تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السابع


المقدمة السابعة

في الأذان والإقامة

الاذان لغة الاعلام ومثله الايذان، ومنه قوله تعالى: " فاذنوا بحرب من الله ورسوله " (4) اي اعلموا، وعلى قراءة المد اي اعلموا من ورائكم بالحرب، فالمد يفيد التعدي وفعله " اذن يأذن " ثم شدد للتعدية، وشرعا اذكار مخصوصة موضوعة للاعلام بدخول اوقات الصلوات. والاقامة مصدر اقام بالمكان والتاء عوض عن الواو


 (4) سورة البقرة، الآية 279


[ 329 ]

المحذوفة لان اصله (اقوام) أو مصدر (اقام الشئ) بمعنى ادامه ومنه " يقيمون الصلاة " وشرعا اذكار مخصوصة عند اقامة الصلاة. والاخبار بفضله وثوابه - وانه من وكيد السنن وانه وحى من الله تعالى لا ما تزعمه العامة العمياء - حتى انهم اجمعوا عليه - من نسبته إلى رؤيا عبد الله بن زيد في منامه (1) - مستفيضة متواترة، ولا بأس بنقل جملة منها لان كتابنا هذا - كما قدمنا ذكره - كتاب اخبار واحكام: فروى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) عن عبد الله بن على قال: " حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها فبينا انا في بعض الطريق إذا انا بشيخ طويل شديد الادمة ابيض الرأس واللحية عليه طمران احدهما اسود والآخر ابيض فقلت من هذا ؟ فقالوا هذا بلال مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاخذت الواحي فاتيته فسلمت عليه فقلت له السلام عليك ايها الشيخ فقال وعليك السلام فقلت يرحمك الله حدثني بما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال وما يدريك من انا ؟ فقلت انت بلال مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فبكى وبكيت حتى اجتمع الناس علينا ونحن نبكي، قال ثم قال يا غلام من اي البلاد انت ؟ قلت من اهل العراق. قال بخ بخ ثم سكت ساعة ثم قال اكتب يا اخا اهل العراق بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول المؤذنون امناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم لا يسألون الله عزوجل شيئا إلا اعطاهم ولا يشفعون في شئ إلا شفعوا. قلت زدني رحمك الله تعالى قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من اذن اربعين عاما محتسبا بعثه الله عزوجل يوم القيامة وله عمل اربعين صدقا عملا مبرورا متقبلا. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 209 (2) ج 1 ص 189 وفي الوسائل الباب 2 من الاذان والاقامة


[ 330 ]

الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من اذن عشرين عاما بعثه الله عزوجل يوم القيامة وله من النور مثل زنة السماء. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من اذن عشر سنين اسكنه الله مع ابراهيم الخليل في قبته أو في درجته. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من اذن سنة واحدة بعثه الله عزوجل يوم القيامة وقد غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت ولو كانت مثل زنة جبل احد. قلت زدني رحمك الله قال نعم فاحفظ واعمل واحتسب سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من اذن في سبيل الله صلاة واحدة ايمانا واحتسابا وتقربا إلى الله تعالى غفر الله له ما سلف من ذنوبه ومن عليه بالعصمة في ما بقى من عمره وجمع بينه وبين الشهداء في الجنة. قلت زدني يرحمك الله حدثني باحسن ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ويحك يا غلام قطعت انياط قلبي وبكى وبكيت حتى اني والله لرحمته ثم قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وإله) يقول إذا كان يوم القيامة وجمع الله عزوجل الناس في صعيد واحد بعث الله عزوجل إلى المؤذنين ملائكة من نور ومعهم الوية واعلام من نور يقودون جنائب ازمتها زبرجد اخضر وخفائفها المسك الاذفر يركبها المؤذنون فيقومون عليها قياما تقودهم الملائكة ينادون باعلا صوتهم بالاذان. ثم بكى بكاء شديدا حتى انتحب وبكيت فلما سكت قلت مم بكاؤك ؟ فقال ويحك ذكرتني شيئا سمعت حبيبي وصفيي عليه السلام يقول والذي بعثني بالحق نبيا انهم ليمرون على الخلق قياما على النجائب فيقولون الله اكبر الله اكبر فإذا قالوا ذلك سمعت لامتي ضجيجا، فسأله اسامة بن زيد عن ذلك الضجيج ما هو ؟ قال الضجيج التسبيح والتحميد والتهليل فإذا قالوا اشهد ان لا إله إلا الله قالت امتي اياه كنا نعبد في الدنيا فيقال صدقتم فإذا قالوا اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت امتي هذا الذي اتانا برسالة ربنا جل جلاله وآمنا به ولم نره فيقال لهم صدقتم هذا


[ 331 ]

الذي ادى اليكم الرسالة من ربكم وكنتم به مؤمنين فحقيق على الله عزوجل ان يجمع بينكم وبين نبيكم فينتهى بهم إلى منازلهم وفيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم نظر الي فقال ان استطعت - ولا قوة إلا بالله - ان لا تموت إلا وانت مؤذن فافعل. فقلت يرحمك الله تفضل علي واخبرني فاني فقير محتاج واد الي ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانك قد رأيته ولم اره وصف لي كما وصف لك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بناء الجنة فقال اكتب... الحديث ". وروى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اذن في مصر من امصار المسلمين سنة وجبت له الجنة ". وعن محمد بن مروان (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول المؤذن يغفر له مد صوته ويشهد له كل شئ سمعه ". وروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا اذنت واقمت صلى خلفك صفان من الملائكة وإذا اقمت صلى خلفك صف من الملائكة " وروى الصدوق مرسلا (4) " ان حد الصف ما بين المشرق والمغرب ". وروى ايضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) انه قال: " من صلى باذان واقامة صلى خلفه صفان من الملائكة لا يرى طرفاهما ومن صلى باقامة صلى خلفه ملك " وروى في الكافي عن عبد الرحمان بن ابي نجران رفعه (6) قال: " ثلاثة يوم القيامة على كثبان المسك احدهم مؤذن اذن احتسابا ". وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابن ابي عمير عن زكريا صاحب السابري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال " ثلاثة في الجنة على المسك الاذفر: مؤذن اذن


(1) و (2) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من الاذان والاقامة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 4 من الاذان والاقامة


[ 332 ]

احتسابا، وامام ام قوما وهم به راضون، ومملوك يطيع الله ويطيع مواليه ". وروى في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " كان طول حائط مسجد رسول الله (صلى الله على وآله) قامة وكان يقول لبلال إذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالاذان فان الله تعالى قد وكل بالاذان ريحا ترفعه إلى السماء وان الملائكة إذا سمعوا الاذان من اهل الارض قالت هذه اصوات امة محمد (صلى الله عليه وآله) بتوحيد الله عزوجل فيستغفرون لامة محمد (صلى الله عليه وآله) حتى يفرغوا من تلك الصلاة ". ورويا في الكتابين المذكورين عن هشام بن ابراهيم (2) " انه شكى إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) سقمه وانه لا يولد له فأمره ان يرفع صوته بالاذان في منزله قال ففعلت ذلك فاذهب الله عني سقمي وكثر ولدي قال محمد بن راشد وكنت دائم العلة ما انفك منها في نفسي وجماعة خدمي وعيالي حتى كأنني كنت ابقى وما لي احد يخدمني فلما سمعت ذلك من هشام عملت به فاذهب الله عني وعن عيالي العلل ". وروى في الكافي في الصحيح عن سليمان بن جفعر الجعفري (3) قال: " سمعته يقول اذن في بيتك فانه يطرف الشيطان ويستحب من اجل الصبيان ". وروى في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا اذنت فلا تخفين صوتك فان الله يأجرك مد صوتك فيه ". إذا عرفت ذلك فالكلام في هذا المقام يقع في المؤذن وما يؤذن له ويقام من الصلوات وكيفية الاذان والاقامة والاحكام المتعلقة بهما فههنا مقامات اربعة:

(الاول) - قد صرح جملة من الاصحاب انه يشترط في المؤذن المنصوب في البلد للاذن ان يكون مسلما عاقلا ذكرا ولا يشترط فيه البلوغ بل يكفي كونه مميزا.


(1) و (4) الوسائل الباب 16 من الاذان والاقامة (2) و (3) الوسائل الباب 18 من الاذان والاقامة


[ 333 ]

اقول: اما اشتراط الاسلام وان لا يكون كافرا فادعى عليه الاجماع جملة من الاصحاب، ويدل عليه جملة من الاخبار الدالة على ان المؤذنين امناء الناس على دينهم ومنها حديث بلال المتقدم والكافر ليس له اهلية الامانة. وما رواه في الكافي في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال " سئل عن الاذان هل يجوز ان يكون من غير عارف ؟ قال لا يستقيم الاذان ولا يجوز ان يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الاذان فاذن به ولم يكن عارفا لم يجز اذانه ولا اقامته ولا يقتدى به... الحديث " وفي بعض النسخ " ولا يعتد به ". وظاهر الخبر اشتراط الايمان فان لفظ العارف في الاخبار انما يطلق على العارف بالامامة كما وقع في مواضع عديدة منها وهو الذي اختاره الشهيدان، وظاهر عبارات اكثر الاصحاب اشتراط مجرد الاسلام فيكفي اذان المخالف بناء على حكمهم باسلامه قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: وهل يشترط في المؤذن مع الاسلام الايمان ؟ ظاهر العبارة عدم اشتراطه وينبه عليه ايضا حكمهم باستحباب قول ما يتركه المؤذن فانه يشمل باطلاقه المخالف، وهو ظاهر فيه فان غير الناسي من المؤمنين لا يترك منه شيئا بل لو تركه اختيارا لم يعتد باذانه، وروى ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " إذا نقص المؤذن الاذان وانت تريد ان تصلي باذانه فاتم ما نقص هو من اذانه " والاصح اشتراط الايمان مع الاسلام لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " يؤذن لكم خياركم " خرج منه ما اجمع على جوازه فيبقى الباقي ولقول الصادق (عليه السلام) (4) " لا يجوز ان يؤذن إلا رجل مسلم عارف " ولكونه امينا... وهو الذي اختاره الشهيد فلا يعتد باذانه وان اتمه لان المانع الخلاف لا نقص الفصول. انتهى. وهو جيد وقوله " لان المانع الخلاف


(1) و (4) الوسائل الباب 26 من الاذان والاقامة (2) الوسائل الباب 30 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 16 من الاذان والاقامة


[ 334 ]

أي كونه مخالفا غير مؤمن، وربما يتوهم الخلاف يعني في المسألة، وهو غلط محض. وهل يصير الكافر بتلفظه بالشهادتين في الاذان أو الصلاة مسلما فيعتد باذانه ام لا ؟ المنقول عن العلامة في التذكرة الاول لان الشهادة صريح في الاسلام، وقد قال (صلى الله عليه وآله) (1) " امرت ان اقاتل الناس حتى يقولا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم إلا بحقها " وفيه ان مجرد التلفظ بذلك غير موجب للاسلام لوقوعه من غير العارف بمعنى اللفظ كالاعجم أو على جهة الاستهزاء أو الحكاية أو الغفلة أو التأويل كما يقوله النصارى من ان محمدا نبي إلى العرب خاصة (لا يقال) ان هذا يجري ايضا في ما لو تلفظ بالشهادتين حال دعوته إلى الاسلام فيلزم ان لا يتحقق به اسلامه مع انه خلاف النص والاجماع (لانا نقول) ذكر الشهادتين في الاذان وفي الصلاة ليس موضوعا للدلالة على الاسلام والانباء عن اعتقاده والتدين به بل للاعلام في الاذن وكونهما جزء من العبادة في الصلاة بخلاف التلفظ بهما عند الدعوة إلى الاسلام فانهما موضوعان للدلالة على اعتقاد قائلهما بمضمونهما وان لم يكن في الواقع معتقدا لذلك فلذلك حقن بهما ماله ودمه، وبذلك صرح الشهيدان ايضا. واما اشتراط كونه عاقلا غير مجنون فلرفع القلم عن المجنون (2) فلا يعتد بعبادته والامر فيه اظهر من ان يحتاج إلى مزيد تطويل. نعم لو كان الجنون مما يعتوره ادوارا فلا مانع من الاعتداد باذانه وقت افاقته. واما اشتراط الذكورة فهو على اطلاقه محل كلام إذ الظاهر انه لا خلاف في اعتداد النساء باذان المرأة لهن، قال في الذكرى: الاذان مشروع للنساء فيعتد باذن المرأة لهن عند علمائنا وكذا لو اذنت للمحارم. وانما الاشكال في اذانها للاجانب ولعل المشترط هنا بنى على الاذان الاعلامي الذي على المنارة مثلا فيندفع عنه الايراد بناء على ما اشتهر في


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 39 (2) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات والباب 8 من مقدمات الحدود


[ 335 ]

كلامهم من ان صوت المرأة عورة فلا يجوز لها اسماعه الاجانب، إلا ان المنقول عن المبسوط هنا جواز اسماعها الاجانب والاعتداد به وان منعه من تأخر عنه ورد عليه في ذلك. وبالجملة فالمسألة مبنية عندهم على تحريم اسماع المرأة صوتها الرجال وهو مشهور عندهم، والذي ثبت عندي - من تتبع الاخبار الكثيرة الدالة على تكلم النساء مع الناس في مجالس الائمة (عليهم السلام) وكذا كلام فاطمة (عليها السلام) مع جملة من الصحابة وخروجها للمخاصمة في فدك في المسجد لجملة من فيه من الصحابة واتيانها بعد المخاصمة والمجادلة بتلك الخطبة الطويلة المروية عند العامة والخاصة كما ذكرناها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد - هو خلاف ما ذكروه وبه يظهر جواز اذانهن للاجانب ولو الاذان الاعلامي، إلا انه ينبغي التوقف فيه من جهة اخرى وهو ان الاذان الاعلامي عبادة شرعية مبنية على التوقيف ولم يرد عنهم (عليهم السلام) الاذان للنساء في ذلك ولا وقوعه من النساء في زمانهم ولا الاشارة إلى شئ من ذلك في اخبارهم بل انما يقع في جميع الاعصار - وبه خرجت الاخبار - من الرجال خاصة فيبقى التوقف فيه من هذه الجهة لا من جهة كون سماع صوتهن عورة فانه لم يثبت على اطلاقه وان دل ظواهر بعض النصوص النادرة على ذلك فهو محمول على حصول الريبة بذلك ولا اشكال في التحريم مع ذلك. اما الاعتداد باذان المميز فنقل في الذكرى الاجماع عليه، قال فاما المميز فيعتد باذانه اجماعا منا. اقول: ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم ".


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من الاذان والاقامة


[ 336 ]

وفي كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) قال: " لا بأس ان يؤذن العبد والغلام الذي لم يحتلم ". قال شيخنا في الروض والمراد بالمميز من يعرف الاضر من الضار والانفع من النافع إذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس. واعترضه سبطه في المدارك بانه مع عدم وضوح مأخذة رد إلى الجهالة. اقول: لا يخفى ان الوارد في الاخبار المذكورة التي هي مستند الحكم المذكور انما هو الغلام قبل الاحتلام والتقييد بكونه مميزا انما وقع في كلامهم (رضوان الله عليهم) ولعل من عبر بذلك من المتقدمين فانما اراد المراهق للبلوغ فانه الاقرب إلى عبارة الاخبار المذكورة. والظاهر ان ما اورده السيد على جده غير وارد ولو ثبت وجود هذا اللفظ في الاخبار فانه متى ورد ذلك فالواجب بمقتضى قواعدهم الرجوع في معناه إلى العرف، وما ذكره جده هو مقتضى العرف في معنى التمييز.

(الثاني) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يستحب اتصاف المؤذن للاعلام بامور (احدها) العدالة لقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " يؤذن لكم خياركم " وقوله (عليه السلام) (3) " المؤذن مؤتمن " ولانه ربما قلده ذوو الاعذار. وقطع الاصحاب عدا ابن الجنيد بصحة اذان الفاسق لكونه عاقلا كاملا فيعتبر اذانه عملا بالاطلاق ومنع ابن الجنيد ضعيف. قال في الروض واعلم ان استحباب كون المؤذن عدلا لا يتعلق بالمؤذن لصحة اذان الفاسق مع كونه مأمورا بالاذن بل الاستحباب راجع إلى الحاكم بان ينصبه مؤذنا لتعم فائدته و (ثانيها) ان يكون صيتا اي رفيع الصوت ليحصل الغرض من الاذن وهو


(1) مستدرك الوسائل الباب 26 من الاذان والاقامة (2) الوسائل الباب 16 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 3 من الاذان والاقامة


[ 337 ]

الاعلام، ويدل عليه ما تقدم من رواية عبد الله بن سنان الدالة على امر الرسول (صلى الله عليه وآله) بلالا بالعلو على الجدار وان يرفع صوته بالاذان. وفي الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا يجزئك من الاذان إلا ما اسمعت نفسك وافهمته (2) وافصح بالالف والهاء وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في اذان أو غيره، وكلما اشتد صوتك من غير ان تجهد نفسك كان من يسمع اكثر وكان اجرك في ذلك اعظم ". اقول: في هذا الحديث الشريف فوائد: منها - عدم اجزاء الاذان إذا لم يسمع نفسه والمراد منه الاذان الموظف في الصلاة عند ايقاعها جماعة أو فرادى إذا كان هو المؤذن. ومنها - عدم الاجتزاء بسماع الهمهمة الغير المفهمة إذا كان المؤذن غيره كما اشار إليه بقوله " وافهمته " فانه على ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) بالبناء للمجهول، قال وهو مضبوط كذلك في الكتب المعتبرة. ويحتمل عطفه على اسماع نفسه بان يكون عطفا تفسيريا واما الحمل على فهم معاني الاذان فبعيد جدا. ومنها - استحباب الافصاح بالالف والهاء وسيأتي ذكره في الباب ان شاء الله تعالى ومنها - الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) كلما ذكره الانسان أو سمعه سواء كان في اذان أو غيره، وهو ظاهر في الوجوب كما حققناه في موضع اليق خلافا للمشهور بين الاصحاب. ومنها - رفع الصوت بالاذان من غير ان يتعب نفسه والمراد به الاذان الاعلامي، ويؤيده في ذلك ايضا ما ورد في رواية محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (3) " المؤذن يغفر له مد صوته ويشهد له كل شئ سمعه ". و (ثالثها) ان يكون حسن الصوت، ذكره جمع منهم وعللوه باقبال القلوب على


(1) الوسائل الباب 15 و 16 و 42 من الاذان والاقامة (2) كذا في الحبل المتين ص 200 وفي كتب الحديث " أو فهمته " (3) الوسائل الباب 2 من الاذان والاقامة


[ 338 ]

استماعه. وفيه ما لا يخفى فان الاستحباب حكم شرعى واثبات الاحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات العليلة مجازفة. و (رابعها) ان يكون مبصرا ليتمكن من معرفة الاوقات، ولو كان له من يسدده جاز بلا كراهة. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) انه قال: " لا بأس ان يؤذن الاعمى إذا سدد وقد كان ابن ام مكتوم يؤذن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو اعمى ". اقول: قد ورد ايضا في جملة من الاخبار عنه (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا اذن ابن ام مكتوم فكلوا فانه يؤذن بليل وإذا اذن بلال فامسكوا " إلا ان يحمل اذان ابن ام مكتوم في هذا الخبر على بعض الاوقات التي يحصل له من يسدده فيها فلا اشكال و (خامسها) ان يكون فصيحا ذكره بعضهم، قال شيخنا الشهيد الثاني: الاولى ان يراد بالفصاحة هنا معناها اللغوي بمعنى خلوص كلماته وحروفه عن اللكنة واللثغة ونحوهما بحيث تتبين حروفه بيانا كاملا لا المعنى الاصطلاحي لان الملكة التي يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح لا دخل لها في الفاظ الاذان المتلقاة من غير زيادة ولا نقصان. انتهى. اقول: وبهذا الشرط صرح في كتاب دعائم الاسلام نقلا عن علي (عليه السلام) (3) انه قال: " ليؤذن لكم افصحكم وليؤمكم افقهكم ". و (سادسها) ان يكون بصيرا بالاوقات عارفا بها ليأمن من الغلط ويقلده ذوو الاعذار. ولو اذن الجاهل في الوقت صح واعتد به لحصول المطلوب.


(1) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بابواب الاذان والاقامة (2) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة (3) مستدرك الوسائل الباب 15 من الاذان والاقامة


[ 339 ]

و (سابعها) ان يكون متطهرا من الحدثين الاكبر والاصغر، وهذا لا اختصاص له بالاذان الاعلامي بل يكون جاريا فيه وفي المؤذن لصلاته وحده أو جماعة. قال في المعتبر وعليه فتوى العلماء. وقال في المنتهى وعليه اجماع العلماء. واستدل على استحباب الطهارة بقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " حق وسنة ان لا يؤذن احد إلا وهو طاهر " قالوا ولانه من سنن الصلاة ويستحب فيها الطهارة كالتوجه. وانت خبير بما في هذه الادلة، اما الرواية فالظاهر انها عامية لعدم وجودها في اخبارنا. واما التعليل الاخير فعليل ولا اعرف لهم دليلا غير الاجماع المدعى في المقام. نعم سيأتي في رواية كتاب دعائم الاسلام ما يدل على ذلك. واما الاخبار الدالة على صحة الاذان من غير طهارة فهي مستفيضة: منها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: " تؤذن وانت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا واينما توجهت ولكن إذا اقمت فعلى وضوء متهيأ للصلاة ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان يؤذن الرجل من غير وضوء ولا يقيم إلا وهو على وضوء " وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يؤذن على غير طهور ؟ قال نعم ". وعن ابي بصير في الموثق (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث لا بأس ان تؤذن على غير وضوء ". وعن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (6) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول في حديث: ولا بأس ان يؤذن المؤذن وهو جنب ولا يقيم حتى يغتسل "


(1) منتخب كنز العمال على هامش مسند احمد بن حنبل ج 3 ص 276 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 9 من الاذان والاقامة


[ 340 ]

وما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المؤذن يحدث في اذانه أو في اقامته ؟ قال ان كان الحدث في الاذان فلا بأس وان كان في الاقامة فليتوضأ وليقم اقامة ". وما رواه عاصم بن حميد في كتابه عن عمرو بن ابي نصر (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المؤذن يؤذن وهو على غير وضوء ؟ قال نعم ولا يقيم إلا وهو على وضوء... ". وما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يؤذن أو يقيم وهو على غير وضوء أيجزئه ذلك ؟ قال اما الاذان فلا بأس واما الاقامة فلا يقيم إلا على وضوء. قلت فان اقام وهو على غير وضوء أيصلي باقامته ؟ قال لا ". اقول: وهذه الاخبار المشتملة على ذكر الاقامة قد اشتركت كلها في عدم صحة الاقامة إلا متطهرا وهي صريحة في مذهب المرتضى في المصباح والعلامة في المنتهى من القول بوجوب الطهارة في الاقامة وهو الاصح وان كان المشهور الاستحباب كالاذان ولا اعرف لهم دليلا على الاستحباب زيادة على التمسك بمقتضى الاصل. وحملهم هذه الاخبار على تأكد الطهارة في الاقامة يحتاج إلى المعارض وليس إلا الاصل الذي قد قرروا في غير موضع انه يجب الخروج عنه بالدليل والدليل - كما ترى - واضح. و (ثامنها) ان يكون قائما وهذا ايضا كسابقه في عدم الاختصاص لما رواه الشيخ عن حمران (4) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الاذان جالسا ؟ قال لا يؤذن جالسا إلا راكب أو مريض ".


