تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السابع


تتمة

في أحكام المساجد

قد استفاضت الاخبار بفضل بناء المساجد والسعي إليها والصلاة فيها، قال الله تعالى " انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين " (2). وروى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبيدة الحذاء (3)


 (2) سورة التوبة، الآية 18 (3) الوسائل الباب 8 من احكام المساجد


[ 264 ]

قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة قال أبو عبيدة فمر بي أبو عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة وقد سويت باحجار مسجدا فقلت له جعلت فداك نرجو ان يكون هذا من ذاك ؟ فقال نعم ". وروى في الفقيه باسناده عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " من بنى مسجدا كمفحص قطاة بني الله له بيتا في الجنة. قال أبو عبيدة ومر بي وانا بين مكة والمدينة اضع الاحجار فقلت هذا من ذلك ؟ فقال نعم ". وروى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " ان الله إذا اراد ان يصيب اهل الارض بعذاب قال لو لا الذين يتحابون في ويعمرون مساجدي ويستغفرون بالاسحار لولاهم لانزلت عذابي ". وروى احمد بن محمد البرقي في المحاسن بسنده عن هشام الحلال (3) قال: " دخلت انا وابو الصباح على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو الصباح ما تقول في هذه المساجد التي بنتها الحاج في طريق مكة ؟ فقال بخ بخ تلك افضل المساجد، من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى الله بيتا في الجنة ". وروى الشيخ في التهذيب عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " من مشى إلى المسجد لم يضع رجلا على رطب ولا يابس إلا سبحت له الارض إلى الارض السابعة ". وروى في كتاب عقاب الاعمال بسنده فيه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (5) قال: " من مشى إلى مسجد من مساجد الله تعالى فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 8 من احكام المساجد (4) و (5) الوسائل الباب 4 من احكام المساجد


[ 265 ]

وروى الشيخ في التهذيب بسنده عن الاصبغ عن علي بن ابي طالب (عليه السلام ((1) قال: " كان يقول من اختلف إلى المسجد اصاب احدى الثمان: اخا مستفادا في الله أو علما مستطرفا أو آية محكمة أو يسمع كلمة تدله على هدى أو رحمة منتظرة أو كلمة ترده عن ردى أو يترك ذنبا خشية أو حياء ". وروى في الكافي في الصحيح عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجبرئيل يا جبرئيل اي البقاع احب إلى الله تعالى ؟ قال المساجد، واحب اهلها إلى الله اولهم دخولا وآخرهم خروجا منها ". وقال في الفقيه (3): " وروى ان الله تبارك وتعالى ليريد عذاب اهل الارض حتى لا يحاشى منهم احدا فإذا نظر إلى الشيب ناقلى اقدامهم إلى الصلوات والولدان يتعلمون القرآن رحمهم الله فاخر ذلك عنهم ". وروى الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) من كان القرآن حديثه والمسجد بيته بنى الله له بيتا في الجنة ". وعن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: " لا صلاة لمن لم يشهد الصلوات المكتوبات من جيران المسجد إذا كان فارغا صحيحا " وروى شيخ الطائفة في كتاب المجالس عن ابي ذر (رضي الله عنه) في حديثه الطويل مما اوصاه به رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) قال: " يا ابا ذر من اجاب داعي الله واحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنة. فقلت بابي انت وامي


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من احكام المساجد (2) السوائل الباب 68 من احكام المساجد (5) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد (6) البحار 18 الصلاة ص 132 وفي الوسائل الباب 17 من احكام المساجد و 2 من المواقيت


[ 266 ]

يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف يعمر مساجد الله ؟ قال لا ترفع فيها الاصوات ولا يخاض فيها بالباطل ولا يشترى فيها ولا يباع واترك اللغو ما دمت فيها فان لم تفعل فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك، يا ابا ذر ان الله يعطيك ما دمت جالسا في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة في الجنة وتصلى عليك الملائكة ويكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات ويمحى عنك عشر سيئات. يا ابا ذر يقول الله ان احب العباد الي المتحابون بحلالي المتعلقة قلوبهم بالمساجد المستغفرون بالاسحار اولئك إذا اردت باهل الارض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم ؟ يا ابا ذر كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة: قراءة مصل أو ذاكر الله تعالى أو مسائل عن علم... الحديث ". وروى في كتاب الهداية مرسلا (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التوراة مكتوب ان بيوتي في الارض المساجد فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي إلا ان على المزور كرامة الزائر إلا بشر المشاءين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة ". وروى الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق بن الزبير الخلقاني (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله تعالى إليها وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ولا اظهرت لهم في الناس عدالة ولا نالتهم رحمتي ولا جاوروني في جنتي ". اقول: يمكن حمل هذا الخبر على ظاهره بالنسبة إلى من هجر المساجد تهاونا بحرمتها واستخفافا بما حث الله تعالى عليه من اتيانها، ومثله في الاخبار غير عزيز وإلا فحمله على ظاهره مطلقا مشكل. وروى الشيخان ثقة الاسلام في الكافي والشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن


(1) مستدرك الوسائل الباب 30 من احكام المساجد (2) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد


[ 267 ]

عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنى مسجده بالسميط، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو امرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فامر به فزيد فيه وبناه بالسعيدة، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو امرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فامر به فزيد فيه وبنى جداره بالانثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو امرت بالمسجد فظلل فقال نعم فامر به فاقيمت فيه سوارى من جذوع النخل ثم طرحت عليه العوارض والخصف والاذخر فعاشوا فيه حتى اصابتهم الامطار فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو امرت بالمسجد فطين فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا، عريش كعريش موسى (عليه السلام) فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان جداره قبل ان يظلل قامة فكان إذا كان الفئ ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر. وقال السميط لبنة لبنة والسعيدة لبنة ونصف والانثى والذكر لبنتان متخالفتان ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) قد ذكروا للمساجد احكاما: مستحبات ومحرمات ومكروهات وغيرها، فالواجب ذكر الجميع في مقامات اربعة:

(الاول) في المستحبات:

ومنها - اتخاذ المساجد مكشوفة، اما اتخاذها فقد عرفت استفاضة الاخبار به مضافا إلى الاجماع من الخاصة والعامة، واما استحباب كونها مكشوفة فاستدلوا عليه بما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المساجد المظللة أيكره الصلاة فيها ؟ قال نعم ولكن لا يضركم اليوم ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك ". اقول: فيه ان ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنته المتقدمة هو استحباب


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من احكام المساجد


[ 268 ]

التظليل وهو الذي فعله (صلى الله عليه وآله) لما شكوا إليه شدة الحر والمكروه انما هو التسقيف وهو الذي امتنع منه لما شكوا إليه المطر. وشيخنا الشهيد في الذكرى بعد ان ذكر الحكم المذكور استشعر ما ذكرناه فقال في الجمع بين الخبرين المذكورين جاعلا التأويل في جانب خبر الحلبي: ولعل المراد به تظليل جميع المسجد أو تظليل خاص أو في بعض البلدان وإلا فالحاجة ماسة إلى التظليل لدفع الحر والقر. وعلى هذا نسج من تأخر عنه. اقول: الظاهر ان وجه الجمع بين الخبرين انما هو حمل التظليل في خبر الحلبي على التسقيف الذي ظهر كراهته من خبر عبد الله بن سنان، ويؤيده انه هو الذي صار معمولا عليه بعد موته (صلى الله عليه وآله) إذ المستفاد من الاخبار ان المساجد في زمن خلفاء الجور من الاموية والعباسية كانت مسقفة بل مزخرفة كما ستأتي الاشارة إليه ان شاء الله تعالى، واليه يشير قوله (عليه السلام): " ولو كان العدل لرأيتم... الخ " اشارة إلى كسر تلك السقوف بعد قيام القائم (عجل الله فرجه) كما يدل عليه ما رواه في الفقيه مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " اول ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسرها ويأمر بها فتجعل عريشا كعريش موسى عليه السلام " وما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده عن ابي بصير (2) قال: " إذا قام القائم (عليه السلام) دخل الكوفة وامر بهدم المساجد الاربعة حتى يبلغ اساسها ويصيرها عريشا كعريش موسى عليه السلام... " اقول: قال الجوهري العرش والعريش ما يستظل به. ومن ذلك يظهر ان المراد بالتظليل في خبر الحلبي انما هو السقوف فانها هي التي يكسرها (عليه السلام) لا التظليل فانه يجعل تلك المساجد بعد خراب السقوف مظللة. وهذا بحمد الله سبحانه اظهر ظاهر لكل ناظر.

ومنها - جعل الميضاة على ابوابها، والمراد بالميضاة الموضع الذي يتطهر فيه من


(1) الوسائل الباب 9 من احكام المساجد (2) مستدرك الوسائل الباب 7 من احكام المساجد


[ 269 ]

البول والغائط وهو كناية عن مواضع قذف النجاسة والتطهير منها. ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم واجعلوا مطاهركم على ابواب مساجدكم ". ونقل في البحار (2) عن اصل من اصول اصحابنا بسنده فيه عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضعوا المطاهر على ابواب المساجد ". ونقل في البحار (3) عن الراوندي في النوادر باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع اصواتكم إلا بذكر الله تعالى وبيعكم وشراءكم وسلاحكم وجمروها في كل سبعة ايام وضعوا المطاهر على ابوابها. وايد بعض الاصحاب الحكم المذكور بانها لو جعلت داخلها لتأذى المسملون برائحتها وهو مطلوب الترك. ونقل عن ابن ادريس انه منع من جعل الميضاة في وسط المسجد قال في الذكرى وهو حق ان لم تسبق المسجد وهو جيد لانه متى بنى المسجد بعد تقدم المطهرة وجعل حولها بحيث تكون في وسطه فانه لا موجب للمنع إلا من حيث عدم رعاية الادب والاحترام المطلوب في هذا المكان. واما حكم الوضوء في المسجد فقد تقدم في المسألة الثامنة عشرة من المسائل الملحقة بالوضوء من كتاب الطهارة إلا انه قال السيد السند هنا في المدارك: ولم يتعرض المصنف لحكم الوضوء في المسجد وقد قطع العلامة ومن تأخر عنه بكراهته من البول والغائط لما


(1) الوسائل الباب 27 و 25 من احكام المساجد والراوي في كتب الحديث هو (عبد الحميد) (2) ج 18 الصلاة ص 136 (3) ج 18 الصلاة ص 107


[ 270 ]

رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من الغائط والبول " ويمكن حمل الوضوء فيها على الاستنجاء أو على ما يتناوله كما اومأ إليه في المعتبر. انتهى. اقول: ظاهره انه مع حمل الوضوء في الخبر على الاستنجاء فغاية ما يدل عليه هو الكراهة. وهو على اطلاقه مشكل لانهم وان صرحوا بطهارة ماء الاستنجاء إلا ان ذلك مشروط بشروط مذكورة ثمة وليس كل استنجاء يكون كذلك بل المعلوم عادة هو اختلال بعض الشروط وحينئذ فيكون نجسا، وظاهر الاصحاب الاتفاق على تحريم ادخال النجاسة المتعدية إلى المسجد وآلاته وبه صرح هو ايضا، واليه يشير جملة من الاخبار مثل رواية تعاهد النعلين عند دخول المسجد (2) ورواية امر النبي (صلى الله عليه وآله) بتطهير بول الاعرابي في المسجد (3) وظاهر قوله عزوجل "... فلا تقربوا المسجد الحرام... " (4) وعلى هذا فالاظهر بناء على حمل الوضوء على الاستنجاء هو حمل الكراهة في الخبر على التحريم فان اطلاقها بهذا المعنى اكثر كثير كما اشرنا إليه في غير موضع وبه اعترف السيد المشار إليه في مواضع من شرحه. والله العالم.

ومنها - تجمير المساجد في كل سبعة ايام وهذا الحكم وان لم يذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) إلا انه مدلول خبر الراوندي المذكور في سابق هذا الموضع ونحوه في كتاب دعائم الاسلام حيث قال عن علي (عليه السلام) (5) قال: " جنبوا مساجدكم رفع اصواتكم وبيعكم وشرائكم وسلاحكم وجمروها في كل سبعة ايام وضعوا فيها المطاهر " واصحابنا يكتفون في ادلة السنن بامثال هذه الاخبار بل ما هو اضعف. وما تضمنه هذا الخبر من قوله: " وضعوا فيها المطاهر " الظاهر جعل " في " تعليلية مثل قوله (صلى الله


(1) الوسائل الباب 57 من الوضوء (2) الوسائل الباب 24 من احكام المساجد (3) ج 1 ص 309 (4) سورة التوبة، الآية 28 (5) البحار ج 18 الصلاة ص 136


[ 271 ]

عليه وآله) (1) " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها " فلا ينافي ما تقدم من استحباب جعلها على ابواب المساجد.

ومنها - جعل المنارة في الحائط لا في وسط المسجد، وعلله العلامة في النهاية بما فيه من التوسعة ورفع الحجاب بين المصلين، واطلق الشيخ في النهاية المنع من جعل المنارة في وسط المسجد. قيل وهو حق ان تقدمت المسجدية على بنائها. اقول: لم اقف في هذا المقام على خبر عنهم (عليهم السلام) نعم ورد ما يدل على النهي عن ارتفاع المنارة وبه قال الاصحاب ايضا حيث صرحوا بكراهة ارتفاع المنارة زيادة على سطح المسجد لئلا يشرف المؤذنون على جيران المسجد، ويدل عليه ما رواه السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) مر على منارة طويلة فامر بهدمها ثم قال لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " ونقل شيخنا في البحار (3) عن كتاب كشف الغمة نقلا من دلائل الحميري عن ابي هاشم الجعفري قال: " كنت عند ابي محمد (عليه السلام) فقال إذا خرج القائم امر بهدم المنار والمقاصير التي في المساجد فقلت في نفسي لاي معنى هذا ؟ فاقبل علي فقال معنى هذا انها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة ". اقول: قد ذكر بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) ان تطويل المنارة من بدع عمر. ويؤيده ما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن جعفر (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الاذان في المنارة أسنة هو ؟ فقال انما كان يؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله) في الارض ولم يكن يومئذ منارة " واما المقاصير وهي المحاريب الداخلة كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى فهي من بدع الاموية.


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 114 عن ابن عمر قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض ". (2) و (4) الوسائل الباب 25 من احكام المساجد (3) ج 18 الصلاة ص 134


[ 272 ]

ومنها - تقديم الرجل اليمنى للدخول والرجل اليسرى للخروج، قال في المدارك علله في المعتبر بان اليمين اشرف فيدخل بها إلى الموضع الشريف وبعكسه الخروج. اقول: ظاهر اقتصار هذين الفاضلين على هذا التعليل عدم وقوفهما على نص يدل على ذلك مع انه روى ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال قال: " الفضل في دخول المسجد ان تبدأ برجلك اليمنى إذا دخلت وباليسرى إذا خرجت ".

