة) - الصورة المتقدمة مع تبين الانحراف إلى دبر القبلة، والمشهور بين المتأخرين وبه قال السيد المرتضى والمحقق واكثر من تأخر عنه - ان حكم هذه الصورة كسابقتها من الاعادة في الوقت خاصة دون خارجه، وقال الشيخان بالاعادة في الوقت والقضاء في خارجه وتبعهما جمع من الاصحاب كابن البراج وابي الصلاح وسلار وابن زهرة. واستدل الاولون باطلاق صحاح الاخبار المتقدمة في سابق هذه الصورة فانها كما دلت باطلاقها على حكم اليمين واليسار دلت على حكم الاستدبار لصدق الصلاة إلى غير القبلة في الموضعين فيجب العمل بها على اطلاقها إلى ان يقوم المخصص وليس فليس. ونقل عن الشيخ انه احتج بموثقة عمار المتقدمة في الصورة الاولى، ولا يخفى ما فيه فان مورد الرواية من علم في اثناء الصلاة بانه صلى إلى غير القبلة فانه يقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة وهو صريح في كون ذلك في الوقت. نعم ربما يمكن الاستدلال على ما ذهبوا إليه برواية معمر بن يحيى (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة وقد دخل في وقت صلاة اخرى ؟ قال يعيدها قبل ان يصلي هذه التي قد دخل وقتها ". واجيب عنها بضعف السند وعدم المعارضة لما تقدم من الاخبار الصحاح المتكاثرة المتعاضدة الدالة على عدم الاعادة بعد خروج الوقت فيجب حملها اما على من صلى بغير اجتهاد مع التمكن منه واما يحمل قوله: " وقد دخل في وقت صلاة اخرى " على وقت الفضيلة فيحمل على وقت صلاتين مشتركتين كالظهرين والعشاءين بان يدخل وقت فضيلة الثانية، على انه غير معمول به على اطلاقه لدلالته على الاعادة ايضا بالنسبة إلى ما كان إلى اليمين والشمال وقد عرفت ان لا قائل به.
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من القبلة.
[ 440 ]
واما ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " لا صلاة إلا إلى القبلة. قال قلت اين حد القبلة ؟ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله. قال قلت فمن صلى لغير القبلة في يوم غيم أو في غير الوقت ؟ قال يعيد " فيجب حمله على الاعادة في الوقت جمعا بينه وبين الاخبار المتكاثرة المتقدمة المفصلة حمل المطلق على المقيد. والله العالم.
تنبيهات:
(الاول) - هل المصلي إلى جهة ناسيا كالظان في الاحكام المتقدمة ؟ قيل نعم وبه قطع الشيخ في بعض كتبه لعموم " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " (2) وقيل لا لان خطأه مستند إلى تقصيره بخلاف الظان. قال في المدارك: وكذا الكلام في جاهل الحكم، ثم قال والاقرب الاعادة في الوقت خاصة لا خلاله بشرط الواجب دون القضاء لانه فرض مستأنف. انتهى. وقال في الذكرى: هل المصلى إلى جهة ناسيا كالظان في الاحكام ؟ قطع به الشيخان لعموم " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " وضعفه الفاضلان لانه مستند إلى تقصيره بخلاف الظان. والاقرب المساواة لشمول خبر عبد الرحمان للناسي. اما جاهل الحكم فالاقرب انه يعيد مطلقا إلا ما كان بين المشرق والمغرب لانه ضم جهلا إلى تقصيره ووجه المساواة الناس في سعة ما لم يعلموا (3). انتهى. اقول: لا يخفى ان اطلاق الاخبار المتقدمة في الصورة الرابعة من صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله وصحيحة سليمان بن خالد شامل للظان والناسي وبه يظهر قرب مساواة الناسي للظان كما اختاره في الذكرى إلا انه سيأتي ان شاء الله تعالى في
(1) الوسائل الباب 9 من القبلة. (2) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس. (3) راجع ج ص 43.
