
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء السابع
المقدمة السادسة
في المكان
ولهم فيه تعريفات عديدة لا تخلو من مناقشات. والاجود في تعريفه - كما ذكره السيد السند (قدس سره) بالنسبة إلى الاباحة - انه الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقز عليه ولو بوسائط، وباعتبار الطهارة انه ما يلاقي بدن المصلي أو ثيابه.
والبحث هنا يقع في مسائل:
(الاولى) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط الاباحة في المكان ونعنى بها هنا ما قابل الغصب، فيدخل فيها المملوك عينا ومنفعة، والمأذون فيه بجملة اقسامه من الاذن الصريح خصوصا كأن يأذن بالصلاة فيه أو عموما كأن يأذن بالكون فيه أو بالفحوى كادخال الضيف للضيافة ونحوه أو بشاهد الحال كالخانات والرباطات والصحارى وسائر الاماكن المأذون في غشيانها والاستقرار فيها كالحمامات، ولا تجوز في المغصوب عينا أو منفعة كالدعاء الوصية بها أو دعوى الاستيجار كذبا وكاخراج روشن أو ساباط في موضع يمنع فيه. والفرق بين غصب العين وغصب المنفعة مع استلزامه التصرف في العين انه في صورة غصب المنفعة لا يتعرض للعين بغير الانتفاع فلو اراد المالك بيعها أو هبتها لم يمنعه منها بخلاف غصب العين فانه يمنعه من جميع التصرفات. هذا، وقد تقدم نقل كلام الفضل بن شاذان في المقدمة الخامسة وصراحته في
[ 163 ]
جواز الصلاة في المكان المغصوب وان اثم من حيث التصرف بغير اذن المالك بشئ من هذه الانحاء المذكورة. قال شيخنا الشهيد في الذكرى: اما المغصوب فتحريم الصلاة فيه مجمع عليه، واما بطلانها فقول الاصحاب وعليه بعض العامة (1) لتحقق النهي المفسد للعبادة (قالوا) النهي عن امر خارج عن الصلاة كرؤية غريق يحتاج إلى انقاذه وليس هناك غير هذا المصلى (قلنا) الحركات والسكنات اجزاء حقيقة من الصلاة وهي منهى عنها وانقاذ الغريق امر خارج. وقال في المدارك: اجمع العلماء كافة على تحريم الصلاة في المكان المغصوب مع الاختيار، واطبق علماؤنا على بطلانها ايضا لان الحركات والسكنات الواقعة في المكان المغصوب منهى عنها كما هو المفروض فلا تكون مأمورا بها ضرورة استحالة كون الشئ الواحد مأمورا به ومنهيا عنه. وخالف في ذلك اكثر العامة (2) وحكموا بصحتها بناء على جواز كون الشئ الواحد مأمورا به منيها عنه، واستدلوا عليه بان السيد إذا امر عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان مخصوص ثم خاطه في ذلك المكان فانه يكون مطيعا عاصيا لجهتي الامر بالخياطة والنهي عن الكون. وجوابه ان المأمور به في هذا المثال غير المنهى عنه إذ المأمور به الخياطة والمنهى عنه الكون واحدهما غير الآخر بخلاف الصلاة الواقعة في المكان المغصوب فان متعلق الامر والنهي فيهما واحد وهي الحركات والسكنات المخصوصة (فان قلت) الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة فإذا تعلق به النهي اجتمع الواجب والمحرم في الشئ الواحد وهو الذي انكرتموه (قلت) هذا الاجتماع انما يقتضي فساد ذلك الكون خاصة لا الخياطة، ووجوبه على تقدير تسليمه انما هو من باب المقدمة والغرض من المقدمة التوصل إلى الواجب وان كانت منهيا عنها
(1) و (2) نسب القرافى المالكى في الفروق ج 2 ص 58 البطلان إلى الحنابلة والصحة إلى المالكية والشافعية والحنفية.
[ 164 ]
لسقوط الطلب عندها كما هو في سلوك الطريق المغصوب إلى الميقات عند وجوب الحج فتأمل. انتهى. اقول - وبالله التوفيق إلى هداية سواء الطريق -: الظاهر ان ما ذكره في الذكرى - من التعليل بكون الحركات والسكنات منهيا عنها والنهي في العبادة موجب للفساد - فهو عليل لا يهدي إلى سبيل لما قدمنا تحقيقه في مسألة اللباس من ان القدر المعلوم المتفق عليه هو ان النهي إذا توجه للعبادة من حيث هي عبادة فهو مبطل لها، واما إذا توجه إليها باعتبار امر خارج فلا وعلى مدعى البطلان البيان واقامة الدليل والبرهان لما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في هذا المكان زيادة على ما تقدم، وهذه الحركات والسكنات انما توجه النهي إليها من حيث انها تصرف في مال الغير بغير اذنه، على انا قد قدمنا ايضا منع توجه النهي بالكلية فان النهي انما توجه إلى لبس هذا الثوب من اول الامر غاية الامر انه قارنه الحركات والسكنات في هذا الثوب واحدهما غير الآخر واما ما ذكره في المدارك من التعليل فالظاهر ايضا انه عليل لا يبرد الغليل، فان للقائل ان يقول ان ما ذكره - من ان اجتماع الامر والنهي في شئ واحد محال وهو الذي بنى عليه الاستدلال - ان اريد به مع اتحاد جهتي الامر والنهي فهو مسلم ولكن الامر هنا ليس كذلك لما عرفت في مسألة اللباس، وان اريد ولو مع اختلافهما فهو ممنوع وعلى المدعى اثباته بالدليل القاطع والبرهان الساطع وانى به ؟ ومستند المنع ما قدمنا ثمة من انه مأمور بازالة النجاسة عن الثوب والبدن لاجل الصلاة ومنهى عن الازالة بالمغصوب مع انه لو ازالها بالماء المغصوب صح ذلك وجاز الدخول به في الصلاة، وكذلك ما ذكره من سلوك الطريق المغصوب إلى الحج فانه مأمور به من حيث كونه مقدمة للواجب ومنهى عنه من حيث كونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه فقد اجتمع الامر والنهي في شئ واحد. وبعين ذلك نقول في الصلاة فان الحركات والسكنات التي هي عبارة عن القيام والقعود والركوع والسجود مأمور بها من حيث كونها اجزاء من الصلاة
[ 165 ]
وواجبات فيها ومنهى عنها من حيث كونها تصرفا في مال الغير فتصح الصلاة وان كانت كذلك، ويؤيد ذلك اطلاق الامر بالصلاة، ومدعى منع الاجتماع في ذلك ومحاليته في ذلك عليه الدليل. وبذلك يظهر ان ادعاء كون اجتماع الامر والنهي في شئ واحد محالا ليس على اطلاقه بل انما هو مع اتحاد جهتي الامر والنهي كما ذكرناه، والعامة انما حكموا في هذه المسألة بالصحة لما ذكرناه من اختلاف الجهتين وإلا فانهم وغيرهم من كافة العقلاء لا يجوزون اجتماع الامر والنهي مع اتحاد الجهة فيهما، ويظهر لك ذلك من مثال الخياطة الذي اوردوه لاختلاف الجهتين فيه كما هو ظاهر في ذلك ولذلك جعلوه مطيعا عاصيا باعتبارين. واما ما اجاب به عن كلام المخالفين بقوله: " وجوابه ان المأمور به في هذا المثال غير المنهي عنه... " فهو مردود بما استشعره اخيرا من ان حاصل استدلالهم على اجتماع الامر والنهى في مثال الخياطة ان الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة لان الامر بذي المقدمة امر بها فيكون مأمورا به لاجل الخياطة وهو منهى عنه من حيث كونه تصرفا في المغصوب بغير اذن المالك فاجتمع الامر والنهى في شئ واحد. واما جوابه عن ذلك بقوله: " قلت هذا الاجتماع انما يقتضي فساد ذلك الكون خاصة... الخ " فهو خروج عن موضع البحث، إذ الكلام في انه قد منع سابقا اجتماع الامر والنهي في شئ واحد وادعى انه محال ونقل عن العامة انهم حكموا بصحته واستدلوا على ذلك بمثال الخياطة، والحال انه بمقتضى اعترافه بان الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة فيكون مأمورا به والحال انه منهى عنه من جهة التصرف في مال الغير فقد سلم اجتماع الامر والنهى الذي منعه سابقا وادعى محاليته، وجوابه هذا خارج عن محل البحث لان صحة الفعل بعد ارتكاب المنهى عنه وعدم صحته لا مدخل لها في المقام، انما الكلام في انهم بنوا استدلالهم في هذه المسألة على بطلان الصلاة في المكان المغصوب
[ 166 ]
على انه يلزم من القول بالصحة اجتماع الامر والنهي في شئ واحد وهو محال عقلا وكل ما استلزم المحال فهو باطل، والحال انه قد اعترف بصحة الاجتماع في مثال الخياطة بالتقريب المذكور، وبه يتحقق بطلان دليلهم على بطلان الصلاة في المكان المغصوب. وجوابه بان هذا الاجتماع انما يقتضى... الخ لا تعلق له باصل المسألة بل يكفي الخصم اعترافه بصحة الاجتماع إذ مبنى دليلهم على عدم جواز الاجتماع كما عرفت. على ان التحقيق ان ما ذكره من صحة الحج وسقوط الواجب مع قطع الطريق المغصوب انما نشأ من حيث اختلاف جهتي الامر والنهي كما ذكرنا لا من حيث ما ذكره، الا ترى انه لو نهى الشارع عن سلوك الطريق المغصوب إلى الحج وحج مع سلوكه للزم اجتماع الامر والنهى في شئ واحد من جهة واحدة ولزم منه فساد الحج البتة لرجوع النهى إليه بطريق الآخرة المستلزم لفساده، والقول بصحة الحج هنا ممنوع ولا اظنه يقول به. ومثله يأتي في مثال الخياطة لو نهى السيد عن الخياطة في مكان مخصوص فانه يلزم اجتماع الامر والنهي من جهة واحدة في امر واحد، وحينئذ فحصول الامتثال ممنوع. وحصول الامتثال في الفرض الاول انما نشأ من حيث اختلاف جهتي الامر والنهي وان كانا في شئ واحد لا من حيث ما ذكره. وجوابه بان الاجتماع انما يقتضي فساد الكون خاصة انما يتجه على الثاني واما على الاول فانه يقتضي فساد الخياطة وعدم الامتثال لما امر به السيد البتة. نعم يمكن الجواب عن مثال الخياطة بان يقال انه على تقدير وجوب المقدمة مطلقا لنا ان نقول ان الكون هنا ليس مقدمة حتى يلزم ان يكون مأمورا به بل هو من لوازم وجود الجسم، إذ المقدمة هي الطريق التي يتوصل بها إلى الشئ وظاهر ان الكون ليس كذلك فلا يلزم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد. ولو انه (قدس سره) اجاب بذلك لا ندفع عنه ما ذكرناه من الايراد وتم له المراد. وبالجملة فالمسألة - كما قدمنا في حكم اللباس - لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها بالعمل على القول المشهور، ويؤيده ما رواه ابن ابي جمهور في كتاب عوالي اللئالي
[ 167 ]
مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " روى عن الصادق (عليه السلام) انه سأله بعض اصحابه فقال يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما حال شيعتكم في ما خصكم الله إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم ؟ فقال (عليه السلام) ما انصفناهم ان آخذناهم ولا احببناهم ان عاقبناهم بل نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم ونبيح لهم المتاجر لتزكو اموالهم ولو لا ارسال الخبر في هذا الكتاب الذي قد اشتمل على نوع من التساهل في نقل الاخبار لما كان عنه معدل في الحكم بما ذكره الاصحاب إلا ان تأييده ظاهر بلا ارتياب. وقد تقدم في اللباس خبران آخران لا يخلوان من التأييد ايضا في هذا المقام. ثم انه قال في المدارك على اثر الكلام المتقدم: ومن هنا يظهر رجحان القول بصحة الطهارة الواقعة في المكان المغصوب كما قطع به في المعتبر لان الكون ليس جزء منها ولا شرطا فيها فلا يؤثر تعلق النهى في فسادها. اقول: فيه ان الكون وان كان كما ذكره ليس جزء من الطهارة ولا شرطا فيها إلا ان حركاته في حال الوضوء كالحركات التي في الصلاة فيأتي فيها ما ذكره في الحركات في الصلاة بعينه، فان الوضوء شرعا عبارة عن هذه الافعال المخصوصة من اخذ الماء باليد مثلا وصبه على الوجه وغسله به وهكذا في باقي الاعضاء. وبالجملة فان الفرق بين حركات الوضوء وحركات الصلاة غير ظاهر فبعين ما يقال هناك يقال هنا. قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: واختلفوا في بطلان الطهارة في المكان المغصوب فذهب المحقق إلى العدم بناء على ان الكون ليس جزء منها ولا شرطا فيها واليه ذهب العلامة في المنتهى، والفرق بين الطهارة والصلاة في ذلك مشكل إذ الكون كما انه مأخوذ في مفهوم السكون مأخوذ في مفهوم الحركة وليس الوضوء والغسل إلا حركات مخصوصة، وليس المكان منحصرا في ما يعتمد عليه الجسم فقط
(1) مستدرك الوسائل الباب 4 من الانفال.
[ 168 ]
فان الملك والاحكام الشرعية لا تتعلق به خاصة بل يعم الفراغ الموهوم أو الموجود فكل منهما عبارة حقيقة عن الكون أو يشتمل عليه. انتهى. اقول: قال في المعتبر: مسألة - لا تصح الصلاة في مكان مغصوب مع العلم بالغصب اختيارا وهو مذهب الثلاثة واتباعهم ووافق الجبائيان واحمد في احدى الروايتين وخالف الباقون (1) لنا - انها صلاة منهى عنها والنهي يدل على فساد المنهى عنه (لا يقال) هذا باطل بالوضوء في المكان المغصوب، وبازالة عين النجاسة بالماء المغصوب وبان النهي يدل على الفساد حيث يكون متناولا لنفس العبادة، وليس في صورة النزاع كذلك بل النهي متناول لعارض خارج عن ماهية الصلاة فلا يكون مبطلا (لانا نقول) الفرق بين الوضوء في المكان المغصوب والصلاة فيه ان الكون بالمكان ليس جزء من الوضوء ولا شرطا فيه وليس كذلك الصلاة فان القيام جزء من الصلاة وهو منهى عنه لانه استقلال في المكان المنهى عن الاستقلال فيه وكذا السجود وإذا بطل القيام والسجود وهما ركنان بطلت الصلاة، وازالة النجاسة ليست بعبادة إلا مع نية التقرب وإذا جاز ان تقع غير عبادة امكن ازالة النجاسة وان كان المزيل عاصيا بالازالة كما يصح ازالة عين النجاسة من الكافر والطفل، اما الصلاة فانها لا تقع إلا عبادة فلا تقع صحيحة مع النهى عنها. وقوله " النهى لم يتناول العبادة " قلنا النهى يتناول العبادة بطريق اللزوم. لانه يتناول القيام والسجود ويلزم من بطلانهما بطلان الصلاة. انتهى. اقول: فيه (اولا) ما اشرنا إليه في مسألة اللباس من انه بمجرد لبس الثوب المغصوب يتحقق الغصب ويترتب الاثم ابتداء واستدامة وهو امر خارج عن الحركات المخصوصة من حيث هي حركات اعني القيام والقعود والركوع والسجود، غاية ما في الباب انها قارنت ذلك التصرف المحرم المنهى عنه والنهي عن المقارن لا يوجب النهي عن المقارن الآخر، فتوجه النهي إلى القيام والسجود كما ذكره ممنوع.
(1) ارجح إلى التعليقة ص 163
[ 169 ]
و (ثانيا) - انه مع تسليم تعلق النهي بذلك فانا لا نسلم الفساد إلا إذا كان النهي عن هذه الاشياء من حيث الصلاة، لان النهي عن العبادة انما يبطلها إذا توجه لها من حيث كونها عبادة، واما لو توجه إليها باعتبار امر خارج كما في ما نحن فيه فانه في معنى النهي عن امر خارج. ومدعى الابطال في الصورة المذكورة عليه البيان فان المحال الذي رتبوه على الصحة في العبادة متى كانت منهيا عنها من حيث لزوم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد انما هو في ما إذا اتحدت جهتا الامر والنهي كما تقدم ذكره لا مع التعدد كما عرفت. و (ثالثا) - ان ما ذكره في الفرق بين الصلاة والوضوء غير موجه ولا ظاهر، وذلك لان المكان كما يطلق على ما يستقل عليه الانسان ويعتمد عليه كذلك يطلق على الفراغ الذي يشغله بدن الانسان كما عرفت في تعريفه الذي ذكروه في هذا المقام من انه الذي يشغله بدن المصلي أو يعتمد عليه، وحينئذ فللقائل ان يقول كما ان القيام في الصلاة منهى عنه لانه استقلال في المكان المنهي عن الاستقلال فيه كذلك حركات اليد في الوضوء في هذا الفراغ منهى عنها لانها حركات في المكان المنهى عن الحركة فيه وإذا بطلت هذه الحركات المنهى عنها بطل الوضوء. وبذلك يظهر انه لا فرق - لو ثبت ما ذكره - بين الصلاة والطهارة في المكان المغصوب. و (رابعا) - ما ذكره في الذكرى من ان الافعال المخصوصة من ضرورتها المكان فالامر بها امر بالكون مع انه منهى عنه. اقول كأنه يشير بذلك إلى لزوم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد إلا انك قد عرفت ما فيه من انه مع تعدد جهتي الامر والنهي فلا مانع من ذلك ولا محذور فيه. واما ما اطال به في الذخيرة في الرد عليه فمما لا طائل تحته متى احطت خبرا بما ذكرناه من التحقيق في المقام. وبالجملة فالمسألة لخلوها من النصوص لا تخلو من شوب الاشكال، والاعتماد على
[ 170 ]
التعليلات العقلية في الاحكام الشرعية مجازفة بل جرأة علي ذى الجلال، ولا سيما مع ما عرفت من قبول الامور العقلية للاختلاف باختلاف الافكار والافهام وتطرق الاختلال. هذا، وممن صرح بطلان الطهارة في المكان المغصوب العلامة في النهاية والتذكرة قال: وكذا لو ادى الزكاة وقرأ القرآن المنذور في المكان المغصوب لا يجزئان. اما الصوم في المكان المغصوب فجزم بصحته لانه لا مدخل للكون فيه. واورد عليه بعدم الفرق بين الصوم وقراءة القرآن مثلا.
إذا عرفت ذلك فتنقيح البحث في المسألة يتوقف على بيان امور:
(الاول) - الظاهر انه لا خلاف في معذورية جاهل اصل الغصب، واما جاهل الحكم فالمشهور فيه عدم المعذورية، ومال في المدارك تبعا لبعض مشايخه المحققين - والظاهر انه المحقق الاردبيلي (قدس سره) - إلى المعذورية. واما ناسى الغصب فظاهر الاصحاب ان الكلام فيه هنا كالكلام في اللباس ونحن قد قدمنا في ذلك البحث قوة التفصيل بين الوقت وخارجه والاعادة في الاول دون الثاني، وصاحب المدارك قد اختار هنا ما اختاره المصنف من عدم الاعادة مطلقا، حيث قال بعد ان ذكر ان صحة صلاة الجاهل بالغصب موضع وفاق بين العلماء: لان البطلان تابع للنهي وهو انما يتوجه إلى العالم والاصح ان الناسي كذلك لارتفاع النهي بالنسبة إليه ولهذا اتفق الكل على عدم تأثيمه. انتهى. اقول لا يخفى ان هذا الكلام على اطلاقه لا يخلو من الاشكال لانه لو تم لاقتضى اطراده في غير مقام من عبادات الناسي مع انه لا خلاف في بطلان صلاة من نسى ركنا من الصلاة، وايضا فانه استفاضت الاخبار بوجوب اعادة الصلاة على من صلى في النجاسة ناسيا، وقد علل (عليه السلام) في بعض تلك الاخبار وجوب الاعادة باهماله التذكر حيث قال (عليه السلام) (1) " يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه " وهو - كما ترى - صريح
(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات
[ 171 ]
في عدم معذورية الناسي لان العقوبة على النسيان وعدم التذكر لا تجتمع مع المعذورية، وغاية ما يفيده حديث رفع القلم (1) هو عدم العقوبة لا صحة الصلاة واحدهما غير الآخر وبذلك يظهر ما في استناده إلى الاتفاق على عدم التأثيم. وبالجملة فالمسألة بالنسبة إلى المكان واللباس غير منصوصة والتعليل المذكور لا يصلح لتأسيس حكم شرعي لما عرفت، واحكام الناسي في الاخبار في جملة من الاحكام مختلفة ففي بعضها كما تقدم انه غير معذور وفى بعض كنسيان الصوم والاكل فيه حكموا (عليهم السلام) بصحة الصوم وعدم وجوب الاعادة مطلقا. ومن ذلك يعلم انه ليس له حكم كلي ولا قاعدة مطردة فالواجب الوقوف على موارد النصوص في كل جزئي ورد الحكم فيه بالعموم أو الخصوص وإلا فالوقوف على ساحل الاحتياط والله العالم.
(الثاني) - المشهور بين الاصحاب انه لا فرق في عدم جواز الصلاة في الملك المغصوب بين الغاصب وغيره ممن علم بالغصب. وجوز المرتضى والشيخ أبو الفتح الكراجكي الصلاة في الصحارى المغصوبة استصحابا لما كانت عليه قبل الغصب، ونفى عنه البعد شيخنا المجلسي في البحار. ولو صلى المالك في المكان المغصوب صحت صلاته اجماعا إلا من الزيدية على ما ذكره في الذكرى. ولو اذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة صحت لارتفاع المانع. وقال الشيخ في المبسوط: لو صلى في مكان مغصوب مع الاختيار لم تجزئ الصلاة فيه ولا فرق بين ان يكون هو الغاصب أو غيره ممن اذن له في الصلاة فيه لانه إذا كان الاصل مغصوبا لم تجز الصلاة فيه. قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل هذه العبارة: واختلف في معناه ففي المعتبر ان الآذن المالك لانه قال الوجه الجواز لمن اذن له المالك، وقال الفاضل الآذن
(1) المراد به حديث الرفع المروي في الوسائل في الباب 56 من جهاد النفس وهو قوله " ص " " رفع عن امتى تسعة اشياء: السهو والخطأ والنسيان... الحديث ".
[ 172 ]
الغاصب. وكلاهما مشكل (اما الاول) فلما قاله في المعتبر. و (اما الثاني) فلانه لا يذهب الوهم إلى احتمال جواز اذن الغاصب فكيف ينفيه الشيخ معللا بما لا يطابق هذا الحكم ؟ ويمكن توجيه الاول بان المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يفد اذنه الاباحة كما لو باعه فانه باطل ولا يجوز للمشتري التصرف فيه. ويجوز ان يقرأ " اذن " بصيغة المجهول ويراد به الاذن المطلق المستند إلى شاهد الحال فان طريان الغصب يمنع من استصحابه كما صرح به ابن ادريس ويكون فيه التنبيه على مخالفة المرتضى (رضي الله عنه) وتعليل الشيخ مشعر بهذا. انتهى. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل عبارة الشيخ المذكورة: والظاهر ان مراده بالاذن اذن الغاصب وان كان الوهم لا يذهب إلى تأثير اذنه في الصحة، إذ يمكن ان يكون الاشتراط مبنيا على العرف وان الغالب انه لا يتمكن الغير من الصلاة فيه الا باذن الغاصب الغالب. وحمله على ارادة المالك كما هو ظاهر المعتبر بعيد جدا إذ لا جهة للبطلان حينئذ ووجهه في الذكرى بان المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يفد اذنه الاباحة كما لو باعه فانه باطل ولا يجوز للمشتري التصرف فيه. وفيه نظر لمنع الاصل وبطلان القياس فلا يتم الحكم في الفرع. ثم نقل ما احتمله في الذكرى من القراءة بصيغة المجهول وما فرعه عليه، ثم قال: وليت شعري ما المانع من الحمل على ما ذكرناه مع انه اظهر في عبارته لفظا ومعنى وما الداعي إلى الحمل على ما يوجب تلك التكلفات ؟ وسمعنا ان بعض افاضل المتأخرين ممن ولى عصرنا زاد في الطنبور نغمة وحكم بانه لا يجوز للمالك ايضا ان يصلي فيه لانه يصدق عليه انه مغصوب، وهذا فرع ورود تلك العبارة في شئ من النصوص ولا نص فيه على الخصوص بل انما يستدلون بعموم ما دل على عدم جواز التصرف في ملك الغير ثم يحتجون للبطلان بان النهى في العبادة موجب للفساد ولا يجري ذلك في المالك ومن اذن له، فكم بين من يحكم بجواز الصلاة وصحتها للغاصب وغيره وان منع المالك صريحا وبين من يقول بهذا القول ؟ انتهى كلام شيخنا المشار إليه. وهو جيد. ولعمري ان
[ 173 ]
من عرف الشيخ وطريقته يقطع ويجزم بانه لا يذهب إلى هذه التدقيقات التي وجه بها في الذكرى كلام المحقق في المعتبر واحتمال القراءة بصيغة المجهول.
(الثالث) - الظاهر انه لا خلاف في انه لو امره الآذن بالكون في المكان صريحا أو فحوى بالخروج قبل الاشتغال بالصلاة والوقت متسع فانه يجب عليه الخروج على الفور لمنع التصرف في مال الغير بغير اذنه فكيف مع النهى صريحا ؟ فلو اشتغل بالصلاة والحال هذه بطلت عندهم كما تقدم ذكره لتوجه النهى إلى العبادة الموجب لفسادها وفيه ما عرفت مما تقدم تحقيقه. انما الخلاف في ما إذا اشتغل بالصلاة قبل الامر بالخروج، وفيه وجوه بل اقوال:
(الاول) - وهو مختار العلامة في الارشاد وجماعة - انه يجب عليه الخروج ويتمها وهو خارج ولا يقطعها، وعللوه بان فيه جمعا بين حق الله تعالى وامره باتمام العمل وعدم ابطال العمل وبين حق الآدمي. واورد عليه بانه يشكل باستلزامه فوات كثير من اركان الصلاة وبعض شرائطها مع امكان الاتيان بها كاملة متى كان الوقت متسعا كما هو المفروض ووجوب اتمم العمل مطلقا بحيث يشمل محل النزاع ممنوع. والثاني - وهو الظاهر من كلام الشيخ والمحقق واختاره في المدارك - قطع الصلاة مع سعة الوقت واتمامها مشتغلا بالخروج مع ضيقه (اما الاول) فلعدم جواز الاتمام مستقرا لانه تصرف في ملك الغير بغير رضاه، وعدم جواز الاتمام خارجا لاستلزامه فوات كثير من الاركان والشرائط والحال انه يمكن الاتيان بها على وجهها بعد الخروج و (اما الثاني) فلانهما حقان مضيقان فيجب الجمع بينهما بحسب الامكان وليس إلا ما ذكر والثالث - الاتمام مستقرا مطلقا وهو اختيار الشهيد في الذكرى والبيان تمسكا بمقتضى الاستصحاب وان الصلاة على ما افتتحت عليه (1) واورد عليه ان منعه ظاهر لتعلق النهي المنافي للصحة. ويزيده تأييدا بناء حق العباد على التضييق.