ومنها - تعاهد نعله عند الدخول لما رواه الشيخ عن عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " قال قال النبي (صلى الله عليه وآله) تعاهدوا نعالكم عند ابواب مساجدكم ". وروى الحسن بن الفضل الطبرسي في كتاب مكارم الاخلاق عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " في قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد (4). قال تعاهدوا نعالكم عند ابواب المساجد ". والمشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو تفسير التعاهد باستعلام حالها عند الدخول استظهارا للطهارة. واحتمل بعض مشايخنا ان المراد بتعاهد النعل ان يودعه عند امين ونحوه لئلا يشتغل قبله في حال الصلاة به. والظاهر بعده، قال الجوهري: التعهد التحفظ بالشئ وتجديد العهد به وهو افصح من قولك تعاهدت لان التعاهد انما يكون بين اثنين. قال شيخنا في البحار بعد نقل ذلك عنه: اقول ورود الرواية عن افصح الفصحاء يدل على خطأ الجوهري بل يطلق التفاعل في ما لم يكن بين اثنين للمبالغة إذ ما يكون بين اثنين يكون المبالغة والاهتمام فيه اكثر. اقول: لا يخفى ان لفظ التعاهد قد ورد كثيرا في الاخبار وكلام البلغاء بمعنى التعهد كما ورد في تعاهد


(1) الوسائل الباب 40 من احكام المساجد (2) و (3) الوسائل الباب 24 من احكام المساجد (4) سورة اعراف. الآية 31


[ 273 ]

الجيران وتعاهد القرآن وقولك فلان يتعاهدنا اي يراعينا ويحنو علينا، وبالجملة فان استعمال التعاهد بمعنى التعهد كثير شائع فلا منافاة بين ما ذكره الجوهري وبين وروده في الاخبار ولا ضرورة إلى تخطئة الجوهري فان استعمال المجاز شائع في القرآن والاخبار اكثر من استعمال الحقائق، فالتعاهد وان كان من حيث الاصل والحقيقة لا يستعمل إلا بين اثنين كما هو قاعدة باب التفاعل إلا انه يستعمل بمعنى التعهد مجازا شائعا.

ومنها - الدعاء عند دخول المسجد وعند الخروج منه واستحباب الوقوف والدعاء بعد الخروج فروى ثقة الاسلام في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا دخلت المسجد فصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وإذا خرجت فافعل ذلك ". وروى الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: " إذا دخلت المسجد فقل بسم الله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ان الله وملائكته يصلون على محمد وآل محمد والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب فضلك. وإذا خرجت فقل مثل ذلك ". وعن عبد الله بن الحسن (3) قال: " إذا دخلت المسجد فقل اللهم اغفر لي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرجت فقل اللهم اغفر لي وافتح لي ابواب فضلك ". ورواه الحسن بن الشيخ الطوسي في مجالسه بسنده عن عبد الله بن الحسن عن امه فاطمة عن جدته فاطمة (عليها السلام) (4) قالت: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل المسجد صلى على النبي وقال اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج من الباب صلى على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب فضلك " اقول: ومن هذا الخبر يعلم ان عبد الله بن الحسن في رواية التهذيب هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام وامه فاطمة


(1) الوسائل الباب 40 من احكام المساجد (2) و (3) الوسائل الباب 39 من احكام المساجد (4) الوسائل الباب 41 من احكام المساجد


[ 274 ]

بنت الحسين (عليه السلام) وجدته فاطمة الزهراء (عليها السلام). وروى في الكافي عن ابي حفص العطار شيخ من اهل المدينة (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى احدكم المكتوبة وخرج من المسجد فليقف بباب المسجد ثم ليقل اللهم دعوتني فاجبت دعوتك وصليت مكتوبتك وانتشرت في ارضك كما امرتني فاسألك من فضلك العمل بطاعتك واجتناب سخطك والكفاف من الرزق برحمتك".

ومنها - التطهير لدخول المسجد فروى الصدوق (2) قال: " روى ان في التوراة مكتوبا ان بيوتي في الارض المساجد فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتى... الحديث " وقد تقدم نقلا عن هداية الصدوق، ورواه ايضا في ثواب الاعمال وفي العلل (3) كما مر. وروى الشيخ في التهذيب بسنده عن العلاء بن الفضيل عن من رواه عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا دخلت المسجد وانت تريد ان تجلس فلا تدخله إلا طاهرا وإذا دخلته فاستقبل القبلة ثم ادع الله واسأله وسم حين تدخله واحمد الله وصل على النبي صلى الله عليه وآله.

ومنها - كنسها واخراج الكناسة ولا سيما يوم الخميس وليلة الجمعة لما رواه الشيخ عن عبد الحميد عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (5) قال " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كنس المسجد يوم الخميس وليلة الجمعة فاخرج منه من التراب ما يذر في العين غفر الله له " ورواه الصدوق في كتبه مسندا في بعض ومرسلا في آخر (6). وروى في الامالي بسنده عن سلام بن غانم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (7) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال من قم مسجدا كتب الله له عتق رقبة ومن اخرج منه


(1) الوسائل الباب 41 من احكام المساجد (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 39 من احكام المساجد (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 32 من احكام المساجد


[ 275 ]

ما يقذى عينا كتب الله عزوجل له كفلين من رحمته " ورواه البرقي في المحاسن مثله.

ومنها - الاسراج فيها لما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن انس (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج " ورواه الصدوق في كتبه مرسلا في بعض ومسندا في آخر (2) واطلاق الخبر اعم من ان يكون في المسجد من يصلى ام لا وبه صرح بعض الاصحاب. قالوا ولا يتوقف ذلك على اذن الناظر إذا كان ما يسرج به من مال المسرج نعم لو كان من مال المسجد توقف عليه. ولو لم يكن له ناظر معين وتعذر استئذان الحاكم جاز لآحاد ثقات المؤمنين تولى ذلك فعلا واذنا كما في سائر الامور الحسبية.

ومنها - تحية المسجد لما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار والخصال بسنده فيهما عن ابي ذر (رضي الله عنه) (3) قال: " دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد جالس فقال يا ابا ذر ان للمسجد تحية. قلت وما تحيتة ؟ قال ركعتان تركعهما... الحديث ". وروى الصدوق في الفقيه عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) في حديث المنهي قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تجعلوا المساجد طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين ". وروى في الذكرى عن ابي قتادة عن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) قال: " إذا دخل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع " وليدع الله تعالى عقيبهما وليصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وان لم يصل جلس مستقبل القبلة وحمد الله وصلى على النبي ودعا


(1) و (2) الوسائل الباب 34 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 42 من احكام المساجد (4) الوسائل الباب 67 من احكام المساجد (5) ارجع إلى التعليقة 1 ص 276


[ 276 ]

الله وسأل حاجته. اقول: لا يبعد ان يكون هذا الخبر من طريق العامة (1) فاني لم اقف عليه في كتب اخبارنا ولا سيما البحار الجامع لجميع الاخبار.

ومنها - التطيب ولبس الثياب الفاخرة عند قصد المسجد والدعاء فيه لما رواه في الكافي عن الحسين بن يزيد عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان علي بن الحسين (عليهما السلام) استقبله مولى له في ليلة باردة وعليه جبة خز ومطرف خز وعمامة خز وهو متغلف بالغالية فقال جعلت فداك في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة إلى اين ؟ فقال إلى مسجد جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخطب الحور العين إلى الله عزوجل ". وعن محمد بن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: " خرج علي بن الحسين (عليهما السلام) ليلة وعليه جبة خز وكساء خز قد غلف لحيته بالغالية فقالوا في هذه الساعة في هذه الهيئة إلى اين ؟ فقال اني اريد ان اخطب الحور العين إلى الله عزوجل في هذه الليلة ".

ومنها - تعدد الصلاة في بقاء المسجد لما رواه الصدوق في كتاب المجالس (4) عن مرازم عن الصادق (عليه السلام) انه قال: " عليكم باتيان المساجد فانها بيوت الله في الارض ومن اتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه وكتب من زواره فاكثروا فيها من الصلاة والدعاء وصلوا من المساجد في بقاع مختلفة فان كل بقعة تشهد للمصلى عليها يوم القيامة ".

(المقام الثاني) - في المحرمات وهي - على ما ذكره الاصحاب - امور:


(1) في صحيح مسلم ج 5 ص 226 عن ابى قتادة " إذا دخل احدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ". (2) و (3) الوسائل الباب 23 من احكام المساجد (4) ص 216 وفي الوسائل في الباب 10 من الوضوء و 42 من مكان المصلى


[ 277 ]

(الاول) ادخال النجاسة إليها، وقد تقدم البحث في ذلك في صدر البحث الثاني من المقصد الثاني من الباب الخامس من كتاب الطهارة، وقد اوضحنا ثمة انهم لا دليل لهم وراء الاجماع بالنسبة إلى النجاسة المتعدية إلا ان في اخبار تعاهد النعل عند دخول المسجد ما يشير إلى ذلك والاحتياط ظاهر. وذكر جملة منهم تحريم ازالة النجاسة فيها وعلله في المعتبر بان ذلك يعود إليها بالتنجيس. ومقتضاه اختصاص التحريم بما إذا استلزمت الازالة تنجيس المسجد، ونقل عن المحقق الشيخ على عموم المنع وان كانت الازالة في ما لا ينفعل كالكثير لما فيه من الامتهان المنافي لقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " جنبوا مساجدكم النجاسة " وهو ضعيف.

و (الثاني) - زخرفتها ونقشها بالصور، والمراد بالزخرفة النقش بالزخرف وهو الذهب وبالصور ما هو اعم من ذوات الارواح وغيرها، وبعضهم كالمحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى عبر بالنقش مطلقا، والشهيد في البيان حرم زخرفتها ونقشها وتصويرها بما فيه روح وكره غيره كالشجرة، وفي الدروس كره الجميع. واستدل عليه في المعتبر والمنتهى بانه بدعة لم يفعل في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ولا احد من الصحابة، وبما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في المساجد المصورة فقال اكره ذلك ولكن لا يضركم ذلك اليوم ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك ". ورده جملة من المتأخرين - الظاهر ان اولهم السيد السند في المدارك - بضعف سند الرواية المذكورة لاشتماله على عدة من المجاهيل والضعفاء، قال والتعليل الاول لا يعطي ازيد من الكراهة.


(1) قال في الوسائل في الباب 24 من احكام المساجد: روى جماعة من اصحابنا في كتب الاستدلال عن النبي " ص " انه قال " جنبوا مساجدكم النجاسة ". (2) الوسائل الباب 15 من احكام المساجد


[ 278 ]

اقول: ما ذكره في الجواب عن الاول جيد. واما الجواب عن الرواية فالاظهر ان يقال انها انما اشتملت على لفظ الكراهة وهو اعم من التحريم فلا تقوم حجة على التحريم ويعضد ذلك ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المسجد يكتب في القبلة القرآن أو شئ من ذكر الله قال لا بأس. وسألته عن المسجد ينقش في قبلته بجص أو اصباغ قال لا بأس " فانه ظاهر في جواز النقش مطلقا. وما ذكره في الخبر من جواز كتابة القرآن والذكر في قبلة المسجد لا ينافي كراهة النظر إليه حال الصلاة كما تقدم. وبذلك يظهر لك ان ما ذكروه من التحريم هنا لا مستند له يعتمد عليه، نعم الظاهر هو الكراهة في الصور واما النقش فلا.

و (الثالث) - بيع آلاتها وقيده جملة منهم بعدم الحاجة إلى بيعها لعمارته أو عمارة غيره من المساجد فلو بدت الحاجة إلى ذلك لما ذكر لم يحرم بيعها وكذا لو اقتضت المصلحة بيعها كما لو خيف عليها التلف أو كانت رثة لا ينتفع بها في المسجد، قالوا وكما يجوز بيعها لعمارة مسجد آخر يجوز صرفها فيه بطريق اولى لاتحاد المالك وهو الله تعالى. اقول: والمسألة وان كانت عارية عن النصوص على الخصوص لكن كلامهم (رضوان الله عليهم) لا يخرج عن مقتضى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة.

و (الرابع) - اتخاذها أو بعضها في ملك أو طريق بان يتملك ويتصرف فيه تصرف الملاك في املاكهم أو يتخذ طريقا دائما بحيث تنمحي صورة المسجدية على كلا الامرين، ولا ريب في التحريم حينئذ لان ذلك تغيير للوقف وتخريب لموضع العبادة وكلاهما محرم لقوله سبحانه " ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها... الآية " (2) وحينئذ فيجب عليه اعادتها إلى ما كانت عليه بل يجب ذلك على كل ذي قدرة ويد مبسوطة. واما جعلها طريقا مع بقاء المسجدية فسيأتي


(1) الوسائل الباب 15 من احكام المساجد (2) سورة البقرة، الآية 108


[ 279 ]

ذكره ان شاء الله تعالى في المكروهات. وكذا لو زالت آثار المسجدية بالكلية فانه لا يجوز تملكها لان العرصة لا تخرج عن الوقف وما كانت عليه من المسجدية بزوال العمارة وخراب البناء بل احكام المسجدية ثابتة لها وان كانت كذلك من غير شك ولا اشكال.

و (الخامس) - تمكين اليهود والنصارى من دخولها فروى الراوندي بسنده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليمنعن احدكم مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم ومجانينكم أو ليمسخن الله تعالى قردة وخنازير ركعا سجدا ". وروى في كتاب دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (2) انه قال: " لتمنعن مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم ومجانينكم أو ليمسخنكم الله تعالى قردة وخنازير ركعا سجدا ". وظاهر الاصحاب ان منعهم على جهة الوجوب، قال في الذكرى لا يجوز لاحد من المشركين الدخول في المساجد على الاطلاق ولا عبرة باذن المسلم له لان المانع نجاسته للآية (3) (فان قلت) لا تلويث هنا (قلت) معرض له غالبا وجاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر وقول النبي (صلى الله عليه وآله) (4) " من دخل المسجد فهو آمن " منسوخ بالآية وكذا ربط ثمامة في المسجد ان صح (5). انتهى. قال شيخنا في البحار ويحتمل ان يكون القوم الممسوخة من النصاب والمخالفين وقد مسخوا الآن معنى بتركهم الولاية فلم يبق فيهم شئ من الانسانية وقد مسح الصادق (عليه السلام) يده على عين بعض شيعته فرآهم في الطواف بصور القردة والخنازير (6). انتهى. اقول: وحينئذ فما ورد في هذين الخبرين من اضافة المجانين والصبيان محمول على


(1) و (2) البحار ج 18 الصلاة ص 127 و 136 (3) ص 270 (4) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 66 في فتح مكة (5) اسد الغابة ج 1 ص 246 (6) البحار ج 11 ص 74 والحديث بين الباقر " ع " وابى بصير


[ 280 ]

الكراهة كما سيأتي في المقام الثالث ان شاء الله تعالى ويكون النهي هنا مستعملا في التحريم والكراهة، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه كثير في الاخبار وقد تقدم امثاله في غير موضع.

و (السادس) - اخراج الحصى وقيدها بعضهم بما إذا كانت تعد من اجزاء المسجد أو من آلاته اما لو كانت قمامة كان اخراجها مستحبا. واستدل القائلون بالتحريم على ذلك بما رواه وهب بن وهب عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " إذا اخرج احدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر فانها تسبح " وردها جملة من متأخرى المتأخرين: اولهم - صاحب المدارك بضعف وهب بن وهب المذكور وانه لا تعويل على روايته (2) وظاهرهم نفى الحكم بالكلية وان كان على جهة الكراهة، واختار المحقق في المعتبر وجماعة كراهة ذلك. والاكثر حكموا بوجوب الاعادة إلى ذلك المسجد، وقال الشيخ لو ردها إلى غيره من المساجد اجزأ كما دل عليه الخبر. ولعل قوله (عليه السلام) في الخبر " فانها تسبح " اشارة إلى قوله عزوجل " وان من شئ الا يسبح بحمده " (3) وكأن المراد بهذا الكلام التنبيه على انكم لا تقولوا انها جماد لا يضر اخراجها بل هي من المسبحين الذاكرين الله عزوجل فلا ينبغي اخراجها واخلاء المسجد من تسبيحها " ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه " (4).

(المقام الثالث) - في المكروهات وهي امور: منها - ان يجعل لها شرفا بضم الشين وفتح الراء جمع شرفة بسكون الراء كغرف وغرفة لما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (5) " انه رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال كأنه بيعة وقال ان المساجد تبنى جما لا تشرف " ورواه الصدوق في


(1) الوسائل الباب 26 من احكام المساجد (2) ارجع إلى التعليقة 1 ص 81 ج 2 (3) سورة بنى اسرائيل، الآية 46 (4) سورة البقرة، الآية 108 (5) الوسائل الباب 15 من احكام المساجد


[ 281 ]

العلل بسنده عن طلحة بن زيد مثله (1). وروى الشيخ المفيد في الارشاد عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا قام القائم (عليه السلام) لم يبق مسجد على وجه الارض له شرف إلا هدمها وجعلها جما ". والشرف ما يجعل في اعلى الجدران فتخرج عن الاستواء، قال في النهاية: الجماء التي لا قرن لها ومنه حديث ابن عباس " امرنا ان نبني المدائن شرفا والمساجد جما " الشرف التي طولت ابنيتها بالشرف واحدتها شرفة، والجم التي لا شرف لها، وجم جمع اجم، شبه الشرف بالقرون.

