تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السابع


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة الخامسة

في لباس المصلى

وفيه مطالب:

(الاول) في ما يجب ستره وما يتعلق به من الاحكام في المقام وفيه مسائل:

(الاولى) - اجمع العلماء كافة على وجوب ستر العورة في الصلاة، ويدل عليه مضافا إلى الاجماع المذكور جملة من الاخبار تصريحا في بعض وتلويحا في آخر: ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقى عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلي ؟ قال ان اصاب حشيشا يستر به عورته اتم صلاته بالركوع والسجود وان لم يصب شيئا يستر به عورته اومأ وهو قائم ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه ؟ فقال يصلي ايماء فان كانت امرأة جعلت يدها على فرجها وان كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من لباس المصلى


[ 3 ]

فيومئان ايماء ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما ايماء برؤوسهما... الحديث " ونحوها من احاديث العراة واخبار صلاتهم جماعة وان الامام يجلس وسط الصف ويتقدم بركبتيه. والتقريب فيها انه لو لم يكن الستر واجبا فيها وشرطا في صحتها لما سقط لاجل فقده جملة من اركان الصلاة المتفق نصا وفتوى بل ضرورة من الدين على وجوبها في الصلاة وهي القيام والركوع والسجود كما عرفت من الخبر المذكور وامثاله. وبالجملة فانه لا اشكال ولا خلاف في الحكم المذكور وانما الخلاف هنا وقع في مقامين آخرين: (احدهما) - انه هل الستر شرط مع الذكر خاصة أو مطلقا ؟ صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى بالاول، قال في المعتبر: لو انكشفت العورة ولم يعلم سترها ولم تبطل صلاته تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل كثيرا كان المنكشف أو قليلا، لسقوط التكليف مع عدم العلم. انتهى. وقال في المنتهى. لو انكشفت عورته في اثناء الصلاة ولم، يعلم صحت صلاته لانه مع عدم العلم غير مكلف. والى ذلك مال السيد السند في المدارك، وهو الظاهر لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) " في الرجل يصلي وفرجه خارج لا يعلم به هل عليه اعادة ؟ قال لا اعادة عليه وقد تمت صلاته " ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (2). وقال ابن الجنيد على ما نقله عنه في المختلف: لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد اعاد ما كان في الوقت فقط. ونقل عنه الاحتجاج بما حاصله ان الستر شرط للصحة وقد انتفى فوجبت الاعادة لعدم حصول الامتثال، واما القضاء فغير واجب لانه بامر جديد ولم يثبت. واعترض عليه بان الستر شرط للصحة مع التذكر لا مطلقا. وهو


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من لباس المصلى


[ 4 ]

جيد للصحيحة المتقدمة إذ مفهومها ذلك ولولاها لكان قوله جيدا لان الخطاب في الوقت متوجه حتى يأتي بصلاة مستكملة الشروط والقضاء يحتاج إلى امر جديد. ونقل عن الشيخ في المبسوط انه قال فان انكشفت عورتاه في الصلاة وجب سترهما عليه ولا تبطل صلاته سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا بعضه أو كله. وكلام الشيخ هنا مطللق، وقد اختلف كلام العلامة في التذكرة والمختلف في المراد منه فحمله في الاول على اطلاقه وشموله صورة العلم والعمد وحمله في المختلف على الانكشاف بدون العلم والعمد، وهو الاقرب المنساق إلى الذهن منها. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل عبارات الشيخ في المبسوط وابن الجنيد والمحقق في المعتبر وذكر رواية على بن جعفر المتقدمة ونقل احتجاج العلامة في المختلف لابن الجنيد وجوابه عنه - ما هذا لفظه: وكلام الشيخ والمحقق ليس فيهما تصريح بان الاخلال بالستر غير مبطل مع النسيان على الاطلاق لانه يتضمن ان الستر حصل في بعض الصلاة فلو انتفى في جميع الصلاة لم يتعرضا له بخلاف كلام ابن الجنيد فانه صريح في الامرين، والرواية تضمنت الفرج وجاز كونه للجنس فيشمل الفرجين وللوحدة، فان كان للجنس ففيه مخالفة في الظاهر لكلام ابن الجنيد وان كان للوحدة ففيه موافقة في الظاهر لكلام الجماعة، وليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية وبينها مع عدمه بعض الاعتبارات تلازم بل جاز ان يكون المقتضى للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة فلا يحصل البطلان بدونه وجاز ان يكون المقتضى للصحة ستر جميعها في جميعها فتبطل بدونه. واما تخصيص ابن الجنيد بالاعادة في الوقت فوجهه ان القضاء انما يجب بامر جديد ولم يوجد هنا. ولقائل ان يقول إذا كان الستر شرطا على الاطلاق فهو كالطهارة التي لا يفترق الحال فيها بين الوقت وخارجه. ولو قيل بان المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا والمصلي مستورا ويعرض له التكشف في الاثناء بغير قصد لا يعيد مطلقا كان قويا، نعم يجب عليه عند التذكر الستر قطعا فلو اخل به بطلت


[ 5 ]

حينئذ لا قبله. انتهى. وبمثل ما اختاره هنا صرح في الدروس والبيان. وكلامه في الذكرى يحتمل امرين (احدهما) الفرق بين الانكشاف في جميع الصلاة وبين الانكشاف في البعض. و (ثانيهما) - الفرق بين النسيان ابتداء والتكشف في الاثناء. والمعنى الثاني هو الذي فهمه صاحب المدارك فقال: واستقرب الشهيد في الذكرى والبيان الفرق بين نسيان الستر ابتداء وعروض التكشف في الاثناء والصحة في الثاني دون الاول. وهو حسن. انتهى وهو ظاهر عبارة البيان حيث قال: لو تعمد كشف العورة بطلت صلاته ولو نسى فالاقرب ذلك، ولو انكشفت في الاثناء من غير قصد ولما يعلم صحت وان علم استتر. وقيل تبطل لان الشرط قد فات والوجه عدمه. ونحو ذلك عبارته في الدروس. ورجح بعض الاصحاب حمل كلامه على المعنى الاول استنادا إلى قوله كما قدمنا: وليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية... إلى آخر العبارة. والحق ان هذا كلام في البين للرد على كلام من ذكره. وبالجملة فقد تلخص مما ذكرنا من كلامهم (رضوان الله عليهم) انه لا خلاف ولا اشكال في شرطية الستر مع الامكان والذكر فلو اخل به والحال كذلك ولو لحظة في اثناء صلاته بطلت، وانما الخلاف في وقوع ذلك سهوا فظاهر كلام الاكثر انه غير مبطل وقع في جميع الصلاة أو بعضها لما عللوه به من سقوط التكليف مع عدم العلم كما ذكره في المعتبر ونحوه عبارة المنتهى. وما ذكره في الذكرى من ان المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى لم يتعرضا إلى الانكشاف في جميع الصلاة مردود بان ذلك وان ظهر من عبارتيهما إلا ان التعليل مؤذن بالعموم. وصحيحة علي بن جعفر التي هي الاصل في هذا الحكم مطلقة في الانكشاف اعم من ان يكون في جميع الصلاة أو بعضها لاطلاق الجواب من غير استفصال وهو قرينة العموم في المقال كما ذكروه في امثال هذا المجال، فالاحتجاج بها على القول المذكور متجه سواء حمل الفرج فيها على الجنس أو الوحدة، وحينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد من التفصيل - وان تبعه فيه صاحب المدارك كما عرفت -


[ 6 ]

لا اعرف له وجها. واما ما ذهب إليه ابن الجنيد فقد عرفت ما فيه. واما كلام الشيخ في المبسوط فهو موافق لما ذكرنا ايضا بناء على ما فسرناه به. والله العالم. و (ثانيهما) - في العورة التي يجب سترها في الصلاة وعن الناظر المحترم وانها عبارة عماذا ؟ والاشهر الاظهر انها عبارة عن القبل والدبر، والمراد بالقبل الذكر والبيضتان وبالدبر حلقة الدبر التي هي نفس المخرج. ونقل عن ابن البراج انها ما بين السرة والركبة وجعله المرتضى رواية كما نقله في المنتهى. وعن ابي الصلاح انه جعلها من السرة إلى نصف الساق مع ان المحقق في المعتبر نقل الاجماع على ان الركبة ليست من العورة. ويدل على القول المشهور اخبار عديدة: منها - رواية ابي يحيى الواسطي عن بعض اصحابه عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: " العورة عورتان: القبل والدبر والدبر مستور بالاليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة ". ورواية الميثمي عن محمد بن حكيم (2) قال: " لا اعلمه إلا قال رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) أو من رآه متجردا وعلى عورته ثوب فقال ان الفخذ ليست من العورة " وفيه دلالة صريحة على خلاف القولين المتقدمين. وربما امكن الاستدلال لما ذهب إليه ابن البراج برواية بشير النبال (3) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الحمام قال تريد الحمام ؟ قلت نعم. فامر باسخان الحمام ثم دخل فاتزر بازار وغطى ركبتيه وسرته ثم امر صاحب الحمام فطلى جسده ما كان خارجا من الازار ثم قال اخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال هكذا فافعل ". وفيه انه قد روى مثل هذه الحكاية في الفقيه عنه (عليه السلام) (4) وفيها " انه كان يطلي عانته وما يليها ثم يلف ازاره على طرف احليله ويدعو قيم الحمام فيطلى


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 4 من آداب الحمام (3) الوسائل الباب 5 و 31 من آداب الحمام (4) الوسائل الباب 1 و 18 من آداب الحمام


[ 7 ]

سائر بدنه " وبالجملة فالرواية المذكورة ليس فيها تصريح بكون ما لف عليه الازار عورة ليمكن الاستدلال به، وفعله (عليه السلام) لا يدل على ذلك لامكان حمله على استحباب ستر هذا الموضع. نعم روى في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) انه قال: " إذا زوج الرجل امته فلا ينظرن إلى عورتها والعورة ما بين السرة إلى الركبة " وهو صريح في ذلك، ولعل هذه الرواية هي التي اشار إليها المرتضى في ما تقدم من نسبته هذا القول إلى الرواية، والاظهر حملها على التقية فان القول بذلك نسبه في المنتهى إلى مالك والشافعي واحمد في احدى الروايتين واصحاب الرأي واكثر الفقهاء (2) ويعضده ان الراوي وهو الحسين بن علوان عامي. هذا بالنسبة إلى الرجل. واما المرأة فالمشهور في كلام الاصحاب ان بدن المرأة الحرة جميعه عورة عدا الوجه والكفين والقدمين، ونقل في المختلف والذكرى عن ابن الجنيد انه ساوى بين الرجل والمرأة في ان العورة انما هي القبل والدبر، وظاهر الشيخ في الاقتصاد وابي الصلاح وابن زهرة ان بدن المرأة كله عورة. قال في الاقتصاد: فاما المرأة الحرة فان جميعها عورة يجب عليها ستره في الصلاة ولا تكشف عن غير الوجه فقط. وهذا يقتضي منع كشف غير الوجه من الكفين والقدمين باطنا وظاهرا. وقال أبو الصلاح المرأة كلها عورة واقل ما يجزئ الحرة البالغة درع سابغ إلى القدمين وخمار. وهو يرجع إلى ما ذكره في الاقتصاد. وقال ابن زهرة: والعورة الواجب سترها من النساء جميع ابدانهن إلا رؤوس المماليك منهن. وقال ابن الجنيد: الذي يجب ستره من البدن العورتان وهما القبل والدبر من الرجل وللمرأة وقال ايضا لا بأس ان تصلي المرأة الحرة وغيرها وهي مكشوفة الرأس حيث لا يراها غير ذي محرم لها وكذلك الرواية عن


(1) الوسائل الباب 44 من نكاح العبيد والاماء (2) المغنى 1 ج ص 578


[ 8 ]

ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انتهى. واحتج العلامة في المختلف على وجوب ستر البدن للحرة بما رواه زرارة في الصحيح (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن ادنى ما تصلي فيه المرأة قال درع وملحفة فتنشرها على رأسها وتجلل بها " وكذا استدل بها في المنتهى وزاد التعليل بان النظر إلى كل جزء منها متعلق الشهوة فاشبه العورة. وعلى استثناء هذه الثلاثة بان الوجه لا يجب ستره باجماع علماء الاسلام ادعى ذلك في المنتهى والمختلف، قال وكذا الكفان عندنا. وظاهره دعوى الاجماع عندنا على ذلك، وعلل ذلك بانهما ليستا من العورة إذ الغالب كشفهما دائما إذ الحاجة داعية إلى ذلك للاخذ والعطاء وقضاء المهام وكذا الرجلان بل كشفهما اغلب في العادة. ثم احتج بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة " قال والدرع هو القميص والمقنعة تزاد للرأس، والظاهر ان القميص لا يستر القدمين. انتهى. وفي المدارك بعد ان استدل بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة قال: وهذه الرواية كما تدل على وجوب ستر الرأس والجسد تدل على استثناء الوجه والكفين والقدمين لانه (عليه السلام) اجتزأ بالدرع وهو القميص والمقنعة وهي للرأس فدل على ان ما عدا ذلك غير واجب والدرع لا يستر اليدين ولا القدمين بل ولا العقبين غالبا. انتهى. اقول: التحقيق عندي في هذا المقام على ما يظهر من اخبارهم (عليهم السلام) ان الوجه لا اشكال في استثنائه لا لما ذكروه بل لما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (4) قال: " سألته عن المرأة تصلى متنقبة قال إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس وان اسفرت فهو افضل ". واما استثناء الكفين والقدمين فلا يخلو من غموض بل ربما كان الظاهر منها