(1) و (3) الوسائل الباب 9 من الاذان والاقامة (2) مستدرك الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة (4) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة


[ 341 ]

والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكم الاقامة ايضا كذلك، وقال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: ولا تجوز الاقامة إلا وهو قائم متوجه إلى القبلة مع الاختيار. وهو صريح في اشتراطه القيام فيها وانها لا تجزئ مع القعود، وقال ابن بابويه: ولا بأس بالاذان قائما وقاعدا ومستقبلا ومستدبرا وذاهبا وجائيا وهو على غير وضوء، والاقامة على وضوء مستقبلا، وان كان اماما فلا يؤذن إلا قائما. اقول: والظاهر عندي من الاخبار المتكاثرة الواردة في هذا المقام هو ما ذكره شيخنا المفيد من وجوب القيام في الاقامة إلا مع العذر، وها انا اتلو عليك ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس للمسافر ان يؤذن وهو راكب، ويقيم وهو على الارض قائم ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يؤذن الرجل وهو قاعد ؟ قال نعم ولا يقيم إلا وهو قائم ". وعن احمد بن محمد عن عبد صالح (عليه السلام) (3) قال: " يؤذن الرجل وهو جالس ولا يقيم إلا وهو قائم. وقال تؤذن وانت راكب ولا تقيم الا وانت على الارض " ورواه الكليني بسنده عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابي الحسن (عليه السلام) مثله. وعن ابي بصير في الموثق (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا بأس ان تؤذن راكبا أو ماشيا أو على غير وضوء ولا تقم وانت راكب أو جالس إلا من علة أو تكون في ارض ملصة اي ذات لصوص ". وعن يونس الشيباني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " قلت له اؤذن وانا راكب ؟ قال نعم. قلت فاقيم وانا راكب ؟ قال لا. قلت فاقيم ورجلي في الركاب ؟


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة


[ 342 ]

قال لا. قلت فاقيم وانا قاعد ؟ قال لا. قلت فاقيم وانا ماش ؟ قال نعم ماش إلى الصلاة قال ثم قال إذا اقمت الصلاة فاقم مترسلا فانك في الصلاة. قال قلت له قد سألتك أقيم وانا ماش قلت لي نعم فيجوز ان امشي في الصلاة ؟ قال نعم إذا دخلت من باب المسجد فكبرت وانت مع امام عادل ثم مشيت إلى الصلاة اجزأك ذلك، وإذا الامام كبر للركوع كنت معه في الركعة لانه ان ادركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع ". وروى في الكافي عن سليمان بن صالح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يقيم احدكم الصلاة وهو ماش ولا راكب ولا مضطجع إلا ان يكون مريضا وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة فانه إذا اخذ في الاقامة فهو في صلاة ". وروى عبد الله به جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المسافر يؤذن على راحلته وإذا اراد ان يقيم اقام على الارض ؟ قال نعم لا بأس ". وعن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: " تؤذن وانت جالس ولا تقيم إلا وانت على الارض وانت قائم " وروى على بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الاذان والاقامة أيصلح على الدابة ؟ قال اما الاذان فلا بأس واما الاقامة فلا حتى تنزل على الارض ". وما رواه عاصم بن حميد في كتابه (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المؤذن يؤذن وهو على غير وضوء ؟ وقد تقدم إلى ان قال فقلت يؤذن وهو جالس ؟ فقال نعم ولا يقيم إلا وهو قائم ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة (5) مستدرك الوسائل الباب 12 من الاذان والاقامة


[ 343 ]

وفي كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) " لا بأس ان يؤذن الرجل على غير طهر ويكون على طهر افضل ولا يقيم إلا على طهر ". وعنه (عليه السلام) (2) " لا يؤذن الرجل وهو جالس إلا مريض أو راكب ولا يقيم إلا قائما على الارض إلا من علة لا يستطيع معها القيام ". وانت خبير بما فيها من الظهور - كالنور على الطور لا يعتريه خلل ولا قصور - في ما ادعيناه، وتأويلها بتأكد الاستحباب في الاقامة زيادة على الاذان فرع وجود المعارض كما في الاذان وإلا فهو مجرد مجازفة في الاحكام المبنية على التوقيف عنهم (عليهم السلام) و (تاسعها) ان يكون قيامه على مرتفع، وهذا مخصوص بالاذان الاعلامي ليكون ابلغ في الاعلام، ويدل عليه ما تقدم في رواية ابن سنان من امر النبي (صلى الله عليه وآله) بلالا ان يعلو جدار المسجد ويؤذن. واما استحبابه في المنارة كما ذكره جملة من الاصحاب ففيه انه قد روى علي بن جعفر (3) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) عن الاذان في المنارة أسنة هو ؟ فقال انما كان يؤذن النبي (صلى الله عليه وآله) في الارض ولم يكن يومئذ منارة ". قال الشيخ في المبسوط: لا فرق بين ان يكون الاذان في المنارة أو على الارض. مع انه قال فيه يستحب ان يكون المؤذن على موضع مرتفع. والوجه (4) استحبابه في المنارة (اما اولا) فللامر بوضع المنارة مع حائط المسجد غير مرتفعة، روى السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (5) " ان عليا (عليه السلام) مر على منارة طويلة فامر بهدمها ثم قال لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " ولو لا استحباب الاذان فيها لكان الامر بوضعها عبثا. و (اما ثانيا) فلما رواه عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله


(1) مستدرك الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة (2) مستدرك الوسائل الباب 12 من الاذان والاقامة (3) و (5) الوسائل الباب 25 من احكام المساجد (4) هذا كلام العلامة في المختلف


[ 344 ]

(عليه السلام) (1) قال " كان طول حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)... الحديث " وقد تقدم. اقول: لا يخفى انه فيه زيادة على ما عرفت من حديث علي بن جعفر ان وضع المنارة والامر بها لم يحصل من الامام (عليه السلام) حتى يسندها إلى استحباب الاذان فيها بكون الامر بوضعها عبثا، والواضع لها انما هو الثاني في ايامه كما تقدم (2) والظاهر انه (عليه الاسلام) لما كان غير متمكن من ازالة بدعه كما ينبغي فغاية ما امكنه المنع من ارتفاعها واشرافها على بيوت الناس التي حول المسجد. وبالجملة فرواية علي بن جعفر صريحة في ان الاذان في المنارة ليس بسنة وان الاذان للنبي (صلى الله عليه وآله) انما كان على الارض وغاية ما تدل عليه رواية ابن سنان هو الاستحباب على مرتفع ومفهوم رواية السكوني الاكتفاء في الارتفاع بسطح المسجد وان لم يكن في المنارة، ولعل جعل المنارة حينئذ انما هو لاجل الطريق إلى صعود السطح. نعم يبقى الكلام في الجمع بين ما دل على كون الاذان له (صلى الله عليه وآله) انما كان على الارض وبين ما دل على الامر بعلو الجدار. ويمكن الجمع اما بحمل الاذان على الجدار على كونه في بعض الاوقات وإلا فالغالب انما هو الاذان على الارض أو بعد الاذان على الجدار باعتبار عدم ارتفاعه كالمنارة الطويلة من الارض فهو كأنه ارض بالنسبة إلى المنارة المتعارفة يومئذ والتجوز بمثل ذلك شائع في امثال هذا الكلام. و (عاشرها) ان يكون مستقبلا للقبلة ونقل عليه الاتفاق ويتأكد في الشهادتين لقوله (عليه السلام) (3) في صحيحة ابن مسلم " وقد سأله عن الرجل يؤذن وهو يمشي قال نعم إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس ". والمشهور انه كذلك في الاقامة ايضا وقال الشيخ المفيد انه لا يجوز الاقامة إلا


(1) ص 332 (2) الوافى باب شرائط الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة


[ 345 ]

وهو قائم متوجه إلى القبلة. وظاهره وجوب الاستقبال فيها، ونقله في المختلف عن المرتضى في المصباح والجمل. ونقل في الذخيرة عن المرتضى انه اوجب الاستقبال في الاذان والاقامة والمنقول في المختلف انما يدل على الاقامة خاصة. والظاهر عندي من الاخبار هو ما ذهب إليه العمدتان المذكوران من وجوب الاستقبال في الاقامة لما تقدم في رواية يونس الشيباني ورواية سليمان بن صالح، والتقريب فيهما انهما دلتا على ان الاقامة من الصلاة والداخل فيها داخل في الصلاة فيشترط في الاقامة ما يشترط في الصلاة من الشروط المتقدمة، وسيأتي مزيد توضيح لذلك ان شاء الله تعالى يقطع مادة الاستبعاد. ويكره الالتفات بالاذان عندنا يمينا وشمالا سواء كان على المنارة ام لا خلافا للعامة قال في المنتهى: المستحب ثبات المؤذن على الاستقبال في اثناء الاذان والاقامة ويكره له الالتفات يمينا وشمالا، وقال أبو حنيفة يستحب له ان يدور بالاذان في المأذنة وقال الشافعي يستحب له ان يلتفت عن يمينه عند قوله " حي على الصلاة " وعن يساره عند قوله " حي على الفلاح " (1). اقول: روى في كتاب دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (2) قال: " يستقبل المؤذن القبلة في الاذان والاقامة فإذا قال " حي على الصلاة حي على الفلاح " حول وجهه يمينا وشمالا " والظاهر حمله على التقية لموافقته لقول الشافعي المذكور.

(الثالث) - لو وقع التشاح في الاذان فقد صرح جملة من الاصحاب بانه يقدم الاعلم باحكام الاذان التي من جملتها معرفة الاوقات لامن الغلط منه وتقليد اصحاب الاعذار له ومع التساوي يقرع بينهم. قال في الروض: والاولى تقديم العدل على الفاسق والمبصر على الاعمى وجامع


(1) الفقه على المذاهب الاربعة قسم العبادات ص 230 و 231. (2) البحار ج 18 الصلاة ص 175


[ 346 ]

الصفات أو اكثرها على فاقدها وجامع الاقل، فان استووا فالاشد محافظة على الوقت على من ليس كذلك والاندى صوتا والاعف عن النظر ثم من يرتضيه الجيران، ومع التساوى في جميع ذلك يقرع لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1): " لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لفعلوا " ولقولهم (عليهم السلام) (2) " كل امر مجهول فيه القرعة ". انتهى. ونحوه في الذكرى إلا انه لم يذكر الترجيح بالعدالة بل جعل ذلك منوطا بالعلم بالاوقات ثم ادرج هذه المعدودات تحنه وعد الاندى صوتا ومن يرتضيه الجماعة والجيران. وقال الشيخ في المبسوط: وإذا تشاح الناس في الاذان اقرع بينهم لقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لفعلوا " ولم يذكر الترجيح بالاعلمية كما هو المشهور في كلام المتأخرين. قال العلامة في التذكرة: وهذا القول جيد مع فرض التساوي في الصفات المعتبرة في التأذين وان لم يتساووا قدم من كان اعلى صوتا وابلغ في معرفة الوقت واشد محافظة عليه ومن يرتضيه الجيران واعف عن النظر. وقريب منه كلامه في المنتهى. وقال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: والذي يقتضيه النظر تقديم من فيه الصفات المرجحة في الاذان على غيره فان اشتركوا قدم جامع الكل على فاقد البعض وجامع الاكثر على جامع الاقل، وينبغي تقديم العدل على الفاسق مطلقا لان المؤذن امين ولا امانة للفاسق إذ هي غير موثوق بها فيه، ومع التساوي يقدم الاعلم باحكام الاذان أو الاوقات كما في الذكرى لامن الغلط معه ولتقليد ارباب الاعذار له والمبصر على الاعمى لمثل ذلك، فان استووا فالاشد محافظة على الاذان في الوقت على من ليس


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 205 " ان رسول الله " ص " قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لاستهموا ". (2) الوسائل الباب 13 من كيفية الحكم


[ 347 ]

كذلك لحصول غرض الاذان به ثم الاندى صوتا لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " القه على بلال فانه اندى منك صوتا " ثم الاعف عن النظر للامن من تطلعه على العورات ثم من يرتضيه الجيران ثم القرعة. انتهى.

اقول: وكلامهم هنا يرجع إلى ثلاثة اقوال في المسألة:

(الاول) القول بتقديم الاعلم باحكام الاذان التي من جملتها معرفة الاوقات ثم مع التساوي فالقرعة.

(الثاني) القول بتقديم ذي الاوصاف المعتبرة في المؤذن وهو قول الشهيدين والمحقق الشيخ علي وان اختلفوا في تلك الشروط زيادة ونقيصة.

(الثالث) الرجوع إلى القرعة من اول الامر كما هو ظاهر المبسوط والى الاول يميل كلامه في المدارك وجعل الثاني اولى ولم يتعرض للثالث والمسألة عندي محمل توقف لعدم النص القاطع لمادة الاشكال، والرواية المنقولة في كلامهم الظاهر انها من روايات العامة إذ لم اقف عليها في اخبارنا بعد التفحص والتتبع مع انها معارضة بما رواه الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن امير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورواه في الفقيه مرسلا (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمؤذن في ما بين الاذان والاقامة مثل اجر الشهيد المتشحط بدمه في سبيل الله. قلت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) انهم يجتلدون على الاذان ؟ قال كلا انه يأتي على الناس زمان يطرحون الاذان على ضعفائهم وتلك لحوم حرمها الله على النار ". ووجه المعارضة ان مقتضى الرواية الاولى رغبة الناس في الاذان بعد سماع ما فيه من الفضل حتى انهم ليقرعون عليه ودلالة هذا الخبر على عدم الرغبة فيه بعد سماع ما فيه من الفضل حتى انهم يطرحونه على ضعفائهم لذلك " وتلك لحوم " اشارة إلى اولئك الضعفاء المؤذنين.


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 210 (2) و (3) الوسائل الباب 2 من الاذان والاقامة


[ 348 ]

والظاهر ان اول من نقل هذا الخبر الشيخ في المبسوط وتبعه الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث لم يجدوا غيره في الباب إلا انه روى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة لو تعلم امتي ما فيها لضربت عليها بالسهام: الاذان والغدو إلى الجمعة والصف الاول " وروى فيه ايضا عنه (صلى الله عليه وآله) (2) " انه رغب الناس وحثهم على الاذان وذكر لهم فضائله فقال بعضهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد رغبتنا في الاذان حتى انا لنخاف ان تتضارب عليه امتك بالسيوف فقال اما انه لن يعدو ضعفاءكم ". اقول: وهذا مضمون الحديث المتقدم نعم اخبار القرعة العامة (3) ربما ايدت مذهب الشيخ في المبسوط. قال في الذخيرة: والتحقيق ان اختلاف الصفات ان كان بحيث تختلف به مصالح المسلمين كان تقديم الراجح متجها وان لم يحصل التشاح وإلا فاثبات التقديم بهذه المرجحات محل اشكال لفقد النص الدال عليه وعدم استقلال العقل باثبات هذه الامور. انتهى. وهو جيد.

(الرابع) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - الفاضلان بجواز الاجتماع في الاذان دفعة واحدة من جماعة والافضل ان يؤذن كل واحد بعد فراغ الآخر، وقيد بعضهم الافضلية بسعة الوقت لذلك وفسرت سعة الوقت هنا بعدم اجتماع الامر المطلوب في الجماعة من الامام ومن يعتاد حضوره معه من المأمومين فيجوز التعدد في هذه الصورة إلى ان يجتمع الجميع لا ان المراد سعة الوقت باعتبار امتداد الوقت إلى آخر وقت الاجزاء فان تأخير الصلاة عن اول وقتها لامر غير موظف شرعا مستبعد جدا. اقول: وبموجب هذا التفسير لا يكون الحكم كليا مع ان ظاهر القائل به كون ذلك كليا لا بخصوص الجماعة.


(1) و (2) مستدرك الوسائل الباب 2 من الاذان والاقامة (3) ص 346


[ 349 ]

ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال لا ينبغي الزيادة على اثنين واستدل باجماع الفرقة على ما رووه من " ان الاذان الثالث بدعة " (1) وقال ولده الشيخ أبو علي في شرح نهاية والده: والزائد على اثنين بدعة باجماع اصحابنا. وقال الشيخ في المبسوط يجوز ان يكون المؤذنون اثنين اثنين إذا اذنوا في موضع واحد فانه اذان واحد فاما إذا اذن واحد بعد واحد فليس ذلك بمسنون ولا مستحب. ولا بأس ان يؤذن جماعة كل واحد منهم في زاوية من المسجد لانه لا مانع منه. انتهى. وفسر الفاضلان في المعتبر والمنتهى قوله: " واحدا بعد واحد " بان يبنى كل واحد على فصول الآخر وهو المعبر عنه بالتراسل فانه على هذه الكيفية لا يصدق على واحد منهما انه مؤذن. واستبعد هذا التفسير جملة ممن تأخر عنهما وفسروه بما يدل عليه ظاهر اللفظ من الاتيان باحد الاذانين بعد تمام الاخر، وعللوا الكراهة فيه بانه يقتضى تأخير الصلاة عن اول وقتها من غير موجب. وهو جيد. اقول: والظاهر ان الفاضلين انما اضطرهما إلى هذا التفسير البعيد عن ظاهر اللفظ حكمهم بافضلية ان يؤذن احدهما بعد الآخر ولو كانوا اكثر من اثنين كما تقدم. وبالجملة فان كلامهم في هذه المسألة كما سبق في سابقتها خال من النص والذي يقتضيه النظر هنا هو الفرق بين الاذان الاعلامي وبين اذان الصلاة جماعة (اما الاول) فان مقتضى التوقيف في العبادات وانها مبنية على الورود عن صاحب الشريعة هو كراهة الاجتماع في الاذان مطلقا دفعة أو ترتيبا بل ربما احتمل عدم المشروعية نعم لو اختلف الوقت أو المحل فلا بأس. و (اما الثاني) فالظاهر انه لا مانع منه مع تعدد الجماعات كما ذكره الشيخ في آخر عبارته في المبسوط من الجماعات المجتمعة في مسجد يؤذن لكل منها على حيالها وان اتفق في وقت واحد.

(الخامس) - اختلف الاصحاب في جواز اخذ الاجرة على الاذان فنقل عن


(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة


[ 350 ]

الشيخ في الخلاف وجمع من الاصحاب انه لا يجوز اخذ الاجرة عليه لما رواه الشيخ مسندا عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) ورواه الصدوق مرسلا عن علي (عليه السلام) (1) انه قال: " آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: يا علي إذا صليت فصل صلاة اضعف من خلفك ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على اذانه اجرا " ونقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) القول بالكراهة وهو ظاهر المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى واختاره في المدارك، قال للاصل وانتفاء دلالة الخبر المتقدم على التحريم مع ضعف سنده بالسكوني وغيره. اقول: قد روى الصدوق ايضا في الفقيه (2) مرسلا قال: " اتى رجل امير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا امير المؤمنين والله اني لاحبك فقال له ولكني ابغضك قال ولم ؟ قال لانك تبغي في الاذان كسبا وتأخذ على تعليم القرآن اجرا ". وروى في كتاب دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (3) انه قال: " من السحت اجر المؤذن " ثم قال في الكتاب المذكور: يعني إذا استأجره القوم يؤذن لهم. وقال لا بأس ان يجرى عليه من بيت المال. وهذه الاخبار إذا ضم بعضها الى بعض لا تقصر عن افادة التحريم، وقوله في المدارك بانتفاء دلالة الخبر المتقدم على التحريم لا اعرف له وجها مع تضمنه للنهي الذي هو حقيقة في التحريم، نعم تطرق التأويل إليه بحمل النهي على الكراهة ممكن إلا انه فرع وجود المعارض واما طعنه فيه بضعف السند فقد عرفت ما فيه في غير مقام. وبالجملة فالمتجه على قواعد اصحاب هذا الاصطلاح المحدث هو القول بالكراهة لضعف الاخبار المذكورة باصطلاحهم واما من لا يعمل به فالظاهر هو التحريم واقتران هذا الحكم في خبر السكوني ومرسل الفقيه بما هو متفق على استحبابه


(1) و (2) الوسائل الباب 38 من الاذان والاقامة (3) مستدرك الوسائل الباب 30 من الاذان والاقامة


[ 351 ]

وكراهته لا يوجب انسحاب ذلك إلى الحكم المذكور لجواز اشتمال الخبر على احكام متعددة كما ذكروه في غير موضع. ثم ان ظاهرهم الاتفاق على جواز الارتزاق من بيت المال إذا اقتضته المصلحة لانه معد لمصالح المسلمين والاذان من اهمها. والظاهر انه لو وجد من يتطوع به قدم على المرتزق، صرح بذلك في الذكرى. قيل والظاهر ان الاقامة كالاذان، ونقل عن العلامة في النهاية عدم جواز الاستئجار عليها وان قلنا بجواز الاستئجار على الاذان فارقا بينهما بان الاقامة لا كلفة فيها بخلاف الاذان فان فيه كلفة مراعاة الوقت. قال في المدارك وهو غير جيد إذ لا يعتبر في العمل المستأجر عليه اشتماله على الكلفة. اقول: لا يخفى ان مورد الاخبار المتقدمة انما هو الاذان الاعلامي الذي هو محل البحث غالبا في المقام واما الاذان والاقامة المستحبان لكل من صلى الاتيان بهما من منفرد أو جامع فلا نص فيهما بوجه، وتكلف البحث فيهما كما ذكروه لا وجه له وهو من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " (1) ولانه من المعلوم من الاخبار توجه الخطاب بهما إلى المصلى نفسه والاكتفاء بفعل غيره عنه يحتاج إلى دليل، نعم قام الدليل بالنسبة إلى الامام بانه يجوز ان يؤذن له ويقام له، فان ارادوا هذا الموضع فهو - مع كونه خلاف المتبادر من ظواهر النصوص المتقدمة - مدخول بان الظاهر ان الخطاب فيه انما هو للامام غاية الامر انه ورد جواز فعل الغير له رخصة لان الناس مكلفون بالاقتداء في صلاته وهذا من جملة افعال صلاته فلو لم يتبرع غيره بالاذان والاقامة له رجع الحكم إليه وكان عليه القيام بذلك، ولا دليل على انه يجوز له الاستئجار على اذان ولا اقامة إذ غاية ما دل عليه الدليل حصول الرخصة له بتبرع الغير به والا فاصل الخطاب انما تعلق به من حيث ان الاذان والاقامة من جملة افعال صلاته ومندوباتها ومكملاتها المطلوب ايقاعه


(1) راجع ج 1 ص 50


[ 352 ]

منه، وهذا بخلاف الاذان الاعلامي فان الامر به لم يتعلق بشخص بعينه وانما هو من قبيل المستحبات الكفائية التي من قام بها كفى في امتثال الامر. وبالجملة فانك إذا حققت النظر في المقام وتأملت في ما ذكرناه من الكلام علمت ان بحثهم هنا في غير الاذان الاعلامي لا معنى له بالكلية. والله العالم.

(المقام الثاني) - في ما يؤذن له ويقام من الصلوات، لا ريب ولا اشكال في رجحان الاذان والاقامة في الصلوات الخمس المفروضة اداء وقضاء لجملة المصلين ذكورا واناثا فرادى وجماعة، وهل هما على جهة الاستحباب في جميع هذه المواضع أو الوجوب أو في بعض دون بعض ؟ خلاف يأتي تفصيله ان شاء الله تعالى ولا يؤذن لشئ من النوافل ولا لشئ من الفرائض غير الخمس اليومية بل يقول المؤذن " الصلاة " ثلاثا وورد ترك الاذان والاقتصار على الاقامة في مواضع، وورد ايضا استحبابهما في غير الصلاة ايضا في مواضع.

وتفصيل هذه الجملة كما هو حقه يتوقف على بسطه في مسائل:

(الاولى) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الاذان والاقامة وجوبا واستحبابا عموما وخصوصا فذهب الشيخ في الخلاف إلى انهما مستحبان ليسا بواجبين في جميع الصلوات جماعة صليت أو فرادى. وهو اختيار السيد المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية وهو مذهب ابن ادريس وسلار، والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. واوجب الشيخان الاذان والاقامة في صلاة الجماعة واختاره ابن البراج وابن حمزة. واوجبهما السيد المرتضى في الجمل على الرجال دون النساء في كل صلاة جماعة في حضر أو سفر واوجبهما عليهم في السفر والحضر في الفجر والمغرب وصلاة الجمعة واوجب الاقامة خاصة على الرجال في كل فريضة. وقال في المبسوط ومتى صلى جماعة بغير اذان ولا اقامة لم تحصل فضيلة الجماعة والصلاة ماضية. وقال ابن الجنيد: الاذان والاقامة واجبان على الرجال للجمع والانفراد والسفر


[ 353 ]

والحضر في الفجر والمغرب والجمعة يوم الجمعة والاقامة في باقي الصلوات المكتوبات التي تحتاج إلى التنبيه على اوقاتها. وجعلهما أبو الصلاح شرطا في الجماعة. وقال المرتضى في المسائل الناصرية: اختلف قول اصحابنا في الاذان والاقامة فقال قوم انهما من السنن المؤكدة في جميع الصلوات وليسا بواجبين وان كانا في صلاة الجماعة وفي الفجر والمغرب وصلاة الجمعة اشد تأكيدا، وهذا الذي اختاره واذهب إليه وذهب بعض اصحابنا إلى انهما واجبان على الرجال خاصة دون النساء في كل صلاة جماعة في سفر أو حضر، ويجبان عليهم جماعة وفرادى في الفجر والمغرب وصلاة الجمعة والاقامة دون الاذان تجب عليهم في باقي الصلوات المكتوبات. وجعل في الجمل قوله في المسائل الناصرية رواية. وقال ابن ابي عقيل: من ترك الاذان والاقامة متعمدا بطلت صلاته إلا الاذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة فان الاقامة مجزئة عنه ولا اعادة عليه في تركه واما الاقامة فانه ان تركها متعمدا بطلت صلاته وعليه الاعادة. والاصل في هذا الاختلاف ما يترآى من اختلاف الاخبار والواجب اولا نقل الاخبار الواردة في هذا الباب ثم الكلام فيها بما يميز القشر من اللباب وتحصل به الهداية إلى جادة الحق والصواب بتوفيق الملك الوهاب. فاقول: الاول - ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته أيجزئ اذان واحد ؟ قال ان صليت جماعة لم يجزئ إلا اذان واقامة وان كنت وحدك تبادر امرا تخاف ان يفوتك يجزئك اقامة إلا الفجر والمغرب فانه ينبغي ان تؤذن فيهما وتقيم من اجل انه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات ". الثاني - ما رواه الشيخ في التهذيب عن الصباح بن سيابة (2) قال: " قال لي أبو عبد الله


(1) الوسائل الباب 6 و 7 من الاذان والاقامة (2) الوسائل الباب 6 من الاذان والاقامة


[ 354 ]

(عليه السلام) لا تدع الاذان في الصلوات كلها فان تركته فلا تتركه في المغرب والفجر فانه ليس فيهما تقصير ". الثالث - ما رواه أيضا عن الحسن بن زياد (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة ". الرابع - ما رواه ايضا في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (2) " انه كان إذا صلى وحده في البيت اقام اقامة واحدة ولم يؤذن ". الخامس - ما رواه ايضا في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " يجزئك إذا خلوت في بيتك اقامة واحدة بغير اذان ". السادس - ما رواه في الموثق عن سماعة (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تصلى الغداة والمغرب إلا باذان واقامة ورخص في سائر الصلوات بالاقامة والاذان افضل ". السابع - ما رواه في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " يجزئك في الصلاة اقامة واحدة إلا الغداة والمغرب ". الثامن - ما رواه في الصحيح عن عمر بن يزيد (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاقامة بغير اذان في المغرب فقال ليس به بأس وما احب ان يعتاد " التاسع - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) " ان ادنى ما يجزئ من الاذان ان تفتتح الليل باذان واقامة وتفتتح النهار باذان واقامة ويجزئك في سائر الصلوات اقامة بغير اذان ". العاشر - ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 5 من الاذان والاقامة (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 6 من الاذان والاقامة (8) الوسائل الباب 27 من الاذان والاقامة