(1) الوسائل الباب 2 من نية الصلاة
[ 174 ]
و (الرابع) - الفرق بين الاذن بالصلاة والاذن بالكون المطلق فيتم في الاول مستقرا وهو مختار العلامة في اكثر كتبه، واما في الثاني فاحتمل الاوجه الثلاثة في القواعد والتذكرة وفي النهاية احتمل الاوجه الثلاثة في صورة سعة الوقت واستقرب بطلان الصلاة في صورة الضيق.
و (الخامس) - الفرق بين الاذن في الصلاة أو في الكون المطلق أو بشاهد الحال أو الفحوى فيتمها في الاول مطلقا ويخرج في الباقي مصليا مع الضيق ويقطعها مع السعة، ذهب إليه شيخنا الشهيد الثاني في الروض قال وهذا هو الاجود، ثم قال ووجهه في الاول ان اذن المالك في الامر اللازم شرعا يفضي إلى اللزوم فلا يجوز له الرجوع بعد التحريم كما لو اذن في دفن الميت في ارضه أو اذن في رهن ماله على دين الغير فانه لا يجوز له الرجوع بعدهما. وفى البواقي ان الاذن في الاستقرار لا يدل على اكمال الصلاة باحدى الدلالات فانه اعم من الصلاة والعام لا يدل على الخاص وشاهد الحال اضعف من الاطلاق. واما القطع مع السعة فلاستلزام التشاغل بها فوات كثير من اركانها مع القدرة على الاتيان بها على الوجه الاكمل بخلاف ما لو ضاق الوقت فانه يخرج مصليا مومئا للركوع والسجود بحيث لا يتثاقل في الخروج عن المعتاد مستقبلا ما امكن قاصدا اقرب الطرق تخلصا من حق الآدمي المضيق بحسب الامكان. انتهى كلامه زيد مقامه. قالوا وكذا يخرج متشاغلا بالصلاة لو امره بالخروج مع ضيق الوقت قبل الشروع في الصلاة جمعا بين الحقين كما تقدم. اقول: لا يخفى ان المسألة لما كانت عارية من النصوص كثرت فيها الاحتمالات وتصادمت فيها التخريجات والحكم فيها مشكل لما عرفت، والاحتياط مطلوب بل واجب لان المسألة من الشبهات التي يجب فيها الاحتياط عندنا إلا ان الاقرب إلى قواعدهم والانسب بضوابطهم هو قطع الصلاة مع الاشتغال بها في سعة الوقت والاتيان بها كاملة الافعال بعد الخروج، واما مع ضيق الوقت فان مقتضى قواعدهم في مثل هذه الصورة
[ 175 ]
هو وجوب الاتمام مستقرا آتيا بافعالها في المكان المغصوب، وذلك فان اباحة المكان عندهم انما هو من شروط الصحة كستر العورة وطهارة الساتر ونحوهما، وقد قرروا في الاصول ان شروط الصحة انما تجب مع الامكان وإلا سقط اعتبارها، وقد ساعدتهم الاخبار على ذلك لما ورد في من فقد الساتر انه يصلي عاريا، ومن فقد الطهارة صلى بالنجاسة على اشهر القولين واظهرهما، ومن فقد القبلة صلى إلى اي جهة شاء أو إلى اربع جهات (فان قيل) انا لا نمنع من الصلاة والاتيان بها بالكلية ليلزم ما ذكرتم فانا نوجب عليه الصلاة لكن بهذه الكيفية المتقدمة مشتغلا بالخروج (قلنا) من الظاهر ان الصلاة المأمور بها شرعا المنصرف إليها الاطلاق هي الصلاة المعهودة المشتملة على الاتيان بالاركان والواجبات على وجهها واستقبال القبلة ونحوها وهي المعلومة عن صاحب الشرع، خرج ما خرج منها بدليل كصلاة المريض وصلاة الحرب وصلاة الخوف والصلاة في السفينة ونحو ذلك مما دلت عليه الادلة الشرعية وبقى ما بقى. ويعضده انه لم يقم دليل على هذا الشرط من اصله اعني اشتراط الاباحة في المكان، وبالجملة فالوقوف على جادة الاحتياط طريق السلامة من الوقوع في هذا الاختباط. والله العالم.
(الرابع) - هل تبطل الصلاة تحت السقف والخيمة المغصوبين مع اباحة المكان ام لا ؟ اشكال لا من حيث المكان إذ لا يدخل ذلك في تعريف المكان المتقدم وانما هو من حيث ان هذا تصرف في المغصوب إذا التصرف في كل شئ بحسب ما يليق به وما اعد له ولا ريب ان الغرض من الخيمة والسقف هو الجلوس تحتهما، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض بعد تعريف المكان بتعريفين ذكرهما والبحث فيهما ما لفظه: وعلى التعريفين لا تبطل صلاة المصلي تحت سقف مغصوب أو تحت خيمة مغصوبة مع اباحة مكانهما لانتفاء اسم المكان فيهما، هذا من حيث المكان اما من حيث استلزام ذلك التصرف في مال الغير فيبنى على ان منافاة الصلاة لحق الآدمي هل يعد مبطلا لها ام لا ؟ بل يمكن بناؤها على حكم الصلاة في المستصحب المغصوب غير الساتر، وقد تقدم الكلام فيه وان
[ 176 ]
الدليل العقلي لا يساعد على البطلان فان النهي ضمنا انما يتوجه إلى الضد العام للتخلص من المغصوب وهو تركه لا للاضداد الخاصة. وبالجملة فلا نص يعول عليه في امثال ذلك ولا يتحقق بدونه الحكم ببطلان الصلاة بالنهي عما ليس شرطا للصلاة ولا جزء. والله اعلم بحقيقة الحال. انتهى. اقول: وملخصه هو صحة الصلاة وان اثم من حيث التصرف في المغصوب بناء على ما قدمناه من ان التصرف في كل شئ بحسب ما يليق به وما يترتب عليه من المنفعة. وهو جيد.
(الخامس) - هل يكفي في شاهد الحال في هذا المقام الدلالة الظنية أو لابد من العلم ؟ قولان ظاهر المشهور الاول وصرح جمع: منهم - السيد السند في المدارك بالثاني، واكثر الاصحاب فسره بما إذا كان هناك امارة تشهد بان المالك لا يكره وهو اعم من العلم. ويمكن ان يؤيد القول المشهور بعمومات الاخبار الدالة على جعل الارض مسجدا له (صلى الله عليه وآله) (1) فان المراد به محل الصلاة كما فسره به الاصحاب (رضوان الله عليهم) واطلق السجود على الصلاة تسمية للكل باسم الجزء، وفي بعض تلك الاخبار " جعلت لك ولامتك الارض كلها مسجدا... الحديث " (2) وفى بعض آخر " ان الله تعالى جعل لي الارض مسجدا وطهورا اينما كنت اتيمم من تربتها واصلي عليها " (3). وانت خبير بان الانسب بسعة هذا الامتنان منه سبحانه على رسوله (صلى الله عليه وآله) وعلى امته هو الاكتفاء بمجرد ظن الرضا، على ان اعتبار العلم ينفي فائدة هذا الحكم إذ قلما يتحقق ذلك في مادة. والظاهر - كما استظهره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): - منهم الفاضل الخراساني في الذخيرة وشيخنا المجلسي في البحار - هو جواز الصلاة في كل موضع لا يتضرر المالك بالكون فيه وكان المتعارف بين الناس عدم المضايقة في امثاله وان فرضنا عدم
(1) الوسائل الباب 7 من التيمم (2) و (3) مستدرك الوسائل الباب 5 من التيمم
[ 177 ]
العلم برضا المالك هناك على الخصوص، نعم لو ظهرت كراهة المالك لامارة لم تجز الصلاة فيه مطلقا. وكيف كان فالظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في جواز الصلاة في الصحارى والبساتين إذا لم يتضرر المالك بها ولم تكن امارة تشهد بعدم الرضا وان لم يأذن المالك صريحا أو فحوى. وفي حكم الصحارى الاماكن المأذون في غشيانها على وجه مخصوص إذا اتصف به المصلي كالحمامات والخانات والارحية ونحوها. ولا يقدح في الجواز كون الصحراء لمولى عليه بشهادة الحال ولو من الولى، قال في الذكرى: ولو علم انها لمولى عليه فالظاهر الجواز لاطلاق الاصحاب وعدم تخيل ضرر لا حق به فهو كالاستظلال بحائطه ولو فرض ضرر امتنع منه ومن غيره. ووجه المنع ان الاستناد إلى ان المالك اذن بشاهد الحال والمالك هنا ليس اهلا للاذن. إلا ان يقال ان الولي اذن هنا والطفل لابد له من ولي. انتهى. وبالجملة فالعمدة عموم الاخبار المشار إليها آنفا إذا لم تخرج تلك الافراد منها بدليل. والله العالم.
(المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز تساوي الرجل والمرأة في موقف الصلاة وكذا تقدم المرأة مع عدم البعد والحائل، فقال الشيخان وابو الصلاح وابن حمزة بالمنع والظاهر انه المشهور بين المتقدمين وهو المختار، وقال المرتضى في المصباح انه مكروه غير مبطل لصلاة احدهما وبه قال ابن ادريس وهو المشهور بين المتأخرين. والاصل في ذلك اختلاف الاخبار وبه اختلفت الانظار والافكار، وها انا اذكر لك ما وقفت عليه من الاخبار مذيلا لكل منها بما يكشف عن معناه نقاب الابهام ومنبها على ما هو المستفاد منها في المقام على وجه تذعن إليه ثواقب الافهام: فمن اخبار المسألة ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس ان تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي فان النبي (صلى
(1) الوسائل الباب 4 من مكان المصلى
[ 178 ]
الله عليه وآله) كان يصلي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض وكان إذا اراد ان يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتى يسجد ". اقول: هذا الخبر بحسب ظاهره مما يدل على الجواز وبه استدل في المدارك على ذلك إلا انه لم يذكر منه إلا إلى قوله " وهو يصلي " واسقط قوله " فان النبي كان يصلي... الخ " وانت خبير بانه وان دل على الجواز كما ذكروه إلا ان التعليل الذي اشتمل عليه الخبر لا يلائمه ولا ينطبق عليه ولهذا استظهر المحدث الكاشاني في الوافي حصول التصحيف في الخبر وان الصواب في العبارة " انه لا بأس ان تضطجع المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي " وتأوله بعض بتأولات تخرجه عن الاستدلال لينطبق التعليل فيه على الكلام المتقدم، وحينئذ فالخبر من حيث هذه العلة لا يصلح للاستدلال. والعجب من السيد (قدس سره) في تركه تتمة الخبر والحال كما ترى ومثل هذا معيب عند المحدثين كما نبه عليه غير واحد، فان التتمة المذكورة مما لها مدخل في الخبر من حيث التعليل، ولهذا ان الناظر في الخبر بتمامه لا يخفى عليه ما فيه من العلة الموجبة لتوقفه عن الاستدلال به والناظر في ما ذكره من الخبر يجزم بصحة الاستدلال به على الجواز، وبذلك يظهر العيب في ترك نقله بتمامه. ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه ابن فضال عن من اخبره عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذائه ؟ قال لا بأس " وهذه الرواية بحسب ظاهرها دالة على الجواز إلا انه سيأتي في معارضتها ما هو ارجح سندا واكثر عددا واصرح دلالة فيجب حملها على وجود الحائل أو بعد عشرة اذرع كما ذكره الشيخ (قدس سره) وهو وان كان بعيدا في حد ذاته إلا انه في مقام الجمع بينها وبين اخبار المسألة الآتية غير بعيد كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من انطباق اخبار المسألة كملا على المنع، فانه إذا اتفقت الاخبار كلها على ذلك ولم تخرج
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى
[ 179 ]
إلا هذه الرواية فالواجب ردها إليها وإلا فطرحها البتة. ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان بينها وبينه قدر ما يتخطى أو قدر عظم الذراع فساعدا فلا بأس " اقول: وهذه الرواية مما استدل بها في المدارك على الجواز ايضا. وفيه انه يظهر وجه لاشتراط هذا المقدار المذكور في الرواية مع جواز المساواة، فالظاهر حملها - كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من غيرها - على تقدم الرجل بهذا المقدار على المرأة فانه كاف للجواز لحصول التقدم بذلك وانما الممنوع منه هو المساواة، وكيف كان فظهور هذا الاحتمال مما يمنع من الاستناد إليها في الاستدلال. ومنها صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سأل عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد فقال إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذائه وحدها وهو وحده لا بأس " وهذه الرواية مما استدل بها في المدارك ايضا على الجواز والظاهر هو حملها على ما حمل عليه سابقها من تقدم الرجل بالشبر، والمراد بالمحاذاة في الخبر مجرد القرب لا المساواة في الموقف كما سيأتي نحوه في موثقة عبد الله بن بكير فلا منافاة. وبذلك صرح شيخنا البهائي زاده الله بهاء وشرفا في كتاب الحبل المتين فقال بعد حمل الخبر المذكور على ما ذكرناه: واما ما يترائى من منافاته لقوله (عليه السلام) " صلت بحذائه " فيمكن توجيهه بحصول المحاذاة بين بعض اعضائه واعضائها في حالتي الركوع والسجود وهو كاف في اطلاق كون صلاتها بحذائه. انتهى. ومنها صحيحة عبد الله بن ابي يعفور (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصلى والمرأة إلى جنبي وهي تصلي ؟ فقال لا إلا ان تتقدم هي أو انت، ولا بأس ان تصلي وهي بحذائك جالسة أو قائمة " وهذه الرواية مما استدل بها في المدارك على ما اختاره من الجواز، والظاهر ان بناء الاستدلال بها من حيث توهم حملها على جواز تقدم المرأة على
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى
[ 180 ]
الرجل حال صلاتها معا، وهو غلط بل سياق الرواية ينادي بان المراد بالتقدم انما هو في ان يصلي الرجل اولا وحده أو المرأة وحدها ثم يصلي الآخر بعده وإلا فكيف يمنع (عليه السلام) المحاذاة ويجوز تقدم المرأة وهي اشد في المنع ؟ ويعضده ايضا قوله في الخبر: " ولا بأس ان تصلي وهي بحذائك جالسة " وهو اشارة إلى ثبوت البأس في ما منع منه من المحاذاة حال الصلاة الذي تعلق به السؤال. ومنها - صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تصلى عند الرجل ؟ فقال لا تصلى المرأة بحيال الرجل إلا ان يكون قدامها ولو بصدره " وهذه الرواية مما استدل بها في المدارك على ما ذهب إليه من الجواز ايضا وهي ظاهرة كغيرها مما عرفت من اكثر الاخبار المتقدمة في العدم، نعم هي ظاهرة في الاكتفاء في تقدم الرجل المجوز لصلاته مع المرأة في مكان واحد بالتقدم ولو بمقدار صدره، وهذا مما يقرب من اشتراط التقدم بشبر ونحوه. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) " في المرأة تصلي عند الرجل ؟ فقال إذا كان بينهما حاجز فلا بأس " وهذه ايضا مما استدل بها في المدارك على الجواز وهي في الدلالة على خلافه اظهر إذ ظاهرها انما هو الجواز مع الحائل ومفهومها ثبوت البأس مع عدم الحائل فهي عليه لا له. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الاخرى ؟ فقال لا ينبغي له ذلك فان كان بينهما ستر اجزأه " هكذا في رواية الكافي للخبر المذكور ورواه الشيخ في التهذيب بلفظ " شبر " وزاد " يعني إذا كان الرجل متقدما على المرأة بشبر " وهذه الزيادة يحتمل ان تكون من كلام الشيخ ويحتمل ان تكون من الراوي.
(1) الوسائل الباب 6 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 8 من مكان المصلى (3) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى
[ 181 ]
قال في المدارك: ولفظ " لا ينبغي " ظاهر في الكراهة، والظاهر ان الستر بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق، وقال الشيخ في التهذيب ان المعنى ان الرجل إذا كان متقدما على المرأة بشبر اجزأه وهو بعيد. انتهى. اقول: ظاهره ان مبنى استدلاله بالخبر المذكور على ما ذكره من ان لفظ " لا ينبغي " ظاهر في الكراهة. وفيه منع فانه ان اراد ظهوره في عرف الناس فهو مسلم ولكن لا يجدي نفعا وان اراد في عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع لما اوضحناه في غير مقام مما تقدم في مباحث الكتاب من ان الحق ان هذا اللفظ من الالفاظ المشتركة في عرفهم (عليهم السلام) فلا يحمل على احد معنييه إلا مع القرينة والقرينة هنا ظاهرة في التحريم لان قوله (عليه السلام) " فان كان بينهما سترا اجزأه " يدل بمفهوم الشرط الذي هو حجة عنده وعند المحققين على عدم الاجزاء مع عدمه وحينئذ فتكون الرواية من ادلة الشيخين ومن تبعهما في القول بالتحريم. ومثل هذه الرواية ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من نوادر البزنطي عن محمد الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الاخرى ؟ قال لا ينبغي ذلك إلا ان يكون بينهما ستر فان كان بينهما ستر اجزأه " وهي اظهر في ما قلناه هذا كله على تقدير ما نقله من الرواية بلفظ الستر واما على ما في رواية الشيخ (قدس سره) في التهذيب من لفظ الشبر بالشين المعجمة والباء الموحدة فالوجه فيه ما ذكره الشيخ من تقدم الرجل بهذا المقدار واستبعاده له بعيد كما اشار إليه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين. ومنها صحيحة حريز أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في المرأة تصلي إلى جنب الرجل قريبا منه ؟ فقال إذا كان بينهما موضع رجل فلا بأس " والتقريب فيها ما تقدم في امثالها من تقدم الرجل بذلك المقادير المذكورة إلا انه قدره هنا بموضع الرجل وهو ما يجعل على البعير كالسرج للفرس وهو يقرب من الذراع.
(1) الوسائل الباب 8 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى
[ 182 ]
ومنها رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل والمرأة يصليان في وقت واحد المرأة عن يمين الرجل بحذائه ؟ فقال لا إلا ان يكون بينهما شبر أو ذراع " والتقريب فيها ظاهر حيث نهى عن المحاذاة إلا مع تقدم الرجل بالشبر أو الذراع وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا ؟ فقال لا ولكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة " وهي ظاهرة في التحريم كما اخترناه. وصحيحة ادريس بن عبد الله القمي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي وبحياله امرأة نائمة على فراشها جنبا ؟ فقال ان كانت قاعدة فلا تضره وان كانت تصلي فلا " وهي كسابقتها ظاهرة في التحريم. ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي والمرأة بحذائه يمنة أو يسرة ؟ قال لا بأس به إذا كانت لا تصلى " وهي ظاهرة في المدعى ايضا. وموثقة ابن بكير عن من رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذائه أو إلى جانبه ؟ فقال إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس " وهي كالاخبار المتقدمة في الجواز بشرط تقدمه عليها بهذا المقدار الذي يقرب من شبر أو ذراع. ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الرجل والمرأة يصليان جميعا في المحمل ؟ قال لا ولكن يصلي الرجل وتصلي المرأة بعده " وهي صريحة في المطلوب كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة للصلاة في المحمل ايضا.
(1) و (2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى (3) و (4) الوسائل الباب 4 من مكان المصلى (5) الوسائل الباب 6 من مكان المصلى (6) الوسائل الباب 10 من مكان المصلى
[ 183 ]
وموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انه سئل عن الرجل يستقيم له ان يصلي وبين يديه امرأة تصلي ؟ قال لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها اكثر من عشرة اذرع، وان كانت عن يمينه أو عن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك وان كانت تصلي خلفه فلا بأس وان كانت تصيب ثوبه... الحديث ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصلي الضحى وامامه امرأة تصلي بينهما عشرة اذرع ؟ قال لا بأس ليمض في صلاته ". اقول: ان المستفاد من هذه الاخبار بعد ضم مجملها إلى مفسرها ومطلقها إلى مقيدها ان الواجب في صلاة الرجل مع المرأة في مكان دفعة ان المرأة ان كانت متقدمة فلابد من حاجز أو قدر عشرة اذرع فصاعدا، وهكذا إذا كانت إلى احد جانبيه محاذية له في الموقف فلابد من احد الامرين، واما مع تأخرها ولو بشئ من المقادير المذكورة في تلك الاخبار فانه لا بأس وصلاة كل منهما صحيحة ولا يشترط هنا ازيد من ذلك. وبذلك يظهر ما في كلامه في المدارك وكذا من تبعه حيث قال بعد نقل الاخبار التي اشرنا إلى انه استدل بها. ما صورته: وجه الدلالة من هذه الاخبار اشتراكها في عدم اعتبار الحائل أو التباعد بالعشرة وإذا انتفى ذلك ثبت الجواز مطلقا إذ لا قائل بالفصل، وعلى هذا فيجب حمل الاخبار المقيدة على الاستحباب صونا للاخبار من التنافي، ولا ينافي ذلك اختلاف القيود لان مراتب الفضيلة مختلفة، وبالجملة فهذا الاختلاف قرينة الاستحباب. انتهى. اقول: قد عرفت انه لا اختلاف هنا بين الاخبار المذكورة بل كلها متفقة الدلالة عدا رواية جميل المتقدمة اول الروايات على ما ذكرناه. وقوله وجه الدلالة من هذه الاخبار اشتراكها في عدم اعتبار الحائل أو التباعد - مردود بان الحائل والتباعد المذكورين انما يعتبران في تقدم المرأة على الرجل أو محاذاتها لاحد جانبيه بحيث تساويه في الموقف
(1) و (2) الوسائل الباب 7 من مكان المصلى
[ 184 ]
لا في صورة تأخرها وان كان قليلا. ومنشأ الشبهة عنده ان اكثر الروايات الدالة على الشبر أو الذراع أو ما لا يتخطى ونحو ذلك من التقديرات المذكورة قد حملها على مساواة الرجل للمرأة في الموقف ولكن تتباعد عنه بهذه المقادير كما يشير إليه قوله: " ولا ينافي ذلك اختلاف القيود " يعني اختلاف التباعد بكونه بعشرة اذرع في بعض وقدر عظم الذراع في بعض وما لا يتخطى في ثالث وهكذا. وهو غلط محض فان هذه الروايات لاجمالها وان اوهمت ذلك لكن هنا اخبار اخر قد صرحت بما ذكرناه من ان المراد بهذه المقادير في تقدم الرجل على المرأة لا مع المحاذاة مثل موثقة ابن بكير الدالة على نفي البأس إذا كان سجودها مع موضع ركوعه، وصحيحة زرارة الدالة على انه لا يجوز ان تصلي بحياله إلا ان يكون الرجل قدامها بصدره وهو مما يقرب من الشبر. وبذلك يظهر لك وجه حمل اجمال تلك الاخبار على هذين الخبرين وبه يحصل انتظام هذه الاخبار مع اخبار المنع الصريحة في التحريم كما قدمناها، على ان ما ذكرناه ان لم يكن متعينا فلا اقل من ان يكون محتملا وبه يسقط استدلاله بهذه الاخبار وحينئذ فلا تصلح لمعارضة ما قدمناه من الاخبار الصريحة والظاهرة في التحريم حتى انه يرتكب الجمع بحمل ما ذكره من رواية عمار ونحوها على الكراهة زعما منه انحصار دليل التحريم في رواية عمار ونحوها مما ذكره، واما على ما ذكرناه من القول بالتحريم وحمل اجمال تلك الروايات التي توهم فيها ما ذكرناه على الروايات المفصلة فان الروايات تكون متفقة على تحريم تقدم المرأة ومساواتها للرجل إلا مع الحائل أو البعد بعشرة اذرع واما مع التأخر ولو بشئ من تلك المقادير فلا اشكال في صحة صلاتها. ثم انه قال في المدرك بعد ما نقلناه عنه من الروايات وما ذيلها به مما اوضحنا بطلانه: احتج المانعون بموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) " انه سئل عن الرجل.. " ثم ذكرها كما قدمناه ثم قال وصحيحة محمد عن احدهما (عليهما السلام) قال: " سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل... الخبر " وقد قدمناه، ثم قال وصحيحة علي
[ 185 ]
ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلي معه وهي تحسب انها العصر هل يفسد ذلك على القوم ؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر ؟ فقال لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة " والجواب بحمل النهي في الروايتين الاوليين على الكراهة وحمل الامر بالاعادة في الرواية الاخيرة على الاستحباب صونا للاخبار عن التنافي، مع ان الامر بالاعادة لا يتعين كونه بسبب المحاذاة لاحتمال ان يكون بسبب اقتدائها في صلاة العصر بمن يصلي الظهر مع اعتقادها انها العصر فلا تدل على احد الامرين نصا. انتهى. وفيه (اولا) ان دليل التحريم غير منحصر في ما ذكره لما عرفت من الاخبار التي قدمناها وبينا دلالتها على ذلك. و (ثانيا) ما عرفته في غير موضع مما تقدم من انه لا دليل على هذا الجمع بين الاخبار من الحمل على الكراهة والاستحباب وان اتخذوه طريقا مهيعا في جميع الابواب، وكيف يحصل صون الاخبار عن التنافى مع تصريحهم في الاصول بان الاصل في الامر الوجوب وفى النهي التحريم وبموجب ذلك يلزم العقاب والعذاب على ترك ما امر به وارتكاب ما نهى عنه، مع ان الاستحباب مما يؤذن بجواز الترك والكراهة مما يؤذن بجواز الفعل، فكيف مع هذا يحصل صون الاخبار عن التنافي ويخرج المكلف عن العهدة بما قالوه. و (ثالثا) ما عرفت من انه لا معارض لهذه الاخبار الدالة على التحريم إلا ما توهمه من تلك الاخبار الواردة في المحاذاة المتضمنة للفصل بتلك المقادير المتقدمة، والحال انك قد عرفت الوجه فيها وانها تنطبق مع هذه الاخبار على احسن وجوه الانطباق وتتفق معها باظهر وجوه الاتفاق. نعم تبقى رواية جميل المتقدمة وقد عرفت الجواب عنها. و (رابعا) ان من العجيب قوله في الجواب عن صحيحة علي بن جعفر: " ان الامر بالاعادة لا يتعين كونه بسبب المحاذاة... الخ " وان تبعه فيه من تبعه فان اسناد الابطال
(1) الوسائل الباب 9 من مكان المصلى
[ 186 ]
إلى ما ذكره وقيامه احتمالا في معنى الرواية المذكورة يتوقف على وجود دليل على ذلك من خارج مع انه لا دليل ولا قائل بذلك والاستناد إلى هذه الرواية في ذلك مصادرة في البين. وبالجملة فان التحقيق عندي في المسألة هو ما كشفت عنه نقاب الابهام واوضحته لجميع الافهام. والله العالم.