(1) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى (4) الوسائل الباب 33 من لباس المصلى


[ 9 ]

العدم، وذلك لان مبنى استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة على ان الظاهر ان القميص لا يستر ذلك عادة، وهذا انما يتم لو علم ان ثياب النساء في وقت خروج هذه الاخبار في تلك الديار كانت على ما يدعونه، ولم لا يجوز ان دروعهن كانت مفضية إلى ستر ايديهن واقدامهن كما هو المشاهد الآن في نساء اعراب الحجاز بل اكثر بلدان العرب ؟ فانهم يجعلون القميص واسعة الاكمام مع طول زائد فيها بحيث تكون طويلة الذيل تجر على الارض، ومن القريب كون ذلك جاريا على الزمان القديم في تلك البلدان فجرت الاخلاف على ما جرت عليه الاسلاف، ويعضد ذلك ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل يجر ثوبه ؟ قال اني لاكره ان يتشبه بالنساء " فان مورد الخبر بالنسبة إلى استحباب تشمير الثياب للرجل وظاهره كما ترى بل صريحه ان النساء يومئذ على خلاف ذلك وانهن يجررنه على الارض، وبذلك يظهر لك ما في استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة التي هي عمدة ادلتهم المتقدمة وليس بعدها إلا تلك التعليلات العليلة التي لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية واما ما عدا هذه الرواية من اخبار الباب فانه لا يأبى الانطباق على ما ذكره القائلون بشمول وجوب الستر لهذين الموضعين: فمن الاخبار صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على ادنى ما تصح صلاة المرأة فيه وانه درع وملحفة تنشرها على رأسها وتجلل بها، والملحفة عبارة عن ثوب واسع سابغ شامل للبدن يلبس على الثياب، وحينئذ فالملحفة المذكورة ان تجللت بها يعني نشرتها على رأسها وعلى جميع بدنها وضمتها على بدنها كما توضحه الاخبار الآتية حصل بذلك ستر الكفين والقدمين. هذا مضافا إلى ما عرفت من حصول الستر بالدرع لما عرفت مما هو عليه من السعة طولا وعرضا. ومنها - صحيحة علي بن جعفر المروية في الفقيه (2) " انه سأل اخاه موسى


(1) الوسائل الباب 23 من احكام الملابس (2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى


[ 10 ]

(عليه السلام) عن المرأة ليس عليها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي ؟ قال تلتف بها وتغطي رأسها وتصلي فان خرجت رجلها وليست تقدر على غير ذلك فلا بأس " والتقريب ما تقدم، وفي قوله: " فان خرجت رجلها " ما يدل على كون الملحفة شاملة في الغالب للرجلين إلى آخرهما، وانما نفى البأس هنا مع خروج الرجلين من حيث الضرورة بعدم وجود ساتر غيرها وهو مؤذن بحصول البأس مع امكان غيرها، وفيه ايماء إلى وجوب ستر القدمين مع الامكان. ومنها - ما رواه في الصحيح - ولكنه مختلف فيه - إلى المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تصلي في درع وملحفة ليس عليها ازار ولا مقنعة ؟ قال لا بأس إذا التفت بها فان لم تكن تكفيها عرضا جعلتها طولا " والظاهر من قوله " فان لم تكن تكفيها عرضا " يعني لاجل الوصول إلى القدمين وسترهما استظهارا إذا لم يسترهما الدرع وإلا فستر الرأس حاصل بها البتة. ومنها - ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الله بن ابي يعفور (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) تصلي المرأة في ثلاثه اثواب ازار ودرع وخمار ولا يضرها ان تتقنع بالخمار، فان لم تجد فثوبين تتزر باحدهما وتقنع بالآخر. قلت فان كان درع وملحفة ليس عليها مقنعة ؟ قال لا بأس إذا تقنعت بالملحفة فان لم تكفها فتلبسها طولا " اقول: يحتمل ان يكون المراد بالازار هنا ثوبا شاملا للبدن من شقة واحدة كما ورد في اجزاء الكفن. والاصحاب حملوا الثلاثة هنا على الاستحباب لحصول الستر هنا بالدرع والخمار ولا بأس به. ويمكن حمله على الاستظهار في ستر القدمين والكفين ايضا بناء على ما قلناه واما قوله: " ولا يضرها ان تتقنع بالخمار " فالظاهر ان المراد به انه لو لم يكن ثمة ازار فانها تختمر باحد طرفي الخمار وتتقنع بالطرف الآخر الطويل منه لان الظاهر من الاخبار انه يستحب لها بعد تخمير الرأس وتغطيته القناع فوقه كما


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من لباس المصلى


[ 11 ]

يستحب للرجل بعد تغطية الرأس بالقلنسوة ونحوها العمامة. ثم ذكر (عليه السلام) انه لو لم تجد هذه الثلاثة ولا الدرع ولا الخمار فانه يجزئها ثوبان على الوجه المذكور بان يكونا ساترين لجميع ما يجب ستره في الصلاة. وظاهر هذه الاخبار كما ترى لا يأبى الانطباق على ما ذكره الشيخ (قدس سره) في الاقتصاد ومن تبعه. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي في درع وخمار ؟ قال يكون عليها ملحفة تضمها عليها " وحمل الذكر الملحفة على الاستحباب والفضل. وهو جيد للاستظهار في ستر اطرافها من اليدين والرجلين. واما ما اعترض به في المدارك على كلام الشيخ (قدس سره) في الاقتصاد - حيث قال: واما احتجاج الشيخ في الاقتصاد على وجوب الستر بان بدن المرأة كله عورة فان اراد بكونه عورة وجوب ستره عن الناظر المحترم فمسلم، وان اراد وجوب ستره في الصلاة فهو مطالب بدليله. انتهى ففيه ان الظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان وجوب الستر عن الناظر المحترم وكذا في الصلاة امران متلازمان، وذلك فان وجوب الستر في الموضعين دائر مدار ثبوت كونه عورة، ولهذا كما عرفت من كلام العلامة في المنتهى والمختلف انما تمسك في عدم وجوب ستر هذه الاشياء بالخروج عن كونها عورة. ولعل وجه الفرق الذي توهمه انما بناه على ما فهمه من صحيحة محمد بن مسلم ودعوى دلالتها على خروج الكفين والقدمين وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فاني لا اعرف لهم دليلا سوى الاجماع المدعى منهم مع وجود المخالف كما عرفت. واما ما ذهب إليه ابن الجنيد - من مساواة المرأة للرجل في ان العورة انما هي القبل والدبر فلم نقف له فيه على دليل، وصاحب المختلف مع تكلفه نقل الادلة للاقوال


(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من لباس المصلى


[ 12 ]

التى ينقلها فيه لم يتعرض هنا لنقل دليل له مع نقله القول المذكور وهو اظهر ظاهر في ضعفه بعد ما عرفت. واما ما ذهب إليه من القول الآخر فاحتج عليه واحتجوا له عليه بما رواه عبد الله بن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة ان تصلي وهي مكشوفة الرأس " واجاب عنها الشيخ بالحمل على الصغيرة أو على حال الضرورة. وقال في المعتبر ان هذه الرواية مطرحة لضعف عبد الله بن بكير فلا يترك لخبره الاخبار الصحيحة المتفق على مضمونها. اقول: والاظهر عندي حمل الرواية على ان المراد بكشف الرأس يعنى من القناع الذي اشرنا سابقا إلى انه يستحب لها التقنع زيادة على ستر الرأس الواجب، وهو ليس ببعيد في مقام التأويل والجمع بين الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، ومما ينفي عنه البعد الرواية الاخرى عن ابن بكير ايضا (2) قال: " لا بأس ان تصلي المرأة المسلمة وليس على رأسها قناع " فان من الظاهر ان القناع عرفا زيادة على الخمار الذي يلف به الرأس كما لا يخفى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما تقدم كله من الكلام انما هو بالنسبة إلى بدن المرأة وجسدها من وجوب ستره كملا أو ما عدا المواضع الثلاثة المتقدمة. واما بالنسبة إلى شعرها فلم يتعرض للكلام فيه وقل من تعرض للكلام فيه من اصحابنا (رضوان الله عليهم) قال في المدارك في هذا المقام: واعلم انه ليس في العبارة كغيرها من عبارات اكثر الاصحاب تعرض لوجوب ستر شعر الرأس بل ربما ظهر منها انه غير واجب لعدم دخوله في مسمى الجسد، ويدل عليه اطلاق الامر بالصلاة فلا يتقيد إلا بدليل ولم يثبت إذ الاخبار لا تعطي ذلك، واستقرب الشهيد في الذكرى الوجوب لما رواه ابن بابويه عن الفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:


(1) و (2) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى


[ 13 ]

" صلت فاطمة (عليها السلام) في درع وخمار وليس عليها اكثر مما وارت به شعرها واذنيها " وهي مع تسليم السند لا تدل على الوجوب، نعم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب ستر العنق وفي رواية زرارة المتقدمة اشعار به ايضا. انتهى. اقول: فيه ان الظاهر من الاخبار المتقدمة - باعتبار اشتمالها على الخمار والمقنعة التي هي عبارة عن الخمار ايضا كما ذكره اهل اللغة وغيرهم والملحفة تلتف بها - هو ستر شعر الرأس وستر العنق بل ستر الرأس وما انحدر عنه ما عدا الوجه، اما بالنسبة إلى الملحفة فظاهر لما عرفت من معناها وانها بعد التقنع بها تلفها وتضمها على بدنها، واما بالنسبة إلى الخمار فان الظاهر بل المعلوم انحداره عن العنق وزيادة لا الاختصاص بالرأس كما يوهمه ظاهر كلامه (قدس سره) ومن اظهر الادلة على ذلك قوله عزوجل " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " (1) قال شيخنا امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) في تفسير مجمع البيان. والخمر المقانع جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة المنسدل على جنبيها، امرن بالقاء المقانع على صدورهن تغطية لنحورهن فقد قيل انهن كن يلقين مقانعهن على ظهورهن فتبدو صدورهن، وكنى عن الصدور بالجيوب لانها ملبوسة عليها. وقيل انهن امرن بذلك ليسترن شعرهن وقرطهن واعناقهن، قال ابن عباس تغطي شعرها وصدرها وترائبها وسوالفها. انتهى. وهو صريح - كما ترى - في كون الخمار منسدلا إلى الصدر والظهر موجبا لستر شعر الرأس والعنق كما لا يخفى، وان حملناه على ما هو المعمول الآن والمتعارف بين نساء هذا الزمان فهو ابلغ واظهر في ستر الاجزاء المذكورة من ان يحتاج إلى بيان. واما الرواية التي نقلها عن فاطمة (عليها السلام) التي هي سبب وقوعه في هذا الوهم فهي مع كونها ظاهرة في كون تلك الحال حال ضرورة ظاهرة في وجوب ستر الشعر فانه لا يخفى ان شعر الرأس بمقتضى العادة منسدل على العنق والبدن من امام


(1) سورة النور الآية 31


[ 14 ]

وخلف وهي (صلوات الله عليها) لمكان الضرورة وعدم كون خمارها متسعا كسائر الا خمرة التي اشرنا إليها قد جمعت شعر رأسها ووارته في ذلك الخمار اليسير حيث انه ليس فيه سعة يأتي على شعرها مع انسداله، فان ظاهر الخبر ان ذلك الخمار لصغره انما وارى ما فوق العنق خاصة فجمعت شعر رأسها فيه، ولو كانت الصلاة جائزة مع عدم ستر الشعر كما توهمه لما كان لجمعها له في الخمار وجه البتة لما عرفت انه بمقتضى العادة منسدل إلى تحت، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه، وبه يظهر ان ما استقر به في الذكرى من دلالة الخبر على الوجوب في محله وان كلامه عليه ومنعه الدلالة لا وجه له واما قوله -: نعم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب ستر العنق - فضعيف بل عجيب من مثله (قدس سره) فانه لا يخفى ان ظاهر الخبر ينادي بان صلاتها (صلوات الله عليها) في ذلك الخمار بهذه الكيفية انما هي لمكان الضرورة وانه ليس عليها اكثر من ذلك فالحال حال ضرورة والضرورات تبيح المحظورات وانما صلت كذلك حيث لم تجد ساترا يستر ما زاد على ذلك، فكيف يسوغ منه الاستدلال به على جواز كشف العنق مطلقا ؟ وقد عرفت من ظاهر الآية - كما ذكره امين الاسلام المتقدم ذكره - الدلالة على كون الخمار المتعارف يومئذ ساترا للجميع وان الله سبحانه قد اوجب ستر هذه المواضع عن الناظر المحترم لكونها عورة فيجب سترها في الصلاة ايضا كما تقدم، ويجب حمل الخمار في الاخبار المتقدمة على ذلك كما عرفت، وبه يظهر وجوب ستر العنق ونحوه ايضا. واعجب من ذلك قوله: " وفي رواية زرارة المتقدمة اشعار به " وكأنه توهم من نشر الملحفة على رأسها انها ترمي طرفي الملحفة على يمينها ويسارها وتصلي مكشوفة العنق مما يلي صدرها وغفل عن قوله: " وتجلل بها " فان المراد بالتجلل بها ضمها على البدن كما عرفت من الروايات الاخر، وبه صرح اهل اللغة حيث ذكروا ان الجلال للدابة كالثوب للانسان يقية من البرد ونحوه وهو يقتضي ضمه على البدن من جميع جهاته واطرافه


[ 15 ]

وبالجملة فان كلامه في امثال هذه المقامات لا يخلو من مجازفة وعدم تأمل، واعجب من جميع ذلك متابعة من تأخر عنه له في امثال هذه المقامات من غير اعطاء النظر حقه في الاخبار وكلام علمائنا الابرار ولا تحقيق ما هو الحق منها في المقام لحسن الظن بصاحب الكتاب واشتهاره بالفضل والتحقيق في جميع الابواب والحال كما عرفت في غير موضع مما شرحناه وسنشرحه ان شاء الله تعالى في ما يأتي من الكتاب. والله العالم.

