
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السابع
المطلب الثالث
في ما يستحب ويكره
وتفصيل ذلك يقع في مواضع:
(منها) - انه يستحب الصلاة في النعل العربية عند علمائنا بغير خلاف يعرف. ويدل عليه ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فان ذلك من السنة " وفى التهذيب " فانه يقال ذلك من السنة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يصلي في نعليه غير مرة ولم اره ينزعهما قط ". وعن علي بن مهزيار في الصحيح (4) قال " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) صلى حين زالت الشمس يوم التروية ست ركعات خلف المقام وعليه نعلاه لم ينزعهما ". وما رواه في الكافي عن محمد بن الحسين عن بعض الطالبيين يلقب برأس
(2) و (3) و (4) الوسائل الباب 37 من لباس المصلى
[ 115 ]
المدرى (1) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول افضل موضع القدمين للصلاة النعلان ". وروى في كتاب العلل في الصحيح أو الحسن (2) قال: " وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اقيمت الصلاة لبس نعليه وصلى فيهما ". وانت خبير بانه قد وقع في عبارات الاصحاب التصريح بالعربية بمعنى انهم خصوا الاستحباب بالنعل العربية والروايات - كما ترى - مطلقة، ولعل الوجه في ذلك فهمهم انها هي التي كانت متعارفة في وقتهم (عليهم السلام) والاحتياط يقتضي الاقتصار على ذلك وان كان ظواهر الاخبار الدلالة على ما هو اعم من العربية وغيرها. وقد تقدم جملة من المستحبات في هذا الباب في الابحاث السابقة كاستحباب ستر البدن كملا للرجل إذ الواجب هو ستر العورتين، واستحباب وضع شئ على عاتقه إذا صلى مكشوف الظهر ونحو ذلك مما تقدم، وتقدمت الاخبار الدالة على جميع ذلك فلا ضرورة إلى اعادتها.
و (منها) استحباب الطيب بالمسك وغيره، فروى في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ممسكة إذا هو توضأ اخذها بيده وهي رطبة وكان إذا خرج عرفوا انه رسول الله (صلى الله عليه وآله) برائحته ". وعن الحسن بن علي عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: " كان يعرف موضع سجود ابي عبد الله (عليه السلام) بطيب ريحه " وعن علي بن ابراهيم رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: " صلاة متطيب افضل من سبعين صلاة بغير طيب ". وعن عبد الله بن الحارث (6) قال: " كانت لعلي بن الحسين (عليه السلام)
(1) الوسائل الباب 37 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 63 من لباس المصلى (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 43 من لباس المصلى
[ 116 ]
قارورة مسك في مسجده فإذا دخل للصلاة اخذ منه فتمسح به ". وروى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ركعتان يصليهما متعطر افضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر " إلى غير ذلك من الاخبار.
و (منها) - انه يكره الصلاة في الثياب السود عدا العمامة والخف والكساء وهو ثوب من صوف ومنه العباء، كذا نقل عن الجوهري. ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن احمد بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف والعمامة والكساء ". وروى في كتاب الزي من الكتاب المذكور عن احمد بن ابي عبد الله عن بعض اصحابه رفعه (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره السواد إلا في ثلاث: الخف والعمامة والكساء ". وعن حذيفة بن منصور (4) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فاتاه رسول ابي العباس الخليفة يدعوه فدعا بممطر احد وجهيه اسود والآخر ابيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) اما اني البسه وانا اعلم انه لباس اهل النار " اقول: في القاموس الممطر والممطرة بكسرهما ثوب صوف يتوقى به من المطر. ثم اقول: يحتمل ان يكون لبسه (عليه السلام) له في تلك الحال لضرورة دفع المطر أو تقية حيث انه المعمول عليه عند المخالفين يومئذ. وروى الصدوق في الفقيه (5) مرسلا عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في ما علم اصحابه " لا تلبسوا السواد فانه لباس فرعون ". وروى باسناده عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (6) انه قال
(1) الوسائل الباب 43 من لباس المصلى (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 19 من لباس المصلى
[ 117 ]
" اوحى الله إلى نبي من انبيائه قلل للمؤمنين لا يلبسوا ملابس اعدائي ولا يطعموا مطاعم اعدائي ولا يسلكوا مسالك اعدائي فيكونوا اعدائي كما هم اعدائي. اقول: قال الصدوق في كتاب عيون الاخبار بعد نقل هذا الخبر بسند آخر عن علي بن ابي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله: قال المصنف (رضي الله عنه): لباس الاعداء هو السواد، ومطاعم الاعداء هو النبيذ والمسكر والفقاع والطين والجري من السمك والمار ماهي والزمير والطافي وكل ما لم يكن له فلس من السمك والارنب والضب والثعلب وما لم يدف من الطير وما استوى طرفاه من البيض والدبا من الجراد وهو الذي لا يستقل بالطيران والطحال، ومسالك الاعداء مواضع التهمة ومجالس شرب الخمر والمجالس التي فيها الملاهي ومجالس الذين لا يقضون بالحق والمجالس التي تعاب فيها الائمة والمؤمنون ومجالس اهل المعاصي والظلم والفساد. انتهى. وحاصله يرجع إلى التخصيص بالمحرمات في ما عدا اللباس حملا للنهي علي التحريم. والاظهر الحمل على ما هو اعم من التحريم أو الكراهة مثل لباس اليهود والنصارى ومآكلهم وكذا لباس المخالفين ومآكلهم المعلومة مخالفة ذلك للسنن النبوية والشريعة المحمدية (صلى الله عليه وآله) ويؤيده وقوع المناهي في الاخبار عن جملة من الاشياء من حيث دخولها في مضمون هذا الخبر مثل النهي عن البرطلة لانها من زي اليهود (1) واسدال الرداء لانه من زيهم (2) وشم النرجس في الصوم لانه من فعل المجوس (3) والاكل بالملاعق كما يفعله الروم والمخالفون لمخالفته لسنة الاكل باليد (4) وجر الثياب على الارض كما يفعلونه ايضا لمنافاته التشمير المأمور به (5) وجز اللحى واعفاء الشوارب كما يفعلونه لمخالفته للسنة النبوية
(1) الوسائل الباب 31 من الحكام الملابس (2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى (3) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم (4) الوسائل الباب 68 من آداب المائدة (5) الوسائل الباب 22 من احكام الملابس
[ 118 ]
في العكس وامثال ذلك. فان الظاهر دخول الجميع تحت الخبر. ثم اقول: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الاخبار لما استفاضت به الاخبار من الامر باظهار شعائر الاحزان، ويؤيده ما رواه شيخنا المجلسي (قدس سره) عن البرقي في كتاب المحاسن (2) انه روى عن عمر بن زين العابدين (عليه السلام) انه قال " لما قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد ولم يغيرنها في حر أو برد وكان الامام زين العابدين (عليه السلام) يصنع لهن الطعام في المأتم " والحديث منقول من كتاب جلاء العيون بالفارسية ولكن هذا حاصل ترجمته. واشد السواد كراهة القلنسوة السوداء لما رواه في الكافي عن محسن بن احمد عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له اصلى في القلنسوة السوداء ؟ فقال لا تصل فيها فانها لباس اهل النار " ورواه في الفقيه مرسلا (4) هذا، ومما يدل على كراهة بعض الالوان غير السواد ما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " تكره الصلاة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم " اقول: المفدم لغة الشديد الحمرة أو اللون، وعلى الثاني فيكون تأكيدا للمشبع فيكون فيه دلالة على كراهة كل لون مشبع من حمرة أو صفرة أو خضرة أو نحو ذلك، ومن هنا نقل عن الشيخ وابن الجيند وابن ادريس كراهة الصلاة في الثياب المقدمة بلون من الالوان. وما رواه في التهذيب عن يزيد بن خليفة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " انه كره الصلاة في المشبع بالعصفر المضرج بالزعفران " قال في الوافي: المضرج
(1) الوسائل الباب 67 من آداب الحمام (2) ص 420 (3) و (4) الوسائل الباب 20 من لباس المصلى (5) و (6) الوسائل الباب 59 من لباس المصلى.
[ 119 ]
بالضاد المعجمة والجيم المصبوغ بالحرمة دون المفدم وفوق المورد. وما رواه في الكافي عن مالك بن اعين (1) قال: " دخلت على ابي جعفر (عليه السلام) وعليه ملحفة حمراء شديدة الحرمة فتبسمت حين دخلت فقال كأني اعلم لم ضحكت ضحكت من هذا الثوب الذي هو علي، ان الثقفية اكرهتني عليه وانا احبها فاكرهتني على لبسها، ثم قال انا لا نصلي في هذا ولا تصلوا في المشبع المضرج. قال ثم دخلت عليه وقد طلقها فقال سمعتها تبرأ من علي (عليه السلام) فلم يسعني ان امسكها وهي تبرأ منه ". وبالجملة فالظاهر من الاخبار كراهية الصلاة في المفدم بمعنييه المتقدمين والمعصفر المضرج بالزعفران، وبذلك صرح ايضا الفاضلان في المعتبر والمنتهى. اما لبسه في غير الصلاة فظاهر جملة من الاخبار جوازه وان الائمة (عليهم السلام) كانوا يلبسونه في مقام استحباب اظهار الزينة كما عرفت من حديث مالك بن اعين المذكور ومثله اخبار اخر نقلها في الكافي في كتاب الزينة واللباس.
و (منها) - انه يكره ان يأتزر فوق القميص على المشهور ذكره الشيخان واتباعهما: ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا ينبغي ان تتوشح بازار فوق القميص وانت تصلي ولا تتزر بازار فوق القميص إذا انت صليت فانه من زي الجاهلية " وانما حملنا لفظ " لا ينبغي " على الكراهة في الرواية مع ورود استعماله في الاخبار بمعنى التحريم كثيرا كما تقدم ذكره في غير مقام لما رواه الشيخ في الصحيح عن موسى بن القاسم البجلي (3) قال: " رأيت ابا جعفر الثاني (عليه السلام) يصلي في قميص قد اتزر فوقه بمنديل وهو يصلي " وفى الصحيح عن موسى بن عمر
(1) الوسائل الباب 59 من لباس المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى
[ 120 ]
بن بزيع (1) قال " قلت للرضا (عليه السلام) اشد الازار والمنديل فوق قميصي في الصلاة ؟ فقال لا بأس به ". واكثر المتأخرين ومنهم صاحب المدارك انما نقلوا رواية ابي بصير عن التهذيب وهي فيه هكذا قال: " لا ينبغي ان تتوشح بازار فوق القميص إذا انت صليت فانه من زي الجاهلية ولهذا اعترض في المدارك بعد نقله عن الشيخ الرواية بهذه الصورة بانها غير دالة على المدعى وانما تدل على كراهة التوشح فوق القميص وهو خلاف الاتزار. وانت خبير بان الظاهر ان الرواية المذكورة في الكتابين واحدة لان الشيخ انما رواها في التهذيب عن محمد بن يعقوب بالسند الذي في الكافي واسقط منها موضع الاستدلال وهو ناشئ عن الغفلة والاستعجال وانتقل نظره من لفظ القميص الاول إلى الثاني فسقط ما بين ذلك. واكثرهم لم يراجع الكافي في المقام. وما ذكرناه ظاهر لا يخفى على من له انس بملاحظة كتاب التهذيب وتدبره ما وقع للشيخ في اخباره متنا وسندا من التغيير والتبديل والتحريف والتصحيف وقلما يخلو خبر من شئ من ذلك. وبذلك يظهر ان ما اعترض به (قدس سره) على هذه الرواية - من عدم الدلالة في المقام وان تبعه من تبعه من الاعلام وطعنوا به على المتقدمين من عدم وجود مستند للقول بالكراهة - ليس في محله وممن وقع في ذلك ايضا صاحب المعتبر فنقل رواية ابي بصير من التهذيب وتبعه من تأخر عنه من غير ملاحظة لكتاب الكافي، وحيث لم تكن مشتمله على الاتزار حكم بالجواز بغير كراهة للصحيحتين المتقدمتين، والحق ما ذكرناه.