بقى في المقام فوائد يحسن التنبيه عليها:
(الاولى) قد صرح جمع من الاصحاب: منهم - العلامة والشهيدان والسيد السند في المدارك بانه يشترط في تعلق الحكم بكل منهما كراهة وتحريما صحة صلاة الاخر لو لا المحاذاة بان تكون جامعة لجميع الشرائط المعتبرة في الصحة سوى المحاذاة، فلا يتعلق الحكم بالفاسدة بل تصح الاخرى من غير كراهة إذ الفاسدة في حكم العدم. واحتمل شيخنا الشهيد الثاني عدم الاشتراط لصدق الصلاة على الفاسدة ونفى عنه البعد في الذخيرة. اقول: كأنه لصحة قولهم انها صلاة فاسدة فاطلاق الصلاة اعم من الصحيحة والفاسدة. ثم انهم ذكروا انه على الاول فالمعتبر في رفع المنع العلم بالفساد قبل الشروع ولو علم بعد الفراغ لم يؤثر في الصحة لان الصلاة صارت باطلة بالمحاذاة على القول بالتحريم أو متصفة بالكراهة على القول الآخر، وظهور الفساد بعد الفراغ لا يؤثر في صحتها أو زوال الكراهة عنها بعد ما ثبت اتصافها به. اقول: الظاهر ان ما ذكروه من الحكم بانه متى ظهر الفساد بعد الفراغ فانه لا يؤثر في صحة الصلاة من حيث بطلانها ظاهرا بالمحاذاة مبني على مسألة اخرى وهو ان الصلاة إذا كانت صحيحة بحسب الواقع ونفس الامر وان كانت بالنظر إلى الظاهر باطلة فهل يحكم بصحتها باعتبار ما كانت عليه في الواقع أو يحكم بالبطلان بالنظر إلى الظاهر ؟ المشهور الثاني وعليه يتجه ما ذكره الاصحاب هنا من بطلان صلاة المحاذي لمن كانت صلاته صحيحة بحسب الظاهر لو لا المحاذاة وان كانت باطلة في نفس الامر بغيرها إلا انه
[ 187 ]
انما علم بعد الفراغ فانه يصدق على الصلاة المذكورة انها صحيحة في الواقع لبطلان تلك الصلاة الاخرى في الواقع وباطلة في الظاهر من حيث المحاذاة في تلك الصلاة الصحيحة ظاهرا، اما على ما ذهب إليه جمع من الاصحاب من القول الاول في تلك المسألة - ومنهم - السيد السند في كتابه حيث قال في مسألة الصلاة قبل الوقت جاهلا أو ناسيا: ولو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الاجزاء نظر من حيث عدم الدخول الشرعي ومن مطابقة العبادة ما في نفس الامر وصدق الامتثال. والاصح الثاني وبه قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى. إلى آخر كلامه - فالوجه هو الصحة إذ لا ريب ان ما نحن فيه كذلك لان المفروض ان تلك الصلاة فاسدة واقعا فهي في حكم العدم وان لم يعلم المحاذي لها إلا بعد الفراغ، والمحاذاة الموجبة لبطلان الصلاة انما هي محاذاة الصلاة الصحيحة وهذه الصلاة قد ظهر بطلانها فلا تؤثر المحاذاة لها في بطلان صلاة المحاذي بعد ظهور ذلك، فصلاة المحاذي خالية من المبطل بحسب الواقع وقت صلاته فتدخل تحت تلك المسألة، فكيف اختار هنا ما ذهب إليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) والحال ان المسألتين من باب واحد. والظاهر الرجوع في الفساد إلى اخبار المصلي عن نفسه بفساد صلاته إلا ان يعلم ذلك بوجه آخر. واما ما ذكره في الذخيرة - حيث قال: " وهل يقبل قوله في الفساد ؟ وجهان " مما يؤذن بتوقفه في ذلك - فالظاهر ضعفه وكيف لا يقبل قوله مع عموم " اقرار العقلاء على انفهسم جائز " (1) ونحوه من الادلة العامة.
(الثانية) - اطلاق كلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق بين اقتران الصلاتين أو سبق احداهما في بطلان كل منهما، ونقل عن جمع من المتأخرين تخصيص البطلان بالمقارنة والمتأخرة دون السابقة، واطلاق الروايات المتقدمة ظاهر في الدلالة على القول
(1) قال في الوسائل في الباب 3 من كتاب الاقرار: روى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي " ص " انه قال: " اقرار العقلاء على انفسهم جائز ".
[ 188 ]
الاول، وظاهر صحيحة علي بن جعفر المشتملة على قيام المرأة بحيال امام كان في صلاة الظهر يدل على الثاني فيمكن ان يقيد بها اطلاق تلك الاخبار، ويؤيده ان المتبادر من جملة من عبارات تلك الاخبار ان المراد من قوله: " يصلي والمرأة بحياله " يعني يريد الصلاة، وحاصل السؤال حينئذ انه هل يجوز له الدخول في الصلاة والحال هذه ؟ ويؤكده ايضا انه لم يعهد في القواعد الشرعية بعد افتتاح الصلاة على الصحة تأثير فعل الغير بغير اختيار المكلف في ابطالها، وبذلك يظهر قوة القول الثاني وهو الذي اختاره في المدارك فقال: وينبغي القطع بصحة الصلاة المتقدمة لسبق انعقادها وفساد المتأخرة وخاصة ومع الاقتران تبطل الصلاتان لعدم الاولوية. انتهى. وظاهره الاستناد إلى اصالة الصحة حتى يقوم دليل الابطال وهو قوى بناء على ما ذكرناه. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فالاحتياط كما هو القول المشهور اولى. واما ما ذهب إليه بعضهم من عدم دلالة صحيحة علي بن جعفر على ما ذكرنا بناء على جواز استناد بطلان صلاتها إلى ما قدمنا نقله عن صاحب المدارك من ان العلة في فساد صلاتها الاقتداء في صلاة العصر بمن يصلي الظهر مع اعتقادها انها العصر فقد عرفت انه خيال فاسد اوجبه التعصب في متابعة القول المشهور في تلك المسألة.
(الثالثة) - قد صرحوا ايضا بانهما لو صليا ولم يعلم احدهما بالاخر إلا بعد الفراغ صحت الصلاتان جميعا واما في الاثناء فان كلا منهما يستمر لسبق الانعقاد، وممن صرح بذلك واختاره السيد السند في المدارك، وقال في الذخيرة: ويحتمل قويا وجوب الابطال في سعة الوقت ان لم يمكن ازالة المانع بدون المبطل. انتهى. اقول: لا يخفى ما في هذا الاحتمال من القوة وهو الانسب عندي بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية، فان ما اعتمدوا عليه في تعليل الاستمرار من سبق الانعقاد لا يخلو من النظر، ولا ريب ان هذه المسألة وان لم يقم عليها نص بالخصوص إلا ان النصوص في نظائرها من عروض البطلان في اثناء الصلاة كثيرة ولم يتضمن شئ منها وجوب المضي على ذلك المبطل بل
[ 189 ]
فيها ما يدل على انه ان امكن ازالته بما لا يبطل الصلاة وإلا قطع الصلاة كاخبار الرعاف في اثناء الصلاة (1) ووجود النجاسة في الثوب في الاثناء (2) ونحو ذلك، وبه يظهر قوة الاحتمال المذكور بل لا يبعد تعينه سيما مع موافقته للاحتياط. والمسألة حيث كانت عارية عن النصوص فالاحتياط فيها لازم والاعتماد على هذه التخريجات التي يذكرونها لا يخلو من مجازفة في احكامه تعالى.
(الرابعة) - صرح شيخنا الشهيد الثاني بانه يعتبر في الحائل ان يكون مانعا من الرؤية وهو ظاهر كلام سبطه السيد السند في المدارك ايضا حيث قال. ويعتبر فيه كونه جسما كالحائط والستر وكلام سائر الاصحاب (رضوان الله عليهم) مطلق في ذلك وقد روى الثقة الجليل علي بن جعفر (رضي الله عنه) في كتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح ان يصلي في مسجد وحيطانه كوى كله قبلته وجانباه وامرأة تصلي حياله يراها ولا تراه ؟ قال لا بأس " ورواها الشيخ في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) مثله (4). وروى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأة قائمة تصلي بحياله وهو يراها وتراه ؟ قال ان كان بينهما حائط قصير أو طويل فلا بأس " وهما - كما ترى - صريحتا الدلالة في خلاف القول المذكور.
(الخامسة) - نقول عن العلامة في النهاية انه قال: ليس المقتضى للتحريم أو الكراهة النظر، لجواز الصلاة وان كانت قدامه عارية، ولمنع الاعمى ومن غمض عينيه وقريب منه في التذكرة. وقال الشهيد في البيان: وفي تنزيل الظلام أو فقد البصر منزلة الحائل نظر اقربه المنع، واولى بالمنع منع الصحيح نفسه عن الابصار. واستوجه
(1) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 44 من النجاسات (3) و (4) و (5) السوائل الباب 8 من مكان المصلى
[ 190 ]
العلامة في التحرير الصحة في الاعمى واستشكل في من غمض عينيه. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: والمراد بالحائل الحاجز بينهما بحيث يمنع الرؤية من جدار وستر وغيرهما. والظاهر ان الظلمة وفقد البصر كافيان فيه وهو اختيار المصنف في التحرير لا تغميض الصحيح عينيه مع احتماله. انتهى. والظاهر هو ما استظهره جملة من افاضل متأخرى المتأخرين من عدم اجزاء شئ من ذلك، لان الوارد في النصوص اما بلفظ الحاجز كما في صحيحة محمد بن مسلم " إذا كان بينهما حاجز " أو بلفظ " ستر " كما في قوله في صحيحته الثانية " أو كان بينهما ستر اجزأه " أو الحائط كما في روايتي علي بن جعفر المتقدمتين، وشئ من هذه الالفاظ لا يصدق على ما ذكروه فيكون ما ذكروه خاليا من الدليل.
(السادسة) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو اجتمعا في مكان واحد واتسع الوقت صلى الرجل اولا، والظاهر ان الحكم على سبيل الاولوية والاستحباب وربما نقل عن الشيخ (قدس سره) القول بالوجوب إلا ان العلامة قال في المنتهى بعد ذكر الرواية: فلو خالف وصلت المرأة اولا صحت صلاتهما اجماعا. انتهى. ويدل عليه ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم في المرأة التي تزامل الرجل في المحمل حيث حكم فيها بصلاة الرجل اولا ونحوها رواية ابي بصير المتقدمة ايضا وان كان العطف فيها بالواو المفيدة لمطلق الجمع إلا ان سياق الخبر يدل على انها بمعنى " ثم " وهو كثير الاستعمال في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. ولا ينافي ذلك ما تقدم في صحيحة عبد الله بن ابي يعفور من قوله " إلا ان تتقدم هي أو انت " فانه محمول على الجواز. هذا في غير المكان الذي تختص به المرأة أو تشارك فيه عينا أو منفعة ومعه فلا اولوية لتسلطها على ملكها إلا ان الافضل لها تقديم الرجل لفحوى الخبرين المذكورين. ولو ضاق الوقت سقط الوجوب والاستحباب كا صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفيه اشكال تأتي الاشارة إليه.
[ 191 ]
(السابعة) - قال شيخنا في الروض: مبدأ التقدير في العشرة اذرع من موقف المصلي إلى موقفها وهو واضح مع المحاذاة اما مع تقدمها فالظاهر انه كذلك، لانه المفهوم من التباعد عرفا وشرعا كما نبهوا عليه في تقدم الامام على المأموم. ويحتمل اعتباره من موضع السجود لعدم صدق التباعد بين بدنيهما حالة السجود بذلك القدر، وليس في كلامهم تصريح في ذلك بشئ. انتهى. اقول: ويؤيد الاول ايضا اعتبار ما لا يتخطى بين الامام والمأموم والمأمومين بعضهم مع بعض فان مبدأ ذلك من الموقف إلى الموقف.
(الثامنة) - قال الشيخ في المبسوط: فان صلت خلفه في صف بطلت صلاة من على يمينها وشمالها ومن يحاذيها من خلفها ولا تبطل صلاة غيرهم، وان صلت بجنب الامام بطلت صلاتها وصلاة الامام ولا تبطل صلاة غيرهم. انتهى. ولا يخفى ما فيه من الاشكال، والاظهر هو ما فصله في الروض حيث قال: لو صلت المرأة معه جماعة محاذية له فعلى القول بالتحريم تبطل صلاتها وصلاة الامام ومن على يمينها ويسارها ومن تأخر عنها مع علمهم بالحال ومع عدم العلم تبطل صلاتها لا غير، ولو علم الامام خاصة بطلت صلاتهما معا دون المأمومين، واطلق الشيخ (قدس سره) صحة صلاة المأمومين. وهذا كله انما يتم مع القول بان الصلاة الطارئة تؤثر في السابقة أو على جواز تكبير المأموم مع تكبير الامام وإلا صحت صلاة الامام لتقدمها ويبقى الكلام في المأمومين. انتهى. وهو جيد.
(التاسعة) - قد اطلق جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذا الحكم انما هو في حال الاختيار فلو ضاق الوقت والمكان فلا كراهة ولا تحريم، قال في الروض وربما استشكل الحكم مطلقا بناء على ان التحاذي مانع من الصحة مطلقا، والنصوص مطلقة فالتقييد بحالة الاختيار يحتاج إلى دليل. انتهى. ولا يخلو من قوة إلا انه يمكن ان يقال ان شروط الصحة انما تعتبر مع الامكان كما تقدمت الاشارة إليه في غير مكان.
(العاشرة) - روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن الفضل عن
[ 192 ]
ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " انما سميت مكة بكة لانها يبتك بها الرجال والنساء والمرأة تصلى بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومعك ولا بأس بذلك انما يكره في سائر البلدان " اقول: والظاهر ان معنى " يبتك بها الرجال والنساء " اي يزدحمون ولم اقف في اللغة على معنى لهذا اللفظ والموجود في هذه المادة " يبتك " بمعنى القطع ومنه قوله سبحانه " فليبتكن آذان الانعام " اي قطعها، وهذا المعنى غير مناسب في الخبر والمناسب فيه ما قدمناه (3) وفي هذا الخبر ما يدل على استثناء مكة شرفها الله تعالى من هذا الحكم، وربما اشعر ظاهره بتعلق الحكم بالبلد مطلقا إلا انه لا يبعد ارادة المسجد من هذا اللفظ باعتبار كونه مجمعا للرجال والنساء ولا سيما في حال صلاة الطواف ولا يحضرني الآن كلام لاحد من الاصحاب في ذلك.
(الحادية عشر) - قال في الروض: لو كانت اعلى منه أو اسفل بحيث لا يتحقق التقدم والتأخر وامكنت المشاهدة فهل هو ملحق بالتأخر ام بالتقدم ؟ اشتراط العشرة في الرواية بالتقدم والمحاذاة يقتضي عدم اعتبارها هنا، واشتراط نفي البأس بالصلاة خلفه يقتضي اعتبار العشرة هنا لعدم تحقق الخلفية فمفهوما الشرط متدافعان، والظاهر انه ملحق بالتأخر لاصالة الصحة وعدم المانع خرج منه حالة التقدم والمحاذاة فيبقى الباقي، مع ان فرض الرؤية في ذلك بعيد. انتهى. اقول: فرض المسألة المذكورة هو كون المرأة في مكان عال أو اسفل بحيث ان موقفها يكون محاذيا لموقف الرجل في جهة العلو أو السفل، ومجرد فرض العلو والسفل في العبارة اعم من ذلك فكان الاولى ان يقول بحيث لا يتحقق التقدم والتأخر ولا المحاذاة يمينا أو يسارا فانها
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى (2) سورة النساء، الآية 119 (3) لا يخفى ان المصنف ضبط الكلمة في الحديث من مادة " بتك " ففرع عليه ما فرع والواردة في كتب الحديث " يبك " من مادة " بكك " وهى في اللغة بالمعنى المذكور. وقد اورد في مجمع البحرين هذه الفقرة من الحديث في المادة المذكورة. راجع الوسائل الباب 11 من مكان المصلى
[ 193 ]
قد تكون اعلى منه ولكنها في جهة اليمين عنه أو اليسار فتحصل المحاذاة والمساواة في الموقف وان كانت في محل ارفع.
(الثانية عشرة) - قد طعن جملة من الاصحاب القائلين بالجواز في رواية عمار بانها قد تضمنت اكثر من عشرة اذرع وهو خلاف الاجماع. وفيه ان الظاهر - وان كان غريبا غير مانوس في كلامهم - ان المراد من هذه العبارة ونحوها عشرة اذرع فاكثر من قبيل قوله سبحانه: " فان كن نساء فوق اثنتين " (1) اي اثنتين فما فوق ومثله في الاخبار غير عزيز مع ان رواية قرب الاسناد المتقدمة قد تضمنت العشرة.
(الثالثة عشرة) - قال في الروض: المراد بالمرأة البالغ لانه المتعارف ولانها مؤنث المرء، يقال مرء ومرأة وامرؤ وامرأة، والمرء هو الرجل كما نص عليه اهل اللغة فلا يتعلق الحكم بالصغيرة وان قلنا ان عبادتها شرعية لعدم المقتضى له. ولا فرق فيها بين كونها مقتدية به أو منفردة للعموم. وكذا القول في الصبي. وفى بعض حواشي الشهيد (قدس سره) على القواعد ان الصبي والبالغ بقرب حكمهما من الرجل والمرأة وعنى بالبالغ المرأة لان الصفة التي على " فاعل " يشترك فيها المذكر والمؤنث وكيف كان فالعمل على المشهور من اختصاص الحكم بالمكلفين لعدم الدليل الدال على الالحاق. انتهى. اقول: يمكن ان يكون مستند ما نقله عن الشهيد (قدس سره) ما يوجد في كتب اللغة من اطلاق الرجل على غير المكلف البالغ، قال في القاموس: الرجل بالضم معروف وانما هو لمن شب واحتلم أو هو رجل ساعة يولد. وفي الصحاح هو الذكر من الناس. والاخبار قد اشتملت على لفظ الرجل كما عرفت فمتى صح اطلاقه على غير البالغ لغة صح ما ذكره الشهيد (قدس سره) إلا ان المستفاد من اطلاق العرف العام والخاص اعني عرفهم (عليهم السلام) انما هو البالغ خاصة ومتى اريد غيره عبر بلفظ الصبي ونحوه. والله العالم.
(1) سورة النساء، الآية 12
[ 194 ]
(المسألة الثالثة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا بأس ان يصلي الرجل في الموضع النجس إذا كانت النجاسة لا تتعدى إلى ثوبه أو بدنه وكان موضع الجبهة طاهرا.
والكلام في مقامين:
(الاول) انه قد نقل عن ابي الصلاح انه اشترط طهارة مواضع المساجد السبعة، وعن المرتضى (رضى الله عنه) انه اعتبر طهارة مكان المصلي، وربما نقل عنه انه اعتبر طهارة ما يلاصق البدن وان لم يسقط عليه. فاما القول الاول من هذين القولين فلم نقف له على دليل ولم ينقلوا له دليلا وقائله اعرف به. واما الثاني فنقلوا ان قائله احتج بنهيه (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة في المجزرة وهي المواضع التي تذبح فيها الانعام والمزبلة والحمامات وهي مواطن النجاسة (1) فتكون الطهارة معتبرة. واجيب عن ذلك بانه يجوز ان يكون النهي عن هذه المواضع من جهة الاستقذار والاستخباث الدالة على مهانة نفس من يستقر بها فلا يلزم التعدية إلى غيرها، وبالجملة فان النهي عن ذلك نهى تنزيه فلا يلزم التحريم. اقول: والمعتمد في رد هذين القولين الاخبار الدالة على جواز الصلاة في الاماكن النجسة مع عدم التعدي: ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) " انه سأله عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا ؟ قال نعم ". وما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الشاذ كونة تكون عليها الجنابة ايصلى عليها في المحمل ؟ فقال لا بأس "
(1) تيسر الوصول ج 2 ص 250 عن الترمذي (2) و (3) الوسائل الباب 30 من النجاسات
[ 195 ]
قال في الوافي: الشاذ كونة بالفارسية الفراش الذي ينام عليه. انتهى (1). وما رواه الشيخ عن أبن ابي عمير (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصلي على الشاذ كونة وقد اصابتها الجنابة ؟ قال لا بأس ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) قال: " سألته عن البواري يصيبها البول هل يصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل ؟ قال نعم لا بأس ". وعن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليها ؟ قال إذا يبست فلا بأس ". وما رواه في الفقيه والتهذيب عن عمار في الموثق (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل يجوز الصلاة عليها ؟ فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها ". فاما ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن بكير (6) - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الشاذ كونة يصيبها الاحتلام أيصلى عليها ؟ فقال لا " وما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (7) عن محمد بن الوليد عن ابن بكير قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام)... مثله - فحمله الاصحاب على الكراهة، ويحتمل الحمل على تعدى النجاسة وكيف كان فهو لا يبلغ قوة في معارضة ما نقلناه من الاخبار المعتضدة بالاصل.
(الثاني) - ظاهر الاصحاب الاتفاق على اشتراط طهارة موضع الجبهة، وقد نقل الاجماع عليه جماعة: منهم - العلامة في المنتهى والمختلف والشهيد في الذكرى وابن
(1) قال في البحار في ذيل حديث قرب الاسناد الآتى " بيان: الشاذ كونه في اكثر النسخ بالذال المعجمة وفى كتب اللغة بالمهملة وقد يقال انه معرب شاديانه، قال الفيروز ابادى الشاد كونه بفتح الدال ثياب غلاظ مضربة تهمل باليمن. (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 30 من النچاسات (3) الوسائل الباب 29 من النجاسات (7) ص 80
[ 196 ]
زهرة في الغنية، ولا اعرف لهم دليلا على الحكم المذكور زيادة على الاجماع، مع ان صاحب الذخيرة اعترضهم في دعوى الاجماع هنا حيث قال في هذا المقام بعد نقل دعوى الاجماع ما لفظه: لكن لا يخفى انه قد مر في كتاب الطهارة ان المحقق نقل عن الراوندي وصاحب الوسيلة انهما ذهبا إلى ان الارض والبواري والحصر إذا اصابها البول وجففتها الشمس لا تطهر بذلك لكن يجوز السجود عليها. واستجوده المحقق، وعلى هذا فدعوى الاجماع كلية محل تأمل. انتهى. اقول: الذي في المعتبر في ما حضرني من نسخه في مسألة تطهير الشمس هكذا: " وقيل لا تطهر ويجوز الصلاة عليها وبه قال الراوندي منا وصاحب الوسيلة وهو جيد " والموجود في هذه العبارة انما هو لفظ الصلاة لا السجود نعم لفظ السجود في عبارة الراوندي خاصة على ما نقله في المختلف واما عبارة صاحب الوسيلة فانما هي بلفظ الصلاة ايضا على ما نقله في الذخيرة ايضا حيث قال في مسألة تطهير الشمس: وذهب صاحب الوسيلة - على ما في النسخة الموجودة عندي - إلى انها لا تطهر بذلك ولكن يجوز الصلاة عليها إذا لم يلاق شيئا منها بالرطوبة دون السجود عليها. وهي - كما ترى - ظاهرة في صحة الصلاة مع استثناء موضع السجود كما عليه الاصحاب. والذي يقرب عندي ان المحقق انما عبر بلفظ الصلاة في العبارة المتقدمة مع ان الموجود في عبارة الراوندي لفظ السجود حملا للسجود على الصلاة مجازا، إلا انه لا يخفى على من راجع عبارة الراوندي المنقولة في المختلف انها لا تقبل ذلك. وكيف كان فالمخالفة لما ادعوه من الاجماع منحصرة في الراوندي وانت خبير بان اطلاق الاخبار المتقدمة ظاهر في شمول موضع السجود والمسألة لذلك محل اشكال لان الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل والخروج عن ظواهر هذه الاخبار اشكل، والاحتياط لا يخفى.
وكيف كان فههنا فوائد لابد من التنبيه عليها:
(الاولى) قد صرح جملة منهم بانه يجب تقييد النجاسة المتعدية المانعة من الصلاة فيها بغير المعفو عنها إذ لا منع من المعفو
[ 197 ]
وبذلك صرح شيخنا في الذكرى فقال ولو كان المكان نجسا بما عفى عنه كدون الدرهم دما ويتعدى فالظاهر انه لا يزيد على ما هو على المصلي. ونقل المحقق الشيخ علي في شرح القواعد عن فخر المحققين انه قال: الاجماع منا واقع على اشتراط خلو المكان من نجاسة متعدية وان كانت معفوا عنها في الثوب والبدن. واطلاق عبارة المنتهى وان وافقت ما ذكره إلا ان دليله يؤذن بخلاف ذلك، وكذا عبارة التذكرة تشعر بان الاجماع مختص بالنجاسة التي لم يعف عنها. والتحقيق عندي انه لا ثمرة مهمة في هذا التقييد بل ولا لذكر ذلك بالكلية، وذلك فانه من المعلوم ان المنع من الصلاة في الموضع النجس إذا استلزم ذلك تعدى النجاسة إلى ثوب المصلي أو بدنه انما هو الدليل العام الدال على اشتراط صحة الصلاة بطهارة بدن المصلي وثوبه مما لا يعفى عنه، قال العلامة في المنتهى: ويشترط في المكان ان يكون خاليا من نجاسة متعدية إلى ثوب المصلي أو بدنه، ذهب إليه علماؤنا اجمع لان طهارة الثوب والبدن شرط في الصلاة ومع النجاسة المتعدية يفقد الشرط. انتهى. وحينئذ فإذا صلى الانسان في موضع فيه نجاسة وتعدت إليه روعي فيها ما يراعى في غيرها من النجاسات الخارجة منه أو الواقعة عليه من كونها معفوا عنها أو غير معفو عنها ولا خصوصية للمكان تقتضي افراده بالذكر إلا ان يكون الحامل لهم على ذلك خلاف فخر المحققين في المسألة كما قدمناه ذكره. وضعفه اظهر من ان يحتاج إلى بيان.