(المسألة الثانية) لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز كشف الرأس للامة والصبية في الصلاة وقد نقل عليه الفاضلان والشهيد الاجماع من علماء الاسلام إلا الحسن البصري فانه اوجب على الامة الخمار إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه (1). ويدل على الحكم المذكور مضافا إلى الاجماع المدعى بالنسبة إلى الامة عدة روايات: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " ليس على الاماء ان يتقنعن في الصلاة ولا ينبغي للمرأة ان تصلي إلا في ثوبين ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له الامة تغطي رأسها ؟ قال لا ولا على ام الولد ان تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " على الصبي إذا احتلم الصيام وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار إلا ان تكون مملوكة فانه ليس عليها خمار إلا ان تحب ان تختمر وعليها الصيام ". وما في كتاب قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الامة هل يصلح لها ان تصلي في قميص واحد: قال لا بأس "


(1) المغنى ج 1 ص 604 (2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى


[ 16 ]

وما رواه في الكافي والفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول ليس على الامة قناع في الصلاة ولا على المدبرة ولا على المكاتبة إذا اشترطت عليها قناع في الصلاة وهي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها ويجري عليها ما يجري على المملوك في الحدود كلها " وزاد في الفقيه (2) قال: " وسألته عن الامة إذا ولدت عليها الخمار ؟ قال لو كان عليها لكان عليها إذا هي حاضت وليس عليها التقنع في الصلاة ". واما ما يدل على ذلك بالنسبة إلى الصبية فاستدل عليه بعضهم باصالة عدم التكليف. وعندي ان ذكر الصبية في هذا المقام كما ذكره غير واحد منهم لا وجه له لان هذا الحكم انما ذكروه في مقام الاستثناء من القاعدة المتقدمة وهو وجوب ستر البدن كملا على المرأة وانه عورة والصبية مما لا مدخل لها في اصل القاعدة فلا حاجة إلى استثنائها. واطلاق كلام اكثر الاصحاب واكثر الاخبار يقتضي عدم الفرق في الامة بين المملوكة والمدبرة والمكاتبة المشروطة والمطلقة التي لم تؤد من مكاتبتها شيئا وام الولد سواء كان ولدها حيا أو ميتا، ويفهم من صحيحة محمد بن مسلم الاولى ان ام الولد انما تكون كذلك بعد موت ولدها وإلا فمع وجوده فهي كالحرة في وجوب الستر، والى ذلك يميل كلام صاحب المدارك حيث قال بعد ذكر الخبر المذكور: وهو يدل بمفهومه على وجوب تغطية الرأس على ام الولد ومفهوم الشرط حجة كما حقق في محله، ويمكن حمله على الاستحباب إلا انه يتوقف على وجود المعارض. انتهى. وهو جيد لو لا ما يدل عليه ظاهر صحيحة محمد بن مسلم الثانية على رواية الفقيه من قوله: " " وسألته عن الامة إذا ولدت عليها الخمار... إلى آخره " فان الظاهر ان المعنى فيها هو ان السائل ظن ان وجوب الخمار على المرأة امة كانت أو حرة دائر مدار الولادة المؤذنة بالبلوغ


(1) و (2) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى


[ 17 ]

فأجاب (عليه السلام) بانه لو كان كذلك فانه لا اختصاص له بالولادة بل يجري في الحيض الذي هو احد اسباب البلوغ ايضا مع انه ليس على الامة التقنع في الصلاة مطلقا. وفيه اشارة إلى تساوي حالها قبل الولادة وبعدها في عدم التقنع قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: كأن الراوي ظن ان حد وجوب التقنع على النساء إذا ولدن فنبهه (عليه السلام) ان حده إذا حضن وانه ساقط عن الاماء في جميع الاحوال. انتهى وظني بعده عن سياق الخبر إلا انه دال على ما قلناه من عدم وجوب التقنع على ام الولد ولو مع وجود الولد، وحينئذ فلا يلتفت إلى دلالة المفهوم مع وجود المنطوق. واما ما ذكره في الذخيرة - من ان هذه الرواية لا تصلح لمعارضة الخبرين الآخرين لانه لو سلم مفهومها لم يكن واضح الدلالة على الوجوب كما لا يخفى فغير متوجه وكيف لا ومفهوم الشرط لا اشكال في حجيته كما اعترف به في مواضع من كتابه وعليه المحققون من الاصوليين معتضدا ذلك بالاخبار المتقدمة في مقدمات الكتاب، والخبران المشار اليهما في كلامه وهما صحيحتا عبد الرحمان ومحمد بن مسلم الثانية مطلقتان وهذه مقيدة بناء على حجية المفهوم المذكور فلا تعارض إذا المقيد يحكم على المطلق كما هو القاعدة، فكلام السيد لا يخلو من قوة لولا دلالة الصحيحة المذكورة كما اوضحناه. وبالجملة فانك قد عرفت ان مقتضى الاخبار المتقدمة في سابق هذه المسألة ان بدن المرأة كله عورة يجب سترة في الصلاة حرة كانت أو امة استثنى من ذلك ما قام عليه الدليل من الامة بهذه الاخبار وبقى ما عدا موضع الاستثناء على الوجوب، وبذلك يظهر لك ضعف قوله: " انه لو سلم مفهومها لم يكن واضح الدلالة في الوجوب " فان الوجوب ثابت بتلك الاخبار المشار إليها لا بهذا الخبر غاية الامر انه قد استثنى من الوجوب في المرأة مطلقا ما قام عليه الدليل بهذه الاخبار وهي امة. وهذا بحمد الله سبحانه واضح لا سترة عليه.

بقى في المقام فوائد يجب التنبيه عليها:

(الاولى) - قال في المعتبر: وهل يستحب لها القناع ؟ قال به عطاء ولم يستحب الباقون لما رووه ان عمر كان ينهى الاماء عن التقنع


[ 18 ]

وقال انما القناع للحرائر وضرب امة لآل انس رآها متقنعة وقال اكشفي ولا تشبهي بالحرائر (1) وما قاله عطاء حسن لان الستر انسب بالخفر والحياء وهو مراد من الحرة والامة، وما ذكروه من فعل عمر جاز ان يكون رأيا رآه. انتهى. اقول: ظاهر جملة ممن تأخر عنه خلاف ما ذكره واختاره من استحباب القناع للامة لما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن باسناده عن حماد اللحام (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المملوكة تقنع رأسها إذا صلت: قال لا قد كان ابي إذا رأى الخادم تصلي متقنعة ضربها لتعرف الحرة من المملوكة " وروى الصدوق في كتاب العلل هذا الحديث ايضا عن حماد اللحام (3) وروى فيه ايضا في الصحيح عن حماد اللحام - وهو مجهول - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة ؟ قال اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة " وروى الشهيد في الذكرى عن البزنطى في كتابه باسناده إلى حماد اللحام عن الصادق (عليه السلام) (5) " في المملوكة تقنع رأسها إذا صلت ؟ قال لا.. الحديث الاولى إلى آخره " قال وروى علي بن اسماعيل الميثمي في كتابه عن ابي خالد القماط (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الامة أتقنع رأسها ؟ فقال ان شائت فعلت وان شائت لم تفعل، سمعت ابي يقول كن يضربن فيقال لهن لا تشبهن بالحرائر ". اقول: لا يخفى ما في هذه الاخبار من الدلالة على خلاف ما صار إليه في المعتبر ولعل العذر له في عدم الوقوف عليها. وظاهر الصدوق في كتاب العلل القول بتحريم الستر على الامة حيث قال: " باب العلة التي من اجلها لا يجوز للامة ان تقنع رأسها " ثم ذكر الاخبار المتقدم نقلها عنه، ولعل منشأ ذهابه إلى التحريم من حيث اشتمال الاخبار على الضرب. وفيه انه


(1) المغنى ج 1 ص 604 (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى (5) ص 140


[ 19 ]

لا يخفى على من تأمل الاخبار انه كثيرا ما يؤكدون (عليهم السلام) في المنع من المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات كما يؤكدون في المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، ويدل على حمل ذلك على الكراهة قوله (عليه السلام) في حديث القماط " ان شائت فعلت وان شائت لم تفعل " وقوله (عليه السلام) في رواية ابي بصير المتقدمة " إلا ان تحب ان تختمر " ويؤيده التعبير في كثير من الروايات بانه ليس عليها. وبالجملة فالاظهر هو الكراهة كما هو المشهور بين الاصحاب، ويقرب حمل اخبار الضرب الظاهرة في التحريم على التقية كما تقدم نقله عن عمر ويشير إليه قوله (عليه السلام) في رواية القماط بعد افتائه بالتخيير " سمعت ابي يقول كن يضربن " إذ الظاهر كونه اشارة إلى ما رواه العامة عن عمر، ويؤيده اسناد الحكم إلى ابيه في اكثر هذه الاخبار، وكيف كان فالاظهر الكراهة. نعم يبقى الاشكال في العنق فان الظاهر من الاخبار المانعة من التقنع جواز كشفه ولا سيما خبر علي بن جعفر المتقدم نقله من كتاب قرب الاسناد الدال على جواز صلاتها في قميص واحد فان القميص لا يستر العنق. وبالجملة فان اغفاله في هذه الاخبار مع اشتمالها على النهي عن التقنع ظاهر في جواز كشفه وانه من جملة الرأس المرخص في كشفه أو المكروه تغطيته. وبما قلناه من جواز كشفه صرح جملة من اصحابنا المتأخرين ومتأخريهم.

(الثانية) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم الشيخ - (قدس سره) بانه يجب على الامة ستر ما عدا الرأس، قال في المعتبر بعد ان حكى ذلك عن الشيخ: ويقرب عندي جواز كشف وجهها وكفيها وقدميها لما قلناه في الحرة. انتهى. واستدرك عليه الشهيد في الذكرى ذلك فقال بعد نقله عنه: قلت ليس هذا موضع التوقف لانه من باب المسكوت عنه اولى بالحكم من المنطوق به ولا نزاع في مثله. وهو جيد بناء على ما هو المشهور، إلا ان فيه ما عرفت آنفا في الكفين والقدمين.

(الثالثة) - لو انعتق بعض الامة وجب عليها ستر رأسها لعدم دخولها تحت الاخبار المتقدمة فان المذكور فيها من كانت امة والمتبادر منها هي المملوكة كملا، قال في


[ 20 ]

الذكرى بعد نقل القول المذكور عن الشيخ والفاضل ونقل صحيحة محمد بن مسلم الثانية: وهو يشعر بما قالوه للتخصيص بالمشروطة. يعني ان تخصيصه (عليه السلام) المكاتبة المشروطة بالذكر في هذا المقام - وهي التي لا تنعتق حتى تؤدي مال الكتابة كملا دون المطلقة التي ينعتق منها بنسبة ما تؤدية - مشعر بان المطلقة متى ادت بعضها لم تدخل في عداد هؤلاء المذكورين بانعتاق بعضها فيغلب جانب الحرية منها ويلحقها حكم الاحرار.