[ 441 ]
بحث قواطع الصلاة وان الالتفات من جملتها في اخبار تلك المسألة ما يظهر منه المنافاة وبه تصير المسألة في قالب الاشكال كما سنكشف لك ان شاء الله تعالى عن حقيقة الحال في البحث المشار إليه.
(الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يتعدد الاجتهاد بتعدد الصلاة إلا إذا حصل شك في الاجتهاد الاول، ونقل في المدارك عن الشيخ في المبسوط انه اوجب التجديد دائما لكل صلاة ما لم تحضره الامارات، للسعي في اصابة الحق، ولان الاجتهاد الثاني ان خالف الاول وجب المصير إليه لان تغير الاجتهاد لا يكون إلا لامارة اقوى من الاولى واقوى الظنين اقرب إلى اليقين وان وافقه تأكد الظن. ثم قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو جيد ان احتمل تغير الامارات. اقول: لا يخفى ان ظاهر هذا النقل ان جميع ما اشتمل عليه من الدعوى والدليلين المذكورين عين كلام الشيخ في المبسوط مع انه ليس كذلك كما لا يخفى على من راجع الكتاب المذكور، وهذه صورة عبارة الكتاب: يجب على الانسان ان يتتبع امارات القبلة كلما اراد الصلاة عند كل صلاة، اللهم إلا ان يكون قد علم ان القبلة في جهة بعينها أو ظن ذلك بامارات صحيحة ثم علم انها لم تتغير جاز حينئذ التوجه إليها من غير ان يجدد اجتهاده في طلب الامارات. انتهى. وانت خبير بما بين الكلامين من المباينة لفظا ومعنى، اما لفظا فظاهر، واما معنى فلان مرجع هذا الكلام إلى ان التجديد مخصوص بصورة احتمال تغير الامارات لا مطلقا كما هو ظاهر النقل المذكور، فلو علم انها لم تتغير سقط الاجتهاد كما استجوده في المدارك وقيد به كلام الشيخ (قدس سره) وبذلك صرح في المنتهى نقلا عن الشيخ، وظاهره الجمود عليه حيث قال: لو صلى عن اجتهاد إلى جهة ثم اراد ان يصلي اخرى قال الشيخ في المبسوط يعيد اجتهاده إلا إذا علم ان الامارات لم تتغير وهو قول الشافعي واحمد (1) وظاهره كما ترى - الموافقة لما نقله عن الشيخ وهو
(1) المهذب ج 1 ص 67، والمغنى ج 1 ص 445.
[ 442 ]
خلاف النقل المتقدم، فليتأمل في مثل هذه النقول وليراجع في تحقيق ذلك المنقول.
(الثالث) - قال في المدارك: لو تغير اجتهاد المجتهد في اثناء الصلاة انحرف وبنى ان كان لا يبلغ موضع الاعادة وإلا اعاد. ولو تغير اجتهاده بعد الصلاة لم يعد ما صلاه إلا مع تيقن الخطأ، قال في المنتهى ولا نعلم فيه خلافا. انتهى. اقول: الانسب بقواعدهم في التفريع هو تفريع هذه المسألة على مسألة من صلى ظانا ثم تبين الخطأ في ظنه بالعلم بالقبلة بعد ذلك من التفصيل الذي تقدم بين ما إذا كان ظهور الخطأ في الاثناء فانه ينحرف لو ظهرت صلاته بين اليمين واليسار ويعيد لو خرجت عن ذلك وان كان بعد الفراغ لكن في الوقت لا في خارجه تنزيلا لهذا الظن المتجدد منزلة العلم في تلك المسألة، وإلا فالقول بوجوب الاعادة إذا ظهر الخطاء في الاثناء دون ما بعد الفراغ مما لا يظهر له وجه، فان الموجب للاعادة في البعض موجب للاعادة في الكل، وما مضى من الصلاة ان كان صحيحا بناء