و (منها) - انه يكره التوشح والاخبار بذلك متكاثرة: منها - ما تقدم في رواية ابي بصير، ومنها - ما رواه الشيخ عن محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " الارتداء فوق التوشح في الصلاة مكروه والتوشح فوق القميص مكروه ".
(1) و (2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى
[ 121 ]
ومنها - ما رواه في الفقيه عن زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " انه سأله رجل وهو حاضر عن الرجل يخرج من الحمام أو يغتسل فيتوشح ويلبس قميصه فوق ازاره فيصلي وهو كذلك ؟ قال هذا من عمل قوم لوط. فقلت انه يتوشح فوق القميص ؟ قال هذا من التجبر... الحديث " ورواه الشيخ في التهذيب (2) ايضا. ومنها - موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " سئل عن الرجل يؤم بقوم يجوز له ان يتوشح قال لا لا يصلي الرجل بقوم وهو متوشح فوق ثيابه وان كانت عليه ثياب كثيرة لان الامام لا يجوز له الصلاة وهو متوشح ". ومنها - ما رواه في كتاب العلل عن الهيثم بن واقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " انما كره التوشح فوق القميص لانه من فعل الجبابرة ". وما رواه فيه ايضا عن يونس عن جماعة من اصحابه عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (5) " انه سئل ما العلة التي من اجلها لا يصلي الرجل وهو متوشح فوق القميص ؟ فقال لعلة التكبر في موضع الاستكانة والذل ". وما رواه في كتاب الخصال عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به فانه من افعال قول لوط ". واما ما يدل على الجواز فحسنة حماد بن عيسى (7) قال: " كتب الحسن بن علي ابن يقطين إلى العبد الصالح (عليه السلام) هل يصلي الرجل الصلاة وعليه ازار متوشح به فوق القميص ؟ فكتب نعم ". وما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل وقرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن الرجل يتوشح بالثوب فيقع على
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى (8) الوسائل الباب 23 و 24 من لباس المصلى
[ 122 ]
الارض أو يجاوز عاتقه أيصلح ذلك ؟ قال لا بأس ". وقال في من لا يحضره الفقيه (1) بعد ان روى ما يدل على الكراهة: " وقد رويت رخصة في التوشح بالازار فوق القميص عن البعد الصالح وعن ابي الحسن الثالث وعن ابي جعفر الثاني (عليهم السلام) وبها آخذ وافتي " وما ذكره من الرواية عن ابي جعفر الثاني وعن ابي الحسن الثالث (عليهما السلام) فلم تصل الينا في ما وصل من المنقول ولكنه الصدوق في ما يقول. وبما ذكرنا يظهر لك ما في كلام صاحب الدارك حيث نفى الكراهة فقال: ولا يبعد عدم كراهة التوشح لما رواه حماد بن عيسى، ثم اورد الرواية المتقدمة. والعجب انه نقل في صدر الكلام روايتي ابي بصير ومحمد بن اسماعيل المتقدمتين في صدر هذه الروايات وهما صريحتان في الكراهة مع ما علم من طريقته من عدم المناقشة في ادلة الاستحباب والكراهة وظاهر الصدوق في ما ذكرناه من عبارته الجمع بين اخبار المسألة يحمل اخبار الجواز على الرخصة. وظاهر الشيخ في الجمع بين ما ذكره في كتابه من اخبار الطرفين هو حمل اخبار النهي على الالتحاف بالثوب كما تلتحف اليهود وان يشتمل به كما يفعلونه واخبار الجواز على ان يتوشح بالازار ليغطي ما قد كشف منه ويستر ما تعرى من بدنه، واحتج لهذا بما رواه في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن الرجل يشتمل في صلاته بثوب واحد ؟ قال لا يشتمل بثوب واحد فاما ان يتوشح فيغطى منكبيه فلا بأس " وانت خبير بان حسنة حماد الدالة على الجواز صريحة في ان التوشح فوق القميص فلا يجري فيما ما ذكره، وظاهر التعليلات الواردة في اخبار النهي ان المنع من ذلك انما هو من حيث كونه فعل الجبابرة واصحاب التكبير، والتعليل بالتشبه باليهود انما ورد في اسدال الرداء واشتمال الصماء كما وقع في جملة من الاخبار فلا يتم
(1) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى
[ 123 ]
ما ذكره ايضا في اخبار النهي. وبذلك يظهر ان الاظهر ما ذكره الصدوق (قدس سره) من الجمع بالحمل على الرخصة. بقى الكلام في معنى التوشح وانه عبارة عماذا فنقل السيد في المدارك عن الجوهري قال يقال التوشح الرجل بثوبه وسيفه إذا تقلدهما. ونقل عن بعض اهل اللغة ان التوشح بالثوب هو ادخاله تحت اليد اليمنى والقاؤه على المنكب الايسر كما يفعله المحرم. اقول: وبالاول من هذين المعنيين صرح في القاموس فقال: توشح بسيفه وثوبه تقلد. وبالثاني صرح الفيومي في المصباح المنير فقال: وتوشح به وهو ان يدخله تحت ابطه الايمن ويلقيه على منكبه الايسر كما يفعله المحرم. ونحوه في كتاب المغرب قال: توشح الرجل وهو ان يدخل الرجل ثوبه تحت يده اليمنى ويلقيه على منكبه الايسر كما يفعل المحرم وكذلك الرجل يتوشح بحمائل سيفه فتقع الحمائل على عاتقه اليسرى وتكون اليمنى مكشوفة. وقال في نهاية ابن الاثير: فيه " انه كان يتوشح بثوبه " اي يتغشى به والاصل فيه من الوشاح. ونقل عن النووي في شرح مسلم (1) ان التوشح ان يأخذ طرف الثوب الذي القاه على منكبه الايمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي القاه على الايسر تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره، والمخالفة بين طرفيه والاشتمال بالثوب بمعنى التوشح. ولا يخفى ما في هذه العبارات من الاختلاف ولعل الاظهر ما ذكره في كتاب المصباح المنير وفي المغرب لما ذكره الفقهاء في لبس ثوب الاحرام الاعلى من التوشح على النحو المذكور.
و (منها) - انه يكره اشتمال الصماء، ولا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما اعلم، والاصل فيه ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " اياك والتحاف الصماء. قلت وما التحاف الصماء ؟ قال ان تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد ". وروى في كتاب معاني الاخبار عن القاسم بن سلام باسانيد متصلة بالنبي (صلى
ج 4 ص 223 (2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى
[ 124 ]
الله عليه وآله) (1) " انه نهى عن لبستين: اشتمال الصماء وان يلتحف الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء شئ " قال وقال الصادق (عليه السلام) " التحاف الصماء هو ان يدخل الرجل رداءه تحت ابطه ثم يجعل طرفين على منكب واحد " وظاهر الخبرين المذكورين كراهيته مطلقا، والظاهر ان ذكر الاصحاب لهذا الحكم في هذا المقام انما هو من حيث عموم الاخبار المذكورة لحال الصلاة. بقى الكلام في معناه وانه عبارة عماذا قال في كتاب معاني الاخبار بعد ذكر الخبر المذكور فيه: قال الاصمعي اشتمال الصماء عند العرب ان يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده. واما الفقهاء فانهم يقولون هو ان يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. ثم قال: قال الصادق (عليه السلام) التحاف الصماء... إلى آخر ما قدمناه. ثم قال وهذا هو التأويل الصحيح. انتهى. وقال الجوهري: قال أبو عبيد واشتمال الصماء ان تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الاعراب باكسيتهم وهو ان يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الايسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الايمن فيغطيهما جميعا. وذكر أبو عبيد ان الفقهاء يقولون هو ان يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه فإذا قلت اشتمل فلان الصماء كأنك قلت اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم لان الصماء ضرب من الاشتمال. وذكر في القاموس نحوا منه. وقال الجزري: فيه " ولا تشتمل اشتمال اليهود " الاشتمال افتعال من الشملة وهو كساء يتغطى به ويتلفف فيه والمنهى عنه هو التجلل بالثوب واسباله من غير ان يرفع طرفه، ومنه الحديث " نهى عن اشتمال الصماء " وهو ان يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا وانما قيل له صماء لانه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع والفقهاء
(1) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى
[ 125 ]
يقولون هو ان يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من احد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته. وقال النووي في شرح مسلم: يكره على الاول لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام أو غيره فيتعذر عليه أو يعسر، ويحرم على الثاني ان انكشف بعض عورته وإلا يكره. وهو بمهملة ومد. اقول: وعلى هذا النحو كلام جملة من علماء العامة ومنه يعلم معناه عند اللغويين منهم وعند فقهائهم. واما ما ذكره اصحابنا (رضوان الله علهم) فقال الشيخ في المبسوط والنهاية هو ان يلتحف بالازار ويدخل طرفيه تحت يده ويجمعهما على منكب واحد كفعل اليهود وهو المشهور والمراد بالالتحاف ستر المنكبين. وقال ابن ادريس في السرائر: ويكره السدل في الصلاة كما يفعل اليهود وهو ان يتلفف بالازار ولا يرفعه على كتفيه، وهذا تفسير اهل اللغة في اشتمال الصماء وهو اختيار السيد المرتضى فاما تفسير الفقهاء لاشتمال الصماء الذي هو السدل، قالوا هو ان يلتحف بالازار ويدخل طرفيه من تحت يده ويجعلهما جميعا على منكب واحد. اقول: ظاهر كلامه اتحاد السدل واشتمال الصماء وهو خلاف ما عليه الاصحاب كما سيأتي ان شاء الله تعالى قريبا، وكيف كان فالعمل على ما دلت عليه صحيحة زرارة المتقدمة وهو قول الشيخ المتقدم وبه قال في المعتبر. إلا انه بقى هنا شئ وهو انه هل المراد من قوله (عليه السلام) في الخبر: " تدخل الثوب من تحت جناحك " بمعنى ادخال احد طرفي الثوب من تحت احد الجناحين والطرف الآخر من تحت الجناح الآخر ثم جعلهما على منكب واحد بان يراد بالجناح الجنس أو المراد ادخال طرفي الثوب معا من تحت جناح واحد سواء كان الايمن أو الايسر ثم وضعه على منكب واحد ؟ كل محتمل إلا ان الاظهر الثاني حملا للفظ على ظاهره والا لكان الاظهر ان يقول " جناحيك ".