(الثانية) - لو كانت الارض نجسة وفرش عليها فرضا طاهرا فالظاهر انه على مذهب المرتضى لا مانع من الصلاة إذ المكان باعتبار الطهارة والنجاسة غيره باعتبار الاباحة والغصب كما تقدم في تعريف كل منهما. ويدل على ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد يكون في الدار، إلى ان قال: وسألته
(1) اللفظ المذكور انما هو لحديث ابى الجارود برواية الكافي الا الذيل، راجع الوسائل الباب 10 و 11 من احكام المساجد.
[ 198 ]
عن المكان يكون خبيثا ثم ينظف ويجعل مسجدا ؟ قال يطرح عليه من التراب حتى يواريه فان ذلك يطهره ان شاء الله " ورواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام)... الحديث. وفي رواية محمد بن مصادف عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بان يجعل على العذرة مسجدا " وعن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: " سئل أيصلح مكان حش ان يتخذ مسجدا ؟ فقال إذا القى عليه من التراب ما يوارى ذلك ويقطع ريحه فلا بأس، وذلك لان التراب يطهره وبه مضت السنة ":
(الثالثة) - لو كان في مسجد الجبهة نجاسة لا تتعدى أو على نفس الجبهة نجاسة معفو عنها في الصلاة فان استوعبت النجاسة المسجد والجبهة بطلت الصلاة وإلا صحت صلاته إذا حصل السجود على الظاهر منها في الصورتين المذكورتين.
(المسألة الرابعة) - قد اتفقت الاخبار وكلمة الاصحاب على المنع من الصلاة في مواضع زيادة على ما قدمناه إلا ان اكثرها كون المنع فيها منع كراهة وبعضها محل خلاف، وها انا افصل ذلك كلا في موضع على حياله: فاقول - وبالله تعالى الهداية إلى ادراك المأمول - روى الصدوق في الفقيه مرسلا وثقة الاسلام في الكافي مسندا عن عبد الله بن الفضل عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين والماء والحمام والقبور ومسان الطريق وقرى النمل ومعاطن الابل ومجرى الماء والسبخ والثلج ". قال الصدوق في كتاب الخصال بعد نقل الخبر المذكور مسندا (5) إلا انه اسقط منه " القبور " وزاد فيه " وادي ضجنان " ما صورته: هذه المواضع لا يصلي فيها الانسان في حال الاختيار، فإذا حصل في الماء والطين واضطر إلى الصلاة فيه فانه يصلي ايماء ويكون
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من احكام المساجد (4) و (5) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى
[ 199 ]
ركوعه اخفض من سجوده. واما الطريق فانه لا بأس ان يصلى على الظواهر التي بين الجواد فاما على الجواد فلا يصلى. واما الحمام فانه لا يصلى فيه على كل حال فاما مسلخ الحمام فلا بأس بالصلاة فيه لانه ليس بحمام. واما قرى النمل فلا يصلى فيها لانه لا يتمكن من الصلاة لكثرة ما يدب عليه من النمل فيؤذيه ويشغله عن الصلاة. واما معاطن الابل فلا يصلى فيها إلا إذا خاف على متاعه الضيعة فلا بأس حينئذ بالصلاة فيها. واما مرابض الغنم فلا بأس بالصلاة فيها. واما مجرى الماء فلا يصلى فيه على كل حال لانه لا يؤمن ان يجري الماء إليه وهو في صلاته. واما السبخة فانه لا يصلي فيها نبي ولا وصي نبي واما غيرهما فانه متى دق مكان سجوده حتى تتمكن الجبهة فيه مستوية في سجوده فلا بأس. واما الثلج فمتى اضطر الانسان إلى الصلاة عليه فانه يدق موضع جبهته حتى يستوي عليه في السجود. واما وادي ضجنان وجميع الاودية فلا يجوز الصلاة فيها لانها مأوى الحيات والشياطين. انتهى. وها انا اذكر المواضع التي اشتمل عليها الخبر المذكور وما ذكره الاصحاب زيادة على ذلك ووردت به الاخبار: فاقول: منها - الحمام والمشهور بين الاصحاب كراهة الصلاة فيه، ونقل عن ابي الصلاح انه منع من الصلاة فيه وتردد في الفساد، والاظهر الاول لمرسلة عبد الله بن الفضل المتقدمة وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيت الحمام ؟ قال إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس " وما رواه في الفقيه في الصحيح عن علي بن جعفر (2) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن الصلاة في بيت الحمام ؟ فقال إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس " وهذان الخبران صريحان - كما ترى - في الجواز، والاصحاب قد حملوا النهي في الحمام على الكراهة جمعا بينه وبين ما تقدم.
(1) و (2) الوسائل الباب 34 من مكان المصلى
[ 200 ]
وظاهر ذلك عدم الفرق بين المسلخ وغيره والمفهوم من كلامي الصدوق في الفقيه والخصال كما تقدم والشيخ في التهذيب تخصيص روايتي الجواز بالمسلخ حيث قال في الفقيه: لا بأس بالصلاة في مسلخ الحمام وانما يكره في الحمام لانه ماوى الشياطين. والشيخ بعد ان ذكر موثقة عمار حملها على المسلخ وصرح الشهيدان بنفي الكراهة في المسلخ ايضا. ولم نقف في الاخبار على تعرض لخصوص المسلخ بنفي ولا اثبات واطلاق لفظ الحمام شامل له إلا ان الصدوق في الخصال بعد ان نفى البأس عن الصلاة فيه ادعى انه ليس بحمام. وفيه منع ظاهر فان كان ما ذكروه وجه جمع بين الاخبار فحمل النهى على الكراهة في غير المسلخ يحتاج إلى دليل إذ هو حقيقة في التحريم واما تعليل الصدوق بانه مأوى الشياطين فغير ظاهر من الاخبار ليصلح وجها للكراهة. ونقل عن العلامة في التذكرة انه احتمل ثبوت الكراهة في المسلخ وبنى الاحتمال على علة النهى فان كانت النجاسة لم تكره وان كانت كشف العورة فيكون مأوى للشياطين كره. ورد بانه ضعيف لجواز ان لا يكون الحكم معللا أو تكون العلة غير ما ذكره. ولو جعل وجه الجمع بين هذه الاخبار ما صرحت به الروايتان الاولتان من تعليق نفي البأس على النظافة فيحمل ما دل على النهى على عدم النظافة لكان اقرب، وعلى هذا فيكون النهي محمولا على التحريم لعدم نظافة المكان. وكيف كان فانه لا تكره الصلاة في سطح الحمام كما صرح به غير واحد من الاصحاب. والله العالم. ومنها - بيوت الغائط، عدها الاصحاب في هذا الباب ولم اقف في النصوص عليه بهذا العنوان، والظاهر ان المراد به بيت الخلاء الذي هو بيت لذلك، وظاهر الشيخ المفيد في المقنعة التحريم حيث قال: لا تجوز الصلاة في بيوت الغائط. وحمله الاصحاب على الكراهة لعدم ما يوجب التحريم إذ ليس إلا انها مظنة النجاسة وغاية ما يوجب ذلك الكراهة. والاصحاب قد استدلوا على هذا الحكم بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد
[ 201 ]
ابن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان جبرئيل اتاني فقال انا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد ولا اناء يبال فيه " وعن عمرو بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " قال جبرئيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) انا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان ولا بيتا يبال فيه ولا بيتا فيه كلب " وانت خبير بما في هذا الاستدلال من البعد عن المدعى إذ المدعى بيوت الغائط والبول لا يستلزم الغائط. والذي وقفت عليه هنا مما يناسب ذلك ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول الارض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة " وفي رواية " أو حمام " وما رواه في الكافي عن الفضيل بن يسار (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقوم في الصلاة فارى قدامي في القبلة العذرة ؟ فقال تنح عنها ما استطعت " والظاهر ان ما اشتملت عليه هذه الرواية مكروه آخر غير ما نحن فيه وهو ان يصلي إلى عذره في قبلته كما ذكره بعض الاصحاب. وبالجملة فالمقام وان كان مقام كراهة يتسامح بينهم في دليله لكن الكلام في ان كون الحكم شرعيا يتوقف على الدليل الشرعي الواضح. ومنها - مبارك الابل وفي مرسلة عبد الله بن الفضل المتقدمة وغيرها معاطن الابل وبه عبر بعضهم ايضا وهو مبارك الابل حول الماء، قال في الصحاح العطن والمعطن واحد الاعطان والمعاطن وهي مبارك الابل عند الماء لتشرب علا بعد نهل. وقال في القاموس العطن محركة وطن الابل ومنزلها حول الحوض. وكلامهما وكذا كلام غيرهما من اهل اللغة صريح في تخصيص اسم المعاطن بمبارك الابل عند الشرب، والمفهوم من كلام الاصحاب انه اعم من ذلك وبه صرح ابن ادريس في السرائر فقال بعد تفسير المعطن
(1) و (2) الوسائل الباب 33 من مكان المصلى (3) و (4) الوسائل الباب 31 من مكان المصلى
[ 202 ]
بما نقلناه عن اهل اللغة: هذا حقيقة المعطن عند اهل اللغة إلا ان اهل الشرع لم يخصصوا ذلك بمبرك دون مبرك. انتهى. ولعلهم بنوه على عدم تعقل الفرق بين موضع الشرب وغيره، وهو محتمل إلا انه لا يخلو من نوع اشكال لان من قواعدهم الرجوع في معاني الالفاظ بعد تعذر الحقيقة الشرعية والعرف الخاص إلى كلام اهل اللغة. ثم ان القول بالكراهة هو المشهور ونقل عن ابي الصلاح القول بالتحريم وهو ظاهر الشيخ المفيد في المقنعة ايضا اخذا بظاهر النهي. ومن اخبار المسألة زيادة على ما تقدم في مرسلة عبد الله بن الفضل صحيحة محمد ابن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في اعطان الابل فقال إذا تخوفت الضيعة على متاعك فاكنسه وانضحه وصل ولا بأس بالصلاة في مرابض الغنم ". وصحيحة على بن جعفر المروية في كتابه عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الصلاة في معاطن الابل أتصلح ؟ قال لا تصلح إلا ان تخاف على متاعك ضيعة فاكنس ثم انضح بالماء ثم صل. وسألته عن معاطن الغنم أتصلح الصلاة فيها ؟ قال نعم لا بأس به " وموثقة سماعة (3) قال: " سألته عن الصلاة في اعطان الابل وفي مرابض البقر والغنم ؟ فقال ان نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها فاما مرابض الخيل والبغال فلا ". وحمل الشيخ (قدس سره) في التهذيب هذه الرواية على الضرورة والخوف على المتاع كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الحلبي (4) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في مرابض الغنم ؟ فقال صل فيها ولا تصل في اعطان الابل إلا ان تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه ورشه بالماء وصل فيه ". اقول: ظاهر هذه الاخبار من حيث دلالتها على انه ان كان يخاف على متاعه
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 17 من مكان المصلى
[ 203 ]
الضيعة جاز له الصلاة فيه من غير كراهة بعد ان يكنسه ويرشه هو الدلالة على القول المشهور في تفسير اعطان الابل بمباركها حيث كان من غير تقييد بما ذكره اهل اللغة، بل الظاهر التخصيص بموضع النزول وذلك فان الظاهر من هذا الكلام هو ان القافلة متى نزلوا في مكان فجمالهم ورحالهم واثقالهم في ذلك المكان وانه تكره الصلاة في ذلك المكان فينبغي ان يخرج إلى مكان آخر خارج عن محل النزول إلا إذا كان يخاف من خروجه الضيعة على متاعه فانه يصلي فيه، وإلا فانه لا مناسبة بين هذا التعليل وبين تخصيص المعاطن بمواضع السقي كما هو ظاهر فان موضع السقي ليس مقام متخذ للنزول ووضع الاثقال والاحمال فيه. ثم ان ظاهر كلامهم انه لا فرق في الكراهة أو التحريم بين وجود الابل في ذلك المكان وعدمه، وبذلك صرح في المنتهى ايضا معللا بانها بانتقالها عنه لا يخرج عن اسم المعطن إذا كانت تأوى إليه، وظاهر هذا التعليل انه لو كان ذلك الموضع انما اتفق بروكها فيه مرة واحدة ثم لم تعد إليه لم يتعلق به الحكم. ثم انه قد صرح الاصحاب ايضا بكراهة الصلاة في مرابط الخيل والبغال، وعن ابي الصلاح هنا ايضا القول بالتحريم، ومن الاخبار الدالة على النهي هنا ايضا موثقة سماعة المتقدمة ومثلها موثقته الاخرى (1) إلا انها مقطوعة وفيها زيادة الحمير على الخيل والبغال. ومنها - مساكن النمل وهو المعبر عنه في خبر عبد الله بن الفضل المتقدم بقرى النمل وهو جمع قرية وهي مجتمع ترابها حول حجرتها، ويدل على ذلك زيادة على الخبر المتقدم ما رواه في كتاب المحاسن بسنده عن عبد الله بن عطاء (2) قال " ركبت مع ابي جعفر (عليه السلام) وسار وسرت حتى إذا بلغنا موضعا قلت الصلاة جعلني الله فداك قال هذا ارض وادي النمل لا يصلى فيه حتى إذا بلغنا موضعا آخر قلت له مثل ذلك فقال
(1) الوسائل الباب 17 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 20 من مكان المصلى
[ 204 ]
هذه الارض مالحة لا يصلى فيها " اقول: نقل شيخينا في البحار ان في بعض النسخ " نصلي " في الموضعين بالنون وفي بعضها بالياء، ثم قال: فعلى الاول ظاهره اختصاص الحكم بهم (عليهم السلام) فالمراد التحريم أو شدة الكراهة فلا ينافي حصول الكراهة في الجملة لغيرهم ورواه العياشي في تفسيره (1) إلا ان فيه هكذا " فسرنا حتى زالت الشمس وبلغنا مكانا قلت هذا المكان الاحمر فقال ليس يصلى ههنا هذه اودية النمال وليس يصلى فيها قال فمضينا إلى ارض بيضاء قال هذه سبخة وليس يصلى بالسباخ. قال فمضينا إلى ارض حصباء قال ههنا فنزل... الخبر " وظاهر الخبر كراهة الصلاة في وادي النمل وان لم تكن عند قراها وجحرتها إلا ان يحمل على كون الوادي مملوء بذلك، وربما علله بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) بعدم انفكاك المصلى من اذاها وقتل بعضه. ويدل على الاول ما في كتاب العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم بن هاشم، قال: والعلة في جحرة النمل ان النمل ربما آذاه فلا يتمكن من الصلاة. ومنها - مجاري المياه وهو المكان المعد لجريانه وان لم يكن فيه ماء، وقد تقدم في كلام الصدوق تعليل النهي بانه لا يؤمن ان يجري الماء إليه وهو في صلاته، والظاهر انه لا دليل عليه إلا خبر عبد الله بن الفضل المتقدم صدر الكلام، وظاهر الخبر المذكور اعم من ان يكون الماء موجودا فيه ام لا فلو قصر الحكم على ما إذا كان موجودا أو يخاف هجومه في حال الصلاة لكان اظهر. وفي شمول الحكم للصلاة في السفينة باعتبار كونها في مجرى الماء وكذا على الساباط الذي على نهر يجري فيه الماء اشكال ينشأ من صدق الصلاة في مجرى الماء، ومن ان المتبادر من العبارة هو ايقاع الصلاة في الارض التي يجري فيها الماء فعلا أو قوة باعتبار اعدادها لذلك، والاشكال في الساباط اضعف. وقد صرح في المنتهى بدخول هذين الفردين في حكم المسألة المذكورة.
(1) مستدرك الوسائل الباب 15 من مكان المصلى
[ 205 ]
وقيل بالكراهة في بطون الاودية التي يخاف فيها هجوم السيل، والظاهر انه يرجع إلى الاول لان المراد بالمجاري ما يحصل فيه الجريان من واد وغيره، وقد روى الشيخان في الكافي والتهذيب عن ابي هاشم الجعفري (1) قال: " كنت مع ابي الحسن (عليه السلام) في السفينة في دجلة فحضرت الصلاة فقلت جعلت فداك نصلى في جماعة ؟ فقال لا يصلى في بطن واد جماعة " وهذا الخبر كما يدل على صدق الوادي على المجرى من حيث اتساعه كذا يدل على ان حكم الصلاة في السفينة إذا كانت في مجرى الماء حكم اصل المجرى. وبه يتجه دخول هذا الفرد تحت الحكم المذكور كما صرح به شيخنا المتقدم ذكره. ولعل التخصيص بالجماعة وقع من حيث سؤال السائل عن الجماعة فلا منافاة لما دل على الحكم المذكور مطلقا. بقى هنا شئ وهو انه قال في المدارك بعد تفسير مجرى المياه بانها الامكنة المعدة لجريانها فيها: وقيل تكره الصلاة في بطون الاودية التي يخاف فيها هجوم السيل، قال في النهاية فان امن السيل احتمل بقاء الكراهة اتباعا لظاهر النهي وعدمها لزوال موجبها ولم اقف على ما ادعاه من الاطلاق. انتهى. اقول: الظاهر ان ما ذكره من عد الاودية هنا بناء على دخولها تحت مجرى المياه باعتبار جريان السيول فيها فيصدق عليها مجرى المياه وحيث ان العلامة ادعى احتمال بقاء الكراهة وان امن السيل تمسكا بالاطلاق رده السيد (قدس سره) بانه لا نص في هذه المسألة بالكلية حتى يستند إلى اطلاقه. اقول: اما النهي عن بطون الاودية فقد ورد وان لم يكن مشهورا إلا ان كون العلة فيه ما ذكره من هجوم السيل غير معلوم بل ربما علل بامر آخر، فالاظهر ان يجعل هذا فردا من افراد المسألة على حدة وهو كراهة الصلاة في بطون الاودية. والذي يدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب المجالس في جملة المناهي المنقولة عنه (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " ونهى ان يصلي الرجل في المقابر والطرق
(1) الوسائل الباب 29 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 25 من مكان المصلى
[ 206 ]
والارحية والاودية ومرابط الابل وعلى ظهر الكعبة ". وفي كتاب العلل لمحمد بن ابراهيم (1) قال: " لا يصلى في ذات الجيش ولا ذات الصلاصل ولا بطون الاودية، ثم ساق الكلام في باقي المناهي وذكر علل النهي إلى ان قال: والعلة في بطون الاودية انها مأوى الحيات والجن والسباع... إلى آخره " وكلامه في جميع هذه العلل المذكورة في هذا الكتاب وان لم يسندها إلى نص إلا ان الظاهر انه حيث كان من اصحاب الصدر الاول مثل ابيه وجده الذين لا يقولون إلا بالنصوص كما وصل الينا في اكثر ما ذكره من هذه العلل فهو لا يقول هذا إلا بعد وصول نص إليه بذلك. ومنها - الطين وقد تقدم ذكره في خبر عبد الله بن الفضل، والمراد بالطين هنا الوحل الذي هو طين وماء ممتزجان وإلا فالطين اليابس لا مانع من الصلاة عليه، ولهذا قال الصدوق (قدس سره) في ما تقدم نقله عنه: فان حصل في الطين والماء واضطر إلى الصلاة فانه يصلي ايماء... الخ. وعطف الماء عليه (2) لانه فرد آخر لا يتيسر الصلاة فيه إلا كذلك كما سيأتي ان شاء الله تعالى. والظاهر ان النهي هنا محمول على التحريم ان استلزم الصلاة ثمة منع شئ من واجبات الصلاة كالاستقرار في السجود ونحوه وإلا كره لما رواه عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " انه سأله عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو ؟ قال إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الارض ".
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 122 (2) كذا في النسخ والذي نقله عن الصدوق في ما سبق ص 198 انما اشتمل على عطف الطين على الماء على عكس قوله هنا وكذا في ما يأتي منه ايضا ص 208 من نقله كما ذكرنا من عطف الطين على الماء. والله العالم. (3) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى
[ 207 ]
فلو اضطر إلى الصلاة فيه اومأ كما ذكره الاصحاب، ويدل عليه موثقة عمار ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيبه المطر وهو في موضع لا يقدر ان يسجد فيه من الطين ولا يجد موضعا جافا ؟ قال يفتتح الصلاة فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى فإذا رفع رأسه من الركوع فليومئ بالسجود ايماء وهو قائم يفعل ذلك حتى يفرع من الصلاة ويتشهد وهو قائم ثم يسلم ". واطلاق الخبر وكذا اطلاق جملة من عبارات الاصحاب يدل على عدم وجوب الجلوس للسجود في الحال المذكورة وان امكن، واوجب شيخنا الشهيد الثاني الجلوس وتقريب الجبهة من الارض بحسب الممكن، وبعض آخر بعد رد الرواية بضعف السند بناء على الاصطلاح المحدث قال بان وجوب الجلوس والاتيان بالممكن من السجود هو الاولى استنادا إلى انه لا يسقط الميسور بالمعسور (2). وفيه ان وجوب الانحناء انما هو من باب المقدمة فوجوبه تابع لوجوب السجود الذي هو ذو المقدمة فمتى سقط وجوب ذي المقدمة سقط وجوبها. واما حديث " لا يسقط الميسور بالمعسور " فمع تسليم صحته لا يشمل ما نحن فيه إلا على تقدير كون وجوب الانحناء مستقلا ليس مترتبا على السجود والحال ان الامر ليس كذلك. واما ضعف الخبر فمجبور بالشهرة والامران اصطلاحيان فلا معنى للعمل باحدهما وترك الآخر. ومنها - الماء ويدل على المنع من الصلاة فيه زيادة على خبر عبد الله بن الفضل المتقدم ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يخوض الماء فتدركه الصلاة ؟ فقال ان كان في حرب فانه يجزئه الايماء وان كان تاجرا فليقم ولا يدخله حتى يصلي ". وعن اسماعيل بن جابر في الصحيح (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام)
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى (2) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على " ع "
[ 208 ]
وقد سأله انسان عن الرجل تدركه الصلاة وهو في ماء يخوضه لا يقدر على الارض ؟ فقال ان كان في حرب أو في سبيل من سبيل الله فليومئ ايماء وان كان في تجارة فلم يك ينبغي له ان يخوض الماء حتى يصلي قال: قلت وكيف يصنع ؟ قال يقضيها إذا خرج من الماء وقد ضيع ". وملخص ما اشتمل عليه الخبران انه ان كان الصلاة في الماء من حيث الضرورة كالحرب والخوف ونحو ذلك فليصل فيه ايماء وإلا فلا يجوز له الصلاة فيه. فلو صلى فيه والحال كذلك وجب القضاء لنقصان الصلاة فيه بالايماء فلا تجزى اختيارا. واما الايماء المذكور في الخبرين فينبغي تقييده بعدم امكان ما ينوب الايماء منابه فالايماء عن الركوع انما يكون مع تعذره وإلا فانه يركع وهكذا في السجود. ومن الظاهر في هذا الموضع وسابقه ان السجود متعذر فيومئ له كما تقدم، واما الركوع فهو مبني على ما ذكرناه ايضا من الامكان وعدمه. واما ما تقدم في كلام الصدوق في صدر المسألة من قول في الخصال: " فان حصل في الماء والطين واضطر إلى الصلاة فيه فانه يصلى ايماء ويكون سجوده اخفض من ركوعه " فهو مبني على تعذر الركوع والسجود معا وإلا فلو تمكن من الرجوع وجب كما تقدم في موثقة عمار في سابق هذا الموضع. ومنها - مسان الطريق قال في القاموس: سنن الطريق مثلثة وبضمتين نهجه وجهته ومنه مسان الطريق. وقال في المغرب سنن الطريق معظمه ووسطه. ولعل المراد بالطريق الجادة أو العظيمة ولهذا وقع التفسير بالجادة في كلام جملة من الاصحاب. والمشهور كراهة الصلاة فيها ونقل الاصحاب عن ظاهر الصدوق والشيخ المفيد التحريم، وكأنه نظرا إلى تعبيرهما بعد الجواز في هذا المقام، وهو وان كان ظاهرا في ذلك إلا انه قابل للحمل على تشديد الكراهة والتعبير بذلك مبالغة كما يقع مثله في الاخبار.