[ 355 ]

قال: " سئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له نصلي جماعة هل يجوز ان يصليا بذلك الاذان والاقامة ؟ قال لا ولكن يؤذن ويقيم ". الحادي عشر - ما رواه الشيخ عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول يقصر الاذان في السفر كما تقصر الصلاة تجزئ اقامة واحدة ". الثاني عشر - ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " يجزئ في السفر اقامة بغير اذان ". الثالث عشر - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يجزئه في السفر والحضر اقامة ليس معها اذان ؟ قال نعم لا بأس به ". الرابع عشر - ما رواه ايضا في الصحيح عن محمد بن مسلم والفضيل بن يسار عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " تجزئك اقامة في السفر ". الخامس عشر - ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) قلت تحضر الصلاة ونحن مجتمعون في مكان واحد أتجزئنا اقامة بغير اذان ؟ قال نعم ". السادس عشر - ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن صفوان بن مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث قال: " ولا بد في الفجر والمغرب من اذان واقامة في الحضر والسفر لانه لا يقصر فيهما في حضر ولا سفر وتجزئك اقامة بغير اذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة، والاذان والاقامة في جميع الصلوات افضل " إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما يدل على الوجوب في الجماعة - كما هو احد قولي


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 5 من الاذان والاقامة (6) الوسائل الباب 6 من الاذان والاقامة


[ 356 ]

الشيخين ومن تبعهما - الخبر الاول وبه احتج في التهذيب على ذلك. واجاب عنه في المدارك بضعف السند اولا، وثانيا بالحمل على الاستحباب لان الاجزاء كما يجوز ان يراد به الاجزاء في الصحة يجوز ان يكون المراد به الاجزاء في الفضيلة، ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام) " وان كنت وحدك تبادر امرا تخاف ان يفوتك تجزئك اقامة " قال وهذا التنزيل لازم للشيخ حيث لا يقول بوجوب الاقامة. اقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم ان الطعن بضعف السند غير واحد على الشيخ ونحوه ممن لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم. واما الحمل على الاستحباب فهو فرع وجود المعارض فالواجب عليه ذكره ليتم له الجمع بينه وهذه الروايات بالحمل على الاستحباب مع الاغماض عما فيه مما عرفته سابقا في غير باب. واما الاستناد إلى قوله (عليه السلام) " وان كنت وحدك... الخ " ففيه ان الشيخ قائل بوجوب الاقامة ايضا كما هو احد قوليه وان كان انما عبر هنا بالاذان فلا منافاة. والاظهر عندي في الجواب عن ذلك انما هو بما دل عليه الخبر الثالث والخامس عشر من اكتفاء القوم مع الحضور باقامة واحدة في الجماعة، وفيهما اشعار بان الغرض من الاذان هو الاعلام لمن لم يكن حاضرا من الجماعة المعتادين للصلاة جماعة في هذا المكان فمتى كانوا جميعا حاضرين سقط استحبابه واكتفى بالاقامة إلا انه اخص من المدعى. ويمكن تأييد ذلك ايضا بالحديث التاسع الدال على الاكتفاء بالاذان في الصبح والمغرب وظاهر اطلاقه شمول الجماعة ايضا. وبالجملة فالاحتياط في الملازمة عليه في الجماعة. ويظهر من المحدث الكاشاني الميل إلى القول بالوجوب في الجماعة حيث قال في المفاتيح: وقيل بوجوبهما في الجماعة وفيه قوة. واما ما يدل على الوجوب في الصبح والمغرب فالخبر الثاني والسادس والسابع والتاسع والسادس عشر إلا انه يعارضها جملة من الاخبار عموما وخصوصا كالخبر الثالث والرابع والخامس والثامن والخامس عشر، لكن الجميع انما دل على ترك الاذان خاصة


[ 357 ]

دون الاقامة والتعارض بينهما انما حصل في الاذان وهذا الجمع بالاستحباب انما يتم فيه خاصة كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. وبالجملة فالظاهر من الاخبار المذكورة بضم بعضها إلى بعض وحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها هو استحباب الاذان دون وجوبه في جماعة كانت أو فرادى. وانما الاشكال في الاقامة فان المشهور عندهم كونها كالاذان في ذلك مع ان الاخبار المتقدمة - كما رأيت - متفقة على الاتيان بها ولم ترخص في تركها صريحا ولا اشارة بل كلها مصرحة بالاتيان بها. واصحاب هذا القول انما استندوا في القول باستحبابها إلى الاجماع المركب حيث اعوزتهم النصوص بالعموم والخصوص الدالة على استحبابها أو تركها لتعارض ما دل على الامر بالاتيان بها، فقالوا ان كل من قال بوجوب الاذان قال بوجوب الاقامة ومن قال بالاستحباب فيه قال بالاستحباب فيها فالقول باستحبابه ووجوبه خرق للاجماع المركب، كذا احتج به العلامة في المختلف وتبعه جملة ممن تأخر عنه وعليه جمد في المدارك والذخيرة ولا يخفى على المنصف ما فيه من الضعف وهل هو إلا من قبيل التشبث بالحشيش للغريق مع ما يعلم من عدم النجاة به من ذلك المضيق ؟ وكيف لا ومثل هذين العمدتين قد تكلما في الاجماع وخرقاه في مواضع من كتابيهما وان استسلقوه في مثل هذا الموضع ومما يؤيد ما ذكرنا من الفرق بينهما وانه لا يلزم من استحبابه استحبابها انه قد رخص في الاخبار في الاذان على غير طهارة ولم يرخص في الاقامة إلا مع الطهارة ورخص في الاذان إلى غير القبلة ولم يرخص في الاقامة إلا إلى القبلة، ورخص في الاذان قاعدا وراكبا وماشيا وكيف شاء ولم يرخص في الاقامة إلا قائما مستقبل القبلة، وقد تقدمت الاخبار الدالة على جميع ذلك. بل صرح جملة منها بما يومئ إلى كونها من الصلاة كما صرحت به رواية سليمان بن صالح المتقدمة وكذا رواية يونس الشيباني المتقدمة ايضا.


[ 358 ]

وتؤكده رواية ابي هارون المكفوف (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا ابا هارون الاقامة من الصلاة فإذا اقمت فلا تتلكم ولا تومئ بيدك ". وفي موثقة عمرو بن ابي نصر (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيتكلم الرجل في الاذان ؟ قال لا بأس. قلت في الاقامة ؟ قال لا ". وما دل عليه بعض الاخبار من جواز الكلام فيها معارض بما دل على اعادتها لو تكلم كصحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتكلم إذا اقمت الصلاة فانك إذا تكلمت اعدت الاقامة " إلى غير ذلك من المؤيدات لما قلناه ولم اعثر على من تنبه لما قلناه في هذا المقام إلا على مجمل كلام لشيخنا غواص بحار الانوار حيث قال في الكتاب المذكور بعد نقل الخلاف في وجوب الاذان والاقامة واستحبابهما ما صورته: إذا علمت هذا فاعلم ان الاخبار مختلفة جدا ومقتضى الجمع بينها استحباب الاذان مطلقا واما الاقامة ففيها اشكال إذ الاخبار الدالة على جواز الترك انما هي في الاذان وتمسكوا في الاقامة بخرق الاجماع المركب وفيه ما فيه. والاحوط عدم ترك الاقامة في الغداة والمغرب والجمعة ولا سيما في الحضر. انتهى. وربما تعلق بعضهم هنا بحديث حماد (4) وتعليم الصادق (عليه السلام) له الصلاة حيث لم يشتمل على الاذان ولا الاقامة ولو كانا واجبين لذكرا في مقام البيان. وهو اوهن متشبث لان ظاهر سياق الخبر - وامره حمادا بالصلاة بين يديه ثم قوله: " ما اقبح بالرجل منكم.. الخ " ووصف حماد لما فعله (عليه السلام) في تلك الركعتين - ان انكاره (عليه السلام) انما كان بالنسبة إلى السنن والمستحبات التي وصفها حماد في حكايته فالمقصود بالتعليم انما هو ذلك ولم يكن القصد إلى تعليمه الواجبات لان حمادا اجل من ان يجهل الواجبات في ذلك، ألا ترى انه قال: " انا احفظ كتاب حريز في الصلاة "


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة (4) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة


[ 359 ]

مما يشعر بمعرفته بجميع احكام الصلاة من واجب ومستحب. فكيف يدعى ان المراد تعليم حماد للصلاة كملا من واجب وغيره حتى يتجه الاحتجاج بالخبر على ان المقام مقام بيان فلو كان الاذان والاقامة واجبين لذكرا، ما هذه إلا غفلة أو تغافل ولكن المضطر يتشبث بالاحتمالات البعيدة والتمحلات الغير السديدة. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الاشكال والابهام يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة: فانه - بعد ان نقل الخلاف في المسألة وجملة من الاخبار واستشكل في الحكم باستحباب الاقامة من حيث عدم الترخيص فيها في الاخبار بل وقع الامر بها في اخبار كثيرة واعترف بان في كثير من الاخبار التي قدمها ظهورا في وجوبها، ونقل عن الشيخ انه ذكرا اخبارا ثلاثة دالة على ان الاقامة من الصلاة لكن في طريقها ضعف - قال ما صورته: والاصح استحبابها للاصل بناء على انه خارج عن حقيقة الصلاة، للاتفاق، ولما دل على ان اول الصلاة التكبير فلا يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف بالصلاة عليه، ولعدم القائل بالفصل كما نقله المصنف في المختلف ولا شعار خبر زرارة وحماد بالاستحباب وعدم وضوح دلالة الاوامر في الاخبار السالفة على اكثر من التأكيد والرجحان المطلق. والاحتياط ان لا يترك بحال. انتهى. وفيه زيادة على ما قد مر هنا ان الاستناد إلى الاصل في مقابلة الدليل مما لا يعول عليه عند ذوي التحصيل، وخروجها عن حقيقة الصلاة لا منافاة فيه للقول بالوجوب فان من قال بوجوب الاذان لم يدع كونه جزء من الصلاة فيجوز ان يكون واجبا خارجا فلا منافاة، ولا ينافيه حينئذ ما دل على ان اول الصلاة التكبير ولا خبر حماد الذي استند إليه، مع ما عرفت في الاستناد إلى خبر حماد في هذا المقام من الوهن الذي لا يخفى على ذوي الافهام. واما قوله - فلا يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف بالصلاة عليه - فممنوع فان يقين البراءة متوقف على الاتيان بالصلاة التي اولها التكبير كما ذكر مع كل ما


[ 360 ]

توقفت عليه من الشروط الواجبة الخارجة مما تقدم في المقدمات المتقدمة ومنها الاقامة المذكورة في هذا المقدمة كما هو المدعى، والمدعى للوجوب - كما عرفت - لا يدعى دخولها في حقيقة الصلاة وانها جزء منها حتى انه متى انتفت الجزئية انتفى توقف اليقين بالبراءة من الصلاة عليها. واما قوله - " ولعدم القائل بالفصل " اشارة إلى الاجماع المركب الذي احتج به في المختلف - فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت كما تقدم القول في ذلك مرارا ومن رجع إلى كلامه وما اطال به في القدح في الاجماع في باب غسل الجنابة في مسألة الوطئ في الدبر يعرف حقيقة ما سجلنا به عليه هنا. واما قوله - " ولا شعار خبر زرارة " وهو ما قدمه في صدر البحث وصورته (1) " انه سأل ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسى الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة قال فليمض في صلاته فانما الاذان سنة " - ففيه وان كان قد سبقه إلى الاستناد إلى هذا الخبر وخبر حماد صاحب المدارك ايضا انه ليس في الخبر - كما ترى - ازيد من الدلالة على صحة الصلاة مع نسيان الاقامة إلى ان دخل في الصلاة وهو لا يمنع من وجوبها فان واجبات الصلاة مغتفرة بالنسيان في اثناء الصلاة اتفاقا متى فات محل تداركها، على ان هذه الرواية معارضة بما دل على خلافها كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " في رجل نسى الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة ؟ قال ان كان ذكره قبل ان يقرأ فليصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وليقم وان كان قد قرأ فليتم صلاته " ومثلها صحيحة الحسين بن ابي العلاء (3) وصحيحة الحلبي (4) " انه يعود للاذان والاقامة متى نسيهما ما لم يركع... الحديث " وهذه الروايات ارجح من تلك الرواية لصحتها وتعددها. واما قوله - وعدم وضوح دلالة الاوامر في الاخبار السالفة على اكثر من التأكيد


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 29 من الاذان والاقامة


[ 361 ]

والرجحان المطلق - ففيه انه مجرد دعوى بلا دليل بل الدليل على خلافه واضح النهج والسبيل كما حققناه في مقدمات الكتاب بالآيات والروايات، مضافا إلى ما حققه أئمة الاصول من القول بالوجوب وقد تقدم الكلام في ذلك في مواضع من الكتاب زيادة على ما في المقدمات، واوضحنا ان في هذا القول الذي تفرد به هذا الفاضل خروجا من الدين من حيث لا يشعر قائله عصمنا الله تعالى من زلات الاقدام وطغيان الاقلام في احكام الملك العلام.

(المسألة الثانية) - قد اجمع الاصحاب على مشروعية الاذان للنساء إلا انه لا يتأكد في حقهن كما في الرجال، قال في المنتهى: ليس على النساء اذان ولا اقامة ولا نعرف فيه خلافا لانهما عبادة شرعية يتوقف توجه التكليف بهما على الشرع ولم يرد. ويجوز ان تؤذن المرأة للنساء ويعتددن به ذهب إليه علماؤنا، إلى ان قال قال علماؤنا إذا اذنت المرأة اسرت بصوتها لئلا يسمعه الرجال وهو عورة. وقال الشيخ يعتد باذانهن للرجال وهو ضعيف لانها ان جهرت ارتكبت معصية والنهي يدل على الفساد وإلا فلا اجتزاء به لعدم السماع. انتهى اقول: الظاهر ان المراد من صدر كلامه هو نفي الوجوب لدلالة باقي الكلام عليه، ويؤيده ما ذكره في التذكرة حيث قال يستحب في صلاة جماعة النساء ان تؤذن احداهن وتقيم لكن لا تسمع الرجال عند علمائنا والاستحباب في حق الرجال آكد، ثم قال ويجزئها التكبير والشهادتان لقول الصادق (عليه السلام) ثم نقل الخبر وسيأتي ان شاء الله تعالى (1) اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤذن للصلاة فقال حسن ان فعلت وان لم تفعل اجزأها ان تكبر وان تشهد لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ". وعن زرارة في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) النساء


(1) وهو صحيح عبد الله بن سنان (2) الوسائل الباب 14 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 14 من الاذان والاقامة. والمروي عنه في كتب الحديث هو أبو جعفر " ع "


[ 362 ]

عليهن اذان ؟ فقال إذا شهدت الشهادتين فحسبها ". وعن جميل بن دراج في الصحيح (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة أعليها اذان واقامة ؟ فقال لا " ورواه في الكافي عن ابن ابي عمير في الصحيح مثله (2). وعن ابي مريم الانصاري في الصحيح (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول اقامة المرأة ان تكبر وتشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ليس على المرأة اذان ولا اقامة إذا سمعت اذان القبيلة وتكفيها الشهادتان ولكن إذا اذنت واقمت فهو افضل " قال " وقال الصادق (عليه السلام) ليس على النساء اذان ولا اقامة. ولا جمعة ولا جماعة... الحديث ". وباسناده في آخر الكتاب عن حماد بن عمرو وانس بن محمد عن ابيه عن جعفر ابن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (5) قال: " ليس على المرأة اذان ولا اقامة ". وروى في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة بن اعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: " قلت له المرأة عليها اذان واقامة ؟ فقال ان كانت سمعت اذان القبيلة فليس عليها اكثر من الشهادتين فان الله تبارك وتعالى قال للرجال اقيموا الصلاة (7) وقال للنساء واقمن الصلاة وآتين الزكاة واطعن الله ورسوله (8)... الخبر ". وروى في كتاب الخصال (9) في ما اوصى به النبي (صلى الله عليه وآله) عليا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 14 من الاذان والاقامة (7) سورة الانعام، الآية 71 (8) سورة الاحزاب، الآية 33 (9) مستدرك الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة


[ 363 ]

(عليه السلام) " يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة ولا اذان ولا اقامة ". وروى فيه بسنده عن جابر الجعفي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ليس على النساء اذان ولا اقامة ". والظاهر من مجموع هذه الاخبار بضم بعضها إلى بعض هو استحباب الاذان والاقامة لهن لكن ليس على نحو ما ورد في حق الرجال فرخص لهن في تركه والاكتفاء بالتكبير والشهادتين خاصة عوضا عن الاذان وربما اجتزأت بالشهادتين ايضا عوضا عن الاقامة مع التكبير أو بدونه. وظاهر هذه الاخبار هو اذانها لصلاتها منفردة فلا يدخل فيه الاذان الاعلامي كما تقدم تحقيقه في صدر المقام الاول ولا الاذان لجماعة النساء، وما ذكره الاصحاب من اذانها لجماعة النساء والاعتداد به لهن فالظاهر انهم انما استندوا فيه إلى الادلة العامة في صلاة الجماعة وانه يجوز ان يتولى الاذان الامام أو غيره وان هذا الحكم لا فرق فيه بين جماعة النساء والرجال. قال المحقق في المعتبر ويجوز ان تؤذن للنساء ويعتددن به وعليه اجماع علمائنا لما روى من جواز امامتها لهن (2) وإذا جاز ان تؤمهن جاز ان تؤذن لهن لان منصب الامامة اتم. وتسر اذانها. ولا تؤذن للرجال لان صوتها عورة ولا يجتزأ به، وقال في المبسوط يعتد به ويقيمون لانه لا مانع منه، لنا - انها ان اجهرت فهو منهى عنه والنهي يدل على الفساد وان اخفتت لم يجتزأ به لعدم السماع. اقول: وقد تقدم نحو هذا الكلام عن المنتهى ايضا وهو مبني على ما هو المشهور في كلام من تحريم سماع صوت الاجنبية، وقد قدمنا انه لا دليل عليه بل ظاهر الاخبار الجواز ولعل كلام الشيخ في المبسوط مبني على ذلك، الا انه يمكن تطرق الاشكال إلى


(1) مستدرك الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة وفي البحار ج 18 الصلاة ص 163 وكذا النسخ الخطية عن ابى جعفر " ع " (2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة


[ 364 ]

اعتداد الرجال به وان جوزنا سماع صوت الاجنبية من حيث عدم ورود النقل بذلك والعبادات مبنية على التوقيف، كذا صرح به في المدارك. ويمكن الجواب بان ما يدل على الاعتداد بسماع الاذان وان كان ظاهره كون المؤذن رجلا إلا انه لا تعلم هنا خصوصية للرجل في ذلك، فيتعدى الحكم بطريق المناط القطعي إلى كل مؤذن من رجل وامرأة كما في سائر جزئيات الاحكام وان صرح بالرجل فانهم لا يختلفون في تعدية الحكم إلى النساء ما لم تعلم الخصوصية، ولا يخفى على المتتبع ان اكثر الاحكام الشرعية المتفق على عمومها للرجال والنساء انما وردت في الرجال لكونه هو المسؤول عنه أو ان يقع ذلك ابتداء من الامام (عليه السلام) ولو خصت الاحكام بموارد الاخبار وان لم تعلم الخصوصية لضاقت الشريعة ولزم القول بجملة من الاحكام من غير دليل وهو ظاهر البطلان. قال في الذكرى: وفي حكم المرأة الخنثى فتؤذن للمحارم من الرجال والنساء ولا جانب النساء لا لاجانب الرجال، ثم قال ولعل الشيخ يجعل سماع الرجل صوت المرأة في الاذان كسماعها صوته فيه فان صوت كل منهما بالنسبة إلى الآخر عورة. انتهى. اقول: لا يخفى ما بين هذين الكلامين من التدافع فان ظاهر الكلام الاخير انه يحرم على المرأة سماع صوت الرجل وانه عورة بالنسبة إليها كما يحرم عليها النظر إليه ومقتضى هذا ان الخنثى لا تؤذن لاجانب النساء من حيث احتمال الرجوعية مع انه جوزه. ثم ان ما ذكره - من ان صوت الرجل عورة بالنسبة إلى المرأة كبدنه فيحرم عليها سماع صوته كما يحرم عليها النظر إلى جسده - لم اقف له على دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل، نعم تحريم النظر إلى جسده منصوص اما سماع الصوت فلا ولا اعلم ايضا قائلا بذلك سواه، وقد عرفت ان ما ظاهرهم الاتفاق عليه من تحريم سماع صوت المرأة لا دليل عليه بل الدليل دال على خلافه فالعكس اولى بالجواز. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - قد عرفت انه لا يؤذن لشئ من النوافل ولا الفرائض


[ 365 ]

غير الخمس، قال في المعتبر انه مذهب علماء الاسلام. ويعضده ان الاذان وظيفة شرعية فيتوقف كيفية وكمية ومحلا على الورود عن صاحب الشريعة والمنقول عنه فعله في الصلوات الخمس خاصة إلا ان الاصحاب ذكروا انه يقول المؤذن " الصلاة "، ثلاثا ولم اقف عليه في غير صلاة العيد. بقى هنا جملة من المواضع قد ورد فيها استحباب الاذان أو مع الاقامة غير الصلاة: منها - الفلوات الموحشة كما ذكره في الذكرى ثم قال روى ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) (1) " إذا تغولت بكم الغول فاذنوا " وفي الجعفريات عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا تغولت بكم الغيلان فاذنوا باذان الصلاة " ورواه العامة (3) وفسره الهروي بان العرب تقول ان الغيلان في الفلوات ترآى للناس تتغول تغولا اي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق وتهلكهم وروى في الحديث " لا غول " وفيه ابطال لكلام العرب فيمكن ان يكون الاذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وان لم يكن له حقيقة. انتهى كلام الذكرى. اقول: قال في كتاب دعائم الاسلام: وعن علي (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا تغولت بكن الغيلان فاذنوا بالصلاة " وقال في النهاية الاثيرية فيه: " لا غول ولا صفر " الغول احد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم ان الغول في الفلاة تترآى للناس فتغول تغولا اي تتلون تلونا في صور شتى وتغلوهم اي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي (صلى الله عليه وآله) وابطله. وقيل قوله " لا غول " ليس نفيا لعين الغول ووجوده وانما فيه ابطال زعم العرب


(1) الوسائل الباب 46 من الاذان والاقامة (2) و (4) مستدرك الوسائل الباب 35 من الاذان والاقامة (3) نهاية ابن الاثير مادة " غول " كما يأتي منه " قدس سره "


[ 366 ]

في تلونه بالصور المختلفة واغتياله فيكون المعنى بقوله " لا غول " انها لا تستطيع ان تضل احدا، ويشهد له الحديث الآخر " لا غول ولكن السعالى سحرة الجن " اي ولكن في الجن سحرة لهم تلبس وتخييل، ومنه الحديث " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالاذان " اي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، وهذا يدل على انه لم يرد بنفيها عدمها. انتهى. ومنها - المولود يستحب الاذان في اذنه اليمنى والاقامة في اليسرى كما ورد عن الصادق (عليه السلام) (1). ومنها - من ساء خلقه، روى في كتاب المحاسن عن هشام بن سالم في الصحيح (2) قال: " اللحم ينبت اللحم ومن تركه اربعين يوما ساء خلقه ومن ساء خلقه فاذنوا في اذنه " ومثله رواه في الكافي عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن (3). وروى عن ابان الواسطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " ان لكل شئ قرما وان قرم الرجل اللحم فمن تركه اربعين يوما ساء خلقه ومن ساء خلقه فاذنوا في اذنه اليمنى ". وروى فيه ايضا عن حفص (5) الابار عن ابي عبد الله عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) " قال كلوا اللحم فان اللحم من اللحم ومن لم يأكل اللحم اربعين يوما ساء خلقه وإذا ساء خلق احدكم من انسان أو دابة فاذنوا في اذنه الاذان ". ومنها - ما تقدم في حديث سليمان بن جعفر الجعفري (7) قال: " سمعته يقول اذن في بينك فانه يطرد الشيطان ويستحب من اجل الصبيان " إلا انه يمكن حمله على اذان الصلاة. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 35 من احكام الاولاد (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 12 من الاطعمة المباحة (5) وفي المحاسن ص 466 والوسائل عن ابى حفص (7) الوسائل الباب 18 من الاذان والاقامة


[ 367 ]