على الاجتهاد الاول لانه دخل فيها دخولا مشروعا - كما ذكره سابقا في الفرع الذي ذكرناه في التنبيه المتقدم - فالواجب الاستدارة نحو القبلة دون الابطال في الموضعين، وان كان ما صلاه اولا صار باطلا بظهور الاستدبار أو محض اليمين والشمال فيجب الاعادة من رأس فهو آت ايضا في ما بعد الفراغ للعلة المذكورة والوقت باق فخطاب التكليف متوجه لانه مأخوذ عليه ان يأتي في الوقت بصلاة صحيحة وهذه قد ظهر بطلانها بالاستدارة، بل البطلان في صورة الفراغ اظهر منه في ما لو كان في الاثناء لامكان التدارك في الباقي على الثاني بخلاف الاول فان الجميع ظهر على غير القبلة. نعم لو خرج الوقت قبل تغير الاجتهاد اتجه عدم الاعادة لتوقفها على امر جديد. (فان قيل) انهم قد صرحوا بانه لو تغير اجتهاده لصلاة العصر مثلا بعد ان صلى الظهر بالاجتهاد الاول لم يجب عليه اعادة الظهر مع ان الوقت باق (قلنا) نعم قد صرحوا بذلك ولكن لم نقف له على دليل إلا ما ربما يدعى من الاجماع والبحث في الدليل الشرعي من النصوص.
[ 443 ]
ثم ان ظاهر قوله في المدارك في آخر العبارة: " قال العلامة في المنتهى: ولا نعلم فيه خلافا " راجع إلى ما ذكره من التفصيل في المسألة، وعبارة المنتهى لا تساعد على ذلك فان حكم تغير الاجتهاد بعد الفراغ غير مذكور فيها حيث قال: فلو تغير اجتهاده في الصلاة فان كان منحرفا يسيرا استدار إلى القبلة واتم ولا اعادة وان كان مشرقا أو مغربا أو مستدبرا اعاد، ثم نقل عن بعض الجمهور الاعادة مطلقا (1) وقال انه ليس بجيد ثم نقل عن آخرين انه لا يرجع ويمضي على الاجتهاد الاول، قال وهؤلاء عن التحقيق بمعزل، ثم قال وكذا لو تجدد يقين بالجهة المخالفة في اثناء الصلاة استدار إليها كاهل قبا لما استداروا إلى القبلة ولا نعرف فيه خلافا. انتهى. اقول: وفي عد استدارة اهل قبا في هذه المسألة نظر لا يخفى، فان الاستدارة يومئذ انما هو لنسخ القبلة الاولى إلى قبلة ثانية فيكون ما مضى من الصلاة وقع على قبلة صحيحة اصلية وما بعد النسخ كذلك بخلاف ما نحن فيه فان تغاير القبلتين انما هو من حيث الاعتبار باجتهاد المصلي وظنه وتغير اجتهاده وحصول ظن آخرا وعلم بعد ظن وانما هي قبلة واحدة يخطئها المخطئ ويصيبها المصيب والروايات قد فصلت الاحكام المتعلقة بهذا الخطأ وهذه الاصابة في الصور المتقدمة وليس الامر في ما ذكره كذلك كما لا يخفى.
(الرابع) - قال في المدارك: لو خالف المجتهد اجتهاده وصلى فصادف القبلة لم تصح صلاته لعدم اتيانه بالمأمور به. وقال الشيخ في المبسوط بالاجزاء لان المأمور به هو التوجه إلى القبلة وقد اتى به. وهو ممنوع إذ المعتبر البناء على اجتهاده ولم يفعل فيبقى في عهدة التكليف. انتهى. اقول: قد تتبعت كتاب المبسوط في باب القبلة فلم اقف على هذا الفرع فيه،
(1) في المهذب ج 1 ص 67 الاجزاء إذا بان ان القبلة في اليمين أو الشمال. وفي البدائع ج 1 ص 119 نفى الخلاف في ذلك، ثم قال وان ظهر انه مستدبر الكعبة يجزئه عندنا وعند الشافعي لا يجزئه.