[ 209 ]
ومن اخبار المسألة صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفر ؟ فقال لا تصل على الجادة واعتزل على جانبيها ". وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الصلاة في ظهر الطريق ؟ فقال لا بأس بان تصلى في الظواهر التي بين الجواد واما على الجواد فلا تصل فيها ". وصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان يصلى بين الظواهر وهي الجواد جواد الطريق ويكره ان يصلى في الجواد ". وموثقة الحسن بن الجهم عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " كل طريق يوطأ فلا تصل عليه ". ورواية محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " كل طريق يوطأ ويتطرق كانت فيه جادة أو لم تكن فلا ينبغي الصلاة فيه ". ومن هذين الخبرين يعلم تعميم الحكم للطريق مطلقا وان لم يكن جادة، ومنهم من خص الحكم بالجواد وهي العظمى من الطرق التي يكثر سلوكها. وانت خبير بانه لو لا اعتضاده القول بالكراهة بالشهرة بين الاصحاب لكان القول بما نسب إلى الصدوق والمفيد من التحريم في غاية القوة، فان جل الاخبار مصرحة بالنهي الذي هو حقيقة في التحريم، وغاية ما ربما يتمسك به للقول بالكراهة قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار: " ويكره ان يصلى في الجواد " وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضيل: " فلا ينبغي " وورود هذين اللفظين بمعنى التحريم في الاخبار اكثر كثير كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع. ثم الظاهر انه لا فرق في الكراهة بين ان تكون الطريق مشغولة بالمارة وقت الصلاة ام لا لعموم الاخبار، واما لو استلزمت الصلاة تعطيل المارة ومنعهم عن المرور
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 19 من مكان المصلى
[ 210 ]
فلا ريب في التحريم في ظاهر الاصحاب بل الظاهر انه لا خلاف فيه، وقد صرح جملة منهم بفساد الصلاة ايضا والظاهر ان وجهه عندهم من حيث ان الطريق ملك للمسلمين يتطرقون فيها فالتصرف فيها على وجه يوجب رفع حقهم محرم البتة. بقى الكلام هنا في الحكم بفساد العبادة وهو بناء على المشهور من حمل النهي على الكراهة لا يخلو من اشكال، نعم لو قلنا بظاهر ما دلت عليه هذه الاخبار من حمل النهي فيها على التحريم اتجه الامران معا لزم من ذلك تعطيل المارة ام لا. هذا كله في الطرق النافدة اما الطرق المرفوعة فلا اشكال في التحريم فيه لانها ملك لارباب البيوت التي تنفذ إليها. ومنها - السبخة بفتح الباء وإذا كانت نعتا للارض كقولك " الارض السبخة " فهي بكسر الباء كذا نقل عن الخليل في كتاب العين، وقال في الروض بعد قول المصنف " وارض السبخة " ما صورته: بفتح الباء واحدة السباخ وهو الشئ الذي يعلو الارض كالملح ويجوز كون السبخة بكسر الباء وهي الارض ذات السباخ فتكون اضافة الارض إليها من باب اضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع والظاهر ان ما ذكره الخليل اقرب ومن الاخبار في ذلك زيادة على الخبر المتقدم في صدر المسألة موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في السبخة لم تكرهه ؟ قال لان الجبهة لا تقع مستوية. فقلت ان كان فيها ارض مستوية ؟ فقال لا بأس ". وموثقة سماعة (2) قال: " سألته عن الصلاة في السباخ فقال لا بأس " وصحيحة الحلبي (3) وفيها " قال وكره الصلاة في السبخة إلا ان يكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستوية ". وروى في العلل عن داود بن الحصين بن السري (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) لم حرم الله تعالى الصلاة في السبخة ؟ قال لان الجبهة لا تتمكن عليها ". وحملها الاصحاب على الكراهة جمعا، وقد تقدم في الموضع الرابع نقل روايتي
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من مكان المصلى
[ 211 ]
المحاسن والعياشي المتضمنتين لانه لا يصلى في ارض السبخة. وروى في كتاب المحاسن عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن السبخة أيصلي الرجل فيها ؟ فقال انما تكره الصلاة فيها من اجل انهافتك ولا يتمكن الرجل يضع وجهه كما يريد. قلت أرأيت ان هو وضع وجهه متمكنا ؟ فقال حسن " والظاهر ان قوله " فتك " من التفتيك وهو كناية عن كونها رخوة نشاشة لا تستقر الجبهة عليها. قال في القاموس: تفتيك القطن تفتيته. انتهى. والمشهور بين الاصحاب هو الكراهة وظاهر الصدوق في كتاب العلل التحريم حيث قال: " باب العلة التي من اجلها لا تجوز الصلاة في السبخة " وظاهر كلامه المتقدم نقله عن الخصال تخصيص التحريم بالنبي والامام، وظاهر هذه الاخبار ان العلة في الكراهة هو عدم حصول كمال التمكن للجبهة في الوقوع على الارض من حيث رخاوتها ومع حصول كمال التمكن بكسر الموضع وتسويته أو بان توجد ارض كذلك فلا كراهة وعلى ذلك يحمل اطلاق موثقة سماعة. ومنها - الثلج وقد تقدم عده في خبر عبد الله بن الفضل، والظاهر ان النهي عن الصلاة عليه هنا محمول على التحريم لان الثلج ليس بارض حتى يجوز السجود عليه مع وجود الارض ومع عدم التمكن من الارض فلا اشكال في جواز السجود عليه مع الضرورة إلا ان يحمل على الصلاة عليه مع السجود على شئ آخر فلا ينافي الكراهة. ومن الاخبار الواردة في المقام رواية داود الصرمي (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) قلت اني اخرج في هذا الوجه وربما لم يكن موضع اصلي فيه من الثلج ؟ فقال ان امكنك ان لا تسجد على الثلج فلا تسجد وان لم يمكنك فسوه واسجد عليه ". ورواية منصور عن غير واحد من اصحابنا (3) قال: " قلت لابي جعفر (عليه
(1) الوسائل الباب 20 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 28 من مكان المصلى (3) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه
[ 212 ]
السلام) انا نكون بارض باردة يكون فيها الثلج افنسجد عليه ؟ فقال لا ولكن اجعل بينك وبينه شيئا قطنا أو كتانا ". وصحيحة معمر بن خلاد (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن السجود على الثلج ؟ فقال لا تسجد على السبخة ولا على الثلج ". وموثقة عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على الثلج ؟ قال لا فان لم يقدر على الارض بسط ثوبه وصلى عليه ". اقول: الظاهر من موثقة عمار هو كراهة الصلاة على الثلج بمعنى القيام عليه في الصلاة اعم من ان يكون السجود عليه أو على غيره، وباقي الاخبار قد اشتركت في النهى عن السجود عليه وانه مع عدم وجود الارض يسجد على القطن أو الكتان أو ثوب من غيرهما وانه لا يسجد على الثلج إلا مع تعذر الثوب ونحوه. ويمكن حمل السجود في هذه الاخبار سؤالا وجوابا على الصلاة، ويؤيد السؤال عن الصلاة في رواية الصرمي ووقوع الجواب بلفظ السجود، وحينئذ فالامر بجعل شئ بينه وبينه في مرسلة منصور وقع على نحو الامر يبسط الثوب عليه مع تعذر الارض في رواية عمار، وعلى هذا فلا تعرض فيها للسجود بمعنى وضع الجبهة بالكلية. وعندي ان هذا الوجه اقرب إذ لا بعد فيه إلا من حيث التجوز باطلاق السجود على الصلاة، ونظائره في الاخبار اكثر كثير ولا سيما اخبار " جعلت لي الارض مسجدا... " (3) اي مصلى، وغيرها. ومنها - مواضع بين الحرمين: (احدهما) البيداء وهي على ميل من ذي الحليفة مما يلي مكة وانما سميت بذلك لانها تبيد جيش السفياني ومن ذلك ايضا سميت ذات الجيش ويدل على ذلك من الاخبار صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " الصلاة تكره في ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء وهي ذات
(1) و (2) الوسائل الباب 28 من مكان المصلى (3) الوسائل الباب 7 من التيمم (4) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى
[ 213 ]
الجيش وذات الصلاصل وضجنان. وقال لا بأس ان يصلى بين الظواهر وهي الجواد جواد الطريق ويكره ان يصلى في الجواد ". وصحيحة ابن ابي نصر (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) انا كنا في البيداء في آخر الليل فتوضأت واستكت وانا اهم بالصلاة ثم كأنه دخل قلبي شئ فهل نصلي في البيداء في المحمل ؟ فقال لا تصل في البيداء. قلت فاين حد البيداء ؟ فقال كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا بلغ ذات الجيش جد في السير ولا يصلى حتى يأتي معرس النبي (صلى الله عليه وآله). قلت واين ذات الجيش ؟ قال دون الحفيرة بثلاثة اميال ". وصحيحة ايوب بن نوح عن ابي الحسن الاخير (عليه السلام) (2) قال: " قلت له تحضر الصلاة والرجل بالبيداء ؟ فقال يتنحى عن الجواد يمنة ويسرة ويصلى ". وصحيحة علي بن مهزيار (3) " انه سأل ابا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يسير في البيداء فتدركه صلاة فريضة فلا يخرج من البيداء حتى يخرج وقتها كيف يصنع بالصلاة وقد نهى ان يصلي في البيداء ؟ فقال يصلي فيها ويجتنب قارعة الطريق " ومن هذين الخبرين يعلم حمل النهي في الخبرين الاولين على الكراهة. قال ابن ادريس في تعداد ما يكره فيه الصلاة: والبيداء لانها ارض خسف على ما روى في بعض الاخبار ان جيش السفياني يأتي إليها قاصدا مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) فيخسف الله تعالى به تلك الارض، وبينها وبين ميقات اهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ميل واحد وهو ثلث فرسخ فحسب، قال وكذلك يكره الصلاة في كل ارض خسف ولهذا كره أمير المؤمنين (عليه السلام) الصلاة في ارض بابل. انتهى. و (ثانيها) - ذات الصلاصل جمع صلصال، قال ابن ادريس هي الارض التي لها صوت ودوي. وبذلك فسرها العلامة في المنتهى. وقيل انه الطين الحر المخلوط بالرمل فصار
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى
[ 214 ]
يتصلصل إذا جف اي يصوت. وبه فسره الشهيد (قدس سره) ونقله الجوهري عن ابي عبيدة ونحوه كلام القاموس. اقول: ان كان المراد من هذه التفسيرات في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) هو دوران الحكم بالكراهة مدارها فهو مشكل لان المفهوم من صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة ان هذا الاسم لموضع مخصوص كالاسمين الآخرين المذكورين معه في هذا الطريق بين الحرمين إلا اني لم اقف على تعيينه في الاخبار ولا كلام احد من اصحابنا الابرار. و (ثالثها) وادى الشقرة لما رواه في الفقيه (1) مرسلا قال: " روى انه لا يصلى في البيداء ولا ذات الصلاصل ولا في وادي الشقرة ولا في وادي ضجنان ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا يصلى في وادي الشقرة " ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد مثله (3). قال ابن ادريس: تكره الصلاة في وادي الشقرة بفتح الشين وكسر القاف واحد الشقر موضع بعينه مخصوص سواء كان فيه شقائق النعمان أو لم يكن، وليس كل واد يكون فيه شقائق النعمان تكره فيه الصلاة بل في الموضع المخصوص فحسب وهو بطريق مكة لان اصحابنا قالوا تكره الصلاة في طريق مكة باربعة مواضع من جملتها وادي الشقرة وقال العلامة في المنتهى: الشقرة بفتح الشين وكسر القاف واحد الشقر وهو شقائق النعمان وكل موضع فيه ذلك تكره الصلاة فيه، وقيل وادي الشقرة موضع مخصوص بطريق مكة ذكره ابن ادريس. والاقرب الاول لما فيه من اشتغال القلب بالنظر إليها. وقيل هذه مواضع خسف فتكره الصلاة فيها لذلك. انتهى. اقول: بل الاقرب ما ذكره ابن
(1) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 24 من مكان المصلى
[ 215 ]
ادريس لما رواه البرقي في كتاب المحاسن بسنده عن عمار الساباطي (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تصل في وادي الشقرة فان فيه منازل الجن " وقال في كتاب مجمع البحرين: في الحديث " نهى عن الصلاة في وادي شقرة " هو بضم الشين وسكون القاف وقيل بفتح الشين وكسر القاف موضع معروف في طريق مكة، قيل انه والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف وانها من المواضع المغضوب عليها. انتهى. اقول: بل الاظهر في وجه الكراهة هو ما ذكره (عليه السلام) في حديث عمار المذكور. و (رابعها) - وادى ضجنان وضبطه بعضهم بالضاد المعجمة المفتوحة والجيم الساكنة اسم جبل بناحية مكة. اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك - ومنها يعلم وجه الكراهة - ما رواه في كتاب بصائر الدرجات بسند صحيح عن علي بن المغيرة (2) قال: " نزل أبو جعفر (عليه السلام) في وادي ضجنان، وذكر حديثا يقول في آخره وانه ليقال انه واد من اودية جهنم ". وروى في كتاب الخرائج والجرائح عن علي بن المغيرة (3) قال: " نزل أبو جعفر (عليه السلام) بوادي ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرات: " لا غفر الله لك " فقال له ابي لمن تقول جعلت فداك ؟ قال مر بي الشامي " لعنه الله " يجر سلسلته التي في عنقه وقد دلع لسانه يسألني ان استغفر له فقلت له لا غفر الله لك ". وعن عبد الله القمي عن اخيه (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول بينا انا وابي متوجهين إلى مكة فتقدم ابي في موضع يقال له ضجنان إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرها فاقبل علي فقال اسقني فسمعه ابي فصاح بي وقال لا تسقه لا سقاه
(1) الوسائل الباب 24 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى (3) و (4) ص 134
[ 216 ]
الله فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته وطرحه على وجهه في اسفل درك من النار فقال ابي هذا الشامي لعنه الله ". اقول: والمراد بالشامي في الخبرين المذكورين هو معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقة (1). ومنها - القبور والمراد الصلاة عليها أو إليها أو بينها، والمشهور بين الاصحاب الكراهة في الجميع، وعن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قال لا يجوز الصلاة إلى شئ من القبور حتى يكون بين الانسان وبينه حائل ولو قدر لبنة أو عنزة منصوبة أو ثوب موضوع، ثم قال وقد روى انه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر امام. امام والاصل ما قدمناه ونقل ونقل في المنتهى عن الصدوق ايضا القول بما ذهب إليه المفيد، والظاهر انه اشارة إلى ما ذكره في الفقيه حيث قال: واما القبور فلا يجوز ان تتخذ قبلة ولا مسجدا ولا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يتخذ شئ منها قبلة. انتهى. ونقل عن ابي الصلاح ايضا القول بالتحريم وانما تردد في الابطال وها انا اولا اذكر الاخبار المتعلقة بالمسألة ثم اعطف الكلام على تحقيق المقام بما ظهر لي من اخبارهم (عليهم السلام): فمنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصلي بين القبور ؟ قال لا يجوز ذلك إلا ان يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة اذرع من بين يديه وعشرة اذرع من خلفه وعشرة اذرع عن يمينه وعشرة اذرع عن يساره ثم يصلي ان شاء ". وعن علي بن يقطين (3) قال: " سألت ابا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الصلاة بين القبور هل تصلح ؟ قال لا بأس ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) انه سأله عن الصلاة بين القبور هل تصلح ؟ قال لا بأس به ".
(1) الآية 32 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 25 من مكان المصلى
[ 217 ]
وعن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي (1) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تجصص المقابر ويصلى فيها، ونهى ان يصلى الرجل في المقابر والطرق... الحديث ". وفي حديث يونس بن ظبيان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى ان يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن عبد الله الحميري (3) قال: " كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) اسأله عن الرجل يزور قبور الائمة (عليهم السلام) هل يجوز ان يسجد على القبر ام لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم (عليهم السلام) ان يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز ان يتقدم القبر ويصلى ويجعله خلفه ام لا ؟ فأجاب - وقرأت التوقيع ومنه نسخت - اما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة بل يضع خده الايمن على القبر، واما الصلاة فانها خلفه يجعله الامام ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله " وما رواه في الفقيه (4) مرسلا قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فان الله عزوجل لعن اليهود لانهم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ". وما رواه في التهذيب عن معمر بن خلاد في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة ". ومنها - صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: " قلت له الصلاة بين القبور ؟ قال صل في خلالها ولا تتخذ شيئا منها قبلة فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك وقال لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فان الله تعالى لعن الذين اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ".
(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 25 من مكان المصلى (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 26 من مكان المصلى
[ 218 ]
ورواية ابي اليسع المنقولة في الامالي (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا اسمع قال إذا اتيت قبر الحسين (عليه السلام) اجعله قبلة إذا صليت ؟ قال تنح هكذا ناحية " وروى بهذا المضمون خبرا آخر معه. وما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الحميري (2) " انه كتب إلى الامام القائم (عليه السلام) يسأله انه هل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم (عليهم السلام) ان يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ام يقوم عند رأسه أو رجليه ؟ وهل يجوز ان يتقدم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) اما الصلاة فانها خلفه ويجعل القبر امامه ولا يجوز ان يصلى بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لان الامام لا يتقدم ولا يساوى ". وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار في الموثق عن الحسن بن علي بن فضال (3) قال: " رأيت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) وهو يريد ان يودع للخروج إلى العمرة فاتى القبر من موضع رأس النبي (صلى الله عليه وآله) بعد المغرب فسلم على النبي (صلى الله عليه وآله) ولزق بالقبر ثم انصرف حتى اتى القبر فقام إلى جانبه يصلى فالزق منكبه الايسر بالقبر قريبا من الاسطوانة التي دون الاسطوانة المخلفة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى ست ركعات ". وروى جعفر بن محمد بن قولويه في كتاب كامل الزيارات عن محمد بن البصري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث زيارة الحسين (ع) قال: " من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله لقي الله تعالى يوم يلقاه وعليه من النور ما يغشى له كل شئ يراه... الحديث " وعن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل (5) قال: " اتاه رجل فقال له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هل يزار والدك ؟ قال نعم
(1) الوسائل الباب 69 من المزار (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 16 من مكان المصلى
[ 219 ]
ويصلى عنده. وقال يصلى خلفه ولا يتقدم عليه ".
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مقامين:
(الاول) في حكم قبر الامام (عليه السلام) والصلاة عنده اما بالتقدم عليه أو المساواة له بان يكون مما يلي رأسه أو رجليه واما مع التأخر عنه، فهذه مواضع ثلاثة لابد فيها من تنقيح الكلام بما يدفع عنها غشاوة الابهام وتوضيحها من اخبارهم (عليهم السلام):
(الاول) - في حكم التقدم على القبر الشريف، اعلم ان ظاهر المشهور في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) هو الجواز على كراهة، وممن صرح بذلك الشهيد في الدروس فقال: ولو استدبر القبر وصلى جاز وان كان غير مستحسن إلا مع البعد. وقال العلامة في المنتهى بعد نقله صحيحة الحميري المتقدمة برواية الشيخ في التهذيب: واعلم ان المراد بقوله " لا يجوز ان يصلى بين يديه " الكراهة لا التحريم، ويفهم من ذلك كراهة الاستدبار له في غير الصلاة. انتهى. وظاهره عدم المخالف في الحكم المذكور وإلا لذكره كما هي عادتهم في الكتب الاستدلالية. وهو الظاهر ايضا من كلام المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد حيث قال - بعد البحث عن حكم الصلاة إلى القبور ونقل صحيحة الحميري في الرد على مذهب الشيخ المفيد (قدس سره) - ما صورته: فالقول بالكراهة غير بعيد في قبر غير المعصوم إلا ان يجعل القبر خلفه فانه يكره حينئذ لما مر. انتهى. وملخصه اختيار كراهية الصلاة إلى سائر القبور غير قبر المعصوم فانه يجوز الصلاة إليه من غير كراهة للصحيحة المذكورة إلا ان يجعل قبر المعصوم خلفه فانه تحصل الكراهة للرواية المذكورة. وهو الظاهر ايضا من كلام المحدث الكاشاني في المفاتيح حيث قال: ويكره ان يصلي بين المقابر إلا مع بعد عشر اذرع، إلى ان قال في سياق الكراهة وان يستدبر لقبره (عليه السلام) بل التقدم على ضريحه المقدس مطلقا كما في الصحيح بل لا يبعد تحريمه لظاهر النهي. وهو ظاهر المحقق ايضا في المعتبر كما ستقف عليه قريبا حيث طعن في الصحيحة المذكورة وردها باشنع رد.
[ 220 ]
وبالجلمة فاني لم اقف على من قال بالتحريم عملا بظاهر الصحيحة المذكورة سوى شيخنا البهائي (قدس سره) في ما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى في كلامه ثم اقتفاه جمع ممن تأخر عنه: منهم - شيخنا المجلسي، وهو الاقرب عندي إذ لا معارض للخبر المذكور بل في الاخبار ما يؤيده مثل حديث هشام بن سالم المتقدم نقله عن كتاب كامل الزيارات حيث قال فيه: " يصلى خلفه ولا يتقدم عليه " والاستناد إلى الاصل في مقابلة الخبر المذكور خروج عن مقتضى اصولهم وقواعدهم فان الخبر صحيح صريح، ومن قواعدهم الخروج عن ذلك الاصل بالخبر الصحيح الصريح. ولا اعرف لهم مستندا في رد الخبر وتأويله بالحمل على الكراهة إلا التمسك بالاصل وقد عرفت ما فيه، أو عدم القول بذلك من المتقدمين كما هو احد اصولهم. ولا يخفى وهنه كما تقدم ايضاحه في مقدمات الكتاب. ولو اقتصروا على اقوال المتقدمين لما انتشر بينهم الخلاف في المسائل الشرعية والاحكام الفرعية إلى ما هو عليه الآن كما لا يخفى على الفطن البصير ولا ينبئك مثل خبير.
(الموضع الثاني) - في حكم المحاذاة، قد عرفت من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الموضع الاول القول بجواز التقدم فالمحاذاة بطريق اولى، وقد تقدمت صحيحة الحميري الصريحة في جواز المحاذاة. ويدل على ذلك جملة من الاخبار الدالة على استحباب الصلاة عند الرأس، ففي خبر جعفر بن ناجية عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " صل عند رأس قبر الحسين عليه السلام " وفي رواية ابي حمزة الثمالي عن الصادق (عليه السلام) (2) " ثم تدور من خلفه إلى عند رأس الحسين (عليه السلام) وصل عند رأسه ركعتين تقرأ في الاولى... إلى ان قال وان شئت صليت خلف القبر وعند رأسه افضل " وفي رواية صفوان
(1) الوسائل الباب 69 من المزار (2) البحار ج 22 ص 154
[ 221 ]
عن الصادق (عليه السلام) (1) " ثم قم فصل ركعتين عند الرأس " وفي رواية اخرى لصفوان عن الصادق (عليه السلام) (2) " ثم صل عند الرأس ركعتين " إلى غير ذلك من الاخبار. وبذلك صرح ايضا جملة من علمائنا الاعلام اعلى الله درجاتهم في دار السلام: منهم - الصدوق في الفقيه (3) حيث قال في زيارة الامامين الكاظمين (عليهما السلام): ثم صل في القبة التي فيها محمد بن علي (عليهما السلام) اربع ركعات بتسليمتين عند رأسه: ركعتين لزيارة موسى (عليه السلام) وركعتين لزيارة محمد بن علي (عليه السلام). وقال في زيارة الرضا (عليه السلام) نحوه (4) وقال شيخنا الشهيد في الدروس في تعداد آداب الزيارة: وسادسها صلاة ركعتين للزيارة عند الفراغ وان كان زائرا للنبي (صلى الله عليه وآله) ففي الروضة وان كان لاحد الائمة (عليهم السلام) فعند رأسه. ونحوه في الذكرى. وبه صرح ايضا الشيخ المفيد (قدس سره) حيث حرم الصلاة خلف القبر كما تقدم في عبارته، ثم قال: ويصلي الزائر مما يلي رأس الامام (عليه السلام) فهو افضل من ان يصلي إلى القبر من غير حائل بينه وبينه على حال. وقال ايضا في زيارة الحسين (عليه السلام): وصل عند الرأس ركعتين للزيارة وصل بعدهما ما بدا لك. وقال في زيارة الرضا (عليه السلام) مثله. وانت خبير بان المتبادر من كونها عند الرأس هو القيام بحذاء الرأس كما وقع نظيره في الاخبار من استحباب الجلوس عند الرأس والدعاء عنده أو يقف عند الرأس ويقول كذا وكذا، فان المتبادر من هذه العندية في جميع هذه المواضع هو المحاذاة للرأس من غير تقدم ولا تأخر. ولو زعم زاعم - ان العندية اعم من المساواة أو التقدم قليلا والتأخر قليلا - قلنا مع تسليمه يكفينا في الدلالة على ما ندعيه العموم مع ظهور كونه
(1) البحار ج 22 ص 159 (2) البحار ج 22 ص 179 (3) ج 2 ص 363 (4) ج 2 ص 367
[ 222 ]
اظهر افراد العام. وبالجملة فان جل الاخبار وجملة كلام الاصحاب متفق على جواز ذلك إلى ان نشأ في ايامنا هذه بعض من لم يعض على العلم بضرس قاطع ولم يعط التأمل حقه في امثال هذه المواضع ويرتاع بادنى شبهة تعرض لباله ويضعف عن ردها بفكره وخياله، فحكم بتحريم الصلاة مع محاذاة قبر المعصوم (عليه السلام) حيث رأى حديث الاحتجاج المتقدم والجواب عنه (اولا) المعارضة بما هو اوضح سندا واكثر عددا من الاخبار الدالة على استحباب الصلاة عند الرأس دون الخلف الذي اشتملت عليه هذه الرواية إذ المتبادر من الخلفية هو جعل القبر قبلة للمصلي فتكون هذه الرواية منافية للروايات المتقدمة مع تسليم ما ادعاه الخصم ايضا من الشمول للتقدم والتأخر قليلا، وكذلك الروايات المتقدمة المانعة من الصلاة خلف القبر، والترجيح لجملة هذه الروايات لما هي عليه من الكثرة والاستفاضة والاعتضاد بعمل الطائفة قديما وحديثا كما عرفت وستعرف. و (ثانيا) انها معارضة بخصوص صحيحة الحميري المذكورة المنقولة في التهذيب وموثقة الحسن بن علي بن فضال المنقولة من عيون الاخبار المشتملة على ان الرضا (عليه السلام) قام إلى جانب قبر جده (صلى الله عليه وآله) ولزق منكبه الايسر بالقبر يعني عند رأسه (صلى الله عليه وآله) وهي ظاهرة في المساواة، وصحيحة الحميري كما عرفت صريحة في ذلك. وبذلك صرح شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين حيث قال بعد نقل خبر الحميري المذكور بتمامه: هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع الجبهة على قبر الامام، إلى ان قال وعدم جواز التقدم على الضريح المقدس حال الصلاة لان قوله (عليه السلام) " يجعله الامام " صريح في جعل القبر بمنزلة الامام في الصلاة فكما انه لا يجوز للمأموم ان يتقدم على الامام بان يكون موقفه اقرب إلى القبلة من موقف الامام بل يجب ان يتأخر عنه أو يساويه في الموقف يمينا أو شمالا فكذا هنا، وهذا هو المراد
[ 223 ]
هنا بقوله (عليه السلام) " ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله " والحاصل ان المستفاد من هذا الحديث ان كل ما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الامام أو المساواة أو تحريم التقدم عليه ثابت للمصلي بالنسبة إلى الضريح المقدس من غير فرق فينبغي لمن يصلى عند رأس الامام (عليه السلام) أو عند رجليه ان يلاحظ ذلك. وقد نبهت على ذلك جماعة من اخواني المؤمنين في المشهد الرضوي على مشرفه السلام فانهم كانوا يصلون في الصفة التي عند رأسه (عليه السلام) صفين فبينت لهم ان الصف الاول اقرب إلى القبلة من الضريح المقدس على صاحبه السلام، وهذا مما ينبغى ملاحظته للمصلي في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) وكذا في سائر المشاهد المقدسة على ساكنيها افضل التسليمات. انتهى كلامه (اعلى الله في الخلد مقامه) وهو ظاهر الجودة والرشاقة لمن رغب لتحقيق الحق واشتاقه ولم تأخذه في التعصب على الباطل حمية الجاهلية والحماقة. وما ذكره بعض المتحذلقين ممن حكينا عنهم الخلاف في هذه المسألة - من احتمال عطف " ويصلى " في الخبر المذكور على قوله " ولا يجوز ان يصلي " أو قوله " لا يتقدم " - فهو تعسف ظاهر عند ذوى الافهام بل هو مما ينزه عنه كلام الامام الذي هو امام الكلام، إذ لا يخفى على من مضغ ثلج البلاغة والفصاحة ومن سرح بريد نظره في تلك الساحة ان المتبادر من قول القائل " ما جاء زيد وجاءني عمر " هو نفي المجئ عن زيد مع اثباته لعمرو لا نفيه عنه، ومتى اريد نفيه عنه اعيد حرف النفي فقيل " ما جاءني زيد ولا عمرو " حسبما وقع في الخبر الذي استندوا إليه. وكيف كان فلا ريب في ترجيح خبر التهذيب بصحة السند اولا، وثانيا انه لا خلاف بين المحققين في ترجيح اخبار الكتب الاربعة المشهورة على غيرها بل المشهور عندهم عدم العمل بغير اخبار الكتب الاربعة لشهرتها ومعلوميتها ونحو ذلك مما ذكروه وان كنا لا نعتمده، إلا انه في مقام التعارض بين ما فيها وفى غيرها فالترجيح لما فيها
[ 224 ]
البتة ولا سيما مع صحة السند وضعف المعارض، فيتعين العمل بالرواية المذكورة وارجاء الرواية المقابلة إلى قائلها. ومع غض الطرف عن جميع ذلك قلنا ان نقول ان هذين الخبرين قد تعارضا فتساقطا فرجعنا إلى قضية الاصل. ولا ريب ان الاصل صحة الصلاة حتى يقوم دليل الابطال وليس فليس. والعجب من هؤلاء المتحذلقين انهم في جميع الاحكام متى تعارضت الاخبار جمعوا بينها بالكراهة والاستحباب كما هي القاعدة المطردة عند الاصحاب فكيف غفلوا عن ذلك في هذا المقام ؟
(الموضع الثالث) - في حكم التأخر خلف القبر، والمشهور بين الاصحاب الجواز على كراهة قبر امام كان أو غيره، وقد تقدم نقل القول بالتحريم عن الصدوق والمفيد وابي الصلاح، وهو ظاهر المحقق في المعتبر ايضا حيث انه - بعد ان نقل موثقة عمار ورواية معمر بن خلاد الدالتين على النهي عن الصلاة خلف القبر مطلقا، ثم نقل كلام المفيد المتقدم وقوله فيه " وقد روى انه لا بأس... الخ " - قال ولا ريب ان اطراحه هذه الرواية لضعفها وشذوذها واضطراب لفظها. انتهى. وهو - كما ترى - ظاهر في موافقة الشيخ المفيد في ما ذهب إليه من التحريم خلف القبور مطلقا للروايتين المذكورتين في كلامه وتصويب الشيخ المفيد (قدس سره) في رد صحيحة الحميري الدالة على الامر بالصلاة خلف الامام (عليه السلام). ومنشأ هذا الاختلاف هو ما عرفت من الاخبار في المقام، فمما يدل على القول بالتحريم ما لم يحصل الفاصل أو البعد المذكور في موثقة عمار صحيحة معمر بن خلاد وموثقة عمار ورواية ابي اليسع وصحيحة زرارة ومرسلة الفقيه المتقدم جميع ذلك إلا ان بازائها ما يدل على الجواز كصحيحة علي بن يقطين وصحيحة على بن جعفر وصحيحة الحميري ورواية الاحتجاج وغيرها مما تقدم جميعه. والاصحاب قد جمعوا بين الجميع بحمل اخبار النهي على الكراهة حيث ان الافضل - كما تقدم ذكره - هو الصلاة عند الرأس، ويشير إلى ذلك قوله (عليه السلام)
[ 225 ]
في رواية الثمالي المتقدمة في الموضع الثاني: " وان شئت صليت خلفه وعند رأسه افضل " نعم اجراء هذا الحمل في صحيحة زرارة ومرسلة الفقيه لا يخلو من بعد، ولهذا احتمل بعض مشايخنا في معناهما ان المراد انه لا يجوز ان يجعل قبره (صلى الله عليه وآله) قبلة يعني مثل الكعبة يصلى إليها من كل جهة ولا مسجدا يعني السجود على القبر. والظاهر عندي بعده ولا سيما في الصحيحة المذكورة لان هذا الكلام وقع تعليلا للنهي عن اتخاذ شئ من القبور قبلة وانما يصلى خلالها يعني من غير ان يجعل شيئا منها قبلة، ومن الظاهر البين ان المراد من هذا الكلام انما هو النهي عن الصلاة خلفها لا استقبالها من جميع الجهات فلو حمل الكلام الذي وقع تعليلا على ما ذكروه لم يصلح للتعليل مع انه مسوق له نعم يمكن حمل الخبرين المذكورين على التقية لان العامة قد رووا نحوه عنه (صلى الله عليه وآله) (1) كما نقله العلامة في المنتهى، مع امكان حمل الخبرين على التخصيص به (صلى الله عليه وآله) دون سائر قبور الائمة المعصومين (عليهم السلام) كما يؤذن به التعليل الذي في الخبر من التشبه باليهود. وبالجملة فالظاهر عندي هو جواز الصلاة خلف قبورهم (عليهم السلام) وان كان على كراهية، قال السيد السند في المدارك - بعد ان نقل كلام الشيخ المفيد (قدس سره) وبين ان اشار بالرواية إلى صحيحة الحميري المتقدمة - ما صورته: ولا بأس بالعمل بهذه الرواية لصحتها ومطابقتها لمقتضى الاصل والعمومات. وذكر المصنف في المعتبر انها ضعيفة شاذة. وهو غير واضح. انتهى.