(المسألة الرابعة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تارك الاذان والاقامة حتى يدخل في الصلاة فنقل عن السيد المرتضى في المصباح والشيخ في الخلاف انه ان كان متعمدا مضى في صلاته وان كان ساهيا رجع ما لم يركع، ونقل ذلك عن الاكثر. وقال الشيخ في النهاية من ترك الاذان والاقامة متعمدا ودخل في الصلاة فلينصرف وليؤذن وليقم ما لم يركع ثم يستأنف الصلاة، وان تركهما ناسيا حتى دخل في الصلاة ثم ذكر مضى في صلاته ولا اعادة عليه، وبه قال ابن ادريس وهو عكس القول الاول. واطلق الشيخ في المبسوط فقال متى دخل منفردا في الصلاة من غير اذان واقامة استحب له الرجوع ما لم يركع ويؤذن ويقيم ويستقبل الصلاة فان ركع مضى في صلاته. ولم يفرق بين العمد والنسيان. وقال ابن ابي عقيل من نسى الاذان في صلاة الصبح والمغرب حتى اقام رجع فاذن واقام ثم افتتح الصلاة، وان ذكر بعد ما دخل في الصلاة انه قد نسى الاذان قطع الصلاة واذن واقام ما لم يركع فان كان قد ركع مضى في صلاته ولا اعادة عليه، وكذلك ان سها عن الاقامة من الصلوات كلها حتى دخل في الصلاة رجع إلى الاقامة ما لم يركع فان كان قد ركع مضى في صلاته ولا اعادة عليه إلا ان يكون قد تركه متعمدا استخفافا فعليه الاعادة. وظاهر هذا القول هو الرجوع إلى الاذان وحده في صلاتي الصبح والمغرب لو تركه ناسيا ما لم يركع ولو نسى الاقامة وحدها فانه يرجع لها في جميع الصلوات ما لم يركع وان تركها عمدا فعليه الاعادة مطلقا. وما صرح به ابن ابي عقيل موافق لما قدمنا نقله عنه في صدر المسألة الاولى من قوله: واما الاقامة فانه ان تركها متعمدا بطلت صلاته وعليه الاعادة. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت الصلاة فنسيت ان تؤذن وتقيم ثم ذكرت قبل ان تركع فانصرف واذن واقم واستفتح الصلاة وان كنت


(1) الوسائل الباب 29 من الاذان والاقامة


[ 368 ]

قد ركعت فاتم على صلاتك ". وعن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل ينسى الاذان والاقامة حتى يكبر ؟ قال يمضي على صلاته ولا يعيد ". وعن نعمان الرازي (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) وسأله أبو عبيدة الحذاء عن حديث رجل نسى ان يؤذن ويقيم حتى كبر ودخل في الصلاة قال ان كان دخل المسجد ومن نيته ان يؤذن ويقيم فليمض في صلاته ولا ينصرف ". وعن ابي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل نسى الاذان حتى صلى ؟ قال لا يعيد ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل نسى ان يقيم الصلاة حتى انصرف يعيد صلاته ؟ قال لا يعيدها ولا يعود لمثلها ". وعن داود بن سرحان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " في رجل نسى الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة ؟ قال ليس عليه شئ ". وعن عبيد بن زرارة عن ابيه في الصحيح (6) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسى الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة ؟ قال فليمض في صلاته فانما الاذان سنة. وعن علي بن يقطين في الصحيح (7) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يقيم الصلاة وقد افتتح ؟ الصلاة قال ان كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته وان لم يكن فرغ من صلاته فليعد ". وما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) انه قال: " في الرجل ينسى الاذان والاقامة حتى يدخل في الصلاة ؟ قال


(1) و (2) و (5) و (6) و (8) الوسائل الباب 29 من الاذان والاقامة (3) و (4) و (7) الوسائل الباب 28 من الاذان والاقامة


[ 369 ]

ان كان ذكر قبل ان يقرأ فليصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وليقم وان كان قد قرأ فليتم صلاته ". وروى في الفقيه (1) قال: " سأل زيد الشحام ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة... الحديث ". وما رواه الشيخ في الحسن عن الحسن بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر انه لم يقم ؟ قال فان ذكر انه لم يقم قبل ان يقرأ فليسلم على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يقيم ويصلي وان ذكر بعد ما قرأ بعض الصورة فليتم على صلاته ". وعن زكريا بن آدم (3) قال: " قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية وانا في القراءة اني لم اقم فكيف اصنع ؟ قال اسكت موضع قراءتك وقل " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " ثم امض في قراءتك وصلاتك وقد تمت صلاتك ". اقول، والمستفاد من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو استحباب الرجوع إلى الاذان والاقامة أو الاقامة وحدها ما لم يركع إذا ترك ذلك ساهيا، إلا ان صحيح علي بن يقطين دل على وجوب الاعادة بنسيان الاقامة متى ذكر في اثناء الصلاة، ولعله مستند ابن ابي عقيل في ما تقدم نقله عنه من وجوب الاعادة بترك الاقامة، إلا ان مورد الرواية النسيان وكلام ابن ابي عقيل مقيد بالتعمد فلا يمكن جعلها مستندا له. والعلامة في المختلف قد حملها على ان المراد بما قبل الفراغ ما قبل الركوع، ولا يخفى ما فيه من البعد والتمحل. وحملها الشيخ على الاستحباب قال في المعتبر وما ذكره محتمل لكن فيه تهجم على ابطال الفريضة بالخبر النادر. انتهى. اقول وكيف كان فهذا الخبر وان صح سنده لا يبلغ قوة في معارضة ما ذكرناه من الاخبار الدالة على صحة الصلاة بتركهما


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 29 من الاذان والاقامة


[ 370 ]

أو احدهما فلابد من ارتكاب التأويل فيه وان بعد أو طرحه. ومورد هذه الاخبار كلها النسيان ولا تعرض فيها لحكم العمد بالكلية ومقتضى الاصل صحة الصلاة سيما على القول المشهور من استحباب الاذان والاقامة، وعلى تقدير القول بالوجوب فانه لا قائل بدخولهما في حقيقة الصلاة بل غايتهما ان يكونا من الواجبات الخارجة كما تقدم بيانه، ومن ذلك يظهر قوة القول الاول. بقى الكلام في صحيحة محمد بن مسلم وحسنة الحسين بن ابي العلاء ورواية زيد الشحام الدالة على انه إذا نسى الاذان والاقامة أو الاقامة وحدها ثم ذكرها قبل القراءة فانه يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) أو يسلم عليه ثم يقيم ويصلي، فان ظاهر الاصحاب حملها على قطع الصلاة والرجوع. قال في المدارك: والظاهر ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) والسلام عليه اشارة إلى قطع الصلاة، ويمكن ان يكون ذلك نفسه قاطعا ويكون من خصوصيات هذا الموضع لان ذلك لا يقطع الصلاة في غير هذا المحل. انتهى. اقول: من المحتمل قريبا في معنى الاخبار المذكورة ان المراد انما هو انه إذا ذكره في ذلك الوقت صلى على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " كما هو ظاهر خبر زكريا بن آدم بل صريحه، ونحوه في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) " فان استيقنت انك تركت الاذان والاقامة ثم ذكرت فلا بأس بترك الاذان وتصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قل قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " وعلى هذين الخبرين يحمل اجمال الاخبار المذكورة إذ لا تصريح ولا ظهور فيها بقطع الصلاة وابطالها ولا اعادتها من رأس، وحينئذ فمعنى قوله في حسنة الحسين بن ابي العلاء " ثم يقيم ويصلي " يعني يأتي بهذه العبارة مرتين ويستمر في صلاته، وقول السيد هنا وقبله الشهيد في الذكرى - ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) والسلام عليه اشارة إلى


(1) البحار ج 18 الصلاة ص 176


[ 371 ]

قطع الصلاة ويكون ذلك قاطعا ويكون من خصوصيات هذا الموضع - بعيد غاية البعد. وبالجملة فان خبري زكريا بن آدم وكتاب الفقه ظاهران بل صريحان في ما ذكرناه وتلك الاخبار مجملة والقاعدة في مثله حمل المجمل على المفصل. نعم يبقى الاشكال من وجه آخر نبه عليه شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل خبر زكريا بن آدم: ويشكل بانه كلام ليس من الصلاة ولا من الاذكار. واجاب عنه شيخنا البهائي بالحمل على انه يقول ذلك مع نفسه من غير ان يتلفظ به وقوله (عليه السلام) " اسكت موضع قراءتك وقل... " ربما يؤذن بذلك إذ لو تلفظ بالاقامة لم يكن ساكتا في موضع القراءة، وحمل السكوت على السكوت عن القراءة لا عن غيرها خلاف الظاهر. انتهى وانت خبير بانه لقائل ان يقول ان ما ذكره شيخنا المتقدم من كونه ليس من الصلاة ولا من الاذكار وان كان كذلك إلا ان النص متى دل على جوازه فلا وجه لرده ولا استبعاد فيه سيما مع وجود النظائر المتفق عليها بينهم، وليس هذا بابعد مما دلت عليه النصوص وقالوا به من غير خلاف يعرف من جواز الافعال الخارجة عن الصلاة في اثناء الصلاة من غسل دم الرعاف وقتل الحية وارضاع الصبي ونحو ذلك من الافعال الخارجة عن الصلاة التي لو لا هذه النصوص الواردة بها لا بطلوا بها الصلاة البتة لكونها افعالا اجنبية عنها خارجة عن حقيقتها، والامر في الموضعين كذلك غاية الامر انه قد تكاثرت الاخبار بهذا الحكم حتى عدوه إلى غير موارد النصوص بتنقيح المناط القطعي دون هذا الجزئي الذي هو محل البحث فيجب الاقتصار فيه على مورد النص. هذا. واما ما ذكره ابن ابي عقيل - من القطع ما لم يركع والرجوع إلى الاذان خاصة في صلاة المغرب والصبح. ونحوه ما ذكره المحقق في الشرائع من الرجوع إلى الاذان مطلقا - فلم اقف فيه على دليل وبذلك اعترف في المدارك فقال: واعلم ان هذه الروايات انما تعطي استحباب الرجوع لاستدراك الاذان والاقامة أو الاقامة وحدها وليس فيها ما يدل على جواز القطع لاستدراك الاذان مع الاتيان بالاقامة، ولم اقف على مصرح به سوى


[ 372 ]

المصنف في هذا الكتاب وابن ابي عقيل على ما نقل عنه، وحكى فخر المحققين في الشرح الاجماع على عدم الرجوع إليه مع الاتيان بالاقامة وعكس الشارح (قدس سره) فحكم بجواز الرجوع لاستدراك الاذان وحده دون الاقامة وهو غير واضح. انتهى.

(المسألة الخامسة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان القاضي للصلوات الخمس وان استحب له الاذان والاقامة لكل صلاة صلاة إلا انه رخص له في الاقتصار على اذان واحد في اول ورده. وظاهرهم ان الاذان والاقامة لكل صلاة افضل وان الاقتصار على الاذان في الاولى من ورده دونه في الفضل، وهو صريح عبارة الشرائع، وجملة منهم عبروا بالسقوط بقول مطلق. اما استحباب الاذان والاقامة لكل فريضة فاستدل عليه في المنتهى بقوله (عليه السلام) (1): " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " وقد كان من حكم الفائتة استحباب تقديم الاذان والاقامة لها فكذا قضاؤها، ورواية عمار الساباطي (2) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا اعاد الصلاة هل يعيد الاذان والاقامة ؟ قال نعم ". واعترضه في المدارك بان في الروايتين ضعفا في السند وقصورا من حيث الدلالة والظاهر ان ضعف الدلالة بالنسبة إلى الاول من حيث ان المتبادر من قوله: " كما فاتته " بجملة اجزائها وصفاتها الداخلة تحت حقيقتها دون الامور الخارجة عنها. ويحتمل - ولعله الاظهر - حمل الخبر على كون الفائت فريضة واحدة فانه يؤذن لها ويقيم. واما بالنسبة إلى الثاني فلعدم دلالته على انه يعيد لكل صلاة مع انه يعارضه ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى بن عيسى (3) قال: " كتبت إليه رجل يجب عليه اعادة الصلاة أيعيدها باذان


(1) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات (2) الوسائل الباب 8 من قضاء الصلوات (3) الوسائل الباب 37 من الاذان والاقامة


[ 373 ]

واقامة ؟ فكتب يعيدها باقامة " وبالجملة فان الدليل المذكور لا يخلو من القصور. واما الاكتفاء باذان واحد في اول ورده ثم الاقامة لكل صلاة فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثم ذكر بعد ذلك ؟ قال يتطهر ويؤذن ويقيم في اولاهن ثم يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة بغير اذان حتى يقضى صلاته " وعن زرارة في الصحيح أو الحسن عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ باولاهن فاذن لها واقم ثم صلها ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة ". وحكى الشهيد في الذكرى قولا بان الافضل ترك الاذان لغير الاولى لما روى (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) شغل يوم الخندق عن اربع صلوات فامر بلالا فاذن للاولى واقام ثم اقام للبواقي من غير اذان " وهو حسن. قال في المدارك وهو حسن بل لو قيل بعدم مشروعية الاذان لغير الاولى من الفوائت مع الجمع بينها كان وجها قويا لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه. انتهى اقول: ما استدل به شيخنا الشهيد (قدس سره) هنا من الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وانه شغل عن اربع صلوات يوم الخندق انما هي من طرق المخالفين وليس في اخبارنا لها اثر ولا توافق اصولنا، فان ظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم جواز ذلك عليه (صلى الله عليه وآله) لعصمته المانعة عن جواز ذلك عليه، ولان الصلاة لها مراتب لا يحصل الفوات فيها إلا مع انقطاع الشعور بالكلية كما ذكروه في صلاة الحرب وصلاة المريض، فلا حجة في الخبر المذكور ولا ضرورة تلجئ إليه حتى انه يتكلف بالذب عنه ودفع ما يرد عليه من الاشكال حيث قال (قدس سره) في المقام: ولا ينافي العصمة


(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات (2) الوسائل الباب 63 من المواقيت (3) تيسير الوصول ج 2 ص 190


[ 374 ]

لوجهين (احدهما) ما روى (1) من ان الصلاة كانت تسقط اداء مع الخوف ثم تقضى حتى نسخ ذلك بقوله تعالى " وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة... الآية " (2).

(الثاني) جاز ان يكون ذلك لعدم تمكنه من استيفاء افعال الصلاة ولم يكن قصر الكيفية مشروعا، وهو عائد إلى الاول وعليه المعول. انتهى. اقول: وفي الثاني الذي عليه المعول عنده ان الاعتماد في ذلك على مجرد الاحتمال والجواز - بان يكون المعنى انه يحتمل ان يكون تركه (صلى الله عليه وآله) الصلاة من حيث عدم التمكن من استيفاء افعالها - من قبيل الرمي في الظلام من حيث الخروج بذلك عن ظواهر الادلة من غير مخصص في المقام، إذ الاحاديث الدالة على قصر الكيفية في المواضع المنصوصة من خوف ومرض ونحوهما لا اشعار فيها بوقت دون وقت ولا زمان دون زمان ولا حال دون حال على ان الظاهر ان الرواية التي اشار إليها في الوجه الاول ليست من طرقنا ولعله لهذا عدل عن الاستناد إليها واعتمد على مجرد هذا الاحتمال والتجويز. والعجب منه (قدس سره) وكذا من السيد السند في نقله له وجموده عليه بل استحسانه ذلك، وكيف عولوا في الاستدلال على هذه الرواية العامية وروايات الاصحاب ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في ما دلت عليه هذه الرواية العامية كصحيحتي زرارة ومحمد ابن مسلم المتقدمتين ونحوهما ما في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام) " وقال العالم. من اجنب ثم لم يغتسل حتى يصلي الصلوات كلهن فذكر بعد ما صلى فان عليه الاعادة يؤذن ويقيم ثم يفصل بين كل صلاتين باقامة " ويمكن حمل رواية " من فاتته فريضة " وكذا رواية عمار على الفريضة الواحدة لقوله في الاول " من فاتته فريضة " وفي الثاني " اعاد الصلاة " ولا كلام في استحباب الاعادة في الصلاة الواحدة وحينئذ فلا تنافي بين اخبار المسألة، ومنه يظهر قوة ما ذكره السيد السند من قوله: بل لو قيل بعدم مشروعية الاذان لغير الاولى


(1) لم نعثر على هذه الرواية حتى الآن بعد الفحص عنها في مظانها (2) سورة النساء، الآية 103 (3) البحار ج 18 الصلاة ص 176


[ 375 ]

من الفوائت مع الجمع لكان وجها قويا. واما ما دلت عليه رواية موسى بن عيسى فهو محمول على الرخصة والجواز. ثم انه مما يجب التنبيه عليه انه لا يخفى ان طعن السيد في سند خبر " من فاتته فريضة " بالضعف ليس في محله فان سنده حسن بابراهيم بن هاشم على المشهور الذي هو صحيح عندنا وعند جملة من المحققين إلا ان يكون ذلك طعنا منه في ابراهيم بن هاشم كما في غير موضع من اضطراب كلامه فيه، لكن يرد عليه انه وصف رواية زرارة التي نقلها هنا بالصحة وفي سندها ابراهيم بن هاشم ايضا. وقال الشهيد (قدس سره) في الدروس: ويجتزئ القاضي بالاذان لاول ورده والاقامة للباقي وان كان الجمع بينهما افضل، وهو ينافي سقوطه عن من جمع في الاداء إلا ان يقول السقوط فيه تخفيف أو ان الساقط اذان الاعلام لحصول العلم باذان الاولى لا الاذان الذكرى ويكون الثابت في القضاء الاذان الذكرى. وهذا متجه. انتهى واعترضه في المدارك بعدم المنافاة بين الحكمين لو ثبت دليلهما. اقول: الظاهر ان مبنى المنافاة في كلام الدروس على انه لما كان الدليل على استحباب الجمع بين الاذان والاقامة في القضاء هو حديث " من فاتته فريضة... " بالتقريب الذي ذكره العلامة في المنتهى فجعل القضاء تابعا في ذلك للاداء والحال انهم صرحوا انه لو جمع بين الفرضين في الاداء سقط الاذان للثانية فحصول المنافاة والحال هذه مما لا ريب فيه، فان اثباتهم له في القضاء انما هو بالتفريع على الاداء كما عرفته من استدلال العلامة والحال انه في الاداء ساقط في مقام الجمع كما عرفت. والظاهر ان هذا هو مراد شيخنا الشهيد (قدس سره) بالمنافاة في هذا المقام وهو ظاهر وان كان للمناقشة في اصل دليل المنافاة مجال - كما عرفت - آنفا من عدم ظهور الدليل الذي استند إليه العلامة في ما استدل به عليه. واما جوابه في الدروس عن الاشكال المذكور - بان الساقط في صورة الجمع


[ 376 ]

في الاداء انما هو اذان الاعلام... الخ " واليه يشير قوله في الذكرى كما سيأتي نقله ان شاء الله تعالى في مسألة الجمع: ان الساقط مع الجمع الغير المستحب اذان الاعلام ويبقى اذان الذكر والاعظام - ففيه انه لا يخفى ان المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل الاستتار ولا الانكار هو ان الاذان على نوعين (احدهما) المقصود به الاعلام بدخول الوقت لكافة الناس وهذا الذي تقدمت اكثر الروايات في صدر المقدمة بالحث عليه وعلى ما فيه من الثواب. و (ثانيهما) الاذان والاقامة بالنسبة إلى كل مكلف من ذكر وانثى وهذا هو الذي تقدم الاختلاف فتوى ورواية في وجوبه واستحبابه في مواضع وافراد معينة. وهذا النوع الثاني لا ارتباط له باول الوقت بل اي وقت صلى المصلي استحب له الاتيان به، وهذا هو الذي خرجت فيه روايات القضاء بانه يؤذن في اول ورده ثم يقيم لكل صلاة صلاة ولا تعلق لهذا بالاعلام لوقوعه في سائر اجزاء الوقت، فقول شيخنا المشار إليه - ان الساقط في صورة الجمع في الثانية اذان الاعلام لحصول العلم باذان الاولى لا الاذان الذكرى - لا معنى له بالكلية لانه لا يلزم ان تكون صلاته في اول الوقت حتى يكون اذان الاولى اذان اعلام، ومع فرض كون صلاته في اول الوقت لا يعتبر في اذانه للصلاة الاولى ولا يشترط فيه قصد الاعلام ولا شروط الاذان الاعلامي بالكلية بل لو اذن خفيا وحده في مكان لا يراه احد ولا يسمع صوته سامع فقد ادى السنة الموظفة. وبالجملة فان هذا الذي تعلق به الخطاب لهذا المكلف بخصوصه من حيث صلاته المخصوصة لا مدخل له في اذان الاعلام. نعم قال الدليل على الاجتزاء باذان الاعلام لمن سمعه على الخلاف الآتي ان شاء الله تعالى في العموم للامام وغيره أو التخصيص بالامام. وبالجملة فان كلامه (قدس سره) هنا لا اعرف له وجها وجيها. والله العالم.

(المسألة السادسة) - اختلف الاصحاب في اذان العصر يوم الجمعة فاطلق الشيخ في المبسوط سقوطه وهو ظاهر المفيد في المقنعة على ما نقله الشيخ في التهذيب، وقال الشيخ في النهاية انه غير جائز.


[ 377 ]

وقال ابن ادريس انه يسقط عن من صلى الجمعة دون من صلى الظهر ونقل، ذلك عن ابن البراج في الكامل. ونقل عن المفيد في الاركان وابن البراج انهما استحبا الاذان لعصر يوم الجمعة كغيره من الايام، قال في المدارك وهو اختيار المفيد (قدس سره) في المقنعة على ما وجدته فيها، قال بعد ان اورد تعقيب الاولى: ثم قم فاذن للعصر واقم الصلاة. قال والى هذا القول ذهب شيخنا المعاصر سلمه الله تعالى وهو المعتمد لاطلاق الامر الخالي من التقييد ثم نقل عن الشيخ في التهذيب انه احتج على ما حكاه من كلام المقنعة المتضمن للسقوط بما رواه في الصحيح عن ابن اذينة عن رهط: منهم - الفضيل وزرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين وجمع بين المغرب والعشاء باذان واحد واقامتين " وعن حفص ابن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة " ثم قال: ويتوجه عليه ان الرواية الاولى انما تدل على جواز ترك الاذان للعصر والعشاء مع الجمع بين الفرضين في يوم الجمعة وغيره وهو خلاف المدعى. واما الرواية الثانية فضعيفة السند قاصرة المتن فلا تصلح لمعارضة الاخبار الصحيحة المتضمنة لمشروعية الاذان في الصلوات الخمس. انتهى المقصود من نقل كلامه. احتج ابن ادريس على ما نقل عنه بان الاجماع منعقد على استحباب الاذان لكل صلاة من الخمس خرج عنه المجمع عليه وهو من صلى الجمعة فيبقى الباقي على العموم. واعترض عليه بمنع الاجماع على السقوط مع صلاة الجمعة لتصريح بعض الاصحاب بالاستحباب مطلقا كما تقدم. اقول وبالله التوفيق والهداية إلى سواء الطريق لا يخفى ان محل الخلاف في هذه المسألة


(1) الوسائل الباب 36 من الاذان والاقامة (2) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة


[ 378 ]

في كلامهم غير مشخص ولا معين من انه حال الجمع أو حال التفريق والمسألة بخصوصها خالية من النص إلا ان الذي يقتضيه النظر في الاخبار هو ان القول بالسقوط في عصر الجمعة انما يتم مع الجمع، وذلك فان السنة يوم الجمعة في صلاة الظهر حيث لا نافلة بعد الزوال كما في سائر الايام هو ان يبادر بالصلاة بعد تحقق الزوال، والسنة في صلاة العصر حيث لا نافلة يومئذ ان يصليها في وقت الظهر في سائر الايام كما استفاضت بجميع ذلك الاخبار ومن هنا يعلم ان السقوط انما هو من حيث الجمع وان استدلال الشيخ على ما نقله عن المقنعة بصحيحة الرهط المذكورة جيد واعتراض السيد عليه بانه خلاف المدعى ليس في محله. لان المدعى ليس إلا ان عصر الجمعة يسقط اذانها يعني إذا اتى بها على الوجه المندوب إليه والمأمور به والموظف فيها من الجمع بينها وبين الظهر في وقت واحد كما ذكرناه. وقد صرح بذلك الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة في باب عمل ليلة الجمعة ويومها حيث قال: والفرق بين الصلاتين في سائر الايام مع الاختيار وعدم العوارض افضل قد ثبتت السنة به إلا في يوم الجمعة فان الجمع بينهما افضل وهو السنة. انتهى. وهذا الكلام قد تقدم نقله في كلام السيد في المدارك في المسألة الخامسة من المسائل المرسومة في شرح قول المصنف " الثانية في المواقيت.. الخ " ومراد شيخنا المشار إليه الفرق بين الصلاتين بالنوافل الموظفة أو بالتأخير إلى المثل الثاني الذي هو وقت فضيلة العصر عندهم كما تقدم، هذا في غير الجمعة واما يوم الجمعة فان السنة فيه هو الجمع وعدم التفريق لا بنافلة ولا بزمان، وحينئذ فما نقله السيد عن عبارة المقنعة من ذكر الاذان للعصر في العبارة المذكورة يمكن حمله على حصول التفريق بالوقت كما هو ظاهر سياق العبارة من الاشتغال بالاعمال والاذكار بعد صلاة الظهر إلى دخول وقت العصر. واما ما نقله السيد عن شيخه نور الله تربتيهما واختاره ان اريد به استحباب الاذان يوم الجمعة مطلقا ولو في صورة الجمع فهو باطل مردود بالصحيحة المذكورة وغيرها


[ 379 ]

مما دل على ما دلت عليه، وان اريد مع التفريق فهو في محله وليس فيه منافاة لكلام الشيخ كما عرفت. واما رواية غياث المذكورة فانها لاجمالها وتعدد الاحتمال فيها لا يمكن الاعتماد عليها في اثبات حكم شرعي، وسيجئ تحقيق الكلام في معناها في باب صلاة الجمعة ان شاء الله تعالى. ومما يدل على سقوط اذان الثانية في صورة الجمع زيادة على صحيحة الرهط المتقدمة رواية صفوان الجمال (1) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) الظهر والعصر عندما زالت الشمس باذان واقامتين... الحديث ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة باذان واقامتين ". ومما يدل على ان الجمع عبارة عن عدم النافلة بين الفرضين وانه مع النافلة لا جمع وان كان في وقت واحد موثقة محمد بن حكيم (3) قال: " سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع " وفي رواية اخرى له ايضا (4) قال: " سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوع بينهما ". ومن هذه الاخبار يعلم حصول التفريق الموجب للاذان للثانية بالنافلة، والظاهر ايضا حصوله بالتأخير إلى وقت الصلاة الثانية كما يفهم من كلام الشيخ والجماعة بل حصوله بالفصل بما يعتد به سيما مع تخلل بعض العوارض الخارجة الغير المرتبطة بالصلاة كما اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة.