ومنها - اتخاذ المحاريب في المسجد وقيدها جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بالداخلة في الحائط، قال في المدارك بعد ذكر ما ذكرناه: هذا الحكم ذكره الشيخ وجمع من الاصحاب واستدل عليه في المعتبر بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (3) " انه كان يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد ويقول كأنها مذابح اليهود " وهذه الرواية غير صريحة في كراهة المحاريب الداخلة في الحائط بل الظاهر منها كراهة المحاريب الداخلة في المسجد لانها التي تقبل الكسر، وذكر الشارح ان المراد بالمحاريب الداخلة في الحائط الداخلة كثيرا ولم اقف على نص يتضمن كراهة المحاريب الداخلة بهذا المعنى مطلقا. انتهى كلامه زيد مقامه. وهو جيد اقول: قد تقدم خبر ابي هاشم الجعفري عن ابي محمد (عليه السلام) (4) الدال على ان القائم (عليه السلام) إذا قام امر بهدم المنابر والمقاصير التي في المساجد فيمكن حمل خبر طلحة المذكور على هذا ويختص الحكم حينئذ بالمقاصير وهي التى تبنى في المسجد دون المحاريب الداخلة في الحائط ويعضده انه الانسب بالكسر.


(1) و (2) البحار ج 18 الصلاة ص 128 و 132 وفى الوسائل الباب 15 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 31 من احكام المساجد (4) ص 271


[ 282 ]

وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: وكذا يكره المحاريب الداخلة في الحائط كثيرا أو في المسجد، اما الاول فذكره جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). منهم - المصنف، واما الثاني فهو الظاهر من الرواية الدالة على الكراهة، ثم ذكر مضمون رواية طلحة. وفيه انه متى كان ظاهر الرواية انما هو المعنى الثاني فاللازم خلو الاول من المستند إذ ليس إلا هذه الرواية فكيف قال بالكراهة على كلا المعنيين ؟ إلا بان يكون مجرد المتابعة لما ورد نقله عن الجماعة المذكورين كما هو ظاهر كلامه، وفيه ما لا يخفى. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: حكم الاصحاب بكراهة المحاريب الداخلة وهي قسمان (الاول) الداخلة في المسجد بان يبنى جداران في قبلة المسجد ويسقف ليدخله الامام وكان خلفاء الجور يفعلون ذلك خوفا من اعاديهم. و (الثاني) الداخلة في البناء بان يبنى في اصل حائط المسجد موضع يدخله الامام، والكسر الوارد في الخبر بالاول انسب وان احتمل الثاني ايضا بهدم الجدار والاكثر اقتصروا على الثاني مع ان الاول اولى بالمنع، والشهيد الثاني (قدس سره) عمم الحكم بالنسبة اليهما وقيد الدخول في الحائط بكونه كثيرا، وبعض المتأخرين قصروا الحكم بالكراهة على الاول ولعله اوجه وان كان الاحوط تركهما. انتهى. اقول: المفهوم من تتبع السير والاخبار وكلام جملة العلماء ولا سيما علمائنا الابرار هو استحباب المحاريب في المساجد واستحباب صلاة الامام فيه لا كراهته، ومما يشير إلى ذلك ما ذكروه في بحث القبلة من التعويل على محاريب المساجد وان محراب المعصوم (عليه السلام) موجب للعلم بالقبلة دون الظن، وقد تقدم في بحث القبلة بالنسبة إلى محراب مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) كلام شيخنا الشهيد انه روى " انه لما اراد نصبه زويت له الارض فجعله بازاء الميزاب " (1). ويعضد ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (2) قال:


(1) ج 6 ص 395 (2) الوسائل الباب 61 من صلاة الجماعة


[ 283 ]

" قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اصلي في الطاق يعني المحراب ؟ فقال لا بأس إذا كنت تتوسع به ". وما رواه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - صاحب بصائر الدرجات وصاحب الخرائج والجرائح بسنديهما عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث رؤية ابي بكر لرسول الله (صلى الله عليه وإله) بعد موته في مسجد قبا في المحراب لما احتج عليه امير المؤمنين (عليه السلام) بنص الرسول (صلى الله عليه وآله) عليه فانكر أبو بكر فقال له أترضى برسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال ومن لي به ؟ قال فاخذ بيده فمضى به حتى ادخله مسجد قبا فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعد في المحراب... الحديث (1). وقد تقدم في اخبار استحباب السترة قول الرجل له (عليه السلام) (2) " يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطر بينك وبين المحراب ". وهذا كله انما يترتب على استحباب المحاريب في المساجد لا على كراهتها المؤذنة بمرجوحية فعلها وجعلها في المساجد. وقد ورد في حديث وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) المنقول في كتاب ارشاد الديلمي في خروج النبي في مرضه للصلاة لما علم ان ابا بكر يصلي بالناس (3) ما هذا لفظه: " فاخذ بيد علي بن ابي طالب (عليه السلام) والفضل بن العباس فاعتمدهما ورجلاه يخطان على الارض من الضعف فلما خرج إلى المسجد وجد ابا بكر قد سبق إلى المحراب فاومأ إليه بيده فتأخر أبو بكر وقام رسول الله صلى الله عليه وآله... الحديث " وهو صريح في استحباب المحراب كما ذكرنا. وقال الله عزوجل " فخرج على قومه من المحراب " (4) وقال سبحانه " كلما


(1) الخرائج والجرائح ص 132 طبعة 1301 (2) ص 241 (3) ج 2 ص 174 (4) سورة مريم، الآية 12


[ 284 ]

دخل عليها زكريا المحراب... الآية " (1). والاخبار الدالة على اشتمال المساجد على المحاريب اكثر من ان تحصر واشهر من ان تذكر، وحينئذ فالواجب في هذا المقام تحقيق المعنى المراد بالمحراب وانه عبارة عماذا فاقول قال في القاموس: المحراب الغرفة. وصدر البيت، واكرم مواضعه، ومقام الامام من المسجد، والموضع ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني اسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها. وقال في كتاب مجمع البحرين بعد ذكر المعاني المتقدمة: وعن الاصمعي سمى القصر محرابا لان المحراب مقدم المجالس واشرفها وكذا من المسجد وعن ابن الانباري سمى محرابا لانفراد الامام فيه وبعده من القوم، يقال دخل الاسد مجرابه اي غيله والامام إذا دخل فيه يأمن من ان يلحق فهو حائز مكانا كأنه مأوى الاسد، ويقال محراب المصلى مأخوذ من المحاربة لان المصلى يحارب الشيطان ويحارب نفسه باخضار قلبه. انتهى. اقول: قد ظهر مما ذكرنا ان احد معاني المحراب لغة هو المكان الذي ينفرد فيه الامام عن المأمومين ويدخله فهو حينئذ دائر بين احد المعنيين المتقدمين إلا انه لما دلت اخبارنا على ان هذه المقاصير انما احدثت من خلفاء الجور - كما اشار إليه في خبر ابي هاشم الجعفري بقوله (عليه السلام) (2) " انها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة " وصحيح زرارة الوارد في صلاة المأموم خلف المقاصير (3) قال (عليه السلام): " هذه المقاصير لم تكن في زمن احد من الناس وانما احدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " - تعين حمل المحراب المستحب على المعنى الآخر وهو الداخل في الحائط. بقى الكلام في قوله (عليه السلام) في خبر طلحة: " كأنها مذابح اليهود " قال


(1) سورة آل عمران، الآية 32 (2) ص 271 (3) الوسائل الباب 59 من صلاة الجماعة


[ 285 ]

في كتاب مجمع البحرين: والمذبح بالفتح الحلقوم ومذبح الكنيسة كمحراب المسجد والجمع المذابح سميت بذلك للقرابين. وفي النهاية المذبح واحد المذابح وهي المقاصير وقيل المحاريب. وقال في القاموس المذابح المحاريب والمقاصير وبيوت كتب النصارى، الواحد كمسكين. انتهى. والواجب بمعونة ما ذكرناه من ثبوت استحباب المحاريب بالمعنى المتقدم حمل هذه المحاريب التي رآها (عليه السلام) في حديث طلحة على المقاصير. والله العالم.

ومنها - ان يتخذ طريقا، وانما يكره الاستطراق إذا لم يستلزم تغيير صورة المسجد وخروجه عن المسجدية وإلا حرم كما تقدم، ويدل على اصل الحكم حديث المناهي المتقدم في استحباب صلاة التحية.

ومنها - البيع والشراء وتمكين المجانين والصبيان ورفع الصوت، وقيد بعضهم الصبيان بالذين لا يوثق بهم في التحفظ من النجاسات، وكأنهم فهموا ان العلة في النهي عنهم من حيث كونهم مظنة النجاسات، ويجوز ان يكون الوجه في المنع منهم ايضا هو اللعب في المسجد المنافي لتوقيره واحتشامه. والذي يدل على اصل الحكم ما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن اسباط عن بعض رجاله (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) جنبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان والاحكام والضالة والحدود ورفع الصوت ". وعن عبد الحميد عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم... الحديث ". وقد تقدم في المقام الاول في استحباب جعل الميضاة على ابواب المساجد خبر الراوندي الدال على ذلك ايضا، وفيه ما في الحديث الاول وزيادة السلاح ورفع الاصوات إلا بذكر الله. قال شيخنا (قدس سره) في البحار في شرح هذا الخبر الاخير: لا خلاف


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من احكام المساجد


[ 286 ]

في كراهة تمكين المجانين والصبيان لدخول المساجد، وربما يقيد الصبي بمن لا يوثق به اما من علم منه ما يقتضي الوثوق به لمحافظته على التنزه من النجاسات واداء الصلوات فانه لا يكره تمكينه بل يستحب تمرينه ولا بأس به. والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة رفع الصوت في المسجد مطلقا وان كان في القرآن للاخبار المطلقة واستثنى في هذا الخبر ذكر الله وكذا فعله ابن الجنيد، ولعله المراد في سائر الاخبار لحسن رفع الصوت بالاذان والتكبير والخطب والمواعظ فيها وان كان الاحوط عدم رفع الصوت في ما لم يتوقف الانتفاع به عليه ومعه يقتصر على ما تتأدى به الضرورة. والمشهور كراهة البيع والشراء فان زاحم المصلين أو تضمن تغيير هيئة المسجد فلا يبعد التحريم وبه قطع جماعة. واما السلاح فالمراد به تشهيره أو عمله والاحوط تركهما، وروى الشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سل السيف في المسجد وعن بري النبل في المسجد وقال انما بنى لغير ذلك " وقال ابن الجنيد ولا يشهر فيه السلاح. واستحباب التجمير لم اره في غير هذا الخبر والدعائم ولا بأس بالعمل به. انتهى.

ومنها - القضاء بين الناس وانفاذ الاحكام واقامة الحدود، واستدل عليه برواية على بن اسباط المتقدمة. والحكم بالكراهة هو المشهور وحكم الشيخ في الخلاف وابن ادريس بعدم الكراهة واستقربه في المختلف محتجا بان الحكم طاعة فجاز ايقاعها في المساجد الموضوعة للطاعات، وبان امير المؤمنين (عليه السلام) حكم في مسجد الكوفة وقضى فيه بين الناس ودكة القضاء معروفة فيه إلى يومنا هذا (2) واجاب عن الرواية بالطعن في السند واحتمال ان يكون متعلق النهي انفاذ الاحكام كالحبس على الحقوق والملازمة عليها في المساجد. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو حسن. وخص الراوندي الحكم المنهى عنه بما كان فيه جدل وخصومة. وربما قيل بتخصيص ذلك بدوام الحكم


(1) الوسائل الباب 17 من احكام المساجد (2) الخلاف ج 2 ص 230


[ 287 ]

فيها واما إذا اتفق في بعض الاحيان فلا، أو تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لاجل ذلك بخلاف ما لو كان الجلوس للعبادة فاتفق صدور الدعوى. والظاهر من خبر دكة القضاء يدفع هذين الوجهين الاخيرين إذ الظاهر من دكة القضاء والمشهور في جملة من الاخبار الدالة على تحاكم الناس إليه (عليه السلام) في المسجد (1) وقوع ذلك غالبا بل لم يذكر موضع آخر في جلوسه للحكومة بين الناس. واحتمل بعض مشايخنا تخصيص المنع باوقات الصلاة فانها توجب شغل خواطر المصلين أو بغير المعصوم (عليه السلام) فانه يحتمل منهم الخطأ. ولا بأس به. واما كراهة اقامة الحدود كما تضمنه الخبر المشار إليه فلعله لاحتمال تلويث المسجد بخروج الحدث كما ذكره في المنتهى.

ومنها - تعريف الضالة وطلبها في المسجد كما ذكره الاصحاب وخبر علي بن اسباط المتقدم محتمل لهما بل يشملهما. ويدل على خصوص الثاني ما رواه في الفقيه مرسلا (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال قولوا له لا رد الله عليك، فانها لغير هذا بنيت ". وروى في العلل في الصحيح عن الاشعري رفعه (3) " ان رجلا جاء إلى المسجد ينشد ضالة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قولوا له لا رد الله عليك فانها لغير هذا بنيت " (4) قال: ورفع الصوت في المساجد مكروه وان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر برجل يبرى مشاقص له في المسجد فنهاه وقال انها لغير هذا بنيت. وروى في الفقيه في حديث المناهي المذكور في آخر الكتاب عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان ينشد الشعر أو تنشد الضالة في المسجد ".


(1) خلاف الشيخ ج 2 ص 230 وقد عقد الشيخ المفيد في ارشاده فصلا لقضاياه. (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 28 من احكام المساجد (4) العلل ص 114


[ 288 ]

ولا ينافي ذلك ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الشعر أيصلح ان ينشد في المسجد ؟ فقال لا بأس. وسألته عن الضالة أيصلح ان تنشد في المسجد ؟ قال لا بأس " ورواه علي بن جعفر في كتابه والحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عنه (2) فانه دال على الجواز وان كان على كراهة. وروى في كتاب دعائم الاسلام (3) عن علي (عليه السلام) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تقام الحدود في المساجد وان يرفع فيها الاصوات وان تنشد فيها الضالة أو يسل فيها السيف ويرمى فيها بالنبل أو يباع فيها أو يشترى أو يعلق في القبلة منها سلاح أو يبرى نبل ". ولم اقف في الاخبار على خبر صريح في تعريف الضالة كراهة أو جوازا بغير كراهة إلا على اطلاق خبر علي بن اسباط المتقدم ولعله كاف في ذلك.