(المقام الثاني) - في حكم سائر القبور، والمشهور بين الاصحاب - كما عرفت - الحكم بالجواز على كراهة، وتقدم ايضا مذهب المشايخ القائلين بالتحريم. واما الاخبار المتعلقة بذلك فقد عرفت دلالة صحيحة زرارة على جواز الصلاة خلال القبور والمنع من اتخاذها قبلة ومثلها صحيحة معمر بن خلاد، والاصحاب قد حملوهما على الكراهة جمعا
(1) صحيح مسلم ج 5 ص 12
[ 226 ]
بينهما وبين صحيحتي علي بن يقطن وعلي بن جعفر الدالتين على جواز الصلاة بين القبور. ولقائل ان يقول من جانب القول بالتحريم ان صحيحتي علي بن يقطين وعلي بن جعفر انما دلتا على جواز الصلاة بين القبور وهو اعم من التوجه إليها وعدمه فغايتهما الدلالة على ذلك بالاطلاق، والصحيحتان المعارضتان قد فصلتا بالفرق بين الصلاة خلالها فانه جائز والصلاة إليها فانه محرم، وقضية القاعدة المقررة حمل المجمل على المفصل والمطلق على المقيد. نعم قد ورد جواز الصلاة خلف القبر صريحا بالنسبة إلى قبور الائمة (عليهم السلام) كما تقدم، فيجب تخصيص الصحيحتين المانعتين من الصلاة خلف القبور بها وان لم يقل به الشيخان المذكوران ومن تبعهما، ويبقى ما عدا قبور الائمة (عليهم السلام) تحت النهي المقتضى للتحريم من غير معارض ظاهر في المعارضة. وبالجملة فالظاهر عندي من ضم الاخبار بعضها إلى بعض في هذه المسألة هو انه تجوز الصلاة إلى قبور الائمة على كراهة واما غير الائمة فالظاهر التحريم. واما موثقة عمار المتقدمة فقد عرفت ان الاصحاب يحملونها على الكراهة جمعا بينها وبين صحيحتي علي بن يقطين وعلي بن جعفر، ويأتي على ما اخترناه من تخصيص الصحيحتين المذكورتين بالصلاة خلال القبور من غير استقبال شئ منها ثبوت الكراهة في الصورة المذكورة دون صورة الاستقبال فهو باق على ظاهر النهي والتحريم المفهوم من قوله في الخبر " لا يجوز " وحينئد فقوله " لا يجوز " محمول على ظاهره بالنسبة إلى صورة الاستقبال وعلى الكراهة بالنسبة إلى ما عدا ذلك. وما يقال - من لزوم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه وهو ممنوع عند الاصوليين - مدفوع بما قدمنا في غير موضع من وجود ذلك في الاخبار في مواضع لا تحصى، وقد صرح بجواز ذلك ايضا الشهيد في الذكرى في مسألة الصلاة في السنجاب والحواصل. هذا، وجملة من الاخبار المتقدمة ايضا مجملة في النهى عن الصلاة في المقابر وفي بعضها على القبر. وبالجملة فانا لم نجد في الاخبار معارضا صريحا لصحيحة زرارة ومعمر بن خلاد
[ 227 ]
الدالتين على النهي عن اتخاذ القبور قبلة إلا الاخبار الدالة على الصلاة خلف قبور الائمة (عليهم السلام) وقد عرفت ان الشيخين المتقدمين ومن تبعهما قد اطلقا الحكم بالتحريم إلا ان مقتضى التأمل في الاخبار تخصيص التحريم بغير قبور الائمة (عليهم السلام) كما شرحناه واوضحناه. والوجه في استثناء قبورهم (عليهم السلام) مزيد الشرف لها على غيرها. والاحتياط لا يخفى.
فروع:
(الاول) الحق جمع من الاصحاب بالقبور القبر والقبرين، قال في البحار ومستنده غير واضح. اقول: ان كان هذا الالحاق بالنسبة إلى الصلاة خلف القبر فانه صحيح لان الحكم معلق باستقبال القبر ولا يشترط فيه التعدد، وان كان بالنسبة إلى الصلاة على القبر فكذلك، وان كان بالنسبة إلى البينية فما ذكره (قدس سره) من عدم وضوح المستند جيد لان مورد الاخبار القبور.
(الثاني) - قد عرفت في ما تقدم من كلام المفيد (قدس سره) بعد حكمه بالتحريم انه حكم بزواله بالحائل ولو قدر لبنة أو عنزة منصوبة أو ثوب موضوع، وكذلك حكم الاصحاب بزوال الكراهة بذلك. وهو مشكل حيث انا لم نقف على مستنده، والذي ورد في موثقة عمار زوال ذلك ببعد عشرة اذرع من الجوانب الاربعة إذا كانت الصلاة بين القبور. واكتفى الشيخ بكون القبر خلف المصلى عن البعد، قال في الروض: وهو متجه مع عدم صدق الصلاة بين المقابر كما لو جعل المقبرة خلفه وإلا فقد تقدم اعتبار تأخر القبر عنه من خلفه عشرة اذرع. انتهى. وهو جيد. نعلم لو كان الحائل جدارا ونحوه مما يخفى به القبر فلا اشكال في جواز الصلاة من غير تحريم ولا كراهة لان القبر يخرج عن كونه قبلة ولانه يلزم الكراهة ولو كان بينهما جدران متعددة.
(الثالث) - قال في المنتهى: لو بنى مسجدا في المقبرة لم تزل الكراهة
[ 228 ]
لانها لا تخرج عن الاسم. انتهى. والظاهر ان مراده ان اتخاذ المسجد في المقبرة لا يرفع كراهة الصلاة فيها من حيث المسجدية، إلا ان ظاهر هذا الكلام يعطي جواز بناء المسجد في المقبرة، وهو مشكل لما رواه في الفقيه عن سماعة بن مهران (1) قال: " وسأله سماعة بن مهران عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها ؟ فقال اما زيارة القبور فلا بأس بها ولا يبنى عندها مساجد " ويؤيده ان الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان الاراضي المحبوسة على المنافع العامة كالشوارع والمشارع والطرق والمقابر والاسواق ونحوها لا يجوز التصرف فيها على وجه يمنع الانتفاع بها في ما هي معدة له.
(الرابع) - قال في الروض: وكما تكره الصلاة إلى القبر تكره عليه من غير تحريم إلا ان يعلم نجاسة ترابه باختلاطه بصديد الموتى لتكرر النبش ويوجب التعدي إليه أو سجوده عليه، وقال ابن بابويه يحرم. اقول: ويدل على النهي عن الصلاة على القبر عموم النهى عن الصلاة في المقابر وخصوص رواية ابن ظبيان المتقدمة. ومنها - النار وقيدها بعضهم بالمضرمة وظاهر الاخبار العموم وعليه العمل، والظاهر انه لا خلاف بينهم في النهي عن الصلاة إليها. ويدل عليه ما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصلى والسراج موضوع بين يديه في القبلة ؟ قال لا يصلح له ان يستقبل النار ". وفي الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا يصلي الرجل وفى قبلته نار أو حديد. قلت أله ان يصلى وبين يديه مجمرة شبه ؟ قال نعم، فان كان فيها نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته. وعن الرجل يصلي وفي قبلته قنديل معلق وفيه نار إلا انه بحياله. قال إذا ارتفع كان شرا لا يصلى بحياله ". والمشهور ان النهي في هذين الخبرين محمول على الكراهة، ونقل عن ابي الصلاح
(1) الوسائل الباب 65 من الدفن (2) و (3) الوسائل الباب 30 من مكان المصلى
[ 229 ]
انه لا يجوز اخذا بظاهر النهي في الخبرين المذكورين. ويدل على الجواز ما رواه الشيخ والصدوق عن عمرو بن ابراهيم الهمداني رفع الحديث (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا بأس ان يصلي الرجل والنار والسراج والصورة بين يديه، ان الذي يصلي له اقرب إليه من الذي بين يديه " ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ والرخصة. وقال في الفقيه بعد نقل صحيحة علي بن جعفر المذكورة: هذا هو الاصل الذي يجب ان يعمل به فاما الحديث الذي روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) - انه قال: " لا بأس ان يصلي الرجل والنار والسراج والصورة بين يديه لان الذي يصلى له اقرب إليه من الذي بين يديه " - فهو حديث يروى عن ثلاثة من المجهولين باسناد منقطع يروية الحسن بن علي الكوفي - وهو معروف - عن الحسين بن عمرو عن ابيه عن عمرو بن ابراهيم الهمداني - وهم مجهولون - يرفع الحديث قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ذلك " ولكنها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين والانقطاع فمن اخذ بها لم يكن مخطئا بعد ان يعلم ان الاصل هو النهي وان الاطلاق هو رخصة والرخصة رحمة. انتهى. اقول: صورة سند الخبر المذكور في كتاب العلل " عن ابيه ومحمد بن الحسن عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن احمد الاشعري عن الحسن بن علي عن الحسين بن عمرو... إلى آخر ما ذكره " وما ذكره (قدس سره) من حمل هذا الخبر على الرخصة يحتمل ان يكون مراده الجواز وان كان مكروها فيكون النهي في الخبر الاول محمولا على الكراهة كما هو المشهور فلا منافاة، ويحتمل ان يكون مراده بخبر النهي التحريم وخبر الرخصة من حيث الضرورة مثل ان يجاء بالنار في قبلته وهو يصلى وهو لا يتمكن من الانحراف عنها ولا قطع الصلاة فيتم صلاته. ولعل الاول اقرب وان كان الثاني بلفظ
(1) الوسائل الباب 30 من مكان المصلى
[ 230 ]
الرخصة انسب. ثم ان ما ذكره من قوله: " صدرت عن ثقات " موافق لما ذكره شيخ الطائفة في العدة الاصولية من ان احاديث اصحابنا مأخوذة من اصول جمعها الثقات من قدمائنا وقد وقع اجماع الطائفة وفيهم الائمة (عليهم السلام) على صحة تلك الاصول فلا يضر كون بعض رواتها ضعيفا أو مجهولا. انتهى وبذلك اعترف في هذا الخبر في المدارك فقال بعد نقل كلام الصدوق: وربما كان في هذا الكلام شهادة منه بصحة الرواية. اقول: بل فيه اشعار بالشهادة بصحة جميع الروايات لان جميع اصحاب الاصول معروفون عنده معلومون وان حصل في الطريق إليهم من يرمى بالضعف والمجهولية ونحوهما والمراد بالثقات هنا هو الحسن بن علي الكوفي ومن تقدمه في سند العلل المتقدم ويحتمل ان يكون المصنف نقل الخبر الذي في الفقيه من كتاب الحسن بن علي الكوفى أو من كتاب محمد بن احمد بن يحيى الاشعري كما نقله في التهذيب فيكون الثقات هم الرواة لتلك الاصول والسلسلة بين المصنف وبين اصحاب الاصول. ويظهر من الصدوق توثيق الحسن بن علي الكوفي وهو الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفى فان معنى قوله " معروف " يعنى بالوثاقة ولهذا وجه القدح إلى من بعده، وفيه رد على شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) حيث رد حديث الحسن بن علي الكوفي ورماه بالضعف في غير موضع من المسالك. واما وصف من روى عنهم الحسن بن علي بكونهم مجهولين يعني عند المصنف وعندنا حيث لم نقف على احوالهم في ما وصل الينا من كتب الاخبار ولا يستلزم ذلك كونهم مجهولين عند اصحاب الاصول الذين اخذوا عنهم. اقول: والذي يختلج في بالي ويتردد في فكري وخيالي في معنى الخبر الذي حملوه على الرخصة ان المراد منه معنى آخر غير ما ذكره ولعله الاقرب، وهو انه لا يخفى ان الكراهة وعدمها في هذا المقام تتفاوت باعتبار احوال المصلين واقبالهم على الله سبحانه في صلاتهم وعدمه فمن كان وجه قلبه متوجها إلى الله عزوجل لا إلى غيره وفكره مستغرقا في مراقبته في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده فلا يضره ما يكون بين يديه من
[ 231 ]
هذه الاشياء ولا يشغله عن ملاحظته، ومن لم يكن كذلك فهو المراد باخبار النهي لان هذه الاشياء تكون موجبة لشغل قلبه وتشويش فكره، ومما يؤيد ذلك ما رواه في كتاب التوحيد عن ابن ابي عمير (1) قال: " رأى سفيان الثوري ابا الحسن (عليه السلام) وهو غلام يصلي والناس يمرون بين يديه فقال له ان الناس يمرون بين يديك وهم في الطواف ؟ فقال (عليه السلام) الذي اصلى له اقرب من هؤلاء " وبمضمونه اخبار اخر ستأتي ان شاء الله تعالى. إذا عرفت هذا فاعلم انه قد روى الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن جعفر الاسدي (2) قال: " كان في ما ورد علي من محمد بن عثمان العمري عن القائم (عليه السلام): واما ما سألت عنه من امر المصلي والنار والصورة والسراج بين يديه هل تجوز صلاته فان الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك ؟ فانه جائز لمن لم يكن من اولاد عبدة الاوثان والنيران يصلي والنار والصورة والسراج بين يديه ولا يجوز ذلك لمن كان من اولاد عبدة الاوثان والنيران " ورواه الصدوق في كتاب كمال الدين مسندا عن محمد بن جعفر الاسدي. ويمكن حمل التفصيل في هذا الخبر على ان الكراهة بالنسبة إلى اولاد عبدة النيران والاوثان اشد واحتمال ارادة التحريم ليس بذلك البعيد ايضا إلا ان الظاهر ان الاول اقرب. والله العالم. ومنها - صلاة الفريضة في جوف الكعبة على المشهور وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في صدر المقدمة الرابعة في القبلة. ومنها - بيوت المجوس وعللوا ذلك بعدم انفكاكها عن النجاسة، ولا يخفى ان هذه العلة جارية في غيرهم من اليهود والنصارى ونحوهم مع انهم لا يقولون بذلك بل العلة الحقيقية انما هو النص وهو ما رواه أبو بصير (3) قال: " سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيوت المجوس فقال رش وصل " وما رواه عبد الله بن سنان في
(1) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 30 من مكان المصلى (3) الوسائل الباب 14 من مكان المصلى
[ 232 ]
الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس فقال رش وصل " وقد قطع الاصحاب بزوال الكراهة بالرش كما دل عليه الخبران. وقد صرحوا بالكراهة ايضا في بيت فيه مجوسي وتجوز بلا كراهة إذا كان الذي فيه نصرانيا أو يهوديا، ويدل عليه ما رواه في الكافي عن ابي اسامة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا يصلى في بيت فيه مجوسي ولا بأس ان يصلى وفيه يهودي أو نصراني " وظاهر الخبرين الاولين كراهة الصلاة في بيته وان لم يكن فيه حتى يرشه وظاهر الثالث كراهة الصلاة في البيت الذي فيه المجوسي وان لم يكن بيته بل من حيث مجرد حضوره فيه ولهذا لم يذكر الرش هنا لتغاير العلتين في الخبرين والخبر الثالث قد رواه الشيخ عن ابي جميلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) مثل خبر ابي اسامة. وظاهرهم الجواز من غير كراهة في البيع والكنائس، ونقل عن ابن ادريس وسلار وابن البراج انهم كرهوا الصلاة في البيع والكنائس محتجين بعدم انفكاكها من النجاسة، قال في المدارك وهو ضعيف. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البيع والكنائس يصلى فيها ؟ قال نعم. قال وسألته هل يصلح نقضها مسجدا ؟ فقال نعم ". وعن عبد الله بن سنان (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في البيع والكنائس فقال رش وصل. قال وسألته عن بيوت المجوس فقال رشها وصل " وصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ايضا.
(1) و (4) و (5) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى. والاولى رواية الشيخ والثالثة للكليني (2) و (3) الوسائل الباب 16 من مكان المصلى
[ 233 ]
وما رواه في الكافي عن الحكم بن الحكم (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول وسئل عن الصلاة في البيع والكنائس فقال: صل فيها قد رأيتها ما انظفها. قلت أيصلى فيها وان كانوا يصلون فيها ؟ قال نعم أما تقرأ القرآن: قل كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدى سبيلا (2) صلى إلى القبلة وغربهم ". وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: " سألته عن الصلاة في البيعة فقال إذا استقبلت القبلة فلا بأس به ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (4) قال: لا بأس بالصلاة في البيعة والكنيسة الفريضة والتطوع والمسجد افضل ". اقول: لا يخفى ان هذه الروايات الواردة في المقام ما بين مطلق للجواز وما بين مقيد بالرش وقضية حمل المطلق على المقيد الكراهة حتى يحصل الرش الذي به تزول الكراهة. وبذلك يظهر قوة ما ذهب إليه ابن ادريس وسلار وابن البراج فلا معنى لفرقهم في هذا المقام بين بيوت المجوس التي اتفقوا فيها على الكراهة وبين البيع والكنائس التي حكموا فيها بعدم الكراهة، فان الرش ان كان لدفع الكراهة ففي الموضعين وان كان لا لذلك ولا يستلزم الكراهة ففي الموضعين ايضا، فاثباتها في احدهما دون الآخر مع اشتراك الدليل لا اعرف له وجها. اقول: ومن الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن بواري اليهود والنصارى التي يقعدون عليها في بيوتهم أيصلى عليها ؟ قال لا " اقول: حيث كان مقتضى
(1) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى والرواية في التهذيب دون الكافي. (2) سورة بنى اسرائيل. الآية 86 (3) و (4) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى (5) ص 86 ورواه الشيخ في التهذيب ح 1 ص 242 راجع الوسائل الباب 73 من النجاسات
[ 234 ]
الاصل الطهارة فالخبر اما محمول على علم النجاسة فيكون النهي للتحريم اولا فيكون النهي محمولا على الكراهة. وما رواه في الكافي عن عامر بن نعيم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن هذه المنازل التي ينزلها الناس فيها ابوال الدواب والسرجين ويدخلها اليهود والنصارى كيف نصلي فيها ؟ قال صل على ثوبك ". اقول: يستفاد من هذين الخبرين كراهة الصلاة في بيوت اليهود والنصارى ومقاعدهم وان لم يذكره الاصحاب. ثم انه هل يشترط اذن اهل الذمة في ذلك ام لا ؟ مقتضى اطلاق النص وكلام الاصحاب هو الثاني، واحتمل الشهيد في الذكرى الاول تبعا لغرض الواقف وعملا بالقرينة. والظاهر ضعفه لاطلاق الاخبار المذكورة وما دل عليه بعضها من جواز نقضها مسجدا، قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) بل لو علم اشتراطهم عند الوقف عدم صلاة المسلمين فيها كان شرطهم فاسدا باطلا وكذا الكلام في مساجد المخالفين وصلاة الشيعة فيها. انتهى. ومنها - بيوت الخمور وبيوت النيران، اقول: اما بيوت الخمور فيدل عليه قول ابي عبد الله (عليه السلام) في موثقة عمار (2) " لا تصل في بيت فيه خمر أو مسكر " وقال في المقنع: لا يجوز الصلاة في بيت فيه خمر محصور في آنية، قال وروى انه يجوز. اقول: هذه العبارة مأخوذة من عبارة كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام) فيه " لا تصل في بيت فيه خمر محصور في آنية " وبنحو هذه العبارة عبر في من لا يحضره الفقيه ايضا، قال في المدارك: ومنع الصدوق في من لا يحضره الفقيه من الصلاة في بيت فيه خمر محروز في آنية مع انه حكم بطهارة الخمر واستبعده المتأخرون لذلك ولا بعد فيه
(1) الوسائل الباب 22 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 21 من مكان المصلى (3) البحار ج 18 الصلاة ص 113
[ 235 ]
بعد ورود النص به. انتهى. اقول: فيه ان استبعاد المتأخرين ذلك يرجع إلى الجمع بين هذين الحكمين وهو قوله بالكراهة هنا مع قوله بطهارة الخمر، وهو في محله وذلك فانه متى كانت الخمر طاهرة فسبيلها سبيل الاشياء الطاهرة في البيت فلا مناسبة للمنع من الصلاة والحال هذه وهذا المنع انما يلائم القول بالنجاسة، فكلامهم في الحقيقة يرجع إلى الاعتراض عليه في ذهابه إلى طهارة الخمر إذ لو كان طاهرا كما يدعيه لما حكم عليه بالكراهة هنا إذ لا يعقل للحكم بالكراهة هنا مناسبة على هذا التقدير. واما بيوت النيران - والمراد بها ما اعدت لاضرام النار فيها كالفرن والاتون وان لم تكن موضع عبادتها - فقد ذكرها الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولم اقف بعد الفحص على خبر يدل على كراهة الصلاة فيها كما اشتهر في كلامهم، والعلامة في جملة من كتبه انما علل كراهة الصلاة فيها بكون الصلاة فيها تشبها بعبادتها. قال في المدارك: وهو ضعيف جدا والاصح اختصاص الكراهة بمواضع عبادة النيران لانها ليست موضع رحمة فلا تصلح لعبادة الله تعالى. اقول: لا يخفى انه متى كانت المسألة عارية من النص وانما يراد التعليل بهذه المناسبات الاعتبارية فلا معنى لهذه الاصحية التي ادعاها ولا وجه لتضعيفه كلام العلامة فانه إذا كفى في ثبوت الكراهة الامور الاعتبارية المناسبة لتعظيم الصلاة فما ذكره العلامة متجه وان كان ما ذكره اوجه. نعم ذكر محمد بن علي بن ابراهيم في كتاب العلل المتقدم ذكره (1) في جملة ما عده من الاماكن التي تكره الصلاة فيها قال: ولا بيت فيه صلبان، إلى ان قال في بيان العلة: والعلة في بيت فيه صلبان انها شركاء يعبدون من دون الله تعالى فينزه الله تبارك وتعالى ان يعبد في بيت فيه ما يعبد من دون الله تعالى. انتهى. وفيه نوع ملائمة لما ذكروه في هذه المسألة إلا ان اثبات الحكم بمجرد ذلك لا يخلو من الاشكال.