(1) الوسائل الباب 31 من المواقيت (2) الوسائل الباب 32 من المواقيت (3) و (4) الوسائل الباب 33 من المواقيت


[ 380 ]

قال في الذكرى: ولو جمع الحاضر أو المسافر بين الصلاتين فالمشهور ان الاذان يسقط في الثانية، قاله ابن ابي عقيل والشيخ وجماعة سواء جمع بينهما في وقت الاولى أو الثانية لان الاذان اعلام بدخول الوقت وقد حصل بالاذان الاول، وليكن الاذان للاولى ان جمع بينهما في وقت الاولى وان جمع بينهما في وقت الثانية اذن للثانية ثم اقام وصلى الاولى لمكان الترتيب ثم اقام للثانية. انتهى. اقول: ما ذكره في تعليل سقوط اذان الثانية من ان الاذان اعلام بدخول الوقت عليل كما عرفت مما قدمنا بيانه إذ لا دليل عليه، والاذان الاعلامي منفرد لا تعلق له باذان الصلاة المخاطب به كل فرد فرد من افراد المكلفين بخطابهم بالصلاة لما اسلفنا من الاخبار المتعلقة بكل منهما على حدة والفروع والاحكام المترتبة على كل منهما على حدة. واضعف من ذلك قوله: " وليكن الاذان للاولى ان جمع بينهما في وقت الاولى... الخ " فانه لا دليل عليه وان وافقه الشهيد الثاني على ذلك وصار إليه والنصوص خالية من هذا التفصيل. والظاهر ان هذا الكلام مبني على ما ذكره اولا من ان الاذان للاعلام فانه متى كان القصد به الاعلام يكون وظيفة صاحبة الوقت فيقصد به صاحبة الوقت خاصة وهو كالمبني عليه في الضعف وعدم الدليل. واشد ضعفا في كلامه في هذا المقام ما ذكره من انه لو اتفق الجمع مع عدم استحبابه فانه يسقط اذان الاعلام ويبقى اذان الذكر والاعظام، وقد تقدم ما فيه. والله العالم.

(المسألة السابعة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في سقوط اذان عصر عرفة وعشاء المزدلفة. ويدل عليه من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " السنة في الاذان يوم عرفة ان يؤذن ويقيم للظهر ثم يصلي ثم يقوم للعصر بغير اذان وكذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة ".


(1) الوسائل الباب 36 من الاذان والاقامة


[ 381 ]

وعن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " صلاة المغرب والعشاء بجمع باذان واحد واقامتين " إلى غير ذلك من الاخبار الآتية في كتاب الحج ان شاء الله تعالى. انما الخلاف بينهم في حكم السقوط في حال الجمع مطلقا وخصوص عصري الجمعة وعرفة وعشاء المزدلفة هل هو على سبيل الرخصة وان كان مستحبا أو الكراهة كما في سائر مكروهات العبادات أو انه محرم ؟ اقول، فذهب جمع من الاصحاب: منهم - العلامة إلى التحريم في الثلاثة الاخيرة واطلق الباقون سقوطه مع مطلق الجمع. واختلف كلام شيخنا الشهيد (قدس سره) في المسألة ففي الذكرى توقف في كراهته في الثلاثة المشار إليها استنادا إلى عدم وقوفه فيه على نص ولا فتوى ثم حكم بنفي الكراهة وجزم بانتفاء التحريم فيها وببقاء الاستحباب في الجمع بغير الثلاثة المذكورة مأولا الساقط بانه اذان الاعلام وان الباقي اذان الذكر والاعظام. وقريب منه كلامه في الدروس فانه قال: وربما قيل بكراهته في الثلاثة وبالغ من قال بالتحريم. وقال في البيان ان الاقرب ان الاذان في الثلاثة حرام مع اعتقاد شرعيته. وتوقف في غيرها. والمفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض والروضة هو التحريم في المواضع الاربعة حيث قال في الروضة بعد ذكرها: وهل سقوط الاذان في هذه المواضع رخصة فيجوز الاذان ام عزيمة فلا يشرع ؟ وجهان من انه عبادة توقيفية ولا نص عليها هنا بخصوصه والعموم مخصص بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) فانه جمع بين الظهرين والعشاءين لغير مانع باذان واقامتين وكذا في تلك المواضع والظاهر انه لمكان الجمع لا لخصوصية البقعة، ومن انه ذكر الله ولا وجه لسقوطه اصلا بل تخفيفا ورخصة. ثم استشكل في الوجه الثاني بمنع كونه بجميع فصوله ذكرا، وبان الكلام في خصوصية العبادة لا في مطلق الذكر، إلى ان قال بعد نقل الخلاف: والظاهر التحريم في ما لا اجماع على


(1) الوسائل الباب 34 من المواقيت


[ 382 ]

استحبابه منها لما ذكرناه. انتهى. وظاهر السيد السند في المدارك اختيار التحريم في خصوص عصر عرفة وعشاء المزدلفة خاصة حيث قال بعد ايراد صحيحة ابن سنان المتقدمة: وهل سقوط الاذان هنا على سبيل الرخصة أو الكراهة أو التحريم ؟ اوجه ذهب إلى كل منها ذاهب والاصح التحريم كما اختاره العلامة في المنتهى والشهيد في البيان لانه مخالفة للسنة فيكون بدعة وقد صح عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار " وعلى نهجه نهج الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا للخبر المذكور وستعرف ما فيه ان شاء الله تعالى. واما في موضع الجمع فانه قال: لا يبعد ان يقال انه مكروه في موضع يستحب الجمع بالمعنى المتعارف في العبادات بمعنى ان الاتيان به اقل ثوابا من الاتيان بالصلاة من غير تفريق، قال واما في غير موضع استحباب الجمع فتركه مرخص فيه بمعنى عدم التأكيد في استحبابه كما في غيره لا انه مكروه أو مباح. اقول وبالله التوفيق إلى هداية سواء الطريق: الاظهر عندي في هذه المسألة ما رجحه شيخنا الشهيد الثاني (روح الله روحه) من التحريم في المواضع الاربعة المتقدمة الراجعة في التحقيق إلى مطلق الجمع: (اما اولا) فلان العبادات توقيفية مبنية على التوظيف من الشارع ولم يعلم منه الاذان للثانية في صورة الجمع مطلقا بل المعلوم من الاخبار خلافه وانه لا اذان ثمة: فمنها - ما دل عليه حكاية فعله (صلى الله عليه وآله) وفعل الائمة (عليهم السلام) كما تقدم في صحيحة الرهط ورواية صفوان الجمال وصحيحة عبد الله بن سنان، ومثلها رواية عبد الله بن سنان (2) قال: " شهدت المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحين كان قريبا من الشفق نادوا واقاموا الصلاة فصلوا المغرب


(1) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان (2) الوسائل الباب 31 من المواقيت


[ 383 ]

ثم امهلوا الناس حتى صلوا ركعتين ثم قال المنادي في مكانه في المسجد فاقام الصلاة فصلوا العشاء ثم انصرف الناس إلى منازلهم، فسألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال نعم قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمل بهذا ". ومنها - ما دل على امر المكلفين بذلك كصحيحتي عبد الله بن سنان ومنصور بن حازم المتقدمتين صدر هذه المسألة ونحوهما صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل يقطر منه البول من انه يتخذ كيسا يجعل فيه قطنا، إلى ان قال يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر باذان واقامتين يؤخر الظهر ويعجل العصر وكذا يؤخر المغرب ويعجل العشاء ويجمع بينهما باذان واقامتين ". ولم يرد في شئ من روايات الجمع الاشارة فضلا عن التصريح إلى اذان الثانية بالكلية ومنه يعلم انه لا اذان للثانية في صورة الجمع مطلقا من المواضع الثلاثة وغيرها لعدم ثبوت التعبد به، والاستناد إلى الاخبار المطلقة هنا ضعيف لان هذه الاخبار خاصة فيخصص بها اطلاق تلك الاخبار كما هو القاعدة المتفق عليها. والعجب ان السيد السند (قدس سره) ذكر - في مسألة اذان المرأة للرجال الاجانب بناء على عدم تحريم سماع صوتها بعد ان نقل عن ظاهر المبسوط الجواز - ما صورته: ويمكن تطرق الاشكال إلى اعتداد الرجال باذانهن على هذا التقدير ايضا لتوقف العبادة على التوقيف وعدم ورود النقل بذلك. انتهى، وحينئذ فإذا احتاج إلى التوقيف في هذه الصورة مع دخولها تحت اطلاق اخبار الاذان وعدم ورود نص في خصوصها بالمنع فكيف لا يحتاج إلى التوقيف في ما دلت النصوص على السقوط فيه بل يعمل باطلاق تلك الاخبار ويلغى هذه النصوص الدالة على السقوط أو يتأولها. وقال ايضا في مسألة الاذان في قضاء الصلوات الخمس بعد ان نقل عن الاصحاب استحباب الاذان والاقامة لكل صلاة وكلام في البين: ولو قيل بعدم مشروعية الاذان


(1) الوسائل الباب 19 من نواقض الوضوء


[ 384 ]

لغير الاولى من الفوائت مع الجمع بينها كان وجها قويا لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه. انتهى. وهذا بعينه آت في ما نحن فيه فان الروايات - كما قدمناها في تلك المسألة - دلت على ان الاذان للاولى خاصة وان ما بعدها باقامة اقامة فيخص بها اخبار الاذان المطلقة، وبه يظهر ان التعبد به في هذه الصورة غير ثابت وكذا ما نحن فيه فان الاخبار كما عرفت قد تكاثرت في صورة الجمع بانه يؤذن للاولى خاصة ويقيم للثانية من غير اذان. والتقريب المذكور الذي رجح به عدم اعادة الاذان في بقية الفرائض المقضية آت في ما نحن فيه فكيف غفل عن ذلك وحكم بالتحريم بعصر عرفة وعشاء المزدلفة ومثله الفاضل الخراساني الذي تبعه في تينك المسألتين المتقدمتين ايضا. و (اما ثانيا) فلصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة والتقريب فيها ان الظاهر - كما صرح به جملة من الاصحاب - ان ترك الاذان في الصورتين المذكورتين فيها ليس الا لخصوص الجمع لا للبقعة وقد دلت على ان السنة هو ترك الاذان فيكون الآتي به مخالفا للسنة وليس بعد ذلك إلا كونه بدعة وبه يثبت ان الاتيان به في مقام الجمع - حيثما كان - بدعة. ويعضد ما ذكرناه من ان ترك الاذان في عصر عرفة وعشاء المزدلفة انما هو من حيث الجمع لا لخصوص البقعة خبر حريز المذكور في السلس فانه من الظاهر ان ذلك ايضا ليس من حيث خصوصية السلس بل من حيث مقام الجمع وان السنة في مقام الجمع حيثما كان وكيفما كان هو سقوط اذان الثانية فيجب اطراد الحكم في روايات المستحاضة الدالة على الجمع وان لم يصرح فيها بالاذان والاقامة بالتقريب المذكور في هذه الاخبار. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة هنا من الاحتمالات والمناقشات التي ليس في التعرض لنقلها كثير فائدة فضعفها يعلم مما حققناه. والله العالم.

(المسألة الثامنة) - لو صليت الفريضة جماعة في المسجد ثم جاء آخرون وارادوا الصلاة جماعة أو فرادى لم يؤذنوا ولم يقيموا وبنوا على اذان الجماعة السابقة واقامتها ما لم تتفرق الصفوف وإلا اذنوا واقاموا، قال الشيخ: والوجه ان الاذان اعلام بدخول الوقت


[ 385 ]

وقد حصل فلا معنى لاعادته اما إذا تعرقت الصفوف فان صلاته بعد ذلك كالصلاة المستأنفة. اقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الضعف بل الوجه انما هو دلالة النصوص على ذلك: ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي على (1) قال: (كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) فاتاه رجل فقال جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر وانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فاذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) احسنت ادفعه عن ذلك وامنعه اشد المنع. فقلت فان دخلوا فارادوا ان يصلوا فيه جماعة ؟ قال يقومون في ناحية المسجد ولا يبدر بهم امام ". وما رواه في الكافي عن ابي بصير (2) قال: " سألته عن الرجل ينتهي إلى الامام حين يسلم ؟ فقال ليس عليه ان يعيد الاذان فليدخل معهم في اذانهم فان وجدهم قد تفرقوا اعاد الاذان ". وما رواه في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم أيؤذن ويقيم ؟ قال ان كان دخل ولم يتفرق الصف صلى باذانهم واقامتهم وان كان تفرق الصف اذن واقام ". وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: " دخل رجلان المسجد وقد صلى علي (عليه السلام) بالناس فقال لهما ان شئتما فليؤم احدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم ". وعن السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (5) انه كان يقول " إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى اهله فلا يؤذنن ولا يقيمن ولا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة ولا يخرج منه إلى غيره حتى يصلي فيه "


(1) الوسائل الباب 65 من صلاة الجماعة (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 25 من الاذان والاقامة .


[ 386 ]

وفي كتاب زيد النرسي عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا ادركت الجماعة وقد انصرف القوم ووجدت الامام مكانه واهل المسجد قبل ان يتفرقوا اجزأك اذانهم واقامتهم فاستفتح الصلاة لنفسك، وإذا وافيتهم وقد انصرفوا عن صلاتهم وهم جلوس اجزأ اقامة بغير اذان، وان وجدتهم وقد تفرقوا وخرج بعضهم من المسجد فاذن واقم لنفسك ". قال في المدارك: بعد ان اورد مستند للحكم المذكور رواية ابي بصير الثانية ورواية ابي علي: وعندي في هذا الحكم من اصله توقف لضعف مستنده باشتراك راوي الاولى بين الثقة والضعيف وجهالة راوي الثانية فلا يسوغ التعلق بهما. اقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة الواهية لان ضعف هذين الخبرين بناء على تسليم هذا الاصطلاح مجبور بعمل الطائفة بهما إذ لا راد لهذا الحكم ولا مخالف فيه، وقد سلم في غير موضع العمل بالخبر الضعيف المجور بعمل الاصحاب وان خالف في مواضع اخر كما في هذا الموضع، وقد عرفت ان هذين الخبرين معتضدان بغيرهما من الاخبار المذكورة. إلا انه قد ورد ايضا ما ظاهره المناقضة لهذه الاخبار في ما دلت عليه من سقوط الاذان في هذه الصورة: ومنها - ما رواه في الفقيه في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن الرجل ادرك الامام حين سلم ؟ قال عليه ان يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة " ورواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عمار مثله (3). وما رواه في الفقيه ايضا عن معاوية بن شريح (4) في حديث قال: " ومن


(1) مستدرك الوسائل الباب 22 من الاذان والاقامة (2) و (3) الوسائل الباب 25 من الاذان والاقامة (4) الوسائل الباب 65 من صلاة الجماعة


[ 387 ]

ادركه وقد رفع رأسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد ادرك الجماعة وليس عليه اذان ولا اقامة، ومن ادركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة ". والمحدث الكاشاني في الوافي حمل موثقة عمار على صورة التفرق، والظاهر بعده حيث انه اشتملت على انه ادركه حين سلم وتفرق الناس حين التسليم خلاف المعروف المعهود بين الناس والموظف شرعا من الجلوس للتعقيب ولو قليلا. وذكر ايضا - بعد نقل رواية معاوية بن شريح وانها رويت في التهذيب عارية عن هذه الزيادة - انه يحتمل ان تكون هذه الزيادة من كلام الصادق (عليه السلام) ويحتمل ان تكون من كلام الصدوق اقول: والظاهر حمل هذين الخبرين على الجواز على كراهية بمعنى حمل النهي في تلك الاخبار على الكراهة جمعا بين الاخبار - ولا ينافيه قوله في خبر ابي علي " ادفعه عن ذلك وامنعه اشد المنع " فانه محمول على تأكيد الكراهة، وبذلك يظهر ان السقوط هنا ليس كالسقوط في ما تقدم من تلك الصور التي وقع فيها الاختلاف.

بقى في المسألة فوائد يحسن التنبيه عليها لضرورة الرجوع إليها:

(الاولى) قال شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب الفقيه: لا يجوز جماعتان في مسجد في صلاة واحدة. ثم نقل حديث ابي علي المتقدم في صدر المسألة، وتبعه على هذا القول المحدث الكاشاني، وهو بناء منهما على ان قوله (عليه السلام) في آخر الخبر " لا يبدو لهم امام " بالواو أو " لا يبدر لهم امام " بالراء عوض الواو أو " لا يبدر بهم " على اختلاف النسخ في هذا الخبر بمعنى لا يظهر لهم امام وهو كناية عن عدم الصلاة جماعة، والمفهوم من كلام الاصحاب هو الجواز من غير خلاف ينقل في كلامهم لكن يراعى في الاذان والاقامة التفرق وعدمه كما دلت عليه الاخبار المتقدمة حتى اني لم اقف على ناقل لخلاف الصدوق هنا مع ان عبارته - كما ترى - صريحة في ذلك. وقال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: وإذا صلى في مسجد جماعة لا يجوز ان يصلى دفعة اخرى جماعة باذان واقامة. وظاهر هذه العبارة تحريم الاذان والاقامة للجماعة


[ 388 ]

الثانية ان خص النهي بالرجوع إلى القيد كما هو المشهور، وان رجع إلى القيد والمفيد كان فيه دلالة على تحريم الجماعة مرة ثانية مع الاذان والاقامة. والامران مشكلان، والشيخ في التهذيب بعد ان ذكر هذه العبارة اورد حديث ابي علي دليلا عليها، ثم قال بعد نقل الحديث بتمامه: والذي يدل على ما قلناه من انه لا يؤذن ولا يقيم متى ارادوا الجماعة ما رواه محمد بن احمد بن يحيى، ثم ساق رواية زيد بن علي المتقدمة. وحينئذ فمعنى آخر الخبر على ما فهمه الاصحاب انما هو لا يبدو لهم أو يبدر يعني باذان واقامة. وهذا الخبر وان كان مجملا في الدلالة على هذا المعنى إلا ان حديث زيد المذكور صريح في ذلك. وما ذكره المحدث الكاشاني في تأويله - حيث انه اختار مذهب الصدوق من حمله على الرخصة في خصوص الاثنين حيث انه مورد الخبر - بعيد غاية البعد. والاحتياط لا يخفى.

(الثانية) - قد علق اعادة الاذان في خبري ابي بصير على تفرق الصف فان تفرقوا اذن واقام، والتفرق يصدق بذهاب بعضهم وبقاء بعض، وحينئذ فيؤذن ويقيم في هذه الصورة ولا يترك الاذان والاقامة إلا مع بقائهم جميعا الذي هو مصداق عدم التفرق، وعلى هذا تلزم المنافاة لخبر ابي علي الدال على انه مع انصراف بعضهم وبقاء بعض فانه لا يؤذن ولا يقيم، فالواجب حمل التفرق في الخبرين المذكورين على انصراف الجميع وذهابهم كلهم جمعا بين الاخبار، فلو بقى بعضهم ولو واحدا كفى في سقوط الاذان وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني. ويمكن جعل المناط في سقوط الاذان بقاءهم كملا أو بقاء الاكثر وان ذهب الاقل. إلا ان ظاهر خبر زيد النرسي مما يؤيد ظاهر الخبرين المذكورين، فان الظاهر ان معناه هو انك إذا ادركت الجماعة وقد انصرف القوم اي فرغوا من الصلاة ووجدت الامام مكانه واهل المسجد لم يتفرقوا يعني لم يخرجوا من المسجد بل بقوا مشتغلين بالتعقيب والذكر فانه يجزئك اذانهم واقامتهم، وإذا وافيتهم وقد فرغوا من صلاتهم وهم جلوس لغير التعقيب بل لامور اخر فاقم بغير اذان، وان وجدتهم قد تفرقوا وخرج بعضهم من المسجد فاذن واقم. وهو غريب لا قائل به في ما اعلم.


[ 389 ]

وقال الشيخ في المبسوط: إذا اذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافيا لمن يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد ويجوز له ان يؤذن في ما بينه وبين نفسه وان لم يفعل فلا شئ عليه. وظاهر كلامه يؤذن باستحباب الاذان سرا وان السقوط عام يشمل التفرق وعدمه وهو خلاف ظاهر الاخبار المتقدمة.

(الثالثة) - هل يكون الحكم هنا مقصورا على المسجد أو عام له ولغيره ؟ وجهان بل قولان اختار اولهما المحقق في المعتبر والنافع والشهيد الثاني واختاره في المدارك عملا بمدلول ظالروايتين، قال: ويجوز ان تكون الحكمة في السقوط مراعاة جانب امام المسجد الراتب بترك ما يحث على الاجتماع ثانيا. وقال في الذكرى: الاقرب انه لا فرق بين المسجد وغيره وذكره في الرواية على الاغلب. اقول: لا يخفى ان اكثر اخبار المسألة المتقدمة قد اشتملت على المسجد وما اطلق منها فالظاهر حمله عليه لان الاحكام الشرعية انما تبنى على الغالب المتكرر ولا ريب ان صلاة الجماعة انما تكرر وتعاد في المساجد ووقوعها نادرا لعلة في بعض المواضع لا يقدح، وحينئذ فإذا كان مورد النصوص المسجد فالخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل. وبالجملة فانه يقتصر في ترك ما علم ثبوته واستحبابه بالادلة القاطعة على الموضع المتيقن.

(الرابعة) - الظاهر شمول الحكم للجامع والمنفرد كما هو ظاهر كلام الاصحاب ونقل عن ابن حمزة انه خصه بالجماعة وهو ناشئ عن الغفلة عن مراجعة الاخبار التي قدمناها فانها صريحة في المنفرد.

(الخامسة) - هل يختص الحكم بالفريضة المؤداة أو يعم ما لو دخل الداخل واراد ان يصلي قضاء ؟ اشكال ينشأ من ان اطلاق النصوص بصلاة الداخل شامل للاداء والقضاء، ومن ان قرائن الحال من قصد المسجد والمسارعة إلى الدخول مع الامام ونحو ذلك انما ينصرف إلى الاداء. ولم اقف على تصريح لاحد من الاصحاب بذلك.

(المسألة التاسعة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في انه لو اذن المنفرد


[ 390 ]

ثم اراد الصلاة جماعة فانه يعيد اذانه واقامته. ويدل على ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجيئ رجل آخر فيقول له نصلي جماعة هل يجوز ان يصليا بذلك الاذان والاقامة ؟ قال لا ولكن يؤذن ويقيم " ورواه الكليني مثله (2). وطعن في المعتبر ومثله في المدارك في الرواية بضعف السند لان رواتها فطحية لكن قال في المعتبر مضمونها استحباب تكرار الاذان والاقامة وهو ذكر الله وذكر الله حسن، ثم استقرب الاجتزاء بالاذان والاقامة وان نوى الانفراد، وايد ذلك بما رواه صالح بن عقبة عن ابي مريم الانصاري (3) قال: " صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة فلما انصرف قلت له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة ؟ فقال ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي ازار ولا رداء، واني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فلم اتكلم فاجزأني ذلك " قال وإذا اجتزأ باذان غيره مع الانفراد فباذانه اولى. انتهى. وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور والاستدلال بالرواية المذكورة ما صورته: وبها افتى الاصحاب ولا راد لها سوى الشيخ نجم الدين فانه ضعف سندها بانهم فطحية وقرب الاجتزاء بالاذان والاقامة اولا لانه قد ثبت جواز اجتزائه باذان غيره فباذان نفسه اولى. قلت ضعف السند لا يضر مع الشهرة في العمل والتلقي بالقبول والاجتزاء باذان غيره لكونه صادف نية السامع للجماعة فكأنه اذن للجماعة بخلاف الناوي باذانه الانفراد. قال في المدارك: بعد ان نقل ملخص هذا الكلام عن الذكرى: ويشكل بما


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من الاذان والاقامة (3) التهذيب ج 1 ص 216 وفي الوسائل الباب 30 من الاذان والاقامة


[ 391 ]

بيناه مرارا من ان مثل هذه الشهرة لا تقتضي تسويغ العمل بالخبر الضعيف، وان ظاهر الخبر ترتب الاجزاء على سماع الاذان من غير مدخلية لما عدا ذلك فيه، إلى ان قال والمعتمد الاجتزاء بالاذان المتقدم كما اختاره في المعتبر وان كانت الاعادة اولى. انتهى اقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة الواهية التي هي لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهية. والكلام في هذا المقام اما بالنسبة إلى صاحب المعتبر ففيه (اولا) انه قد صرح في صدر كتابه وجعله من المقدمات لمثل هذ الاحكام والاصول التي يجب البناء عليها في كل مقام بما صورته: قد افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا إلى كل خبر وما فطنوا إلى ما تحته من التناقض فان من جملة الاخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " ستكثر بعدي الفالة على " وقول الصادق (عليه السلام) (2) " ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه " واقتصر بعض عن هذا الافراط فقال كل سليم السند يعمل به وما علم ان الكاذب قد يصدق وما تنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب إذ لا مصنف إلا وهو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، وافرط آخرون في رد الخبر حتى احال استعماله عقلا ونقلا... إلى ان قال وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن والتوسط اقرب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به وما اعرض الاصحاب عنه أو شذ وجب اطراحه، ثم استدل على ذلك بادلة من احب الوقوف عليها فليرجع إلى الكتاب المذكور. فانظر ايدك الله تعالى إلى خروجه في هذا المقام عما قدمه وجعله اساسا لجملة الاحكام فان الخبر المذكور لا راد له من الاصحاب قبله كما سمعته من كلام شيخنا الشهيد فكيف استجاز هذا التناقض في كتابه. و (ثانيا) انه قد اعتمد على الاخبار الموثقة في غير مقام من كتابه: منها - في باب غسل النفاس فانه قال بعد نقل موثقة لعمار المذكور هنا ما صورته: وهذه وان كان


(1) و (2) البحار ج 1 ص 137 و 139


[ 392 ]

سندها فطحية لكنهم ثقات في النقل. وقال بعد نقل رواية عن السكوني: والسكوني عامي لكنه ثقة. فانظر إلى هذا الاضطراب في كلامه و (ثالثا) انه من العجب طعنه في موثقة عمار واعتضاده برواية ابي مريم وهي في الضعف إلى حد لا نهاية له - كما صرح به في المدارك - بصالح بن عقبة، قال فقد قيل انه كان كذابا غاليا لا يلتفت إليه. انتهى. واما بالنسبة إلى صاحب المدارك فهو ايضا كذلك واعظم من ذلك لتصريحه في غير موضع من كتابه بموافقة الاصحاب في مثل هذا الباب، واستشكاله بعد نقل كلام الذكرى - بقوله انه قد بين مرارا ان مثل هذه الشهرة لا تقتضي تسويغ العمل بالخبر الضعيف - مردود بما قلناه حيث قال - في مسألة ما إذا ادرك الطهارة وركعة من الوقت بعد ايراد بعض الاخبار الضعيفة دليلا على ذلك - ما صورته: وهذه الروايات وان ضعف سندها إلا عمل الطائفة عليها ولا معارض لها فينبغي العمل عليها. وقال في مسألة غسل التوبة نقلا عن المحقق في المعتبر بعد ذكر رواية مرسلة باستحباب الغسل والطعن فيها - ما صورته: والمعتمد فتوى الاصحاب منضما إلى ان الغسل خير... الخ. وجمد عليه. وقال في مسألة غسل المولود بعد ان نقل رواية سماعة الدالة على ان غسل المولود واجب: والمعتمد الاستحباب. مع انه لا دليل عليه وراء الرواية إلا عمل الاصحاب حيث ان المشهور الاستحباب. وقال في مسألة جواز غسل الجمعة يوم الخميس بعد نقل بعض الروايات الضعيفة: ولو لا ما اشتهر من التسامح في ادلة السنن لامكن المناقشة في هذا الحكم. مع انه رد هذه الشهرة في صدر الكتاب فقال: وما قيل من ان ادلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لان الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الاحكام. وقال - بعد نقل مرسلة ابن ابي عمير الواردة في ضبط الكر بالف وماتى رطل بعد ما نقل عن المعتبر ان على هذا عمل الاصحاب - ما صورته: وظاهره اتفاق الاصحاب على العمل بمضمونها فيكون الاجماع جابرا لارسالها. انتهى.


