
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السابع
المطلب الثاني
في ما يجوز لباسه للمصلي وما لا يجوز
قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا تجوز الصلاة في النجاسة الغير المعفو عنها، وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في كتاب الطهارة. ولا تجوز ايضا في جلد الميتة ولا جلد غير مأكول اللحم وصوفه وشعره ووبره عدا ما يأتي استثناؤه ان شاء الله تعالى، ولا في الحرير المحض للرجل ولا في الذهب له ايضا ولا في المغصوب، ويجوز في ما عدا ذلك.
وتفصيل هذه الجملة يقطع في مقامات:
(الاول) في جلد الميتة وقد اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على انه لا تجوز الصلاة فيه ولو كان مما يؤكل لحمه سواء دبغ ام لم يدبغ حتى من القائلين بطهارته بالدباغ. ويدل عليه الاخبار المتكاثرة. فروى الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الميتة ؟ قال: لا تصل في شئ منه ولا شسع " اقول: الشسع بالكسر ما يشد به النعل. وروى الصدوق والشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ: فقال لا ولو دبغ سبعين مرة. وروى في كتاب الخصال بسنده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: " لا يصلى في جلود الميتة وان دبغت سبعين مرة ولا في جلود السباع " وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: " لا يصلى بجلد الميتة ولو دبغ سبعين مرة انا اهل بيت لا نصلي بجلود الميتة وان دبغت " إلى غير ذلك من الاخبار الآتية ونحوها. واما ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا وفي كتاب العلل مسندا في الصحيح عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) - قال: " قال عزوجل لموسى
(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 1 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 6 من لباس المصلى (4) البحار ج 18 الصلاة ص 100
[ 51 ]
فاخلع نعليك (1) لانها كانت من جلد حمار ميت " - فقد اجيب عنه بالحمل على عدمه علمه (عليه السلام) بذلك أو انه لم يكن يصلي فيها ان جوزنا الاستعمال في غير الصلاة أو انه لم يكن في شرعه تحريم الصلاة في جلد الميتة. والحق في الجواب انما هو ما رواه في كتاب اكمال الدين (2) في حديث سعد ابن عبد الله ودخوله على الامام ابي محمد العسكري (عليه السلام) مع احمد بن اسحاق وعلى فخذه ابنه القائم عجل الله فرجه قال في حديثه: وهو غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، فسأله عن مسائل فقال سل قرة عينى واومأ إلى الغلام، فكان في ما سأله قال اخبرني يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وأله) عن امر الله تبارك وتعالى لنبيه موسى (عليه السلام) " فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى " (3) فان فقهاء الفريقين يزعمون انهما من اهاب الميتة ؟ فقال (عليه السلام) من قال ذلك فقد افترى على موسى (عليه السلام) واستجهله في نبوته لانه ما خلا الامر فيهما من خطيئتين اما ان تكون صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة ؟ فان كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة وان كانت مقدسة مطهرة فليست باقدس واطهر من الصلاة، وان كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد اوجب على موسى انه لم يعرف الحلال والحرام ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم تجز وهذا كفر. قلت فاخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما قال ان موسى ناجى ربه بالواد المقدس فقال يا رب اني اخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عن من سواك وكان شديد الحب لاهله فقال الله تبارك وتعالى " اخلع نعليك " اي انزع حب اهلك من قلبك ان كانت محبتك لي خالصة... الحديث، وهو طويل اخذنا منه موضع الحاجة. وبه يظهر حمل الخبر الاول على التقية. قال شيخنا في الذكرى: والمبطل للصلاة فيه علم كونه ميتة أو الشك إذا وجد
(1) و (3) سورة طه، الآية 12 (2) البحار ج 18 الصلاة ص 101
[ 52 ]
مطروحا لاصالة عدم التذكية أو في يد كافر عملا بالظاهر من حاله أو في سوق الكفر، ولو وجد في يد مستحل الميتة بالدبغ ففيه صور ثلاث:
(الاولى) ان يخبر بانه ميتة فيجتنب لاعتضاده بالاصل من عدم الذكاة.
(الثانية) ان يخبر بانه مذكى فالاقرب القبول لانه الاغلب ولكونه ذا يد عليه، فيقبل قوله فيه كما يقبل في تطهير الثوب النجس. ويمكن المنع لعموم " فتبينوا " (1) ولان الصلاة في الذمة بيقين فلا تمول بدونه.
(الثالثة) ان يسكت ففي الحمل على الاغلب من التذكية أو على الاصل من عدمها الوجهان، وقد روى في التهذيب عن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليس هي ذكية ؟ فيقول بلى فيصلح لي ان ابيعها على انها ذكية ؟ فقال لا ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت وما افسد ذلك ؟ قال استحلال اهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وفي هذا الخبر اشارة إلى انه لو اخبر المستحل بالذكاة لا يقبل منه لان المسؤول في الخبر ان كان مستحلا فذالك وإلا فبطريق الاولى. وعن ابى بصير عنه (عليه السلام) (3) " كان علي بن الحسين (عليهما السلام) رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فيقول ان اهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته " وفي هذا دلالة على جواز لبسه في غير الصلاة. انتهى اقول: اما ما ذكره (قدس سره) مع علم كونه ميتة فمحل وفاق منا نصا وفتوى كما عرفت. واما ما ذكره من الشك بجميع وجوهه التي ذكرها من كونه مطروحا أو في يد
(1) سورة الحجرات، الآية 6 (2) الوسائل الباب 61 من النجاسات (3) الوسائل الباب 61 من لباس المصلى
[ 53 ]
كافر أو في سوق فهو المشهور بينهم، والا صح كما قدمنا تحقيقه في آخر كتاب الطهارة في بحث الجلود - هو الطهارة وهو اختيار جملة من افاضل متأخرى المتأخرين. واما ما ذكره في ما إذا وجد في يد مستحل الميتة بالدبغ فما اختاره في الصورتين الاولتين جيد لدلالة الاخبار - كما سلف وسيأتي ان شاء الله تعالى - على وجوب قبول قول ذي اليد في ما يخبر به من طهارة أو نجاسة أو حل أو حرمة. واما قوله في الصورة الثانية: ويمكن المنع... إلى آخره فالظاهر ضعفه لما حققناه في كتاب الطهارة من ان قول ذي اليد باعتبار دلالة الاخبار على وجوب العمل به كالشاهدين الذين اوجب الله سبحانه العمل بقولهما موجب للخروج عن عهدة التكليف كما لو شهد الشاهدان بطهارة الثوب أو ماء الطهارة أو نحو ذلك من شروط الصلاة. واما ما ذكره في الصورة الثالثة مما يؤذن بالتوقف ففيه ان مقتضى القاعدة المنصوصة " ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) هو حل الصلاة فيه، و " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر " (2) هو طهارته ومتى ثبتت الطهارة جازت الصلاة فيه، ولا معارض لهذه الاخبار بل هي مؤيدة بالاخبار المستفيضة. واما ما نقله من روايتي عبد الرحمان وابي بصير فهما معارضتان بما هو اصح سندا واكثر عددا واصرح دلالة من الاخبار الدالة على طهارة ما يشترى من الجلود من الاسواق من اي بائع كان والصلاة فيها، وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك في كتاب الطهارة: ومنها - صحيحة الحلبي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الخفاف
(1) الوسائل الباب 4 من ما يكتسب به و 61 من الاطعمة المباجة و 64 من الاطعمة المحرمة (2) الوسائل الباب 37 من النجاسات واللفظ " نظيف " بدل " طاهر " (3) الفروع ج 1 ص 112 وفى الوسائل في الباب 50 من النجاسات
[ 54 ]
عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال صل فيها حتى يقال لك انها ميتة بعينها " وهو دال باطلاقه على جواز ذلك من اي بائع كان مسلما أو كافرا مستحلا للميتة أو غير مستحل، ونحوها صحيحته الاخرى (1) وفيها " اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميت بعينه ". ورواية الحسن بن الجهم (2) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) اعترض السوق فاشتري خفا لا ادري أذكى هو ام لا ؟ فقال صل فيه. قلت فالنعل ؟ قال مثل ذلك. قلت اني اضيق من هذا ؟ قال أترغب عما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله ؟ " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المتقدمة في الموضع المذكور. وحينئذ فيجب حمل هذين الخبرين على الاحتياط والاستحباب كما هو ظاهر لذوي الافهام والالباب فلا دلالة لهما على ما زعمه (قدس سره) في هذا الباب. وبذلك يظهر ايضا ما في قوله: وفي هذا الخبر اشارة إلى انه لو اخبر المستحل بالذكاة... الخ. فانه كما عرفت مبني على الاستحباب من حيث التهمة والاحتياط لا من حيث عدم قبول قول ذي اليد، على انه يمكن ان يستثنى مقام التهمة من قبول قول ذي اليد مطلقا كما في هذا الموضع وله نظائر في الاحكام. قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: وذكر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان المبطل للصلاة في الجلد علم كونه ميتة أو في يد كافر أو الشك في تذكيته لاصالة عدم التذكية، وقد بينا في ما سبق ان اصالة عدم التذكية لا تفيد القطع بالعدم لان ما ثبت جاز ان يدوم وجاز ان لا يدوم فلابد لدوامه من دليل سوى دليل الثبوت وبالجملة فالفارق بين الجلد والدم المشتبهين استصحاب عدم التذكية في الجلد دون الدم ومع انتفاء حجيته يجب القطع بالطهارة فيهما معا لاصالة عدم التكليف باجتنابهما وعدم نجاسة الملاقي لهما. انتهى.
(1) و (2) الوسائل الباب 50 من النجاسات
[ 55 ]
قوله: " وبالجملة فالفارق... الخ " اشارة إلى ما تقدم منه (قدس سره) في بحث النجاسات والطهارات من انه إذا اشتبه الجلد واحتمل كونه منتزعا من ميتة أو مذكى وكذا الدم المشتبه بالطاهر والنجس فالفرق بينهما على مذهب الاصحاب باعتبار استصحاب عدم التذكية في الجلد فيكون نجسا بخلاف الدم ومتى قلنا ببطلان الاستصحاب فلا فرق بينهما، ثم استدل على ذلك باصالة عدم التكليف باجتنابهما وعدم نجاسة الملاقى لهما. وانت خبير بان هذا الاستدلال بالنسبة إلى الجلد لا يخلو من مصادرة لان هذا اول البحث وعين الدعوى ومطرح النزاع حيث ان الخصم يحكم بوجوب الاجتناب ونجاسة الملاقي لحكمه بكونه ميتة. والحق في الجواب انما هو ما اشرنا إليه آنفا من الاخبار الدالة على القاعدة الكلية المتفق عليها وهو " ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) و " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر " (2) و " لا ابالي أبول اصابني أو ماء إذا لم اعلم " (3) ونحو ذلك. ولا ريب ان الجلد هنا داخل تحت عموم هذه الكلية فيجب الحكم بطهارته وجواز ملاقاته برطوبة، وهكذا يقال في الدم مع الاشتباه، ويدل على خصوص ذلك رواية السكوني المتقدمة في الموضع المتقدم من كتاب الطهارة.
فائدتان:
(الاولى) - قال السيد السند (عطر الله مرقده) في المدارك: واعلم ان مقتضى كلام المصنف في المعتبر والعلامة في المنتهى وغيرهما اختصاص المنع بميتة ذي النفس، وهو كذلك للاصل وانتفاء ما يدل على عموم المنع. اقول: الظاهر ان هذا الاصل هنا عبارة عن اصالة الاباحة التي هي البراءة الاصلية والخلاف فيها مشهور كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، الا ان السيد المذكور ممن يرى العمل بها كما هو المشهور بين الاصوليين ولذا تراه دائما يعتمد عليها ويطرح
(1) و (2) ص 53 (3) الوسائل الباب 37 من النجاسات
[ 56 ]
الاخبار الضعيفة باصطلاحه في مقابلتها، واما على ما اخترناه وحققناه في مقدمات الكتاب وعليه جل المحدثين وجملة من الاصوليين ايضا فانه لا يجوز العمل عليها كما تقدم محققا مشروحا. واما ما ذكره من انتفاء ما يدل على عموم المنع فهو وان كان كذلك لكن يمكن الاستناد في ذلك إلى اطلاق الاخبار فانه اعم من ميتة ذي النفس وغيرها. والى ذلك جنح شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين ونقله عن والده حيث قال: لا يخفى ان المنع من الصلاة في جلد الميتة يشمل باطلاقه ميتة ذي النفس وغيره سواء كان مأكول اللحم أو لا، وفى كلام بعض علمائنا جواز الصلاة في ميتة غير ذي النفس من مأكول اللحم كالسمك الطافي مثلا. والمنع من الصلاة في ذلك متجه لصدق الميتة عليه وكونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلاة فيه، وكان والدي (قدس سره) يميل إلى هذا القول ولا بأس به. انتهى. وفيه ان ما ذكره من صدق الاطلاق وان كان متجها إلا ان الاطلاق انما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة المتكررة فانها هي التى ينساق إليها الذهن من الاطلاق دون الفروض النادرة كما عرفت في غير موضع وبه صرح الاصحاب في غير مقام. (فان قلت) ان مقتضى ما ذكرتم في رد الاعتماد على الاصل المذكور هو المنع من الصلاة في جلود السمك ونحوها ومقتضى ما ذكرتم في رد ما ذكره شيخنا البهائي هو الجواز فما المعمول عليه عندكم ؟ (قلت) الظاهر هو الجواز لكن لا للاصل المذكور بل للعمومات الدالة على شرطية الستر باي ساتر كان والامر بالصلاة في اي لباس كان خرج ما خرج بدليل وبقى ما بقى ولا دليل هنا على المنع من الصلاة في ذلك، فما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من الاستناد في المنع إلى اطلاق الميتة قد عرفت ما فيه. واما قوله اخيرا " وكونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلاة فيه " فمردود بان مقتضى
[ 57 ]
العمومات المذكورة ذلك حتى يقوم دليل على الاستثناء هنا كما قام الدليل على فضلات الحيوان الغير المأكول اللحم على القول بالتحريم، إذ لا ريب ان هذه الجلود طاهرة في حال حياة حيوانها والموت لا ينجسها لعدم النفس فتجوز الصلاة فيها كسائر الملابس الطاهرة. وممن اختار الجواز في المسألة المذكورة شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة مستندا إلى ما ذكرنا من الطهارة حال الحياة وان الموت غير منجس، وايده ايضا بان المصنف واكثر الاصحاب جوزوا الصلاة في جلد لخز وان كان غير مذكى مع كون لحمه غير مأكول فجوازها في جلد السمك اولى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المحقق الشيخ علي في شرحه على الالفية حكى عن المصنف في الذكرى انه نقل عن المعتبر دعوى اجماع الاصحاب على جواز الصلاة في جلد السمك وان كان ميتة وفى شرح القواعد نقل ذلك عن المعتبر بغير واسطة الذكرى، وهو عجيب غريب حيث انه لا اثر لذلك في الكتابين قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح الرسالة بعد نقل ذلك عنه ونسبته إلى الوهم: ان المصنف لم ينقل ذلك عن المعتبر ولا هو موجود في المعتبر وانما الذي نقله عن المعتبر والموجود فيه الاجماع على جواز الصلاة في وبر الخز وان كانت ميتة لانه ظاهر في حال الحياة ولم ينجس بالموت ولكن عبارة الذكرى توهم كون البحث عن السمك وعند الاعتبار ومراجعة المعتبر ينجلي لك الحال واما جلد السمك فلم يذكراه في الكتابين. انتهى.
(الثانية) - قال في المدارك في هذا المقام: ولا فرق في الثوب بين كونه ساترا للعورة ام لا بل الظاهر تحريم استصحاب غير الملبوس ايضا لقوله (عليه السلام) (1) " لا تصل في شئ منه ولا شسع ". اقول: في اطلاق الثوب على ما يؤخذ من الجلود تجوز وتسامح كما لا يخفى إذ
(1) ص 50
[ 58 ]
الظاهر انه انما يطلق على ما يتخذ من القطن أو الكتان أو الابريسم ونحوها لا الجلود وان قطعت كتقطيع الثياب. واما ما ذكره من تحريم استصحاب غير الملبوس فلا يخلو من اشكال لان الظاهر من النهي عن الصلاة في شئ انما هو باعتبار كونه لباسا تحقيقا للظرفية المستفادة من لفظة " في " لا مستصحبا ولا محمولا، فالنهي عن الصلاة في الذهب وفي الحرير ونحوهما انما هو باعتبار اللبس لا باعتبار مجرد الاستصحاب والحمل.