ومنها - انشاد الشعر لما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن جعفر بن ابراهيم - كأنه الجعفري - عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له فض الله فاك انما نصبت المساجد للقرآن " وقد تقدم في حديث المناهي عنه (صلى الله عليه وآله) " انه نهى ان ينشد الشعر " وقد تقدم في رواية علي بن جعفر نفى البأس عن ذلك وهو غير مناف للكراهة. إلا انه قد صرح جمع من الاصحاب باستثناء بعض الاشعار، قال في الذكرى بعد ايراد خبر علي بن جعفر: وليس ببعيد حمل اباحة انشاد الشعر على ما يقل منه وتكثر


(1) و (2) الوسائل الباب 14 و 28 من احكام المساجد (3) ج 1 ص 180 طبعة مصر 1370 (4) الوسائل الباب 14 من احكام المساجد


[ 289 ]

منفعته كبيت حكمة أو شاهد على لغة في كتاب الله أو سنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وشبهه لان من المعلوم ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان ينشد بين يديه البيت والابيات من الشعر في المسجد ولم ينكر ذلك. والحق به المحقق الشيخ علي (قدس سره) مدح النبي ومراثي الحسين (صلوات الله عليهم) قال في المدارك: ولا بأس بذلك كله لصحيحة علي بن يقطين (1) " انه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن انشاد الشعر في الطواف فقال ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به " وقال في البحار بعد نقل ما ذكره الشهيد والشيخ علي: اقول ما ذكراه لا يخلو من قوة ويؤيده استشهاد امير المؤمنين (عليه السلام) بالاشعار في الخطب وكانت غالبا في المسجد وما نقل من انشاد المداحين كحسان وغيره اشعارهم عندهم (عليهم السلام) ولان مدحهم (عليهم السلام) عبادة عظيمة والمسجد محلها فيخص المنع بالشعر الباطل لما روى في الصحيح، ثم نقل صحيحة علي بن يقطين المذكورة. اقول ويؤيد ما ذكروه ما رواه الصدوق في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة (2) قال: حدثني ابي قال حدثنا سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ اقبل إليه وفد فسلموا عليه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من القوم ؟ قالوا وفد بكر ابن وائل فقال وهل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا بلى يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فما فعل ؟ قالوا مات، ثم ساق الحديث إلى ان قال: ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحم الله قسا يحشر يوم القيامة امة واحدة، قال هل فيكم احد يحسن من شعره شيئا ؟ فقال بعضهم سمعته يقول: في الاولين الذاهبين من القرون لنا بصائر


(1) الوسائل الباب 54 من الطواف (2) ص 99


[ 290 ]

لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر رأيت قومي نحوها تمضي الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي الي ولا من الباقين غابر ايقنت اني لا محالة حيث صار القوم صائر... الحديث انظر إلى صراحة هذا الخبر مع صحة سنده في جواز الانشاد في المسجد الحرام الذي هو اشرف البقاع بين يديه (صلى الله عليه وآله) وطلبه لذلك، وبذلك يظهر لك قوة ما ذكره اولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم).

ومنها - البصاق والتنخم لما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (1): " ان عليا (عليه السلام) قال البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه ". وعن عبد الله بن سنان (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في جوفه إلا ابرأته ". وعن اسماعيل بن مسلم الشعيري عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: ": من وقر بنخامته المسجد لقى الله يوم القيامة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه ". وروى السيد الرضي في كتاب المجازات النبوية (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت واجتمعت " قال في النهاية: لينزوي اي ينضم وينقبض، وقيل اراد اهل المسجد وهم الملائكة. انتهى. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (5) قال: " من وقر


(1) الوسائل الباب 19 من احكام المساجد (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من احكام المساجد (5) مستدرك الوسائل الباب 15 من احكام المساجد


[ 291 ]

المسجد من نخامته لقى الله يوم القيامة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه، وان المسجد ليتلوي عند النخامة كتلوي احدكم بالخيزران إذ وقع به ". وروى في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن طلحة بن زيد عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من رد ريقه تعظيما لحق المسجد جعل الله ريقه صحة في بدنه وعوفي من بلوى في جسده ". وروى في كتاب المحاسن عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " من رد ريقه تعظيما لحق المسجد جعل الله ذلك قوة في بدنه وكتب له بها حسنة وحط عنه بها سيئة، وقال لا تمر بداء في جوفه إلا ابرأته ". وروى في ثواب الاعمال عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من تنخع في مسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء إلا ابرأته ". وبازاء هذه الاخبار جملة من الاخبار الدالة على الجواز مثل ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت له الرجل يكون في المسجد في الصلاة فيريد ان يبصق ؟ فقال عن يساره وان كان في غير صلاة فلا يبزق حذاء القبلة ويبزق عن يمينه وشماله ". وعن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (5) قال: " لا يبزقن احدكم في الصلاة قبل وجهه ولا عن يمينه وليبزق عن يساره وتحت قدمه اليسرى ". وروى في الفقيه (6) مرسلا قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن البزاق في القبلة، قال ورأى (صلى الله عليه وآله) نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين ابن


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 19 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 20 من احكام المساجد (6) ج 1 ص 179 وفى الوسائل في الباب 44 من مكان المصلى و 26 من قواطع الصلاة


[ 292 ]

طاب فحكها ثم رجع القهقهرى فبنى على صلاته " قال " وقال الصادق (عليه السلام) وهذا يفتح من الصلاة ابوابا كثيرة ". وروى الشيخ عن عبيد بن زرارة (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان أبو جعفر (عليه السلام) يصلى في المسجد فيبصق امامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه على الحصى ولا يغطيه " وعن محمد بن علي بن مهزيار (2) قال: " رأيت ابا جعفر الثاني (عليه السلام) تفل في المسجد الحرام في ما بين الركن اليماني والحجر الاسود ولم يدفنه " ومورد هذه الاخبار الاخيرة البصاق خاصة، وربما صار بعض الاصحاب إلى عدم كراهته لهذه الاخبار وضعف ما دل على الكراهة ترجيحا لهذه الاخبار وخص الكراهة بالتنخم لسلامة اخبار النهى عن المعارض. قال في الذخيرة بعد نقل جملة من هذه الاخبار: ولا يخفى ان ما دل على كراهة التنخم سالمة عن المعارض واما البصاق فيعارضه الروايات المذكورة مع كونها اكثر واقوى منه فالحكم بكراهته محل تأمل. اقول: لا يخفى انه لا منافاة بين ما دل على الجواز وبين ما دل على الكراهة لان المرجع إلى انه جائز على كراهة، ومجرد كثرة الاخبار الدالة على الجواز زيادة على ما قابلها لا يستلزم المنع من تقييدها بما دل على الكراهة وان قل كما هو القاعدة الجارية في غير مقام، إذ متى صحت الاخبار في الباب فالعمل بها كملا بحسب الامكان اولى من طرح بعضها، نعم يفهم من ذلك ان البصاق اخف كراهة من التنخم، على ان ما دل من هده الاخبار على فعل الائمة (عليهم السلام) يمكن استثناؤه وعدم تطرق الكراهة إليه واختصاص هذا الحكم بهم (صلوات الله عليهم) لتشرف المسجد ببصاقهم فلا كراهة في حقهم أو على بيان الجواز.

ومنها - قتل القمل ذكره الاصحاب، قال في الذكرى بعد ان عد في المكروهات


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من احكام المساجد


[ 293 ]

ترك قصع القمل: قال الجماعة. وهو مؤذن بعدم الوقوف فيه على نص. وقال في المدارك واما كراهة قتل القمل واستحباب ستره بالتراب فلم اقف فيه على نص واسنده في الذكرى إلى الجماعة ولا بأس به لان فيه استقذارا تكرهه النفس فينبغي تركه وتغطيته بالتراب مع فعله. اقول: روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا وجد قملة في المسجد دفنها في الحصى ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا وجدت قملة وانت تصلي فادفنها في الحصى ". ويمكن الاستدلال بهما للاصحاب على كراهة قتل القملة حيث انه (عليه السلام) بعد رؤيته لها لم يقتلها ولم يأمر بقتلها بل دفنها في الحصى وامر بدفنها ففيه اشعار بما ذكروه، فالاولى ان يجعل الحكم هكذا: ويكره قتل القمل بل ينبغي ان يدفن بالتراب حسبما دل عليه الخبر، والاصحاب جعلوا الدفن بالتراب بعد القتل.

ومنها - النوم على المشهور في كلام المتقدمين، واستدل عليه في المعتبر بما رواه الشيخ عن ابي اسامة زيد الشحام (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قول الله عزوجل: لا تقربو الصلاة وانتم سكارى (4) ؟ قال سكر النوم ". واعترضها جملة من المتأخرين: منهم - السيد السند في المدارك بانها ضعيفة السند قاصرة الدلالة قال: والاجود قصر الكراهة على النوم في المسجد الحرام ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله) للاصل وما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة (5) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما تقول في النوم في المساجد ؟ فقال لا بأس


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 1 و 35 من قواطع الصلاة (4) سورة النساء، الآية 46 (5) الوسائل الباب 18 من احكام المساجد


[ 294 ]

الا في المسجدين مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والمسجد الحرام. قال وكان يأخذ بيدي في بعض الليل فيتنحى ناحية ثم يجلس فيتحدث في المسجد الحرام فربما نام فقلت له في ذلك فقال انما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه آله) فاما الذي في هذا الموضع فليس به بأس " انتهى. وظاهره - كما ترى - عدم وجود دليل للقول المشهور بل الدليل على خلافه واضح الظهور لقوله (عليه السلام) في هذا الخبر لما سأله عن النوم في المساجد " لا بأس " ومن ثم قال في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور " قاله الجماعة " ثم ذكر حسنة زرارة المذكورة ايذانا بالطعن في القول المذكور. اقول لا يخفى على من راجع الاخبار الواردة في هذا المقام انها لا تخلو من الاشكال الظاهر لذوي الافهام لا بالنسبة إلى اصل الحكم المذكور فانا لم نقف فيه على دليل حسبما ذكره المتأخرون بل في موضعين مما تضمنته الحسنة المذكورة: (احدهما) - ما تضمنته من كراهية النوم في المسجدين فان فيه انه قد روى ثقة الاسلام في الكافي عن معاوية بن وهب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النوم في المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟ قال نعم فاين ينام الناس ". ونقل شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن كتاب محمد بن المثنى انه روى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النوم في المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال نعم ". وروى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطبالسي عن اسماعيل بن عبد الخالق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام)


(1) و (3) الوسائل الباب 18 من احكام المساجد (2) ج 18 الصلاة ص 134


[ 295 ]

عن النوم في المسجد الحرام فقال هل للناس بد ان يناموا في المسجد الحرام ؟ لا بأس به. قلت الريح تخرج من الانسان ؟ قال لا بأس ". وعن السندي بن محمد عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)... الحديث ". وعن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن النوم في المسجد الحرام قال لا بأس وسألته عن النوم في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لا يصلح ". وهذه الاخبار كلها - كما ترى - دالة على الجواز وظاهرها عدم الكراهة إلا انها ربما اشعرت بكون ذلك ضرورة ولا سيما حديث المساكين في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ولعل ذلك قبل بناء الصفة لهم. و (ثانيهما) - ما تضمنته من قوله (عليه السلام) " انما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاما الذي في هذا الموضع فليس به بأس " فانه يؤذن بجواز النوم في هذه الزوائد التي زادتها الاموية في المسجد الحرام على ما كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) مع ان جملة من الاخبار قد دلت على ان هذه الزيادة لم تبلغ بعد مسجد ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام): ومنها - رواية جميل بن دراج (3) قال: " قال له الطيار وانا حاضر هذا الذي زيد هو من المسجد ؟ قال نعم انهم لم يبلغوا بعد مسجد ابراهيم واسماعيل عليهما السلام " وروى في الكافي عن الحسن بن النعمان (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام فقال ان ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) حدا


(1) و (2) الوسائل الباب 18 من احكام المساجد (3) و (4) الوسائل الباب 55 من احكام المساجد


[ 296 ]

المسجد الحرام ما بين الصفا والمروة " قال: وفي رواية اخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " خط ابراهيم (عليه السلام) بمكة ما بين الحزورة إلى المسعى فذلك الذي خط ابراهيم يعني المسجد ". وروى في التهذيب عن الحسين بن نعيم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام عن الصلاة فيه ؟ فقال ان ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) حدا المسجد الحرام ما بين الصفا والمروة فكان الناس يحجون من المسجد إلى الصفا ". وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في كون هذه الزيادة التي وقع النوم فيها من المسجد القديم فتخصيصه (عليه السلام) حكم المسجدية بما كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون المسجد القديم مشكل إلا ان يقال بزوال حكم المسجدية عن ذلك المسجد القديم وتخصيص ذلك بما كان في زمانه (صلى الله عليه وآله) وهو اشكل لدلالة الاخبار المذكورة ولا سيما رواية جميل على بقاء المسجدية في الموضع الذي خطه ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام). وبالجملة فاني لا يحضرني الآن الجواب عن هذا الاشكال ولم اعثر على من تعرض إليه من اصحابنا في هذا المجال.

ومنها - دخول من في فمه رائحة مؤذية من ثوم أو بصل أو نحوهما وتتأكد الكراهة في الثوم حتى روى اعادة الصلاة باكله (3). والذي يدل على اصل الحكم جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (4) قال: " من اكل شيئا من المؤذيات ريحها فلا يقربن المسجد ". ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن اكل الثوم فقال انما نهى رسول الله


(1) و (2) الوسائل الباب 55 من احكام المساجد (3) يأتي في الحديث الاخير (4) و (5) الوسائل الباب 22 من احكام المساجد


[ 297 ]

(صلى الله عليه وآله) عنه لريحه فقال من اكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا فاما من اكله ولم يأت المسجد فلا بأس ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انه سئل عن اكل الثوم والبصل والكراث فقال لا بأس باكله نيا وفي القدور، ولا بأس بان يتداوى بالثوم ولكن إذا اكل ذلك احدكم فلا يخرج إلى المسجد ". وعن الحسن الزيات (2) قال: " لما ان قضيت نسكي مررت بالمدينة فسألت عن ابي جعفر (عليه السلام) فقالوا هو بينبع فاتيت ينبع فقال لي يا حسن مشيت إلى ههنا ؟ فقلت نعم جعلت فداك كرهت ان اخرج ولا اراك فقال اني اكلت من هذه البقلة يعني الثوم فاردت ان اتنحى عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ". وروى احمد بن محمد بن خالد البرقي في المحاسن عن الوشاء عن ابن سنان (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الكراث فقال لا بأس باكله مطبوخا وغير مطبوخ ولكن ان اكل منه شيئا له اذى فلا يخرج إلى المسجد كراهة اذاه من يجالس " ورواه الصدوق في العلل (4) إلا انه قال: " عن اكل البصل والكراث ". وروى في كتاب العلل عن داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اكل هذه البقلة فلا يقرب مسجدنا، ولم يقل انه حرام ". وروى الشيخ في الاستبصار بسند صحيح عن زرارة (6) قال: " حدثني من اصدق من اصحابنا قال سألت احدهما (عليهما السلام) عن الثوم فقال اعد كل صلاة صليتها ما دمت تأكله " ثم قال فالوجه في هذا الخبر ان تحمله على ضرب من التغليظ في


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 22 من احكام المساجد (2) الوسائل الباب 22 من احكام المساجد و 128 من الاطعمة المحرمة (6) الوسائل الباب 128 من الاطعمة المحرمة


[ 298 ]

كراهته دون الخطر الذي يكون من اكل ذلك يقتضي استحقاقه الذم والعقاب بدلالة الاخبار الاولة والاجماع الواقع على ان اكل هذه الاشياء لا يوجب اعادة الصلاة. انتهى.

ومنها - عمل الصنائع لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سل السيف في المسجد وعن برى النبل في المسجد، قال انما بنى لغير ذلك " قالوا ويستفاد من هذا التعليل كراهة عمل جميع الصناعات. اقول: لم اقف لهذا الحكم على دليل ظاهر ولهذا نسبه في الذكرى إلى الاصحاب مؤذنا بعدم الدليل عليه فقال في عد المكروهات: وترك عمل الصنائع مطلقا قاله الاصحاب وعليه نبه حديث برى النبل. انتهى. وانت خبير بانه قد مر هذا التعليل في غير خبر مما تقدم ولا ريب في اشعاره بذلك ولعله كاف في اثبات الحكم المذكور.