[ 393 ]

وتستره في هذه العبارات في جبر الخبر الضعيف بالاجماع دون الشهرة وفرقه بين الامرين مما لا يسمن ولا يغني من جوع، فانه لا مدعى للاجماع في هذه المواضع التي اشرنا إليها مما اعتمدوا فيها على تلك الاخبار الضعيفة وانما المدعى شهرة العمل بها وعدم وجود الراد لها والمخالف فيها، فتسميته له - في بعض المواضع التي يضطر إلى العمل بها اجماعا ويجعله جابرا لضعف الخبر وفي الموضع الذي لا يرتضيه شهرة ويمنع كونه جابرا لضعفه - ترجيح من غير مرجح ناشى مما ذكرناه في غير موضع مما تقدم من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب من الصلاح. على ان الاجماع عنده ليس بدليل شرعي كما اشار إليه في صدر كتابه وذكر انه صنف رسالة في رده وان استسلقه تأييدا في بعض المواضع فكيف جاز له الاعتماد عليه في جبر الخبر الضعيف ؟ هذا. واما ما ذكره في المعتبر - ومثله جمود السيد عليه في كتابه من تأييد ما ذكراه برواية ابي مريم الانصاري - ففيه (اولا) انه لا يخرج عن القياس لان المدعى الاجتزاء باذان الانسان نفسه متى اذن بنية الانفراد ومورد الرواية الاجتزاء باذان الغير، وكونه مفهوم اولوية لا يخرجه عن القياس كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. و (ثانيا) ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) من الفرق. وما اجاب به في المدارك - من ان الظاهر ترتب الاجزاء على سماع الاذان وعدم مدخلية لما عدا ذلك - مردود بانه لا ريب ان ظاهر سياق الخبر ان الباقر (عليه السلام) حين سماعه لاذان جعفر (عليه السلام) واقامته كان قاصدا إلى الجماعة لقوله في الاعتذار إلى المأمومين عن ترك الاذان والاقامة " اني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم " يعني في حال خروجه قاصدا إلى المكان الذي فيه الجماعة، فظاهر الخبر يدل على مدخلية قصد الجماعة كما ذكره شيخنا المذكور. واما قوله في المدارك: " والمعتمد الاجتزاء بالاذان المتقدم كما اختاره في المعتبر " فقد ظهر لك بما ذكرناه انه غير معتمد ولا معتبر، ونزيده بانه متى ثبت استحباب الاذان.


[ 394 ]

للجماعة وتأكده فيها بالاخبار حتى قيل بوجوبه كما عرفت فسقوطه في موضع من المواضع يحتاج إلى دليل واضح وبرهان لائح سيما مع ورود الموثقة المذكورة بتأييد عموم تلك الاخبار. واما رواية ابي مريم فهي مع ضعف سندها عنده كما صرح به لا دلالة فيها على المدعى، فباي دليل استجاز الخروج عن مقتضى الاستحباب والتأكيد في تلك الاخبار ؟ ما هذه إلا مجازفات ظاهرة ومناقشات قاصرة، ولله در الفاضل الخراساني في الذخيرة في هذا المقام مع متابعته لصاحب المدارك في جل الاحكام حيث عدل عنه هنا وصرح باختيار القول المشهور. والله العالم.

(المقام الثالث) - في كيفية الاذان والاقامة وفيه ايضا مسائل:

(الاولى) - لا خلاف بين الاصحاب انه في غير الصبح لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت واما في الصبح فالمشهور الرخصة في تقديمه قبل الصبح ثم اعادته بعد طلوع الصبح، قال ابن ابي عقيل. الاذان عند آل الرسول (صلوات الله عليهم) للصلوات الخمس بعد دخول وقتها إلا الصبح فانه جائز ان يؤذن لها قبل دخول وقتها، بذلك تواترت الاخبار عنهم (عليهم السلام) (1) وقالوا " كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤذنان احدهما بلال والآخر ابن ام مكتوم وكان اعمى وكان يؤذن قبل الفجر ويؤذن بلال إذا طلع الفجر وكان (صلى الله عليه وآله) يقول إذا سمعتم اذان بلال فكفوا عن الطعام والشراب ". ومنع ابن ادريس من تقديمه في الصبح ايضا وهو اختيار المرتضى في المسائل الناصرية، ونقل عن ابن الجنيد وابي الصلاح والجعفي، قال السيد (رضى الله عنه) في الكتاب المذكور: قد اختلفت الرواية عندنا في هذه المسألة فروى انه لا يجوز الاذان لصلاة قبل دخول وقتها على كل حال، وروى انه يجوز ذلك في صلاة الفجر خاصة (2) وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري لا يؤذن للفجر حتى يطلع الفجر، وقال مالك وابو يوسف


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة


[ 395 ]

والاوزاعي والشافعي يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر (1) والدليل على صحة مذهبنا ان الاذان دعاء إلى الصلاة وعلم على حضورها فلا يجوز قبل وقتها لانه وضع للشئ في غير موضعه، وايضا ما روى (2) " ان بلالا اذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي (صلى الله عليه وآله) ان يعيد الاذان " وروى عياض بن عامر عن بلال (3) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له لا توذن حتى يستبين لك الفجر هكذا " ومد يديه عرضا. قال في المختلف بعد نقله: والجواب المنع من حصر فائدة الاذان في اعلام وقت الصلاة بل قد ذكرنا له فوائد قبل طلوع الفجر، قال المفيد (قدس سره) الاذان الاول لتنبيه النائم وتأهبه لصلاته بالطهور ونظر الجنب في طهارته ثم يعاد بعد الفجر ولا يقتصر على ما تقدم، إذا ذاك لسبب غير الدخول في الصلاة وهذا للدخول فيها. وعن الحديث الثاني بانا نقول بموجبه إذ يستحب للمؤذن اعادة اذانه بعد الفجر. وعن الثالث بانه (صلى الله عليه وآله) امره بذلك لان ابن ام مكتوم كان يؤذن قبل الفجر فجعل اذان بلال علامة على طلوعه. انتهى. اقول: ومما يدل على القوم المشهور زيادة على ما ذكره ابن ابي عقيل ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عمران بن علي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاذان قبل الفجر فقال إذا كان في جماعة فلا وإذا كان وحده فلا بأس ". وروى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " قلت له ان لنا مؤذنا يؤذن بليل ؟ فقال اما ان ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة واما السنة فانه ينادى مع طلوع الفجر ولا يكون بين الاذان والاقامة إلا الركعتان ".


(1) عمدة القارئ ج 2 ص 650 (2) سنن البيهقي ج 1 ص 383 (3) سنن ابي داود 1 ص 211 والرواي فيه شداد مولى عياض (4) و (5) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة


[ 396 ]

وعن ابن سنان (1) قال (سألته عن النداء قبل طلوع الفجر ؟ فقال لا بأس واما السنة فمع الفجر وان ذلك لينفع الجيران يعني قبل الفجر). وروى الصدوق عن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: (لا تنتظر باذانك واقامتك إلا دخول وقت الصلاة واحدر اقامتك حدرا. قال وكان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤذنان احدهما بلال والاخر ابن ام مكتوم وكان ابن ام مكتوم اعمى وكان يؤذن قبل الصبح وكان بلال يؤذن بعد الصبح فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ان ابن ام مكتوم يؤذن بليل فإذا سمعتم اذانه فكلوا اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال. فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته وقالوا انه (صلى الله عليه وآله) قال ان بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم اذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا اذان ابن ام مكتوم). اقول: قد نقل صاحب الوسائل الحديث المذكور كما نقلناه وظاهره حمل قوله: (فغيرت العامة هذا الحديث... الخ) على انه من قول الامام (عليه السلام) والاقرب انه من كلام الصدوق كما هي عادته في ادخال كلامه في الاخبار على وجه يحصل به الالتباس كما في هذا الموضع، وهو ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى فانه نسب هذه الزيادة إلى الصدوق. وروى ثقة الاسلام في الصحيح وبسند آخر في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (كان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله) وابن ام مكتوم - وكان اعمى - يؤذن بليل ويؤذن بلال حين يطلع الفجر). وعن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (كان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله) وابن ام مكتوم - وكان اعمى - يؤذن بليل ويؤذن بلال حين يطلع الفجر). وعن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال هذا ابن ام مكتوم وهو يؤذن بليل فإذا اذن بلال فعند ذلك فامسك). اقول: والى هذه الاخبار اشار ابن ابي عقيل بتواتر الاخبار وهي - كما ترى -


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة


[ 397 ]

واضحة الدلالة في المدعى إلا ان من شأن السيد وابن ادريس الاعتماد على الادلة العقلية بزعمهما وعدم مراجعة الادلة السمعية كما لا يخفى على المتتبع لكلامهما العارف بقواعدهما، ولا سيما المرتضى (رضي الله عنه) كما تصفحت جملة من كتبه فانه في مقام الاستدلال على الاحكام التي يذكرها انما يورد ادلة عقلية ولا يلم بالاخبار بالكلية. إلا هنا جملة من الروايات الدالة على مذهب المرتضى (رضي الله عنه) ومن تبعه نقلها شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب زيد النرسي: منها - عن ابي الحسن (عليه السلام) " انه سمع الاذان قبل طلوع الفجر فقال شيطان ثم سمعه عند طلوع الفجر فقال الاذان حقا ". ومنها - عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: " سألته عن الاذان قبل طلوع الفجر فقال لا انما الاذان عند طلوع الفجر اول ما يطلع. قلت فان كان يريد ان يؤذن الناس بالصلاة وينبههم ؟ قال فلا يؤذن ولكن ليقل وينادى ب‍ " الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم " يقولها مرارا وإذا طلع الفجر فلم يكن بينه وبين ان يقيم إلا جلسة خفيفة بقدر الشهادتين واخف من ذلك ". ومنها - ايضا عن ابي الحسن (عليه السلام) قال " الصلاة خير من النوم بدعة بني امية وليس ذلك من اصل الاذان ولا بأس إذا اراد الرجل ان ينبه الناس للصلاة ان ينادي بذلك ولا يجعله من اصل الاذان فانا لا نراه اذانا ". اقول: وكان الاولى بمن ذهب إلى القول المذكور الاستناد إلى هذه الاخبار إلا ان صحة الكتاب المذكور والاعتماد عليه محل اشكال. وكيف كان فالظاهر ان هذه الاخبار لا تبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار المعتضدة بعمل اكثر الاصحاب وروايتها في الاصول المعتمدة، ولا يبعد خروج هذه الاخبار مخرج التقية فانه مذهب ابي حنيفة واتباعه كما تقدم ذكره (2).


(1) ج 18 الصلاة ص 179 (2) ص 394


[ 398 ]

فروع قال في الذكرى: لا حد لهذا التقديم عندنا بل ما قارب الفجر، وتقديره بسدس الليل أو نصفه تحكم وروى (1) " انه كان بين اذاني بلال وابن ام مكتوم نزول هذا وصعود هذا " وينبغي ان يجعل ضابطا في التقديم ليعتمد عليه الناس. ولا فرق بين رمضان وغيره في التقديم. ولا يشترط في التقديم مؤذنان فلو كان واحدا جاز له تقديمه نعم يستحب له اعادته بعده ليعلم بالاول قرب الوقت وبالثاني دخولا لئلا يتوهم طلوع الفجر بالاول.

(المسألة الثانية) - قد اختلفت الاخبار وكذا كلمة الاصحاب في عدد فصول الاذان والاقامة، والمشهور ان فصول الاذان ثمانية عشر فصلا: التكبير اولا اربعا ثم الشهادة بالتوحيد ثم الشهادة بالرسالة ثم (حى على الصلاة) ثم (حي على الفلاح) ثم (حي على خير العمل) ثم التكبير ثم التهليل مرتين في كل منهما. واما الاقامة فهي سبعة عشر باسقاط تكبيرتين من الاربع التي في الاذان وزيادة عوضهما (قد قامت الصلاة) مرتين قبل التكبير الاخير والاقتصار في التهليل على مرة في الآخر. قال في المعتبر: وفصوله على اشهر الروايات خمسة وثلاثون فصلا: الاذان ثمانية عشر والاقامة سبعة عشر، وهو مذهب السبعة من وليهم. وقال في المنتهى ذهب إليه علماؤنا ونقل ابن زهرة اجماع الفرقة عليه. وحكى الشيخ في الخلاف عن بعض الاصحاب انه جعل فصول الاقامة مثل فصول الاذان وزاد فيها (قد قامت الصلاة) مرتين. وقال ابن الجنيد التهليل في آخر الاقامة مرة واحدة إذا كان المقيم قد اتى بها بعد الاذان فان كان قد اتى بها بغير اذان ثنى (لا إله إلا الله) في آخرها. وقال الشيخ في النهاية بعد ما ذكر الاذان والاقامة كما هو المشهور: هذا الذي ذكرناه هو المختار المعمول عليه، وقد روى سبعة وثلاثون فصلا


(1) سنن البيهقى ج 1 ص 382


[ 399 ]

في بعض الروايات وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلا وفي بعضها اثنان واربعون فصلا، فاما من روى سبعة وثلاثين فصلا فانه يقول في اول الاقامة اربع مرات (الله اكبر) ويقول في الباقي كما قدمناه، ومن روى ثمانية وثلاثين فصلا يضيف إلى ما قدمناه قول (لا إله إلا الله) مرة اخرى في آخر الاقامة، ومن روى اثنين واربعين فصلا فانه يجعل في آخر الاذان التكبير اربع مرات وفي اول الاقامة اربع مرات وفي آخرها ايضا مثل ذلك اربع مرات ويقول (لا إله إلا الله) مرتين في آخر الاقامة. فان عمل عامل على احدى هذه الروايات لم يكن مأثوما. انتهى. وظاهره التخيير في جميع ما ورد والجمع بين الاخبار بذلك. واما الاخبار الواردة في المسألة فمنها - ما رواه ثقة الاسلام عن اسماعيل الجعفي (1) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول الاذان والاقامة خمسة وثلاثون حرفا فعد ذلك بيده واحدا واحدا: الاذان ثمانية عشر حرفا والاقامة سبعة عشر حرفا " وهذه الرواية انما تنطبق على القول المشهور في عدد الفصول في كل منهما إلا انها مجملة في بيان الفصول وعدم معلوميه النقص والزيادة. ويؤيدها بالنسبة إلى عدد فصول الاذان وبيان الاجمال الذي فيه جملة من الروايات الآتية المشتملة على هذا العدد في فصول معينة وهي التكبير اربعا والشهادة بالتوحيد والرسالة... إلى آخر الفصول المذكورة فيها مرتين مرتين في الجميع. ولكن ينافيها بعض الاخبار الاتية الدالة على تثنية التكبير في الاول. واما بالنسبة إلى الاقامة فاكثر الاخبار قد دل على التثنية في الفصول المتوسطة وانما الاشكال في التكبير في اولها والتهليل في آخرها فان الاخبار قد اضطربت فيه، وحينئذ فمتى دل الخبر المذكور على انها سبعة عشر فصلا مع ما عرفت من تثنية الفصول المتوسطة وعدم الاشكال فيها فهذا العدد لا يتم إلا بجعل التكبير مرتين في اولها والتهليل


(1) الوسائل الباب 19 من الاذان والاقامة


[ 400 ]

مرة واحدة في آخرها وإلا فلو جعل التكبير اربعا كما تدل عليه الاخبار الآتية زاد العدد على السبعة عشر سيما إذا ثنى التهليل في آخرها فانها تصير عشرين فصلا. وبالجملة فانك متى لا حظت هذا العدد وضممت إليه دلالة الاخبار على تثنية الفصول المتوسطة وانما الخلاف في الطرفين وان هذا العدد لا يتجه ولا يحصل إلا بتثنية التكبير في الاول ووحدة التهليل في الآخر - ظهر لك صحة ما ذكرناه. ويعضد ذلك شهرة العمل بها بين الاصحاب حتى ادع عليه الاجماع كما عرفت. والشهرة وان لم تكن عندنا دليلا شرعيا لكنها مؤيدة. ويؤيد ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاذ بن كثير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقى على الامام آية أو آيتان فخشى ان هو اذن واقام ان يركع فليقل قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله " فانها ظاهرة في تخصيص النقص في تلك الرواية من بين سائر فصول الاقامة بالتهليل، إذ الظاهر من هذه الرواية هو الاكتفاء عن الاقامة - عند ضيق الوقت عن الاتيان بها كملا. حيث قد عرفت سابقا ان الظاهر من الاخبار عدم جواز الاخلال بها في الصلاة بهذه الفصول الثلاثة الاخيرة منها. ويؤيده ايضا ما في كتاب فقه الرضا (عليه السلام) (2) من وحدة التهليل في آخر الاقامة وان كان قد جعل التكبير في اولها اربعا فجعل فصولها تسعة عشر. وما في كتاب دعائم الاسلام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " الاذان والاقامة مثنى مثنى وتفرد الشهادة في آخر الاقامة تقول (لا إله إلا الله) مرة واحدة " وهذه الرواية منطبقة على المشهور بالنسبة إلى الاقامة. والكتاب المذكور وان كانت اخباره تقصر عن اثبات الاحكام الشرعية لعدم شهرة الاعتماد عليه لكنها لا تقصر عن التأييد.


(1) الوسائل الباب 34 من الاذان والاقامة (2) البحار ج 18 الصلاة ص 172 (3) مستدرك الوسائل الباب 18 من الاذان والاقامة


[ 401 ]

ومنها - ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الصحيح عن صفوان الجمال (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول الاذان مثنى مثنى والاقامة مثنى مثنى ". وما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " قال يا زرارة تفتتح الاذان ؟ باربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وبتهليلتين " وهذه الرواية موافقة للمشهور في الاذان. وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاذان قال تقول محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح حي على خير العمل حي على خير العمل الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله لا إله إلا الله ". وهذه الرواية مخالفة للقول المشهور من حيث نقص التكبيرتين من اول الاذان، وحملها الشيخ على انه قصد افهام السائل كيفية التلفظ بالتكبير وكان معلوما ان التكبير في اول الاذان اربع مرات. وحمله غيره على الاجزاء وبقية الاحاديث على الافضلية، قيل ولذلك استقر عليه عمل الشيعة. وما رواه عن المعلى بن خنيس (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يؤذن فقال الله اكبر الله اكبر الله اكبر اشهد ان لا إله إلا لله اشهد ان لا إله إلا الله... " وذكر ما في حديث عبد الله بن سنان المذكور. اقول: وهو منطبق على المشهور بالنسبة إلى الاذان. وما رواه الشيخ في التهذيب عن زرارة والفضيل بن يسار عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه وآله) فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فاذن جبرئيل (عليه السلام) واقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 19 من الاذن والاقامة


[ 402 ]

وآله) وصف الملائكة والنبيون خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فقلنا له كيف اذن ؟ فقال الله اكبر الله اكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله إلا الله... " ثم ساق الاذان كما في الحديثين المتقدمين. ثم قال " والاقامة مثلها إلا ان فيه (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) بين (حي على خير العمل حي على خير العمل) وبين (الله اكبر) فامر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلالا فلم يزل يؤذن بها حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله " اقول: هذا الخبر مخالف للقول المشهور في الاذان بنقصان تكبيرتين من اوله وفي الاقامة بزيادة تهليل في آخرها. وما رواه الصدوق باسناده عن ابي بكر الحضرمي وكليب الاسدي جميعا - ورواه الشيخ عنهما ايضا - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انه حكى لهما الاذان قال الله اكبر الله اكبر الله اكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله الا الله اشهد ان محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح حي على خير العمل حي على خير العمل الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله لا إله إلا الله، والاقامة كذلك ".

اقول: وهذا الخبر موافق للمشهور في الاذان ومخالف له في الاقامة من جهات ثلاث: (احداها) زيادة تكبيرتين في الاول (الثانية) ترك (قد قامت الصلاة) بالكلية (الثالثة) زيادة تهليل في الآخر، فهو اشد الاخبار مخالفة فيها. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاظهر عندي ان منشأ هذا الاختلاف انما هو التقية لا بمعنى قول العامة بذلك بل التقية بالمعنى الذي قدمناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، ولكن الامر مجهول في تعيينه في اي منها والاظهر هو الجواز بكل ما وردت به الروايات لاذنهم (عليهم السلام) وتوسيعهم في العمل الرد إلى العام من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وان كان المشهور لا يخلو من قوة لما ذكرناه


(1) الوسائل الباب 19 من الاذان والقامة


[ 403 ]

في صدر الكلام. والله العالم.

وفى المقام فوائد:

(الاولى) قال شيخنا الصدوق في الفقيه بعد نقل خبر ابي بكر الحضرمي وكليب الاسدي: قال مصنف هذا الكتاب هذا هو الاذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص منه والمفوضة (لعنهم الله) قد وضعوا اخبارا وزادوا في الاذان " محمد وآل محمد خير البرية " مرتين وفي بعض رواياتهم بعد " اشهد ان محمدا رسول الله " " اشهد ان عليا ولي الله " مرتين ومنهم من روى بدل ذلك " اشهد ان عليا امير المؤمنين حقا " مرتين، ولا شك في ان عليا ولي الله وانه امير المؤمنين حقا وان محمدا وآل محمد (صلوات الله عليهم) خير البرية ولكن ليس ذلك في اصل الاذان. وانما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون انفسهم في جملتنا. انتهى. اقول: ظاهر قوله " هذا هو الاذان الصحيح " من غير اشارة إلى الاقامة مع تضمن الخبر لها يومئ إلى ان مذهبه في الاقامة ليس كما دل عيه الخبر، فقول شيخنا في البحار - بعد ان نقل عنه في الهداية انه صرح بتثنية التهليل في آخر الاقامة، إلى ان قال بعد نقل كلام الصدوق المذكور: وظاهره العمل بهذا الخبر في الاقامة ايضا - لا يخفى ما فيه فانه - كما ترى - انما حكم بصحة الاذان ولم يتعرض لذكر الاقامة في هذا الكلام، وهذا مما يومئ إلى توقفه في الاقامة وانها ليست كذلك لا إلى ان مذهبه ان الاقامة كذلك. ثم ان ما ذكره (قدس سره) من قوله: " والمفوضة لعنهم الله... الخ " ففيه ما ذكره شيخنا في البحار حيث قال - ونعم ما قال - اقول لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبة للاذان لشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الاخبار بها، قال الشيخ في المبسوط: واما قول " اشهد ان عليا امير المؤمنين وآل محمد خير البرية) على ما ورد في شواذ الاخبار فليس بمعمول عليه في الاذان ولو فعله الانسان لم يأثم به غير انه ليس من فضيلة الاذان ولا كمال فصوله. وقال في النهاية: فاما ما روي


[ 404 ]

في شواذ الاخبار من قول " ان عليا ولي الله وان محمدا وآله خير البشر " فمما لا يعمل عليه في الاذان والاقامة فمن عمل به كان مخطئا. وقال في المنتهى: واما ما روى في الشاذ من قول " ان عليا ولي الله ومحمد وآل محمد خير البرية " فمما لا يعول عليه. ويؤيده ما رواه الشيخ احمد بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن القاسم بن معاوية (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) هؤلاء يروون حديثا في معراجهم انه لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى على العرش (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر الصديق) فقال سبحان الله غيروا كل شئ حتى هذا ؟ قلت نعم. قال ان الله عزوجل لما خلق العرش كتب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله علي امير المؤمنين عليه السلام) ثم ذكر (عليه السلام) كتابة ذلك على الماء والكرسي واللوح وجبهة اسرافيل وجناحي جبرئيل واكناف السموات والارضين ورؤوس الجبال والشمس والقمر، ثم قال (عليه السلام) فإذا قال احدكم لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليقل علي امير المؤمنين " فيدل على استحباب ذلك عموما والاذان من تلك المواضع، وقد مر امثال ذلك في ابواب مناقبه (عليه السلام) ولو قاله المؤذن أو المقيم لا بقصد الجزئية بل بقصد البركة لم يكن آثما فان القوم جوزوا الكلام في اثنائهما مطلقا وهذا من اشرف الادعية والاذكار. انتهى. وهو جيد اقول: اراد بالمفوضة هنا القائلين بان الله عزوجل فوض خلق الدنيا إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) والمشهور بهذا الاسم انما هم المعتزلة القائلون بان الله عزوجل فوض إلى العباد ما يأتون به من خير وشر.