(المقام الثاني) - في جلد ما لا يؤكل لحمه وان دبغ وصوفه وشعره ووبره وريشه، ويحرم الصلاة فيه بالاجماع كما نقله جمع من الاصحاب عدا ما استثنى مما يأتي ذكره في المقام ان شاء الله تعالى. والاصل في ذلك الاخبار المتكاثرة: منها - ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير (1) قال: " سأل زرارة ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر فاخرج كتابا زعم انه املاء رسول الله (صلى الله عليه وأله) ان الصلاة في وبر كل شئ حرام اكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه والبانه وكل شئ منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلى في غيره مما احل الله اكله، ثم قال يا زرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاحفظ ذلك يا زرارة وان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه والبانه وكل شئ منه جائزة إذا علمت انه ذكى قد ذكاه الذبح، وان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله وحرم عليك اكله فالصلاة في كل شئ منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه ". وصحيحة اسماعيل بن سعد الاحوص (2) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في جلود السباع فقال لا تصل فيها ". وموثقة سماعة (3) قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها قال اما لحوم السباع من الطير والدواب فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه "
(1) الوسائل الباب 2 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 6 من اباس المصلى (3) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى
[ 59 ]
وروى الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن اسماعيل البرمكي رفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه... ". وروى فيه ايضا عن الحسن بن علي الوشاء رفعه (2) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يكره الصلاة في وبر كل شئ لا يؤكل لحمه " ورواه الشيخ في التهذيب ايضا ورواية ابراهيم بن محمد الهمداني (3) قال: " كتبت إليه يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة ؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيه ". ورواية علي بن ابي حمزة (4) قال: " سألت ابا عبد الله وابا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء والصلاة فيها فقال لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا. قال قلت أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد ؟ فقال بلى إذا كان مما يؤكل لحمه. قلت وما يؤكل لحمه من غير الغنم ؟ قال لا بأس بالسنجاب فانه دابة لا تأكل اللحم وليس هو مما نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وأله) إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب ". وصحيحة ابي علي بن راشد (5) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الفراء اي شئ يصلى فيه ؟ فقال اي الفراء ؟ قلت الفنك والسنجاب والسمور. قال فصل في الفنك والسنجات فاما السمور فلا تصل فيه. قلت فالثعالب يصلى فيها ؟ قال لا ولكن تلبس بعد الصلاة. قلت اصلي في الثوب الذي يليه ؟ قال لا ". ورواية مقاتل بن مقاتل (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في السمور والسنجاب والثعلب فقال لا خير في ذا كله ما خلا السنجاب فانه دابة لا تأكل اللحم ". وفي كتاب الفقه الرضوي (7) " لا بأس بالصلاة في شعر ووبر كل ما اكل لحمه والصوف منه ولا يجوز الصلاة في سنجاب وسمور وفنك فإذا اردت الصلاة فانزع عنك
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من لباس المصلى (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب 3 من لباس المصلى (7) ص 16
[ 60 ]
وقد اروى فيه رخصة، واياك ان تصلي في الثعالب ولا في ثوب تحته جلد ثعالب، وصل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الارانب... ولا تصل في جلد الميتة على كل حال " انتهى. إلى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى.
وتفصيل الكلام في هذا المقام يقع في مسائل:
(الاولى) - ينبغي ان يعلم ان المستفاد من لفظة " في " الواقعة في هذه الاخبار ان المنع مختص بالملابس وما يتلطخ به اللباس من اللبن والبول والشعرات الملقاة على اللباس وسائر فضلات ما لا يؤكل لحمه، وحينئذ فلا يدخل في ذلك المحمول فلو صلى الانسان مستصحبا لعظم الفيل من مشط وغيره مما يحمل فلا بأس بالصلاة فيه، وبما ذكرناه ايضا صرح المحدث المحسن الكاشاني في الوافي، وكلمات الاصحاب في هذا المقام لا تخلو من الاختلاف والاضطراب كما تقدم في كتاب الطهارة وربما يأتي نحوه ايضا.
(المسألة الثانية) - لا خلاف بين الاصحاب في جواز الصلاة في وبر الخز الخالص من مخالطة وبر الارانب والثعالب ونحوهما مما لا تصح الصلاة فيه، نقل الاجماع على ذلك جماعة: منهم - المحقق والعلامة وابن زهرة والشهيد وغيرهم، انما الخلاف في جلده فالمشهور في كلام المتأخرين ان حكم الجلد حكم الوبر، وذهب ابن ادريس إلى العدم ونفى عنه الخلاف وتبعه العلامة في المنتهى على ما نقله في الذخيرة. ومما يدل على الوبر الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سأل ابا عبد الله (عليه السلام) رجل وانا عنده عن جلود الخز فقال ليس بها بأس. فقال الرجل جعلت فداك انها في بلادي وانما هي كلاب تخرج من الماء ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء ؟ فقال الرجل لا فقال لا بأس " وهذا الخبر بالتأييد انسب من الاستدلال إذ ليس فيه تصريح بالصلاة.
(1) الوسائل الباب 10 من لباس المصلى
[ 61 ]
وما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري (1) قال: " رأيت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) يصلي في جبة خز ". وما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) يصلي الفريضة وغيرها في جبة خز طاروني، وكساني جبة خز وذكر انه لبسها على بدنه وصلى فيها وامرني بالصلاة فيها ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: " سألته عن لبس الخز فقال لا بأس به ان علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الكساء الخز في الشتاء فإذا جاء الصيف باعه وتصدق بثمنه وكان يقول اني لاستحيي من ربي ان آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه ". وما رواه الشيخ في الموثق عن معمر بن خلاد (4) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في الخز فقال صل فيه ". وما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن زرارة (5) قال: " خرج أبو جعفر (عليه السلام) يصلي على بعض اطفاله وعليه جبة خز صفراء ومطرف خز اصفر ". وعن ابن ابي يعفور (6) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز ؟ فقال لا بأس بالصلاة فيه. فقال له الرجل جعلت فداك انه ميت وهو علاجي وانا اعرفه ؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) انا اعرف به منك. فقال له الرجل انه علاجي وليس احد اعرف به مني ؟ فتبسم أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال له أتقول انه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقدت الماء ماتت ؟ فقال الرجل صدقت جعلت فداك هكذا هو. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) فانك تقول انه دابة تمشي على اربع وليس
(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 8 من لباس المصلى (3) رواه في الوسائل في الباب 10 من لباس المصلى
[ 62 ]
هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء ؟ فقال الرجل اي والله هكذا اقول فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فان الله تعالى احله وجعل ذكاته موته كما احل الحيتان وجعل ذكاتها موتها ". ومما يدل على ان الجلد كالوبر في هذا الحكم ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد (1) قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن جلود الخز فقال هو ذا نحن نلبس. فقلت ذاك الوبر جعلت فداك فقال إذا حل وبره حل جلده " واستدل على ذلك ايضا بالاصل مضافا إلى الرواية المذكورة. ويؤيده اطلاق الخز في موثقة معمر بن خلاد فانه شامل للجلد والوبر، ونحوه ما رواه الصدوق عن يحيى بن عمران (2) انه قال: " كتبت إلى ابى جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب والفنك والخز وقلت جعلت فداك احب ان لا تجيبني بالتقية في ذلك فكتب الي بخطه: صل فيها ". ويؤيده ايضا اطلاق صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وامثالها مما دل على جواز اللبس فانه شامل لحال الصلاة وغيرها، وعدم الاستفصال في مقام الاحتمال يدل على العموم كما ذكروه في غير مقام. وظاهر الفاضل الخراساني هنا الطعن في الصحيحة المذكورة بانها لا تصلح للاستدلال بها وانما تصلح للتأييد إذ ليس فيها تصريح بالصلاة. وفيه ان ظاهر تعليق حل الجلد على حل الوبر الشامل باطلاقه للصلاة مع حل الصلاة في الوبر اجماعا نصا وفتوى هو حل الصلاة في الجلد ايضا ومن اجل ذلك استدل الاصحاب بالخبر المذكور إلا انه نقل المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (3) عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم انه قال فيه: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
(1) الوسائل الباب 10 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى (3) البحار ج 18 الصلاة ص 101
[ 63 ]
لا يصلى في ثوب مما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه، فهذه جملة كافية من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يصلى في الخز، والعلة في ان لا يصلى في الخز ان الخز من كلاب الماء وهي مسوخ إلا ان يصفى وينقى، إلى ان قال: وعلة ان لا يصلى في السنجاب والسمور والفنك قول رسول الله (صلى الله عليه وأله) المتقدم " ثم قال شيخنا المشار إليه بعد نقل الخبر: لعل مراده عدم جواز الصلاة في جلد الخز بقرينة الاستثناء وقد تقدم القول في الجميع. اقول: وفى الاعتماد على مثل هذا الخبر اشكال مضافا إلى عدم ثبوت الاعتماد على الكتاب المذكور وان مصنفه في عداد معتمدي العلماء غير مشهور. حجة القول الثاني العمومات الدالة على المنع من كل شئ من ما لا يؤكل لحمه خرج الوبر بالنص والاجماع وبقى الجلد تحت عموم المنع. والجواب عنه ما عرفت من دلالة صحيحة سعد ابن سعد المذكورة على ذلك بالتقريب الذي ذكرناه مع تأيدها بالاخبار المذكورة. إلا ان المسألة بعد لا تخلو من شوب الاشكال سيما مع ما عرفت من كتاب العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم. بقى الكلام في ما لو خالط وبر الخز وبر غيره مما لا يجوز الصلاة فيه والمشهور كما عرفت المنع من الصلاة فيه. ويدل على ما رواه في الكافي عن العدة عن احمد بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الخز الخالص انه لا بأس به فاما الذي يخلط فيه وبر الارانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه " وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي " وصل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الارانب " وروى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن ايوب بن نوح رفعه (2) قال " قال أبو عبد الله (عليه السلام) الصلاة في الخز الخالص ليس به بأس واما الذي يخلط فيه الارانب أو غيرها مما يشبه هذا فلا تصل فيه ".
(1) و (2) الوسائل الباب 9 من لباس المصلى
[ 64 ]
وقد ورد ما يدل على خلاف ما دلت عليه هذه الاخبار وهو ما رواه الشيخ في التهذيب عن داود الصرمي عن بشر بن يسار (1) قال: " سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الارانب فكتب يجوز ذلك " ورواه الشيخ في موضع آخر وكذلك الصدوق في الفقيه عن داود الصرمي (2) قال: " سأل رجل ابا الحسن الثالث... الحديث " ونسبه الشيخ في التهذيبين إلى الشذوذ واختلاف اللفظ في السائل والمسؤول ثم حمله على التقية. وما ذكره من الحمل على التقية جيد. وقال المحقق في المعتبر: اما المغشوش بوبر الارانب والثعالب ففيه روايتان احداهما رواية محمد بن يعقوب ثم ساق مرفوعة احمد ورواية ايوب بن نوح، والثانية رواية داود الصرمي ثم ذكرها، ثم قال والوجه ترجيح الروايتين الاوليين وان كانتا مقطوعتين لاشتهار العمل بهما بين الاصحاب ودعوى اكثرهم الاجماع على مضمونهما. انتهى. اقول: ويزيدهما تأييدا عبارة كتاب الفقه الرضوي المذكورة: وبه يظهر قوة القول المشهور وان الاظهر حمل الرواية المنافية على التقية. وقال الصدوق في الفقيه: هذه رخصة الآخذ بها مأجور ورادها مأثوم والاصل ما ذكره ابي في رسالته الي: وصل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الارانب. اقول: بل الاقرب حملها على التقية كما ذكرنا وسيأتي في المقام ما يوضحه. إلا انه روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج مما كتبه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة (3): روى عن صاحب العسكر (عليه السلام) انه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الارانب فوقع: يجوز. وروى عنه ايضا انه لا يجوز فاي الامرين نعمل به ؟ فأجاب (عليه السلام) انما حرم في هذه الاوبار والجلود فاما الاوبار وحدها فحلال " وفى نسخة فكلها حلال " وقد سئل بعض العلماء عن معنى
(1) و (2) الوسائل الباب 9 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 10 من لباس المصلى
[ 65 ]
قول الصادق (عليه السلام): لا يصلى في الثعلب ولا الثوب الذي يليه فقال انما عنى الجلود دون غيره. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل الخبر المذكور: ما ذكر في الخبر من الفرق بين الجلد والوبر خلاف ما يعهد في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وذكروا اتفاق الاصحاب على عدم جواز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه وشعره ووبره عدا ما استثنى مما سيذكر. انتهى. اقول: بل خلاف ما دلت عليه الاخبار ايضا كما تقدم شطر منها في اول هذا المقام. وبالجملة فان الرواية المذكورة غريبة مرجوعة إلى قائلها عجل الله فرجه. فائدة اعلم انه قد اختلف كلام العلماء في الخز فقال الشيخ الزاهد العابد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي (قدس سره) في كتاب مجمع البحرين: الخز بتشديد الزاى دابة من دواب الماء تمشي على اربع تشبه الثعلب ترعى في البر وتنزل البحر لها وبر يعمل منه الثياب تعيش في الماء ولا تعيش في خارجه وليس على حد الحيتان وذكاتها اخراجها من الماء حية، قيل وقد كانت في اول الاسلام إلى وسطه كثيرة جدا. انتهى. وقال المحقق في المعتبر: والخز دابة بحرية ذات اربع تصاد من الماء وتموت بفقده، قال أبو عبد الله (عليه السلام) " ان الله احله وجعل ذكاته موته كما احل الحيتان وجعل ذكاتها موتها " كذا روى محمد بن سليمان الديلمي عن قريب عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) وعندي في هذه الرواية توقف لضعف محمد بن سليمان ومخالفتها لما اتفقوا عليه من انه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك ولا من السمك إلا ما له فلس وحدثني جماعة من التجار انها القندس ولم اتحققه وقال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل ما ذكره المحقق من التوقف: قلت مضمونها مشهور بين الاصحاب فلا يضر ضعف
(1) ص 61
[ 66 ]
الطريق، والحكم بحله جاز ان يستند إلى حل استعماله في الصلاة وان لم يذك كما احل الحيتان بخروجها من الماء حية فهو تشبيه للحل بالحل لا في جنس الحلال، ثم قال قلت لعله ما يسمى في زماننا بمصر وبر السمك وهو مشهور هناك، ومن الناس من يزعم انه كلب الماء وعلى هذا يشكل ذكاته بدون الذبح لان الظاهر انه ذو نفس سائلة. والله اعلم. انتهى اقول: والذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بذلك زيادة على ما تقدم في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية ابن ابى يعفور المتقدمتين ما رواه في التهذيب في باب المطاعم والمشارب عن محمد بن احمد عن احمد بن حمزة القمي عن محمد بن خلف عن محمد بن سنان عن عبد الله بن سنان عن ابن ابي يعفور (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اكل لحم الخز قال كلب الماء ان كان له ناب فلا تقر به وإلا فاقر به " وقال احمد حدثني محمد بن علي القرشي عن الحسن بن احمد عن ابن بكير عن حمران بن اعين (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الخز فقال سبع يرعى في البر ويأوى الماء " وروى في التهذيب ايضا عن محمد بن احمد عن احمد بن حمزة عن زكريا بن آدم (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت ان اصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه قال فقال ان كان له ناب فلا تأكله ثم مكث ساعة فلما هممت بالقيام قال اما انت فاني اكره لك اكله فلا تأكله ".
ويستفاد من مجموع اخبار المسألة بضم بعضها إلى بعض امور:
(الاول) - ان الخز دابة تمشي على اربع وانه كلب الماء كما نقل في الذكرى عن بعض الناس، وقد وقع التصريح بكونه كلب الماء في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وهو وان كان في كلام السائل إلا ان الامام (عليه السلام) اقره عليه، وفى رواية ابن ابي يعفور الثانية وقريب منها رواية حمران الدالة على انه سبع.
(الثاني) - ان منه ما له ناب ومنه ما لا ناب له وان الثاني يحل اكله لحمه كما صرحت
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 39 من الاطعمة المحرمة
[ 67 ]
به رواية ابن ابي يعفور الثانية ورواية زكريا بن آدم دون الاول وهو ظاهر رواية ابن ابي يعفور الاولى، وحينئذ فلا يلتفت إلى استبعاد صاحب المعتبر ولا إلى جواب صاحب الذكرى لاختصاص ما ذكراه بالبحري المحض كالسمك وهذا ليس كذلك كما عرفت وما اشتمل عليه خبر حمران من انه سبع يحمل على ذي الناب منه.