(الرابعة) - قال في المنتهى: الخنثى المشكل يجب عليه ستر فرجيه اجماعا وان كان احدهما زائدا. وهل يجب عليه ستر جميع جسده كالمرأة ؟ فيه تردد ينشأ من اصالة براءة الذمة فيصار إليها، ومن العمل بالاحتياط في وجوب ستر الجميع. والاقرب الثاني لان الشرط بدون ستر الجميع لا يتيقن حصوله. والى ما ذكره من اختيار الثاني مال الشهيد في الذكرى فقال: والاقرب الحاق الخنثى بالمرأة في وجوب الستر اخذا بالمبرئ للذمة. واعترضهما الفاضل الخراساني في الذخيرة بان الاشتراط انما ثبت في حق المرأة لا مطلقا فههنا كان اطلاق الامر بالصلاة باقيا على حاله من غير تقييد فمقتضى ذلك عدم الوجوب. انتهى. اقول: لا يخفى ان اخبار هذا الباب وكلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) قد اتفقت على ان حكم الرجل بالنسبة إلى هذه المسألة وجوب ستر العورتين خاصة وجواز كشف ما عداهما والمرأة يجب عليها ستر البدن كملا ما عدا المواضع المستثناة على ما تقدم ولا ريب ان الخنثى المشكل لا يسمى رجلا لتلحقه احكام الرجل ولا امرأة لتلحقه احكام المرأة ولم يرد فيه نص بخصوصه فيبقى الحكم فيه مشكلا، وقد تكاثرت الاخبار بالتثليث (1) " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك " ولا ريب ان حكم الخنثى هنا من القسم الثالث، وقد ورد عنهم (عليهم السلام) ان الحكم في هذا القسم هو الاخذ بالاحتياط في العمل، وهو عندنا واجب في هذه الصورة وان كان عند اصحابنا


(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يقضى به


[ 21 ]

الاصوليين مستحبا، فما ذهب إليه الشيخان المذكوران هو الحق في المسألة وكلام هذا الفاضل عليهما لا معنى له، وتمسكه باطلاق الامر بالصلاة مجازفة إذ قد علم من الشرع ضرورة ان هذا الاطلاق قد قيدته النصوص بالشروط الواجبة على جميع المكلفين بلا خلاف من وجوب الستر وطهارته وطهارة المصلى من الحدث والقبلة والوقت ونحوها فلابد في صحة الصلاة من اي مكلف كان من الاتيان بهذه الشروط، والخنثى المشكل من جملة المكلفين البتة فيجب عليها ستر العورة لكن حصل الشك في الحاقها في ذلك بالرجل أو المرأة حيث لا نص عليها بالخصوص وعدم دخولها تحت شئ من العنوانين المذكورين فالواجب الاخذ بالاحتياط.

(الخامسة) - إذا اعتقت الامة في اثناء الصلاة وهي مكشوفة الرأس وعلمت بذلك قال الشيخ (قدس سره). ان قدرت على ثوب تغطي رأسها وجب عليها اخذه وتغطية الرأس، وان لم يتم لها ذلك إلا بان تمشي خطى قليلة من غير ان تستدبر القبلة كان مثل ذلك، وان كان بالبعد منها وخالفت فوات الصلاة أو احتاجت إلى استدبار القبلة صلت كما هي وليس عليها شئ ولا تبطل صلاتها. انتهى. ومرجعه إلى ان الواجب عليها الستر إلا ان يستلزم تحصيله فعلا كثيرا أو يستلزم استدبارا فتقطع الصلاة مع سعة الوقت وتمضي مع عدمها. والى هذا القول مال العلامة في المنتهى فقال: وما ذكره في المبسوط هو الاقرب عندي. وقال الشهيد في الذكرى: ولو اعتقت الامة في الاثناء وجب عليها الستر فان افتقرت إلى فعل كثير استأنفت مع سعة الوقت واتمت لا معه لتعذر الشرط حينئذ فتصلى بحسب المكنة. وهو راجع إلى ما اختاره في المبسوط. وقال الشيخ في الخلاف تستمر المعتقة على صلاتها واطلق لان دخولها كان مشروعا والصلاة على ما افتتحت عليه. قال في الذخيرة بعد نقل هذا القول تبعا لصاحب المدارك: وهو ظاهر المحقق في المعتبر ولا يخلو من قوة لان القدر الثابت وجوب الستر إذا توجه التكليف بذلك قبل الدخول في الصلاة والمسألة محل تردد. انتهى.


[ 22 ]

اقول: اما ما ذكره من انه ظاهر المعتبر فليس كذلك بل ظاهره انما هو ما ذكره الشيخ في المبسوط حيث قال: لو اعتقت في الصلاة وامكنها الستر من غير ابطال وجب وان خشيت فوت الصلاة واحتاجت إلى فعل كثير استمرت. واما ما عللا به قوة القول المذكور عندهما فهو مردود بان اشتراط الصلاة بهذه الشروط من طهارة الساتر والقبلة ونحوهما دائر مدار الامكان كائنا ما كان قبل الصلاة أو في اثنائها، ألا ترى انه لو ظهرت له القبلة بعد الاشتباه في اثناء الصلاة وجب الاستدارة إليها في بعض الصور المتقدمة وما ذاك إلا من حيث الامكان وعدمه. وبالجملة فالظاهر هو ما ذكره في المبسوط وهو القول المشهور الذي صرح به في المعتبر والذكرى كما عرفت. ونقل في الذخيرة ايضا قولا بانه يجب عليها ستر رأسها وان افتقرت إلى فعل كثير استأنفت. واعترضه بان الصحيح ان الاستئناف انما يثبت إذا ادركت بعد القطع ركعة في الوقت وإلا وجب الاستمرار لان وجوب الستر مشروط بالقدرة عليه. ولم اقف على هذا القول في كلامهم سوى عبارة الشرائع حيث ذكر ذلك واعترضه في المدارك بما ذكره هنا، بل ظاهر كلامهم ان الاستئناف انما هو مع سعة الوقت بان تدرك منه ولو ركعة وإلا استمرت كما عرفت مما قدمنا من عباراتهم في ما عدا الخلاف، وقال في الدروس: ولو اعتقت في الاثناء وعلمت استترت فان استلزم المنافي بطلت مع سعة الوقت. ونحوه عبارته في البيان ايضا. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - قد عرفت مما تقدم ان الواجب على الرجل ستر العورتين: القبل والدبر، وعلى المرأة ستر جميع بدنها، وقد ذكر الاصحاب انه يستحب للرجل ستر جميع بدنه ويجزئه ان يصلي في ثوب واحد، ويستحب للمرأة ان تصلي في ثلاثة اثواب: درع وخمار وملحفة. اقول: اما ما يتعلق بالمرأة من الاخبار الدالة على الثياب التي ينبغي ان تصلي فيها فقد تقدم نقله ويأتي هنا جملة منها ايضا ان شاء الله تعالى.


[ 23 ]

واما بالنسبة إلى الرجل فمن الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصلي في قميص واحد أو في قباء طاق أو في قباء محشو وليس عليه ازار ؟ فقال إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفرج فلا بأس، والثوب الواحد يتوشح به وسراويل كل ذلك لا بأس به. وقال إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا ولو حبلا ". وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن زياد بن سوقة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس ان يصلي احدكم في الثوب الواحد وازراره محلولة ان دين محمد (صلى الله عليه وآله) حنيف ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي بن فضال عن رجل (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون ان الرجل إذا صلى وازراره محلولة ويداه داخلة في القميص انما يصلي عريانا ؟ قال لا بأس ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " ان آخر صلاة صلاها النبي (صلى الله عليه وآله) بالناس في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه ألا اريك الثوب قلت بلى. قال فاخرج ملحفة فذرعتها فكانت سبعة اذرع في ثمانية اشبار ". وما رواه في التهذيب عن غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (5) قال: " لا يصلي الرجل محلول الازرار إذا لم يكن عليه ازار ". وعن ابراهيم الاحمري (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يصلي وازراره محللة ؟ قال لا ينبغى ذلك ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (7) قال: رأيت ابا جعفر


(1) و (4) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 23 من لباس المصلى (7) رواه في الوسائل في الباب 22 و 28 و 29 من لباس المصلى


[ 24 ]

(عليه السلام) يصلى في ازار واحد ليس بواسع قد عقده على عنقه فقلت له ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد ؟ فقال إذا كان كثيفا فلا بأس به، والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفا يعنيه إذا كان ستيرا. قلت رحمك الله الامة تغطي رأسها إذا صلت ؟ فقال ليس على الامة قناع ". وروى في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " المرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان كثيفا يعنى ستيرا ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي في درع وخمار ؟ فقال تكون عليها ملحفة تضمها عليها ". وروى في الفقيه (3) قال: " سأل يونس بن يعقوب ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب واحد: قال نعم. قال قلت فالمرأة ؟ قال لا ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا ان لا تجده ". وروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لا يصلح للمرأة المسلمة ان تلبس من الخمر والدروع ما لا يوارى شيئا ". وعن علي بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " في رجل يصلي في سراويل ليس معه غيره ؟ قال يجعل التكة على عاتقه ". وروى في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (6) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل ؟ قال يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه ويصلي. قال وان كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد بالسيف ويصلي قائما " وروى في الفقيه (7) قال: " سأل علي بن جعفر اخاه موسى (عليه السلام)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى (4) الوسائل الباب 21 من لباس المصلى (5) و (6) الوسائل الباب 53 من لباس المصلى (7) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى


[ 25 ]

عن الرجل يصلي بالقوم وعليه سراويل ورداء ؟ قال لا بأس به ". وروى في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل وقلنسوة ؟ قال لا يصلح. وسألته عن السراويل هل يجوز مكان الازار ؟ قال نعم ". وروى في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " ادني ما يجزئك ان تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف ". وقال في الفقيه ايضا (3) " وقال أبو بصير لابي عبد الله (عليه السلام) ما يجزئ للرجل من الثياب ان يصلي فيه ؟ فقال صلى الحسين بن علي (عليهما السلام) في ثوب قد قلص عن نصف ساقه وقارب ركبته ليس على منكبيه منه إلا قدر جناحي الخطاف وكان إذا ركع سقط عن منكبيه وكلما سجد يناله عنقه فيرده على منكبيه بيده فلم يزل ذلك دأبه ودأبه مشتغلا به حتى انصرف ". وروى في التهذيب عن جميل (4) قال " سأل مرازم ابا عبد الله (عليه السلام) وانا معه حاضر عن الرجل الحاضر يصلي في ازار مؤتزرا به: قال يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يتردى به ". وروى في الكافي والتهذيب عن رفاعة عن من سمع ابا عبد الله (عليه السلام) (5) " عن الرجل يصلي في ثوب واحد يأتزر به ؟ قال لا بأس به إذا رفعه إلى الثديين " كذا في التهذيب وفى الكافي " إلى الثندوتين " بدل " الثديين " والثندوة بالمثلثة لحم الثديين أو اصله وفى رواية سفيان بن السمط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " الرجل إذا اتزر بثوب واحد إلى ثندوته صلى فيه ".


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 53 من لباس المصلى (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى


[ 26 ]

وروى في كتاب الخصال بسند معتبر عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) عليكم بالصفيق من الثياب فان من رق ثوبه رق دينه. وقال (عليه السلام) لا يقومن احدكم بين يدي الرب جل جلاله وعليه ثوب يشف. وقال (عليه السلام) لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به فانه من افعال قوم لوط. وقال (عليه السلام) تجزئ الصلاة للرجل في ثوب واحد يعقد طرفيه على عنقه وفي القميص الصفيق يزره عليه ". وروى في كتاب المكارم عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) انه قال: " ركعتان بعمامة افضل من اربع ركعات بغير عمامة ". وفي كتاب المسائل لعلي بن جعفر رضي الله عنه عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في قميص واحد أو قباء وحده ؟ قال ليطرح على ظهره شيئا. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل ورداء ؟ قال لا بأس به. وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ملحفة ومقنعة ولها درع ؟ قال لا يصلح لها إلا ان تلبس درعها. وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ازار وملحفة ومقنعة ولها درع ؟ قال إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلا وعليها درع. وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ازار وملحفة تقنع بها ولها درع ؟ قال لا يصلح لها ان تصلي حتى تلبس درعها. وسألته عن السراويل هل يجزئ مكان الازار ؟ قال نعم. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في ازار وقلنسوة وهو يجد رداء ؟ قال لا يصلح. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل وقلنسوة ؟ قال لا يصلح. وسألته عن المحرم هل يصلح له ان يعقد ازاره على عنقه في صلاته ؟ قال لا يصلح ان يعقده ولكن يثنيه على عنقه ولا


(1) الوسائل الباب 21 و 24 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 64 من لباس المصلى (3) البحار ج 4 ص 150 وفى الوسائل بالتقطيع في الباب 22 و 25 و 28 من لباس المصلى والباب 53 من تروك الاحرام


[ 27 ]

يعقده. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يجمع طرفي ردائه على يساره ؟ قال لا يصلح جمعهما على اليسار ولكن اجمعهما على يمينك أو دعهما متفرقين. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده أو جبة وحدها ؟ قال إذا كان تحتها قميص فلا بأس. وسألته عن الرجل هل يؤم في قباء وقميص ؟ قال إذا كانا ثوبين فلا بأس ".