و (منها) كراهة الصلاة في عمامة لا حنك لها على المشهور واسنده في المعبر إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وقال الصدوق في كتابه: وسمعت مشايخنا
[ 126 ]
(رضوان الله عليهم) يقولون لا تجوز الصلاة في الطابقية ولا يجوز للمعتم ان يصلي إلا وهو متحنك. وجملة من الاصحاب: منهم صاحب المدارك وغيره صرحوا بان المستفاد من الاخبار كراهة ترك التحنك حال الصلاة وغيرها ولا خصوصية للصلاة بذلك وانما يكون دخولها من حيث العموم على نحو ما اشرنا إليه في اشتمال الصماء. اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالتحنك ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن ابي عمير عن ما ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه ". وعن عيسى بن حمزة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من اتمم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه ". وروى ابن بابويه في الفقيه في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه ". وقال في الفقيه (4): وقال (عليه السلام) " اني لاعجب ممن يأخذ في حاجة وهو معتم تحت حنكه كيف لا تقضى حاجته " وقال النبي (صلى الله عليه وآله) الفرق بين المسلمين والمشركين التلحى بالعمائم وذلك في اول الاسلام وابتدائه " ثم قال وقد نقل عنه اهل الخلاف ايضا انه امر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط إلى هنا كلام الفقيه. ونقل العلامة في المختلف وكذا من تأخر عنه عن الصدوق القول بالتحريم وكلامه المتقدم نقله وان كان ظاهره التحريم إلا انه انما اسنده إلى مشايخه إلا ان يقال انه باعتبار عدم انكاره ورده دال على القول به وفيه ما فيه لامكان توقفه. وقال شيخنا البهائي (قدس سره) لم نظفر في شئ من الاحاديث بما يدل على استحبابه لاجل الصلاة، ومن ثم قال في الذكرى واستحباب التحنك عام ولعل حكمهم
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 26 من لباس المصلى
[ 127 ]
في كتب الفروع بذلك مأخوذ من كلام علي بن بابويه فان الاصحاب كانوا يتمسكون بما يجدونه في كلامه عند اعواز النصوص، فالاولى المواظبة على التحنك في جميع الاوقات ومن لم يكن متحنكا واراد ان يصلي به فالاولى ان يقصد انه مستحب في نفسه لا انه مستحب لاجل الصلاة. انتهى. اقول: وعندي في ما ذكروه هنا من استحباب التحنك دائما اشكال لان ذلك وان كان هو ظاهر الاخبار المتقدمة إلا ان هنا جملة من الاخبار ظاهرة المنافاة لذلك حيث ان ظاهرها ان المستحب للمعتم دائما انما هو الاسدال دون التحنك: ومنها ما رواه الكليني في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (1) " في قول الله عزوجل " مسومين " (2) قال العمائم اعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسدلها من بين يديه ومن خلفه واعتم جبرئيل فسدلها من بين يديه ومن خلفه ". وعن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر ". وعن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " عمم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) بيده فسدلها بين يديه من وقصرها من خلفه قدر اربع اصابع ثم قال ادبر فادبر ثم قال اقبل فاقبل ثم قال هكذا تيجان الملائكة ". وعن ياسر الخادم (5) قال: " لما حضر العيد بعث المأموم إلى الرضا (عليه السلام) يسأله ان يركب ويحضر العيد ويصلي ويخطب فبعث الرضا (عليه السلام) إليه يستعفيه فالح عليه فقال ان لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) فقال له المأموم اخرج كيف شئت، وساق الحديث إلى ان قال: فلما طلعت الشمس قام (عليه السلام) فاغتسل واعتم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا
(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من احكام الملابس (2) سورة آل عمران. الآية 121
[ 128 ]
منها على صدره وطرفا بين كتفيه... الخبر ". وروى الطبرسي في المكارم (1) بسنده " ان علي بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد وعليه عمامة سوداء القى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه... الخبر ". ونقل السيد الزاهد رضي الدين بن طاووس في كتاب الامام عن ابي العباس بن عقدة (2) في كتابه الذي سماه كتاب الولاية باسناده قال: " بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم إلى علي (عليه السلام) فعممه واسدل العمامة بين كتفيه وقال هكذا ايدنى ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد اسدلوا العمائم وذلك حجز بين المسلمين والمشركين... إلى آخر الخبر " وقال في الحديث الآخر (3) " عمم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) يوم غدير خم عمامة سدلها بين كتفيه قال هكذا ايدني ربي بالملائكة " ثم قال السيد اقول: هذا لفظ ما رويناه اردنا ان ندكره ليعلم وصف العمامة في السفر الذي نخشاه. انتهى. اقول: وهذه الاخبار كلها ظاهرة في ما ذكرناه نيرة في ما سطرناه ومفهومها ان السنة في لبس العمامة انما هو بهذه الكيفية كما فعلوه (عليهم السلام) من اسدال احد طرفي العمامة على الصدر والآخر بين الكتفين أو الاكتفاء باحد الاسدالين دون الادارة تحت الحنك الذي هو معنى التحنك. ولم اقف على من تفطن لهذا الاشكال الا شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار إلا انه وقع في ما هو اشكل منه فزعم حمل ما ذكرناه من الاخبار الدالة على الاسدال على انه التحنك المأمور به في تلك الاخبار المتقدمة مع ان التحنك لغة وعرفا كما ذكره علماؤنا (رضوان الله عليهم) انما هو ادارة جزء من العمامة تحت الحنك من احد الجانبين إلى الآخر والاسدال انما هو ارسال طرف العمامة على الصدر أو على القفاء من خلفه، ولا بأس ينقل كلامه وبيان ما فيه من نقضه وإبرامه لئلا يغتر به من لم يعض
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 30 من احكام الملابس
[ 129 ]
على المسألة بضرس قاطع ويحسبه الظمآن ماء وهو سراب لامع، قال (طيب الله مرقده) بعد نقل اخبار التحنك المتقدمة ما صورته: ولنرجع إلى معنى التحنك فالظاهر من كلام بعض المتأخرين هو ان يدير جزء من العمامة تحت حنكه ويغرزه في الطرف الآخر كما يفعله اهل البحرين في زماننا ويوهمه كلام بعض اللغويين ايضا، والذي نفهمه من الاخبار هو ارسال طرف العمامة من تحت الحنك واسداله كما مر في تحنيك الميت وكما هو المضبوط عند سادات بني حسين اخذوه عن اجدادهم خلفا عن سلف ولم يذكر في تعمم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) الا هذا، ولتذكر بعض عبارات اللغويين وبعض الاخبار ليتضح لك الامر في ذلك، قال الجوهري: التحنك التلحي وهو ان تدير العمامة من تحت الحنك. وقال الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير ادارة تحت الحنك، وفي الحديث " انه نهى عن الاقتعاط وامر بالتحلي " وقال التحلي تطويق العمامة تحت الحنك، ثم ذكر الخبر. وقال الفيروز ابادي: اقتعط تعمم ولم يدر تحت الحنك. وقال العمة الطابقية هي الاقتعاط. وقال تحنك ادار العمامة تحت حنكه. وقال الجزري: فيه " انه نهى عن الاقتعاط " هو ان يعتم بالعمامة ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه وقال: فيه " انه نهي عن الاقتعاط وامر بالتلحي " هو جعل بعض العمامة تحت الحنك والاقتعاط ان لا يجعل تحت حنكه منها شيئا. وقال الزمخشري في الاساس: اقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه، ثم ذكر الحديث. وقال الخليل في العين: يقال اقتعط بالعمامة إذا اعتم بها ولم يدرها تحت الحنك. واما الاخبار، ثم نقل جملة ما قدمناه من الاخبار الدالة على الاسدال، إلى ان قال: وقال السيد ابن طاووس (قدس سره) روينا عن ابي العباس احمد بن عقدة... إلى آخر ما قدمنا نقله عنه، ثم قال: واقول: ولم يتعرض في شئ من تلك الروايات لادارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذي فهمه اهل عصرنا مع التعرض لتفصيل احوال العمائم وكيفيتها، واكثر كلمات اللغويين لا يأبى عما ذكرناه إذ ادارة رأس العمامة من خلف إلى الصدر ادارة ايضا، بل كلام الجزري والزمخشري حيث قالا ان
[ 130 ]
لا يجعل شيئا منها تحت حنكه فيما ذكرناه اظهر، والظاهر من كلام السيد ايضا ان فهمه موافق لفهمنا لانه قال اولا: الفصل الثاني في ما تذكره من التحنك بالعمامة عند تحقق عزمك على السفر لتسلم من الخطر، ثم قال بعد ايراد الروايتين ما قدمنا ذكره، فظهر انه فسر التحنك بما ورد شرحه في الروايتين من اسدال العمامة وروى الكليني والشيخ عن عثمان النوا (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اغسل الموتى قال أو تحسن ؟. " ثم ساق الرواية وفيها قال: " خذ العمامة من وسطها وانشرها على رأسه ثم ردها إلى خلفه واطرح طرفيها على صدره " ثم قال: وكذا سائر اخبار تعميم الميت ليس فيها غير اسدال طرفي العمامة على صدره كما عرفت في باب التكفين. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من تعسف ظاهر وتكلف لا يخفى على الخبير الماهر، وينبغي ان يعلم اولا انه لا ريب ان كلمات اهل اللغة كلها منطبقة على الاخبار المتقدمة في التحنك ومتفقة معها على وجه لا يداخله التشكيك. والاخبار الاخيرة الدالة على الاسدال مخالفة لتلك الاخبار ولكلام اهل اللغة مخالفة ظاهرة والجمع بما ذكره بين الجميع تعسف ظاهر، نعم يمكن الجمع بما سيأتي ذكره في آخر البحث. إذا عرفت ذلك فاعلم ان وجوه النظر في كلامه (قدس سره) عديدة: (احدها) - انه لا يخفى على ذي الذوق السليم والفهم القويم ان كلمات اهل اللغة التي نقلها كلها متفقة الدلالة ظاهرة المقالة في الانطباق على المعنى المشهور وان تفاوتت في البيان والظهور ولا سيما قول الجوهري " التلحى تطويق العمامة تحت الحنك " يعني جعلها كالطوق كما نقله عن علماء البحرين وهو مرادف لقوله اولا " التحنك التحلي وهو ان تدبر العمامة من تحت الحنك " وإلا لزم الاضطراب في كلامه، وحينئذ فحيثما ذكرت هذه العبارة اعني قوله: " تدير العمامة من تحت الحنك " فانما المراد بها التطويق وجعلها كالطوق واين هذا من الاسدال الذي دلت عليه تلك الاخبار ؟ وكذا قول الجزري في تفسير
(1) الوسائل الباب 16 من التكفير
[ 131 ]
الاقتعاط: " هو ان يعتم بالعمامة ولا يجعل شيئا منها تحت ذقنه " المؤذن بان التلحي الذي هو مقابل الاقتعاط هو جعل شئ من العمامة تحت الذقن، وحينئذ فقوله في تتمة كلامه في تفسير التلحي: " هو جعل بعض العمامة تحت الحنك " يعني تحت الذقن والذقن مجمع عظمي اللحيين واين هذا من الاسدال ؟ ومن هاتين العبارتين يعلم ما قلناه من انه حيثما قيل: " التحنك ادارة العمامة تحت الحنك " فان المراد به التطويق وجعلها تحت الذقن بان يخرج طرفها إلى الجانب الآخر الذي هو غير ما دخلت منه. و (ثانيها) - ان الحنك على ما يفهم من كلام اهل اللغة انما هو ما انحدر عن الذقن أو ما حاذاه من داخل الفم، قال في القاموس: الحنك محركة باطن اعلى الفم من داخل والاسفل من طرف مقدم اللحيين. وقال في كتاب مجمع البحرين: والحنك ما تحت الذقن من الانسان وغيره واعلى داخل الفم والاسفل في طرف مقدم اللحيين من اسفلهما. انتهى. اقول: ومنه ما ورد في الاخبار من استحباب تحنيك المولود عند الولادة بالتمر أو الحلو أو ماء الفرات أو التربة الحسينية على مشرفها افضل السلام والتحية (1) بمعنى ادخال ذلك إلى حنكه وهو اعلى داخل الفم، ولا ريب ان الاسدال الذي تضمنته تلك الروايات انما يمر باعلى احد اللحيين من اليسار أو اليمين لا بالاسفل والاسفل من كل من اللحيين هو مجمعهما المسمى بالذقن وهذا هو الذي اشارت إليه العبارتان المتقدمتان، وحينئذ فالتحنك انما هو عبارة عن المرور بالعمامة على الحنك الذي هو هذا الموضع الذي يرجع إلى الذقن واين هذا من الاسدال ؟ وبذلك يظهر لك ما في قوله: " ان اكثر كلمات اللغويين لا يأبي عما ذكرنا... الخ " فان فيه (اولا) منع صدق الادارة لان طرف العمامة لم يأت من الخلف حتى يحصل ادارته إلى الصدر وانما اتى من جانب واسدل من المكان الذي خرج منه، مع تسليمه فالمراد الارادة تحت الحنك لا مطلقا والحنك قد عرفت معناه والاسدال لا يتصل به ولا يصل إليه.