(الثالث) - انه بري بحري يرعى في البر ويأوي إلى البحر كما ذكره في كتاب مجمع البحرين وعليه دلت رواية حمران بن اعين، وانه لو اخذ ومنع من البحر مات وان ذكاته موته في البر كما صرحت به رواية ابن ابي يعفور الاولى وهو ظاهر صحيحة عبد الرحمان وحكمه في ذلك حكم الحيتان، ومن هنا ينقدح الاشكال الذي اشار إليه في الذكرى إذ الظاهر من كونه كلب الماء وانه على اربع قوائم يرعى في البر وانه سبع وذو ناب انه ذو نفس سائلة وان ذكاته انما هي بالذبح مع انه (عليه السلام) جعل حكمه حكم الحيتان في كون ذكاته بالموت خارج الماء، وحينئذ فيجب القول باستثنائه من القاعدة المذكورة كما انه يجب استثناؤه من قاعدة تخصيص حل ما كان في البحر بما كان له فلس من السمك، فان هذه الاخبار دلت على خروجه من القاعدتين المذكورتين بالنسبة إلى ما لا ناب له منهما، وقد حكم (عليه السلام) بالحل والذكاة كذلك في رواية عبد الله ابن ابي يعفور الاولى وبالثاني في صحيحة عبد الرحمان حيث ان ظاهرها نفى البأس عن الصلاة في جلده، وبذلك يظهر ضعف ما نقله في المعتبر عن جماعة من التجار وكذلك ما ذكره في الذكرى مما يسمى في زمانه بوبر السمك، ومن المحتمل قريبا حدوث هذه الاسماء لهذه الاشياء. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد كلام في المقام: إذا عرفت هذا فاعلم ان في جواز الصلاة في الجلد المشهور في هذا الزمان بالخز وشعره ووبره اشكالا للشك في انه هل هو الخز المحكوم عليه بالجواز في عصر الائمة (عليهم السلام) ام لا بل الظاهر انه غيره لانه يظهر من الاخبار انه مثل السمك يموت بخروجه من
[ 68 ]
الماء وذكاته اخراجه منه، والمعروف بين التجار ان الخز المعروف الآن دابة تعيش في البر ولا تموت بالخروج من الماء، الا ان يقال انهما صنفان برى وبحري وكلاهما يجوز الصلاة فيه وهو بعيد. ويشكل التمسك بعدم النقل واتصال العرف من زماننا إلى زمانهم (عليهم السلام) إذا اتصال العرف غير معلوم إذا وقع الخلاف في حقيقته في اعصار علمائنا السالفين ايضا، وكون اصل عدم النقل في مثل ذلك حجة في محل المنع، فالاحتياط في عدم الصلاة فيه. انتهى. وهو جيد إلا ان قوله " مثل السمك يموت بخروجه من الماء " ليس كذلك إذ الظاهر منها انه يرعى في البر وانه لا يموت بمجرد الخروج كالسمك وانما يموت بحبسه عن الماء وعدم رجوعه إليه كما قدمناه ذكره. والله العالم.
(المسألة الثالثة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز الصلاة في جلد السنجاب ووبره، فذهب الشيخ في المبسوط وكتاب الصلاة من النهاية واكثر المتأخرين إلى الجواز حتى قال في المبسوط: اما السنجاب والحواصل فلا خلاف في انه يجوز الصلاة فيهما. ونسبه في المنتهى إلى الاكثر. وذهب الشيخ في الخلاف وفي كتاب الاطمعة والاشربة من النهاية إلى المنع واختاره ابن البراح وابن ادريس وهو ظاهر ابن الجنيد والمرتضى وابي الصلاح بل ظاهر ابن زهرة نقل الاجماع عليه واختاره في المختلف ونسبه الشهيد الثاني إلى الاكثر. وذهب ابن حمزة إلى الكراهة. وقال الصدوق في الفقيه وقال ابي في رسالته الي: لا بأس بالصلاة في شعر ووبر كل ما اكل لحمه وان كان عليك غيره من سنجاب اوسمور أو فنك واردت الصلاة فيه فانزعه وقد روى فيه رخصة. انتهى. ومنشأ الخلاف في المقام اختلاف اخبارهم (عليهم السلام) واختلاف الانظار في الجمع بينها والافهام: ومما يدل على القول بالجواز ما تقدم في المسألة السابقة من رواية علي بن ابي حمزة وصحيحة ابي علي بن راشد ورواية مقاتل بن مقاتل.
[ 69 ]
وما رواه في التهذيب في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الفراء والسمور والسنجاب والثعالب واشباهه ؟ قال لا بأس بالصلاة فيه ". وعن الوليد بن ابان (2) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) اصلي في الفنك والسنجاب ؟ قال نعم. فقلت نصلي في الثعالب إذا كانت ذكية ؟ قال لا تصل فيها ". وعن بشر بن يسار (3) قال: " سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الاسلام اصلي فيها لغير تقية ؟ قال فقال صل في السنجاب والحواصل الخوارزمية ولا تصل في الثعالب ولا السمور ". وروى الصدوق بسنده عن يحيى بن عمران (4) انه قال: " كتبت إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب والفنك والخز وقلت جعلت فداك احب ان لا تجيبني بالتقية في ذلك فكتب بخطه الي صل فيها ". وروى الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك فقال لا يلبس ولا يصلى فيه إلا ان يكون ذكيا ". ويؤيد ذلك اطلاق الاخبار الدالة على جواز لبسه وهي كثيرة. واما ما يدل على المنع فجملة اخرى من الاخبار الدالة على المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه وعلى الخصوص ما تقدم من موثقة عبد الله بن بكير المشتملة على المنع من السنجاب خصوصا ومن جميع ما لا يؤكل لحمه على ابلغ وجه، وكلامه (عليه السلام)
(1) و (5) الوسائل الباب 4 من لباس المصلى (2) الوسائل 3 و 7 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى. وفى بعض النسخ " بشير بن يسار " وفى بعضها " بشير بن بشار " (4) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى. وفى الفقيه المطبوع " يحيى بن ابى عمران "
[ 70 ]
في كتاب الفقه الرضوي وهو عين ما نقله الصدوق عن رسالة ابيه إليه بتغيير ما. والمحقق في المعتبر حيث اختار القول بالجواز كما هو المشهور اجاب عن خبر ابن بكير بان خبر ابي على بن راشد خاص والخاص مقدم على العام، وبان ابن بكير مطعون فيه وليس كذلك أبو علي بن راشد. ورد الاول بانه رواية ابن بكير وان كانت عامة إلا ان ابتناءها على السبب الخاص وهو السنجاب وما ذكر معه يجعلها كالنص في المسؤول عنه. والثاني بان ابن بكير وان كان فطحيا لكنه من الشهرة والجلالة بمكان حتى قال الكشي انه ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه واقروا له بالفقه واما أبو علي بن راشد فلم يذكره النجاشي ولا الشيخ في الفهرست نعم ذكره في كتاب الرجال ووثقه وترجيحه على ابن بكير محل نظر اقول: والحق هو حصول التعارض بين الادلة المذكورة فلابد من الجمع بينها، ويمكن الجمع باحد وجهين: اما حمل الاخبار الدالة على الجواز على التقية لموافقته اقوال العامة (1) واما حمل خبر المنع على الكراهة. ورجح الثاني بكثرة الادلة الدالة على الجواز كما تقدم ومطابقة الاصل وان الحمل على التقية لا يخلو من اشكال، فان مذهب العامة جواز الصلاة في جلود ما لا يؤكل لحمه مطلقا والروايات الدالة على الجواز قد اشتملت على الجواز في السنجاب مع نفي ذلك من غيره من السمور والثعالب وامثالهما. ومن هذا الكلام يظهر قوة القول بالكراهة كما تقدم نقله عن ابن حمزة، وهو ظاهر الصدوق في كتاب المجالس حيث قال: ولا بأس بالصلاة في شعر ووبر كل ما اكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فلا يجوز الصلاة في شعره ووبره إلا ما خصته الرخصة وهي الصلاة في السنجاب والسمور والفنك والخز، والاولى ان لا يصلى فيها ومن صلى فيها جازت صلاته. وقال في المقنع: لا بأس بالصلاة في السنجاب والسمور والفنك لما روى في ذلك من الرخص. والى ذلك يشير كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتقدم
(1) حياة الحيوان ج 2 ص 41 والمغنى ج 8 ص 592
[ 71 ]
حيث انه بعد ان منع من الصلاة في السنجاب والفنك والسمور قال: و " اروي فيه رخصة " ونحو ذلك عبارة الشيخ في الخلاف وسلار على ما نقله في المختلف فانهما بعد ان ذكر المنع مما لا يؤكل لحمه قالا ورويت رخصة في الصلاة في النسجاب والفنك والسمور. وظاهرهم جواز الصلاة في هذه الثلاثة على كراهة جمعا بين اخبار المسألة وقد روى ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال لمولانا الهادي (عليه السلام) لمحمد بن علي بن عيسى من طريق احمد بن محمد بن عياش الجوهري وعبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن احمد بن محمد بن زياد وموسى بن محمد عن محمد بن علي بن عيسى (1) قال: " كتبت إلى الشيخ اعزه الله وايده اسأله عن الصلاة في الوبر اي اصنافه اصلح ؟ فأجاب لا احب الصلاة في شئ منه. قال فرددت الجواب انا مع قوم في تقية وبلادنا بلاد لا يمكن احدا ان يسافر فيها بلا وبر ولا يأمن على نفسه ان هو نزع وبره وليس يمكن الناس كلهم ما يمكن الائمة (عليهم السلام) فما الذي ترى ان نعمل به في هذا الباب ؟ قال فرجع الجواب إلى: تلبس الفنك والسمور ". اقول: ومن هذه الرواية يمكن استنباط وجه جمع بين اخبار المسألة بابقاء ما دل على المنع من الصلاة في غير المأكول على عمومه وحمل الرخصة الواردة في الثلاثة المتقدمة على اولوية هذه الثلاثة في مقام الضرورة والتقية، وبه يندفع الاشكال المتقدم عن الحمل على التقية من حيث تضمن الاخبار للجواز في هذه الثلاثة مع المنع عن غيرها فانه لا منافاة فيه من حيث الضرورة إلى لبس ما كان كذلك واندفاع التقية باحد هذه الثلاثة. بقى الكلام في وجه الخصوصية لاختيار هذه الثلاثة وهو موكول إليهم (عليهم السلام). ومما يعضد الحمل على التقية ما قدمناه في مقدمات الكتاب من ان الحمل على ذلك لا يختص بوجود قائل من العامة بل انهم (عليهم السلام) يقصدون ايقاع الاختلاف بين الشيعة لينزلوا من نظر العامة ويكذبوهم في النقل عن أئمتهم (عليهم السلام) ولا يعبأوا
(1) الوسائل الباب 4 من لباس المصلى
[ 72 ]
بمذهبهم كما قدمنا تحقيقه، وانت إذا تأملت في اخبار هذه المسألة وجدتها كذلك، فانهم (عليهم السلام) تارة يفتون الشيعة بالحق وهو المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه باتم تأكيد كما اشتملت عليه موثقة ابن بكير ونحوها وان لم يكن مثلها في التأكيد، وتارة يفتونهم بجواز الصلاة في الجميع كصحيحة علي بن يقطين، وتارة يخصصون الجواز بافراد مخصوصة، فمنها - ما اشتمل على استثناء السنجاب خاصة كرواية مقاتل بن مقاتل، ومنها - ما اضيف إليه فيها الفنك كرواية ابي علي بن راشد ورواية الوليد بن أبان، ومنها - ما اضيف إليه الحواصل الخوارزمية خاصة كرواية بشر بن يسار، ومنها - ما دل على الجواز في الجميع إلا الثعالب كصحيحة الريان بن الصلت (1) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس الفراء والسمور والسنجاب والحواصل وما اشبهها والمناطق والكيمخت والمحشو بالقز والخفاف من اصناف الجلود ؟ فقال لا بأس بهذا كله إلا الثعالب " فانظر إلى هذا الاختلاف العظيم فهل له وجه غير ما ذكرناه ؟ ويؤيد ذلك ايضا ما قدمناه في غير مقام من ان حمل النهي الذي هو حقيقة في التحريم على الكراهة في تلك الاخبار الدالة على النهي مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة، واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز لجواز الجمع بوجه آخر وان اشتهر بينهم الجمع بين الاخبار بذلك، على انه لو سلم فلا يجري في موثقة ابن بكير التي هي عمدة اخبار المسألة لوقوع النهي فيها على ابلغ وجه كما لا يخفى. وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال والاحتياط في امثال ذلك مما لا ينبغي تركه. هذا، وقد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه انما تجوز الصلاة فيه بناء عى القول بالجواز مع تذكيته لانه ذو نفس سائلة قطعا، قال في الذكرى: قد اشتهر بين التجار والمسافرين انه غير مذكى ولا عبرة بذلك حملا لتصرف المسلمين على
(1) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى
[ 73 ]
ما هو الاغلب، وايده بعضهم بان متعلق الشهادة إذا كان غير محصور فلا يسمع نعم لو علم بذلك حرم. فائدة روى في التهذيب (1) عن ابي حمزة الثمالي قال: " سأل أبو خالد الكابلي علي بن الحسين (عليه السلام) عن اكل لحم السنجاب والفنك والصلاة فيهما ؟ قال أبو خالد ان السنجاب يأوي الاشجار قال فقال له ان كان له سبلة كسبلة السنور والفأرة فلا يؤكل لحمه ولا تجوز الصلاة فيه، ثم قال اما انا فلا آكله ولا احرمه " وفى اللغة السبلة بالتحريك الشارب (2) ومفهوم هذا الخبر ان ما ليس له سبلة فهو حلال اكله وتجوز الصلاة فيه، ويؤيده قوله: " اما انا فلا آكله ولا احرمه " بحمل كلامه على ما ليس له سبلة بمعنى انه حلال على كراهية وتجوز الصلاة فيه. والحديث غريب والحكم به مشكل إذ لا اعرف قائلا به بل الظاهر الاتفاق على تحريمه مطلقا وان استثنى جواز الصلاة في جلده ووبره على القول بذلك. والسنجاب - على ما ذكره في كتاب مجمع البحرين - حيوان على حد اليربوع اكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون وهو شديد الختل ان ابصر الانسان صعد الشجرة العالية وهو كثير في بلاد الصقالبة واحسن جلوده الازرق الاملس. وقال في كتاب المصباح المنير: السمور كتنور دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة تكون في بلاد الترك تشبه النمس ومنه اسود لامع واشقر، وحكى لي بعض الناس ان
(1) ج 2 ص 295 وفى الوسائل الباب 41 من الاطعمة المجرمة. وفي ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق المطبوعة والمخطوطة (الكافي) بذل (التهذيب) ولم نجده في الكافي في مظانه وصاحب الوسائل لم يروه الا عن التهذيب كما في الوافى ج 11 ص 15. (2) في مجمع البحرين مادة (سبل): وفى حديث السنجاب إذا كان له سنبلة كسنبلة السنور والفأرة
[ 74 ]
اهل تلك الناحية يصيدون الصغار منها فيخصون الذكر ويتركونه يرعى فإذا كان ايام الثلج خرجوا للصيد فما كان مخصيا استلقى على قفاه فادركوه وقد سمن وحسن شعره. وقال في كتاب المجمع: الفنك كعسل دويبة برية غير مأكولة اللحم يؤخذ منها الفرو يقال ان فروها اطيب من جميع انواع الفراء يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة وهو ابرد من السمور واعدل واحر من السنجاب صالح لجميع الامزجة المعتدلة. وقال في كتاب حياة الحيوان الحواصل جمع حوصل وهو طير كبير له حوصلة عظيمة يتخذ منها الفرو، قيل وهذا الطائر يكون بمصر كثيرا.
(المسألة الرابعة) - قد اختلفت الاخبار في الثعالب والارانب، وقد تقدم في موثقة ابن بكير المنع من الثعالب بخصوصه مع المنع من كل ما لا يؤكل لحمه، وصحيحة ابي علي بن راشد وفيها نهى عن الثعالب وعن الثوب الذي يليه، ورواية مقاتل بن مقاتل وفيها ايضا النهي عن الثعالب، وعبارة الفقه الرضوي فيها " اياك ان تصلي في الثعالب ولا في ثوب تحته جلد ثعالب " وهذه الروايات كلها قد تقدمت في صدر المقام ومنها - ايضا رواية الوليد بن ابان وفيها النهي عن الثعالب وان كانت ذكية، ورواية بشر بن يسار وفيها " لا تصل في الثعالب " وقد تقدمتا في المسألة الثانية. ويدل على المنع ايضا صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جلود الثعالب أيصلى فيها ؟ قال ما احب ان اصلي فيها " ورواية جعفر بن محمد بن ابي زيد (2) قال: " سئل الرضا (عليه السلام) عن جلود الثعالب الذكية ؟ قال لا تصل فيها ". ويدل على ذلك ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يلبس فراء الثعالب والسنانير ؟ قال لا بأس ولا يصلي فيه ".