اقول: وتحقيق البحث في هذه الاخبار يقع في مواضع:

(الاول) ما دل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم - من اعتبار كون الثوب صفيقا وصحيحته الثانية من كون درع المرأة كثيفا يعنى ستيرا ومثله في الرواية التي بعدها هو مستند الاصحاب فيما ظاهرهم الاتفاق عليه من اشتراط الستر في الثوب الذي يصلي فيه. والمراد منه ان لا يحكى لون البشرة وما هي عليه من بياض أو سواد أو حمرة. وهل يعتبر كونه ساتر الحجم ام لا ؟ صرح الفاضلان بالعدم وعليه اكثر المتأخرين وروى في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تصل فيما شف أو سف يعني الثوب الصقيل " وروى الشيخ في التهذيب عن احمد ابن حماد رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا تصل في ماشف أو صف يعنى الثوب الصقيل " قال في الذكرى: معنى " شف " لاحت منه البشرة ومعنى " وصف " حكى الحجم، قال وفى خط الشيخ ابي جعفر في التهذيب " أو صف " بواو واحدة والمعروف بواوين من الوصف. اقول: لا يخفى ان الرواية التى وصلت الينا في كتب المحدثين نقلا عن التهذيب وفى كتاب التهذيب الذي بايدينا انما هي بواو واحدة واما الذي في الكافي فانما هو بالسين كما عرفت، وعلى كلتا الروايتين فالراوي قد فسره بالصقيل فما ذكره (قدس سره) لا اعرف له وجها. ومما يدل على حصول الستر بمجرد خفاء اللون دون الحجم قول الصادق (عليه السلام) (3) في حديث النورة " ان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 21 من لباس المصلى (3) ج 5 ص 531


[ 28 ]

النورة قد سترته " ومن المعلوم ان النورة انما تستر اللون دون الحجم. بقى الكلام في قوله (عليه السلام) في حديث الخصال " عليكم بالصفيق من الثياب فان من رق ثوبه رق دينه " وقوله (عليه السلام) " لا يقومن احدكم بين يدي الرب وعليه ثوب يشف " ومعنى " يشف " يعني تلوح منه البشرة ويظهر لونها، والظاهر انه من قبيل الاخبار المتقدمة الدالة على اشتراط الستر، ويحتمل ان يكون كلامه الاول محمولا على الرقيق الذي لا يبلغ إلى حد رؤية اللون فيكون النهي محمولا على الكراهة، وبذلك صرح جملة من الاصحاب وقال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: يجوز إذا كان صفيقا وينكره إذا كان رقيقا، وقال في الذكرى: تكره الصلاة في الرقيق الذي لا يحكى تباعدا من حكاية الحجم وتحصيلا لكمال الستر نعم لو كان تحته ثوب آخر لم يكره إذا كان الاسفل ساترا للعورة. انتهى. وربما اشعر آخر كلامه بانه لو كان الاسفل غير ساتر فان الكراهة باقية وان حصل الستر الكامل بهما، ويفهم منه حينئذ انه لو كان كل منهما لا يستر العورة وانما يحصل الستر بهما معا فانه لا يجزئ ايضا والظاهر انه ليس كذلك إذ اعتبار شرطية الستر في الصلاة غير مقيدة بثوب واحد بل المراد ستر العورة كيف اتفق بثوب واحد أو ثياب متعددة أو غير الثياب مطلقا.

(الثاني) - اكثر هذه الاخبار المتقدمة قد دلت على الصلاة في الثوب الواحد الشامل للبدن ولو ازار أو ملحفة يعقد طرفيها على عنقه، وجملة من الاصحاب صرحوا بان الافضل التعدد في الثياب: قال في الذكرى بعد ان نقل جملة من اخبار الصلاة في ثوب واحد ما لفظه: وبعض العامة الفضل في ثوبين لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) قال: " إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما " ولا بأس به والاخبار الاولة لا تنافيه لدلالتها على الجواز ويؤيده عموم قوله تعالى: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (2) ودلالة


(1) المغنى ج 1 ص 583 (2) سورة الاعراف، الآية 29


[ 29 ]

الاخبار على ان الله تعالى احق ان يزين له (1) واورد هذا في التذكرة على النبي (صلى الله عليه وآله) وافتى به فيكون مع القميص ازار وسراويل مع الاتفاق على ان الامام يكره له ترك الرداء وقد رواه سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا ينبغى إلا ان يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها " والظاهر ان القائل بثوب واحد من الاصحاب انما يريد به الجواز المطلق ويريد به ايضا على البدن وإلا فالعمامة مستحبة مطلقا وكذا السراويل، وقد روى تعدد الصلاة الواحدة بالتعمم والتسرول (3) اما المرأة فلابد من ثوبين درع وخمار إلا ان يكون الثوب يشمل الرأس والجسد، وعليه حمل الشيخ (قدس سره) رواية عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) في جواز صلاة المسلمة بغير قناع (4) ويستحب ثلاثة للمرأة لرواية جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " درع وخمار وملحفة " انتهى. اقول: الظاهر ان الرواية التي نقلها ونفى البأس عن القول بها عامية لعدم وجودها في اخبارنا وبه يشعر كلامه ايضا واكثر الاخبار كما عرفت انما دل على الثوب الواحد، ومنها - زيادة على ما تقدم ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابيه (6) قال: " صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في ثوب واحد " وعن ابي مريم الانصاري في الصحيح (7) قال: " صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة فلما انصرف قلنا له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة ؟ فقال ان قميصي كثيف وهو يجزئ ان لا يكون علي ازار ولا رداء... الحديث "


(1) و (3) ص 32 (2) الوسائل الباب 53 من لباس المصلى (4) ص 12 (5) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى (6) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى (7) التهذيب ج 1 ص 216 وفى الوسائل بالتقطيع في الباب 22 من لباس المصلى و 30 من الاذان والاقامة.


[ 30 ]

نعم يدل على التعدد مما قدمناه قوله (عليه السلام) في آخر رواية علي بن جعفر الطويلة المنقولة من كتابة: " وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده أو جبة وحدها... إلى آخره " إلا ان مورده الامامة لا مطلقا كما هو المدعى، وحديث سليمان ابن خالد الذي ذكره مورده ايضا الامامة خاصة فلا ينهض حجة في المدعى. وبالجملة فالاستحباب حكم شرعى يحتاج إلى دليل واضح كالوجوب والتحريم إلا انه لما اشتهر بينهم المسامحة في ادلة السنن توسعوا في ذلك وهو خروج عن الطريق الواضح كما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة في البحث معهم في هذا التسامح. نعم ما ذكره بالنسبة إلى المرأة من الثلاثة الاثواب قد تقدم في ما اوردناه من الاخبار هنا وفي ما تقدم، ولعله من حيث ان جميع بدنها عورة فينبغي ان تبالغ في ستره بتعدد الثياب واما الرجل فليس كذلك.

(الثالث) - قد دلت صحيحة زياد بن سوقة على جواز الصلاة في الثوب الواحد وازراره محلولة ونحوها مرسلة ابن فضال، ودلت رواية غياث بن ابراهيم على النهي عن ذلك إذا لم يكن عليه ازار ونحوها رواية ابراهيم الاحمري، والاصحاب هنا قد صرحوا باستحباب زر الازرار وكراهة حلها جمعا بين الاخبار المذكورة، وظاهر اطلاق عبائر جملة منهم كاطلاق الاخبار المجوزة جواز ذلك وان استلزم ظهور العورة حال الركوع للمصلي وغيره. ولا يخلو من الاشكال لما علم من اشتراط صحة الصلاة بستر العورة، قال الشيخ في الخلاف على ما نقله في الذكرى: يجوز في قميص وان لم يزره ولا يشد وسطه سواء كان واسع الجيب أو ضيقه، ثم نقل صحيحة زياد بن سوقة على اثر هذا الكلام ثم قال ولا تعارضه رواية غياث ثم اورد الرواية وحملها على الكراهة وقال المحقق في المعتبر: ولو كان جيبه واسعا بحيث لو ركع بانت له عورته لم يجب ستر ذلك وكانت صلاته ماضية وقد روى ذلك رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم نقل مرسلة الحسن بن علي بن فضال المتقدمة. ونسج على منواله العلامة فقال في المنتهى:


[ 31 ]

ولا بأس ان يصلي الرجل في قميص واحد وازراره محلولة واسع الجيب كان أو ضيقه رقيق الرقبة كان أو غليظها كان تحته مئزر ام لم يكن، وقد روى حل الازرار زياد بن سوقة ثم ساق الرواية إلى ان قال: ولو كان الجيب واسعا تظهر له عورته لو ركع لم يجب ستر ذلك عن نفسه وكانت صلاته ماضية لان المقصود تحريم نظر غيره إلى عورته، ويؤيده ما رواه الشيخ (قدس سره) ثم اورد مرسلة ابن فضال. واطلاق كلام الاصحاب. (رضوان الله عليهم) وكذا الصحيحة المذكورة والمرسلة تساعد على ما ذكراه إلا انه قال في الذكرى في موضع آخر غير ما قدمنا ذكره: لا يجب زر الثوب إذا كان لا تبدو العورة منه حسبما افتى به الشيخ (قدس سره) وهو في رواية زياد بن سوقة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية، ثم قال واشترطنا عدم بدو العورة ولو في حين ما لاختلال الشرط وفى رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " إذا كان القميص صفيقا والقباء ليس بطويل الفرج فلا بأس " ولو برزت العورة حين الركوع للناظرين بطلت الصلاة حينئذ... ولو برزت للمصلي لا لغيره فالاقرب البطلان إذا قدر رؤية الغير لو حاذى الموضع، واطلق في المعتبر الصحة إذا بانت له حال الركوع. والاقرب الاكتفاء بكثافة اللحية المانعة من الرؤية، ووجه المنع انه غير معهود في الستر كما مر. (فان قلت) روى غياث، ثم ساق الرواية ثم قال (قلت) حملها الشيخ (قدس سره) على الاستحباب مع امكان حملها على ما تبدو معه العورة، ويؤيد حمل الشيخ ما رواه ابراهيم الاحمري عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. انتهى. اقول: والتحقيق عندي في هذا المقام هو انه لما قام الدليل من خارج على وجوب ستر العورة في الصلاة والمتبادر في جميع واجباتهم من قيام وقعود وركوع وسجود ونحو ذلك فالواجب حمل هذه الاخبار على ما تجتمع به مع تلك الادلة، ولا معنى لاستثناء رؤية المصلي نفسه دون غيره إذ وجوب ستر العورة ليس باعتبار وجود الناظر بالفعل


(1) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى


[ 32 ]

وانما هو باعتبار ان لو كان ثمة ناظر لكان يراها وإلا لكان المصلي في الظلام أو في بيت يغلق عليه تصح صلاته وليس كذلك اجماعا. فما ذكره الشهيد (قدس سره) من هذا الكلام الاخير هو المعتمد إلا ان اكتفاءه بستر اللحية ضعيف لا ينبغي ان يلتفت إليه كما اشار إليه، وحينئذ فلابد من تأويل صحيحة زياد بن سوقة واخراجها عن ظاهرها وحمل النهي في رواية غياث عن ظاهرها من التحريم ونحوها رواية ابراهيم. وما يدعونه من ان لفظ " لا ينبغي " ظاهر في الكراهة اصطلاح عرفى بين الناس وإلا فقد عرفت في غير موضع ان استعماله في التحريم في الاخبار اكثر كثير إلا انه يجب تقييد التحريم بما إذا استلزم ظهور العورة وعلى هذا فيحمل الخبران المجوزان على عدم ظهور العورة، وعلى ذلك تجتمع الاخبار وتتفق مع تلك الاخبار الدالة على شرطية الستر في الصلاة كما لا يخفى. ويؤيد ما قلناه من المنع من حل الازرار حال الصلاة حديث زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) وفيه ان حل الازرار في الصلاة من عمل قوم لوط.