(1) الوسائل الباب 36 من احكام الاولاد
[ 132 ]
و (ثالثها) - ان قوله: " لم يتعرض في شئ من تلك الروايات لادارة العمامة... الخ " مسلم ومنه نشأ الاشكال وحصل في المسألة الداء العضال، حيث ان هذه الروايات كلها اتفقت على ان السنة في العمامة انما هو الاسدال وتلك الاخبار المعتضدة بكلام اهل اللغة دلت على ان السنة في العمامة هو التحنك بها وهو الادارة تحت الحنك كما عرفت، وكيف كان فانهم (عليهم السلام) لم يتعرضوا في هذه الاخبار الاخيرة إلى لفظ التحنك حتى يمكن تفسير التحنك بالاسدال كما زعمه (طاب ثراه) وجعله وجه جمع بين اخبار المسألة. وبحثنا وكلامنا انما هو في معنى التحنك وهو غير موجود فيها، على ان روايات الاسدال مختلفة فبعضها يدل على اسدال طرف على الصدر وطرف من خلف وبعضها يدل على الاسدال من خلف خاصة، وهو قد حمل الجميع على التحنك مع ظهور ان الاسدال من خلف لا يدخل في التحنك قطعا. و (رابعها) - ان من العجب قوله بعد نقل كلام السيد رضي الدين بن طاووس (قدس سره) وكلامه الذي في اليين " والظاهر من كلام السيد ايضا ان فهمه موافق لفهمنا لانه قال... الخ " فان فيه (اولا) ان الخبرين الذين نقلهما عن السيد انما تضمنا اسدال العمامة من خلف بين الكتفين فكيف يمكن تفسير التحنك الذي هو الادارة تحت الحنك كما عرفت بالاسدال من خلف ؟ ما هو إلا سهو ظاهر نشأ من الاستعجال، وهل يفهم احد ممن له ذوق فضلا عن السيد المزبور وعن من مثله (طاب ثراه) لولا الاستعجال في هذا المجال دخول الاسدال بين الكتفين تحت التحنك ؟ و (ثانيا) ان نقله هنا عن السيد المزبور قد اشتمل على خلل وقصور. فان ظاهر كلامه هنا ونقله عن السيد ان السيد المذكور قال في الفصل المذكور في التحنك بالعمامة ولم يورد إلا هذين الخبرين فكلامه يدل حينئذ على انه فسر الاسدال في الخبرين بالتحنك الذي عنون به الفصل، والحال ان الامر ليس كذلك بل السيد لما عنون الفضل بما ذكره صدره اولا بما يدل على التحنك فقال: روينا ذلك من كتاب الآداب الدينية عن الطبرسي في ما رواه عن مولانا
[ 133 ]
موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " انا ضامن ثلاثا لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه: ان لا يصيبه السرق ولا الغرق ولا الحرق " ورويناه ايضا عن البرقي من كتاب المحاسن باسناده إلى ابي الحسن (عليه السلام) ثم قال اقول: وقد روينا في العمامة عند التوجه للمهمات روايات عن ابي العباس احمد بن عقدة... إلى آخر ما قدمناه، إلى ان قال في آخر الكلام: اقول: هذا لفظ ما رويناه اردنا ان نذكره ليعلم وصف العمامة في السفر الذي نخشاه. ومن الظاهر ان الرواية الاولى التي نقلها عن الطبرسي والمحاسن هي التي عنون لها الفصل المذكور حيث اشتملت على ذكر التحنك وما نقله اخيرا عن ابن عقدة فانما قصد به بيان استحباب العمامة على هذه الكيفية مطلقا لا بخصوص السفر، ويشير إليه كلامه في الاخير وهو قوله: " هذا لفظ ما رويناه... الخ " بمعنى بيان وصف العمامة في السفر ووصفها في الحضر، ولو اراد السيد ما زعمه من حمل الروايتين الاخيرتين على الرواية الاولى بمعنى ان التحنك عبارة عما اشتملت عليه روايتا ابن عقدة لورد على السيد ايضا ما اوردناه عليه من ان دعوى كون الاسدال بين الكتفين تحنكا مما لا يقول به ادنى من له روية من الرجال فضلا عن العلماء الاعلام ذوي الكمال، والشبهة التي عرضت لشيخنا المذكور انما هو من حيث الاسدال على الصدر بمروية العمامة على احد اللحيين لا ما إذا كانت بين الكتفين وهذا بحمد الله ظاهر لكل ذي عينين. و (خامسها) - ان ما استند إليه من اخبار تحنيك الميت وايراده رواية عثمان النوا الدالة على صورة التعميم وقوله بعدها " وكذا سائر اخبار تعميم الميت... " - ففيه انه لا يخفى ان ههنا حكمين احدهما استحباب التعميم والآخر استحباب تحنيكه بالعمامة وليس كل خبر دال على التعميم يستلزم التحنيك كما لا يخفى على من احاط خبرا باخبار المسألة، والتحنيك على ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) ومنهم المحقق
(1) الوسائل الباب 59 من آداب السفر
[ 134 ]
في الشرائع هو ان يلف رأسه بها لفا ويخرج طرفاها من تحت الحنك ويلقيان على صدره وقد استندوا في ذلك إلى رواية يونس، قال السيد السند في المدارك بعد ذكر عبارة المصنف: واما استحباب اخراج طرفي العمامة من تحت الحنك والقائهما على صدره فمستنده رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال: " ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الايمن على الايسر واليسر على الايمن ويمد على صدره " ولا ريب ان هذه الهيئة تشتمل على التحنيك كما هو المشهور لا الاسدال، لانه متى اخذ طرف العمامة الذي من اليمين واخرج من تحت حنك الميت إلى الجانب الايسر واخذ الخارج من الجانب الايسر واخرج كذلك إلى الجانب الايمن فان العمامة من الجانبين قد استوعبت الحنك وغطته وحصل بها التحنيك الذي ندعيه. والرواية التي اوردها لم يذكر فيها ازيد من التعميم وانه يطرح طرفي العمامة على صدره وليس فيها تعرض لذكر التحنيك بل هي مجملة كما يمكن حملها على التحنيك كما ذكرناه في رواية يونس يمكن حملها على مجرد الاسدال على الصدر من غير ان يدار بكل من للطرفين إلى الجانب الآخر ويحنك بهما كما لا يخفى، وهذا المعنى الثاني هو الذي فهمه منها السيد في المدارك فقال بعد نقل رواية يونس اولا ثم نقل جملة من الروايات ومنها رواية عثمان المذكورة: والرواية الاولى هي المشهورة بين الاصحاب (رضوان الله عليهم). وبالجملة فكلام شيخنا المشار إليه (قدس سره) في هذا المجال لا يخلو من غفلة واستعجال أو اشتغال وتوزع في البال نعم يبقى الكلام في الجمع بين اخبار المسألة فان الروايات المشتملة على التحنك لمن اعتم دالة بظاهرها على ما فهمه الاصحاب (رضوان الله عليهم) من استحباب التحنك بالعمامة مطلقا لا بخصوص الصلاة وان السنة فيها ذلك ويعضده كلام اهل اللغة والروايات المشتملة على الاسدال دالة على انه المستحب دائما وهو خلاف التحنك كما ظهر لك، والذي يقرب بخاطري العليل ويدور في فكري الكليل هو ان يقال لا ريب ان
(1) الوسائل الباب 14 من ابواب التكفين
[ 135 ]
اخبار التحنك بعضها دل على استحبابه في السفر وبعضها دل على استحبابه في السعي لقضاء الحاجة وبعضها بمجرد التعمم، ولا يخفى ان المنافي لاخبار الاسدال ظاهرا انما هو اخبار القسم الثالث حيث انها كما فهمه الاصحاب (رضوان الله عليهم) تدل على دوام ذلك واستمراره ما دام معتما، وحينئذ فيمكن القول ببقاء اخبار الفردين الآخرين على ظاهرها من غير تأويل إذ لا منافاة فيهما فان موردها خاص بهذين الفردين فيختص بها اخبار الاسدال، ووجه الجمع حينئذ هو حمل اخبار القسم الثالث على ان المراد التحنك وقت التعمم بان يدير العمامة بعد فراغه من التعمم تحت حنكه لا دائما كما فهمه الاصحاب وبما ذكرنا يشعر ظاهر الاخبار المذكورة فان ظاهر قوله " ولم يتحنك " من حيث كونه حالا من الفاعل في قوله: " من تعمم " والحال قيد في فاعلها يعطي ان التحنك وقت التعمم، واما استمرار ذلك فيحتاج إلى دليل وليس إلا ما قدمنا مما هذه صورته، وحينئذ تبقى اخبار الاسدال على ظاهرها فيكون المستحب دائما هو الاسدال والتحنك مخصوص بهذه الصور الثلاث. ولا قدح يتطرق إلى ما ذكرناه إلا مجرد مخالفة الاصحاب في ما فهموه من هذه الاخبار حيث لم اقف على قائل بما ذكرناه لكن لا يحضرني وجه للجمع بينها غير ذلك، والظاهر انه إلى ذلك يشير ما قدمناه من الكلام السيد ابن طاووس بالتقريب الذي قدمنا ذكره. والله العالم.
و (منها) - كراهة الامامة بغير رداء، والحكم بذلك المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا اعرف فيه مخالفا. وظاهر الشهيدين استحباب الرداء للمصلي مطلقا. وقال شيخنا المجلسي في كتاب البحار: والذي يظهر لنا من الآخبار ان الرداء انما يستحب للامام وغيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه أو لا يكون صفيقا وان ستر منكبيه لكنه في الامام آكد، وإذا لم يجد ثوبا يرتدي به مع كونه في ازار وسراويل فقط يجوز ان يكتفي بالتكة والسيف والقوس ونحوها، ويمكن القول باستحباب
[ 136 ]
الرداء مع الاثواب المتعددة ايضا لكن الذي ورد التأكيد الشديد فيه يكون مختصا بما ذكرناه. وقال السيد السند في المدارك: وهذا الحكم اعني كراهة الامامة بغير رداء مشهور بين الاصحاب واحتجوا عليه بصحيحة سليمان بن خالد (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ام قوما في قميص ليس عليه رداء ؟ قال لا ينبغي إلا ان يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها " وهي انما تدل كراهة الامامة بدون الرداء في القميص وحده لا مطلقا ويؤكد هذا الاختصاص قول ابي جعفر (عليه السلام) لما ام اصحابه في قميص بغير رداء (2): " ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي ازار ولا رداء " ثم نقل عن جده (قدس سره) انه قال وكما يستحب الرداء للامام يستحب لغيره من المصلين وان كان للامام آكد. قال واحتج عليه بتعليق الحكم على مطلق المصلي في عدة اخبار كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) انه قال: " ادنى ما يجزئك ان تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف " وصحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل فقال يحل التكة فيضعها على عاتقه ويصلي وان كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصل قائما " وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (5) قال: " إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا ولو حبلا " ثم قال: ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف لاختصاص الروايتين الاخيرتين بالعاري وعدم ذكر الرداء في الرواية الاولى بل اقصى ما تدل عليه استحباب ستر المنكبين سواء كان بالرداء ام بغيره. وبالجملة فالاصل في هذا الباب رواية سليمان بن خالد وهي انما تدل على كراهة الامامة بدون الرداء في القميص وحده فاثبات ما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل. انتهى اقول وبالله التوفيق لبلوغ المأمول ونيل المسؤول: لا يخفى ان المفهوم من تتبع
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 53 من لباس المصلى (2) و (5) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى (1)
[ 137 ]
الاخبار - كما لا يخفى على من جاس خلال الديار - ان الرداء في الصدر الاول ليس إلا من جملة الثياب التي يلبسها الناس يومئذ مثل القميص والقباء ونحوهما لا اختصاص له بمصل ولا غيره فضلا عن ان يكون اماما أو غير امام، والمستفاد من اخبار هذا الباب انه يستحب للمصلي اماما كان أو غيره ان يصلي في ثوبين احدهما فوق الآخر رداء كان الثوب الاعلى أو قباء أو غيرهما، وانه متى كان ظهره مكشوفا فانه يستحب تغطيته بان يضع على عاتقه رداء أو قباء أو نحو ذلك مما يستر ظهره، ولو تعذر فانه يجزئه ولو مثل حمائل السيف وتكة السروال ونحوهما، وانه يتأكد ذلك في الموضعين في الامام، وحينئذ فالسؤال والجواب في صحيحة سليمان بن خالد التي استندوا إليها في استحباب الرداء للامام لا دلالة فيها على خصوصية الرداء ولا الامام إلا من حيث السؤال، والكلام فيها انما خرج مخرج التمثيل وإلا فهما من قبيل الاسئلة الآتية في كل مصل وفي كل ثوب، وبه يظهر انه لا دلالة في الرواية على ما ادعوه، ويؤيد ذلك ما اشار إليه السيد من الرواية عن ابي جعفر (عليه السلام) وقوله: " ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي ازار ولا رداء " فان فيه ما يشير إلى عدم استحباب الرداء من حيث هو رداء، ولا ينافي ما ذكرناه من استحباب الثوبين لجواز خروجها مخرج الجواز لانهم كثيرا ما يتركون المستحبات ويفعلون المكروهات لبيان الجواز كما صرح به غير واحد من الاصحاب. ثم ان مما يدل على ما ذكرناه من الاحكام مضافا إلى الروايات المتقدمة صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كتابه عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في قميص واحد أو قباء وحده ؟ قال ليطرح على ظهره شيئا. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل ورداء ؟ قال لا بأس به. وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلى في ملحفة ومقنعة ولها درع ؟ قال لا يصلح لها إلا ان تلبس درعها. وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ازار وملحفة ومقنعة ولها درع ؟
(1) ارجع إلى ص 26
[ 138 ]
قال إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلا وعليها درع وسألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ازار وملحفة تقنع بها ولها درع ؟ قال لا يصلح ان تصلي حتى تلبس درعها. وسألته عن السراويل هل يجزئ مكان الازار ؟ قال نعم. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في ازار وقلنسوة وهو يجد رداء ؟ قال لا يصلح. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل وقلنسوة قال لا يصلح. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده اوجبة وحدها ؟ قال إذا كان تحته قميص فلا بأس. وسألته عن الرجل هل يؤم في قباء وقميص ؟ قال إذ كان ثوبين فلا بأس ". وانت خبير بانه يستفاد من مجموع هذه الاجوبة المنقولة عنه (عليه السلام) ما قدمنا ذكره من ستر اعالي البدن متى كان مكشوفا وعليه تدل صحيحة زرارة المتقدمة وما بعدها، واستحباب الصلاة للرجل في ثوبين كما تدل عليه صحيحة سليمان بن خالد، فانها ليست إلا من قبيل هذه الاسئلة المتضمنة للثوبين، وان وقع فيها السؤال عن الامام والرداء فليس الامام إلا كغيره من المصلين وليس الرداء إلا كغيره من الثوبين في هذا الخبر، نعم لو كان الرداء انما يختص لبسه بحال الصلاة لكان للتخصيص به وجه إلا ان الامر ليس كذلك كما اشرنا إليه آنفا بل هو من جملة الثياب المتعارفة اللبس دائما فسبيله كسبيل غيره منها، وبذلك يظهر انه لا اثر لاستحباب الرداء في الصلاة لامام كان أو غيره كما يشير إليه كلام شيخنا المجلسي (قدس سره).