ومنها - سل السيف وتعليق السلاح ذكرهما جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - الشهيد في البيان، وفي الذكرى خص الكراهة بتعليق السلاح في المسجد الاكبر ". اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على النهي عن سل السيف في المسجد. وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته أيعلق الرجل السلاح في المسجد ؟ فقال نعم واما في المسجد الاكبر فلا فان جدي (صلى الله عليه وآله) نهى رجلا برى مشقصا في المسجد ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن السيف هل يصلح ان يعلق في المسجد ؟ قال اما في القبلة فلا واما في


(1) الوسائل الباب 17 من احكام المساجد (2) و (3) الوسائل الباب 13 من احكام المساجد


[ 299 ]

جانب فلا بأس " ورواه علي بن جعفر في كتابه مثله (1). وفي حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (2) " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يسل السيف في المسجد " ورواه في الامالي مثله (3). اقول: المستفاد من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض هو كراهة سل السيف في المسجد وتعليق السيف في القبلة خاصة واما في سائر جوانبه فلا بأس. واما تعليق السلاح الذي هو اعم من السيف والقوس والعصا ونحوها مما يتخذ سلاحا فجائز في المساجد إلا في المسجد الاكبر وفاقا للذكرى وخلافا للبيان، وظاهر التعليل في صحيحة الحلبي ان النهي عن برى المشقص انما كان لكونه سلاحا لا لكونه صنعة كما تقدم في خبر محمد بن مسلم، وكل من الخبرين المذكورين محمول على ظاهره. وهل المراد بالمسجد الاكبر المسجد الحرام أو جامع البلد ؟ كل محتمل.

ومنها - كشف العورة مع عدم المطلع وإلا حرم والرمي بالحصى ورطانة الاعاجم. اما الاول فلما رواه في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان النبي صلى الله عليه وآله) قال كشف السرة والفخذ والركبة في المسجد من العورة ". وهذا الخبر يدل على كراهة كشف هذه الاشياء المذكورة في المسجد وهي ليست من العورة على الاشهر الاظهر كما تقدم تحقيقه ولكنه جعلها في حكم العورة تأكيدا للكراهة، وحينئذ فالظاهر ان المراد بالعورة انما هو ما يستحب ستره لا ما يجب. واما الثاني فلما رواه الشيخ عن السكوني عنه عن آبائه (عليهم السلام) (5) " ان


(1) الوسائل الباب 13 من احكام المساجد (2) و (3) الوسائل الباب 17 من احكام المساجد (4) الوسائل الباب 37 من احكام المساجد (5) الوسائل الباب 36 من احكام المساجد


[ 300 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) ابصر رجلا يخذف بحصاة في المسجد فقال ما زالت تلعن حتى وقعت، ثم قال الخذف في النادي من اخلاق قوم لوط ثم تلا " وتأتون في ناديكم المنكر " (1) قال هو الخذف ". ويستفاد من هذا الخبر كراهة الخذف في غير المسجد ايضا، ويدل عليه ما رواه الشيخ عن زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في جملة حديث قال: " ان حل الازرار في الصلاة والخذف بالحصى ومضغ الكندر في المجالس وعلى ظهر الطريق من عمل قوم لوط " ونقل في الروض عن الشيخ القول بالتحريم هنا. وقال في الروض: المراد بالخذف هنا رمى الحصى بالكف كيف اتفق وان لم يكن على الوجه المذكور في رمى حصاة الجمار، قال في الصحاح الخذف بالحصى الرمي به بالاصابع. انتهى. واعترضه في الذخيرة بان كلام اهل اللغة يخالف ذلك ثم نقل جملة من عبائرهم الدالة على نوع مخصوص كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج. اقول: ظاهر عبارة شيخنا المشار إليه انه لا يمنع ولا يخالف في كون الخذف عبارة عن هذا المعنى الذي نقله عن اهل اللغة وانما غرضه بيان ان هذه الخصوصية لا يترتب عليها معنى في هذا المقام، فالقول بالتعميم اظهر لان الظاهر ان النهي عنه من حيث كونه عبثا ولعبا منافيا للوقار والسكينة المطلوبين من المؤمن وحينئذ فلا يرد عليه ما اورده. واما الثالث فلما رواه الشيخ ايضا عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن رطانة الاعاجم في المساجد " ورواه في الكافي عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (4). قال في الوافي: الرطانة بفتح الراء وكسرها والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور وانما


(1) سورة العنكبوت، الآية 28 (2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى (3) و (4) الوسائل الباب 16 من احكام المساجد


[ 301 ]

هو مواضعة بين اثنين أو جماعة والعرب تخص بها غالبا كلام العجم. اقول: لا يخفى ان ما ذكره من المعنى للرطانة معنى غريب لم يذكره احد في ما اعلم وكأنه انما تكلفه فرارا عما نقله اخيرا عن العرب والمنقول في كلام اهل اللغة انما هو ما نقله عن العرب، قال في القاموس الرطانة ويكسر الكلام بالاعجمية، ورطن له وراطنه كلمه بها، وتراطنوا تكلموا بها. انتهى وحينئذ ففي الخبر المذكور ما يشير إلى كراهة الدعاء بالاعجمية لان المساجد مواضع الدعوات وطلب الحاجات فإذا كان الكلام فيها بالاعجمية مكروها تعين الكلام في ما يأتي به من الدعوات بالعربية. والله العالم.

(المقام الرابع) - في بقية الاحكام المتلعقة بالمساجد وفيه مسائل:

(الاولى) - المفهوم من كلام جملة من متأخرى الاصحاب انه لابد في ثبوت المسجدية وترتب احكامها من صيغة الوقف الشرعية ليحصل بها الانتقال عن ملك المالك ونحوه ويختص بالجهة الموقوف عليها ولم ار من تعرض لبسط الكلام في هذا المقام إلا شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: الخامس عشر - انما تصير البقعة مسجدا بالوقف اما بصيغة " وقفت " وشبهها واما بقوله: " جعلته مسجدا " ويأذن بالصلاة فيه فإذا صلى فيه واحدا تم الوقف، ولو قبضه الحاكم أو اذن في قبضه فالاقرب انه كذلك لان له الولاية العامة، ولو صلى فيه الواقف فالاقرب الاكتفاء بعد العقد، ولو بناه بنية المسجد لم يصر مسجدا نعم لو اذن للناس بالصلاة فيه بنية المسجدية ثم صلوا امكن صيرورته مسجدا لان معظم المساجد في الاسلام على هذه الصورة وقال الشيخ في المبسوط إذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه فان نوى به ان يكون مسجدا يصلى فيه كل من اراد زال ملكه عنه وان لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلى فيه أو لم يصل. وظاهره الاكتفاء بالنية، واولى منه إذا صلى فيه وليس في كلامه دلالة على التلفظ ولعله الاقرب. وقال ابن ادريس ان وقفه ونوى القربة وصلى فيه الناس ودخلوه زال ملكه عنه. انتهى كلام شيخنا المذكور. اقول: لا يخفى على من راجع الاخبار الواردة في هذا المقام عن الائمة الاطهار


[ 302 ]

(صلوات الله عليهم آناء الليل والنهار) ان ما ذكره الشيخ في المبسوط هو الاقرب إلى ما دلت عليه والانسب بما ندبت إليه، وما ذكره غيره من اشتراط صيغة الوقف فلم اقف على خبر يشير إليه فضلا عن الدلالة عليه بل هي بالدلالة على خلافه اشبه. فمن ذلك ما تقدم في صدر البحث من حسنتي ابي عبيدة الدالتين على جمعه الاحجار في الطريق بين المدينة ومكة ليبنى مسجدا، ومنهما يظهر ان ما ذكره شيخنا المشار إليه من قوله: " ولو بناه بنية المسجد لم يصر مسجدا. الخ " (1) فان الامامين (عليهما السلام) في هذين الخبرين قد اقرا ابا عبيدة على حصول الثواب المذكور له بمجرد وضع هذه الاحجار لذلك وجعلها على هيئة المسجد والتحجير بها وقصده المسجدية ومنها - ما رواه البرقي في كتاب المحاسن عن هاشم الحلال قال: " دخلت انا وابو الصباح الكناني... الحديث " وقد تقدم ايضا في صدر البحث. ومنها - صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ثمة ايضا في بناء مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث لم يتعرض لحكاية الوقف في اصل المسجد ولا في هذه الزيادات في كل مرة، ولو كان ذلك شرطا في المسجدية لكان اولى بالحكاية والنقل من تلك الامور المنقولة لما يترتب عليها من الاحكام بزعم اولئك الاعلام. وقد ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها (2) انه (صلى الله عليه وآله) بعد وروده المدينة اشترى تلك الارض أو اعطاه اياها بعض المسلمين فخط فيها بيوته وموضع مسجده. وتقييد اطلاق هذه الاخبار بصيغة الوقف بمعنى انه لا يكون مسجدا إلا بقول " وقفت " ونحوه يحتاج إلى دليل وليس فليس، بل هو ابعد بعيد من ظواهر تلك الاخبار ويشير إلى ما ذكرنا قوله (عليه السلام) في غير خبر من الاخبار المتقدمة " فانها لغير


(1) هكذا العبارة في النسخ ولا يخفى نقصها (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 70 كانت ارض المسجد ليتيمين فابتاعها رسول الله " ص " بعشرة دنانير.


[ 303 ]

هذا بنيت " ولم يقل " وقفت ". وكأنهم تمسكوا بان الاصل بقاء الملك ما لم يحصل ناقل شرعي كالبيع والصدقة والوقف ونحوها ولم يثبت ان مجرد النية مع تصرف المسلمين موجب للخروج عن الملك. وهو اجتهاد في مقابلة النصوص واي مانع يمنع منه بعد دلالة الاخبار عليه كما عرفت ؟ سيما مع تصريحهم بانتقال الملك في الهدايا والعطايا بالتصرف في العين وكذا في بيع المعاطاة مع عدم ادخالهم له في البيوع النافلة. ومما يعضد ما قدمناه من الاخبار الواضحة في ما ادعيناه الاخبار المتقدمة قريبا في حكم كراهة النوم في المساجد الدالة على تحديد ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) وخطهما للمسجد الحرام فانها ظاهرة في انه بمجرد خطهما وتحجيرهما على هذا الموضع بقصد جعله مسجدا صار مسجدا، ولو كان الوقف شرطا في ذلك لكان اولى بالتنبيه عليه والذكر لتوقف حصول المسجدية عليه وزوالها بدونه كما يدعونه. وبالجملة فالامر في هذا الباب اوسع مما ذكروه (رضوان الله عليهم) وظاهر شيخنا الشهيد الترجيح لما ذكره الشيخ من غير جزم به ولو تأمل ما ذكرناه من هذه الاخبار لم يتخالجه وصمة الشك في ذلك ولا الانكار. والله العالم.

(المسألة الثانية) قد ورد في جملة من الاخبار استحباب اتخاذ الانسان مسجدا في بيته ليصلى فيه، وصرحت بانه يجوز له تغييره وتبديله وانه ليس الحكم فيه كالمساجد العامة، والظاهر ان الوجه فيه انه ليس إلا عبارة عن قطع جزء من البيت وافراده للصلاة والخلوة فيه عن اهل البيت للتوجه والاقبال على العبادة واطلاق المسجدية عليه تجوز. والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما رواه في الكافي عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال " اتخذ مسجدا في بيتك... الحديث ". وروى الصدوق في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عبيد الله بن علي


(1) الوسائل الباب 69 من احكام المساجد


[ 304 ]

الحلبي (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن مسجد يكون في الدار فيبدو لاهله ان يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه عن مكانه ؟ فقال لا بأس بذلك... الحديث ". وروى في الكافي عن ابي الجارود (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المسجد يكون في البيت فيريد اهل البيت ان يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه إلى غير مكانه ؟ قال لا بأس بذلك... الحديث ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد يكون في الدار وفي البيت فيبدو لاهله ان يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه إلى غير مكانه ؟ قال لا بأس بهذا كله... الحديث ". وروى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " كان علي (عليه السلام) قد اتخذ بيتا في داره ليس بالكبير ولا بالصغير وكان إذا اراد ان يصلي في آخر الليل اخذ معه صبيا لا يحتشم منه ثم يذهب إلى ذلك البيت فيصلى ". وروى في المحاسن عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " كان علي (عليه السلام) قد جعل بيتا في داره ليس بالصغير ولا بالكبير لصلاته وكان إذا كان الليل ذهب معه بصبي لا يبيت معه فيصلى فيه ". قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) يدل على استحباب ان لا يكون في البيت وحده في الليل وان كان في الصلاة كما دل عليه غيره بل يكون معه احد وان كان صبيا أو الطفل متعين إذا كان مصليا لبعده عن الرياء وعدم منافاته لكمال الخشوع والاقبال على العبادة لعدم الاحتشام منه، ويؤيده قوله في رواية الطيالسي " اخذ صبيا لا يحتشم منه " لقوله (عليه السلام) " لا يبيت معه " أي لم يكن في سائر الليل عنده لانه (عليه السلام) كان مع ازواجه وسراياه ولم يكن يناسب كونه نائما معهن. انتهى.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من احكام المساجد والحديث 3 في التهذيب دون الكافي (4) و (5) الوسائل الباب 69 من احكام المساجد


[ 305 ]

وروى ابن ادريس في السرائر نقلا من جامع البزنطي عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له ان يجعله كنيفا ؟ قال لا بأس " ورواه في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر مثله (2). وروى في قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة (3) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) وسئل عن الدار والبيت يكون فيه مسجد فيبدو لاصحابه ان يتسعوا بطائفة منه ويبنوا مكانه ويهدموا البنية ؟ قال لا بأس بذلك ". قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو اتخذ في داره مسجدا له ولعياله ولم يتلفظ بالوقف ولا نواه جاز له تغييره وتوسيعه وتضييقه لما رواه أبو الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ذكر الرواية المتقدمة. قال في البحار بعد نقل ذلك: وقال الوالد (قدس سره) يمكن تخصيص العمومات بتلك الاخبار الصحيحة لكن الاحوط عدم التغيير مع الصغية. انتهى. وقال العلامة في التذكرة: من كان له في داره مسجد قد جعله للصلاة جاز له تغييره وتبديله وتضييقه وتوسيعه حسبما يكون اصلح له لانه لم يجعله عاما وانما قصد اختصاصه بنفسه واهله، ولرواية ابي الجارود وهل تلحقه احكام المساجد من تحريم ادخال النجاسة إليه ومنع الجنب من استيطانه وغير ذلك ؟ الاقرب المنع لنقص المعنى فيه. انتهى قال في البحار بعد نقله: وكلامه يشعر بالتردد مع الوقف كذلك ايضا كما احتمله الوالد (قدس سره) انتهى. اقول: قد عرفت في المسألة السابقة انه لا دليل على اعتبار صيغة الوقف في المساجد العامة بل الادلة ظاهرة في العدم وانما هذا امر ذهبوا إليه بالتقريب المتقدم ذكره ثمة، وهذه الاخبار الواردة في هذا المقام ليس فيها ازيد من الدلالة على اتخاذ موضع من داره للخلوة في الصلاة فيه وبذلك اطلق عليه لفظ المسجد، والناس ظنوا من اطلاقهم (عليهم


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من احكام المساجد


[ 306 ]