[ 444 ]
وكونه في غير الباب المذكور أو النقل عن المبسوط وقع سهوا وانما هو في غيره ممكن إلا ان الشهيد في الذكرى نقل ذلك عن المبسوط ايضا ولعله في غير الباب المذكور. ثم ان ما ذكره السيد السند (قدس سره) من المناقشة فيما نقله عن الشيخ (قدس سره) جيد على اصول جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقواعدهم إلا انه خلاف ما اختاره في ما تقدم في مسألة من صلى قبل الوقت جاهلا أو ساهيا حيث قال - بعد ان صرح بان الوجه الموجب للبطلان في الجميع عدم صدق الامتثال الموجب لبقاء المكلف تحت العهدة - ما لفظه: ولو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الاجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، ومن مطابقة العبادة لما في نفس الامر وصدق الامتثال. والاصح الثاني وبه قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى، قال وكذا البحث في كل من اتى بما هو الواجب في نفس الامر وان لم يكن عالما بحكمه.. إلى آخره فانه لا يخفى ان المسألتين من باب واحد لاشتراكهما في ان الدخول في كل منهما بحسب الظاهر ليس بشرعي ولكن قد اتفق مصادفة الصلاة في الواقع لما امر به الشارع فان كانت المطابقة الواقعية مجزئة كما ذكره في تلك المسألة فههنا كذلك فلا معنى لرده على الشيخ وإلا فلا في الموضعين فلا وجه لما صار إليه في تلك المسألة.
(الخامس) - قال في الذكرى: لو اختلف المجتهدون صلوا فرادى لا جماعة لان المأموم ان كان محقا في الجهة فسدت صلاة امامه وإلا فصلاته فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين. واحتمل الفاضل صحة الاقتداء كالمصلين حال شدة الخوف ولانهم كالقائمين حول الكعبة يستقبل كل واحد منهم جهة غير جهة الآخر مع صحة الصلاة جماعة. ويمكن الجواب بمنع الاقتداء حالة الشدة مع اختلاف الجهة، ولو سلم فالاستقبال هنا ساقط بالكلية بخلاف المجتهدين، والفرق بين المصلين إلى نواحي الكعبة وبين المجتهدين ظاهر للقطع بان كل جهة قبلة هناك والقطع بخطأ واحد هنا، وكذا نقول في صلاة الشدة ان كل جهة قبلة. انتهى.
[ 445 ]
واجاب في المدارك عن الفرق المذكور بانه يمكن دفعه بان الخطأ انما هو في مصادفة الصلاة لجهة الكعبة لا للجهة التي يجب استقبالها للقطع بان فرض كل منهم استقبال ما ادى إليه الاجتهاد وان كانت خلاف جهة الكعبة. انتهى. اقول: الكلام في هذا المقام يقع في موضعين: (احدهما) - ان الظاهر من كلامهم ان المراد بهذه الجهة التي متى اختلف المجتهدون فيها لم يأتم بعضهم ببعض هي ما بين اليمين واليسار كملا، وهو ضعيف (1) لان الذي يظهر من عباراتهم ويلوح من اشاراتهم ان التيامن والتياسر اليسير لا يخرج عن القبلة وفسروه بما بين المغرب والمشرق، ولهذا حكموا بصحة صلاة من ظهرت صلاته إلى تلك الجهة بعد الفراغ والاستدارة في الاثناء وما ذاك إلا من حيث كونها قبلة، ويدل عليه باوضح دلالة الاخبار الدالة على ان ما بين المشرق والمغرب قبلة كما تقدم، قال شيخنا المشار إليه في الذكرى بعيد هذا الكلام