بقى في المقام فوائد يجب التنبيه عليها:
(الاولى) قد اضطرب كلام جملة من علماء الخاصة والعامة في معنى الاسدال للرداء بعد اتفاقهم على كراهة السدل، فقال في التذكرة: يكره السدل وهو ان يلقى طرف الرداء من الجانبين ولا يرد احد طرفين على الكتف الاخرى ولا يضم طرفيه بيده. وقال الشهيد (قدس سره) في النفليه هوان يلتف بالازار فلا يرفعه على كتفيه. وقال شيخنا الشهيد الثاني: واعلم انه ليس في الاخبار واكثر عبارات الاصحاب بيان كيفية لبس الرداء بل هي مشتركة في انه يوضع على
[ 139 ]
المنكبين. وفي التذكرة هو الثوب الذي يوضع على المنكبين، ومثله في النهاية. فيصدق اصل السنة بوضعه كيف اتفق، لكن لما روى كراهة سدله وهو ان لا يرفع احد طرفيه على المنكب وانه فعل اليهود وروى علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح ان يجمع طرفي ردائه على يساره ؟ قال لا يصلح جمعهما على اليسار ولكن اجمعهما على يمينك اودعهما " - تعين ان الكيفية الخالية عن الكراهة هي وضعه على المنكبين ثم يرد ما على الايسر على الايمن، وبهذه الهيئة فسره بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) لكن لو فعله على غير هذه الهيئة خصوصا ما نص على كراهته هل يثاب عليه ؟ لا يبعد ذلك لصدق مسمى الرداء وهو في نفسه عبادة لا يخرجها كراهتها عن اصل الرجحان، ويؤيده اطلاق بعض الاخبار وكونها اصح من الاخبار المقيدة. انتهى. وقد تقدم كلام ابن ادريس الدال على كراهية السدل كما تفعله اليهود وهو ان يتلفف بالازار ولا يرفعه على كتفيه وان هذا هو اشتمال الصماء عند اهل اللغة. اقول: مما وقفت عليه من الاخبار الدالة على النهي عن السدل ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) خرج امير المؤمنين (عليه السلام) على قوم فرآهم يصلون في المسجد قد سدلوا ارديتهم فقال لهم مالكم قد سدلتم ثيابكم كأنكم يهود خرجوا من فهرهم ؟ - يعنى بيعتهم - اياكم وسدل ثيابكم " وهذا الخبر هو الذي اشار إليه شيخنا الشهيد (قدس سره) وكذلك ابن ادريس، ولا ريب ان هذا الخبر بحسب ظاهره مناف لصحيحة علي بن جعفر المذكورة في كلام شيخنا المشار إليه، فانها دالة على التخيير بين ارسال طرفي الثوب وبين وضعهما على اليمين وانما كره (عليه السلام) جمعهما على اليسار، والظاهر ان تخصيص شيخنا المذكور الكيفية الخالية من الكراهة بصورة الجمع على اليمين حيث ان حديث زرارة قد عارض صورة الاسدال الذي هو احد الفردين المخيرين واما صورة الوضع على اليمين فلا معارض
(1) و (2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى
[ 140 ]
لها فبقيت على اصل الاستحباب. وفيه ان ظاهر التخيير مساواة الامرين في الاستحباب ويؤيده ما رواه في الفقيه عن عبد الله بن بكير (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي ويرسل جانبي ثوبه ؟ قال لا بأس به ". والاظهر عندي في وجه الجمع بين الصحيحتين المذكورتين احد امرين: اما حمل رواية النهي عن الاسدال على ما إذا صلى في ازار بغيره قميص كما يدل عليه ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " انما كره السدل على الازر بغير قميص فاما على القميص والجباب فلا بأس " واما على وضع الرداء على الرأس والتقنع به واسداله، وبه فسر الخبر المذكور في النهاية قال: فيه " انه نهى عن السدل في الصلاة " وهو ان يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك وكانت اليهود تفعله فنهوا عنه، وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب. وقيل هو ان يضع وسط الازار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير ان يجعلها على كتفيه، ومنه حديث على (عليه السلام) انه رأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم. انتهى. وظاهر كلام جملة من علمائنا وعلماء العامة ان اليهود كذلك يفعلون، وحينئذ فيبقى ما دل عليه صحيح علي بن جعفر من التخيير بين الاسدال والوضع على اليمين صحيحا لا اشكال فيه ولا كراهة تعتريه. وكلامه في النهاية متضمن لتفسير الاسدال المكروه بمعنيين آخرين غير المعنيين المتقدمين.
(الثانية) - حال في المدارك: وينبغي الرجوع في الرداء إلى ما يصدق عليه الاسم عرفا وانما تقوم التكة ونحوها مقامه مع الضرورة كما تدل عليه رواية ابن سنان واما ما اشتهر في زماننا من اقامة غيره مقامه مطلقا فلا يبعد ان يكون تشريعا. انتهى. اقول: فيه انه مبني على ثبوت استحباب الرداء بخصوصه وقد عرفت ما فيه وانه
(1) و (2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى
[ 141 ]
محل المنع ويشير إلى ما ذكرناه ما تقدم من كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) ايضا، وقال شيخنا المشار إليه ايضا زيادة على ما تقدم: ويحتمل ان يكون القباء وشبهه ايضا قائما مقام الرداء بل الرداء شامل له، وقال الفاضلان الرداء هو ثوب يجعل على المنكبين. وفي القاموس انه ملحفة. انتهى. وهو جيد إلا ان قوله: " بل الرداء شامل له " محل نظر فان الرداء لغة وعرفا ثوب مخصوص كغيره من الثياب المخصوصة المتعينة في حد ذاتها فكيف يحتمل دخول القباء ونحوه تحت اطلاقه ؟ وعبارة الفاضلين لا دلالة لها على ما ادعاه لان مرادهما الاشارة إلى انه ثوب معلوم يجعل على المنكبين اشارة إلى تبادره ومعلوميته كغيره من اصناف الثياب لا ان مرادهما اي ثوب كان وبالجملة فان المستفاد من الاخبار هو ما قدمنا تحقيقه من انه يستحب ان يكون على المصلي ثوبان احدهما على الآخر كائنا من كان وكائنا ما كان.
(الثالثة) - قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحث عن الرداء: واما ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الاثواب المتعددة ففيه شائبة بدعة اقول: وجه البدعية ظاهر إذ فعل شئ باعتقاد شرعيته وتوظيفه من الشارع والحال انه ليس كذلك تشريع. وقد حضرت في صغر سني بعض من يتسمى بالفضل ويدعيه بفعل ذلك في حال امامته بالناس ولعل منشأ الشبهة عندهم اخبار وضع التكة وحمائل السيف ونحو ذلك، ولم يتفطنوا إلى ان ذلك مخصوص بمن كان ظهره مكشوفا كما هو مورد الاخبار.
(الرابعة) - روى في الكافي بسنده عن معلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان عليا (عليه السلام) اشترى ثلاثة اثواب بدينار: القميص إلى فوق الكعب والازار إلى نصف الساق والرداء من بين يدين إلى ثدييه ومن خلفه إلى الييه ثم رفع يده إلى السماء فلم يزل يحمد الله على ما كساه حتى دخل منزله ثم قال هذا
(1) الوسائل الباب 22 من احكام الملابس
[ 142 ]
اللباس الذي ينبغي للمسلمين ان يلبسوه. قال أبو عبد الله (عليه السلام) ولكن لا يقدرون ان يلبسوا هذا اليوم ولو فعلنا لقالوا مجنون ولقالوا مراء والله تعالى يقول: " وثيابك فطهر " (1) قال وثيابك ارفعها ولا تجرها وإذا قام قائمنا كان هذا اللباس ".
اقول: وفي هذا الخبر فوائد:
(منها) ما قدمنا ذكره ردا على شيخنا المجلسي (قدس سره) من ان الرداء ثوب معلوم معهود لا كل ما يتردى به ليشمل مثل القباء والعباء ونحوها.
و (منها) ان السنة في الرداء ان يكون عرض الثوب بحيث يصل إلى الاليين وطوله بقدر ما يصل إلى ثدييه.
و (منها) ان الرداء في زمان الصادق (عليه السلام) كان يزيد على ذلك كما يستفاد من تتبع الاخبار والسير بحيث ان يجر على الارض.
و (منها) جواز ترك السنة ان كانت مهجورة بين الناس وكان عامة الناس يعيبونها ويتكلمون في عرض من يفعلها، قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: وفي الحديث دلالة على انه ينبغي عدم الاتيان بما لا يستحسنه الجمهور وان كان مستحبا كالتحنك بالعمامة في بلادنا. انتهى.
و (منها) - كراهة اللثام للرجل إذا لم يمنع القراءة والاحرام. وكذا الحكم في النقاب للمرأة، واطلق الشيخ المفيد في المقنعة المنع من اللثام للرجل وحمله في المعتبر على ارادته الكراهة. وهو حسن للاخبار الدالة على الجواز: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه ؟ قال لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة " وفيه دلالة على انه مع عدم سماع الهمهمة يحرم كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا. وما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه ؟ قال لا بأس بذلك ".