السلام) لفظ المسجد عليه يومئذ انسحاب احكام المساجد العامة إليه فكثر السؤال عن تغييره وتبديله وجعله حشا ونحو ذلك، فأجابوا (عليهم السلام) بنفي البأس ايذانا بانه ليس بمسجد حقيقة ولا يترتب عليه شئ من احكام المسجدية بالكلية وانما هو موضع اتخذ لذلك لقصد الفراغ والخلوة والتوجه للاقبال على العبادة ومتى اراد صاحبه تغييره غيره إلى ما يريده ولا وجه لذكر الوقف هنا بالكلية ولو سلمنا اشتراطه في المساجد العامة لما عرفت من الغرض والسبب فيه، ولكنهم (رضوان الله عليهم) بتدقيق انظارهم يتكلفون اشياء لا ضرورة لها ولا دليل عليها كما عرفت من تكلفهم اشتراط الوقفية في المساجد العامة. وبالجملة فانه ليس الفرق بين هذا المكان المسمى مسجدا وبين المساجد العامة إلا باعتبار قصد بنائها لعامة الناس لاجل العبادة وتسبيلها لهم وقصد القربة في ذلك بخلاف هذه فانه لا يعتبر فيها ازيد مما ذكرناه. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان من سبق إلى مكان من المسجد أو المشهد فهو اولى به ما دام باقيا فيه، فلو فارقه ولو لحاجة كتجديد طهارة وازالة نجاسة بطل حقه وان كان ناويا للعود إلا ان يكون رحله مثل شئ من امتعته ولو سبحة ونحوها باقيا فيه، وقيده الشهيد (قدس سره) مع ذلك بنية العود وهو جيد فلو فارق لا بنيته سقط حقه وان كان رحله باقيا، واحتمل الشهيد الثاني بقاء الحق حينئذ لاطلاق النص والفتوى، ثم تردد على تقدير سقوط حقه في جواز رفع الرحل وعدمه وعلى تقدير الجواز في الضمان وعدمه، ثم قال وعلى تقدير بقاء الحق لبقائه أو بقاء رحله فان ازعجه مزعج فلا شبهة في اثمه وهل يصير اولى بعد ذلك ؟ يحتمله لسقوط حق الاول بالمفارقة وعدمه للنهي فلا يترتب عليه حق، ويتفرع على ذلك صحة صلاة الثاني وعدمها. واشترط الشهيد في الذكرى في بقاء حقه مع بقاء الرحل ان لا يطول المكث، وفي التذكرة استقرب بقاء الحق مع المفارقة لعذر كاجابة داع وتجديد وضوء وقضاء حاجة وان لم يكن له رحل قالوا ولو استبق اثنان دفعة إلى مكان واحد ولم يمكن الجمع بينهما اقرع،


[ 307 ]

ومنهم من توقف في ذلك. وقال الشهيد الثاني لا فرق في ذلك بين المعتاد لبقعة معينة وغيره وان كان اعتياد درس وامامة، ولا بين المفارق في اثناء الصلاة وغيره للعموم، واستقرب في الدروس بقاء اولوية المفارق في اثنائها اضطرارا إلا ان يجد مكانا مساويا للاول أو اولى منه محتجا بانها صلاة واحدة فلا يمنع من اتمامها. هذا ملخص ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب. واما الاخبار المتعلقة بذلك فالذي وقفت عليه منها ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له نكون بمكة أو بالمدينة أو الحير أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه ؟ فقال من سبق إلى موضع فهو احق به يومه وليلته " وعن طلحة بن زيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو احق به إلى الليل، وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء ". وروى بعض اصحابنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " إذا قام احدكم من محله في المسجد فهو احق به إلى الليل ". وظاهر الخبر الاول بقاء حقه في ذلك المكان مدة يوم وليلة. واحتمل بعض الاصحاب كون الواو هنا بمعنى " أو " كما هو شائع الاستعمال ايضا فيصير المعنى انه احق بقية يومه ان كانت المفارقة في اليوم وبقية ليلته ان كانت المفارقة في الليل ويؤيده الخبر الثاني والثالث، وكيف كان فظاهر الاخبار الثلاثة بقاء حقه في المدة المذكورة مطلقا سواء كان له رحل ام لا نوى المفارقة ام لا ؟ وفيه رد على القول المشهور من حكمهم بزوال حقه بالمفارقة وان كان ناويا للعود إلا ان يكون له رحل. والظاهر تقييد الاخبار


(1) و (2) الوسائل الباب 56 من احكام المساجد (3) في السراج المنير ج 1 ص 165 عن النبي " ص " " إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع إليه فهو احق به " وفى رواية (من المسجد)


[ 308 ]

المذكورة بعدم نية المفارقة وإلا فلو نوى المفارقة ولم يضع رجلا يعلم به ارادة الرجوع ففي منع الغير عنه اشكال وإلا لزم تعطيل المكان من المنتفعين بغير امر موجب لذلك وهو بعيد، ويشير إلى ذلك السؤال في الخبر الاول وكون الخروج للوضوء ونحوه. وقطع المحقق بعدم بطلان حقه لو كان قيامه لضرورة كتجديد طهارة أو ازالة نجاسة أو ضرورة إلى التخلي وان لم يكن رحله باقيا. وهو قوى موافق لظاهر الاخبار المذكورة. بقى الاشكال في ما هو الآن معمول بين الناس من وضع ثوب أو سجدة أو تسبيح في المسجد أو الروضة الشريفة ثم يمضي إلى ان يأتي وقت الحاجة إليه، والظاهر التفصيل في ذلك بانه ان كان قد جلس في المكان وتصرف فيه بالجلوس والصلاة ونحوها فان حقه باق إلى المدة المعلومة بالتفصيل المتقدم وان كان لم يجلس وانما وضع هذه العلامة لقصد التحجير عن تصرف الغير فوجهان احدهما كالاول والثاني العدم، ومنشأ ذلك من الشك في لفظ السبق في الاخبار المتقدمة وان كان الاقرب الاظهر هو السبق بمعنى الجلوس والتصرف على الوجه المتقدم وانما يقوم ويخرج عنه لاجل الاعذار والاغرض المتقدمة، وربما احتمل حصول ذلك بمجرد التحجير بوضع ثوب ونحوه. وكيف كان فمع وضع الرحل وان كان قد جلس وتصرف لو اتفق ذلك في المسجد واقيمت الصلاة ولم يحضرها فالظاهر جواز التصرف في محله عملا بالاخبار الدالة على النهي عن الخلل والفرج في الصفوف استحباب المسارعة إلى سدها فيقيد بها اطلاق هذه الاخبار لكونها اقوى دلالة واصرح مقالة في الحكم المذكور. وكذا لو وضع ثوبا ونحوه في المشاهد المشرفة وغاب ينبغي التفصيل بما قلناه من التصرف بالجلوس وعدمه ولزوم تعطيل الزوال والمصلين وعدمه. والله العالم.

(المسألة الرابعة) - المشهور في كلام الاصحاب جواز الوقف على المساجد لانه في الحقيقة وقف على المسلمين حيث انه يرجع إلى مصالحهم كالوقف على القناطر ونحوها روى الشيخ في التهذيب والصدوق في كتاب العلل وكذا في كتاب الوقف من


[ 309 ]

كتاب من لا يحضره الفقيه عن ابي الصحارى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت رجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة أيوقفه على المسجد ؟ قال ان المجوس اوقفوا على بيت النار ". والظاهر ان المعنى ان المجوس وقفوا على بيت النار فانتم اولى بذلك على مساجدكم. وربما احتمل على بعد المنع بمعنى ان هذا من فعل المجوس فليس لكم الاقتداء بهم والمتابعة لهم. ولعله على هذا الاحتمال بنى الصدوق في كتاب الصلاة من كتاب من لا يحضره الفقيه فنقل الخبر بهذه الكيفية " وسئل عن الوقوف على المساجد فقال لا يجوز فان المجوس وقفوا على بيوت النار " (2) وهذا احد المفاسد في نقل الخبر بالمعنى واحتمال كون ما نقله خبرا مستقلا بعيد جدا بقرينة ما ذكرناه من ان الذي رواه هو في كتاب الوقف وكتاب العلل وغيره كالشيخ في التهذيب انما هو الخبر الذي ذكرناه. إلا ان صاحب الوسائل ادعى ان بعض نسسخ العلل تضمنت " لا " بعد قوله: " أيوقفه على المسجد " قال " لا ان المجوس... الخ " ولعله على ذلك بنى الصدوق في ما نقله من قوله " لا يجوز " وكيف كان فيمكن حمل النهي عن الوقف مع ثبوت ما ذكر من النهي على ان يكون الوقف بقصد تملك المسجد وهو ليس اهلا للملك بل لابد من تقييد ذلك بمصالح المسلمين ليكون الوقف عليهم بل لو اطلق فانه ينصرف إليها. قال شيخنا الشهيد في الذكرى: يستحب الوقف على المساجد وهو من اعظم المثوبات لتوقف بقاء عمارتها غالبا عليه التي هي من اعظم مراد الشارع، ثم ذكر رواية الفقيه في كتاب الصلاة المتضمنة لقوله " لا يجوز " وقال: واجاب بعض الاصحاب بان الرواية مرسلة وبامكان الحمل على ما هو محرم منها كالزخرفة والتصوير. انتهى. نعم ذكر المحدث الكاشاني في الوافي - بعد نقله رواية الفقيه المذكورة وكذا الرواية الاخرى التي ذكرناها - ما صورته: المستفاد من الخبرين تعليل المنع بالتشبه


(1) و (2) الوسائل الباب 66 من احكام المساجد


[ 310 ]

بالمجوس ولعل الاصل فيه خفة مؤنة المساجد وعدم افتقارها إلى الوقف إذا بنت كما ينبغي وانما افتقرت إليه للتعدي عن حدها. انتهى. وظاهره متابعة الصدوق في ما نقله من الرواية وحمل الرواية الاخرى عليه بتقريب المعنى الثاني الذي اشرنا إليه، وحينئذ فظاهر كلاميها تحريم الوقف على المساجد فيصير مخالفا لما عليه الاصحاب في هذه المسألة. وكيف كان فان المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال لاجمال الخبر المذكور وقرب قبوله للاحتمال بالتقريب الذي ذكره المحدث المشار إليه ولما ذكره الاصحاب من الادلة العامة في المقام. والله العالم.

(المسألة الخامسة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجوز نقض ما استهدم بفتح التاء والدال اي اشرف على الانهدام، قالوا ولا ريب في جوازه بل قد يجب إذا خيف انهدامه على احد من المترددين ويستحب اعادته وتجديده. قيل ويجوز النقض ايضا للتوسعة إذا احتيج إليها لانه احساس محض و " ما على المحسنين من سبيل " (1). اقول: الظاهر ان ما ذكروه لا اشكال فيه اما الاول فلما ندب إليه من بناء المساجد وتعميرها. واما الثاني فلما تقدم في صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنته الواردة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتوسعته مرتين (2). وقال الشهيد في الذكرى: ولو اريد توسعة المسجد ففي جواز النقض وجهان من عموم المنع، ومن ان فيه احداث مسجد، ولاستقرار قول الصحابة على توسعة مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد انكارهم ولم يبلغنا انكار علي (عليه السلام) وقد اوسع السلف المسجد الحرام ولم يبلغنا انكار علماء ذلك العصر. انتهى. اقول: الاظهر هو الاستناد في الحكم المذكور إلى رواية عبد الله بن سنان المذكورة فانها ظاهرة في الجواز (3). واما ما ذكره بالنسبة إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) - وتوسعته بعد


(1) سورة التوبة. الآية 92 (2) و (3) ص 266


[ 311 ]

موته واستقرار قول الصحابة على ذلك وان عليا (عليه السلام) لم ينكره - ففيه انه غفلة منه عما ورد عنه (عليه السلام) في انكار ذلك إلا انه انما انكر من حيث غصب البيوت التي ادخلت في المسجد، ومن ذلك ما رواه في الكافي عن سليم بن قيس في خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال " خطب امير المؤمنين (عليه السلام) ثم ساق كلامه إلى ان قال فيه: قد عملت الولاة قبلي اعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)... ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى موضعها والى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى ابقى وحدي، ثم عد جملة من ذلك وقال: ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد... إلى ان قال: ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه... الحديث " وهو اظهر ظاهر في انكار ذلك وان الزيادة التي احدثوها كانت غصبا كما ذكرنا، والظاهر انه لو كانت الزيادة من الاراضي المباحة فلا اشكال. وقد ورد في تحديد مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ما رواه في الفقيه عن عبد الاعلى مولى آل سام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سأله كم كان طول مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله ؟ قال كان ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرا " والمعنى انه كان كل من طوله وعرضه ستين ذراعا فانه إذا ضرب ذلك حصل منه العدد المذكور في الخبر، وهل الزائد على هذا المقدار يثبت له حكم المسجدية في الجملة وان لم يكن في حكم مسجده (صلى الله عليه وآله) ؟ لا يبعد ذلك إذا لم يكن مغصوبا. واما بالنسبة إلى المسجد الحرام فقد تقدم في حسنة زرارة (3) نوم الباقر (عليه السلام) في المسجد الحرام وقوله له لما سأله عن النوم ثمة: " انما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله " فانه يؤذن بعدم ثبوت المسجدية في هذه الزيادة وعدم ترتب احكام المسجدية عليها، إلا انك قد عرفت ما في ذلك من


(1) روضة الكافي ص 59 طبع سنة 1377 (2) الوسائل الباب 58 من احكام المساجد (3) ص 293


[ 312 ]

الاشكال بالاخبار التي اوردناها دالة على انها من المسجد القديم الذي خطه ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) ويمكن ان يقال مع الاغماض عن الاشكال المذكور ان المسجد الحرام الذي يثبت له الاحترام زيادة على غيره يقتصر فيه على ما رسمه المعصوم ولا يجوز الزيادة فيه بخلاف غيره من المساجد التي وضعت لصلاة الناس فيها ويمكن اجراء هذا الكلام ايضا في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) لاختصاصه بمزيد شرف على سائر المساجد كما سيأتي ان شاء الله تعالى في فضل الصلاة فيه زيادة على غيره فيمكن الحكم بتحريم الزيادة فيه وان لم يكن غصبا كما اشرنا إليه آنفا وحينئذ فيبقى هذا الحكم مختصا بغير المسجدين المذكورين. واما الاحتجاج بعدم انكار علماء ذلك العصر فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، لان البدع الصادرة عن خلفاء الجور الذين هم أئمة الحق عندهم جائزة بل واجبة الاتباع فكيف ينكرها علماؤهم، الا ترى إلى اعذار علمائهم عن بدع الثلاثة المتقدمين بنحو ما قلناه من ان الخليفة له ان يعمل بما يراه الاصلح والاولى في جميع الامور. وبالجملة فالامر اظهر من ان ينكر ومن احب تحقيق ذلك فليرجع إلى كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد. ثم انه صرح في الذكرى على تقدير جواز النقض بانه لا ينقض إلا بعد الظن الغالب بوجود العمارة، ولو اخر النقض إلى اتمامها كان اولى إلا مع الاحتياج إلى الآلات واستحسنه جملة ممن تأخر عنه ولا بأس به. ثم انه قد صرح الشهيدان (قدس سرهما) بانه يجوز احداث باب زائد لمصلحة عامة كازدحام المسلمين في الخروج والدخول فيوسع عليهم، ولو كان لمصلحة خاصة كقرب المسافة على بعض المصلين احتمل جواز ايضا لما فيه من الاعانة على القربة وفعل الخير. وكذا يجوز فتح شباك وروزنة للمصلحة العامة وفي جوازه للمصلحة الخاصة الوجهان بقى الكلام في انه قد اشتهر في هذه الاعصار جواز حفر بئر في المسجد لاجل


[ 313 ]

وضوء المصلين، وفيه عندي الاشكال إلا ان تتقدم البئر على المسجدية فلا اشكال. ووجه ما ذكرناه من الاشكال سيما على قاعدة الاصحاب من اشتراط الوقفية ظاهر حيث ان ذلك مناف للوقف و " الوقوف على ما وقفت عليه " (1) ومع قطع النظر عن ذلك فظواهر الاخبار الدالة على ان المساجد انما بنيت للعبادة وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك وقولهم (عليهم السلام) " انها لغير هذا بنيت " (2) وتوهم تعليل الجواز - بانقطاع اكثر المصلين لو لم يجز ذلك كما ذكره بعض - عليل لان السنة الماضية في القرون الخالية انما هو الوضوء في البيوت وحضور المساجد سيما في الصدر الاول بمكة والمدينة لقلة المياه بهما يومئذ ولا يقاس هذا على ما تقدم من فتح باب وروزنة فان ذلك معلوم المصلحة وخال من المفسدة بخلاف هذا فان المفسدة فيه بتحجير المكان الذي فيه البئر عن الصلاة فيه ومنع الناس عن ذلك الموضع ظاهر. ولا يبعد بناء على ما قلنا بطلان الصلاة بالوضوء من تلك البئر ايضا لانه متى ثبت كون ذلك على خلاف الوجه الشرعي كان من قبيل المغصوب فجميع التصرفات المترتبة على ذلك من قبيل التصرف في المغصوب إذ متى زالت الاباحة بالمعنى الاعم فليس إلا الغصب والاحتياط ظاهر. والله العالم.