المتقدم نقلة: لو اختلف الامام والمأموم في التيامن والتياسر فالاقرب جواز الاقتداء، لان صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء والاختلاف هنا يسير، ولان الواجب مع البعد الجهة هنا. وقال في موضع آخر: لو صلى باجتهاد إلى جهة أو لضيق الوقت ثم تبين الانحراف يسيرا استقام بناء على ان القبلة هي الجهة، ولقول الصادق (عليه السلام) (2) " ما بين المشرق والمغرب قبلة " ولو تبين الانحراف الكثير استأنف، وظاهر الاصحاب ان الكثير ما كان على سمت اليمين أو اليسار لرواية عمار، ثم نقل موثقة عمار المتقدمة في الصورة الاولى. وهذه الكلمات إذا ضمت بعضها إلى بعض ظهر لك منها ما قلنا وهو بظاهره مدافع لما ذكره (قدس سره) في تعريف الجهة حيث قال انها هي السمت الذي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق الجهة كما قال بعض العامة ان الجنوب قبلة لاهل الشمال وبالعكس والمشرق قبلة لاهل المغرب وبالعكس، لانا نتيقن الخروج هنا عن القبلة وهو
(1) جملة " وهو ضعيف " ليست موجودة في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية. (2) الوسائل الباب 9 و
[ 446 ]
ممتنع. وهذه عبارته ثمة ولا ريب في ظهور المدافعة بين الكلامين في المقامين. وبالجملة فان كلامهم في تحقيق الجهة لما كان مبنيا على الامارات الرياضية وهي بظاهرها مخالفة لظواهر الاخبار المعصومية وقع هذا الاضطراب في كلامهم وجرى الاختلاف على رؤوس اقلامهم، والمستفاد من النصوص كما عرفت هو الاتساع في امر القبلة سيما اخبار " ما بين المشرق والمغرب قبلة " وبعضها وان كان ورد في قبلة الظان إلا ان الآخر في تفسير القبلة مطلقا كما تقدم ولهذا مال بعض الاصحاب إلى القول بظاهره، والمستفاد من البناء على العلامات الرياضية التي اوجبوا الرجوع إليها والبناء عليها هو الضيق فيها، والانحراف يمينا وشمالا على الوجه الذي اعترفوا بكونه يسيرا وانه غير مضر بالصلاة ولا القدوة انما يتم على تقدير العمل بالاخبار لا العمل بالامارات الرياضية، فانه متى كان الواجب مثلا في بعض المواضع جعل الجدي بين الكتفين الموجب لكون القبلة نقطة الجنوب فلو انحرف عنها يمينا أو شمالا كانت صلاته إلى غير القبلة ووجبت الاعادة وقتا وخارجا مطلقا كما يقتضيه ثبوت ان القبلة مخصوصة بهذه الجهة المعينة مع انهم لا يقولون به على الاطلاق والاخبار لا تساعده بل ترده بالاتفاق، فكيف يتم جعله قبلة مطلقا كما هو مقتضى تلك العلامات ؟ وحكمه (قدس سره) بصحة الاقتداء مع اختلاف الامام والمأمومين في التيامن والتياسر لا يتم بناء على تعين الجهة بهذه العلامة المذكورة ونحوها نعم انما يتم بناء على ظواهر الاخبار المشار إليها. وبالجملة فان كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تدافع ظاهر لذوي الافهام. و (ثانيهما) - ان ما علل به في الذكرى بطلان الاقتداء في الصورة المذكورة الظاهر انه مبني على ما هو المشهور في كلامهم من ان الصحة والبطلان منوطان بمطابقة الواقع وعدمه وان كان بحسب الشرع متعبدا بظنه، وحينئذ فغاية ما تفيده عبادته مع عدم ظهور فسادها هو سقوط القضاء وعدم المؤاخذة، لان حاصل دليله هنا ان المأموم ان كان محقا اي ان صلاته مطابقة للقبلة الواقعية فصلاة الامام فاسدة واقعا