(1) و (2) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى (3) مستدرك الوسائل الباب 7 من لباس المصلى
[ 75 ]
ويدل على ذلك ايضا صحيحة علي بن مهزيار (1) " عن رجل سأل الماضي (عليه السلام) عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليها فلم ادر اي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد ؟ فوقع بخطه (عليه السلام) الثوب الذي يلصق بالجلد. قال وذكر أبو الحسن (عليه السلام) انه سأله عن هذه المسألة فقال لا تصل في الثوب الذي فوقه ولا في الثوب الذي تحته " هذا بالنسبة إلى الثعالب. واما بالنسبة إلى الارانب فمما يدل على ذلك صحيحة علي بن مهزيار (2) قال: " كتب إليه ابراهيم بن عقبة: عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الارانب فهل تجوز الصلاة في وبر الارانب من غير ضرورة ولا تقية ؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيها ". ورواية احمد بن اسحاق الابهري (3) قال: " كتبت إليه: جعلت فداك عندنا جوارب... الحديث المتقدم ". ورواية سفيان بن السمط (4) قال: " قرأت في كتاب محمد بن ابراهيم إلى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الفنك يصلى فيه ؟ قال لا بأس. وكتب يسأله عن جلود الارانب فقال مكروه ". ورواية محمد بن ابراهيم (5) قال: " كتبت إليه اسأله عن الصلاة في جلود الارانب فكتب مكروهة ". ويعضد ذلك ما دل على المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه مطلقا وما دل على النهي عن وبر الخز إذا كان مغشوشا بوبر الارانب والثعالب وقد تقدم الجميع، هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على المنع. وبازائها من الاخبار ما يدل على الجواز، ومن ذلك صحيحة الحلبي المتقدمة في سابق هذه المسألة، وصحيحة علي بن يقطين (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه
(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى (4) الوسائل الباب 4 من لباس المصلى (6) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى
[ 76 ]
السلام) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود ؟ قال لا بأس بذلك " وصحيحة جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في جلود الثعالب فقال إذا كانت ذكية فلا بأس ". وصحيحة محمد بن عبد الجبار (2) قال: " كتبت إلى ابي محمد (عليه السلام) اسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير أو تكة من وبر الارانب ؟ فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض وان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه ان شاء الله ". ورواية الحسين بن شهاب (3) قال: " سألته عن جلود الثعالب إذا كانت ذكية أيصلى فيها ؟ قال نعم ". ورواية عبد الرحمان بن الحجاج (4) قال: " سألته عن اللحاف من الثعالب أو الجرز منه أيصلى فيها ام لا ؟ قال إذا كان ذكيا فلا بأس به " قال في الوافي: هكذا في نسخ التهذيب التي رأيناها، قيل الجرز بكسر الجيم وتقديم المهملة على المعجمة من لباس النساء وفي الاستبصار " أو الخوارزمية " وكأنها الصحيح فيكون المراد بها الحواصل. انتهى، وما استصحه هو الصحيح لما علم من حال الشيخ في التهذيب وما وقع له فيه من التحريف والتصحيف مما لا يعد ولا يحصى. إذا عرفت ذلك فالظاهر من تتبع كلام الاصحاب انه لا قائل بهذه الاخبار الاخيرة إلا ما يظهر من المحقق في المعتبر ونحوه السيد السند في المدارك، قال في المعتبر واعلم ان المشهور في فتوى الاصحاب المنع في ما عدا السنجاب ووبر الخز والعمل به احتياط في الدين، ثم قال بعد ان اورد روايتي الحلبي وعلي بن يقطين المتقدمتين: وطريق هذين الخبرين اقوى من تلك الطرق ولو عمل بهما عامل جاز وعلى الاول عمل الظاهرين من الاصحاب منضما الى الاحتياط للعبادة. وقال في المدارك - بعد ذكر
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 14 من لباس المصلى
[ 77 ]
المسألة والاستدلال على الجواز بصحيحتي علي بن يقطين والحلبي وصحيحة جميل ونقل كلام المحقق في المعتبر ما صورته: والمسألة قوية الاشكال من حيث صحة اخبار الجواز واستفاضتها واشتهار القول بالمنع بين الاصحاب بل اجماعهم عليه بحسب الظاهر وان كان ما ذكره في المعتبر لا يخلو من قرب. انتهى. اقول: لما كان نظر المتصلبين من اصحاب هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب منه إلى الصلاح انما هو إلى الاسانيد من غير تأمل في متون الاخبار وكونها موافقة للقواعد الشرعية ام لا وموافقة لفتاوى الاصحاب ام لا ونحو ذلك من العلل المتطرقة إليها وقعوا في ما وقعوا فيه من هذه الاشكالات والترددات، والمسألة بحمد الله سبحانه واضحة السبيل مكشوفة الدليل، فان مقتضى القاعدد المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) بعرض الاخبار عند الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافه هو العمل باخبار المنع المؤيدة باتفاق الاصحاب عليها سلفا وخلفا، وهاتان الروايتان اعني صحيحتي ابن يقطين والحلبي قد دلتا على جواز الصلاة في جميع الجلود مما لا يؤكل لحمه لا بخصوص الاشياء المعدودة فيهما لقوله في احداهما " وجميع الجلود " وفي الاخرى " واشباهه " وهذا عين ما اتفقت عليه العامة (1) وخلاف ما اتفقت عليه الامامية فاي امر اظهر في الحمل على التقية من ذلك ؟ ولكنهم حيث الغوا القواعد المروية عن أئمتهم (عليهم السلام) واعتمدوا على افكارهم وانظارهم بل اخترعوا لهم في مقابلتها قواعد لم يرد بها نص ولا اثر عنهم (عليهم السلام) وقعوا في ما وقعوا فيه من امثال هذا الكلام المنحل الزمام والمختل النظام. والى ما ذكرنا يشير كلام شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل كلام المعتبر المتقدم الدال على اختياره الجواز: قلت هذان الخبران مصرحان بالتقية لقوله في الاول " واشباهه " وفي الثاني " وجميع الجلود " وهذا العموم لا يقوله الاصحاب (رضوان الله عليهم). وبالجملة فان الحكم بالنظر إلى ما ذكرناه
(1) المغنى ج 1 ص 68
[ 78 ]
من التقريب ظاهر لا اشكال فيه ولا شبهة تعتريه.
(المسألة الخامسة) - ظاهر الشيخ في المبسوط جواز الصلاة في الحواصل حيث قال في ما تقدم من عبارته المذكورة في صدر المسألة: واما السنجاب والحواصل فلا خلاف في انه يجوز الصلاة فيهما. وقيدها ابن حمزة وبعضهم بالخوارزمية، وقد تقدم في رواية بشر بن يسار ما يدل على الجواز في الحواصل الخوارزمية. ومنع من ذلك الشيخ في النهاية وهو ظاهر الاكثر حيث لم يتعرضوا له. قال في الدروس وفي الحواصل الخوارزمية رواية بالجواز متروكة. وهو اشارة إلى رواية بشر المذكورة. وروى في كتاب البحار (1) عن كتاب الخرائج في حديث يتضمن خروج التوقيع من الناحية المقدسة بعد السؤال عما يحل ان يصلى فيه من الوبر، وفيه " وان لم يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك ان تصلي فيه " وظاهره الجواز مع الضرورة. والقول بالجواز لا يخلو من قرب والاحتياط ظاهر. واما الفنك ونحوه مما عدا الخز والسنجاب والحواصل فلم اقف على قائل بجواز الصلاة فيه إلا ما يظهر من عبارتي الصدوق في المجالس والمقنع المتقدمتين بالنسبة إلى الفنك وان اختلفت فيه الاخبار كما عرفت مما تقدم.
(المسألة السادسة) - اختلف الاصحاب في التكة والقلنسوة المعمولتين من وبر غير المأكول، فقال الشيخ في النهاية: لا تجوز الصلاة في القلنسوة والتكة إذا عملا من وبر الارانب ويكره إذا عملا من حرير محض. واختاره ابن ادريس والعلامة في المختلف والشهيد في الذكرى. وتردد في الدروس ثم قال ان الاشبه المنع والظاهر انه المشهور. وقال في المبسوط يكره الصلاة في القلنسوة والتكة إذا عملا من وبر ما لا يؤكل لحمه وكذا إذا كانا من حرير محض. اقول: ويدل على الاول ما تقدم قريبا من صحيحة علي بن مهزيار (2) قال: " كتب إليه ابراهيم بن عقبة عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الارانب... الحديث "
(1) ج 18 الصلاة ص 98 (2) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى
[ 79 ]
ونحوها رواية احمد بن اسحاق الابهري، ويعضدهما رواية ابراهيم بن محمد الهمداني (1) قال: " كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة ؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيه " ويؤكد ذلك ما دل على النهي عن الصلاة في ذلك خصوصا وعموما. ونقل في المختلف عن الشيخ الاستدلال على الجواز - كما ذهب إليه في المبسوط - بانه قد ثبت للتكة والقلنسوة حكم مغاير لحكم الثوب من جواز الصلاة فيهما وان كانا نجسين أو من حرير محض فكذا يجوز لو كانا من وبر الارانب وغيرها. ثم اجاب عنه بالفرق بين الامرين واحاله على ما بينه في ما مضى. اقول: والاظهر الاستدلال للشيخ على هذا القول بصحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة قريبا وقوله فيها بعد السؤال عن تكة تعمل من وبر الارانب " وان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه ". واجاب الشهيد في الذكرى عن هذه الرواية (اولا) بانها مكاتبة. و (ثانيا) بانها تضمنت قلنسوة عليها وبر فلا يلزم منه جوازها من الوبر. ونحوه المحقق في المعتبر ايضا. وانت خبير بما فيه فان المكاتبة لا تقصر عن المشافهة متى كان المخبر عن كل من الامرين ممن يوثق به ويعتمد عليه. واما قوله - وقبله المحقق كما اشرنا إليه - بانها انما تضمنت قلنسوة عليها وبر... الخ فعجيب غاية العجب فان الرواية وان تضمنت ذلك لكنها ايضا تضمنت التكة المعمولة من الوبر والجواب وقع عن الامرين. وبالجملة فتعارض الاخبار المذكورة ظاهر لا ينكر والاظهر عندي في الجمع هو حمل خبر الجواز على التقية لاستفاضة الاخبار بالمنع عموما وخصوصا عما لا يؤكل لحمه، والجمع بالحمل على الكراهة - كما عليه من ذهب إلى الجواز كما يظهر من المدارك ومثله المحقق في المعتبر - قد عرفت ما فيه في غير مقام مما تقدم.
(1) الوسائل الباب 2 من لباس المصلى
[ 80 ]
ثم انه لا يخفى عليك ما في مدافعة ما اختاره المحقق من القول بالجواز هنا لما اختاره في مسألة وبر الخز المغشوش بوبر الارانب من المنع للروايتين المتقدمتين وقد تقدم نقل كلامه، فانه ان كان الوبر المذكور مما لا تجوز الصلاة فيه فلا فرق بين كونه مغشوشا به غيره وبين كونه منفردا يصنع منه قلنسوة أو تكة بل الثاني اولى بالمنع وإلا فلا وجه لقوله بالجواز هنا، وكذلك يرد على صاحب المدارك ايضا حيث انه في تلك المسألة نقل كلام المحقق وجمد عليه وهو مؤذن باختياره. والجواب - بان صحيحة محمد بن عبد الجبار قد دلت على الجواز هنا وروايتا احمد وايوب بن نوح دلتا على المنع في تلك المسألة فوجب القول بكل منهما في ما دل عليه - مردود بان هذه الروايات ايضا متعارضة متصادمة إذ المدار على جواز الصلاة في الوبر وعدمه منسوجا كان أو غير منسوج، إذ لا يعقل لنسجه خصوصية تخرجه عما كان عليه اولا من حل أو حرمة، فالقول بكل من الروايتين قول بالمتناقضين بل لابد من الترجيح فيهما أو الجمع بينهما، وقضية الترجيح العمل بالصحيحة المذكورة فيمتنع قولهما بالمنع في الوبر المخلوط والحال كما عرفت. وبالجملة فالتعارض والتدافع بين قوليهما ظاهر كما لا يخفى. ثم انه لا يخفى انه قد وقع لصاحب المدارك سهو في هذا المقام حيث انه بعد ان نقل عن النهاية اولا القول بالمنع نقل عن النهاية ايضا القول بالجواز على كراهة، وهذا القول انما هو في المبسوط لا النهاية كما جرى به قلمه هنا.
(المسألة السابعة) - قد تقدم في صحيحة ابي علي بن راشد النهي عن الصلاة في الثعالب وفى الثوب الذي يليه، وتقدم ايضا في صحيحة علي بن مهزيار النهي عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليها ثم فسره (عليه السلام) بالثوب الذي يلصق بالجلد ونقل في بقية الرواية ما يدل على الثوب الذي فوقه والثوب الذي تحته، وتقدم ايضا في عبارة كتاب الفقه " واياك ان تصلي في الثعالب ولا في ثوب تحته جلد ثعالب " وبذلك صرح الشيخ (قدس سره) في النهاية فقال: لا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعالب
[ 81 ]
والارانب ولا الذي فوقه على ما وردت به الرواية وقال في المبسوط: لا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت الثعالب ولا الذي فوقه على ما وردت به الرواية. كذا نقله عنه في المختلف. وقال الصدوق: واياك ان تصلي في الثعلب ولا في الثوب الذي يليه من تحته وفوقه. واستشكل جملة من الاصحاب حمل النهي في الاخبار المذكورة على التحريم إلا ان يقال بنجاسة هذه الاشياء وملاقاتها بالرطوبة، قال الشيخ في المبسوط على اثر العبارة المتقدمة: وعندي ان هذه الرواية محمولة على الكراهة أو على انه إذا كان احدهما رطبا لان ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى منه النجاسة إلى غيره. والعجب ان العلامة في المختلف نقل عنه العبارة المتقدمة خاصة وهو مما يؤذن بقوله بالتحريم مطلقا كما اطلقه في النهاية مع ان بقية كلامه في المبسوط يؤذن بالتأويل في تلك الرواية. وبما ذكره من التفصيل في المبسوط صرح المحقق في المعتبر وزاد: والخبر بالمنع مقطوع السند شاذ فيسقط اعتباره. وبنحو ذلك ايضا صرح العلامة في المختلف فقال: وعندي ان هذه الرواية محمولة على الكراهة أو على انه إذا كان احدهما رطبا لان ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى منه النجاسة إلى غيره، ثم نقل عن ابن ادريس انه قال: لا بأس بالصلاة في الثوب الذي تحته أو فوقه وبر الارانب أو الثعالب، ثم استقر به وقال: لنا - انه صلى على الوجه المأمور به شرعا فيخرج عن العهدة، ولان المقتضى للصحة موجود والمعارض لا يصلح للمانعية إذ المعارض هنا ليس إلا مماسة الوبر وليس هذا من الموانع إذ النجس العيني إذا ماس غيره وهما يابسان لم تتعد النجاسة إلى الغير فكيف بهذا الوبر الذي ليس بنجس ؟ ثم نقل عن الشيخ (قدس سره) انه احتج بان الصلاة في الذمة بيقين ولا تبرأ إلا بمثله ولا يقين للبراءة مع الصلاة في الثوب الملاصق للوبر، وبما رواه علي بن مهزيار عن رجل ثم اورد الرواية إلى آخرها كما قدمناه، وقال: والجواب عن الاول انه قد حصل اليقين بالبراءة حيث قد وقع الفعل على الوجه المأمور به شرعا. وعن الثاني ان الرجل مجهول فجاز
[ 82 ]
ان يكون غير عدل مع امكان حمل النهي على الكراهة كما حمله الشيخ (قدس سره) في المبسوط. اقول: لا يبعد عندي ان النهى في الاخبار المذكورة عن الصلاة في الثوب الذي تحت الجلد وفوقه انما هو باعتبار ما يسقط عليه من الوبر ويتناثر عليه في وقت لبسه له تحت الوبر كان أو فوقه، وحينئذ فيكون فيه دلالة على عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عليه شعر أو وبر ما لا يؤكل لحمه وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى، وإلا فالقول بالمنع من حيث النجاسة لا وجه له بالكلية لما ثبت من صحة التذكية لهذه الحيوانات خلافا للشيخ في السباع، وانه مع اليبوسة لا تتعدى النجاسة لو ثبتت النجاسة، وهذا كله ظاهر بل الظاهر انه لا وجه للمنع إلا ما ذكرناه. وان ثبت انه لا يتناثر من الوبر شئ ولا يسقط منه شئ على الثياب فلا مناص من جعل النهي تعبدا شرعيا أو محمولا على الكراهة ويؤيده ما ورد في رواية ابي بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال ان اهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته " فانه لا ريب ان نزع الفراء هنا مجمول على الاستحباب لاصالة الطهارة كما تقدم تحقيقه وكذا الثوب الذي يليه بالطريق الاولى.