(المسألة السادسة) - قد ذكر جمع من الاصحاب انه يجوز استعمال آلاته في غيره من المساجد، وقيد ذلك بعضهم بما إذا كانت تلك الآلة فاضلة عن ذلك المسجد ومستغنى عنها فيه أو تعذر استعمالها فيه لاستيلاء الخراب عليه أو كان الآخر احوج إليها منه لكثرة المصلين ونحو ذلك، لان المالك واحد وهو الله سبحانه صرح بذلك الشهيدان، وزاد شيخنا الشهيد الثاني فقال: واولى بالجواز صرف وقفه ونذره على غيره بالشروط وليس كذلك المشهد فلا يجوز صرف ماله إلى مشهد آخر ولا مسجد ولا صرف مال المسجد إليه مطلقا. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وللنظر في هذا الحكم من اصله مجال والمتجه عدم جواز صرف مال المسجد إلى غيره مطلقا كالمشهد لتعلق النذر أو الوقف


(1) الوسائل الباب 2 من الوقوف والصدقات (2) ص 278


[ 314 ]

بذلك المحل المعين فيجب الاقتصار عليه. نعم لو تعذر صرفه فيه أو علم استغناؤه عنه في الحال والمال امكن القول بجواز صرفه في غيره من المساجد والمشاهد بل لا يبعد صرفه في مطلق القرب لان ذلك اولى من بقائه إلى ان يعرض له التلف فيكون صرفه في هذا الوجه احسانا و " ما على المحسنين من سبيل " (1) انتهى. اقول: لم اقف في هذا المقام على شئ من الاخبار الظاهرة في تنقيح الكلام وقطع مادة النقض والابرام سوى اخبار الاهداء والنذر والوصية إلى الكعبة الشريفة وسيجئ الكلام فيها ان شاء الله تعالى في كتاب الحج: ومنها - رواية ياسين الضرير (2) " في رجل اوصى بالف درهم للكعبة فسأل ابا جعفر (عليه السلام) فقال ان الكعبة غنية عن هذا انظر إلى من ام هذا البيت فقطع به أو ذهبت نفقته أو ضلت راحلته أو عجز ان يرجع إلى اهله فادفعها إلى هؤلاء... " وبمضمونه اخبار عديدة يأتي ذكرها ان شاء الله تعالى في الموضع المشار إليه، والظاهر ان الحكم في المشاهد والكعبة واحد. ومقتضى الاخبار المذكورة ان الواجب صرفه في تعمير المشهد والكعبة إذا احتيج إلى ذلك وإلا فانه يصرف في معونة الحجاج والزوار لذلك المشهد، وبذلك صرح السيد المشار إليه في كتاب النذر من شرح النافع فقال: ولو نذر شئ لاحد المشاهد المشرفة صرف فيه على حسب ما قصده الناذر ومع الاطلاق يصرف في مصالح المشهد، ولو استغنى المشهد عنه في الحال والمال فالظاهر صرفه في معونة الزوار لان ذلك اولى من بقائه على حاله معرضا للتلف فيكون صرفه على هذا الوجه احسانا و " ما على المحسنين من سبيل " (3) انتهى. وبذلك ايضا صرح جده (قدس سره) في كتاب النذر من المسالك. ومن ذلك يظهر ما في قوله هنا " انه مع تعذر صرفه في ذلك المشهد يجوز


(1) و (3) سورة التوبة، الآية 92 (2) الوسائل الباب 22 من مقدمات الطواف


[ 315 ]

صرفه في غيره من المساجد والمشاهد بل لا يبعد صرفه في مطلق القرب " فانه بعيد كما عرفت والاقرب إلى ما دلت عليه الاخبار المشار إليها هو ما ذكرناه وما ذكره في شرح النافع هذا بالنسبة إلى المشاهد المشرفة. واما بالنسبة إلى المساجد لو حصل الاستغناء عما لها من الاوقاف والآلات ونحوها وما ذكروه (رضوان الله عليهم) في المقام فهو عندي محل اشكال لعدم الدليل الواضح والاستناد إلى اطلاق الآية المذكورة يتوقف على ثبوت كون ذلك احسانا وهو محل البحث. وكان بعض مشايخنا المعاصرين في بلاد البحرين يعمدون في ما فضل من اموال المسجد عن تعميره إلى التنمية وشراء العقارات بها وصرف حواصلها في مصالح المسجد من الحصر والتعمير ونحو ذلك. والله سبحانه اعلم. تذنيب في فضل المساجد وفضل الصلاة فيها وبيان اختلافها في الفضل: ففي الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الصلاة في مسجدي كالف في غيره إلا المسجد الحرام فان الصلاة في المسجد الحرام تعدل الف صلاة في مسجدي ". وعن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة في مسجدي تعدل الف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فهو افضل " وبهذا المضمون اخبار عديدة. وروى الكليني والصدوق عن خالد بن زياد القلانسي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " مكة حرم الله وحرم رسوله (صلى الله عليه وآله) وحرم علي بن


(1) و (2) الوسائل الباب 57 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد. وفى الفقيه " ابن ماد " وهو نفس " ابن زياد "


[ 316 ]

ابي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بمائة الف صلاة والدرهم فيها بمائة الف درهم، والمدينة حرم الله وحرم رسوله (صلى الله عليه وآله) وحرم علي بن ابي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، والكوفة حرم الله وحرم رسوله (صلى الله عليه وآله) وحرم علي بن ابي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بالف صلاة وسكت عن الدرهم (1) ". وعن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: " من صل في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل الله منه كل صلاة صلاها منذ يوم وجبت عليه الصلاة وكل صلاة يصليها إلى ان يموت ". وعن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: " قال محمد بن علي الباقر (عليه السلام) صلاة في المسجد الحرام افضل من مائة الف صلاة في غيره من المساجد ". وعن هارون بن خارجة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال لي يا هارون بن خارجة كم بينك وبين مسجد الكوفة يكون ميلا ؟ قلت لا. قال أفتصلي فيه الصلوات كلها ؟ قلت لا. قال اما لو كنت بحضرته لرجوت ان لا تفوتني فيه صلاة، أو تدري ما فضل ذلك الموضع ؟ ما من عبد صالح ولا نبي إلا وقد صلى في مسجد كوفان حتى ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اسرى الله به قال له جبرئيل اتدري اين انت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الساعة ؟ انت مقابل مسجد كوفان قال فاستأذن لي ربي عزوجل حتى آتيه فاصلي فيه ركعتين فاستأذن الله عزوجل فاذن له، وان ميمنته لروضة من رياض الجنة وان وسطه لروضة من رياض الجنة وان مؤخره لروضة من رياض الجنة، وان الصلاة المكتوبة فيه لتعدل الف صلاة وان النافلة فيه


(1) هذا في الفقيه دون الكافي (2) و (3) الوسائل الباب 52 من احكام المساجد (4) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد


[ 317 ]

لتعدل خمسمائة صلاة وان الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لاتوه ولو حبوا ". وفي الفقيه عن ابي بصير (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول نعم المسجد مسجد الكوفة صلى فيه الف نبي والف وصي ومنه فار التنور وفيه نجرت السفينة ميمنته رضوان الله ووسطه روضة من رياض الجنة وميسرته مكر يعني منازل الشيطان ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) حد مسجد الكوفة آخر السراجين خطه آدم (عليه السلام) وانا اكره ان ادخله راكبا قيل له فمن غيره عن خطته قال اما اول ذلك فالطوفان في زمن نوح (عليه السلام) ثم غيره اصحاب كسرى والنعمان ثم غيره زياد بن ابي سفيان ". وروى في الفقيه مرسلا (3) قال: " قال علي (عليه السلام) صلاة في بيت المقدس تعدل الف صلاة وصلاة في المسجد الاعظم مائة صلاة وصلاة في مسجد القبيلة تعدل خمسا وعشرين صلاة وصلاة في مسجد السوق تعدل اثنتى عشرة صلاة وصلاة الرجل في بيته صلاة واحدة ".

اقول: في هذه الاخبار فوائد لطيفة ونكات شريفة يحسن التنبيه عليها في المقام بما تشتاقه الطباع وتلذه الافهام:

(الاولى) - ما تضمنه حديث القلانسي من قوله (عليه السلام) " مكة حرم الله وحرم رسوله... الخ " لعل الوجه فيه ان كون مكة حرم الله عزوجل اي محترمة ومعظمة لاجله فلانها مقر بيته الحرام الذي اوجب السعي إليه على من استطاع إليه الوصول من الانام واوجب تعظيمه وشرفه على سائر بقاع الاسلام، واما كونه حرم الرسول وامير المؤمنين (صلوات الله عليهما) فاما باعتبار كونها بلدهما الاصلية ومنشأهما ووطنهما أو


(1) و (2) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 64 من احكام المساجد


[ 318 ]

باعتبار ان ما كان لله عزوجل فهو ثابت لهما بطريق النيابة فكل ما نسب إليه تعالى فهو ينسب اليهما وكل شئ ينسب اليهما ينسب إليه عزوجل لاتحاده بهما ومزيد قربهما منه كما قرن نفسه عزوجل بهما في جملة من الآيات القرآنية نحو قوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا... الآية " (1) المفسر ذلك في الاخبار بامير المؤمنين (عليه السلام) وقوله عزوجل: " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم " (2) اشارة إلى ما ذكرناه. واما كون المدينة حرم الله عزوجل فمن حيث سكنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها واتخاذه لها دار هجرة فعظمها لاجله واوجب احترامها حتى بعدم قطع الشجر منها كما سيأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى. واما كونها حرم الرسول وعلي (عليهما الصلاة والسلام) فلانها منشأهما ومقرهما بعد الهجرة ومدفن الرسول (صلى الله عليه وآله) حقيقة ومدفن علي (عليه السلام) تبعا حيث انه نفس الرسول ويؤيده ما نقله بعض مشايخنا من ورد بعض الاخبار بان الله عزوجل نقله إليها، ولهذا يستحب زيارة امير المؤمنين (عليه السلام) عند الرسول (صلى الله عليه وآله) واما الكوفة فبالتقريب المتقدم في المدينة. واما ان الصلاة في البلدان الثلاث بما ذكر في الخبر فالظاهر ان اطلاق البلد في المواضع الثلاثة مجاز عن المساجد الثالثة ليوافق جملة الاخبار الواردة في الباب وان اختلفت زيادة ونقصانا إذ موردها انما هو المساجد. ويعضد ذلك ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الصلاة في المدينة هل هي مثل الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال لا، ان الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) سورة المائدة، الآية 60 (2) سورة النساء، الآية 62 (3) الوسائل الباب 57 من احكام المساجد


[ 319 ]

الف صلاة والصلاة في المدينة مثل الصلاة في سائر البلدان ". واما ثواب التصدق فيمكن ابقاؤه على عمومه لعدم المعارض. واما السكوت عن الدرهم في الكوفة فهو مشعر بانها كغيرها من البلدان إلا انه روى ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات بسنده عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم في ما سواها وركعتان فيها تحسب بمائة ركعة ".

(الثانية) - لا يخفى ان الاخبار مما نقلناه هنا وما لم ننقله قد اختلفت في ثواب الصلاة في كل من هذه المساجد زيادة ونقصانا والظاهر عندي في الجمع بينها هو ان ذلك باعتبار اختلاف احوال المصلين في صلاتهم واقبالهم على الصلاة وقربهم منه تعالى وعدم ذلك بمعنى ان جميع الصلوات مشتركة من حيث هذ المكان وفضله في الطرف الاقل من الثواب الوارد في هذا المكان وهذه الزيادة انما نشأت من امور زائدة في تلك الصلوات كما ذكرنا، وعليه يحمل ايضا ما ورد في ثواب الحج وزيارة الائمة (عليهم السلام) ولا سيما زيارة الحسين (عليه السلام) من تفاوت الثواب قلة وكثرة والجميع محمول على تفاوت احوال المكلفين في ما يأتون به. وما تكلفه جملة من الاصحاب في هذا المقام فالظاهر بعده وعدم الحاجة إليه. نعم روى الشيخ في التهذيب في الحسن عن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الصلاة في المسجد الحرام والصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) في الفضل سواء ؟ فقال نعم والصلاة في ما بينهما تعدل الف صلاة " فانه ظاهر في مساواة مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) للمسجد الحرام في الفضل من ان الاخبار مما قدمناه وتركناه متكاثرة بزيادة المسجد الحرام وان الصلاة فيه كالف صلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله).


(1) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد (2) الوسائل الباب 63 من احكام المساجد


[ 320 ]

ويمكن الجواب برجوع المساواة إلى اصل الفضيلة بمعنى ان لهما الفضل على غيرهما من المساجد وان تفاوتا بالزيادة في احدهما والنقيصة في الآخر ويكون قوله: " والصلاة في ما بينهما... الخ " اشارة إلى ذلك بمعنى انهما متساويان في اصل الفضل وان حصل التفاوت بينهما في ان الصلاة الواحدة في احدهما بالف في الآخر وهو وان كان مجملا بالنسبة إلى صاحب الفضيلة منهما إلا انه باعتبار ما ظهر في غير هذا الخبر من الاخبار الكثيرة الدالة على ان الفضل في جانب المسجد الحرام ويحمل عليه هذا الاجمال فلا اشكال.

(الثالثة) - ما تضمنه حديث الثمالي - من ان كل من صلى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل الله منه كل صلاة... الخ - يحتمل حمله على عمومه من قبول كل صلاة صلاها أو يصليها إلى يوم موته وان كانت باطلة وليس ببعيد من فضله سبحانه وكرمه، واما ما لم يصلها بالكلية فلا تدخل في عموم الخبر. ويحتمل التخصيص بما إذا كانت صحيحة مجزئة لكنها غير مقبولة من حيث عدم الاقبال عليها كلا أو بعضا أو نحو ذلك من شروط القبول. ويحتمل ايضا انه لما كان الله عزوجل قد جعل صلاة المكتوبة في المسجد الحرام بمائة الف صلاة كما في خبر القلانسي وغيره فمن الظاهر ان هذا العدد يأتي على صلاة الانسان من اول عمره إلى آخره غالبا فكل صلاة وقع الخلل فيها من صلواته يقوم مقامها ويسدها بعض هذه الافراد المضاعفة فيكون مستلزما لقبول ما وقع الخلل فيه من صلواته بل ما تركه ايضا، ورحمته سبحانه وفضله جل شأنه اوسع من ذلك وهو وجه لطيف عرض لي حال التصنيف.