[ 447 ]
لاختلاف الجهتين وان كانت صحيحة مسقطة للقضاء في اعتقاده وإلا فصلاته هي الباطلة لعدم المطابقة، وبالجملة فانه يقطع هنا بفساد واحدة لا بعينها لعدم المطابقة للقبلة الواقعية. وبذلك يظهر لك ما في جواب صاحب المدارك عن الفرق الذي ذكره شيخنا المذكور، وتوضيحه انه لا ريب ان قبلة البعيد عندهم انما هي جهة الكعبة والاجتهاد انما يقع في تحصيلها فكل من كل اجتهاده مؤديا لها فهو مصيب ومن لم يكن كذلك فهو مخطئ ومجرد كون فرض كل منهم العمل باجتهاده لا يستلزم صحة ما يأتي به مطلقا بل يجب تقييده بمطابقة الواقع بمقتضى تصريحاتهم في امثال هذا المقام، فانه متى اجتهد واتفق مطابقة اجتهاده للقبلة الواقعية فالصلاة صحيحة مقبولة من هذه الجهة يثاب عليها كالصلاة المعلوم توجهها إلى القبلة وإلا كانت بحسب الظاهر صحيحة مسقطة للقضاء ما لم ينكشف الخطأ وان كانت عند غيره ممن يحكم بخطأه باطلة لتقصيره في الاجتهاد، غاية الامر ان كلا منهم يدعي الاصابة في اجتهاده وتخطئة من سواه لان المصيب حينئذ حقيقة واحد لا غير وان كان مجهولا والثاني يكون مخطئا، وصحة الصلاة المترتبة على مطابقة الواقع انما تثبت للمصيب واقعا والثانية باطلة. ونظير هذه المسألة ما ذكروه في الاجتهاد في الاحكام الشرعية بالادلة المقررة من ان حكم الله تعالى في المسألة واحد فمتى اختلف المجتهدون في الحكم في تلك المسألة لا يجوز ان يقال ان كلا منهم مصيب وان حكم الله في المسألة هو الذي ادى إليه اجتهاد المجتهد إلا على قول ضعيف مرغوب عنه بل يجب ان يقال حكم الله واحد يصيبه المصيب ويخطئه المخطئ. بقى الكلام في المؤاخذة على هذا الخطأ وعدمها وفيه تفصيل حققناه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في شرح مقبولة عمر بن حنظلة. ثم انه يأتي على تقدير ما اجاب به السيد المذكور انه لو كان الامام يعتقد استحباب السورة والقنوت مثلا والمأموم يعتقد وجوبهما فانه يجوز له الاقتداء به وان ترك السورة والقنوت لاستحبابهما عنده بتقريب ما ذكره من انه مكلف بظنه واجتهاده
[ 448 ]
فصلاته صحيحة عند نفسه، مع ان الظاهر ان الامر ليس كذلك لان المأموم يعتقد بطلان الصلاة بتركهما لوجوبهما عنده وينسب الامام إلى الغلط في اجتهاده ويحكم بخطأه وبذلك يظهر قوة القول المشهور. الا انه يمكن تطرق الاشكال إلى اصل ما بنى عليه هذا الكلام من القاعدة المشهورة بينهم وهو ان الحكم بالصحة والبطلان دائر مدار مطابقة الواقع وعدمها بما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة من ان الحكم بالطهارة والنجاسة والحل والحرمة والصحة والبطلان ليست منوطة بالواقع ونفس الامر، فان الشارع لم ينط الاحكام بالواقع ونفس الامر لانه تكليف بما لا يطاق إذ لا يعلمه سواه سبحانه وانما جعلها