(المسألة الثامنة) - قطع الشهيدان وجماعة: منهم - صاحب المدارك ومن تبعه باختصاص المنع بالملابس فلو لم يكن كذلك كالشعرات الملقاة على الثوب لم يمنع عن الصلاة فيه، وذهب الاكثر إلى عموم المنع كما نقله شيخنا المجلسي في كتاب البحار. اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما تقدم في موثقة ابن
(1) الوسائل الباب 61 من لباس المصلى
[ 83 ]
بكير (1) من قوله (عليه السلام): " وكل شئ حرام اكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه والبانه وكل شئ منه فاسدة... الحديث " فانها شاملة للشعر الملقى على الثوب، ورواية ابراهيم بن محمد الهمداني المتقدمة في صدر هذا المقام، وهي صريحة في عدم جواز الصلاة في الشعر والوبر الملقى على الثوب، وصحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة في روايات المسألة الثالثة (2) وهي صريحة في جواز الصلاة فيه إذا كان ذكيا. والمفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض ان مستنده في ما ذهب إليه من الجواز في هذه المسألة هو الجمع بين الروايات المذكورة، حيث انه بعد ذكر الاخبار المذكورة قال: وطريق الجمع حمل روايات المنع على الثوب المعمول من ذلك والجواز على ما طرح على الثوب من الوبر، ثم قال وممن صرح بالجواز الشيخ والشهيد في الذكرى وهو ظاهر المعتبر، وجمع الشيخ بينها بحمل الجواز على ما يعمل منها مما لا تتم الصلاة فيه وحده كالتكة والقلنسوة كما وقع التصريح به في مكاتبة العسكري (عليه السلام) (3) انتهى. اقول: فيه انك قد عرفت في ما قدمناه ان الاظهر حمل الجواز في صحيحة محمد ابن عبد الجبار على التقية، على انه كيف يتم له الجمع بذلك وصحيحة محمد بن عبد الجبار المذكورة قد تضمنت جواز الصلاة في التكة المعمولة من وبر الارانب ورواية ابراهيم بن محمد الهمداني المصرحة بالمنع تضمنت الشعر والوبر الذي يسقط على الثوب، فيكف يتم له الجمع بما ذكره واخبار المسألة كما ترى ؟ ما هذه إلا غفلة بعيدة من مثل شيخنا المذكور منحه الله بالرفعة والحبور. واما ما نقله عن الشيخ من الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل الجواز على ما يعمل منها مما لا تتم الصلاة فيه وحده والمنع في غيره فهو وان تم له بالنسبة إلى هذه الروايات إلا انه يضعف بما دلت عليه روايتا علي بن مهزيار واحمد بن اسحاق الابهري من المنع عن الصلاة في الجوارب والتكك المعمولة من وبر الارانب. وبالجملة
(1) ص 58 (2) تقدمت في المسألة الرابعة ص 76 (3) ص 76
[ 84 ]
فانه لا مخلص من هذه الاشكالات وكثرة هذه الاحتمالات إلا بحمل الروايات المذكورة على التقية كما ذكرناه. والله العالم.
(المسألة التاسعة) - الاظهر عندي عدم دخول فضلات الانسان من شعره وريقه وعرقه ونحوها في حكم فضلات غير مأكول اللحم وان صدق عليه انه غير مأكول اللحم، وكذا فضلة غير ذي النفس السائلة فانها غير داخلة ايضا. وبيان ذلك اما بالنسبة إلى فضلات الانسان (فاولا) - لا يخفى ان المتبادر من غير مأكول اللحم في تلك الاخبار المقابل - في كثير منها كموثقة ابن بكير وغيرها - بمأكول اللحم انما هو ما كان من سائر الحيوانات ذي النفس السائلة التي وقع ذكر جملة منها بالتفصيل في تلك الاخبار من الخز والسنجاب والفنك ونحوها مما تقدم، وبعض الاخبار قد اشتمل على هذا العنوان وبعضها قد اشتمل على حيوانات معدودة وبعضها قد اشتمل على الامرين، وحينئذ فيحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها، وبالجملة فان الانسان وان صدق عليه هذا العنوان لكن مرمى هذه العبارة في الاخبار والمتبادر منها بتقريب ما ذكرنا انما هو ما عداه من تلك الحيوانات التي جرت العادة باتخاذ الجلود منها والاشعار والاوبار والانتفاع بها في سائر وجوه المنافع. و (ثانيا) - ما رواه علي بن الريان في الصحيح (1) قال: " كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الانسان واظفاره ثم يقوم إلى الصلاة من قبل ان ينفضه ويلقيه عنه ؟ فوقع يجوز " وصحيحته الاخرى (2) قال: " سألت ابا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من شعره واظفاره ثم يقوم إلى الصلاة من غير ان ينفضه من ثوبه ؟ قال لا بأس " والاولى شاملة لشعر الانسان نفسه واظفاره أو شعر غيره واظفاره والثانية في شعر نفسه فقط، ومنه يفهم غيرهما من الفضلات إذ العلة واحدة. ويعضد ذلك ما رواه في كتاب قرب الاسناد
(1) و (2) الوسائل الباب 18 من لباس المصلى
[ 85 ]
عن الحسين بن علوان عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن البزاق يصيب الثوب قال لا بأس به " واطلاق نفي البأس شامل لما نحن فيه. و (ثالثا) - استلزام ذلك المنع من ثوب يعرق فيه الانسان نفسه لنفسه وغيره أو ثوب يمخط فيه أو يبصق فيه، والمنع من المصافحة والمعانقة في البلاد الحارة مع العرق فيهما أو احدهما، واللوازم كلها باطلة منفية بالآية والرواية للزوم الحرج والعسر (2). واما بالنسبة إلى ما لا نفس له فلما تقدم من عدم تبادر ذلك من العنوان المذكور وعدم عد شئ مما لا نفس له في عداد تلك الافراد، واصالة العدم حتى يقوم الدليل الواضح البيان، ولان اطلاق الالفاظ في الاحكام الشرعية انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، ولانه لو تم ذلك الزم الحكم بالمنع من الصلاة في الثوب والبدن الذي عليه فضلة الذباب ولزوم الحرج به ظاهر. ويعضد ذلك بابين وجه جواز الصلاة في الحرير الممزوج اتفاقا وما لا تتم الصلاة فيه وان كان خالصا على المشهور مع انه من فضلة ما لا يؤكل لحمه. وبذلك يظهر لك جواز الصلاة في الثوب الذي يسقط عليه العسل أو الشمع المتخذ منه وما يوضع منه تحت فص الخاتم ونحو ذلك. والله العالم. تلخيص قد ظهر مما قدمنا من الابحاث وما سيأتي في المقام الثالث ان شاء الله تعالى ان ما دلت عليه موثقة ابن بكير المتقدمة (3) من عموم التحريم في فضلة ما لا يؤكل لحمه لابد فيه من ارتكاب التخصيص والتفصيل، فان منه ما يجب اخراجه من هذه القاعدة كفضلات الانسان وفضلات غير ذي النفس السائلة، ومنه ما يجب استثناؤه للاخبار واجماع الاصحاب كالحرير المنسوج بغيره ونحوه مما سيأتي والخز، ومنه ما يجب ابقاؤه
الوسائل الباب 17 من النجاسات (2) ج 1 ص 155 (3) ص 58
[ 86 ]
تحت القاعدة المذكورة، وحمل الاخبار الدالة على الجواز فيه على التقية وان قيل بمضمون هذه الاخبار وحمل اخبار المنع على الكراهة إلا انك قد عرفت ما فيه، واما ما لم ترد الاخبار بالمعارضة فيه من الافراد فيجب ابقاؤه على ما دلت عليه الموثقة المذكورة لصراحتها في ذلك وعدم وجود المعارض.
(المسألة العاشرة) - قال العلامة في المنتهى: لو شك في كون الصوف أو الشعر أو الوبر من غير مأكول اللحم لم تجز صلاته لانه مشروط بستر العورة مما يؤكل لحمه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط. اقول: الظاهر ان هذه شبهة عرضت في هذا المقام وإلا فالظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان الشرط في الصلاة ستر العورة مطلقا إلا انه قد دلت جملة من النصوص على النهي عن الصلاة في اشياء وهي المعدودة في هذه المقامات وان لم يستر بها العورة ومنها ما يتخذ مما لا يؤكل لحمه كما عرفت من اخبار هذا المقام، والمنع عن ذلك موقوف على معلومية كونه مما لا يؤكل لحمه فما لم يعلم كونه كذلك فليس بداخل تحت تلك الاخبار فيبقى على اصل الصحة، وتعضده الاخبار الصحيحة الصريحة في " ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) والمراد بالحل ما هو اعم من حل الاكل وهو حل الانتفاع. نعم ما ذكره هو الاحوط كما لا يخفى
(المسألة الحادية عشرة) - قال في التذكرة: لو مزج صوف ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه ونسج منهما ثوب لم تصح الصلاة فيه تغليبا للحرمة على اشكال ينشأ من اباحة المنسوج من الكتان والحرير ومن كونه غير متخذ من مأكول اللحم، وكذا لو اخذ قطعا وخيطت ولم يبلغ كل واحد منها ما يستر العورة اقول: الذي ينبغي ان يعلم في هذا المقام هو انه قد دلت الاخبار على النهي عن الصلاة في ما لا يؤكل لحمه وعن الصلاة في الحرير، ومقتضى هذا النهي هو العموم
(1) ص 53
[ 87 ]
لكون كل منهما خالصا أو ممزوجا، نعم قام الدليل بالنسبة إلى الحرير وانه متى مزج بغيره مما يجوز الصلاة فيه ونسج معه فكان ثوبا واحدا على جواز الصلاة فيه فوجب استثناؤه من روايات المنع مطلقا وبقى غيره على حكم العموم، والحاق احدهما بالآخر محض قياس لا يوافق اصول المذهب فلا اشكال بحمد الله المتعال. ويعضد ذلك ما تقدم في وبر الخز المغشوش بوبر الارانب أو الثعالب فان الاظهر الاشهر رواية وفتوى هو المنع من الصلاة فيه منسوجا أو ملقى على الثوب.
(المقام الثالث) - في الحرير ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم لبس الحرير المحض للرجال وبطلان الصلاة فيه، قال في المعتبر: اما تحريم لبسه للرجال فعليه علماء الاسلام واما بطلان الصلاة فيه فهو مذهب علمائنا ووافقنا بعض الجنابلة (1). اقول: اما ما يدل على تحريم لبسه للرجال فاخبار مستفيضة من طرق الخاصة والعامة، فما ورد من طرق الاصحاب ما رواه الصدوق في الفقيه (2) عن ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) اني احب لك ما احب لنفسي واكره لك ما اكره لنفسي، فلا تتختم بخاتم ذهب فانه زينتك في الآخرة، ولا تلبس القرمز فانه من اردية ابليس، ولا تركب بميثرة حمراء فانها من مراكب ابليس، ولا تلبس الحرير فيحرق الله جلدك يوم تلقاه " قال في الوافي: القرمز بالكسر صبغ ارمني يكون من عصارة دود يكون في آجامهم، ولعل معنى الحديث الرداء المصبغ به من اردية ابليس، وقد مضى نفى البأس عنه في كتاب الصلاة وجمع في الفقيه بين الخبرين بان المنهى عنه ما كان من ابريسم محض. وميثرة الفرس بتقديم المثناة التحتانية على المثلثة لبدته. ويأتي تمام توضيحه في باب آلات الدواب. انتهى.
(1) المغنى ج 1 ص 588 (2) ج 1 ص 164 وفى الوسائل الباب. 3 من لباس المصلى
[ 88 ]
وما رواه الكليني في الموثق عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا يصلح لباس الحرير والديباج فاما بيعهما فلا بأس ". وعن ابي داود يوسف بن ابراهيم (2) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وعلي قباء خز وبطانته خز وطيلسان خز مرتفع فقلت ان علي ثوبا اكره لبسه فقال وما هو ؟ قلت طيلساني هذا. قال وما بال الطيلسان ؟ قلت هو خز. قال وما بال الخز ؟ قلت سداه ابريسم. قال وما بال الابريسم ؟ قال لا يكره ان يكون سدى الثوب ابريسم ولا زره ولا علمه وانما يكره المصمت من الابريسم للرجال ولا يكره للنساء ". وما رواه الشيخ في التهذيب والصدوق في الفقيه عن يوسف بن محمد بن ابراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس بالثوب ان يكون سداه وزره وعلمه حريرا وانما كره الحرير المبهم للرجال ". وما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لا يلبس الرجل الحرير والديباج الا في الحرب " قال في الوافي الديباج يقال للحرير المنقوش فارسي معرب وكأن الحرير يطلق على ما لا نقش له ويقابل بالديباج. اقول: في كتاب مجمع البحرين بعد ان ذكر ان الديباج ثوب سداه ولحمته ابريسم وفي الخبر " لا تلبسوا الحرير والديباج " يريد به الاستبرق وهو الديباج الغليظ. ويمكن الجمع بين الكلامين بان اللفظ الذي وصفه به هنا باعتبار النقش كما ذكره في الوافي فلا منافاة. وعن ليث المرادي (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كسى اسامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها فقال مهلا يا اسامة انما
(1) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 10 و 16 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى (4) الوسائل الباب 12 من لباس المصلى (5) الوسائل الباب 16 من لباس المصلى
[ 89 ]
يلبسها من لا خلاق له فاقسمها بين نسائك. وعن سماعة في الموثق (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن لباس الحرير والديباج ؟ فقال اما في الحرب فلا بأس به وان كان فيه تماثيل " إلى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على تحريم الصلاة فيه للرجال ما تقدم قريبا (2) في صحيحة محمد بن عبد الجبار من قوله (عليه السلام) " لا تحل الصلاة في حرير محض ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن عبد الجبار ايضا (3) قال: " كتبت إلى ابي محمد (عليه السلام) هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج ؟ فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض ". وعن اسماعيل بن سعد الاحوص (4) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) هل يصلى الرجل في ثوب ابريسم ؟ فقال لا ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن اسماعيل بن سعد الاحوص (5) قال " سألته عن الثوب الابريسم هل يصلي فيه الرجال ؟ قال لا. وعن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه ". واما ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع في الصحيح (7) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب ديباج، فقال ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس " فقد اجاب عنه الشيخ (قدس سره) بالحمل على حال الحرب لما ورد من جواز لبسه حينئذ
(1) الوسائل الباب 12 من لباس المصلى (2) ص 76 (3) و (6) الوسائل الباب 14 من لباس المصلى (4) و (7) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى. (5) التهذيب ج 1 ص 195 وفى الوسائل اشار إليه في الباب 11 من لباس المصلى
[ 90 ]
أو على ما إذا كان سداه أو لحمته غزلا أو كتانا والاقرب عندي حمله على التقية. ومن الاخبار المتعلقة بالمسألة ما رواه في الكافي عن سفيان بن السمط (1) قال: " قرأت في كتاب محمد بن ابراهيم إلى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن ثوب حشوه قز يصلى فيه ؟ فكتب لا بأس به " وروى في التهذيب عن الحسين بن سعيد (2) قال: " قرأت في كتاب محمد بن ابراهيم إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب إليه وقرأته: لا بأس بالصلاة فيه ". وروى في الفقيه والتهذيب (3) قال: " كتب ابراهيم بن مهزيار إلى ابي محمد الحسن (عليه السلام) في الرجل يجعل في جبته بدل القطن قزا هل يصلي فيه ؟ فكتب نعم لا بأس به ". وروى في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر (4) قال: " سأل الحسن بن قياما ابا الحسن (عليه السلام) عن الثوب الملحم بالقز والقطن والقز اكثر من النصف أيصلى فيه ؟ قال لا بأس وقد كان لابي الحسن (عليه السلام) منه جبات " اقول: قال في المصباح المنير: القز معرب قال الليث هو ما يعمل منه الابريسم ولهذا قال بعضهم القز والابريسم مثل الحنطة والدقيق. وقال في الوافي: القز بالفتح والتشديد نوع من الحرير فارسي معرب. وروى في كتاب الاحتجاج مما كتبه الحميري إلى الناحية المقدسة (5) " انا نجد باصبهان ثيابا عتابية على عمل الوشي من قز وابريسم هل تجوز الصلاة فيها ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان " اقول: في القاموس الوشي نقش الثوب ويكون من كل لون، وشى الثوب كوعى وشياوشية حسنة نمنمه ونقشه وحسنه. وفى كتاب المصباح وشيت الثوب وشيا من باب وعد رقمته ونقشته فهو موشى والاصل على مفعول، والوشي نوع من الثياب الموشية تسمية بالمصدر. وقال في كتاب الفقه الرضوي (6) " لا تصل في ديباج ولا في حرير ولا في
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 47 من لباس المصلى (4) و (5) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى (6) ص 16
[ 91 ]
وشي ولا في ثوب من ابريسم محض ولا في تكة ابريسم وإذا كان الثوب سداه ابريسم ولحمته قطن أو كتان أو صوف فلا بأس بالصلاة فيها " انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في المسألة وما دلت عليه هذه الاخبار يقع في مواضع:
(الاول) قد عرفت اجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على بطلان الصلاة في الحرير المحض، ولا فرق في ظاهر الاصحاب بين ما كان ساترا للعورة ولا غيره، ونسبه المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى إلى الشيخين والمرتضى واتباعهم. واستدل على البطلان مطلقا بان الصلاة فيه منهى عنها والنهي في العبادة يستلزم الفساد لاستحالة كون الفعل الواحد مأمورا به منهيا عنه فمتى كان منهيا عنه لا يكون مأمورا به وهو معنى الفساد اقول: الاظهر في تعليل الفساد في هذا المقام انما هو من حيث استلزام مخالفة النهي عدم الامتثال لاوامر الشارع ولا ريب ان مبنى الصحة والبطلان انما هو على الامتثال وعدمه واما ما دلت عليه صحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة من صحة الصلاة في ثوب الديباج ما لم يكن فيه تماثيل فقد تقدم الجواب عنه.
(الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بينهم في ان البطلان انما هو مع الاختيار وإلا فلو اضطر إلى لبسه لبرد أو حر أو نحوهما فلا بأس، ونقل الاجماع عليه جمع من الاصحاب وكذا في حال الحرب وان لم يكن ضرورة، نقل عليه الاجماع الشهيد في الذكرى، ويدل على الاول مضافا إلى الاجماع المنقول جملة من عمومات الاخبار مثل قولهم (عليهم السلام) (1): " ليس شئ مما حرم الله تعالى إلا وقد احله لمن اضطر إليه " وقولهم (عليهم السلام) (2) " كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر " وقوله (صلى الله عليه وآله) (3) رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يطيقون " ونحو ذلك. واما على الثاني فما تقدم من موثقة ابن بكير عن بعض اصحابنا وموثقة سماعة (4)
(1) الوسائل الباب 1 من القيام (2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات (3) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة (4) ص 88 و 89
[ 92 ]
ومثلهما ما رواه في الكافي عن اسماعيل بن الفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يصلح للرجل ان يلبس الحرير إلا في الحرب " وما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد بسنده عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بلبس الحرير والديباج في الحرب إذا لم يكن فيه التماثيل باسا " وما يظهر من المنافاة بين هذا الخبر وخبر سماعة المتقدم من حيث نفى البأس وان كان فيه تماثيل في خبر سماعة واشتراط نفي البأس في هذا الخبر بما إذا لم يكن فيه تماثيل فيمكن الجواب عنه بان نفى البأس في خبر سماعة محمول على نفي البأس عن التحريم خاصة وان بقيت الكراهة وهذا الخبر على نفي البأس عنهما أو بحمل ذلك الخبر على عدم الصلاة فيه وحمل هذا على الصلاة فيه. واستثنى بعض الاصحاب لبسه للقمل قال في المعتبر: ويجوز لبسه للقمل لما روى (3) " ان عبد الرحمان بن عوف والزبير شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله القمل فرخص لهما في قميص الحرير " وقال الراوندي في الشرائع: لم يرخص لبس الحرير لاحد إلا لعبد الرحمان بن عوف فانه كان قملا، والمشهور ان الترخيص لعبد الرحمان والزبير ويعلم من الترخيص لهما بطريق القمل جوازه لغيرهما بفحوى اللفظ. ويقوى عندي عدم التعدية. انتهى. وقال الصدوق في الفقيه " ولم يطلق النبي (صلى الله عليه وآله) لبس الحرير لاحد من الرجال إلا لعبد الرحمان بن عوف وذلك انه كان رجلا قملا " وتوهم صاحب الذخيرة ان هذه العبارة من تتمة خبر ابي الجارود المتقدم فذكرها في الذخيرة في ذيل الخبر المذكور وهو سهو محض بل الظاهر انها من كلام الصدوق الذي يداخل به الاخبار فيقع فيه الاشتباه ولهذا لم يذكرها المحدثان في الوافي والوسائل، ويدل عليه ايضا ان الصدوق نقل خبر ابي الجارود في كتاب العلل عاريا من ذلك. اقول: الظاهر ان هذه الرواية المشار إليها وان اشتهر نقلها حتى في كلام الصدوق انما وردت من طرق
(1) و (7) الوسائل الباب 12 من لباس المصلى (3) المغنى ج 1 ص 589
[ 93 ]
العامة لعدم وجودها في اخبارنا كما لا يخفى على من تتبعها من مظانها ولا سيما كتاب البحار الجامع لشوارد الاخبار وحينئذ فيضعف الاعتماد عليها.
(الثالث) - الظاهر انه لا خلاف ايضا في ان المعتبر في التحريم كون الثوب حريرا محضا كما دلت عليه صحيحتا محمد بن عبد الجبار واليه اشار بالمبهم في رواية يوسف بن محمد بن ابراهيم، وعلى هذه الروايات يحمل ما اطلق من الاخبار وظاهر الاصحاب انه يحصل الحل بالامتزاج وان كان الخليط اقل بل ولو لم يكن إلا العشر كما نص عليه في المعتبر إلا ان يكون مستهلكا بحيث يصدق على الثوب انه حرير محض، والى ذلك يشير قوله في صحيحة البزنطي: " والقز اكثر من النصف " المؤذن بغلبة القز على القطن الذي فيه، واظهر من ذلك موثقة اسماعيل بن الفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الثوب يكون فيه الحرير ؟ فقال ان كان فيه خلط فلا بأس " وحينئذ فما ذكر في خبر الاحتجاج ونحوه من السدى أو اللحمة يمكن حمله على التمثيل كما يستفاد من ذكر المزج بالقطن والكتان فانه لا ينحصر ذلك فيهما اجماعا بل كل ما تجوز الصلاة فيه من صوف ووبر ونحوهما مما يخرج به عن كونه حريرا محضا كما تشعر به عبارة كتاب الفقه. ولو خيط الحرير بغيره من قطن ونحوه وان كثر لم يخرج عن التحريم وكذا لو جعل الثوب ملفقا من قطع حرير وغيره مما تجوز الصلاة فيه فانه لا يخرج بذلك عما هو عليه من التحريم، واولى من ذلك ما لو كانت بطانته أو ظهارته حريرا. بقى الكلام في المحشو بالحرير فهل يكون كذلك في المنع ام تجوز الصلاة فيه ؟ والى الثاني مال الشهيد في الذكرى ويظهر من شيخنا المجلسي في البحار الميل إليه ايضا. وبالاول قطع الفاضلان في المعتبر والمنتهى وهو الظاهر من الصدوق. ويدل على ما ذكره في الذكرى الروايات الثلاث المتقدمة، وحمل الصدوق في الفقيه القز هنا على قز الماعز والظاهر ان مراده شعره، ولا يخفى ما فيه. وفى المعتبر نقل رواية الحسين بن سعيد التي
(1) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى
[ 94 ]
هي احدى الثلاث المتقدمة وردها بالضعف لاستناد الراوي إلى ما وجده في كتاب لم يسمعه من محدث ثم نقل تأويل الصدوق المذكور. وفي المنتهى نقلها ايضا واجاب عنها بما ذكره الصدوق ولم يطعن بالضعف لما فيه من الضعف كما لا يخفى. والكل بمحل من التمحل كما لا يخفى على المنصف. قال في الذكرى بعد ذكر الكلام في المسألة ونقل تأويل الصدوق وجواب صاحب المعتبر ما لفظه: قلت يضعف الاول بانه خلاف الحقيقة الظاهرة، والثاني بان اخبار الراوي بصيغة الجزم والمكاتبة المجزوم بها في قوة المشافهة، مع ان الخاص مقدم على العام فلو قيل بالعمل برواية الحسين لم يكن بعيدا. ويؤيده ما ذكره الصدوق في الفقيه انه كتب ابراهيم بن مهزيار إلى ابي محمد (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما تقدم ثم قال اورده الصدوق بصيغة الجزم ايضا. انتهى. وهو جيد. وعلى هذا فيكون هذا الفرد مستثنى من كلية المنع من الصلاة في الحرير للاخبار المذكورة، إلا ان ظاهر عبارتي المعتبر والمنتهى - حيث لم يسندا الخلاف إلا إلى الشافعي وكذا ظاهر عبارة الذكرى حيث قال فلو قيل... الخ - كون الحكم بالمنع اجماعيا وقوفا على عموم اخبار المنع من الصلاة في الحرير فيشكل الخروج عنه، إلا ان الغاء هذه الاخبار مع تأيدها بمطابقة القاعدة في تقديم الخاص على العام وتخصيصه به اشكل. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت ولما سيأتي في المقام ايضا ان شاء الله تعالى.
(الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في جواز لبس الحرير في غير الصلاة للنساء نقل الاجماع على ذلك الفاضلان والشهيدان وغيرهم، وانما وقع الخلاف في الصلاة لهن فيه فذهب الاكثر إلى الجواز ونقل عن الصدوق المنع، قال في الفقيه، وقد وردت الاخبار بالنهي عن لبس الديباج والحرير والابريسم المحض والصلاة فيه للرجال ووردت الرخصة في لبس ذلك للنساء ولم ترد بجواز صلاتهن فيه، فالنهي عن الصلاة في الابريسم المحض على العموم للرجال والنساء حتى يخصهن خبر بالاطلاق لهن في الصلاة فيه كما خصهن بلبسه. انتهى. وفى هذا الكلام عندي نظر لم اقف على من تعرض له وذلك من
[ 95 ]
وجهين (احدهما) ان ظاهر كلامه انه انما استند في منع صلاة النساء في الحرير إلى ان الرخصة انما وردت لهن في لبسه ولم ترد بجواز صلاتهن فيه. ويرد عليه انه يكفي في صحة صلاتهن فيه العمومات الآمرة باللباس وستر العورة مطلقا خرج ما خرج بدليل وبقى ما بقى، وحينئذ فيجوز لهن الصلاة فيه حتى يقوم دليل على المنع. و (ثانيهما) ان ما يؤذن به كلامه من ان الاخبار الواردة بالنهي عن الصلاة في الحرير المحض شاملة باطلاقها أو عمومها للرجال والنساء محل منع، فان اكثر الاخبار انما اشتملت على السؤال عن الرجل فموردها الرجال خاصة. وصحيحتا محمد بن عبد الجبار المتقدمتان وان دلتا باطلاقهما على المنع من الصلاة في الحرير المحض إلا انهما مبنيتان على سبب خاص وهو القلنسوة التي هي من لباس الرجال خاصة فيضعف الاستناد اليهما في ذلك بحمل اطلاقهما على ما يشمل النساء. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظواهر الاخبار في المسألة لا تخلو من اختلاف، ومنها موثقة ابن بكير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " النساء تلبس الحرير والديباج إلا في الاحرام " وقضية الاستثناء جواز لبسهن له في الصلاة. وقد تقدم في صدر المقام قوله (عليه السلام) في رواية ابي داود يوسف بن ابراهيم (2) " وانما يكره المصمت من الابريسم للرجال ولا يكره للنساء " إلا انه غير صريح في جواز الصلاة، ونحوها رواية ليث المرادي في امر الرسول (صلى الله عليه وآله) لاسامة بقسمة حلة الحرير بين نسائه. ومنها موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا ينبغي للمرأة ان تلبس الحرير المحض وهي محرمة فاما في الحر والبرد فلا بأس " وفيها اشعار ما بعدم لبسه في الصلاة. وما رواه في الخصال بسنده عن جابر الجعفي (4) قال سمعت ابا جعفر (عليه
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 16 من لباس المصلى
[ 96 ]
السلام) يقول: " ليس على النساء اذان، إلى ان قال ويجوز للمرأة لبس الحرير والديباج في غير صلاة واحرام وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد، ويجوز ان تتختم بالذهب وتصلي فيه وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد " والخبر ظاهر في ما ذهب إليه الصدوق. ورواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سمعته ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط، إلى ان قال وانما يكره الحرير المحض للرجال والنساء ". وهذه الرواية ان حملت على مجرد اللبس فهي معارضة بالاخبار المستفيضة والاجماع المدعى في جواز لبس النساء له في غير الصلاة فلا يتم تحريم لبسه عليهن كما في الرجال، والاظهر حمل اطلاقها على الصلاة وحينئذ فتكون دالة على ما دلت عليه رواية جابر من التحريم في الصلاة فتكون مؤيدة لقول الصدوق ايضا، فلو استدل الصدوق على ما ذهب إليه بهذه الروايات لكان وجها لا ما ذكره من التعليل العليل كما عرفت. ومما يدل على ما ذهب إليه الصدوق ايضا ما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله من تصريح الاصحاب والاخبار بانه لا يجوز الاحرام إلا في ما تجوز الصلاة فيه مع تصريح جملة من الاخبار المعتمدة بانه لا يجوز للمرأة الاحرام في الحرير وان اختلف الاصحاب والاخبار في ذلك ايضا ولكن الترجيح للروايات الدالة على المنع كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى، وبه يظهر قوة قول الصدوق (قدس سره) هنا، وغاية ما يفهم من موثقة ابن بكير المتقدمة هو الدلالة بالمفهوم وهو ضعيف في مقابلة ما قلنا من الاخبار في الموضعين. واما حمل بعض مشايخنا لما دل من الاخبار هنا على مذهب الصدوق على الكراهة فلا اعرف له وجها مع عدم المعارض لها صريحا بل يؤيدها ما ذكرنا مما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى.
(1) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى
[ 97 ]
(الخامس) - اختلف الاصحاب في الصلاة في ما لا تتم فيه الصلاة منفردا من الحرير بمعنى ما لا يكون ساترا للعورة كالقلنسوة والتكة ونحوهما، فالمشهور الجواز ونقل عن الشيخ المفيد والصدوق وابن الجنيد المنع، والى هذا القول مال جملة من افاضل متأخري المتأخرين: منهم السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في كتاب البحار والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحدث الكاشاني في المفاتيح وقواه العلامة في المختلف وجعله الاقرب في المنتهى بعد الاستشكال في المسألة، وبالغ الصدوق في الفقيه فقال: لا يجوز الصلاة في تكة رأسها من ابريسم. ويدل على القول الاول رواية الحلبي المتقدمة في صدر هذا المقام (1) وعلى القول الثاني صحيحتا محمد بن عبد الجبار المتقدمتان (2) ويؤيدهما عموم الاخبار المانعة من الصلاة في الحرير المحض وجمع الاصحاب بين الاخبار بحمل الصحيحتين المذكورتين على الاستحباب. وفيه (اولا) ان الجمع فرع التعارض كما صرحوا به في غير مقام والرواية المذكورة لضعفها لا تبلغ قوة في معارضة الصحيحتين المذكورتين سيما مع تأيدهما بما ذكرناه و (ثانيا) ما عرفت في هذا الجمع في غير مقام. و (ثالثا) انه كما يمكن الجمع بما ذكروه يمكن الجمع ايضا بحمل الرواية المذكورة على التقية فان المنقول عن ابي حنيفة والشافعي واحمد في احدى الروايتين جواز الصلاة في الحرير المحض (3) وبالجملة فقوة القول الثاني ظاهرة وحمل الرواية المذكورة على التقية متعين. بقى الكلام في مطلق الحرير مثل ما يخاط به الثوب أو يزر به أو يجعل علما فيه أو يكف به بان يجعل في رؤوس الاكمام والذيل وحول الزيق والجيب، وظاهر كلام الصدوق كما تقدم المنع من جميع ذلك حيث منع من تكة رأسها من ابريسم، واما كلام اكثر الاصحاب فهو صريح في الجواز: فاما بالنسبة إلى ما يكف به فاستدل عليه الفاضلان بما رواه العامة عن عمر (4)
(1) و (2) ص 89 (3) المغنى ج 1 ص 587 و 588 (4) المغنى ج ص 588
[ 98 ]
ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن الحرير إلا في موضع اصبعين أو ثلاث أو اربع " ومن طريق الاصحاب بما رواه جراح المدائني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انه كان يكره ان يلبس القميص المكفوف بالديباج ". وانت خبير بان الاستدلال بهذه الرواية مبني على كون الكراهة في اخبارهم (عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح عليه، وهو ليس بظاهر فان استعمالها في التحريم اكثر كثير فيها، والحق كما حققناه في ما تقدم ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة التي لا تحمل على احد المعنيين إلا مع القرينة، على ان الرواية المذكورة معارضة بما دل على تحريم لبس الحرير مطلقا وعدم جواز الصلاة في حرير محض. واما بالنسبة إلى ما عدا ذلك فتدل عليه رواية يوسف بن ابراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بالثوب ان يكون سداه وزره وعلمه حريرا وانما كره الحرير المبهم للرجال " وهي كما ترى دالة على استثناء الزر والعلم - كسبب - ما يجعل في الثوب علامة كطراز وغيره نص عليه في المصباح المنير. ويعضد ذلك ما تقدم من الاخبار الدالة على جواز الصلاة في الثوب الذي حشوه قز. والاحتياط في الاجتناب في الجميع لما يظهر من الصحيحتين المتقدمتين من النهى عن الصلاة في الحرير المحض وعمومهما شامل لهذه الاشياء المذكورة. وكون ذلك جوابا عن شئ مخصوص لا يوجب التخصيص لما تقرر من ان خصوص السؤال لا يوجب تخصيص عموم الجواب بل الجواب باق على عمومه. مع احتمال حمل الاخبار المذكورة كملا على التقية، ويؤيده ما ورد في موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الثوب الذي يكون علمه ديباجا قال لا يصلى فيه " وهي ظاهرة في معارضة الرواية المذكورة بالنسبة إلى العلم، وحملها في الذكرى على الكراهة. وفيه ما عرفت في
(1) و (3) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى
[ 99 ]
غير مقام، على انه لا يخفى ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى هو نفي البأس عن الثوب الذي يكون سداه وزره وعلمه حريرا وهو مطلق فيمكن حمله على غير الصلاة، ومورد الموثقة المذكورة النهى عن الصلاة في الثوب الذي يكون علمه ديباجا، فيمكن الجمع بين الخبرين بتخصيص اطلاق الاول بالموثقة المذكورة ويكون المعنى فيه انه لا بأس في ما عدا الصلاة فلا منافاة. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف واشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
(السادس) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز افتراش الحرير والقيام عليه، وتردد فيه في المعتبر ونسب الجواز إلى الرواية ايذانا بالتوقف، واشار بالرواية إلى ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الفراش الحرير ومثله من الديباج والمصلى الحرير هل يصلح للرجل النوم عليه والتكاءة والصلاة عليه ؟ قال يفترشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه " قال في المعتبر بعد ذكر الرواية. ومنشأ التردد عموم التحريم على الرجال. ورده في الذكرى بان الخاص مقدم على العام مع اشتهار الرواية. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عن المعتبر: وهو ضعيف لان النهي انما تعلق بلبسه ومنع اللبس لا يقتضي منع الافتراش لافتراقهما في المعنى. ثم قال وفي حكم الافتراش التوسد عليه والالتحاف به اما التدثر به فالاظهر تحريمه لصدق اسم اللبس عليه. انتهى. وقال في المختلف بعد ذكر الحكم المذكور: ومنع بعض المتأخرين من ذلك لعموم المنع من لبس الحرير. وليس بمعتمد لان منع اللبس لا يقتضي منع الافتراش لافتراقهما في المعنى. انتهى. اقول لا يبعد ان يكون كلام المختلف اشارة إلى منع صاحب المعتبر وان كان على جهة التردد حيث لم ينقل في ما وصل الينا عن غيره. وبالجملة فالقول بما هو المشهور هو المعتمد للصحيحة المذكورة إلا انه قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) في تتمة العبارة المتقدم نقلها
(1) الوسائل الباب 15 من لباس المصلى (2) ص 16
[ 100 ]
عنه في عداد الروايات المتقدمة في اول هذا المقام - ما صورته: " ولا تصل على شئ من هذه الاشياء إلا ما يصلح لبسه " وظاهره تحريم افتراش هذه الاشياء حال الصلاة والقيام عليها وكذا غيرها من جلد الميتة والذهب المعدود ايضا بعد الاشياء المذكورة في عبارته والاحوط المنع وان كان الجواز اظهر لما عرفت. واما ما رجحه في المدارك من تحريم التدثر به لما ذكره من صدق اللبس عليه فلا يخلو من بعد فان دعوى صدق اللبس عرفا على التدثر غير خال من النظر ولهذا ان جده (قدس سره) جعل التدثر كالافتراش في الجواز.