(الرابع) - قال في الذكرى: الافضل للرجل ستر ما بين السرة والركبة وادخالهما في الستر، للخروج عن الخلاف ولانه مما يستحى منه، وستر جميع البدن افضل والرداء اكمل والتعمم والتسرول اتم لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا صلى احدكم فليلبس ثوبيه فان الله احق ان يتزين له " وروى (3) " ركعة بسراويل تعدل اربعا بغيره " وكذا روى في العمامة (4). انتهى. ولعله اشار بالرواية في العمامة إلى ما قدمنا نقله عن كتاب مكارم الاخلاق، والظاهر ان هاتين الروايتين انما هما من طرق العامة لعدم وجودهما في كتب اخبارنا، قال شيخنا المجلسي (قدس سره) بعد نقل رواية المكارم المذكورة: الظاهر ان هذه الرواية عامية وبها استند الشهيد (قدس سره) وغيره ممن ذكر استحبابها في الصلاة ولم أر في اخبارنا ما يدل على ذلك


(1) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى (2) المهذب ج 1 ص 64 (3) و (4) الوسائل الباب 64 من لباس المصلى


[ 33 ]

نعم ورد استحباب العمامة مطلقا في اخبار كثيرة (1) وحال الصلاة من جملة تلك الاحوال، وكذا ورد استحباب كثرة الثياب في الصلاة (2) وهي منها، وهي من الزينة فتدخل تحت الآية، ولعل هذه الرواية مع تأيدها بما ذكرنا تكفي في اثبات الحكم الاستحبابي. ويمكن ان يقال انه انسب بالتواضع والتذلل ولذا ورد في بعض الاخبار الامر به. ولعل الاحوط عدم قصد استحبابها في خصوص الصلاة بل يلبسها بقصد انها حال من الاحوال. انتهى. واقول: لا يخفى ما في كلام شيخنا المذكور من المجازفة جريا على وتيرة من تقدمه من الاصحاب، فان اثبات الاحكام الشرعية التي هي قول على الله تعالى - وقد استفاضت الآيات والروايات بالنهي عن القول عليه عزوجل بغير علم والزجر عن ذلك - والحكم بالاستحباب بمثل هذه الروايات العامية أو مع انضمام هذه التخريجات - مجازفة محضة في احكامه سبحانه، ومجرد كون ذلك للاستحباب لا يترتب على تركه العقاب لا يوجب التساهل إذ الكلام في انه قول عليه (عزوجل) بغير علم فيدخل تحت النواهي الشديدة المستفيضة في الباب ومن هنا يترتب عليه العقاب كما لا يخفى على اولى الالباب على ان ما ادعاه من استحباب كثرة الثياب في الصلاة لم نقف عليه في خبر من الاخبار كما تقدم القول في ذلك، وغاية ما ربما يدعى حكاية الصلاة في ثوبين أو ثلاثة مثلا اما الامر بذلك وانه الافضل فالظاهر بل المقطوع به عدمه، نعم ورد ذلك في المرأة كما تقدم. وبالجملة فالمستفاد من الاخبار المتقدمة استحباب الصلاة في الثوب الساتر لجميع البدن من القميص ونحوها ولو ستر اسافله خاصة واما الافضل فوضع شئ على اعاليه والافضل ما يستره كملا من رداء وازار ونحوهما ثم ما امكن وكل ما كان اوسع فهو افضل حتى ينتهى الامر إلى تكة السروال والحبل ونحوهما.

(المسألة الرابعة) - لا خلاف في انه مع عدم امكان الستر بالثوب فانه يجب بما


(1) الوسائل الباب 30 من احكام الملابس (2) الوسائل الباب 63 من لباس المصلى


[ 34 ]

امكن من حشيش ونحوه وانما الخلاف مع وجوده، ثم على الاول فهل يفرق في ما عداه ام لا بل يتخير ؟ وتفصيل الكلام في المقام انه قد اختلف الاصحاب في المسألة فالمشهور - واليه ذهب الشيخ وابن ادريس والفاضلان والشهيد في البيان - انه يتخير بين الثوب والحشيش والورق والطين وليس شئ من هذه الثلاثة مقيدا بحال الضرورة، كذا نقله شيخنا في كتاب بحار الانوار، وفى الذخيرة ان المشهور المنسوب إلى هؤلاء المذكورين انما هو وجوب تقديم الثوب ثم التخيير بين الثلاثة المذكورة، ويؤيده ان الذي في البيان انما يساعد ما نقله في الذخيرة، وعبارة العلامة في الارشاد ظاهرة في التخيير مطلقا، وهو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض، وكذا في القواعد على ما نقله عنه في الذخيرة وظاهر عبارتي المعتبر والمنتهى التخيير في الاربعة المذكورة كما نقله شيخنا المجلسي، وذهب الشهيد في الدروس إلى وجوب الثوب ومع تعذره فكل ما يستر العورة ولو بالحشيش وورق الشجر ومع تعذره فبالطين، وذهب في الذكرى إلى التخيير بين الثوب والحشيش والورق فان تعذر فبالطين وقد تلخص من ذلك ان في المسألة اقوالا اربعة. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقى عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلى ؟ قال ان اصاب حشيشا يستر به عورته اتم صلاته بالركوع والسجود وان لم يصب شيئا يستر به عورته اومأ وهو قائم ". احتج القائلون بالقول الاول وهو التخيير بين الاربعة بحصول المقصود من الستر ولرواية علي بن جعفر المذكورة وحديث " النورة سترة " كما تقدم في آخر كتاب الطهارة (2) كذا ذكره شيخنا الشهيد الثاني في الروض. واستضعف هذا القول في المدارك لميله إلى ان هذه الاشياء انما تجوز بتعذر الثوب، والظاهر ان وجهه هو دعوى ان المتبادر من الساتر في الاخبار انما هو الثوب


(1) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى (2) ج 5 ص 531


[ 35 ]

ورواية " النورة سترة " ضعيفة ومع الاغماض عن ضعفها فالاطلاق انما يحمل على الافراد الغالبة الشائعة دون الفروض النادرة كما تقرر في غير مقام، ورواية على بن جعفر لا دلالة لها على التخيير مع وجود الثوب إذ موردها عدمه. ومن ذلك يعلم دليل القول بوجوب الثوب ثم التخيير بين الثلاثة الباقية مع عدمه وهو القول الثاني، وتقريب الاستدلال ان المتبادر من الامر بالساتر هو الثوب فلا يجوز غيره مع وجوده، ومع فقده فوجه التخيير بين الثلاثة الصحيحة المذكورة بحمل ذكر الحشيش في اولها على التمثيل كما يشير إليه قوله في آخرها " وان لم يصب شيئا يستر به عورته " مما يدل على ما هو اعم من الحشيش، وقد عرفت من الاخبار ان النورة سترة، وبذلك يثبت التخيير بين الافراد الثلاثة بعد فقد الثوب. ويمكن المناقشة في دعوى تبادر الثوب من الامر بالساتر بان المتبادر انما هو التغطية على وجه لا يمكن النظر إليه، والحكم بالتستر بالحشيش في الرواية وقع تابعا للسؤال وهو تعذر الثوب وذلك لا يقتضى عدم جواز الستر به عند امكان الثوب. ويمكن دفعه بان انكار دعوى تبادر الثوب من الساتر مجازفة ظاهرة إذ لا ريب ان ما جرت به العادة بعد وقت التكليف بل منذ خلقت الدنيا انما هو الستر بالثياب ودعوى خلاف ذلك مباهتة لا ينبغى الاصغاء لها. واما ما ذكره بالنسبة إلى الرواية فيكفينا فيها عدم الدلالة على التخيير مع وجود الثوب فان هذا القائل انما يستدل بها على التخيير في الثلاثة بعد فقد الثوب كما عرفت. وبذلك يظهر لك قوة القول الثاني. واستبعد في المدارك مساواة الطين للورق والحشيش كما هو مذهب اصحاب القول الثاني، ولم يذكر وجه البعد في ذلك مع دلالة اخبار النورة على الستر به والطين مثله، ولا وجه لتقديم الورق والحشيش عليه كما يدعيه. وكلامه ظاهر في اختيار ما ذهب إليه الشهيد في الدروس كما تقدم. ويمكن توجيه الدليل لهذا القول اما بالنسبة إلى وجوب تقديم الثوب فيما عرفت


[ 36 ]

آنفا واما بالنسبة إلى تقديم الورق والحشيش على الطين فبعدم فهم الطين من الساتر على الاطلاق كما ذكره في الذكرى وبقوله تعالى " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (1) والطين لا يعد زينة. وفي الثاني ما لا يخفى. واستدل الشهيد في الذكرى على ما ذهب إليه، اما على المساواة بين الثوب والورق والحشيش فبصحيحة علي بن جعفر المذكورة، واما على عدم جواز الطين مع وجود شئ من الثلاثة المذكورة فيما عرفت من عدم انصراف اللفظ إليه. واعترضه شيخنا الشهيد في الروض فقال: والتحقيق ان خبر علي بن جعفر ظاهر في فاقد الثوب فلا يتم الاحتجاج به على التخيير بينه وبين الثوب، وما ذكره من الحجة على تقديمهما على الطين آت في تقديم الثوب على غيره والزينة كما لا تتناول الطين كذا لا تتناول الحشيش ونحوه. انتهى. وهو جيد. اقول: والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال إلا ان الاقرب بالنظر إلى الصحيحة المذكورة هو وجوب تقديم الثوب لكونه هو المتبادر والفرد الشائع المتعارف من الساتر ومع تعذره فالتخيير بين كل ما يحصل به الستر ولو بالطين لاخبار النورة. والله العالم.

فروع:

(الاول) - لو استتر بالطين مع وجود غيره فهل يصلي قائما بركوع وسجود ام يصلي ايماء ؟ قال في الذكرى: وفي سقوط الايماء هنا نظر من حيث اطلاق الستر عليه ومن اباء العرف. وايد بعضهم ترجيح الايماء بان الظاهر من الادلة تعيين الايماء عند تعذر الثياب وما يجري مجراها كالحشيش، والاقرب عندي هو الصلاة قائما بركوع وسجود فان الشرط في صحة الصلاة كذلك هو ستر العورة والفرض حصوله بالطين استنادا إلى اخبار النورة كما عرفت. وما ذكره في الذكرى من اباء العرف لا معنى له بعد دلالة


(1) سورة الاعراف الآية 29


[ 37 ]

الاخبار على حصول الستر به وحصول الشرط بذلك. وما ذكره ذلك البعض مدخول بان المفهوم من تلك الاخبار - كما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى هو انه ينتقل إلى الايماء ما لم يجد ساترا لعورته - ومنها صحيحة علي بن جعفر - وفيها " وان لم يجد شيئا يستر به عورته اومأ " وصحيحته المتقدمة (1) فانها صريحة كما ترى في ان العاري ينتقل إلى الحشيش، ثم قال: " فان لم يجد شيئا يستر به عورته اومأ وهو قائم " واكثر الاخبار انما تضمنت العريان وانه يصلي ايماء من غير تعرض للتعليق على عدم وجود شئ، وبالجملة فان دعواه ظهور توقف تعين الايماء على عدم الثياب ونحوها من الحشيش دعوى عارية عن الدليل بل هو على خلافها واضح السبيل. ثم انه على تقدير الستر بالطين فهل يشترط فيه خفاء اللون والحجم معا ام يكفي خفاء اللون ؟ ظاهر الشهيد في الذكرى الاول وقيل بالثاني وهو الاقرب إذ الظاهر من اخبار ستر النورة التي هي المستند في المقام انما هو ستر اللون خاصة.

(الثاني) - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو وجد العاري حفيرة يمكنه الركوع والسجود فيها وجب عليه ذلك، واستدلوا عليه بما رواه الشيخ عن ايوب بن نوح عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها وسجد فيها وركع " قال المحقق في المعتبر: فاقد الستر لو وجد حفيرة دخلها وصلى قائما وركع وسجد، وقال الشيخ يدخلها ويصلي قائما ولم يصرح بالركوع والسجود، وهو مبنى على قوله بوجوب القيام مع امن المطلع، ومنع ذلك جمع من الجمهور ممن اوجب الصلاة جالسا (3) لان الساتر لا يلتصق بجلد المصلي فجرى مجرى عدمه. لنا - ان الستر يحصل المنع عن المشاهدة ولا نسلم ان التصاق الساتر شرط ويؤيد ذلك ما رواه ايوب بن نوح، ثم اورد الرواية المذكورة.