(1) سورة المدثر، الآية 4 (2) و (3) الوسائل الباب 35 من لباس المصلى
[ 143 ]
وما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي عن من ذكره من اصحابنا عن احدهما (عليهما السلام) (1) " انه قال لا بأس بان يقرأ الرجل في الصلاة وثوبه على فيه " وما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي ويقرأ القرآن وهو متلثم ؟ فقال لا بأس به ". واما ما يدل على الكراهة فهو ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال: " سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن وهو متلثم ؟ فقال لا بأس به وان كشف عن فيه فهو افضل. قال وسألته عن المرأة تصلي متنقبه ؟ قال ان كشفت عن موضع السجود فلا بأس به وان اسفرت فهو افضل ". وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " قلت له أيصلى الرجل وهو متلثم ؟ فقال اما على وجه الارض فلا واما على الدابة فلا بأس " قال في الوافي: لعل الوجه في الفرق ان الراكب ربما يتلثم لئلا يدخل فاه الغبار فيلزمه ذلك بخلاف الواقف على الارض. والشيخ قد حمل روايات نفي البأس على ما إذا سمع الهمهمة لصحيحة الحلبي المتقدمة والاظهر حمل ذلك على الجواز وان كان الافضل عدمه لموثقة سماعة إلا ان الجواز مقيد بما إذا لم يمنع السماع لصحيحة الحلبي.
ومنها - ما ذكره جملة من الاصحاب من كراهة الصلاة في القباء المشدود إلا في الحرب، وقال الشيخ المفيد في المقنعة: ولا يجوز لاحد ان يصلي وعليه قباء مشدود إلا ان يكون في الحرب فلا يتمكن ان يحله فيجوز ذلك للاضطرار. وظاهره التحريم ونقل عن صاحب الوسيلة انه حرمه. قال الشيخ في التهذيب: ذكر ذلك علي بن الحسين ابن بابويه وسمعناه من الشيوخ مذاكرة ولم اعرف به خبرا مسندا. وحاول الشهيد (قدس
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 35 من لباس المصلى
[ 144 ]
سره) في الذكرى الاستدلال عليه بما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) انه قال: " لا يصلي احدكم وهو محزم " ورد بانه فاسد لان شد القباء غير التحزم ونقل في البيان عن الشيخ كراهة شد الوسط. ومنهم من حمل القباء المشدود على القباء الذي شدت ازراره مع انهم صرحوا بكراهة حل الازرار في الصلاة وانه من عمل قوم لوط كما ورد به الخبر (2) إلا ان يخص كراهة حل الازرار بالقميص الواسع الجيب كما تقدم تحقيقه. وبالجملة فان الحكم لا مستند له ولا دليل عليه كما عرفت فتطويل البحث فيه مما لا ثمرة له مهمة.
ومنها - كراهة الصلاة في الحديد إذا كان بارزا غير مستور على المشهور وربما قيل بالتحريم، قال الشيخ في النهاية: ولا تجوز الصلاة إذا كان مع الانسان شئ من حديد مشهر مثل السكين والسيف فان كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك. ونقل في المختلف عن ابن البراج انه عد في جملة ما لا تصح الصلاة فيه على حال ثوب الانسان إذا كان فيه سلاح شهير مثل سكين أو سيف، قال: وكذلك إذا كان في كمه مفتاح حديد إلا ان يلفه بشئ وإذا كان معه دراهم سود إلا ان يلفها بشئ. والذي وقفت عليه من الاخبار الواردة في هذا المقام كلها دالة على هذا القول ومنها - ما رواه الشيخ عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي الرجل وفي يده خاتم حديد ". وعن موسى بن اكيل النميري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " انه حلية اهل
(1) لم نعثر عليه فيما وقفنا عليه من اخبار العامة نعم في نهاية ابن الاثير مادة " حزم ": وفيه " نهى ان يصلى الرجل بغير حزام "... ومنه الحديث " نهى ان يصلى الرجل حتى يحتزم " والحديث الآخر انه امر بالتحريم في الصلاة. وفى التذكرة في ما يكره فيه الصلاة " و " عن النبي " ص " " لا يصلى احدكم إلا وهو محزم ". (2) الوسائل الباب 23 من لباس المصلى (3) و (4) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى
[ 145 ]
النار، قال: وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين فيحرم على الرجل المسلم ان يلبسه في الصلاة إلا ان يكون قبال عدو فلا بأس به. قال قلت فالرجل في السفر يكون معه السكين في خفه لا يستغني عنه أو في سراويله مشدودا، والمفتاح يخشى ان وضعه ضاع أو يكون في وسطه المنطقة من حديد ؟ قال لا بأس بالسكين والمنطقة للمسافر في وقت ضرورة وكذلك المفتاح إذا خاف الضيعة والنسيان، ولا بأس بالسيف وكل آلة السلاح في الحرب، وفي غير ذلك لا يجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ " وروى في كتاب العلل في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد ؟ قال لا ولا يتختم به الرجل لانه من لباس اهل النار... الحديث ". وعن احمد بن محمد بن ابي الفضل المدائني عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا يصلي الرجل وفى تكته مفتاح حديد " قال الكليني: وروى إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس. وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في القول المذكور والاصحاب لم يتمسكوا في مقابلتها الا بالاصل، قال في المدارك بعد نقل قول الشيخ (قدس سره) في النهاية: والمعتمد الكراهة، لنا على الجواز الاصل واطلاق الامر بالصلاة فلا يتقيد إلا بدليل، وعلى الكراهة ما رواه الشيخ، ثم نقل روايتي السكوني وموسى بن اكيل المذكورتين. وهذا الكلام جيد على اصله من رد الاخبار الضعيفة والاعتماد على الاصل في مقابلتها وان عمل بها في الكراهة والاستحباب وقد عرفت ما فيه في غير باب، بل قال في المدارك هنا: ويمكن القول بانتفاء الكراهة مطلقا لضعف المستند. انتهى. وهو خلاف ما هو عليه في غير مقام من الاحكام كما لا يخفى على من لا حظ كتابه. وبالجملة فالحكم عند من يحكم بصحة الاخبار ولا يرى العمل بهذا الاصطلاح
(1) و (2) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى
[ 146 ]
المحدث لا يخلو من اشكال إلا ان ظاهر حديث النميري ان العلة في المنع من الصلاة فيه انما هو من حيث انه نجس ممسوخ، وقد قدمنا في كتاب الطهارة ان الاصح طهارته وحينئذ فيضعف الاعتماد على هذه الاخبار. ويعضد ذلك ما رواه في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في ما كتبه إلى صاحب الزمان عجل الله فرجه (1) " انه سأله عن الرجل يصلي وفى كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد هل يجوز ذلك ؟ فكتب في الجواب جائز " ورواه الشيخ في كتاب الغيبة. وروى الصدوق في كتاب العلل باسناده عن عبد خير (2) قال: " كان لعلي ابن ابي طالب (عليه السلام) اربعة خواتيم يتختم بها: ياقوت لنيله وفيروزج لنصره والحديد الصيني لقوته وعقيق لحرزه... الحديث " وفيه دلالة على جواز لبس الحديد الصبي إلا انه لا يدل على جواز الصلاة فيه صريحا، مع ان ظاهر سند الخبر انه عامي فيصعف الاعتماد عليه في تخصيص اخبار المنع من الحديد مطلقا سيما وقد روى الشيخ في التهذيب في باب فضل الكوفة حديثا يتضمن كراهة التختم به. وكيف كان فتسقط الكراهة بستره كما دلت عليه مرسلة الكليني وبه صرح الاصحاب، قال في المعتبر وتسقط الكراهة مع ستره وقوفا بالكراهة على موضع الاتفاق ممن كرهه.
و (منها) - كراهة الصلاة في ثوب المتهم بعدم توقي النجاسات وكذا من يعلم انه لا يتوقى النجاسات على المشهور بين الاصحاب ومنهم الشيخ في النهاية حيث قال إذا عمل مجوسي ثوبا لمسلم يستحب ان لا يصلي فيه إلا بعد غسله وكذا إذا استعار ثوبا من شارب خمر أو مستحل شئ من النجاسات يستحب ان يغسل اولا ثم يصلى فيه. وقال الشيخ في المبسوط إذا عمل كافر ثوبا لمسلم فلا يصلي فيه إلا بعد غسله وكذلك إذا صنعه له لان
(1) و (2) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى
[ 147 ]
الكافر نجس وسواء كان كافر اصل أو كافر ردة أو كافر ملة. وهو ظاهر في التحريم واختاره ابن ادريس وجعل قول الشيخ في النهاية خبرا واحدا اورده ايرادا لا اعتقادا بل اعتقاده وفتواه ما ذكره في المبسوط. وقال ابن الجنيد: فان كان استعاره من ذمي أو ممن الاغلب على ثوبه النجاسة اعاد خرج الوقت أو لم يخرج. وهو مؤذن بقول الشيخ في المبسوط مع انه قبل ذلك - على ما نقله العلامة في المختلف عنه - قال: واستحب تجنب ثياب المشركين ومن لا يؤمن على النجاسة من ثوبه والتنظيف لجسده منها وخاصة منازلهم وما سفل من اثوابهم التي يلبسونها وما يجلسون عليه من فرشهم، ولو صلى عليه أو فيه ثم علم بنجاسته اخترت له الاعادة في الوقت وغير الوقت وهي في الوقت اوجب منها إذا خرج. انتهى ولا يخفى مابين الكلامين من المدافعة إلا ان يحمل كلامه الاول على الاستحباب وان كان خلاف ظاهره اعتمادا على ما قدمه من هذا الكلام المذكور. وقال الشيخ: يجوز للرجل ان يصلي في ثوب المرأة إذا كانت مأمونة. وعد ابن البراج في المكروه ثوب المرأة للرجل واطلق. واقول: قد تقدم في مباحث المقصد الثاني من الباب الخامس من كتاب الطهارة تحقيق ان الاصل في الاشياء الطهارة وانه لا يخرج عن اصالة الطهارة بمجرد ظن النجاسة بل لابد من العلم، وجملة الاخبار الدالة على هذا الاصل، ومنها جملة من الاخبار في الثياب التي يعملها المجوس. وان بازائها اخبارا دالة على خلاف ذلك من العمل بظن النجاسة، وان الشيخ ومن تبعه قد حملوا الاخبار المخالفة على الاستحباب، ولا بأس بنقل بعض اخبار الطرفين في المقام إذ ربما يعسر على الناظر هنا الرجوع إلى ذلك الكتاب فنقول: مما يدل على ما هو مقتضى القاعدة المتفق عليها صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم اخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك البسها ولا اغسلها واصلي فيها ؟
(1) الوسائل الباب 73 من النجاسات
[ 148 ]
قال نعم قال معاوية فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له ازرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما اريد فخرج فيها إلى الجمعة ". وصحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر: اني اعير الذمي ثوبي وانا علم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صلى فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه... ". ورواية المعلى بن خنيس (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس والنصارى واليهود " إلى غير ذلك من الاخبار المتعلقة بالثياب وغيرها. ومما يدل على خلاف ذلك من البناء على ظن النجاسة كما هو مذهب المبسوط وابن ادريس صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصلي فيه حتى يغسله " ومن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية ابى بصير المتقدمتان في المقام الاول من المطلب الثاني في ما يجوز لبسه للمصلي وما لا يجوز (4) ونحوهما غيرهما مما تقدم ثمة. واما ما يدل على الحمل على الاستحباب كما فهمه الاصحاب فرواية ابي علي البزاز عن ابيه (5) قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الثوب يعمله اهل الكتاب اصلي فيه قبل ان يغسل ؟ قال لا بأس وان يغسل احب الي ". وصحيحة الحلبي (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي فقال يرش بالماء " والتقريب في هذا الخبر ما علم الاخبار المتكاثرة من
(1) و (3) الوسائل الباب 74 من النجاسات (4) ص 52 (2) و (5) و (6) الوسائل الباب 73 من النجاسات
[ 149 ]
استحباب الرش في موضع يقين الطهارة إذا عرض ما يؤذن بظن النجاسة أو النفرة أو نحو ذلك كملاقاة الكلب والخنزير باليبوسة ونحوهما. ومن الاخبار الظاهرة في هذه المسألة بالنسبة إلى المتهم بعدم توقي النجاسات ما رواه الكليني والشيخ عن العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب المرأة وفي ازارها ويعتم بخمارها ؟ قال نعم إذا كانت مأمونة " ورواه الصدوق عن العيص وطريقه إليه في المشيخة صحيح فيكون الخبر صحيحا، وهو دال بمفهومه على المنع من غير المأمونة.