(السابع) - هل يحرم على الولي تمكين الصبي من لبس الحرير ؟ المشهور العدم وبه صرح الفاضلان في المعتبر والمنتهى، قال في المعتبر يحرم على الولي تمكين الصغير من لبس الحرير لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " حرام على ذكور امتي " وقال جابر: " كنا ننزعه عن الصبيان ونتركه على الجواري " (2) والاشبه عندي الكراهة لان الصبي ليس بمكلف فلا يتناوله الخبر، وما فعله جابر وغيره يحمل على التنزه والمبالغة في التورع. انتهى. وبنحوه صرح في المنتهى ومثلهما الشهيد في الذكرى بعد التردد، ونقل في الذخيرة قولا بالتحريم استنادا إلى ما تقدم. والظاهر ان الرواية الاولى لا دلالة فيها كما اشار إليه المحقق والثانية عامية، وقضية الاصل العدم حتى يقوم الدليل.
(الثامن) - قد صرح غير واحد منهم بانه لو لم يجد المصلي إلا الحرير ولا ضرر في التعري صلى عاريا عندنا لان وجوده كعدمه مع تحقق النهي عنه، وجوزه العامة بل اوجبوه (3) لان ذلك من الضرورات. قالوا ولو وجد النجس والحرير واضطر إلى احدهما لبرد ونحوه فالاقرب لبس النجس لان مانعه عرضي. اقول: ويؤيده الاخبار الدالة على جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره وان لم يكن مضطرا إلى لبسه وانه لا يصلي عاريا والحال كذلك (4).
(1) (2) المغنى ج 1 ص 591 (3) المغنى ج 1 ص 595 (4) ج 5 ص 351
[ 101 ]
(المقام الرابع) - في الذهب، اما تحريم لبس الذهب على الرجال فلا خلاف فيه بين الاصحاب، وانما الخلاف في بطلان الصلاة في ما لا تتم الصلاة فيه كالخاتم ونحوه، فذهب الاكثر إلى البطلان وظاهر المحقق في المعتبر العدم حيث قال: لو صلى وفى يده خاتم من ذهب ففي فساد الصلاة تردد اقربه انها لا تبطل لما قلناه في الخاتم المغصوب، ومنشأ التردد رواية موسى بن اكيل النميري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " جعل الله الذهب حلية اهل الجنة فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه " انتهى واشار بقوله " لما قلناه في الخاتم المغصوب " إلى ما قدمه في مسألة الصلاة في الخاتم المغصوب من ان النهي عن ليس عن فعل من افعال الصلاة ولا عن شرط من شروطها. اقول: ومما وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام زيادة على الرواية التي نقلها ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عمار الساباطى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد ؟ قال لا ولا يتختم به الرجل لانه من لباس اهل النار. وقال لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه لانه من لباس اهل الجنة ". وما رواه في كتاب الخصال بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " يجوز للمرأة لبس الديباج، إلى ان قال ويجوز ان تتختم بالذهب وتصلي فيه وحرم ذلك على الرجال ". وما رواه في التهذيب عن عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه لانه من لباس اهل الجنة " وقال في كتاب الفقه الرضوي (5) " لا تصل في ديباج ولا في حرير " وقد تقدمت هذه العبارة، إلى ان قال بعدها: ولا تصل في جلد الميتة على كل حال ولا في
(1) و (4) الوسائل الباب 30 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 32 و 30 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 16 من لباس المصلى (5) ص 16
[ 102 ]
خاتم ذهب ولا تشرب في آنية الذهب والفضة ولا تصل على شئ من هذه الاشياء... إلى آخر ما تقدم قريبا. وانت خبير بان الاخبار المذكورة قد اتفقت على النهي عن الصلاة في الخاتم من الذهب والنهي عن العبادة موجب لبطلانها بلا خلاف ولا اشكال، وبه يظهر ضعف ما ذهب إليه المحقق (قدس سره) قال في الذكرى: ورابعها الذهب والصلاة فيه حرام على الرجال فلو موه به ثوبا وصلى فيه بطل بل لو لبس خاتما منه وصلى فيه بطلت صلاته قال الفاضل لقول الصادق (عليه السلام) " جعل الله الذهب حلية لاهل الجنة فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه " رواه موسى بن اكيل النميري عنه (عليه السلام) (1) وفعل المنهى عنه مفسد للعبادة. وقوى في المعتبر عدم الابطال بلبس خاتم من ذهب لاجرائه مجرى خاتم مغصوب والنهي ليس عن فعل من افعال الصلاة ولا عن شرط من شروطها. انتهى. وربما يوهم كلامه هنا من حيث اقتصاره على نقل قولي الفاضلين في الخاتم التوقف إلا ان كلامه في الدروس والبيان ظاهر في اختيار المشهور حيث حكم بالبطلان في الخاتم ولو مموها. اقول: والحكم بالبطلان من هذه الاخبار اظهر من ان ينكر. وظاهره في كتبه الثلاثة جعل المموه بالذهب من خاتم وغيره كالذهب لصدق الصلاة في الذهب. وهو جيد ونقل عن ابي الصلاح ما يؤذن بالكراهة في الذهب. وهو ضعيف. وكيف كان فينبغي ان يستثنى من ذلك ما إذا دعت الضرورة إلى شد الاسنان به لما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث " ان اسنانه استرخت فشدها بالذهب ". وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مكارم الاخلاق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الثنية تنفصم أيصلح ان تشبك
(1) ص 101 (2) و (3) الوسائل الباب 31 من لباس المصلى
[ 103 ]
بالذهب وان سقطت بجعل مكانها ثنية شاة ؟ قال نعم ان شاء فليضع مكانها ثنية شاة بعد ان تكون ذكية ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل تنفصم سنه أيصلح له ان يشدها بالذهب ؟ وان سقطت أيصلح ان يجعل مكانها سن شاة ؟ قال نعم ان شاء ليشدها بعد ان تكون ذكية ". اقول: ظاهر اشتراط الذكاة في السن التي يضعها انه لا يجوز وضع سن الميتة بل لابد من تذكيتها بالذبح مع ان السن مما لا تحله الحياة فلا مانع من وضعه فانه طاهر اجماعا كما تقدم تحقيقه في محله من كتاب الطهارة. ويدل على ذلك زيادة على ما عرفت ما رواه في كتاب مكارم الاخلاق ايضا عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سأله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخد سن انسان ميت فيجعله مكانه: قال لا بأس ". ولعل اشتراط الذكاة في السن في الخبرين المذكورين من جهة ما يصاحبها غالبا من اللحم عند قلعها من موضعها وإلا فالاشتراط مشكل. والله العالم.
(المقام الخامس) - في المغصوب، ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على تحريم الصلاة في الثوب المغصوب، ونسبه في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وصرح بذلك في النهاية فقال: لا تصح الصلاة في الثوب المغصوب مع العلم بالغصبية عند علمائنا اجمع. واطلاق اكثر غباراتهم شامل لما هو اعم من ان يكون ساترا للعورة أو غير ساتر، بل صرح بذلك العلامة في جملة من كتبه والشهيد في البيان حيث قال فيه: ولا يجوز الصلاة في الثوب المغصوب ولو خيطا فتبطل مع علمه بالغصب هذا مع ان صريح كلام الفضل بن شاذان من قدماء اصحابنا (رضوان الله عليهم) وخواص اصحاب الرضا (عليه السلام) هو الجواز كما نقله في الكافي في كتاب الطلاق
(1) و (2) الوسائل الباب 31 من لباس المصلى
[ 104 ]
حيث قال - في مقام الرد على المخالفين في جواب من قاس صحة الطلاق في الحيض بصحة العدة مع خروج المعتدة من بيت زوجها - ما هذا لفظه: وانما قياس الخروج والاخراج كرجل دخل دار قوم بغير اذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله الدار وصلاته جائزة لان ذلك ليس من شرائط الصلاة لانه منهى عن ذلك صلى ام لم يصل، وكذلك لو ان رجلا غصب من رجل ثوبا أو اخذه فلبسه بغير اذنه فصلى فيه لكانت صلاته جائزة وكان عاصيا في لبسه ذلك الثوب لان ذلك ليس من شرائط الفرض لان ذلك اتى على حدة والفرض جائز معه، وكل ما لم يجب إلا مع الفرض ومن اجل ذلك الفرض فان ذلك من شرائطه لا يجوز الفرض إلا بذلك على ما بيناه. وليكن القوم لا يعرفون ولا يميزون ويريدون ان يلبسوا الحق بالباطل... إلى آخر ما ذكره (قدس سره). ومرجعه إلى انه حيث لم يشترط الاباحة في المكان واللباس بالنسبة إلى الصلاة كما ورد اشتراطها بستر العورة والقبلة وطهارة الساتر ونحوها فلا يكون الاخلال بها مضرا بالصلاة وموجبا لبطلانها، فتجوز الصلاة حينئذ في المكان والثوب المغصوبين غاية الامر انه منهى عن التصرف في المغصوب صلى فيه أو لم يصل، وغاية ما يوجبه هذا النهي هو الاثم في التصرف باي نحو كان. وهو كلام متين ومن ثم مال إليه المحدث الكاشاني في المفاتيح، قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل الكلام بطوله ما صورته: فظهر ان القول بالصحة كان بين الشيعة بل كان اشهر عندهم في تلك الاعصار. انتهى. اقول: ويؤيده ايضا ان صاحب الكافي قد نقل ذلك ولم ينكره ولم يطعن عليه في شئ منه. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لابد من نقل حجة القوم في هذا المقام وبيان ما يتوجه عليها من نقض وإبرام فنقول وبالله سبحانه الاعتصام من زيغ الافهام وطغيان الاقلام: قال السيد السند (قدس سره) في كتاب المدارك بعد نقل كلام الاصحاب
[ 105 ]
(رضوان الله عليهم) وحكمهم بالبطلان في المسألة: واحتجوا عليه بان الحركات الواقعة في الصلاة منهى عنها لانها تصرف في المغصوب والنهي عن الحركة نهى عن القيام والقعود والسجود وهو جزء الصلاة فتفسد لان النهي في العبادة يقتضي الفساد فتكون الصلاة باطلة لفساد جزئها وبانه مأمور بابانة المغصوب عنه ورده إلى مالكه فإذا افتقر إلى فعل كثير كان مضادا للصلاة والامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده فيفسد. ويتوجه على الاول ان النهي انما يتوجه إلى التصرف في المغصوب الذي هو لبسه ابتداء واستدامة وهو امر خارج عن الحركات من حيث هي حركات اعني القيام والقعود والسجود فلا يكون النهي متناولا لجزء الصلاة ولا لشرطها ومع ارتفاع النهى ينتفى البطلان. وعلى الثاني ما بيناه مرارا من ان الامر بالشئ انما يقتضي النهي عن ضده العام الذي هو نفس الترك أو الكف لا الاضداد الخاصة الوجودية. والمعتمد ما اختاره المصنف في المعتبر من بطلان الصلاة ان كان الثوب ساترا للعورة لتوجه النهي إلى شرط العبادة فيفسد ويبطل المشروط لفواته، وكذا إذا قام فوقه أو سجد عليه لان جزء الصلاة يكون منهيا عنه وهو القيام والقعود حيث انه نفس الكون المنهى عنه، اما لو لم يكن كذلك لم تبطل لتوجه النهي إلى امر خارج عن العبادة. اقول: لا يخفى انه قد كفانا المؤنة في رد الدليل المشهور بما ذكره. بقى الكلام في ما استدل به واعتمده من كلام المحقق في المعتبر وظن انه جيد ومعتبر، وينبغى ان يعلم اولا ان عبارة المعتبر هنا لا تخلو من قصور والسيد في ما نقله عنه قد اصلحه وزاد في العبارة ما يندفع به عنه الايراد وان كان ما اصلحه به ايضا لا يوصل إلى مطلوب ولا مراد كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى بوجه لا يتطرق إليه الفساد، وذلك فان اصل عبارة المعتبر هكذا: ثم اعلم اني لم اقف على نص عن اهل البيت (عليهم السلام) بابطال الصلاة وانما هو شئ ذهب إليه المشايخ الثلاثة منا واتباعهم والاقرب انه ان كان ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة لان
[ 106 ]
جزء الصلاة يكون منهيا عنه وتبطل الصلاة بفواته اما لو لم يكن كذلك لم تبطل وكان كلبس خاتم مغصوب. انتهى. وظاهره - كما ترى - تعليل البطلان في المواضع الثلاثة بكون كل منها جزءا من الصلاة وهو منهي عنه، مع ان ستر العورة ليس جزء من الصلاة وانما هو من شروط صحتها، والسيد كأنه تفطن لذلك فعدل عن تعليله وعلله بانه شرط لها ولكنه بالنهي عنه يفسد ويبطل المشروط لفوات شرطه. وفيه انا لا نسلم فساد الشرط وبطلانه إلا إذا كان عبادة وإلا فغايته حصول الاثم خاصة، وما نحن فيه كذلك فان ستر العورة ليس عبادة بل هو كازالة النجاسة فانها شرط في صحة الصلاة مع انه لا يقدح في الصلاة ازالتها بماء مغصوب أو آلة مغصوبة ونحو ذلك، وحينئذ فتصح الصلاة في الساتر وان كان مغصوبا وان اثم من حيث الغصب. واما ما علل به البطلان لو قام أو قعد فوقه أو سجد عليه - من ان جزء الصلاة يكون منهيا عنه وهو القيام والقعود والسجود في الصورة المذكورة والنهي عن العبادة موجب لبطلانها وببطلان الجزء يبطل الكل - فالجواب عنه انه ان اريد به النهي عنه من حيث عدم جواز الصلاة فيه فما ذكره من البطلان مسلم لكن الحال ليست كذلك لانه لم يرد نهي بهذا المعنى في المقام وإلا لسقط البحث من اصله، وان اريد النهي عنه من حيث الغصب وقبح التصرف في مال الغير بدون اذنه فما ذكره من البطلان المترتب على ذلك ممنوع لان القدر المقطوع به من بطلان العبادة يتوجه النهى إليها انما هو إذا توجه إليها من حيث كونها عبادة لان التعليق على الوصف مشعر بالعلية لا من جهة اخرى كما نحن فيه، والنهي هنا انما توجه إلى القيام على هذا الثوب المغصوب من حيث تحريم التصرف في المغصوب من دون اذن المالك لا من حيث عدم جواز الصلاة عليه. ولزوم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد مع اختلاف الحيثيتين غير ضائر إذ وجه المحالية بتكليف ما لا يطاق المترتب على ذلك انما يلزم مع اتحاد الجهة كما لا يخفى. ولم اطلع على من تفطن لهذه الدقيقة في المقام من علمائنا الاعلام وبها تنحل جميع الشبه التي طال فيها
[ 107 ]