(1) ص 34 (2) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى (3) المغنى ج 1 ص 592 والمهذب ج 1 ص 65


[ 38 ]

اقول: وعندي في هذا الحكم اشكال لان المتبادر من الاخبار ان ستر العورة الواجب في الصلاة انما هو عبارة عن وضع شئ عليها بحيث يحول بين الناظر إليها وبين رؤيتها، ويؤيده الاختلاف في ستر الحجم والاتفاق على مجرد ستر اللون، وهذا هو المتبادر من الساتر في الاخبار وفى كلامهم، لا انه عبارة عن وضع الانسان نفسه في مكان متسع لا يراه احد وان كانت عورته مكشوفة، وإلا لصحت صلاة من صلى عاريا في دار مغلقة عليه أو بيت مظلم لا يراه احد والظاهر انه لا خلاف في عدم جواز ذلك، ولا ريب ان الحفيرة المشتملة على الخلا بحيث يركع ويسجد ويجلس فيها من قبيل ما ذكرناه وان تفاوت الاتساع قلة وكثرة. واما قول المحقق (قدس سره) في ما تقدم من كلامه -: لنا ان الستر بذلك يحصل المنع عن المشاهدة ولا نسلم ان التصاق الساتر شرط - ففيه انه لو تم لجاز الصلاة في البيت المغلق والظلام كما ذكرناه لصدق ما ذكره على ذلك. وكأنه اعتمد على هذا التعليل الواهي لضعف الرواية عنده فجعلها مؤيدة دون ان تكون دليلا وفيه ما عرفت، على ان من الظاهر انه لو جلس احد على رأس هذه الحفيرة في قبلة المصلي لرأي قبله البتة للخلا الذي يركع ويسجد فيه، نعم لو كانت الحفيرة ضيقة على وجه تلتصق بالبدن بحيث يقف فيها ويومئ ايماء امكن ستر العورة بذلك، ولعل ذلك مراد الشيخ (قدس سره) ولذا لم يذكر الركوع والسجود في الحفيرة. وقد نقل ابن فهد في كتاب الموجز قولا بان الصلاة في الحفيرة بالايماء وهذا القول هو الانسب بما ذكرنا، ولعل قائله نظر إلى ما قلناه. إلا ان الاشكال في الخبر المذكور، وبالجملة فاني لا اعرف للعمل بالخبر المذكور وجها مع مخالفته للقواعد المستفادة من الاخبار إلا ان يكون هذا الموضع مستثنى من وجوب ستر العورة في الصلاة. والله سبحانه وقائله اعلم بحقيقة الحال. ولم أر من تنبه لما ذكرناه من اصحابنا (رضوان الله عليهم) على ان في الخبر المذكور ايضا اشكالا آخر لم أر من تنبه له ولا نبه عليه، فان ظاهره انه مع تعذر الثوب وحصول الحفيرة فانه يصلي في الحفيرة على


[ 39 ]

الوجه المذكور وان وجد ساترا من حشيش ونحوه مع ان صحيحة على بن جعفر المتقدمة في صدر المسألة دلت على انه في هذه الصورة ينتقل إلى الستر بالحشيش ونحوه وعلى ذلك فتوى الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت، وظاهر الجمع بين الخبرين يقتضي التخيير بين الامرين وان الصلاة في الحفيرة بمنزلة الساتر من حشيش ونحوه، وظاهر الاصحاب جعل الحفيرة مرتبة متأخرة عن الحشيش ونحوه بحمل اطلاق هذا الخبر على ما تقدم في صحيحة علي بن جعفر من الستر بالحشيش اولا. والظاهر ان ما ذكرنا من الجمع بالتخيير اقرب إلا ان يحمل صحيح علي بن جعفر على عدم وجود الحفيرة. وظاهر المحقق في الشرائع - وهو ظاهر السيد السند ايضا في المدارك - اطراح الخبر المذكور والانتقال إلى الايماء بعد فقد الساتر بجميع انواعه، وعلل ذلك في المدارك بضعف الخبر المذكور والالتفات إلى عدم انصراف لفظ الساتر إلى الحفيرة. وبالجملة فالمسألة كما عرفت لا تخلو من شوب الاشكال. والله العالم.

(الثالث) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو وجد وحلا فهل يجب نزوله والاستتار به ام لا: قال في المعتبر: لو وجد وحلا أو ماء كدرا بحيث لو نزله ستر عورته لم يجب نزوله لان فيه ضررا ومشقة. وقال في الروض: ولو وجد وحلا أو ماء كدرا فالمشهور وجود الاستتار بهما. وقال في الذكرى: ولو وجد وحلا ولا ضرر فيه تلطخ به ولو لم يجد إلا ماء كدرا استتر به مع امكانه، ثم نقل عن المعتبر انهما لا يجبان للمشقة والضرر. والقائلون بالوجوب اختلفوا فقيل ان الوحل مقدم على الماء وان لم يستر الحجم لانه ادخل في مسمى الساتر واشبه بالثوب والطين المقدمين على الماء. واستظهره في الروض وقيل بتقديمهما على الحفيرة، وقيل بتقديم الحفيرة على الماء الكدر وتأخير الطين عنه، وقيل بتقديم الماء الكدر على الحفيرة مطلقا، وقال ابن فهد في موجزه: ولو وجد الجميع قدم الحشيش وورق الشجر ثم الحفيرة ثم الماء الكدر ثم الطين ويومئ في الاخيرين.


[ 40 ]

وفصل شيخنا الشهيد الثاني في الروض فقال: والتحقيق ان السجود المأمور به في الحفيرة ان كان هو المعهود اختيارا فهو دال على سعة الحفيرة وحينئذ فيبعد تقديمها عليهما مع امكان استيفاء الافعال بهما فانهما حينئذ الصق بالساتر والحفيرة اشبه بالبيت الضيق الذي لا يعد ساترا فتقديمهما عليها اوضح، بل الظاهر ان الوحل مقدم عليها مطلقا لعدم منافاته لاستيفاء الافعال. واما الماء الكدر والحفيرة فان تمكن من السجود فيهما ففيه ما مر وان تمكن في الماء خاصة فهو اولى بالتقديم وكذا لو لم يتمكن فيهما. ولو تمكن في الحفيرة دون الماء ففي تقديم ايهما نظر من كون الماء الصق به وادخل في الستر ومن صدق الستر في الجملة وامكان الافعال وورود النص على الحفيرة دونه والاتفاق على وجوب الاستتار بها دونه فتقديمها حينئذ اوجه، ولو لم يعتبر في الصلاة استيفاء الركوع والسجود كصلاة الخوف والجنازة سقط اعتبار هذا الترجيح، واولى من الحفيرة الفسطاط الضيق إذا لم يمكن لبسه. انتهى. وفيه تأييد لما ذكرناه من ان المتبادر من الساتر انما هو اللاصق على البدن. اقول: لا يخفى ان الكلام في هذه الفروع العارية عن النصوص مشكل، والذي ورد في هذا الباب كما عرفت رواية علي بن جعفر ومرسلة ايوب بن نوح، والاولى وان دلت على ان مرتبة الايماء انما هي بعد عدم وجود شئ يستر به عورته إلا ان انطلاق الساتر فيها إلى ما ذكروه من الوحل الذي هو عبارة عن الماء والطين وكذلك الماء الكدر محل اشكال، والاحكام الشرعية انما ترتب على الافراد المتبادرة من الاطلاق الكثيرة الدوران في الاستعمال دون الفروض النادرة. واما الثانية فقد عرفت ما فيها. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى لم يجد ساترا فانه يصلي عريانا ولا تسقط الصلاة عنه بفقد الساتر، وانما الخلاف في انه هل يصلي قائما مطلقا أو جالسا مطلقا أو قائما مع امن المطلع وجالسا مع عدمه ؟ اقوال اشهرها


[ 41 ]

القول الثالث ونقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) انه يصلي جالسا مؤمنا وان امن المطلع، وعن ابن ادريس انه يصلي قائما مؤمنا في الحالين. والاصل في هذا الاختلاف اختلاف ظواهر الاخبار، ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه ولم يجد شيئا يصلي فيه ؟ فقال يصلى ايماء فان كانت امرأة جعلت يدها على فرجها وان كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان ايماء ولا يسجدان ولا يركعات فيبدو ما خلفهما تكون صلاتهما برؤوسهما. قال وان كانا في ماء أو بحر لجى لم يسجدا عليه وموضوع عنهما التوجه فيه يومئان في ذلك ايماء ورفعهما توجه ووضعهما " ورواه في الفقيه (2) إلى قوله: " برؤوسهما " وزاد " ويكون سجودهما اخفض من ركوعهما ". وروى الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة ؟ قال يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس " ونحوه موثقة اسحاق بن عمار الآتية في المقام (4) والحكم بالجلوس في الجماعة يقتضي وجوبه مطلقا إذ لا يعقل ترك الركن لتحصيل فضيلة الجماعة. وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر... الحديث، وقد تقدم في صدر سابق هذه المسألة وفيه " اومأ وهو قائم ". وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " وروى في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة انه يصلي عريانا قائما ان لم يره احد فان رآه احد صلى جالسا ". وروى الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة: قال يصلي عريانا قائما ان


(1) و (5) و (6) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى (2) ج 1 ص 296 (3) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى (4) ص 48


[ 42 ]

لم يراه احد فان رآه احد صلى جالسا ". وروى احمد بن ابي عبد الله البرقي في المحاسن في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " في رجل عريان ليس معه ثوب ؟ قال إذا كان حيث لا يراه احد فليصل قائما ". ونقل شيخنا المجلسي روح الله روحه (2) عن نوادر الراوندي انه روى باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال علي (عليه السلام) في العريان ان رآه الناس صلى قاعدا وان لم يره الناس صلى قائما ". وروى في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابى البختري عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (3) قال: " من غرقت ثيابه فلا ينبغي له ان يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا فان لم يجد صلى عريانا جالسا يومئ ايماء ويجعل سجوده اخفض من ركوعه، فان كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى ". وفي رواية سماعة (4) " عن من ليس معه إلا ثوب واحدا واجنب فيه انه يصلي عريانا قاعدا ويومئ " كذا في رواية الكافي وفى التهذيبين عوض " قاعدا " " قائما " وفى رواية محمد بن علي الحلبي (5) في من كان كذلك " يجلس مجتمعا ويصلي ويومئ ايماء " وقد تقدمتا في مسألة جواز الصلاة في النجاسة مع تعذر الساتر وعدمه من كتاب الطهارة (6). هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة وهي - كما ترى - ما بين مطلق في القيام ومطلق في الجلوس ومفصل بين امن المطلع فيقوم وعدمه فيجلس وهي اكثر اخبار المسألة فيجب تخصيص الاطلاقين المذكورين بها وبه يظهر قوة القول المشهور.


(1) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى (2) البحار ج 18 الصلاة ص 95 (3) الوسائل الباب 52 من لباس المصلى (4) و (5) الوسائل الباب 46 من النجاسات (6) ج 5 ص 350


[ 43 ]

قال في المدارك: واحتمل المصنف في المعتبر التخيير بين الامرين استضعافا للرواية المفصلة وهو حسن وان كان المشهور احوط. اقول: العجب منه (قدس سره) انه قدم في صدر المسألة ما يدل على اختياره القول بالتفصيل حيث انه - بعد نقل الاقوال الثلاثة وهي القول بالتفصيل اولا ثم قول المرتضى بالصلاة جالسا مطلقا ثم قول ابن ادريس بالصلاة قائما مطلقا - قال: والمعتمد الاول فان فيه جمعا بين القولين الآخرين وهو صريح في فتواه بالقول المذكور فكيف عدل عنه هنا إلى التخيير وجعل القول بالتفصيل طريق الاحتياط ؟ والكلام في مقام واحد بلا فاصلة يعتد بها. وكيف كان فان صحيحة ابن مسكان وان كانت كما ذكره وامكن الجواب بان ابن مسكان ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يضر حديثه ما اعتراه من الضعف بعده كما صرحوا به في امثاله الا ان رواية المحاسن كما دريت صحيحة السند بلا ريب فانه روى الخبر فيه عن ابيه عن ابن ابي عمير عن محمد بن ابي حمزة عن عبد الله بن مسكان، واستبعاد رواية ابن مسكان عن ابي جعفر (عليه السلام) بعيد فان الطبقة لا تاباه وان كان انما عد في اصحاب الصادق (عليه السلام) وبالجملة فالقول بالتفصيل هو المعتمد للروايات المذكورة.

وينبغي التنبيه هنا على امور بها يتم الكلام في المقام وتتضح المسألة بجميع ما هي عليه من الاقسام:

(الاول) - ظاهر الاخبار المفصلة انه يصلي قائما مع عدم المطلع حال دخوله في الصلاة وان جوز مجئ احد بعد ذلك، لكن لو اتفق مجئ احد بعد الدخول فالظاهر انه ينتقل إلى الصلاة جالسا، وإلا فلا وجه للتفصيل المذكور إذ مناط القيام هو عدم المطلع ومناط الجلوس وجوده ولا يعقل الفرق باعتبار الدخول وقبله وهو ظاهر ولم اقف على من تعرض لذلك والظاهر انه لا اشكال فيه.