(الثانية) - قد صرح جملة من الاصحاب بان الاذان والاقامة يقصران مع العذر وفي السفر، وقال ابن الجنيد إذا افرد الاقامة من الاذان ثنى (لا إله إلا الله) في آخرها وان اتى بها معه فواحدة، وقال لا بأس للمسافر ان يفرد كلمات الاقامة مرة مرة


(1) البحار ج 18 الصلاة ص 162


[ 405 ]

إلا التكبير في اولها فانه مرتان. اقول: روى الشيخ في الصحيح عن ابي عبيدة الحذاء (1) قال: " رأيت ابا جعفر (عليه السلام) يكبر واحدة واحدة في الاذان فقلت له لم تكبر واحدة واحدة ؟ فقال لا بأس به إذا كنت مستعجلا ". وعن بريد بن معاوية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " الاذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة الاذان واحدا واحدا والاقامة واحدة واحدة ". وعن نعمان الرازي (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول يجزئك من الاقامة طاق طاق في السفر ". وعن بريد مولى الحكم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول لان اقيم مثنى مثنى احب إلى من ان اؤذن واقيم واحدا واحدا " اقول: يعنى الاكتفاء بالاقامة على وجهها عن الاذان احب إليه من الاتيان بهما على جهة التقصير. وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " الاقامة مرة مرة إلا قول (الله اكبر الله اكبر) فانه مرتان " وهذا الخبر ظاهر في ما تقدم نقله عن ابن الجنيد لكنه خص التكبير بالاول وظاهر الخبر الاطلاق فيشمل الاول والاخير.

(الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في اشتراط الترتيب بين الاذان والاقامة وبين فصول كل منهما لانها عبادة شرعية مبنية على التوقيف فالواجب الاتيان بها على الوجه الذي ورد به الامر وبدونه لا يكون مجزئا. ويدل على ذلك مضافا إلى ما ذكرنا ما رواه ثقة الاسلام عن زرارة في الصحيح


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 21 من الاذان والاقامة (4) الوسائل الباب 20 من الاذان والاقامة


[ 406 ]

عن ابي عبد الله (عليه السلام قال) (1): " من سها في الاذان فقدم أو اخر أعاد على الاول الذي اخره حتى يمضي على آخره " ورواه الشيخ عن زرارة في الصحيح مثله (2) وعن عمار الساباطي في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) أو سمعته يقول ان نسى الرجل حرفا من الاذان حتى يأخذ في الاقامة فليمض في الاقامة فليس عليه شئ فان نسى حرفا من الاقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الاقامة... الحديث ". وروى الصدوق (نور الله مرقده) في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) تابع بين الوضوء... إلى ان قال وكذلك في الاذان والاقامة فابدأ بالاول فالاول، فان قلت " حي على الصلاة " قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت حي على الصلاة ". وعن عمار الساباطي في الموثق (5) " انه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى من الاذان حرفا فذكره حين فرغ من الاذان والاقامة ؟ قال يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله وليقل من ذلك الحرف إلى آخره ولا يعيد الاذان كله ولا الاقامة ". وروى عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الرجل يخطئ في اذانه واقامته قبل ان يقوم في الصلاة ما حاله ؟ قال ان كان اخطأ في اذانه مضى على صلاته وان كان في اقامته انصرف واعادها وحدها وان ذكر بعد الفراغ من ركعة أو ركعتين مضى على صلاته واجزأه ذلك ". اقول: ما اشتمل عليه موثق عمار الاول - من انه متى نسى حرفا من الاذان حتى اخذ في الاقامة فانه يمضي في الاقامة - محمول على الرخصة بخلاف الاقامة فانه لا رخصة في المضي ما لم يدخل في الصلاة بل يرجع ويرتب وهو من قبيل ما تقدم من الفروق بين الاذان والاقامة، ويؤكده خبر الحميري المذكور هنا. واما ما اشتمل عليه موثق عمار الثاني من الرجوع


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 33 من الاذان والاقامة


[ 407 ]

إلى الحرف الذي نسيه ثم يرتب عليه ما بعده فانه مبني على ما هو الاصل في الحكم المذكور فلا منافاة. ومعنى اشتراط الترتيب بينهما وفيهما عدم اعتبارهما بدونه فلا يعتد بهما في الجماعة ويأثم لو اعتقدهما اذانا واقامة وغير ذلك مما يترتب على صحتهما. وقد علم من الروايات المذكورة انه لا فرق في عدم الاعتداد بغير المرتب بين كون فعله عمدا أو سهوا لان الترتيب شرط والمشروط عدم عنه عدم شرطه كالطهارة إلا ما خرج بدليل. والله العالم.

(الرابعة) - يجوز الاقتصار على الاقامة بغير اذان جماعة وفرادى لعذر كان أو غيره كما تكاثرت به الاخبار: ومنها - ما رواه الصدوق عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (1) في الصحيح قال: " يجزئ في السفر اقامة بغير اذان ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يجزئه في السفر والحضر اقامة ليس معها اذان ؟ قال نعم لا بأس به " وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " يجزئك إذا خلوت في بيتك اقامة واحدة بغير اذان ". وعن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (4) " انه كان إذا صلى وحده في البيت اقام اقامة ولم يؤذن ". وعن محمد بن مسلم والفضيل بن يسار عن احدهما (عليهما السلام) (5) قال: " يجزئك اقامة في السفر ". وعن الحسن بن زياد (6) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن علي بن رئاب في الصحيح (7) قال: " سألت


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 5 من الاذان والاقامة


[ 408 ]

ابا عبد الله (عليه السلام) قلت تحضر الصلاة ونحن مجتمعون في مكان واحد أتجزئنا اقامة بغير اذان ؟ قال نعم ". اقول: والاصل في هذه الاخبار ان الاذان لما كان مستحبا وليس بواجب كما هو الاشهر حسبما تقدم تحقيقه بخلاف الاقامة لما تقدم ايضا وردت الرخصة في تركه دونها لعذر كان اولا لعذر بخلافها فانه لابد من الاتيان بها ولم يرد الترخيص فيها في خبر من هذه الاخبار ولا غيرها وهو دليل ما قيل فيها من الوجوب كما لا يخفى على المتأمل المصنف.

(المسألة الثالثة) - قد تقدم في المقام الاول جملة من المستحبات في الاذان والاقامة في شروط المؤذن وبقى جملة من ذلك مما يتعلق بالاذان والاقامة كراهة واستحبابا: فمنها - انه يستحب الوقوف على اواخر الفصول في الاذان والاقامة اجماعا كما ادعاه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اذنت فافصح بالالف والهاء... الحديث ". وعن زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) الاذان جزم بافصاح الالف والهاء والاقامة حدر " ورواه الشيخ مثله (3). وروى الصدوق عن خالد بن نجيح عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال: " التكبير جزم في الاذان مع الافصاح بالهاء والالف ". وعن خالد بن نجيح عنه (عليه السلام) (5) انه قال: " الاذان والاقامة مجزومان " قال الصدوق وفي خبر آخر (6) " موقوفان ". اقول: قد اشتملت هذه الاخبار على الامر بالافصاح بالالف والهاء ومثلها ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " لا يجزئك من الاذان إلا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 15 من الاذان والاقامة


[ 409 ]

ما اسمعت نفسك وافهمته (1) وافصح بالالف والهاء... الحديث " وقد تقدم في صدر المقام الاول. قال شيخنا في الذكرى: قلت الظاهر انه الف " الله " الاخيرة غير المكتوبة وهاؤه في آخر الشهادتين، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " لا يؤذن لكم من يدغم الهاء " وكذا الالف والهاء في الصلاة من " حي على الصلاة ". وقال في المنتهى: يكره ان يكون المؤذن لحانا ويستحب له ان يظهر الهاء في لفظتي " الله " و " الصلاة " والحاء من " الفلاح " لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " لا يؤذن لكم من يدغم الهاء. قلنا وكيف يقول ؟ قال يقول اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ". وقال ابن ادريس: ينبغي ان يفصح فيهما بالحروف وبالهاء في الشهادتين، والمراد بالهاء هاء " إله " لا هاء " اشهد " ولا هاء " الله " لان الهاء في " اشهد " مبنية يفصح بها لا لبس فيها، وهاء " الله " موقوفة مبنية لا لبس فيها، وانما المراد هاء " إله " فان بعض الناس ربما ادغم الهاء في لا إله إلا الله. انتهى. وقال الشيخ البهائي (قدس سره) بعد نقل ملخص ذلك عن ابن ادريس: هذا كلامه وكأنه فهم من الافصاح بالهاء اظهار حركتها لا اظهارها نفسها. واعترضه شيخنا المجلسي (قدس سره) فقال انه لا وجه لكلامه اصلا إذ كونها مبنية لا يستلزم عدم اللحن فيها وكثير من المؤذنين يقولون " اشد " وكثير منهم لا يظهرون الهمزات في اول الكلمات ولا الهاءات في اواخرها فالاولى حمله على تبيين كل الف وهمزة وهاء فيهما. انتهى. اقول: الظاهر ضعف هذه المؤاخذة من شيخنا المجلسي على شيخنا البهائي (عطر الله


(1) كذا في الحبل المتين ص 200 وفي كتب الحديث " أو فهمته ". (2) المغنى ج 1 ص 430


[ 410 ]

مرقديهما) فان ما اعترض به عليه وارد ايضا على ابن ادريس فلا وجه لتخصيصه بهذه المؤاخذة وكلام شيخنا المذكور مبني على فهمه من كلام ابن ادريس وتخصيصه الافصاح بهذا الموضع دون الموضعين المنفيين في كلامه ان الجميع مشترك في البيان والافصاح بكل من الحروف المذكورة فلا وجه لافراده هذا الموضع إلا باعتبار الافصاح بالحركة. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: ولو فرض ترك الوقف اصلا سكن اواخر الفصول ايضا وان كان ذلك في اثناء الكلام ترجيحا لفضيلة ترك الاعراب على المشهور من حال الدرج، ولو اعرب اواخر الفصول ترك الافضل ولم تبطل الاقامة لان ذلك لا يعد لحنا وانما هو ترك وظيفة وكذا القول في الاذان. اما اللحن ففي بطلانهما به وجهان وقد اختلف كلام المنصف فيه فحرمه في بعض كتبه وابطلهما به والمشهور العدم. نعم لو اخل بالمعنى كما لو نصب لفظ " رسول الله " امد لفظة " اكبر " بحيث صار على صيغة " اكبار " " جمع " كبر " وهو الطبل له وجه واحد اتجه البطلان. ولو اسقط الهاء من اسمه تعالى أو من الصلاة أو الحاء من الفلاح لم يعتد به لنقصان حروف الاذان فلا يقوم بعضه مقامه ولما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم اورد الحديث المتقدم في كلام المنتهى. ومنها - ان يتأنى في الاذان ويحدر في الاقامة بمعنى انه لما كان الافضل كما تقدم هو الوقوف على اواخر الفصول فالافضل ان يجعل الوقوف على آخر الفصول في الاقامة اقصر منه على آخر فصول الاذان وهو المراد من الحدر هنا، فانه وان كان لغة بمعنى الاسراع - قال في الصحاح حدر في قراءته واذانه يحدر حدرا اي اسرع - لكن المراد هنا الاسراع على الوجه المذكور لا ترك الوقف بالكلية لما عرفت سابقا من استحبابه في حد ذاته. والذي يدل على هذا الحكم روايات: منها ما تقدم (1) من قوله (عليه السلام)


(1) ص 408


[ 411 ]

في رواية زرارة " والاقامة حدر ". وما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاذان فقال اجهر وارفع به صوتك فإذا اقمت فدون ذلك، ولا تنتظر باذانك ولا اقامتك إلا دخول وقت الصلاة، واحدر اقامتك حدرا ". وما رواه في الكافي عن الحسن بن السري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " الاذان ترتيل والاقامة حدر " ورواه الشيخ مثله (3) والترتيل لغة التأني. ومنها - انه يستحب ان يفصل بين الاذان والاقامة بركعتين أو سجدة أو نحوهما مما يأتي ذكره، قال في المعتبر ويستحب الفصل بينهما بركعتين أو بجلسة أو سجدة أو خطوة خلا المغرب فانه لا يفصل بين اذانيها إلا بخطوة أو سكتة أو تسبيحة وعليه علماؤنا. ونحوه في المنتهى. وكلامهما يشعر بدعوى الاجماع على ذلك. وقال الشيخ في النهاية ويستحب ان يفصل الانسان بين الاذان والاقامة بجلسة أو خطوة أو سجدة وافضل ذلك السجدة إلا في المغرب خاصة فانه لا يسجد بينهما ويكفي الفصل بينهما بخطوة أو جلسة خفيفة. وقال ابن ادريس من صلى منفردا فالمستحب له ان يفصل بين الاذان والاقامة بسجدة أو جلسة أو خطوة والسجدة افضل إلا في الاذان للمغرب خاصة فان الجلسة أو الخطوة السريعة فيها افضل، وإذا صلى جماعة فمن السنة ان يفصل بين الاذان والاقامة بشئ من نوافله ليجتمع الناس في زمان تشاغله بها إلا صلاة المغرب فانه لا يجوز ذلك فيها. اقول: قد ذكر جملة من المتأخرين ومتأخريهم انهم لم يقفوا على نص يتعلق بالخطوة وبه اعترف في الذكرى، ولا على ما يتعلق بالفصل بالسجدة حتى ان الشهيد الثاني انما التجأ إلى امكان دلالة ما ورد في حديث الجلوس عليه فانه جلوس وزيادة وسيأتي لك ما يدل على الجميع.


(1) الوسائل الباب 16 و 8 من الاذان والاقامة (2) و (3) الوسائل الباب 24 من الاذان والاقامة


[ 412 ]

والواجب اولا ذكر ما وصل الينا من الاخبار عنهم (عليهم السلام) ليتضح لك ما في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) في مواضع من هذا المقام من الغفلة الناشئة عن عدم اعطاء التأمل حقه في الاخبار: فمن الاخبار المذكورة ما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: " القعود بين الاذان والاقامة في الصلوات كلها إذا لم يكن قبل الاقامة صلاة سيصليها ". وما رواه الشيخ عن الحسن بن شهاب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " لابد من قعود بين الاذان والاقامة ". وعن سليمان بن جعفر الجعفري في الصحيح (3) قال: " سمعته يقول افرق بين الاذان والاقامة بجلوس أو ركعتين ". وعن اسحاق الجريري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال قال: " من جلس في ما بين اذان المغرب والاقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله ". وعن سيف بن عميرة عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " بين كل اذنين قعدة إلا المغرب فان بينهما نفسا ". قول: لا يخفى ان جملة هذه الاخبار المتقدمة عموما في بعض وخصوصا في آخر ما عدا الرواية الاخيرة ظاهرة الدلالة في الفصل بالجلوس بين اذان المغرب واقامتها. ويعضدها ايضا ما رواه الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق (6) قال " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: من السنة الجلوس بين الاذان والاقامة في صلاة الغداة وصلاة المغرب وصلاة العشاء ليس بين الاذان والاقامة سبحة، ومن السنة ان يتنفل بركعتين بين الاذان والاقامة في صلاة الظهر والعصر ". وما رواه السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الله بن طاووس في كتاب فلاح


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من الاذان والاقامة


[ 413 ]

السائل باسناده عن هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن همام عن حميد بن زياد عن الحسن ابن محمد بن سماعة عن الحسن بن معاوية بن وهب عن ابيه (1) قال " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وقت المغرب فإذا هو قد اذن وجلس فسمعته وهو يدعو بدعاء ما سمعت بمثله فسكت حتى فرغ من صلاته ثم قلت يا سيدي لقد سمعت منك دعاء ما سمعت بمثله قط ؟ قال هذا دعاء امير المؤمنين (عليه السلام) ليلة بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو: يا من ليس معه رب يدعى يا من ليس فوقه خالق يخشى يا من ليس دونه إله يتقى يا من ليس له وزير يرشى يا من ليس له بواب ينادى يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا كرما وجودا يا من لا يزداد على عظم الجزم الا رحمة وعفوا صل على محمد وآل محمد وافعل بي ما انت اهله فانك اهل التقوى واهل المغفرة وانت اهل الجود والخير والكرم ". ولا يعارض هذه الاخبار إلا مرسلة سيف المذكورة وهي تقصر عن ذلك فرد هذه الاخبار على كثرتها وصحة بعضها في مقابلة هذا الخبر الضعيف مشكل مع امكان حمله على ضيق الوقت. قال السيد ابن طاووس في الكتاب المذكور: وقد رويت روايات ان الافضل ان لا يجلس بين اذان المغرب واقامتها وهو الظاهر من عمل جماعة من اهل التوفيق، ولعل الجلوس بينهما في وقت دون وقت أو لفريق دون فريق. انتهى. وظاهره (قدس سره) الميل إلى القول المشهور وحمل هذه الرواية على ما ذكره. وفيه ان ما ذكره من الروايات الدالة على ان الافضل ان لا يجلس بين اذان المغرب واقامتها لم يصل الينا منها إلا المرسلة المذكورة والروايات كلها على خلافها كما عرفت. ومن اخبار المسألة ما رواه السيد المذكور ايضا في الكتاب المشار إليه بسنده فيه


(1) مستدرك الوسائل الباب 11 من الاذان والاقامة


[ 414 ]

عن ابي علي الانماطي عن ابي عبد الله أو ابي الحسن (عليهما السلام) (1) قال: " يؤذن للظهر على ست ركعات ويؤذن للعصر على ست ركعات بعد الظهر " اقول: ورواه الشيخ في التهذيب عن ابي علي صاحب الانماط عن ابي عبد الله أو ابي الحسن (عليهما السلام). مثله (2). وقد تقدم في رواية زريق المنقولة عن مجالس الشيخ " ان من السنة ان يتنفل بركعتين بين الاذان والاقامة في صلاة الظهر والعصر " وهو مطلق فيجب حمله على هذا الخبر بان تكون الركعتان من الثمان الموظفة قبل كل من الفرضين. وفي كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) " ولابد من فصل بين الاذان والاقامة بصلاة أو بغير ذلك، واقل ما يجزئ في ذلك في صلاة المغرب التي لا صلاة قبلها ان يجلس بعد الاذان جلسة يمس فيها الارض بيده ". وفيه اشارة إلى ان الفريضة التي تكون قبلها صلاة يستحب ان يجعل منها ركعتين بين اذان تلك الفريضة واقامتها، وعلى ذلك تدل رواية احمد بن محمد بن ابي نصر المتقدمة ويعضدها ما تقدم في صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث اذان الصبح قال: " السنة ان ينادى مع طلوع الفجر ولا يكون بين الاذان والاقامة إلا الركعتان ". وربما اشعرت هذه الروايات بان استحباب الفصل بالركعتين مخصوص بهذه الصلوات حيث ان قبلها صلاة إلا ان صحيحة الجعفري المتقدمة مطلقة في الامر بالفرق بجلوس أو ركعتين فيمكن حمل اطلاقها على هذه الاخبار. والمشهور بين الاصحاب هو استحباب الفصل بالركعتين مطلقا ولعلهم يحملون


(1) مستدرك الوسائل الباب 31 من الاذان والاقامة (2) و (4) الوسائل الباب 39 من الاذان والاقامة (3) مستدرك الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة


[ 415 ]

هذه الروايات على تأكد الفصل بالركعتين في هذه المواضع الثلاثة. وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاذان في الفجر قبل الركعتين أو بعدهما ؟ فقال إذا كنت اماما تنتظر جماعة فالاذان قبلهما وان كنت وحدك فلا يضرك قبلهما اذنت أو بعدهما " وهذه الرواية تدل على افضيلة الفصل بركعتي الفجر في الجماعة زيادة على ما تقدم من حيث انتظار الاجتماع للصلاة. ومنها - ما رواه السيد المتقدم ذكره في كتاب فلاح السائل ايضا بسنده فيه عن بكر بن محمد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال كان امير المؤمنين (عليه السلام) يقول لاصحابه من سجد بين الاذان والاقامة فقال في سجوده " رب سجدت لك خاضعا خاشعا ذليلا " يقول الله تعالى ملائكتي وعزتي وجلالي لاجعلن محبته في قلوب عبادي المؤمنين وهيبته في قلوب المنافقين ". وما رواه ايضا فيه بسنده عن ابن ابي عمير عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " رأيته أذن ثم اهوى للسجود ثم سجد سجدة بين الاذان والاقامة فلما رفع رأسه قال يا ابا عمير من فعل مثل فعلى غفر الله له ذنوبه كلها. وقال من اذن ثم سجد فقال (لا إله إلا انت ربي سجدت لك خاضعا خاشعا) غفر الله له ذنوبه ". اقول: وهذان الخبران هما مستند المتقدمين في ما ذكروه من استحباب الفصل بالسجدة إلا انه لم يصل إلى اكثر المتأخرين فوقعوا في ما وقعوا فيه من الاشكال وتمحلوا في طلب الدليل بالاحتمال. ومنها - ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (4) فقال (عليه السلام) " وان احببت ان تجلس بين الاذان والاقامة فافعل فان فيه فضلا كثيرا وانما ذلك على الامام


(1) الوسائل الباب 39 من الاذان والاقامة (2) و (3) الوسائل الباب 11 من الاذان والاقامة (4) ص 6


[ 416 ]

واما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى ثم يقول بالله استفتح وبمحمد استنجح واتوجه اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين. وان لم تفعل ايضا اجزأك " اقول: وهذا هو دليل الخطوة التي ذكرها المتقدمون إلا ان كلامهم مطلق في ذلك بالنسبة إلى كل مصل وظاهر الخبر التخصيص بالمنفرد. ومنها - ما رواه الصدوق والشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قمت إلى صلاة فريضة فاذن واقم وافصل بين الاذان والاقامة بقعود أو تسبيح أو كلام " وزاد في الفقيه (2) قال: " وسألته كم الذي يجزئ بين الاذان والاقامة من القول ؟ قال الحمد الله ". وروى الشيخ في التهذيب عن عمار في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل نسى ان يفصل بين الاذان والاقامة بشئ حتى اخذ في الصلاة أو اقام للصلاة ؟ قال ليس عليه شئ وليس له ان يدع ذلك عمدا. سئل ما الذي يجزئ من التسبيح بين الاذان والاقامة ؟ قال الحمد الله " اقول: والعمل بجميع ما اشتملت عليه هذه الاخبار حسن وان تفاوت في الفضل. وروى الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان (4) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) اذن واقام من غير ان يفصل بينهما بجلوس " اقول: لعله فصل بتسبيح أو تحميد أو نفس ان كان في المغرب. وربما قيد بعضهم استحباب الفضل بالركعتين بما إذا لم يدخل وقت فضيلة الفريضة والظاهر ان استند في ذلك إلى ما تقدم في مقدمة الاوقات من المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة. وفيه اشكال لتعارض العمومين فتخصيص احدهما بالآخر يحتاج إلى دليل وان كان الاحتياط في ما ذكره. والله العالم. ومنها - الترجيع وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيه (اولا) كراهة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من الاذان والاقامة


[ 417 ]