الكلام واتسعت فيها دائرة الخصام وكثر فيها النقض والابرام، فان ذلك مبني على شبهة النهي وانه متوجه إلى العبادة وهو موجب لبطلانها، وهو على اطلاقه ممنوع كما عرفت فان ذلك مخصوص بما يتوجه إليها من حيث كونها عبادة مثل النهي عن السجود على ما لا يصح السجود عليه مما منع الشارع من السجود عليه، واما النهي عن السجود على المغصوب فانما هو من حيث كونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه. وبذلك يظهر لك انه لا فرق بين استعمال المغصوب في هذه الاشياء الثلاثة التي عددها في المعتبر وتبعه من تبعه كالسيد المذكور وجده قبله وغيرهما ولا بين لبس المغصوب مطلقا لجريان ما ذكرناه في الموضعين والظاهر ان منشأ قولهم بالبطلان في الثلاثة المعدودة هو انه متى لم يكن احد الثلاثة فان النهي انما توجه إلى ذلك اللباس والحركة فيه قياما وقعودا وركوعا وسجودا من حيث كونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه وهذا امر خارج عن الصلاة لا انه نهى عن ذلك من حيث كونها حركات في الصلاة، بخلاف ما إذا كان احد الثلاثة لعين ما تقدم نقله عن المدارك، وقد عرفت ما فيه. ويمكن ان يكون للزوم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد وهو محال لو قيل بصحة الصلاة في هذه المواضع الثلاثة. وفيه ما عرفت من انه لا مانع منه مع اختلاف الجهتين ولزوم المحال انما يحصل مع اتحادهما كما لا يخفى. وقد تلخص من هذا البحث ان المشهور هو بطلان الصلاة في المغصوب مطلقا كما تقدم وعلى مذهب المحقق ومن تبعه كالشهيدين في الذكرى والروض والسيد تخصيص البطلان بما إذا كان المغصوب ساترا للعورة أو مكانا للقيام عليه أو مسجدا وإلا فهى صحيحة عندهم فالقدر المجمع عليه بينهم هو هذا، وقد عرفت ما في الجميع وبه يظهر قوة ما قدمناه عن الفضل بن شاذان (قدس سره). قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في تتمة الكلام الذي قدمنا نقله ذيل كلام الفضل بن شاذان: وكلام الفضل يرجع إلى ما ذكره محققو اصحابنا من ان التكليف الايجابي ليس متعلقا بهذا الفرد الشخصي بل متعلق بطبيعة كلية شاملة لهذا الفرد وغيره
[ 108 ]
وكذا التكليف التحريمي متعلق بطبيعة الغصب لا بخصوص هذا الفرد، والنسبة بين الطبيعتين عموم من وجه فطلب الفعل والترك غير متعلق بامر واحد في الحقيقة حتى يلزم التكليف بما لا يطاق وانما جمع المكلف بينهما في فرد واحد باختياره، فهو ممتثل للتكليف الايجابي باعتبار ان هذا فرد الطبيعة المطلوبة وامتثال الطبيعة انما يحصل بالاتيان بفرد من افرادها، وهو مستحق للعقاب ايضا باعتبار كون هذا الفرد فرد الطبيعة المنهية. وقيل هذا القول غير صحيح على اصول اصحابنا لان تعلق التكليف بالطبيعة مسلم لكن لا نزاع عندنا في ان الطبيعة المطلوبة يجب ان تكون حسنة ومصلحة راجحة متأكدة يصح للحكيم ارادتها وقد ثبت ذلك في محله، وغير خفى ان الطبيعة لا تتصف بهذه الصفات إلا من حيث التحصل الخارجي باعتبار انحاء وجوداته الشخصية، وحينئذ نقول الفرد المحرم لا يخلو اما ان يكون حسنا ومصلحة متأكدة مرادة للشارع ام لا، وعلى الاول لا يصح النهى عنه، وعلى الثاني لم يكن القدر المشترك بينه وبين باقي الافراد مطلوبا للشارع بل المطلوب الطبيعة المقيدة بقيد يختص به ما عدا ذلك الفرد فلا يحصل الامتثال بذلك الفرد لخروجه من افراد المأمور به. اقول: ويمكن المناقشة فيه بوجوه لو تعرضنا لها لخرجنا عما هو مقصودنا في هذا الكتاب. وبالجملة الحكم بالبطلان احوط واولى وان كان اثباته في غاية الاشكال. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. اقول: لا يخفى ان القائل بما نقله هنا هو الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه من القائلين بالقول المشهور من بطلان الصلاة في المغصوب مطلقا، وشيخنا المذكور لم يتعرض لبيان المناقشة في كلامه بل اعتذر بما ذكره. ويمكن الجواب عما ذكره في خلاصة كلامه ونتيجة بحثه بقوله: " وحينئذ نقول الفرد المحرم لا يخلو اما ان يكون حسنا... الخ " بان يقال هنا فرد آخر غير ما ذكره من الفردين بان يكون حسنا من وجه وقبيحا من وجه، وذلك بان يكون حسنا من حيث توقف العبادة عليه وان كان قبيحا من حيث التصرف في مال الغير بغير اذنه، فهو ذو جهتين حسن من احداهما قبيح من الاخرى فهو
[ 109 ]
داخل تحت كل من الطبيعتين باعتبار هاتين الجهتين والنهي انما صح عنه من الجهة الاخرى لا من الجهة الاولى التي هي جهة الحسن، فلا يلزم ما ذكره واطال به من اللازم عل كل من الفردين اللذين ذكرهما إذ التقسيم غير منحصر فيهما مع وجود هذا الفرد الذي ذكرناه واما ما ذكره في الاعتراض على كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث اجاب في الروض عن حجة القول المشهور المتقدمة بنحو ما اجاب به سبطه في المدارك فقال في الذخيرة بعد نقل ذلك عنه: وفيه نظر لان الانسان إذا كان متلبسا باللباس المغصوب في حال الركوع مثلا فلا خفاء في ان الحركة الركوعية حركة واحدة شخصية محرمة لكونها محركة للشئ المغصوب فيكون تصرفا في مال الغير بغير اذنه محرما فلا يصح التعبد به مع انه جزء من الصلاة، واعتبار الجهتين غير نافع في صحة تعلق الوجوب والحرمة إلا مع اختلاف المتعلق لا مطلقا. انتهى. وفيه انه لا ريب ان التصرف في المغصوب وما يترتب عليه من التحريم والعقاب قد حصل بنفس اللبس فالتحريم ثابت له ابتداء واستدامة صلى فيه أو لم يصل تحرك فيه أو لم يتحرك، ولا يعقل لهذه الحركة الركوعية أو السجودية خصوصية في هذا المقام ليترتب عليها شئ من الاحكام، فلا معنى لتفريعه على الحركة الركوعية بقوله " فيكون تصرفا في مال الغير فلا يصح التعبد به " إذ هو متصرف فيه حال قيامه وقعوده بل جميع احواله، وبذلك يظهر انه لا معنى لقوله: " فلا يصح التعبد به " إذ هذا التفريع فرع صحة ما زعمه من الاختصاص بالحركة الركوعية ونحوها إذ التصرف والتحريم كما عرفت قد حصل بمجرد اللبس واستدامته صلى فيه أو لم يصل، غاية الامر انه قد قارن التصرف المحرم هذه الحركات والسكنات في الصلاة والنهي عن المقارن لا يوجب التعدي إلى ما قارنه، وحينئذ فلا يكون النهي متناولا لجزء من الصلاة ولا شرطها، ومع تسليم ما ذكره فالجواب عنه ما تقدم. وقوله في الاشارة إلى الجواب عن ذلك " واعتبار الجهتين نافع... الخ " ممنوع فان العلة التي عللوا بها ذلك انما تتم في ما إذا كان تعلق الامر والنهي من جهة واحدة كما لا يخفي.
[ 110 ]
وبالجملة فانه يكفينا التمسك بامتثال الامر المتفق على كونه يقتضي الاجزاء، وذلك فانه إذا قال الشارع " صل بعد الطهارة مستقبل القبلة مستترا بثوب طاهر " مثلا فامتثل المكلف ذلك فلا ريب في صحة صلاته لما ذكرناه، والحكم ببطلان عبادته لو كان المكان أو الثوب مغصوبا يحتاج إلى دليل حيث ان العبادة صحة وبطلانا وزيادة ونقصانا وكمية وكيفية توقيفية والشارع لم يذكر في ما اشترطه من شروط الصلاة اباحة مكانه ولا ثوبه، والدليل عندنا منحصر في الكتاب والسنة دون هذه التخريجات الفكرية التي يزعمونها ادلة عقلية مع اختلاف العقول فيها نقضا وإبراما كما في هذه المسألة وغيرها وقد حققنا في مقدمات الكتاب عدم جواز الاعتماد على الادلة العقلية بل عدم وجودها بالكلية. إلا انه قد ورد هنا بعض الاخبار مما يتسارع إلى الفهم منها الدلالة على القول المشهور مثل ما رواه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار (1) عن كتاب تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة وكتاب بشارة المصطفى للطبري عن امير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل " يا كميل انظر في ما تصلي وعلى ما تصلي ان لم يكن من وجهه وحله فلا قبول " وقريب منه ما رواه الصدوق مرسلا والكليني مسندا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لو ان الناس اخذوا ما امرهم الله به فانفقوه في ما نهاهم عنه ما قبله منهم ولو اخذوا ما نهاهم الله عنه فانفقوه في ما امرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق وينفقوه في حق " وما ربما يقال - من ان عدم القبول انما هو بمعنى عدم ترتب الثواب ولا ينافي الصحة - فقد ابطلناه في جملة من زيرنا ولا سيما كتاب الدرر النجفية إلا ان باب التأويل فيهما غير منغلق. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها مطلوب لا ينبغي تركه على كل حال فان كلام الفضل لا يخلو من قوة كما عرفت في هذا المجال. والله العالم
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من مكان المصلى
[ 111 ]
فروع:
(الاول) - قال في المنتهى: لا فرق بين ان يكون الثوب المغصوب ساترا أو غير ساتر بان يكون فوق الساتر أو تحته على اشكال. اقول: الظاهر ان وجه الاشكال عنده هو ما تقدم في كلام المحقق في المعتبر من تخصيصه التحريم بالساتر أو ما يقوم عليه أو يسجد عليه والجواز في ما عدا ذلك، وهو في هذا الكتاب يحذو حذو المعتبر غالبا وفي هذا المقام توقف. وقد مضى تحقيق الكلام في المقام.
(الثاني) قال في المنتهى ايضا: قيل تبطل الصلاة في الخاتم المغصوب وشبهه كالسوار والقلنسوة والعمامة. وفيه تردد اقربه البطلان. اقول: ومنشأ هذا التردد ايضا هو كلام المحقق في المعتبر حيث انه جزم بالصحة في الخاتم المغصوب ونحوه مما لا يستر العورة والعلامة هنا قد رجح القول المشهور.
(الثالث) - لو جهل اصل الغصب فالظاهر انه لا خلاف بينهم في الصحة لعدم توجه النهي ولزوم تكليف ما لا يطاق.
(الرابع) - لو علم بالغصب وجهل الحكم اعني تحريم الصلاة في المغصوب فالمشهور الحاقه بالعالم في عدم المعذورية، وعلله في الذكرى بانه جمع بين الجهل والتقصير في التعلم. ولا يخفى ما فيه، ولهذا مال في المدارك إلى الحاقه بسابقه حيث قال بعد ان ذكر ان جاهل الغصب لا تبطل صلاته لارتفاع النهى: ولا يبعد اشتراط العلم بالحكم ايضا لامتناع تكليف الغافل فلا يتوجه إليه النهى المقتضى للفساد. وهو جيد إلا انه لم يقف عليه في غير هذا الموضع وغير هذا المقام من سائر الاحكام بل وافق الاصحاب في غير هذين المقامين في عدم معذورية جاهل الحكم كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى. وقد تقدم في مقدمات الكتاب البحث في المسألة ورجحنا معذورية جاهل الحكم مطلقا على تفصيل تقدم بيانه.
[ 112 ]
(الخامس) - قال في المنتهى: لو علم بالغصب في اثناء الصلاة نزعه ثم ان كان عليه غيره اتم الصلاة لانه دخل دخولا مشروعا، ولو لم يكن عليه غيره ابطل الصلاة وستر عورته ثم استأنف. انتهى. وهو جيد إلا ان اطلاقه الابطال في ما لو لم يكن عليه غيره غير خال من نظر، لانه لو لم يكن عليه غيره وامكن تناول ما يستر به العورة من غير استلزام مبطل تناوله وستر عورته وتمم صلاته ولا يحتاج إلى استئناف.
(السادس) - لو علم بالغصب ونسى فان كان ناسيا للحكم اعني تحريم الصلاة في المغصوب مع تذكره الغصب فظاهر الاصحاب عدم المعذورية، وعلله في الذكرى باستناده إلى تقصيره في التحفظ، وان كان ناسيا للغصب فظاهر المنتهى المعذورية حيث قال: لو تقدمه علم بالغصبية ثم نسى حال الصلاة فصلى فيه صحت صلاته لقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " والقياس على النجاسة باطل. انتهى ونقله في المختلف والذكرى عن ابن ادريس. وظاهر كلام ابن ادريس في السائر وجود قائل بوحوب الاعادة مطلقا. واختار في المختلف الاعادة في الوقت لا في خارجه، قال: والوجه عندي الاعادة في الوقت لا خارجه (اما الاول) فلانه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. و (اما الثاني) فلان القضاء فرض ثان يفتقر إلى دليل مغاير لدليل التكليف المبتدأ. انتهى. وهو جيد واليه يميل كلام شيخنا في الذكرى واما القول بعدم وجوب الاعادة مطلقا ففيه ان ما استدلوا عليه به من الخبر المذكور لا يفي بالدلالة لاحتمال ان يكون المراد رفع المؤاخذة لا صحة الفعل. ولصاحب الذخيرة هنا كلام لا يخلو من سهو وخلل لا بأس بنقله وبيان ما فيه قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: والناسي للحكم كجاهل الحكم، ولو نسى الغصبية ففيه اوجه: (الاول) الاعادة في الوقت والقضاء خارجه ولا اعلم به قائلا. و (الثاني) الاعادة في الوقت دون القضاء وفى كلام ابن ادريس دلالة على انه قول
(1) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة
[ 113 ]
لبعض الاصحاب واختاره المصنف. و (الثالث) عدم الاعادة مطلقا واختاره ابن ادريس وهو اقرب، لنا - ان النهي غير متعلق به في صورة النسيان فيبقى اطلاق التكليف بالصلاة سالما عن المعارض، ووجوب التحفظ بحيث لا يعرض له النسيان غير ثابت. واما الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله) " رفع عن امتي الخطأ والنسيان "، وذكر الحديث ثم رده بنحو ما ذكرناه. ثم قال: احتج القائلون بوجوب الاعادة دون القضاء بان الناسي مفرط لقدرته على التكرار الموجب للتذكار فإذا اخل به كان مفرطا، ولانه لما علم كان حكمه المنع من الصلاة والاصل بقاء ذلك عملا بالاستصحاب. واما عدم وجوب القضاء فلانه تكليف جديد ولم يثبت. والجواب منع وجوب التكرار ومنع كونه موجبا للتذكار... الخ. وفيه (اولا) ان كلام ابن ادريس في السرائر ظاهر في وجود القول بوجوب الاعادة مطلقا لا التفصيل كما لا يخفى على من راجعه. و (ثانيا) ان من ذهب إلى التفصيل ووجوب الاعادة في الوقت كالعلامة في المختلف والشهيد في الذكرى انما علل ذلك بانه متى ذكر في الوقت دخل تحت عهدة الخطاب لانه لم يأت بالمأمور به على وجهه والوقت باق فيبقى تحت عهدة الخطاب حتى يأتي به كما عرفت من كلام المختلف ومثله الشهيد في الذكرى، حيث قال: ويمكن القول بالاعادة في الوقت لقيام السبب وعدم تيقن الخروج من العهدة. لا انهم عللوه بما زعمه من ان الناسي مفرط... إلى آخره كلامه. وبذلك يظهر لك ضعف ما اختاره من عدم وجوب الاعادة في الوقت لاعتماده في ذلك على رد دليل القائلين بالاعادة بزعمه وإلا فهو قد صرح بعدم دلالة الحديث الذي اعتمده في المنتهى والسرائر. قوله: لنا - ان النهي غير متعلق به في صورة النسيان (قلنا) نعم هذا الكلام تام لو استمر النسيان إلى ان خرج الوقت اما لو ذكر في الوقت فما ذكره ممنوع لظهور ان ما اتى به ليس كما امر به الشارع فهو باق تحت عهدة الخطاب لبقاء الوقت وتوجه الخطاب وهو السبب في التكليف بالعبادة. وبالجملة فالظاهر ان كلامه هنا ناشئ عن عدم
[ 114 ]
المراجعة لكلام القائلين بالتفصيل وما ذكروه من التعليل.
(السابع) - لو اذن المالك للغاصب وغيره جازت الصلاة لكل من دخل تحت الاذن بلا اشكال، بل الظاهر عدم تحقق الغصبية في حال الصلاة مع تعلق الاذن بالغاصب لان الاستيلاء في تلك الحال لا عدوان فيه: ولو اذن مطلقا فالظاهر - كما استظهره جملة من الاصحاب - عدم دخول الغاصب في ذلك لقيام العادة بحقد المغصوب منه على الغاصب وميله عليه وطلب التشفي منه والغلبة عليه والانتقام منه، والقلوب - كما قال سيد الانبياء (صلى الله عليه وآله) - مجبولة على حب من احسن إليها وبغض من اساء إليها (1) فيكون هذا الظاهر بحسب العادة بمنزلة المخصص لذلك الاطلاق، ولو فرض انتفاء ذلك بالقرائن وجب العمل بمقتضى الاطلاق.
<>