و (منها) - كراهة صلاة المرأة في خلخال له صوت فلو كان اصم جاز من غير كراهة، ويدل على كل من الحكمين ما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) " انه سأله عن الخلاخل هل يصلح لبسها للنساء والصبيان ؟ قال ان كانت صماء فلا بأس وان كان لها صوت فلا يصلح " ولا اختصاص للرواية بحال الصلاة كما يظهر من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) نعم تدل على ذلك باطلاقها وقال ابن البراج لا تصح الصلاة في خلاخل النساء إذا كان لها صوت.
و (منها) - كراهة الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم كذلك على المشهور، وقال الشيخ في المبسوط: الثوب إذا كان فيه تماثيل وصور لا تجوز الصلاة فيه. وقال فيه ايضا: لا تصل في ثوب فيه تماثيل ولا خاتم كذلك. ونحوه في النهاية. ونقل عن ابن البراج انه حرم الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة ولم يذكر الثوب. وظاهر كلام الاكثر عدم الفرق في المثال بين صور الحيوان وغيره وقال ابن ادريس: انما تكره الصلاة في الثوب الذي عليه الصور والتماثيل من الحيوان فاما صور غير الحيوان فلا بأس. وقال في الذكرى: ولعله نظر إلى تفسير قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " (3)
(1) الوسائل الباب 49 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 62 من لباس المصلى (3) سورة السبأ، الآية 12
[ 150 ]
فعن اهل البيت (عليهم السلام) (1) انها كصور الاشجار. اقول: وها انا انقل هنا ما وصل الي من الاخبار المتعلقة بهذا المقام مما تضمن الثياب وغيرها واذيلها بما يفهم منها من الاحكام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر عليهم الصلاة والسلام: ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت احدهما (عليهما السلام) عن التماثيل في البيت ؟ فقال لا بأس إذا كانت عن يمينك وعن شمالك ومن خلفك أو تحت رجلك، وان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا ". وعن عبد الله بن سنان بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " انه كره ان يصلى وعليه ثوب فيه تماثيل ". وعن عمار بن موسى في الموثق (4) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب في علمه مثال طير أو غير ذلك ؟ قال لا. وعن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك ؟ قال لا تجوز الصلاة فيه ". وروى الصدوق في حديث المناهي المذكور في الفقيه (5) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان ينقش شئ من الحيوان على الخاتم ". وما رواه الصدوق عن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " انه سأله عن الدراهم السود تكون مع الرجل وهو يصلي مربوطة أو غير مربوطة ؟ قال ما اشتهى ان يصلي ومعه هذه الدراهم التي فيها التماثيل ؟ ثم قال ما للناس بد من حفظ بضايعهم فان صلى وهي معه فلتكن من خلفه ولا يجعل شيئا منها بينه وبين القبلة ".
(1) الوسائل الباب 3 من احكام المساكن (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى (5) الوسائل الباب 46 من لباس المصلى
[ 151 ]
وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع في الصحيح عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) " انه سأله عن الصلاة في الثوب المعلم فكره ما فيه من التماثيل ". وما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه ". وما رواه في كتاب الخصال باسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الاربع مائة (3) قال: " لا يسجد الرجل على صورة ولا على بساط فيه صورة ويجوز ان تكون الصورة تحت قدميه أو يطرح عليها ما يواريها، ولا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه وهو يصلي ويجوز ان تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف ويجعلها في ظهره ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اصلي والتماثيل قدامي وانا انظر إليها ؟ قال لا. اطرح عليها ثوبا ولا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، وان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا وصل ". وعن محمد بن ابي عمير في الصحيح عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن التماثيل تكون في البساط لها عينان وانت تصلي ؟ فقال
(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى. ولم يصف هذه الرواية بالصحة فيما وقفنا عليه من النسخ والظاهر انها هي صحيحة محمد بن مسلم الآتية بعد صحيحة ليث المرادي التى يرويها عن الشيخ بمقتضى سياق كلامه ولم نعثر في كتب الحديث على رواية بهذا اللفظ إلا في موضع واحد من التهذيب فقط. نعم في مكارم الاخلاق ص 29 رواية بهذا اللفظ: " لا بأس ان تكون التماثيل في البيوت إذا غيرت الصورة " وعليه فالرواية المذكورة تكون مكررة في كلامه (فدس سره).
[ 152 ]
ان كان لها عين واحدة فلا بأس وان كان له عينان فلا " ورواه في الكافي الا انه قال: " تقع عينك عليه وانت تصلي ". وعن حماد بن عثمان في (1) الصحيح قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلي الرجل وهي معه ؟ فقال لا بأس بذلك إذا كانت مواراة " وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس ان تصلي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك ". وعن ليث المرادي في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الوسائد تكون في البيت فيها التماثيل عن يمين أو شمال ؟ فقال لا بأس ما لم تكن تجاه القبلة فان كان شئ منها بين يديك مما يلي القبلة فغطه وصل، وإذا كان معك دراهم سود فيها تماثيل فلا تجعلها من بين يديك واجعلها من خلفك ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن فراش حرير ومصلى حرير ومثله من الديباج، إلى ان قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت فيه انماط فيها تماثيل قد غطاها ؟ قال لا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت على بابه ستر خارجه فيه التماثيل ودونه مما يلي البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل ؟ هل يصلح ان يرخى الستر الذي ليس فيه تماثيل حتى يحول بينه وبين الستر الذي فيه تماثيل أو يجيف الباب دونه ويصلي ؟ قال نعم لا بأس. وسألته عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة أو شبهه يعبث به اهل البيت هل تصلح الصلاة فيه ؟ قال لا حتى يقطع رأسه أو يفسده وان كان قد صلى فليس عليه اعادة. وسألته عن الدار والحجرة فيها التماثيل أيصلى فيها ؟
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى
[ 153 ]
قال: لا تصل فيها وشئ منها مستقبلك إلا ان لا تجد بدا فتقطع رؤوسها وإلا فلا تصل ". ورواه في كتاب المحاسن عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت على بابه ستر... إلى آخر الاسئلة والاجوبة ". وما رواه في كتاب المكارم عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ربما قمت اصلي وبين يدي وسادة فيها تماثيل طائر فجعلت عليه ثوبا. وقال قد اهديت الي طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر. وقال ان الشيطان اشد ما يهم بالانسان إذا كان وحده ". وعن محمد بن مسلم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ؟ قال لا بأس ما لم يكن فيه شئ من الحيوان ". وعن ابي بصير (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انما نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل ونفر شبها ؟ قال لا بأس بما يبسط منها ويفترش ويوطأ انما يكره منها ما نصب على الحائط والسرير ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفى ثوبه دراهم فيها تماثيل ؟ فقال لا بأس بذلك ". وما رواه الكليني في الصحيح عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (6) " انه اراه خاتم ابي الحسن (عليه السلام) وفيه وردة وهلال في اعلاه ".
(1) و (5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 4 من احكام المساكن (3) مكارم الاخلاق ص 69 (4) مكارم الاخلاق ص 69 ورواه في الوسائل عن الشيخ في الباب 94 من ما يكتسب به (6) الوسائل الباب 46 من ابواب لباس المصلى
[ 154 ]
وروى في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بتماثيل الشجر ". وفي الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ؟ فقال لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان ". وما رواه في كتاب الخصال عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال امير المؤمنين عليه السلام) لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه وهو يصلي، ويجوز ان تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف ويجعلها في ظهره ". هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بهذا المقام والكلام فيها يقع في مواضع:
(الاول) لا يخفى ان اكثر هذه الاخبار وان كان ظاهره التحريم باعتبار ظاهر النهي وما ورد من المبالغة في الزجر عن ذلك إلا ان جملة منها مما يدل على الجواز مثل صحيحة محمد بن مسلم الاخيرة الدالة على نفى البأس عن صلاة الرجل وفى ثوبه دراهم وفيها تماثيل، وصحيح البزنطي الدال على الوردة والهلال في خاتم ابي الحسن (عليه السلام) كما تقدم، وصحيحة محمد بن مسلم الدالة على نفي البأس عن تماثيل الشجر والشمس والقمر، وحديث الطنفسة المنقول من المكارم الدال على تغيبر صورة الطير إلى صورة الشجر، وبعض الاخبار الواردة بلفظ " لا اشتهي ولا احب " مضافا ذلك إلى اتفاق جمهور الاصحاب على الكراهة، فالقول بالتحريم ضعيف.
(الثاني) - ان ظاهر اكثر الاخبار عموم الكراهة في الصورة من ذوي الارواح وغيرها إلا ان صحيح زرارة الدال على نفي البأس عن تماثيل الشجر - وصحيحة
(1) الوسائل الباب 94 من ما يكتسب به (2) الوسائل الباب 3 من احكام المساكن (3) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى ولا يخفى ان رواية ابى بصير ومحمد بن مسلم هي حديث الاربعمائة وقد تقدمت في الحديث 8 من هذه الاحاديث.
[ 155 ]
محمد بن مسلم الدالة على زيادة الشمس والقمر على الشجر في ذلك، وكذلك حديث الطنفسة، وكذلك خبر البزنطي المذكور فيه خاتم ابي الحسن (عليه السلام) - يدل على تخصيص الكراهة بذي الروح كما ذهب إليه ابن ادريس. ومن ذلك ينقدح هنا اشكال باعتبار الاستدلال بهذه الاخبار على عموم الكراهة حيث انها دلت على الجواز فتحمل اخبار النهي على الكراهة جمعا بينها وبين هذه الاخبار كما تقدم، ومتى حملت هذه الاخبار على عدم تعلق الكراهة بغير ذي الروح وخصت الكراهة بذي الروح لم يبق دليل على الكراهة لان الاخبار دالة على النهي الذي هو حقيقة في التحريم مؤكدا ذلك بما اشتملت عليه الاخبار من المبالغة في ذلك ولا معارض لها مع قول البعض بالتحريم كما عرفت. نعم يمكن ان يستدل على ما ذهب إليه ابن ادريس من ان محل الخلاف في المسألة تجويزا ومنعا انما هو التماثيل من ذي الروح بما تضمنه جملة من هذه الاخبار مما يدل على كون المثال من ذوي الارواح كالتصريح بالطائر في بعض وقطع الرأس في بعض وطمس العين في بعض ونحو ذلك. ويعضده الاخبار الدالة على ان التحريم مخصوص بتصوير ذي الروح واما غير ذي الروح من الاشجار ونحوها فلا بأس بها فعن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " في تفسير قوله تعالى: " ان الذين يؤذون الله ورسوله... " (2) هم المصورون يكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح " وفى حديث المناهي المروي في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " من صور صورة كلفه الله يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ... الخبر " ويعضد ذلك كلام بعض اللغويين الدال على ان التمثال انما هو ذو الروح، قال المطرزي في المغرب التمثال ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة عام، ويشهد لهذا ما ذكر في الاصل انه صلى وعليه ثوب فيه تماثيل كره له ذلك، قال
(1) و (3) الوسائل الباب 3 من احكام المساكن و 94 من ما يكتسب به (2) سورة الاحزاب، الآية 57
[ 156 ]
وإذا قطعت رؤوسها فليس بتماثيل. وقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير " كأنه شك من الراوي. واما قولهم ويكره التصاوير والتماثيل فالعطف للبيان، واما تماثيل شجر فمجاز ان صح. انتهى. وقال في المصباح المنير: التمثال الصورة المصورة، وفي ثوبه تماثيل اي صور حيوانات مصورة. قال في الذكرى: خص ابن ادريس (قدس سره) الكراهة بتماثيل الحيوان لا غيرها كالاشجار وكأنه نظر إلى تفسير قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " (2) فعن اهل البيت (عليهم السلام) انها كصور الاشجار. وقد روى العامة في الصحاح (3) " ان رجلا قال لابن عباس اني اصور هذه الصور فافتني فيها فقال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فيعذبه في جهنم، وقال ان كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له " وفي مرسل ابن ابي عمير عن الصادق (عليه السلام) " في التماثيل في البساط لها عينان... الحديث " كما قدمناه (4) ثم قال وعن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه " واكثر هذه يشعر بما قاله ابن ادريس وان اطلقه كثير من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انتهى كلامه زيد مقامه. وهو يؤذن بميله إلى ما ذهب إليه ابن ادريس ولا يخلو من قوة كما عرفت وان كان العمل بالقول المشهور احوط إلا انه - كما قدمنا ذكره - يلزم ما ذكره في المبسوط من القول بالتحريم في تمثال ذي الروح وهو الذي جعله ابن ادريس محل الخلاف في المسألة إذ الاخبار التي قدمناها ظاهرة في الجواز موردها تمثال غير ذي الروح وهو خارج عن محل البحث بناء على مذهب ابن ادريس. نعم يمكن الاستدلال على الكراهة
(1) الوسائل الباب 33 من مكان المصلى (2) سورة السبأ، الآية 12 (3) صحيح مسلم باب " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة " من كتاب اللباس والزينة. (4) ص 151 (5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى
[ 157 ]
حينئذ بما في الفاظ بعض تلك الاخبار من لفظ الكراهة ولفظ " لا احب ولا اشتهي " ونحو ذلك. وفيه ما فيه سيما مع تصريح موثقة عمار المتقدمة المشتملة على تمثال الطير بعدم الجواز والنهي. وبالجملة فالمسألة عند التأمل في ادلتها لا تخلو من شوب الاشكال، والمتأخرون قد اخذوها مسلمة ولم يذكروا للكراهة دليلا منقحا وراء نقل بعض هذه الاخبار وهي على ما عرفت، ويدلك على ما ذكرنا ان صاحب الذخيرة قد استدل للقول بالكراهة هنا بموثقة عمار المذكورة وصحيحة محمد بن اسماعيل المشتملة على سؤاله من الرضا (عليه السلام) عن الثوب المعلم فكره ما فيه التماثيل، ولم يذكر غيرهما، وظاهره الاعتماد في الحكم بالكراهة على لفظة " كره " في هذه الرواية فنظمها مع موثقة عمار الدالة على عدم الجواز والنهي عن تمثال الطير دليلا واحدا لاجل هذا اللفظ مع ما صرح به هو وغيره من ان ورود لفظ الكراهة في الاخبار اكثر كثير في التحريم كما تقدم قريبا، ومع هذا الاستدلال الظاهر الاختلال نقل قول ابن ادريس بالتخصيص بصور الحيوان وقول الشيخ في المبسوط وردهما بالضعف والحال ما ترى.