منوطة بنظر المكلف وعلمه، وعلى هذا فالظاهر ما علم المكلف بطهارته التي هي عبارة عن عدم العلم بالنجاسة لا العلم بالعدم ومثله الحلية ونحوهما. وكذا لو صلى في ثوب نجس أو صلى إلى غير القبلة واقعا أو نحو ذلك من شرائط الصلاة مع كون الصلاة في اعتقاده مستكملة لشرائط الصحة فانها صحيحة يثاب عليها كما يثاب على الصلاة المستكملة الشروط ولا يقال انها صحيحة بحسب الظاهر باطلة بحسب الواقع كما يدعونه لانه لا واقع لها هنا إلا باعتبار علم المكلف وعدمه لا باعتبار ما كان في علم الله تعالى فانا غير مكلفين به وهو غير متيسر لنا فكيف يجعل الله سبحانه صحة عباداتنا وبطلانها مرتبا عليه ؟ وعلى هذا فينبغي ان يقال ان بطلان صلاة الجماعة في هذه الصورة ليس من حيث ما ذكره من ان المأموم ان كان محقا في الجهة.. إلى آخر ما ذكره مما اوضحنا بيانه وبينا انه مبني على تلك القاعدة المشهورة في كلامهم فانها غير مسلمة لما عرفت، بل من حيث ان كلا منهما مكلف شرعا بما ادى إليه اجتهاده فاقتداء المأموم في هذه الصورة عمل بغير ما كلف به شرعا لا من حيث بطلان صلاة احدهما واقعا. والتحقيق في هذا المقام ان يفرق بين الاحكام الشرعية وموضوعاتها فيقال بان حكم الله تعالى في الاحكام الشرعية من وجوب وتحريم ونحوهما حكم واحد لا يتغير ولا يتبدل يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه وان الصحة والبطلان والثواب والعقاب منوطة
[ 449 ]
بمطابقته وعدم مطابقته وان المكلف غير معذور في خطأه وعدم اصابته إلا في صورة مخصوصة تقدمت الاشارة إلى ذكرها في الكتاب المشار إليه آنفا. فعلى هذا لا يجوز لمن اداه اجتهاده واستنباطه من الادلة الشرعية إلى وجوب السورة مثلا أو وجوب القنوت ان يقتدي بمن يتركهما لاعتقاده استحبابهما، ولا لمن يعتقد نجاسة الماء القليل بالملاقاة ان يقتدي بمن تطهر بماء نجس بالملاقاة لاعتقاده عدم انفعاله بذلك، ونحو ذلك لاعتقاده بطلان صلاته في جميع هذه المواضع وخطأه في اجتهاده وعدم مطابقة اجتهاده لما هو حكم الله تعالى في الواقع في اعتقاده وان كان الآخر ايضا يحكم بصحة اجتهاده في نفسه ومطابقته للواقع. واما حكم الله تعالى في موضوعات الاحكام كما في محل البحث ونظائره فانه ليس له واقع سوى علم المكلف وعدمه فهو متعدد بتعدد العلم وعدمه فيقال ان هذا الشئ طاهر بالنسبة إلى من لا يعلم نجاسته ونجس بالنسبة إلى من يعلم وحلال بالنسبة إلى من لا يعلم بالحرمة وحرام بالنسبة إلى العالم وهذه الصلاة صحيحة بالنسبة إلى من استكمل شرائطها ظاهرا وان كانت واقعا ليست كذلك وباطلة بالنسبة إلى من لم يستكمل ظاهرا وان استكمل واقعا، فالاقوى كما تقدم الصحة وان كان المشهور البطلان وحينئذ فلا يحكم ببطلان عبادة من اختل بعض شروط عبادته واقعا مع ظهور عدم الاختلال في اعتقاده لانه لا واقع هنا وراء ظنه واعتقاده، إلا ان عدم جواز الاقتداء انما نشأ من شئ آخر كما عرفت وهو وجوب العمل على المجتهد بما ادى إليه اجتهاده لا من حيث البطلان. والله العالم.