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 122
[ 236 ]
ومنها - الغائط في قبلته أو حائط ينز من بالوعة. اما الاول فيدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب عن الفضيل بن يسار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقوم في الصلاة فارى قدامي في القبلة العذرة ؟ قال تنح عنها ما استطعت... الحديث " واما الثاني فيدل عليه ما رواه في الكافي عن البزنطي (2) " عن من سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها ؟ فقال ان كان نزه من البالوعة فلا تصل فيه وان كان نزه من غير ذلك فلا بأس " والتقريب فيها انه وان كان موردها البول إلا انه متى ثبت ذلك في البول ففي الغائط بطريق اولى. وروى في الفقيه عن محمد بن ابي حمزة عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) قال: " إذا ظهر النز من خلف الكنيف وهو في القبلة ستره بشئ " ونقل في البحار (4) عن كتاب الحسين بن عثمان قال: " روى عن ابي الحسن (عليه السلام) انه قال إذا ظهر النز اليك من خلف الحائط من كنيف في القبلة سترته بشئ. قال ابن ابي عمير رأيتهم قد ثنوا بارية وباريتين قد ستروا بها ". ومنها - ان يكون بين يدين مصحف مفتوح، وزاد بعضهم الانسان المواجه والباب المفتوح فتكره الصلاة إليها. اقول: اما الاول فاستندوا فيه إلى رواية عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " في الرجل يصلي وبين يديه مصحف مفتوح في قبلته ؟ قال لا. قلت فان كان في غلاف ؟ قال نعم ". قال في المدارك: والحق به الشارح كل مكتوب ومنقوش، وهو جيد للمسامحة في ادلة السنن وان كان للمناقشة في امثال هذه المباني المستنبطة مجال.
(1) الوسائل الباب 31 من مكان المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 18 من مكان المصلى (4) مستدرك الوسائل الباب 13 من مكان المصلى (5) الوسائل الباب 27 من مكان المصلى
[ 237 ]
اقول: لعل المستند لما نقله عن جده (قدس سره) ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان ينظر في نقش خاتمه وهو في الصلاة كأنه يريد قراءته أو في مصحف أو في كتاب في القبلة ؟ قال ذلك نقص في الصلاة وليس يقطعها " والسيد السند حيث لم يقف على الرواية نسب ذلك إلى الاستنباط والظاهر ان جده لم يقف عليها ايضا وانما ذكر الحكم بالتقريب الذي ذكره سبطه كما هي قاعدتهم في غير موضع لكن الخبر - كما ترى - ظاهر في الحكم المذكور فلا اشكال. ثم العجب من السيد السند (قدس سره) انه مع اعترافه بكون ذلك من المباني المستنبطة كيف يذكر اولا انه جيد ويعلل ذلك بالمسامحة في ادلة السنن ؟ اليس السنن من الاحكام الشرعية المتوقف تشريعها على الدليل ؟ وهل تبلغ المسامحة في الاحكام الشرعية إلى هذا المقدار ؟ وغاية ما بلغ إليه الاصحاب بناء على هذا الاصطلاح المحدث هو الاكتفاء بالخبر الضعيف في ذلك لا مجرد القول من غير خبر قياسا على الاشباه والنظائر فانه من القياس الممنوع منه، على ان جمعا منهم نبهوا على انه ليس الاعتماد في ذلك على الخبر الضعيف بل على الاخبار المستفيضة الدالة على ان " من بلغه شئ من الثواب على عمل فعمله ابتغاء ذلك الثواب كان له وان لم يكن الامر كما بلغه " (2) وبالجملة فان كلامه هنا لا يخلو من مسامحة. واما الثاني فيمكن ان يكون المستند فيه ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن علي ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح له ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة ؟ قال يدرأها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته " ومورد الخبر وان كان اخص مما ذكروه إلا ان الظاهر
(1) الوسائل الباب 27 من مكان المصلى (2) الوسائل الباب 18 من مقدمة العبادات (3) الوسائل الباب 43 من مكان المصلى
[ 238 ]
انه لا خصوصية للمرأة بذلك توجب قصر الحكم عليها خصوصا مع جواز النظر إلى وجه الاجنبية فان اكثر الاحكام انما خرجت سؤالا وجوابا في الرجال مع حكمهم فيها بالعموم للنساء إلا مع ظهور ما يوجب التخصيص، ويؤيده ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) " انه كره ان يصلي الرجل ورجل بين يديه قائم ". واما الثالث فلم اقف له على دليل. والقول بالكراهة في هذين الموضعين الاخيرين منقول عن ابى الصلاح واعترف المتأخرون بعدم الوقوف له على دليل فيهما حتى ان المحقق في المعتبر انما التجأ إلى انه احد الاعيان فلا بأس باتباع فتواه. ونحن قد اثبتنا لك دليل الاول منهما. واما الثاني فلم نقف له على دليل. واما كلام المحقق هنا فلا يخفى ما فيه سيما مع ما علم من مناقشته للشيخ وامثاله في طلب الادلة وصحتها متى لم يصل إليه الدليل بل يناقشهم مع وجود الادلة بزعم ضعفها ولم نره يعتمد على مجرد التقليد وحسن الظن بمن تقدمه من الاعيان إلا في هذا المكان. والله العالم.
(المسألة الخامسة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في استحباب السترة بضم السين للمصلي في قبلته ونقل عليه في المنتهى الاجماع عن كافة اهل العلم. وقد دل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ والكليني عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " كان طول رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذراعان وكان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه ". وما روياه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجعل العنزة بين يديه إذا صلى " اقول: والعنزة بفتح العين المهملة وتحريك النون وبعدها زاى: عصاة في اسفلها حربة
(1) مستدرك الوسائل الباب 4 من مكان المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 12 من مكان المصلى
[ 239 ]
وفي الصحاح انها اطول من العصا واقصر من الرمح. وما رواه في التهذيب عن غياث بن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) وضع قلنسوة وصلى إليها ". وعن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى احدكم بارض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل فان لم يجد فحجرا فان لم يجد فسهما فان لم يجد فليخط في الارض بين يديه " قال في الوافي: " مثل مؤخرة الرحل " يعني بتلك المماثلة ارتفاعه من الارض. وعن محمد بن اسماعيل في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (3) " في الرجل يصلى ؟ قال يكون بين يديه كومة من تراب أو يخط بين يديه بخط ". وعن عبد الله بن ابي يعفور في الموثق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يقطع صلاته شئ مما يمر به ؟ فقال لا يقطع صلاة المسلم شئ ولكن ادرأوا ما استطعتم ". وعن ابي بصير في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا يقطع الصلاة شئ كلب ولا حمار ولا امرأة لو كان استتروا بشئ فان كان بين يديك قدر ذراع رافع من الارض فقد استترت ". وما رواه في الكافي عن علي رفعه عن محمد بن مسلم (6) قال: " دخل أبو حنيفة على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ادعوا لي موسى فدعي فقال يا بني ان ابا حنيفة يذكر انك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم ؟ فقال نعم يا ابت ان الذي كنت اصلي له كان اقرب الي منهم يقول الله تعالى: " ونحن اقرب إليه من حبل
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 12 من مكان المصلى (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى
[ 240 ]
الوريد " (1) قال فضمه أبو عبد الله (عليه السلام) إلى نفسه ثم قال بابي انت وامي يا مستودع الاسرار " قال في الكافي: وهذا تأديب منه (عليه السلام) لا انه ترك الفضل. قال في الوافي بعد نقل ذلك عنه: اقول ليس في الحديث انه (عليه السلام) ترك السترة وانما فيه انه لم ينه الناس عن المرور فلعله لا يلزم نهى الناس بعد وضع السترة وانما اللازم حينئذ حضور القلب مع الله تعالى حتى يكون جامعا بين التوقير الظاهر للصلاة والتوقير الباطن لها ولهذا ادب (عليه السلام) ابا حنيفة بذلك وكأن هذا هو المراد من كلام صاحب الكافي. وما رواه في التهذيب عن سفيان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه كان يصلي ذات يوم إذ مر رجل قدامه وابنه موسى (عليه السلام) جالس فلما انصرف قال له ابنه يا ابت ما رأيت الرجل مر قدامك ؟ فقال يا بني ان الذي اصلي له اقرب الي من الذي مر قدامي ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي وامامه شئ عليه ثياب ؟ قال لا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي وامامه ثوم أو بصل نابت ؟ قال لا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة ؟ قال لا يصلح له ان يستقبل النار. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي وامامه حمار واقف ؟ قال يضع بينه وبينه عودا أو قصبة أو شيئا يقيمه بينهما ويصلى لا بأس. قلت فان لم يفعل وصلى أيعيد صلاته أو ما عليه ؟ قال لا يعيد صلاته وليس عليه شئ وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وامامه النخلة وفيها حملها ؟ قال لا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في الكرم وفيه حمله ؟ قال لا بأس. وسألته عن الرجل
(1) سورة ق، الآية 15 (2) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى (3) الوسائل الباب 11 و 30 و 37 و 43 من مكان المصلى
[ 241 ]
يكون في صلاته هل يصلح له ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة ؟ قال يدرأها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وامامه شئ من الطير ؟ قال لا باس ". وروى في كتاب التوحيد بسنده عن منيف مولى جعفر بن محمد (1) قال: " حدثني سيدي جعفر بن محمد عن ابيه عن جده (عليهم السلام) قال كان الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام) - وفي نسخة الحسين بدل الحسن - يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلاته قال له لم نهيت الرجل ؟ فقال يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطر في ما بينك وبين المحراب. فقال ويحك ان الله عزوجل اقرب الي من ان يخطر في ما بيني وبينه احد ".
اقول: وتحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع:
(الاول) - قد استفاضت هذه الاخبار باستحباب السترة للمصلي والظاهر ان الغرض منها منع المرور من بين يدي المصلي لئلا يشغل فكره عن اقباله على صلاته فكأنها بمنزلة تحجير المكان عن غيره، ولهذا انه يجوز دفع المار كما يأتي ان شاء الله تعالى ولو استلزم اذاه اما إذا لم يضع السترة ولم يحجر الموضع بذلك فليس له ذلك، وظاهر الاخبار الدالة على قول الائمة (عليهم السلام) " ان الذي اصلي له اقرب من الذي يمر قدامي " ونحوه مما اشتلمت عليه تلك الاخبار هو عدم السترة يومئذ، وفيه ايماء إلى ان الغرض من السترة - وهو عدم توزع الفكر بمرور المار - انما هو بالنسبة إلى من لم يكن فكره في حال الصلاة مستغرقا مع الله سبحانه، واما من كان فكره مستغرقا معه سبحانه وليس في قلبه شئ سواه في تلك الحال ولا يشغله عنه شاغل - حتى انه روى (2) " ان السهام التي ثبتت في بدن امير المؤمنين
(1) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى (2) في اسرار الشهادة ص 255 طبعة 1319 ما ملخصه: ان امير المؤمنين (ع) اصابت رجله نبلة في غزوة صفين واستحكمت فيها فلم يطق اخراجها فاخرجت منه في حال السجود ولم يحس بذلك اصلا.
[ 242 ]
(عليه السلام) من الحرب انما كانت تنزع وقت الصلاة لعدم احساسه بذلك " - فلا تستحب بالنسبة إليه لعدم ما يترتب عليها فانه حاصل بدونها إلا ان الظاهر تخصيص هذه المرتبة بهم (عليهم السلام) ومن قرب منهم وقد تقدم خبر آخر بهذ المعنى في مسألة كراهة استقبال النار (1) ويعضده مرفوعة عمرو بن ابراهيم الهمداني المتقدمة ايضا (2) (لا يقال) ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستتر كما دلت عليه الاخبار المتقدمة (لانا نقول) انه (صلى الله عليه وآله) كان مكلفا بتشريع الشرائع وسن السنن والواجبات وتعليم الناس فلا منافاة وبالجملة فان النهي عن الصلاة بدون السترة مخصوص بالفرد الاول والتجويز بالفرد الثاني، وبذلك يظهر ما في كلامي صاحب الكافي والوافي من التكلف الذي لا ضرورة تلجئ إليه.
(الثاني) - قد دل خبر علي بن جعفر المذكور على استحباب السترة إذا صلى وفي قبلته حمار ولم يذكره احد من الاصحاب في ما اعلم، إلا ان الصدوق في الفقيه روى ذلك عن علي بن جعفر ايضا مع جملة من هذه السؤالات، وهو يؤذن بقوله بذلك بناء على ما قدمه في صدر كتابه من انه لا يذكر فيه إلا ما يفتى به ويحكم بصحته.
(الثالث) - الظاهر من هذه الاخبار استحباب الارتفاع في السترة بان تكون عنزة ونحوها ولو قدر ذراع فيرتفع عن الارض وهكذا إلى ان ينتهى إلى مجرد الخط في الارض، والعلة في ذلك ظهور امارة التحجير فكلما كانت ارفع كانت اظهر للناظر والمارين، هذا إذا كان في فضاء من الارض ولو صلى في مسجد أو بيت قرب من حائطه. ونقل عن الجعفي ان الاولى بلوغ السترة ذراعا فما زاد.
(الرابع) - يستحب الدنو من السترة، قال في الذكرى: يستحب الدنو من السترة لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " إذا صلى احدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته " وقدره ابن الجنيد بمربض الشاة لما صح من خبر سهل
(1) ص 231 (2) ص 229 (3) تيسير الوصول ج 2 ص 258 عن إلى داود
[ 243 ]
الساعدي (1) قال: " كان بين مصلى النبي (صلى الله عليه وآله) وبين الجدار ممر الشاة " انتهى وقدره بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) بمربض عنز إلى مربط فرس، ونسبه في المدارك إلى الاصحاب مؤذنا بعدم وجود الدليل عليه مع انه روى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " اقل ما يكون بينك وبين القبلة مربض عنز واكثر ما يكون مربط فرس " ويؤيد ما ذكره في الذكرى غا رواه في كتاب دعائم الاسلام عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) قال: " إذا قام احدكم في الصلاة إلى سترة فليدن منها فان الشيطان يمر بينه وبينها وحد في ذلك كمربض الثور ".
(الخامس) - قال في الذكرى: إذا نصب بين يديه عنزة أو عودا لم يستحب الانحراف عنه يمينا ولا شماله قاله في التذكرة، وقال ابن الجنيد يجعله على جانبه الايمن ولا يتوسطها فيجعلها مقصده تمثيلا بالكعبة، وقال بعض العامة ليكن على الايمن أو على الايسر. انتهى. اقول المفهوم من ظواهر الاخبار المتقدمة هو المحاذاة لها وما ذكره ابن الجنيد لا نعرف له وجها.
(السادس) - قال في الذكرى: سترة الامام سترة لمن خلفه لان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمر المؤتمين بسترة (4) ولان ظهر كل واحد منهم سترة لصاحبه. اقول: تعليله الثاني انما يجري في الصف الثاني وما بعده نعم الاول منهما ظاهر العموم ولو للواحد الذي يقوم بجنب الامام.
(السابع) - قال العلامة: لو كانت السترة مغصوبة لم يحصل الامتثال لعدم الاتيان بالمأمور به شرعا. واعترضه في الذكرى بانه يشكل بان المأمور به الصلاة إلى السترة وقد حصل وغصبيتها امر خارج عن الصلاة كالوضوء من الاناء المغصوب. اما
(1) صحيح مسلم ج 4 ص 225 (2) الوسائل الباب 12 من مكان المصلى (3) مستدرك الوسائل الباب 8 من مكان المصلى (4) صحيح البخاري ج 1 ص 101
[ 244 ]
لو كانت نجسة لم يضر إلا مع نجاسة ظاهرة. انتهى. اقول: ما ذكره في رد كلام العلامة جيد. واما ما ذكره من استثناء النجاسة الظاهرة فلا اعرف له وجها إلا ان كان خبر الفضيل بن يسار المتقدم في مسألة كراهة استقبال الغائط ومورده الغائط ولا عموم فيه ينهض بالدلالة، أو اخبار نز الكنيف والبالوعة وهي كذلك خاصة، إلا ان يستنبط منهما العموم لجميع النجاسات باي نحو كانت. ونقل في الذكرى عن ابي الصلاح في جملة ما عده مما يكره الصلاة إليه النجاسة الظاهرة ونحوه في المقنعة، والظاهر انه جرى هنا على ذلك.
(الثامن) - قال في الذكرى ايضا: يستحب دفع المار بين يديه لقوله (عليه السلام) (1): " لا يقطع الصلاة شئ فادرأوا ما استطعتم " اقول: الاستدلال بالخبر المذكور مبني على ان معناه كما فهمه هو وغيره من الامر بدفع المار يعني ادفعوا المار بما استطعتم من اشارة أو رمي شئ أو دفع باليد أو نحو ذلك، والظاهر عندي انما هو الدفع بجعل السترة فهو كناية عن الامر بالسترة بمعنى ادفعوا ضرر مروره بالاستتار بالسترة فانها متى وضعت لم يمر بينها وبين المصلي، ويظهر هذا المعنى من رواية ابي بصير المتقدمة المتضمنة انه لا يقطع الصلاة شئ كلب ولا حمار... الحديث.
(التاسع) - قال في الكتاب المذكور: لو احتاج في الدفع إلى القتال لم يجز ورواية ابي سعيد الخدري وغيره عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " فان ابي فليقاتله فانما هو شيطان " للتغليظ أو يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدى إلى حرج ولا ضرر. اقول: الظاهر ان ما نقل من خبر الخدري انما هو من طريق العامة إذ لم نجده في اخبارنا نعم روى في كتاب دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (3) " انه سئل عن المرور
(1) ص 239 (2) صحيح البخاري ج 1 ص 103 (3) مستدرك الوسائل الباب 7 من مكان المصلى. وليس فيه " ولو قاتله " نعم هو موجود في البخاري ج 18 الصلاة ص 116.
[ 245 ]
بين يدي المصلى فقال لا يقطع الصلاة شئ ولا تدع من يمر بين يديك ولو قاتلته " والظاهر حمله على ما ذكره (قدس سره) من التغليظ والمبالغة في الدفع.
(العاشر) - قال ايضا: هل كراهة المرور وجواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلقا ؟ نظر من حيث تقصيره وتضييعه حق نفسه وفي كثير من الاخبار التقييد بما إذا كان له سترة ثم لا يضره ما يمر بين يديه، ومن اطلاق باقي الاخبار. ويمكن ان يقال بحمل المطلق على المقيد. اقول: الوجه انما هو الاول كما اشرنا إليه ومطلق الاخبار محمول على مقيدها كما ذكره فانه مقتضى القاعدة في هذا الباب. والله العالم.
(المسألة السادسة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز السجود اختيارا إلا على الارض أو ما انبتت مما لا يؤكل ولا يلبس عادة، ولم يستثنوا من هذه القاعدة إلا القرطاس، ونقل عن المرتضى في المسائل الموصلية كراهة السجود على ثياب القطن والكتاب وفي المصباح وافق الاصحاب، ويدل على الاول الاخبار المستفيضة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول السجود على ما انبتت الارض إلا ما اكل أو لبس " وعن الفضل ابي العباس (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يسجد إلا على الارض أو ما انبتت الارض إلا القطن والكتان ". وعن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " قلت له اسجد على الزفت يعني القير ؟ فقال لا ولا على الثوب الكرسف ولا على الصوف ولا على شئ من الحيوان ولا على طعام ولا على شئ من ثمار الارض ولا على شئ من الرياش ". وعن هشام بن الحكم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال له:
(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه (3) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه
[ 246 ]
" اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال السجود لا يجوز إلا على الارض أو على ما انبتت الارض إلا ما اكل أو لبس ". وروى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن هشام بن الحكم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال السجود لا يجوز إلا على الارض أو ما انبتت الارض إلا ما اكل أو لبس. فقلت له جعلت فداك ما العلة في ذلك ؟ قال لان السجود هو الخضوع لله عزوجل فلا ينبغي ان يكون على ما يؤكل ويلبس لان ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل فلا ينبغى ان يضع جبهته في سجوده على معبود ابناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها. والسجود على الارض افضل لانه ابلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل " وروى في كتاب الخصال عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يسجد الرجل على كدس حنطة ولا على شعير ولا على لون مما يؤكل ولا يسجد على الخبز ". وعن الاعمش عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا يسجد إلا على الارض أو ما انبتت الارض إلا المأكول والقطن والكتان ". وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (4): " كل شئ يكون غذاء الانسان في المطعم والمشرب من الثمر والكثر فلا يجوز الصلاة عليه ولا على ثياب القطن والكتان والصوف والشعر والوبر ولا على الجلد إلا على شئ لا يصلح للبس فقط وهو مما يخرج من الارض إلا ان تكون في حال ضرورة ". وقال ايضا في الكتاب المذكور: " إذا سجدت فليكن سجودك على الارض أو على شئ ينبت من الارض مما لا يلبس، ولا تسجد على الحصر المدنية لان سيورها من جلود، ولا تسجد على شعر ولا على وبر ولا على صوف ولا على جلد ولا على ابريسم ولا
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه (4) البحار ج 8 الصلاة ص 366 و 367 (
[ 247 ]
على زجاج ولا على ما يلبسه الانسان ولا على حديد ولا على الصفر ولا على الشبه ولا على النحاس ولا على الرصاص ولا على آجر يعني المطبوخ ولا على الريش ولا على شئ من الجواهر وغيره من الفنك والسمور والحواصل والثعالب ولا على بساط فيه الصور والتماثيل. وان كانت الارض حارة تخاف على جبهتك ان تحرق أو كانت ليلة مظلمة خفت عقربا أو حية أو شوكة أو شيئا يؤذيك فلا بأس ان تسجد على كمك إذا كان من قطن أو كتان ".
إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق البحث في هذه المسألة يتوقف على بسطه في مقامات:
(الاول) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في استثناء القرطاس من هذا الحكم في الجملة بل نقل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الاجماع على استثنائه مطلقا. ويدل عليه مضافا إلى ذلك صحيحة علي بن مهزيار (1) قال: " سأل داود بن فرقد ابا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس والكواغذ المكتوب عليها هل يجوز السجود عليها ام لا ؟ فكتب يجوز ". وصحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه كره ان يسجد على قرطاس عليه كتابة " ولفظ الكراهة هنا مراد به المعنى المشهور لما دل عليه الخبر السابق من الجواز. وصحيحة صفوان الجمال (3) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) في المحمل يسجد على القرطاس واكثر ذلك يومئ ايماء " والظاهر ان المعنى في هذا الخبر انه حيث كانت صلاته (عليه السلام) في المحمل وقت السير فربما تمكن من السجود فيضع جبهته على القرطاس وربما لا يتمكن فيومئ للسجود ايماء. واطلاق هذه الاخبار يقتضي جواز السجود على القرطاس مطلقا سواء اتجذ
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 7 من ما يسجد عليه
[ 248 ]
من القطن أو الابريسم أو غيرهما ونقل عن العلامة في التذكرة انه اعتبر فيه كونه مأخوذا من غير الابريسم لانه ليس بارض ولا من نبتها، ويظهر من الشهيد في كتبه الثلاثة التوقف والاستشكال في السجود على القرطاس بقول مطلق حيث قال في كتاب البيان: ويجوز على القرطاس المتخذ من النبات ويشكل باجزاء النورة. وقال في الدروس: ولا بأس بالقرطاس ويكره المكتوب للقارئ المبصر ولو اتخذ القرطاس من القطن أو الكتان أو الحرير لم يجز. وقال في كتاب الذكرى بعد ذكر روايتي داود ابن فرقد وصفوان: وفي النفس من القرطاس شئ من حيث اشتماله على النورة المستحيلة إلا ان نقول الغالب جوهر القرطاس أو نقول جمود النورة يرد إليها اسم الارض، إلى ان قال: فرع - الاكثر اتخاذ القرطاس من القنب فلو اتخذ من الابريسم فالظاهر المنع إلا ان يقال ما اشتمل عليه من اخلاط النورة مجوز له. وفيه بعد لاستحالتها عن اسم الارض ولو اتخذ من القطن والكتان امكن بناؤه على جواز السجود عليهما وقد سلف اقول: الظاهر ان ما تكلفه هذان الفاضلان في المقام - بارتكاب تخصيص اخبار القرطاس بالمتخذ مما يجوز السجود عليه كما يعطيه قوله في التذكرة في تعليل المنع من السجود على المتخذ من الابريسم بانه ليس بارض. وقوله في الذكرى في المتخذ من القطن والكتان ببناء ذلك على جواز السجود عليهما - منشأه الجمع بين اخبار المنع من السجود على غير الارض وما انبتت ما لم يكن مأكولا ولا ملبوسا وبين اخبار القرطاس بارجاع اخبار القرطاس إلى تلك الاخبار وتقيدها بها، وهو مما لا يسمن ولا يغني من جوع وذلك فانه لا ريب ان القرطاس قد خرج عن تلك الاشياء المتخذ منها كائنة ما كانت إلى حقيقة اخرى فلا يفيد كونه متخذا مما يصح السجود عليه فائدة، ألا ترى انه قد امتنع السجود على المعادن وان كان اصلها الارض باعتبار الحيلولة والانتقال من الارضية إلى حقيقة اخرى والقرطاس لا يصدق عليه انه ارض ولا ما انبتت، وكونه كان قبل الاستحالة إلى هذه الحقيقة مما يسجد عليه لا يجدى نفعا وإلا لجاز السجود
[ 249 ]
على المعادن بالتقريب المذكور. والحق انما هو استثناء القرطاس بهذه الاخبار من القاعدة المستفادة من تلك الاخبار، وجميع ما ذكراه تقييد للنصوص من غير دليل واضح ولا برهان لائح فلا ينبغي ان يلتفت إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الاصحاب بكراهة السجود على القرطاس المكتوب وعليه تدل صحيحة جميل المتقدمة إلا انه يشترط في صحة السجود عليه متى كان مكتوبا ان يقع السجود على مكان خال من الكتابة إذا كان المكتوب به مما لا يصح السجود عليه ولا فرق في ذلك بين القارئ والامي، ونقل عن الشيخ في المبسوط وابن ادريس تخصيص الكراهة بالقارئ البصير كما تقدم في عبارة الدروس وانه لا يكره في حق الامي ولا في حق القارئ الذي لا يبصر، واطلاق النص يرده.
(الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) المنع من السجود على القطن والكتان سواء كان قبل النسج أو بعده بل قال في المختلف انه قول علمائنا اجمع، وخالف في ذلك المرتضى في المسائل الموصلية مع انه ذهب في الجمل والانتصار إلى المنع ونقل فيه اجماع الطائفة، وظاهر المحقق في المعتبر الميل إلى الجواز على كراهية ايضا، وهو ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي ايضا كما ستقف عليه. ونقل عن المرتضى انه احتج على ذلك بانه لو كان السجود على الثوب المنسوج من القطن والكتان محرما محظورا لجرى في القبح ووجوب اعادة الصلاة واستئنافها مجرى السجود على النجاسة ومعلوم ان احدا لا ينتهي إلى ذلك. ولا يخفى ما فيه. نعم يدل على ذلك جملة من الاخبار عنهم (عليهم السلام) وكان الاولى الاستدلال بها في المقام دون هذه التخريجات الغثة التي تمجها الافهام: ومنها - ما رواه الشيخ عن داود الصرمي (1) قال: " سألت ابا الحسن الثالث (عليه السلام) هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية ؟ فقال جائز ".
(1) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه
[ 250 ]
وعن منصور بن حازم عن غير واحد من اصحابه (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) انا نكون بارض باردة يكون فيها الثلج أفنسجد عليه ؟ قال لا ولكن اجعل بينك وبينه شيئا قطنا أو كتانا ". وعن الحسين بن علي بن كيسان الصنعاني (2) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة فكتب الي: ذلك جائز ". وعن ياسر الخادم (3) قال: " مر بي أبو الحسن (عليه السلام) وانا اصلي على الطبري (4) وقد القيت عليه شيئا اسجد عليه فقال لي ما لك لا تسجد عليه أليس هو من نبات الارض ؟ " واجاب الشيخ عن جميع هذه الاخبار بالحمل على حالة الضرورة أو التقية (5) ورده المحقق في المعتبر بان في رواية الصنعاني التنصيص على الجواز مع انتفاء التقية والضرروة واستحسن حمل الاخبار المانعة على الكراهة. قال في المدارك: وهو محتمل لكن هذه الاخبار لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة فلا تصلح لمعارضة الاخبار الصحيحة الدالة بظاهرها على المنع المؤيدة بعمل الاصحاب. وظاهره الميل إلى ما ذكره في المعتبر لو لا ضعف روايات الجواز. والمحدث الكاشاني في الوافي بعد ان نقل حمل الشيخ (قدس سره) لروايات الجواز استبعده وقال: والاولى ان يحمل النهي عنهما على الكراهة. اقول وبالله التوفيق: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ (قدس سره) هنا من الجمع
(1) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه (2) و (3) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه (4) الطبري ثوب ينسب إلى طبرستان أو طبرية بالفتح محلة من واسط. قال في الوافى ذيل هذا الخبر: الطبري كأنه كان من القطن أو الكتان كما يظهر من الاستبصار. انتهى. منه (قدس سره). (5) ارجع إلى التعليقة رقم (1) ص 251
[ 251 ]
بين الاخبار بحمل هذه الاخبار المجوزة على التقية أو الضرورة حمل جيد، اما بالنسبة إلى التقية فلما استفاض عنهم (عليهم السلام) من عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العلامة والاخذ بخلافهم والجواز مذهب العامة (1) من غير اشكال، ويعضد ذلك صحة الاخبار الدالة على التحريم وتكاثرها عموما وخصوصا واعتضادها بعمل الطائفة قديما ودعوى الاجماع في المقام. واما ما ذكره في المعتبر من ان رواية الصنعاني نصت على الجواز مع انتفاء التقية والضرورة فليس بشئ لان المفهوم من الاخبار على وجه لا يعتريه الانكار انهم انما يجيبون على ما يرونه من المصلحة لا بما يريد السائل فربما تركوا الجواب بالكلية وربما اجابوا بالتقية وربما اجابوا بما فيه التباس واشتباه لا يستفاد منه معنى ظاهر بالكلية، وقد ورد عنهم (عليهم السلام) (2) " ان الله سبحانه قد فرض عليكم السؤال ولم يفرض علينا الجواب بل ذلك الينا ان شئنا اجبنا وان شئنا لم نجب " وبالجملة فان مجرد طلب السائل لان يكون الجواب لا على وجه التقية لا يوجب حمل الجواب على ما طلبه لما عرفت، ويؤيد الحمل على التقية قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين (3): " لا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية " واما الحمل على الضرورة فلما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي ونحوه ما رواه علي بن جعفر في كتابه والحميري في قرب الاسناد عنه عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يؤذيه حر الارض في الصلاة ولا يقدر على السجود هل يصلح له ان يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا ؟ قال إذا كان مضطرا فليفعل " وفي كثير من الاخبار الآتية ما يدل على ذلك. والله العالم.
(الثالث) - لا خلاف ولا اشكال في جواز السجود على ما منعت منه الاخبار المتقدمة في حال التقية والضرورة لسقوط التكليف في الحالين المذكورين وعلى ذلك
(1) الفقه على المذاهب الاربعة قسم العبادات ص 161 (2) اصول الكافي ج 1 ص 210 (3) ص 252 (4) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه
[ 252 ]
ايضا دلت الاخبار المتكاثرة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل يسجد على المسح والبساط ؟ قال لا بأس إذا كان في حال التقية " ورواه ايضا في موضع آخر (2) وزاد " ولا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية ". ومنها - ما تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي وكذا صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. ومنها - ما رواه الشيخ عن ابي بصير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسجد على المسح ؟ فقال إذا كان في تقية فلا بأس ". وعن عيينه بياع القصب (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ادخل المسجد في اليوم الشديد الحر فاكره ان اصلي على الحصى فابسط ثوبي فاسجد عليه ؟ قال نعم ليس به بأس ". وعن القاسم بن الفضيل (5) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من اذى الحر والبرد ؟ قال لا بأس به ". وعن احمد بن عمر (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يسجد على كم قميصه من اذى الحر والبرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره مما لا يسجد عليه ؟ فقال لا بأس به ". وعن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " قلت له اكون في السفر فتحضر الصلاة واخاف الرمضاء على وجهي كيف اصنع ؟ قال تسجد على بعض ثوبك. قلت ليس علي ثوب يمكنني ان اسجد على طرفه ولا ذيله ؟ قال اسجد على ظهر كفك فانها احد المساجد ".
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 3 من ما يسجد عليه. (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
[ 253 ]
وروى الصدوق في كتاب العلل عن ابي بصير (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل ولا يجد ما يسجد عليه يخاف ان سجد على الرمضاء احرقت وجهه ؟ قال يسجد على ظهر كفه فانها احد المساجد " قال في الوافي: لعل المراد ان كفك احد مساجدك على الارض فإذا وضعت جبهتك عليها صارت موضوعة على الارض بتوسطها. ويستفاد من رواية ابي بصير الاولى تصريحا ومن الثانية تلويحا انه لا ينتقل إلى السجود على بدنه إلا مع تعذر الثياب، وبذلك ايضا صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) قال في الشرائع: ولا يسجد على شئ من بدنه فان منعه الحر عن السجود على الارض سجد على ثوبه فان لم يمكن فعلى كفه.
(الرابع) - ينبغي ان يعلم ان ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من المنع من السجود إلا على الارض أو ما انبتت انما هو بالنسبة إلى مسجد الجبهة خاصة لا غيرها من المساجد فانه يجوز وقوعها على اي شئ كان، والظاهر ان الحكم بذلك اجماعي. وعليه يدل من الاخبار ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل ابن يسار ويزيد بن معاوية عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الارض، فان كان من نبات الارض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن فراش حرير ومثله من الديباج ومصلى حرير ومثله من الديباج يصلح للرجل النوم عليه والتكأة والصلاة ؟ قال يفترشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه ".
(1) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه (2) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه (3) الوسائل الباب 15 من لباس المصلى
[ 254 ]
وروى في الكافي عن الحلبي (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعا ابي بالخمرة فابطأت عليه فاخذ كفا من حصباء فجعله على البساط ثم سجد ". وعن حمران في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " كان ابي يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسه حيث يسجد " اقول: الطنفسة بتثليث الطاء والفاء بساط له خمل، والخمرة بضم الخاء المعجمة واسكان الميم سجادة صغيرة، قال في كتاب مجمع البحرين: قد تكرر في الحديث ذكر الخمرة والسجود عليها وهي بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط وفي النهاية هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده ولا يكون خمرة إلا هذا المقدار. ومنه كان ابي يصلي على الخمرة يضعها على الطنفسة. انتهى. وقال في النهاية: وفي حديث ام سلمة " قال لها وهي حائض ناوليني الخمرة " هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسجية خوص ونحوه من النبات ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لان خيوطها مستورة بسعفها، وقد تكررت في الحديث وهكذا فسرت. وقد جاء في سنن ابي داود عن ابن عباس قال: " جاءت فأرة فاخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فالقتها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الخمرة التي كان قاعدا عليها فاحرقت منها مثل موضع درهم " قال وهذا صريح في اطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اقول: بقى هنا شئ وهو انه قد تقدم في كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه النهي عن السجود على الحصر المدنية لان سيورها من جلود، والمراد منها الخمرة لما رواه في الكافي والتهذيب عن علي بن الريان (3) قال: " كتب بعض اصحابنا بيد
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه (3) الفروع ج 1 ص 92 والتهذيب ج 1 ص 223 وفى الوسائل في الباب 11 من ما يسجد عليه
[ 255 ]
ابراهيم بن عقبة إليه - يعني ابا جعفر (عليه السلام) - يسأله عن الصلاة على الخمرة المدنية فكتب: صل فيها ما كان معمولا بخيوطة ولا تصل على ما كان معمولا بسيورة قال فتوقف اصحابنا فانشدتهم بيت شعر ل (تأبط شرا) العدواني (1) " فكأنها خيوطة ماري تغار وتقتل " وماري كان رجلا حبالا يعمل الخيوط " وظاهر هذين الخبرين النهي عن الخمرة المدنية لانها تعمل بالسيور وهي الجلود مع ان الظاهر ان ما تعمل به من سيور أو خيوط يكون مستورا بسعف النخل الذي تعمل منه فالسجود انما يقع على السعف، ولعل بناء الفرق في رواية علي بن الريان على ان ما يعمل بالخيوط تكون الخيوط فيه مستورة بالسعف واما ما يعمل بالسيور فانها تظهر بين السعف أو تغطى على السعف فلا يقع السجود على السعف بالكلية فيكون النهي محمولا على التحريم، اولا يحصل الجزء الاكمل من السجود فيكون النهي للكراهة، قال في الذكرى: لو عملت بالخيوط من جنس ما يجوز السجود عليه فلا اشكال في جواز السجود عليها ولو عملت بسيور فان كانت مغطاة بحيث تقع الجبهة على الخوص صح السجود ايضا ولو وقعت على السيور لم يجز وعليه دلت رواية ابن الريان. واطلق في المبسوط جواز السجود على المعمولة بالخيوط. انتهى. وظني ان ما ذكرناه من التفصيل اظهر.
(الخامس) اختلفت الرواية في جواز السجود على القير ففي صحيحة زرارة المتقدمة النهي عن ذلك، وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن عمرو بن سعيد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " لا تسجد على القير ولا على القفر ولا على الصاروج " ورواه الكليني مثله إلا انه ترك ذكر القفر. وعن صالح بن الحكم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة ؟ فقال ان رجلا سأل ابي عن الصلاة في السفينة فقال له أترغب عن صلاة نوح (عليه السلام) فقلت له آخذ معي مدرة
(1) كذا في فروع الكافي وفي التهذيب (الفهمى) بدل (العدواني) وكذا في تاج العروس مادة (ابط) (2) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه (3) الوسائل الباب 13 من القبلة
[ 256 ]
اسجد عليها ؟ قال نعم ". وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح (1) قال: " سأل معاوية بن عمار ابا عبد الله (عليه السلام) عن السجود على القار قال لا بأس به " وروى في الصحيح عن منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (2) انه قال: " القير من نبات الارض " وفي كتاب المسائل لعلي ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل هل يجزئه ان يسجد في السفينة على القير ؟ قال لا بأس " وقد تقدم في اخبار الصلاة في السفينة (4) في صحيحة معاوية بن عمار قال (عليه السلام) " ويصلى على القير والقفر ويسجد عليه " وروى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار (5) قال: " سأل المعلى بن خنيس ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن السجود على القفر وعلى القير قال لا بأس به " وحمل الشيخ هذه الروايات على الضرورة أو التقية. قال في الوافي: ويجوز حمل النهي على الكراهة. وقال في المدارك بعد ذكر صحيحة زرارة وصحيحة معاوية بن عمار الواردة في الصلاة في السفينة: ولو قيل بالجواز وحمل النهي عن الكراهة امكن ان لم ينعقد الاجماع على خلافه. اقول: فيه (اولا) ان الاخبار الجواز وان صح سندها كما هو المدار عليه عنده إلا ان اخبار النهي قد اعتضدت باتفاق الاصحاب ظاهرا وبالاخبار المتقدمة المصرحة بانه لا يجوز السجود إلا على الارض أو ما انبتت. و (ثانيا) ما عرفت في غير مقام مما تقدم مما في هذا الحمل من النظر. و (ثالثا) ان العامة متفقون على جواز السجود عليه كما نقله في البحار، وحينئذ فالانسب بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية المقررة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) هو حمل اخبار الجواز على التقية، لكنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم انهم (رضوان الله عليهم) قد نبذوا هذه القواعد وراء ظهورهم
(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه (3) مستدرك الوسائل الباب 5 من ما يسجد عليه
[ 257 ]
وعكفوا على قاعدة الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب. ثم انه لا يخفى عليك انا قد اشرنا في غير موضع مما تقدم إلى اضطراب كلام السيد السند (قدس سره) في حديث ابراهيم بن هاشم وعده في الضعيف تارة وفي الحسن اخرى وفي الصحيح تارة، وفي هذا الموضع قد وصف رواية زرارة المتقدمة بالحصة في موضعين وفي طريقها ابراهيم بن هاشم ووصفها بالصحة ايضا في شرح قول المصنف: " وفي القطن والكتان روايتان " وفي شرح قوله: " المقدمة السابعة في الاذان والاقامة " قال وروى الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا اذنت واقمت... الحديث ".
(السادس) - المراد بالمأكول هو ما يطرد اكله ويعتاد فلو اكل نادرا أو في الضرورة كالعقاقير التي تجعل في الادوية من النباتات التي لم يكثر اكلها لم يعد مأكولا ولو اكل شائعا في قطر دون قطر فاشكال ينشأ من احتمال اختصاص كل قطر بمقتضى عادته ومن صدق المأكول عليه. ولعله ارجح مع كونه اوفق بالاحتياط ولو كان له حالتان يؤكل في احداهما دون الاخرى جاز السجود عليه في احداهما دون الثانية. والظاهر انه لا يشترط في المأكول كونه بحيث ينتفع به بالفعل بل تكفي القوة القريبة فلو توقف الاكل على طحن أو طبخ أو نحوهما واللبس على غزل ونسج وخياطة لم يخرجه ذلك عن صدق المأكول والملبوس عليه قبل تلك الحال، ونقل عن العلامة في التذكرة والمنتهى انه جوز الجسود على الحنطة والشعير قبل الطحن، وعلله في المنتهى بكونهما غير مأكولين عادة، وعلله في التذكرة بان القشر حائل بين المأكول والجبهة. ورد الاول بان الافتقار إلى العلاج لا يخرجهما عن كونهما مأكولين عادة. والثاني بان العادة في الصدر الاول جرت باكلهما غير منخولين كما لا يخفى على من راجع الاخبار، ونقل ان اول من نخل الدقيق معاوية. مع ان النخل لا يأتي على جميع الاجزاء القشرية
(1) الوسائل الباب 4 من الاذان والاقامة
[ 258 ]
لان الاجزاء الصغيرة تنزل مع الدقيق فتؤكل، وكونها تابعة للدقيق في الاكل لا يمنع من كونها مأكولة لصدق الاكل في الجملة. ونقل عن العلامة في النهاية انه جوز السجود على القطن والكتان قبل غزلهما وقوى جواز السجود على الكتان قبل غزله ونسجه وتوقف فيه بعد غزله. والمشهور بين الاصحاب المنع في الكل إلا انه نقل في كتاب البحار (1) عن كتاب تحف العقول قال " قال الصادق (عليه السلام): وكل شي يكون غذاء الانسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود إلا ما كان من نبات الارض من غير ثمر قبل ان يصير مغزولا فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه إلا في حال الضرورة " وهو ظاهر في ما ذكره في النهاية، وربما استفيد منه بطريق الفحوى الدلالة على جواز السجود على ما كان كذلك مما يتوقف الانتفاع به على علاج بان يكون ذكر الغزل من قبيل التمثيل.
(السابع) - لو وضع الانسان تربة أو شيئا مما يصح السجود عليه تحت كور عمامته وسجد عليه، أو لو كانت قلنسوته من النبات الغير المأكول ولا الملبوس عادة وسجد عليها فلا اشكال في صحة السجود كذلك، ونقل عن الشيخ المنع من السجود على ما هو حامل له ككور العمامة وطرف الرداء، قال في الذكرى: فان قصد لكونه من جنس ما لا يسجد عليه فمرحبا بالوفاق وان جعل المانع نفس الحمل كمذهب بعض العامة (2) طولب بدليل المنع، مع انه قد روى أبو بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم اورد الرواية وقد تقدمت في المقام الثالث (3) واورد رواية احمد بن عمر (4) الدالتين على السجود على المحمول، ثم قال وان احتج برواية الاصحاب عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (5) في السجود على العمامة " لا يجزئه ذلك حتى تصل جبهته إلى الارض " قلنا لا دلالة فيه على كون المانع الحمل بل جاز لفقد كونه مما يسجد عليه. انتهى. وهو جيد
(1) ج 18 الصلاة ص 366 (2) الفقه على المذاهب الاربعة قسم العبادات ص 162 (3) و (4) ص 252 (5) الوسائل الباب 14 من ما يسجد عليه
[ 259 ]
(الثامن) - لا خلاف ولا اشكال في ان السجود على الارض افضل مما انبتت لانه ابلغ في التذلل والخضوع المطلوب في هذا المقام. ويعضد ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ عن اسحاق بن الفضل (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن السجود على الحصر والبواري فقال لا بأس وان تسجد على الارض احب الي فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحب ذلك ان يمكن جبهته من الارض فانا احب لك ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه " ورى الصدوق في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " السجود على الارض افضل لانه ابلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل " قال وقال الصادق (عليه السلام) (3) " السجود على الارض فريضة وعلى غير الارض سنة ". اقول: قيل في معناه وجوه: (الاول) ما ذكره الكثر من ان السجود على الارض ثوابه ثواب الفريضة وعلى ما انبتته ثوابه ثواب السنة. (الثاني) - ان المستفاد من امر الله تعالى بالسجود انما هو وضع الجبهة على الارض إذ هو غاية الخضوع والعبودية واما جواز وضعها على غير الارض فانما استفيد من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وقوله رخصة ورحمة. (الثالث) - ان يكون المراد بالارض اعم منها ومما انبتته والمراد بغير الارض تعيين شئ خاص للسجود كالخمرة واللوح أو الخريطة من طين قبر الحسين (عليه السلام). ولا يخلو من بعد إلا انه يؤيده ما رواه الكليني مرسلا (4) انه قال: " السجود على الارض فريضة وعلى الخمرة سنة " لكن يمكن ارجاع هذا الخبر إلى الوجه الثاني بان يحمل ذكر الخمرة على التمثيل لما كان غير ارض، وحاصل المعنى ان السجود على الارض فريضة
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 17 من ما يسجد عليه (4) الوسائل الباب 11 من ما يسجد عليه
[ 260 ]
وغيرها مما امر به النبي (صلى الله عليه وآله) ووردت به السنة المطهرة من الخمرة ونحوها سنة، وحينئذ فيبقى هذا الوجه على ما هو عليه من الضعف كما ذكرنا. وافضل افراد الارض في السجود التربة الحسينية على مشرفها افضل الصلاة والسلام والتحية، فروى الصدوق (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الارضين السبعة، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبحا وان لم يسبح بها ". وروى الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه (2) " انه كتب إليه يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر هل فيه فضل ؟ فأجاب (عليه السلام) يجوز ذلك وفيه الفضل ". وروى الشيخ في كتاب المصباح عن معاوية بن عمار (3) قال: " كان لابي عبد الله (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة ابي عبد الله (عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثم قال ان السجود على تربة ابي عبد الله (عليه السلام) يخرق الححب السبع ". وروى الحسن بن محمد الديلمى في كتاب الارشاد (4) قال: " كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلا على تربة الحسين (عليه السلام) تذللا لله واستكانة إليه ".
فوائد:
(الاولى) الحق سلار بالتربة الحسينية في استحباب السجود عليها اللوح المتخذ من خشب قبورهم (عليهم السلام) سواء في ذلك قبر الحسين وغيره من الائمة (عليهم السلام) ولم نقف على مأخذه وبذلك اعترف شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد نقل المصنف ذلك عنه.
(الثانية) - قال شيخنا المشار إليه في الشرح المذكور: ولا فرق في التربة الشريفة بين ما شوى منها بالنار وغيره في اصل الافضلية لشمول التربة الواردة في الخبر
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه
[ 261 ]
السابق لهما لكن يكره السجود على المشوي خصوصا إذا بلغ حد الخزف على الاقوى انتهى اقول: لا يخفى ان هذه السبح المستعملة الآن من التربة المطبوخة فانها تصير كالخزف فبعين ما يقال فيه من الخروج عن الارضية بالطبخ وعدمه يقال فيها ايضا. ولي في ذلك توقف للشك في الخروج وعدمه والاحتياط فيها عندي واجب كما تقدم ويأتي ان شاء الله تعالى.
(الثالثة) - احتمل شيخنا المشار إليه في شرح النفلية حمل التربة في كلام المصنف على ما يعم ما اتخذ من قبر الحسين وغيره من الائمة والانبياء (عليهم السلام) الذين ثبت لهم تربة معينة وكذا الشهداء والصالحين، قال إذ لا شك في تقدسها بواسطتهم كما تقدست التربة الحسينية بذلك وان كانت متظافرة بها، وروى (1) " انهم كانوا يتخذون السبح من تربة حمزة (عليه السلام) قبل قتل الحسين (عليه السلام) وان فاطمة (عليها السلام) كانت لها سبحة منها فلما قتل الحسين (عليه السلام) اتخذت من تربته الشريفة وندب إليها الائمة عليهم السلام " ومن قرائن ارادة العموم نقله عن سلار بعد ذلك اللوح المتخذ من خشب قبورهم (عليهم السلام) ولان شرف التربة اقوى من شرف الخشب. انتهى. اقول: يمكن تطرق البحث إليه بان الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل الواضح وما ذكره من التعليل المذكور لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، ولم لا يجوز اختصاص الحسين (عليه السلام) بذلك ؟ كما خص بان الشفاء في تربته واجابة الدعاء تحت قبته وجعل الائمة من ذريته (2) وان كان غيره من الائمة والانبياء والصلحاء من يرجى بهم ذلك ايضا.
(التاسع) - قد عرفت دلالة الاخبار المتكاثرة على انه لا يجوز السجود إلا على الارض أو ما انبتت وقضية ذلك دوران الصحة مدار صدق الارضية بالنسبة إلى الارض.
(1) الوسائل الباب 16 من التعقيب (2) الوسائل الباب 76 من المزار
[ 262 ]
وقد حصل الاشكال بسبب ذلك هنا في اشياء:
(الاول) الخزف وفي خروجه بالطبخ عن الارضية تردد، وظاهر المشهور بين المتأخرين جواز السجود عليه من غير تردد ولا نقل خلاف حتى ان العلامة في التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الارض بجواز السجود عليه وهو مشعر بان جواز السجود عليه امر مسلم بين الكل، والمحقق في المعتبر مع منعه من التيمم به لخروجه بالطبخ عن اسم الارض جوز السجود عليه فقال بعد المنع من التيمم لخروجه عن اسم الارض: ولا يعارض بجواز السجود لانه قد يجوز السجود على ما ليس بارض كالكاغذ وقد تقدم بيان ضعف هذا الكلام في باب التيمم من كتاب الطهارة. وبالجملة فالقائلون بالجواز انما جوزوا ذلك من حيث عدم خروج الخزف بالطبخ عن اسم الارض كما صرح به الشهيدان وغيرهم وان صرحوا بالكراهة تفصيا من احتمال الخروج. وممن صرح بالخروج المحقق كما عرفت واليه يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة والمتقدمون لم يتعرضوا لذكر هذه المسألة، ويعضد هذا القول ما تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي من قوله في تعداد ما يمنع من السجود عليه: " ولا على آجر يعنى المطبوخ " وهذا التفسير يحتمل ان يكون منه (عليه السلام) أو من جامع الكتاب، ومن الظاهر ان المنع انما هو من الجهة التي ذكرنا. قال في المدارك: والاولى اجتنابه لما ذكره المصنف من خروج بالطبخ عن اسم الارض وان امكن توجه المنع إليه فان الارض المحترقة يصدق عليها اسم الارض عرفا. ويمكن ان يستدل على الجواز ايضا بما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن الحسن ابن محبوب عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) " انه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه: ان الماء والنار قد طهراه " وجه الدلالة انها تدل بظاهرها على جواز السجود على الجض والخزف في معناه
(1) الوسائل الباب 81 من النجاسات و 10 من ما يسجد عليه
[ 263 ]
ويؤيده الاخبار الكثيرة المتضمنة لجواز السجود على القرطاس وصحيحة معاوية بن عمار المتضمنة لجواز السجود على القير (1) انتهى. وفيه بحث حررناه في شرحنا على الكتاب وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف والاحتياط فيها واجب وقد تقدم في باب التيمم ما فيه زيادة بيان لما اخترناه في المقام. واما صحيحة الحسن بن محبوب المذكورة فقد تقدم تحقيق معناها في كتاب الطهارة في مسألة تطهير النار من المطهرات العشرة فليرجع إليه من احب الوقوف عليه.
و (الثاني والثالث) الجص والنورة قبل الاحراق وبعد الاحراق، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك في باب التيمم من كتاب الطهارة، والحكم في البابين واحد فانه متى ثبتت الارضية ترتب عليها جواز السجود والتيمم ومتى انتفت انتفيا.
(المسألة السابعة) - قد تقدم نقل اتفاق الاصحاب على طهارة موضع السجود وانه لا يجوز السجود على النجس وان لم تتعد نجاسته إلى المصلى. ومن قواعدهم ايضا ان المشتبه بالنجس في حكم النجس في المواضع المحصورة، وحينئذ فلو حصل الاشتباه في موضع محصور امتنع السجود عليه. وقد تقدم البحث في هذه المسألة منقحا في كتاب الطهارة في المسألة الرابعة من البحث الاول من المقصد الثاني من الباب الخامس في الطهارة من النجاسات من ابواب الكتاب المذكور.
<>