(الثالث) - ظاهر كثير من هذه الاخبار زوال الكراهة أو التحريم على القول به بقلع رأس الصورة لو كانت صورة حيوان أو طمس عين منها، وظاهر ذلك نقص عضو من اعضاء تلك الصورة كما يشير إليه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد ابن مسلم: " إذا غيرت الصورة منه " وفي هذا ما يؤيد ايضا قول ابن ادريس لانه إذا زالت الكراهة عن صورة الحيوان بمجرد نقص عضو مع ان سائر اجزائه مماثلة لما وجد منها في الخارج فالشجر وامثاله اولى بالجواز. وتزول الكراهة بما لو لم تكن الصورة في القبلة بل كانت عن يمين أو شمال أو تحت أو فوق، وتزول ايضا بما لو كانت في القبلة والقى عليها سترا. واما ما رواه في كتاب المحاسن في الموثق عن علي بن جعفر (1)
(1) الوسائل الباب 32 من مكان المصلى
[ 158 ]
قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) عن البيوت يكون فيها التماثيل أيصلى فيها قال لا " فالظاهر تقييده بالاخبار المذكورة.
(الرابع) - قد اتفقت الاخبار على النهي عن الصلاة في الدراهم السود مصحوبة أو مطروحة بين يديه، وتزول الكراهة بشدها في ثوب أو جعلها إلى خلفه، إلا ان ظاهر صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج تضمنت انه يشدها في صلاته على ظهره ولا يجعلها مما يلي القبلة لانه ابعد من توهم المشابهة لعبادة الاصنام التي على تلك الدراهم وهي السبب الموجب لكراهة الصلاة وهي بارزة، لا بمعنى انه يطرحها خلفه وقت الصلاة فانه مناف للحفظ الذي لاجله سوغ الصلاة فيها بل ربما كان ذلك اعظم في تشويش باله وعدم توجهه في الصلاة واقباله، واوضح منه في الدلالة على ما ذكرنا حديث ابي بصير ومحمد ابن مسلم وهو الاخير من الاخبار. واما صحيحة ليث المرادي فالظاهر حملها على صورة عدم الخوف عليها وان تكون مطروحة على الارض فانه يجعلها من خلفه وان لم يشدها في شئ. واما صحيحة حماد بن عثمان فغاية ما تدل عليه زوال الكراهة بمواراتها في اي جهة كانت وان كان الافضل ان تكون مواراتها في جهة الخلف كما تدل عليه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج. والمستفاد من هذه الاخبار واخبار الدراهم البيض ان الدراهم في الصدر الاول بيض اي من فضة بيضاء ويكتب عليها اسماء الله تعالى كما تقدم في باب الحيض في حديث الدراهم البيض توضع على لحم الخنزير وتأخذها الزانية وفيها اسماء الله تعالى (1) وسود أي من فضة سوداء وعليها صور الاصنام. ولا يخفى ما في هذه المناسبة من الحسن في المقام.
(الخامس) - جميع ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب مخصوص بالتماثيل والصور المنقوشة على الثياب أو الستور أو الخاتم أو الجدران أو نحو ذلك، اما لو كانت الصورة مستقلة غير منقوشة على شئ كصورة طير ونحوه فلم يتعرضوا للكلام فيها ولا ذكرها في ما اعلم احد. وظاهر قوله (عليه السلام) في حديث علي بن جعفر المتقدم
(1) ج 3 ص 48
[ 159 ]
المنقول في كتابي قرب الاسناد والمحاسن وقوله فيه: " وسألته عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة يعبث به اهل البيت... الخ " هو كراهة الصلاة في ذلك البيت الذي فيه تلك الصورة حتى يقطع رأس الصورة أو يفسدها بنقص بعض اعضائها، ويحتمل كون تلك الصورة منقوشة على جدران البيت إلا ان الظاهر من كونها يعبث بها اهل البيت بمعنى اللعب بها انما هو الاول، وحينئذ فالاحكام المذكورة جارية في التماثيل والصور منقوشة كانت أو مستقلة.
و (منها) - كراهة الخضاب عند الشيخ (قدس سره) ومن تبعه، والاخبار الواردة في الصلاة في الخضاب لا تخلو من تدافع، والشيخ جمع بينها بما ذكره من الكراهة فاثبته في مكروهات الصلاة، والظاهر انه غير متعين للجمع ليكون حكما شرعيا بذلك. ولابد من نقل الاخبار المتعلقة بذلك وبيان ما اشتملت عليه، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل والمرأة يختضبان أيصليان وهما بالحناء والوسمة ؟ فقال إذا ابرز الفم والمنخر فلا بأس ". وعن رفاعة (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المختضب إذا تمكن من السجود والقراءة أيصلي في حنائه ؟ قال نعم إذا كانت خرقة طاهرة وكان متوضئا ". وعن محمد بن سهل بن اليسع الاشعري عن ابيه عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " سألته أيصلي الرجل في خضابه إذا كان على طهر ؟ فقال نعم ". وعن عمار الساباطي في الموثق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي ويداها مربوطتان بالحناء ؟ فقال ان كانت توضأت للصلاة قبل ذلك فلا
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 39 من لباس المصلى
[ 160 ]
بأس بالصلاة وهي مختضبة ويداها مربوطتان ". وما رواه في الكافي عن ابي بكر الحضرمي في الصحيح إليه (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي وعليه خضابه ؟ قال لا يصلي وهو عليه ولكن ينزعه إذا اراد ان يصلي. قلت ان حناءه وخرقته نظيفة ؟ فقال لا يصلي وهو عليه والمرأة ايضا لا تصلي وعليها خضابها ". وما رواه الصدوق في كتاب العلل في الحسن عن مسمع بن عبد الملك (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا يصلي المختضب. قلت ولم ؟ قال لانه مختصر " وعن يونس بن عبد الرحمان عن جماعة من اصحابنا (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ما العلة التي من اجلها لا يحل للرجل ان يصلى وعلى شاربه الحناء ؟ قال لانه لا يتمكن من القراءة والدعاء ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل والمرأة يصلح لهما ان يصليا وهما مختضبان بالحناء والوسمة ؟ قال إذا برز الفم والمنخر فلا بأس ". وانت خبير بانه كما يحتمل حمل رواية الحضرمي على الكراهة كما ذكره الشيخ (قدس سره) ومن تبعه وجعلوه بذلك حكما شرعيا ومسألة مستقلة ؟ يمكن - بل هو الاظهر - حمل الخبر المذكور على المانع من القراءة أو من الاتيان بها على الوجه الاكمل كما يدل عليه خبر يونس المذكور، وعلى هذا فالمنع محمول على التحريم على الاول وعلى الكراهة على الثاني.
و (منها) - كراهة ما يستر ظهر القدم مما لا ساق له وان قل على المشهور بين اكثر المتأخرين وبه صرح الشيخ في المبسوط وابن حمزة، ومثلوا له بالشمشك والنعل السندي، وصرح جملة من المتقدمين بالتحريم كالشيخين في المقنعة والنهاية وابن البراج
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 39 من لباس المصلى
[ 161 ]
وسلار والفاضلين. واما ما لا يستر الظهر أو يستره وله ساق وان قل كالخف والجورب - وظاهرهم انهما مما له ساق - والنعل العربية مما لا يستر ظهر القدم فلا خلاف فيه بينهم وقال في التذكرة انه موضع وفاق بين العلماء. وغاية ما استدل به في المعتبر على القول بالتحريم فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وعمل الصحابة والتابعين فانهم لم يصلوا في هذا النوع. قال في المدارك: وهو استدلال ضعيف (اما اولا) فلانه شهادة على نفي غير محصور فلا يسمع. ثم لو سلمنا ذلك لم يدل على عدم الجواز لجواز ان يكون تركه لكونه غير معتاد لهم لا لتحريم لبسه و (اما ثانيا) فلان هذا الاستدلال لو تم لاقتضى تحريم الصلاة في كل ما لم يصل فيه النبي (صلى الله عليه وآله) وهو معلوم البطلان. انتهى. وهو جيد. ثم ان ظاهرهم ان مستندهم في الحكم بالكراهة انما هو تفصيا من ارتكاب ما وقع فيه الخلاف، ولا يخفى ما فيه فان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح. نعم نقل العلامة في المختلف وغيره عن ابن حمزة انه عد النعل السندي والشمشك في ما يكره الصلاة فيه، قال وروى ان الصلاة محظورة في النعل السندي والشمشك. وهذه الرواية لم تصل الينا، وروى الشيخ في كتاب الغيبة والطبرسي في كتاب الاحتجاج مما كتبه الحميري إلى الناحية المقدسة (1) " هل يجوز للرجل ان يصلي وفي رجليه بطيط لا يغطى الكعبين ام لا يجوز ؟ فخرج الجواب جائز " قال في القاموس: البطيط رأس الخف بلا ساق. وهذا الخبر مما يؤيد القول بالجواز وهو المعتمد، والاحتياط لا يخفى سيما مع دعوى ورود الخبر بالنهي كما يشعر به كلام ابن حمزة المتقدم.
و (منها) كراهة البرطلة جمعا بين ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه كره لباس البرطلة " وما رواه
(1) االوسائل الباب 38 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 42 من لباس المصلى
[ 162 ]
الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى وعليه البرطلة ؟ فقال لا يضره " ومما يؤيد الكراهة ايضا ما ورد من النهي عن الطواف بها (2) معللا في بعض تلك الاخبار بانها من زي اليهود ولاجل ذلك كرهوا الطواف فيها، بل قيل بالتحريم ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج. والبرطلة بضم الباء الموحدة واسكان الراء وضم الطاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة وربما خففت: قلنسوة طويلة كانت تلبس قديما.
(1) الوسائل الباب 42 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 31 من احكام الملابس
<>