(السادس) - قال في المنتهى: لو صلى الاعمى من غير تقليد بل برأيه ولم يستند إلى امارة يعلمها فان اخطأ اعاد وان اصاب قال الشيخ لا يعيد وقال الشافعي يعيد (1) احتج الشيخ (قدس سره) بانه امتثل ما امر به من التوجه نحو المسجد الحرام
(1) المهذب ج 1 ص 67.
[ 450 ]
فيكون مجزئا، ولان بطلان الصلاة حكم شرعي فيقف على الدلالة وهي مفقودة. احتج الشافعي بانه لم يفعل ما امر به وهو الرجوع إلى قول الغير فجرى مجرى عدم الاصابة. وكلاهما قويان. انتهى. اقول: ظاهر كلامه هنا هو التوقف في هذه المسألة لتعارض الدليلين المذكورين عنده حيث حكم بقوتهما جميعا، وهو ظاهر المعتبر ايضا حيث قال بعد نقل قول الشيخ: وعندي في الاصابة تردد. وظاهر كلام الاصحاب هنا هو ما نقله عن الشافعي من ان دخوله في الصلاة غير مشروع لكونه مأمورا بالتقليد فلا فرق بين اصابته وعدم اصابته وقد تقدم في التنبيه الرابع تصريح صاحب المدارك بذلك وهو ظاهر المحقق في الشرائع. وبذلك صرح ايضا في الذكرى. وبالجملة فهو المشهور في كلامهم وبذلك صرح في المدارك في هذه المسألة ايضا وذكر ان الاعادة في ما إذا عول على رأيه من دون امارة ثابتة على كل حال وان ظهرت المطابقة لدخوله في الصلاة دخولا منهيا عنه. انتهى. وفيه ما عرفت في التنبيه الرابع. وظاهرهم انه لا فرق في الصحة والبطلان بين سعة الوقت وضيقه إلا ان يكون من يقلده مفقودا ولم يصل إلى حد الاستدبار فانه تصح صلاته في حال الضيق وان كان مخطئا. ولو اصاب في صورة الضيق فالقولان المتقدمان إلا في صورة عدم وجود من يقلده فانهم قالوا بالصحة هنا قطعا. ولو صلى مقلدا ثم ابصر في اثناء الصلاة فان كان عاميا استمر على تقليده لان حكم العامي والاعمى واحد في الرجوع إلى التقليد، وان كان مجتهدا اجتهد فان وافق ما استقبله فلا اشكال وان انحرف وظهر انحرافه بين المشرق والمغرب استدار وان كان ما استقبله فلا اشكال وان انحرف وظهر انحرافه بين المشرق والمغرب استدار وان كان إلى محض اليمين واليسار اعاد واولى منه صورة الاستدبار، ولو افتقر في الاجتهاد إلى زمان طويل يخرج به عن الصلاة فهل يقطع الصلاة أو يبني على ما فعل ويسقط الاجتهاد في هذه الحال ؟ اشكال وبالثاني صرح في الذكرى، قال لانه في معنى العامي لتحريم قطع
[ 451 ]
الصلاة والظاهر اصابة المخبر ويقوى مع كونه مخبرا عن علم بل يمكن هنا عدم الاجتهاد. وبالاول صرح في المعتبر احتياطا وكذلك الشيخ في المبسوط إلا انه قال بعد ان صرح بالاستئناف: لان ذلك عمل كثير في الصلاة ولو قلنا انه يمضي فيها لانه لا دليل على انتقاله كان قويا غير ان الاحوط للعبادة الاول. ولو دخل بصيرا في الصلاة ثم عمى اتم صلاته فان انحرف عمدا عن السمت الذي صلى إليه بطلت صلاته وان اتفق ذلك وامكنه الاستقامة استقام ما لم يكن قد خرج إلى حد الابطال المتقدم، وان لم يمكنه فان اتفق من يسدده عول عليه وينتظره ان لم يخرج عن كونه مصليا وإلا فالاقرب البطلان. والله العالم.
<>