(الرابعة) - ما تضمنه خبر هارون بن خارجة وخبر ابي بصير وما اشتملا عليه قد ورد مثله في عدة اخبار مثل ما رواه ثقة الاسلام في الكافي والشيخ في التهذيب عن الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " مسجد كوفان روضة من رياض الجنة صلى فيه الف نبي وسبعون نبيا وميمنته رحمة وميسرته مكر، فيه عصا موسى وشجرة يقطين


(1) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد


[ 321 ]

وخاتم سليمان ومنه فار التنور ونجرت السفينة وهي صرة بابل ومجمع الانبياء ". وفي حديث الكاهلي المروي في الكافي والتهذيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " يمينه يمن ويساره مكر وفي وسطه عين من دهن وعين من لبن وعين من ماء شراب للمؤمنين وعين من ماء طهر للمؤمنين... إلى ان قال وصلى فيه سبعون نبيا وسبعون وصيا انا احدهم، وقال بيده في صدره ". وروى مؤلف المزار الكبير على ما نقله في البحار (2) بسنده عن حبة العرنى عن امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال فيه " وصلى فيه الف نبي والف وصي وفيه عصا موسى وخاتم سليمان وشجرة يقطين ووسطه روضة من رياض الجنة وفيه ثلاث اعين: عين من ماء وعين من دهن وعين من لبن. إلى ان قال ويحشر يوم القيامة منه سبعون الفا ليس عليهم حساب ولا عذاب، جانبه الايمن ذكر وجانبه الايسر مكر ". اقول: لا تنافي بين هذه الاخبار باعتبار ذكر عدد من صلى فيه من الانبياء والاوصياء قلة وكثرة فجاز ان يذكرهم كلهم تارة وجاز ان يقتصر على افضلهم اخرى إذ لا دلالة على الحصر في عدد واما الروضة التي في وسط المسجد بناء على رواية ابي بصير أو في وسطه ومقدمه وميمنته وميسرته ومؤخره بناء على الروايات الاخر فالظاهر انها عبارة عن الجنات التي تظهر بعد خروج القائم (عليه السلام) وينبغي حمل المسجد في هذه الاخبار على المسجد الاصلي الذي يأتي ذكره قريبا وبيان وقوع النقص فيه لما يستفاد من بعض الاخبار انه (عليه السلام) بعد ظهوره يعيده إلى اساسه الاصلي ويوسعه سعة زائدة، وهذه العيون المذكورة من جملة ما في تلك الروضات التي تظهر بظهوره (عليه السلام). ولا منافة بين ما دل على ان ميسرته مكر وبين ما دل على ان ميسرته روضة لان


(1) الوسائل الباب 45 من احكام المساجد (2) ج 22 ص 88


[ 322 ]

المراد بالاول ما خرج عن هذا المسجد وبالثاني ما دخل في المسجد الاصلي من طرف اليسار والظاهر ان تفسير المكر بمنازل الشيطان من كلام الصدوق (قدس سره) وهذا الخبر رواه في الكافي عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير (1) وفيه بعد قوله مكر " فقلت لابي بصير ما يعني بقوله مكر ؟ قال يعني منازل السلطان " وهذا الخبر ونحوه قد رواه العامة ايضا، قال ابن الاثير في نهايته (2): اصل المكر الخداع ومنه حديث علي (ع) في مسجد الكوفة " جانبه الايسر مكر " قيل كانت السوق إلى جانبه الايسر وفيها يقع المكر والخداع. انتهى. والاظهر ما ذكر في الخبرين من تفسير المكر بمنازل السلطان، والظاهر ان المراد به قصر الامارة الذي هو محل الحكم والامر والنهي، وعليه ينطبق ايضا ما ذكره الصدوق لان منازل سلاطين الجور منازل الشياطين أو ان المراد بالشياطين هم حكام الجور. واما ما قابل الميسرة في هذا الخبر ونحوه مما كان خارجا عن المسجد فيمكن حمله على الغري الذي هو موضع قبر امير المؤمنين (عليه السلام) والاشارة إليه بذلك وقع تقية، ومثله قوله (عليه السلام) في حديث حبة العرنى " ويحشر منه يوم القيامة سبعون الفا ليس عليهم حساب ولا عذاب " يعني يحشرون من جنبه، والمراد به الغرى ايضا الذي قد استفاضت الاخبار بانه قطعة من جنة عدن تكون فيها ارواح المؤمنين في عالم البرزخ، والاجمال في التعبير عن ذلك صريحا كله للتقية. واما ما دل على ان فيه عصا موسى (عليه السلام) فيحتمل انها مودعة فيه إلى ظهور صاحب الزمان (عجل الله فرجه) وكذا خاتم سليمان (عليه السلام) ويحتمل ان العصا نبتت فيه ومنه اخذت، وعليه يحمل ايضا " وفيه شجرة يقطين " يعني فيه نبتت، ويؤيده ما نقله بعض مشايخنا قال انه يظهرمن بعض الاخبار ان يونس (عليه السلام) خرج من الفرات.


(1) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد (2) في مادة " مكر "


[ 323 ]

بقى الكلام في نجر السفينة في المسجد مع كراهة الصنائع في المساجد ولا سيما هذا المسجد فيمكن الجواب بتخصيص هذا الحكم بهذه الشريعة أو استثناء ذلك من الحكم المذكور واما قوله في رواية الحذاء: " وهي صرة بابل " ففيه اشارة إلى ان الكوفة من ارض بابل إذا المراد بالصرة الكناية عن الشئ النفيس العزيز، لان اصل الصرة بمعنى صرة الدراهم وهي انفس الاموال واعزها. والمفهوم من خبر رد الشمس إلى امير المؤمنين (عليه السلام) (1) - في ايام رجوعه من حرب الخوارج وتركه الصلاة إلى ان عبر الفرات فصلى في الجانب الآخر - اختصاص بابل بذلك الجانب من الفرات، ولعل الاضافة هنا مجاز باعتبار قربها من بابل وان ارض الخسف من بابل التي يكره الصلاة فيها مخصوص بذلك الموضع الذي عبر (عليه السلام) منه. والله العالم.

(الخامسة) - ان ما دل عليه مرسل الفقيه من قول الصادق (عليه السلام) " حد مسجد الكوفة آخر السراجين... الخ " مما يدل على وقوع النص في المسجد والحديث بهذه الكيفية قد رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن علي بن مهزيار باسناد له (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) حد مسجد الكوفة... الحديث " إلا ان الكليني في الروضة والعياشي في تفسيره قد نقلاه بوجه ابسط عن المفضل بن عمر قال (3): " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) بالكوفة ايام قدم علي ابي العباس فلما انتهينا إلى الكناسة نظر عن يساره ثم قال يا مفضل ههنا قتل عمي زيد ثم مضى حتى اتى طاق الرواسين وهو آخر السراجين فنزل فقال لي انزل فان هذا الموضع كان مسجد الكوفة الاول الذي خطه آدم (عليه السلام) وانا اكره ان ادخله راكبا فقلت له فمن غيره عن خطته ؟ قال اما اول ذلك فالطوفان... إلى آخر ما تقدم في خبر الفقيه ".


(1) البحار ج 18 الصلاة ص 121 (2) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد (3) الروضة ص 279 ومستدرك الوسائل الباب 35 من احكام المساجد


[ 324 ]

ومما يدل على وقوع النقص في المسجد ما رواه في الكافي في خبر عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال " وكان امير المؤمنين (عليه السلام) يقوم على باب المسجد ثم يرمي بسمه فيقع في موضع التمارين فيقول ذلك من المسجد، وكان يقول قد نقص من اساس مسجد الكوفة مثل ما نقص في تربيعه " وفي رواية اخرى نقلها في البحار (2) عن مؤلف المزار الكبير قال " ولقد نقص منه اثنا عشر الف ذراع مما كان على عهدهم. بقى الكلام في حكم هذا الناقص من المسجد الاول الزائد على ما هو عليه الآن هل يثبت له حكم المسجدية ؟ اشكال ينشأ من ان ظاهر حديث المفضل - حيث ان الصادق (عليه السلام) نزل لما بلغ إلى طاق الرواسين وامر المفضل بالنزول معللا ذلك بانه من المسجد وانه يكره دخوله راكبا - اجراء حكم المسجدية في ذلك الزائد، ومن ان ظاهر خبر ابي بصير - الدال على ان عليا (عليه السلام) رمى بسهمه إلى موضع التمارين واخبر ان هذه المسافة كلها من المسجد مع انه لم ينقل عنه في زمانه ادخالها في المسجد ولا الامر باحترامها واجراء حكم المسجدية عليها، بل الظاهر انما هو العدم لتقريره الناس على تصرفهم في هذا الموضع بجعله سوقا وطريقا ومنازل ونحوها من التصرفات - هو العدم، ولعل الترجيح للاخير إلا انه يمكن تطرق القدح إليه بعدم تمكنه (عليه السلام) من تغيير ما جرت عليه أئمة الجور قبله كما لا يخفى على من احاط خبرا بما كان عليه في ايام خلافته وان جل رعيته انما يرونه بعين التبعية لمن تقدمه. وكيف كان فانه يجب ان يحمل فعل الصادق (عليه السلام) على الفضل والاستحباب. والظاهر ان الكلام ههنا كالكلام في المسجد الحرام قبل الزيادة التي زادتها بنو امية، فان ظاهر خبر زرارة المتقدم (3) - المتضمن لنوم الباقر (عليه السلام) معه في تلك الزيادة وتجويزه النوم فيها معللا ذلك بانها ليست من المسجد الذي في زمنه (صلى الله


(1) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد (2) ج 22 ص 88 (3) ص 293


[ 325 ]

عليه وآله) مع دلالة الاخبار الاخر على انها من المسجد القديم - هو عدم اجراء حكم المسجدية على ذلك الزائد وان كان داخلا في المسجد القديم، وهو مؤيد لما ذكرناه من عدم ثبوت حكم المسجدية لما زاد على المسجد الموجود في زمنه (عليه السلام) وان كان داخلا في المسجد القديم. ويمكن ان يكون الوجه في الجميع ان الاعتبار في رعاية حكم المسجدية على ما كان مسجدا في الاسلام بان ثبت له المسجدية وسمى مسجدا بعد ظهور الشريعة المحمدية، فان البيع والكنائس السابقة في الملل المتقدمة كانت في تلك الملل يراعى فيها ما يراعى في المساجد من التوقير والتعظيم، واما بعد الاسلام بالنسبة إلى المسلمين فانه لا يراعى فيها ذلك لانها ليست من مساجد الاسلام، ولهذا ورد جواز نقضها وجعلها مساجد يجب احترامها كما يجب في المساجد المعمولة في الاسلام فكذلك المساجد التي في زمان الكفر وتلك الملل السابقة، بل الاعتبار بما جرى عليه اسم المسجدية في الاسلام، ويعضده تقرير النبي (صلى الله عليه وآله) الناس على مسجدية المسجد الحرام الموجود في زمنه دون ما زاد عليه. والله العالم. نعم يبقى اشكال آخر بالنسبة إلى تغيير زياد ابن ابيه الذي وقع بعد امير المؤمنين (عليه السلام) وثبوت المسجدية للجميع الموجود يومئذ. ويمكن التفصي عن ذلك بانه لعدم معلوميته لنا الآن لا يلزمنا حكمه. ويمكن تخصيص تغيير زياد باعتبار القبلة دون ارض المسجد كما يشير إليه ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده فيه عن الاصبغ بن نباته (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له " حتى انتهى إلى مسجد الكوفة وكان مبنيا بخزف ودنان وطين فقال ويل لمن هدمك وويل لمن سهل هدمك وويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة


(1) البحار ج 13 ص 186


[ 326 ]

نوح (عليه السلام) طوبى لمن شهد هدمك مع قائم اهل بيتي اولئك خيار الامة مع ابرار العترة ". وروى محمد بن ابراهيم النعماني في كتاب الغيبة بسنده إلى حبة العرنى في حديث عنه (عليه السلام) (1) قال: " كأني انظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما انزل، اما ان قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته ". واما نسبته (عليه السلام) في هذا الخبر زيادا إلى ابي سفيان فلعله خرج مخرج التقية لاشتهار ذلك بين الاموية حيث ان معاوية استلحقه وجعله اخاه لابيه وإلا فهو مشهور بين علماء التاريخ بنسبته إلى امه سمية أو يقال زياد ابن ابيه.

(السادسة) - ما تضمنه مرسل الفقيه عن علي (عليه السلام) في فضل الصلاة في المساجد المذكورة قد ورد مثله في ما رواه الشيخ في التذهيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) إلا ان كتب الاخبار قد اختلفت في قوله: " وصلاة في المسجد الاعظم تعدل مائة صلاة " ففي التهذيب في حديث السكوني المذكور وكذا في كتاب المحاسن كما هنا ولكن في اكثر نسخ الفقيه " مائة الف صلاة " وكذا في كتاب ثواب الاعمال، والظاهر زيادة لفظ " الف " من النساخ في الصدر الاول أو احد الرواة واستمر عليها النسخ، وعلى تقديره فيحمل المسجد الاعظم على المسجد الحرام، وعلى تقدير النسخة الاخرى يحمل على المسجد الجامع. وبيت المقدس بتخفيف الدال بمعنى القدس والطهارة كأن من يدخل فيه يطهر من الذنوب، والمراد بكون الصلاة فيه تعدل الف صلاة اي في البيوت وغير المساجد. ويحتمل الحمل على الترتيب بالنسبة إلى الجامع وكذا الجامع بالنسبة إلى مسجد القبيلة وهكذا ولعل الاول اقرب. والمراد بمسجد القبيلة هو مسجد المحلة المذكور في كلام الاصحاب بعنوان المحلة ووجه خروج هذه التسمية في الخبر انه كان في تلك الاوقات ولا سيما في الكوفة قبائل


(1) البحار ج 13 ص 192 (2) الوسائل الباب 64 من احكام المساجد


[ 327 ]

العرب وكل قبيلة في محلة ولها مسجد فيها فنسب المسجد إلى القبيلة. والمراد بمسجد السوق ما كان لاهل السوق واقعا في السوق أو إلى جنبها لا ما اتصل بها وان كان جامعا أو مسجد قبيلة وإلا فكثير من المساجد الجامعة متصلة بالسوق ولا سيما المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله). وفي رواية التهذيب (1) " وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة " وكذا في بعض نسخ الفقيه وفى كتاب ثواب الاعمال، قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقله الخبر على ما في التهذيب: بيان - لفظة " وحده " ليست في بعض نسخ الفقيه فان قلنا ان التضعيف في الاجر باعتبار الجماعة وكثرتها فاثباتها اوضح في مقابلة الوحدة بالجماعة (وان قلنا) انه باعتبار فضل المسجد من غير نظر إلى الجماعة فاسقاطها اوضح في مقابلة كل من الوحدة والجماعة بمثله. انتهى. اقول: قد روى الشيخ في كتاب المجالس عن الحسين بن عبيد الله عن التلعكبرى عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن خالد الطيالسي عن زريق الخلفاني (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة الرجل في منزله جماعة تعدل اربعا وعشرين صلاة وصلاة الرجل جماعة في المسجد تعدل ثمانيا واربعين صلاة مضاعفة في المسجد. وان الركعة في المسجد الحرام الف ركعة في سواه من المساجد وان الصلاة في المسجد فردا باربع وعشرين صلاة. والصلاة في منزلك هباء منثور لا يصعد منها إلى الله تعالى شئ. ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلاة له ولا لمن صلى معه إلا من علة تمنع من المسجد ". وروى فيه ايضا بالسند المذكور عن زريق المذكور (3): " قال سمعت ابا عبد الله


(1) الوسائل الباب 64 من احكام المساجد (2) الوسائل الباب 33 من احكام المساجد (3) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد


[ 328 ]

(عليه السلام) يقول شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله عزوجل إليها وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة ولا اظهرت لهم في الناس عدالة ولا نالتهم رحمتي ولا جاوروني في جنتي " وفي جملة من الاخبار " لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " (1). ووجه الجمع بينها وبين الخبر المذكور وامثاله مما دل على صحة الصلاة في البيت وجوازها اما حمل التخلف عن المسجد على ما إذا كان لمجرد التهاون والاستخفاف وعدم المبالاة بما ورد في الصلاة فيه من الاجر والثواب واليه يشير خبر زريق الاول، أو على قلة الاجر والثواب المترتب عليها حتى كأنه في حكم العدم ولعله الاظهر فانهم (عليهم السلام) كثيرا ما يبالغون في الزجر عن المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات والحث على المستحباب بما يكاد يدخلها في الواجبات. وكيف كان فمع العذر يكون مستثنى من الحكم المذكور، ويدل عليه ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " قال علي (عليه السلام) ليس لجار المسجد صلاة إذا لم يشهد المكتوبة في المسجد إذا كان فارغا صحيحا " ومثله روى في التهذيب (3) ايضا. والله العالم.

(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد

الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>