(الثاني) - الظاهر من صحيحة زرارة ورواية ابي البختري ان الايماء بالرأس


[ 44 ]

وقال في المدارك ان الواجب الايماء في الحالين للركوع والسجود بالرأس ان امكن والا فبالعينين. والظاهر انه مستنبط من حكم صلاة المريض وإلا فالروايات المذكورة لا اشارة فيها إليه إذ الظاهر منها انما هو ما قلناه. واوجب الشهيد في الذكرى الانحناء فيهما بحسب الممكن بحيث لا تبدو معه العورة وان يجعل السجود اخفض محافظة على الفرق بينه وبين الركوع، واحتمل وجوب وضع اليدين والركبتين وابهامي الرجلين في السجود على الكيفية المعتبرة، قال في المدارك: وكل ذلك تقييد للنص من غير دليل، نعم لا يبعد وجوب رفع شئ يسجد عليه لقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمان الواردة في صلاة المريض (1): ويضع وجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ. انتهى. اقول: اما ما اعترض به على كلام الشهيد (قدس سره) من انه تقييد للنص بغير دليل فجيد في ما عدا خفض الرأس للسجود فانه قد صرح به في الفقيه في آخر صحيحة زرارة المتقدمة كما ذكرناه وفي رواية ابي البختري فلا يرد ما ذكره فيه. واما ما ذكره من انه لا يبعد وجوب رفع شئ يسجد عليه ففيه انه بعيد إذ الاستناد في ذلك إلى الصحيحة المذكورة قياس لا يوافق اصولنا فان احكام المريض لا تنسحب هنا والروايات الواردة في المسألة عارية عما ذكره، وحينئذ فيرد عليه ما اورده على الشهيد (قدس سره) من انه تقييد للنص بغير دليل.

(الثالث) - المستفاد من الاخبار وكذا من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الايماء في حالتي القيام والجلوس على وجه واحد بمعنى انه من قيام مع القيام ومن جلوس مع الجلوس، ونقل شيخنا في الذكرى عن شيخه السيد عميد الدين انه كان يقوى جلوس القائم ليومئ للسجود جالسا استنادا إلى كونه حينئذ اقرب إلى هيئة الساجد فيدخل تحت " فاتوا منه ما استطعتم " (2) ورده جملة من المتأخرين بان الوجوب حينئذ انتقل إلى الايماء فلا معنى للتكليف بالممكن من السجود.


(1) ج 6 ص 408 (2) ج 4 ص 327


[ 45 ]

اقول: ويرده صريحا قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة " اومأ وهو قائم ". بقى الكلام في حال التشهد لو صلى قائما هل يتشهد من قيام أو يجلس في موضع التشهد ويتشهد ثم يقوم ؟ لم اقف في كلام الاصحاب على ذكر لهذا الفرع، والاخبار المتقدمة مطلقة لا دلالة فيها على شئ من احد الامرين، ويمكن القول بوجوب الجلوس في موضع التشهد ثم القيام لان الايماء في الركوع والسجود قائما أو جالسا انما صير إليه محافظة على ستر العورة والتشهد جالسا لا ينافي ذلك ان لم يؤكده فلا وجه لسقوط الجلوس البتة. إلا ان المسألة بعد غير خالية من شوب الاشكال.

(الرابع) - قد صرح الاصحاب بانه يجب شراء الساتر بثمن المثل أو ازيد مع التمكن. ولو اعير وجب عليه القبول لحصول المكنة التي هي المدار في الوجوب وعدمه، والظاهر انه لا خلاف في ذلك. ولو وهب له فنقل عن الشيخ (قدس سره) وجوب القبول وضعفه العلامة في التذكرة بانه يستلزم المنة ورده جملة ممن تأخر عنه بالضعف لحصول المكنة كما تقدم " والظاهر انه لا خلاف فيه كما تقدم " (1) والظاهر ان ما استند إليه في التذكرة قد تبع فيه العامة كما يشعر به كلامه في المنتهى حيث قال: اما لو وجد من يهبه الثوب قال الشيخ يجب عليه القبول خلافا لبعض الجمهور (2) وقول الشيخ جيد لانه متمكن فيجب كما يجب قبول العارية. احتج المخالف بانه تلحقه المنة. وجوابه العار الذي يلحقه بسبب انكشاف عورته اعظم من المنة. انتهى. وهو جيد.

(الخامس) - لو ظن العاري وجود الساتر في الوقت فالظاهر وجوب التأخير وفاقا للمعتبر والمنتهى واستحسنه في المدارك، اما إذا لم يظن ذلك فالمشهور عدم وجوب التأخير وبه صرح الشيخ واتباعه مسارعة إلى فضيلة اول الوقت وحذرا من عروض المسقط. واوجبه المرتضى وسلار بناء على اصلهما من وجوب التأخير على ذوي الاعذار


(1) ما بين القوسين غير موجود في النسخ الخطية (2) ج 1 ص 594


[ 46 ]

اقول: ظاهر رواية ابي البختري المتقدمة يعطي التأخير إلا انها مع عدم صحتها ليستت صريحة في الوجوب لما عرفت في ما تقدم من ان لفظ " ينبغي ولا ينبغى " في الاخبار من الالفاظ المتشابهة، وكيف كان فهي دالة على رجحان التأخير.

(السادس) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو لم يجد إلا ثوب حرير أو ثوبا مغصوبا أو جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه لم يجز له الصلاة في شئ من ذلك وصلى عاريا للنهي عن الصلاة في هذه الاشياء. وهو جيد بالنسبة إلى ما عدا الثوب المغصوب لوجود الاخبار الدالة على ما ادعوها اما في المغصوب فسيأتي تحقيق الكلام فيه ان شاء الله تعالى واما في الثوب النجس فيبنى على ما سبق من الخلاف في المسألة في كتاب الطهارة من جواز الصلاة في النجاسة مع تعذر ساتر غير النجس أو الانتقال إلى الصلاة عاريا.

(السابع) قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الستر يراعى من الجوانب الاربعة ومن فوق ولا يراعى من تحت فلو صلى على طرف سطح بحيث ترى عورته من تحت فاشكال ينشأ من ان وجوب الستر انما يراعى من الاماكن التي جرت العادة بالنظر إليها، ومن ان الستر من تحت انما يفتقر إذا كان الصلاة على وجه الارض كما هو الغالب. والمسألة غير منصوصة إلا ان الظاهر هو وجوب الستر لان اغتفاره في المواضع التي جرت العادة بعدم الرؤية فيها لا يوجب اغتفاره في ما يحصل فيه الرؤية، ويؤيده انه الاوفق بالاحتياط الذي هو عندنا واجب في موضع اشتباه الحكم.

(الثامن) - لو كان في ثوبه خرق فان لم يحاذ العورة فلا اشكال ولو حاذاها بطلت صلاته للاخلال بشرطها، ولو جمعه بيده بحيث يتحقق الستر بالثوب فلا اشكال في الصحة كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا، ولو وضع يده عليه أو يد غيره في موضع يجوز له الوضع بحيث ان الستر انما استند إلى اليد فقد صرح جمع من الاصحاب بالبطلان لعدم فهم الستر ببعض البدن من اطلاق الساتر. وهو قريب إلا ان


[ 47 ]

الحكم بذلك مع عدم النص في المسألة مشكل. ويمكن ان يقال بالصحة لان عدم فهمه من اطلاق الساتر المأمور به لا ينافي حصول الستر به والمطلوب هو الستر وعدم رؤية الناظر باي نحو اتفق، ويؤيده ما تقدم (1) في صحيحة زرارة " فان كانت امرأة جعلت يدها على فرجها وان كان رجلا وضع يده على سوأته " وكيف كان فالاحتياط في المسألة لعدم النص مطلوب.

(التاسع) - قد صرح بعض الاصحاب انه لو وجد ساترا لاحدى العورتين وجب، وزاد بعض ان الاولى صرفه إلى القبل لقوله (عليه السلام) في بعض الاخبار التي نقلناها في احكام الخلوة (2): " واما الدبر فمستور بالاليين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة ".

(العاشر) - لو وجد الساتر في اثناء الصلاة فان امكن الستر به من غير مناف وجب وإلا فهل يجب قطع الصلاة مع سعة الوقت والصلاة في الساتر أو يستمر ؟ وجهان، للثاني منهما انه دخل دخولا مشروعا والابطال يحتاج إلى دليل، وللاول ان الصلاة عاريا انما جازت لضرورة فقد الساتر وبوجوده يرتفع العذر وتزول الضرورة. والمسألة لعدم النص غير خالية من شوب الاشكال، والاحتياط باتمام الصلاة ثم الاعادة في الساتر لازم على كل حال. واما لو كان الوقت بعد القطع يضيق ولو عن ركعة فظاهرهم انه لا اشكال في وجوب الاستمرار، والظاهر انه كذلك.

(الحادي عشر) - الظاهر انه لا خلاف في استحباب الجماعة للعراة رجالا كانوا أو نساء كما ذكره شيخنا في الذكرى حيث قال: يستحب للعرأة الصلاة جماعة رجالا كانوا أو نساء اجماعا لعموم شرعية الجماعة وافضليتها. وانما الخلاف في كيفيتها فالمشهور وبه صرح الشيخ المفيد والسيد المرتضى - انهم يجلسون جميعا صفا واحدا ويتقدمهم الامام بركبتيه ويصلون جميعا بالايماء، واختاره


(1) ص 41 (2) ص 6


[ 48 ]

ابن ادريس وادعى عليه الاجماع وعليه تدل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (1) وذهب الشيخ في النهاية إلى ان الامام يومئ ومن خلفه يركعون ويسجدون وعليه تدل موثقة اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوم قطع عليهم الطريق واخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون ؟ قال يتقدمهم امامهم فيجلس ويجلسون خلفه فيومئ ايماء بالركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم ". ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى هذه الرواية قال بعد نقل الخلاف في المسألة والاستدلال للشيخ بالرواية المذكورة ما صورته: فهذه حسنة ولا يلتفت إلى من يدعي الاجماع على خلافها. واعترضه جمع: منهم صاحب المدارك بل الظاهر انه اولهم واقتفاه صاحب الذخيرة بان في سندها عبد الله بن جبلة وكان واقفيا واسحاق بن عمار وكان فطحيا فلا يحسن وصفها بالحسن اقول: فيه ان الظاهر ان المحقق لمى رد بما وصفها به من الحسن ما توهموه من هذا المعنى المصطلح فان هذا الاصطلاح في تقسيم الاخبار إلى الاقسام الاربعة انما حدث بعد عصر المحقق من العلامة اجزل الله تعالى اكرامه كما ذكره جملة من الاصحاب أو شيخه احمد بن طاووس كما ذكره بعضهم فهو لم يرد بوصفها بذلك من حيث السند وانما اراد من حيث المتن كما قد يصف بذل بعض الاخبار الصحيحة السند أو الضعيفة كما لا يخفى على من تتبع كتابه، وقد نبه على ذلك السيد المذكور في كتابه المشار إليه في مسألة الصلاة في النجاسة نسيانا حيث ان المحقق وصف صحيحة العلاء الدالة على عدم الاعادة (3) بانها حسنة فقال السيد (قدس سره) ومراده بالحسن هنا خلاف المعنى المصطلح عليه بين المحدثين بل حسن المضمون فان عادته (قدس سره) لم تجر بالتعرض


(1) ص 41 (2) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى (3) ج 5 ص 420


[ 49 ]

لحال الروايات وما هي عليه من الصحة والتوثيق. ويزيده تأكيدا ما صرح به شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين فقال: ان التعرض لذلك في كتب الفروع انما حدث بعده (اعلى الله مقامه) واول من تعرض لتفصيل ذلك من اصحابنا واهتم بشأنه في الكتب الاستدلالية العلامة احله الله دار الكرامة. انتهى. نعم في الرواية المذكورة اشكال آخر قد نبه عليه شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل القول بمضمونها عن المحقق: ويشكل بان فيه تفرقة بين المنفرد والجامع وقد نهى المنفرد عن الركوع والسجود كما تقدم لئلا تبدو العورة، ثم نقل رواية عبد الله بن سنان التي هي مستند القول المشهور، ثم قال: وبالجملة يلزم من العمل برواية اسحاق احد امرين اما اختصاص المأمومين بهذا الحكم واما وجوب الركوع والسجود على كل عار إذا أمن المطلع، والامر الثاني لا سبيل إليه والامر الاول بعيد. انتهى. وهو جيد. وبما ذكرنا يعلم ان ما دل عليه خبر ابي البخترى المتقدم - من انهم إذا كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى - يجب حمله اما على عدم امام يؤمهم أو على التقية فانه قد نقل في الذكرى عن بعض العامة انه منع من الجماعة إلا في الظلمة حذرا من بدو العورة (1) واعترضه بانا نتكلم على تقدير عدمه. إلا ان ظاهر الصدوق في الفقيه القول بهذه الرواية صرح بذلك في آخر باب صلاة الخوف والمطاردة فقال - بعد ان ذكر ان العريان يصلي قاعدا ويضع يده على عورته وكذلك المرأة ثم يومئان ايماء ما لفظه، وإذا كانوا جماعة صلوا وحدانا. ولم اطلع على من نقل خلافه في المسألة مع انه كما ترى ظاهر فيما قلناه، وهو منه (قدس سره) عجيب لما عرفت من الاخبار الدالة على ذلك خصوصا مضافا إلى عموم اخبار الجماعة. والله العالم.


المغنى ج 1 ص 596


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>