وتحريما فقال الشيخ في المبسوط والخلاف انه غير مسنون، وقال ابن ادريس وابن حمزة انه محرم وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وذهب آخرون إلى الكراهة، قال في المنتهى: الترجيع مكروه ذهب إليه علماؤنا. وهو مشعر بالاتفاق على الكراهة ولعله - وان بعد - اراد ما هو اعم من التحريم. وثانيا - في حقيقته وانه عبارة عماذا ؟ فقال الشيخ في المبسوط انه تكرار التكبير والشهادتين في اول الاذان. وقال العلامة في المنتهى انه تكرار الشهادتين مرتين. وقال الشهيد في الذكرى انه تكرار الفصل زيادة على الموظف. وذكر جماعة من اهل اللغة: منهم - صاحب القاموس وصاحب المغرب انه تكرار الشهادتين جهرا بعد اخفائهما. ونقل عن بعض اهل اللغة انه فسره بترديد القراءة. اقول: لا يخفى ان الترجيع باي معنى فسر مما ذكره الاصحاب ان اتى به المكلف من حيث اعتقاد كونه من الاذان فلا ريب في تحريمه لان الاذان عبادة شرعية متلقاة من الشارع فالزيادة فيها باعتقاد انها منها تشريع محرم، وان كان لا باعتبار ذلك ذلك فلا يبعد القول بالكراهة، وبه يجمع بين القولين المتقدمين إذ مرجع قول الشيخ انه ليس بمسنون إلى انه مكروه أو محرم لانها عبادة ومتى انتفت عنها المسنونية فليس إلا احد الفردين المذكورين إذ لا معنى للجواز هنا بالمعنى الاخص. والى القول بالتحريم متى اعتقد الشرعية مال في المدارك والذخيرة ولا ريب فيه كما عرفت. وذكر الشيخ وجمع من الاصحاب - بل نقل عليه في المختلف الانفاق - انه لو قصد بالترجيع اشعار المصلين فلا منع فيه. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لو ان مؤذنا اعاد في الشهادة وفي (حي على الصلاة أو حي على الفلاح) المرتين والثلاث واكثر من ذلك إذا كان اماما يريد


(1) الوسائل الباب 23 من الاذان والاقامة


[ 418 ]

جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس " وظاهر هذه الرواية ربما دل على ما ذهب إليه في الذكرى من تفسير معنى الترجيع بحمل ما ذكر في الرواية على مجرد التمثيل. ومما يدل على النهي عن الترجيع ما في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) بعد ذكر فصول الاذان وعددها " ليس فيها ترجيع ولا تردد ولا الصلاة خير من النوم " والظاهر ان عطف التردد تفسيري للترجيع. اقول: ومن المحتمل قريبا ان المراد بالترجيع المنهى عنه هنا هو ترجيع الصوت وتريده على جهة الغناء لا تكرار الكلمات كلا أو بعضا. والتعبير بالترجيع لم اقف عليه في شئ من الاخبار سوى هذا الخبر وانما وقع ذلك في كلام الاصحاب وقد عرفت اختلافهم في معناه ورواية ابي بصير المذكورة انما اشتملت على لفظ الاعادة، وذكرهم الترجيع والاختلاف فيه تحريما وكراهة وكذا في معناه مع عدم وروده في الاخبار عجيب إلا ان يكون المستند فيه هو كتاب الفقه المذكور ولا بعد فيه لما عرفت في غير موضع مما تقدم من وجود كثير من الادلة التي انكرها المتأخرون على المتقدمين في الكتاب المذكور. والله العالم. ومنها - التثويب وقد وقع الخلاف هنا ايضا في حقيقته وحكمه والمشهور بين الاصحاب انه عبارة عن قول " الصلاة خير من النوم " صرح به الشيخ في المبسوط وابن ابي عقيل والسيد المرتضى وغيرهم (رضوان الله عليهم) قال في المنتهى التثويب في اذان الغداة وغيرها غير مشروع وهو قول: " الصلاة خير من النوم " ذهب إليه اكثر علمائنا وهو قول الشافعي، واطبق اكثر الجمهور على استحبابه في الغداة، لكن عن ابي حنيفة وروايتان في كيفيته فرواية كما قلناه والاخرى ان التثويب عبارة عن قول المؤذن بين اذان الفجر واقامته " حي على الصلاة " مرتين " حي على الفلاح " مرتين (2)


(1) ص 6 (2) بدائع الصنائع ج 1 ص 148 والبحر الرائق ج 1 ص 247 والمبسوط ج 1 ص 130 الا ان فيهما " قدر ما يقرأ عشرين آية "


[ 419 ]

ثم قال في موضع آخر من المنتهى ايضا: يكره ان يقول بين الاذان والاقامة " حي على الصلاة حي على الفلاح " وبه قال الشافعي، وقال محمد بن الحسن كان التثويب الاول " الصلاة خير من النوم " مرتين بين الاذان والاقامة ثم احدث الناس بالكوفة " حي على الصلاة حي على الفلاح " مرتين بينهما وهو حسن. وقال بعض اصحاب ابي حنيفة يقول بعد الاذان " حي على الصلاة حي على الفلاح " بقدر ما يقرأ عشر آيات. انتهى كلام المنتهى. وقال الشيخ في النهاية التثويب تكرير الشهادتين والتكبيرات زائدا على العدد الموظف شرعا. وقال ابن ادريس هو تكرير الشهادتين دفعتين لانه مأخوذ من " ثاب " إذا رجع. واما كلام اهل اللغة هنا فانه قال في النهاية: الاصل في التثويب ان يجئ الرجل مستصرخا فلوح بثوبه ليرى ويشهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك وكل داع مثوب. وقيل انما سمى تثويبا من " ثاب يثوب " إذا رجع فهو رجوع إلى الامر بالمبادرة إلى الصلاة فان المؤذن إذا قال " حي على الصلاة " فقد دعاهم إليها فإذا قال بعدها " الصلاة خير من النوم " فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها. واما في القاموس فانه فسره بمعان: منها - الدعاء إلى الصلاة وتثنية الدعاء وان يقول في اذان الفجر " الصلاة خير من النوم " مرتين. وقال في المغرب التثويب القديم هو قول المؤذن في اذان الصبح " الصلاة خير من النوم " والمحدث " الصلاة الصلاة " أو " قامت قامت ". واختلفوا ايضا في حكمه لو لم يكن المقام مقام تقية فذهب ابن ادريس وابن حمزة وجمع من المتأخرين إلى التحريم وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وقال الشيخ في المبسوط والمرتضى في الانتصار بالكراهة وهو اختيار المحقق، وعن ابن الجنيد انه لا بأس به في اذان الصبح، وعن الجعفي يقول في اذان صلاة الصبح بعد قوله " حي على خير العمل حي على خير العمل " " الصلاة خير من النوم " مرتين وليستا من اصل الاذان. هذا ما يتعلق بالمقام من كلام العلماء الاعلام.


[ 420 ]

واما ما يتعلق بذلك من اخبار اهل الذكر عليهم الصلاة والسلام. فمنه ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التثويب الذي يكون بين الاذان والاقامة فقال ما نعرفه " ورواه الكليني والصدوق وابن ادريس في السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (2). وعن زرارة في الصحيح (3) قال: " قال لي أبو جعفر (عليه السلام) يا زرارة تفتتح الاذان باربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين وان شئت زدت على التثويب " حي على الفلاح " مكان الصلاة خير من النوم ". وعن محمد بن مسلم في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " كان ابي ينادي في بيته ب‍ (الصلاة خير من النوم) ولو رددت ذلك لم يكن به بأس ". وعن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " النداء والتثويب في الاقامة من السنة ". وروى المحقق في المعتبر نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابي نصر عن عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا كنت في اذان الفجر فقل (الصلاة خير من النوم) بعد (حي على خير العمل) ولا تقل في الاقامة (الصلاة خير من النوم) انما هذا في الاذان ". اقول: التحقيق في هذا المقام هو ما ذكرناه في سابقه من ان كلا من الاذان والاقامة عبادة شرعية متلقاة من الشارع، واخبارهما الواردة في كيفيتهما عن أئمة الهدى (عليهم السلام) خالية من هذه الزيادات في اثناء احدهما أو بينهما كما تقدم ذكره وبه يظهر التحريم متى اعتقد دخولها في الكيفية أو التعبد بها، ولما كان جمهور العامة على استحباب ذلك - كما تقدم في كلام المنتهى ويعضده ما تقدم في رواية زيد النرسي (7)


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 22 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 19 و 22 من الاذان والاقامة (7) ص 397


[ 421 ]

" ان الصلاة خير من النوم بدعة بني امية " - فالواجب حمل ما دل على جواز ه من الاخبار المذكورة هنا وغيرها على التقية. واما ما ذكره المحقق في هذا المقام حيث قال بعد ان نقل عن الشيخ حمل الاخبار المذكورة على التقية: ولست ارى هذا التأويل شيئا فان من جملة الاذان (حي على خير العمل) وهو انفراد الاصحاب فلو كان للتقية لما ذكره لكن الاوجه ان يقال فيه روايتان عن اهل البيت (عليهم السلام) اشهرهما تركه. اقول: بل الاظهر هو ما ذكره الشيخ إذ هو الموافق لمقتضى الاخبار المستفيضة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) من عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافهم وان كان هو وغيره قد الغوا هذه القواعد المنصوصة والقوها وراء ظهورهم واتخذوا قواعد لا اصل لها في الشريعة كما اوضحناه في غير مقام مما تقدم. واما ما توهم منه المنافاة للحمل على التقية - من قوله (عليه السلام) في الخبر الذي نقله: فقل " الصلاة خير من النوم " بعد " حي على خير العمل " - فيجب ارتكاب التأويل فيه بحمل قول " حي على خير العمل " خفية إذ ليس في الخبر تصريح بالاعلان بها ويكون المعنى انه إذا قال ذلك سرا قال بعدها " الصلاة خير من النوم " ويمكن ايضا - كما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار - حمله على المماشاة مع العامة بالجمع بين ما ينفرد به الشيعة وبين ما ينفردون به، وهو جيد. ومما يؤيد حمل الرواية المذكورة على التقية اشتمالها على التهليل في آخر الاذان مرة واحدة فان العامة اجمعوا على الوحدة (1) كما ان الشيعة اجمعت على التثنية كما نقله شيخنا في البحار. وبالجملة فالحكم بالتحريم في المسألة اظهر الاقوال. والله العالم.


(1) اتفقت كتبهم في بيان فصول الاذان على ذلك حتى انهم في مقام بيان الاختلاف في كيفيته لا يذكرون خلافا في ذلك وكذا اخبارهم، راجع المحلى ج 3 ص 239


[ 422 ]

(المقام الرابع) - في الاحكام وقد تقدم جملة منها في الابحاث السابقة وبقى مواضع:

(الاول) - انه يستحب حكاية الاذان بلا خلاف كما ذكره في المنتهى ويدل عليه جملة من اخبار: منها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شئ ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: يا ابن مسلم لا تدعن ذكر الله على كل حال ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وانت على الخلاء فاذكر الله عزوجل وقل كما يقول المؤذن " ورواه في كتاب العلل مسندا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) انه قال " يا ابن مسلم... الحديث ". وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " روى انه من سمع الاذان وقال كما يقول المؤذن زيد في رزقه ". وروى في العلل عن زرارة في الصحيح (5) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما اقول إذا سمعت الاذن ؟ قال اذكر الله مع كل ذاكر ". وروى في الفقيه عن الحارث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " من سمع المؤذن يقول اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال مصدقا محتسبا وانا اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اكتفى بهما عن من ابى وجحد واعين بهما من اقر وشهد كان له من الاجر عدد من انكر وجحد ومثل عدد من اقر وعرف ".


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 45 من الاذان والاقامة. والرواية رقم " 2 " مسندة كما في الوسائل واللفظ في رقم " 6 " للكافى (3) الوسائل الباب 8 من احكام الخلوة


[ 423 ]

وروى في كتاب العلل بسنده عن ابي بصير (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان سمعت الاذان وانت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن ولا تدع ذكر الله عزوجل في تلك الحال لان ذكر الله حسن على كل حال. ثم قال لما ناجى الله عزوجل موسى بن عمران قال موسى يا رب أبعيد انت مني فاناديك ام قريب فاناجيك ؟ فأوحى الله تعالى إليه يا موسى انا جليس من ذكرني. فقال موسى با رب اني اكون في حال اجلك ان اذكرك فيها قال يا موسى اذكرني على كل حال ". وروى في كتاب العلل بسنده عن سليمان بن مقبل (2) قال: " قلت لموسى ابن جعفر (عليه السلام) لاي علة يستحب للانسان إذا سمع الاذان ان يقول كما يقول المؤذن وان كان على البول والغائط ؟ قال ان ذلك يزيد في الرزق ". وروى في الخصال باسناده عن سعيد بن علاقة عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: " اجابة المؤذن تزيد في الرزق ".

إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المقام فوائد:

(الاولى) الظاهر من الحكاية في هذه الاخبار هو الاتيان بجميع الفصول التي يأتي بها المؤذن وقال الشيخ في المبسوط روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انه كان يقول إذا قال حى على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله " قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهذه الرواية مجهولة الاسناد. اقول: بل الظاهر انها عامية فانه قد روى مسلم في صحيحه (4) وغيره في غيره باسانيد عن عمر ومعاوية " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال إذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر قال احدكم الله اكبر اله اكبر ثم قال اشهد ان لا إله إلا الله قال اشهد ان لا إله إلا الله ثم قال اشهد ان محمدا رسول الله قال اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من احكام الخلوة (3) مستدرك الوسائل الباب 34 من الاذان والاقامة (4) ج 4 ص 85 وسنن النسائي ج 2 ص 25


[ 424 ]

ولا قوة إلا بالله ثم قال الله اكبر الله اكبر قال الله اكبر الله اكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قبله دخل الجنة ".

(الثانية) - قال في المبسوط من كان خارج الصلاة وسمع المؤذن يؤذن فينبغي ان يقطع كلامه ان كان متكلما وان كان يقرأ القرآن فالافضل له ان يقطع القرآن ويقول كما يقول المؤذن لان الخبر على عمومه. وهو جيد عملا بعموم الاخبار المذكورة. ثم انه (قدس سره) صرح ايضا بانه لا يستحب حكايته في الصلاة وبه قطع العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، وقال ايضا متى قاله في الصلاة لم تبطل صلاته إلا في قوله (حي على الصلاة) فانه متى قال ذلك مع العلم بانه لا يجوز فانه يفسد الصلاة لانه ليس بتحميد وتكبير بل هو من كلام الآدميين المحض، فان قال بدلا من ذلك " لا حول ولا قوة إلا بالله " لم تبطل صلاته. وتبعه على ذلك جمع من الاصحاب. اقول: الظاهر ان الوجه فيه هو عدم تيقن العموم في الاخبار على وجه يشمل الصلاة مع ان بعض فصوله ليست ذكرا فيشكل الاتيان به في الصلاة فيكون موجبا لبطلانها كما ذكره، وانت خبير بان ظاهر هذه الاخبار اطلاق الذكر على الاذان بجميع فصوله من الحيعلات وغيرها فان ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المروية في العلل المرسلة في الفقيه " لا تدعن ذكر الله على كل حال ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وانت على الخلاء " هو كون مجموع الاذان ذكرا وان القصد إلى المبالغة في الاتيان بهذا الذكر ولو على هذه الحالة ثم اكده بقوله: " فاذكر الله عزوجل وقل كما يقول المؤذن " وهو كالصريح في ما ادعيناه والفصيح في ما وعيناه، ونحوه رواية ابي بصير ايضا وقوله فيها: " فقل مثل ما يقول المؤذن ولا تدع ذكر الله في تلك الحال لان ذكر الله حسن على كل حال " وهو ظاهر في ان جميع ما يقوله المؤذن ذكر الله ولو خص ذكر الله بما عدا الحيعلات لاختل النظام في هذا الكلام، على ان الحيعلات بمقتضى كلامهم من الكلام المتعارف الذي ليس بذكر الله وهو مكروه على الخلاء اتفاقا نصا


[ 425 ]

وفتوى إلا ما استثنى فكيف يجامع هذا التأكيد بالاتيان به على الخلاء لو لم يكن ذكرا وبالجملة فان ما ذكرناه هو ظاهر النصوص المذكورة كما عرفت وان كان الاحتياط في الوقوف على ما ذكروه.

(الثالثة) - لو فرغ من الصلاة ولم يحكه فالظاهر سقوط الحكاية لفوات محله صرح به جملة من الاصحاب: منهم - الشيد وغيره، وقال الشيخ في المبسوط انه مخير واختاره العلامة في التذكرة، وقال في الخلاف يؤتى به لا من حيث كونه اذانا بل من حيث كونه ذكرا. ولا ريب في ضعفهما.

(الرابعة) - قال في الذخيرة: لو دخل المسجد والمؤذن يؤذن ترك صلاة التحية إلى فراغ المؤذن استحبابا، قاله المصنف وغيره وهو حسن. انتهى. اقول: لا اعرف لهذا الحسن وجها وجيها فان شرعية صلاة التحية وقت الدخول وتأخيرها عن ذلك الوقت اخلال بها، وبالجملة فهنا مستحبان تعارضا وتقديم احدهما على الآخر يحتاج إلى دليل. نعم لو ثبت ان تأخير صلاة التحية عن وقت الدخول جائز وان وقتها لا يفوت بذلك تماما ذكروه إلا ان الظاهر ان الامر ليس كذلك.

(الخامسة) - ذكر جماعة من الاصحاب ان المستحب حكاية الاذان المشروع فلو لم يكن مشروعا كاذان العصر يوم عرفة ويوم الجمعة والاذان الثاني يوم الجمعة وكذا اذان المجنون والصبي الغير المميز لم يكن كذلك. وانت خبير بان عد اذان العصر في يومي عرفة والجمعة ينبغي ان يكون مبنيا على القول بالتحريم وإلا فلو قيل بالكراهة كما هو احد الاقوال المتقدمة في المسألة فلا. وعد شيخنا الشهيد ايضا من ذلك اذان الجنب في المسجد، وتنظر فيه في الذخيرة بان تحريم الكون في المسجد لا يقتضي فساد اذانه. اقول: فيه انه مناف لما حققه في مسألة الصلاة في المكان المغصوب فان المسألتين من باب واحد، وهم قد ذكروا ثمة ان العبادة منهى عنها في هذا المكان والنهي في العبادة يستلزم الفساد وهذا يجري في الاذان ايضا. وقد


[ 426 ]

مضى تحقيق الكلام في ذلك وبيان الجواب عما احتجوا به على البطلان. وبالجملة فكلام شيخنا المشار إليه مبني على ذلك فلا وجه لاعتراضه عليه مع موافقته ثمة عليه.

(الموضع الثاني) - الكلام بعد الاقامة وقد اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فالمشهور الكراهة وقيل بالتحريم ذهب إليه الشيخان في المقنعة والنهاية والمرتضى في المصباح وابن الجنيد واختاره المحدث الكاشاني في كتبه الثلاثة على تفصيل يأتي، وهو الاظهر عندي ايضا. ويدل على القول بالتحريم ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في الاقامة ؟ قال نعم فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على اهل المسجد إلا ان يكونوا قد اجتمعوا من شتى وليس لهم امام فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان ". وما رواه في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا اقيمت الصلاة حرم الكلام على الامام واهل المسجد إلا في تقديم امام ". وعن سماعة في الموثق (3) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اقام المؤذن الصلاة فقد حرم الكلام إلا ان يكون القوم ليس يعرف لهم امام ". ومما استدلوا به على القول المشهور صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الرجل يتكلم بعدما يقيم الصلاة ؟ قال نعم ". ورواية الحلبي (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في اذانه أو في اقامته ؟ قال لا بأس ". وعن الحسن بن شهاب (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس ان يتكلم الرجل وهو يقيم الصلاة وبعدما يقيم ان شاء ". ونقل ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) (6) الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة


[ 427 ]

عن جعفر بن بشير عن عبيد بن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) قلت أيتكلم الرجل بعدما تقام الصلاة ؟ قال لا بأس ". ومنه ايضا من الكتاب المذكور عن جعفر بن بشير عن الحسن بن شهاب (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) قلت أيتكلم الرجل بعدما تقام الصلاة ؟ قال لا بأس ". واصحاب هذا القول حملوا الروايات المتقدمة على الكراهة الشديدة والشيخ (قدس سره) حمل هذه الاخبار على الضرورة أو ما يتعلق بالصلاة من تقديم امام أو تسوية صف أو نحو ذلك. وانت خبير بانه لا تنافي بين هذه الاخبار عند التأمل فيها بعين التحقيق والاعتبار ليحتاج إلى الجمع بينها بما ذكره كل منهما، وذلك فان مورد الاخبار المتقدمة الجماعة ومورد الاخبار الثانية المنفرد فالواجب في كل منهما بقاؤه على مورد ولا تنافي، وبذلك يظهر لك ان الحق في هذه المسألة هو التفصيل بما ذكرناه لا ما ذكره كل منهما من العموم مع انه لا دليل عليه. هذا. واما ما دلت عليه هذه الاخبار من جواز الكلام في الاقامة وبعدها فهي معارضة بالاخبار الدالة على النهي عن ذلك: ومنها - ما رواه في الكافي عن ابي هارون المكفوف (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا ابا هارون الاقامة من الصلاة فإذا اقمت فلا تتكلم ولا تومئ بيدك " وما رواه الشيخ في الصحيح عن عمرو بن ابي نصر (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيتكلم الرجل في الاذان ؟ قال لا بأس. قلت في الاقامة ؟ قال لا " ورواه في الكافي مثله (5). والقول بالتحريم كما هو ظاهر هذه الاخبار منقول عن الشيخ المفيد والمرتضى (رضي


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة


[ 428 ]

الله عنهما) ويؤيده ما تقدم في روايتي سليمان بن صالح ويونس الشيباني مما يدل على انه إذا اخذ في الاقامة فهو في الصلاة، وحينئذ فيراعى فيها ما يراعى في الصلاة كما عرفت من الاخبار المتقدمة في اشتراط كون الاقامة قائما مستقبل القبلة متطهرا واعادتها مع اختلال هذه الشروط. ويعضده ما ورد هنا ايضا من انه متى تكلم في اقامته فانه يعيدها كما رواه زرارة في الصحيح (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتكلم إذا اقمت الصلاة فانك ان تكلمت اعدت الاقامة " وبهذا الخبر يقيد اطلاق تلك الاخبار الواردة في جواز التكلم حال الاقامة أو بعدها فانه وان جاز له ذلك لكن لابد من اعادتها وعدم الاعتداد بها وبه يتم المطلوب كما ادعاه مفيد الطائفة ومرتضاها (رضي الله عنهما). فائدة روى الصدوق في كتاب المجالس بسنده عن عبد الله بن الحسين بن زيد عن ابيه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله كره الكلام بين الاذان والاقامة في صلاة الغداة حتى تقضى الصلاة ونهى عنه " اقول: ظاهر هذا الخبر كراهة الكلام بين الاذان والاقامة في خصوص صلاة الغداة ولم يذكره اكثر الاصحاب وانما حكموا بكراهة الكلام أو تحريمه كما عرفت في خلال الاقامة أو بعد تمامها، نعم نقل ذلك عن الفقيه يحيى بن سعيد في الجامع فانه قال يكره الكلام بين الاذان والاقامة في صلاة الغداة. ونحوه قال شيخنا الشهيد في النفلية ورواه ايضا الصدوق في وصية النبي لعلي عليهما الصلاة والسلام (3).


(1) الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة. والراوي لهذه الرواية في كتب الحديث هو محمد بن مسلم ولم نعثر على رواية لزرارة بهذا اللفظ (2) مستدرك الوسائل الباب 9 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 10 من الاذان والاقامة


[ 429 ]

(الموضع الثالث) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه إذا سمع الامام اذان مؤذن جاز له ان يجتزئ به في الجماعة. ويدل عليه من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا اذن مؤذن فنقص الاذان وانت تريد ان تصلي باذانه فاتم ما نقص هو من اذانه ". وعن ابي مريم الانصاري (2) قال: " صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة فلما انصرف قلنا له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة ؟ فقال ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي ازار ولا رداء، واني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فلم اتكلم فاجزأنى ذلك " وعن عمرو بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " كنا معه فسمع اقامة جاز له بالصلاة فقال قوموا فقمنا فصلينا معه بغير اذان ولا اقامة وقال يجزئكم اذان جاركم ".

بقى الكلام هنا في مواضع:

(الاول) اطلاق النص والفتوى يقتضي انه لا فرق في المؤذن بين كونه مؤذن مصر أو مسجد أو منفردا، وخصه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بالاولين ومنع من الاجتزاء باذان المنفرد. وانت خبير بانه لا يظهر لهذا التخصيص وجه بل لو ادعى عليه العكس لكان اظهر فان الظاهر من الخبرين المذكورين كون كل من الموذن والمقيم منفردا.

(الثاني) - قال في المدرك: الظاهر انه لا فرق في هذا الحكم بين الامام والمنفرد وان كان المفروض في عبارات الاصحاب اجتزاء الامام، لانه إذا ثبت اجتزاء الامام بسماع الاذان فالمنفرد اولى. انتهى.


(1) و (3) الوسائل الباب 30 من الاذان والاقامة (2) التهذيب ج 1 ص 216 وفي الوسائل الباب 30 من الاذان والاقامة


[ 430 ]

اقول: لا يخفى عليك ما في هذا الكلام من الوهن وتطرق الاشكال وان كان قد سبقه إليه الشهيد في الذكرى حيث قال: وفي اجتزاء المنفرد بهذا الاذان نظر اقربه ذلك لانه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى. وفيه انه متى اعترف بكون مورد النصوص انما هو الامام كما يظهر من كلامهم فحمل المنفرد عليه قياس محض، والتستر بكونه اولى وانه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى لا يجدي نفعا، عل انه لو ثبتت الاولوية فالخروج عن القياس محل بحث قد سلف تحقيقه في مقدمات الكتاب. نعم يمكن ان يقال ان ظاهر اطلاق صحيحة ابن سنان المتقدمة يشمل المصلي منفردا واكثر الاصحاب لم يذكروها في ادلة المسألة وانما ذكروا الروايتين الاخيرتين المشتملتين على الجماعة، إلا ان لقائل ان يقول يمكن ان يكون اطلاقها محمولا على تقييد الروايتين المذكورتين. وبالجملة فان مقتضى الادلة ثبوت الاذان والاقامة مطلقا إلا ما قام الدليل الواضح على خروجه فيجب الحكم به ويبقى ما عداه، ويعضد اقتضاء الاحتياط ذلك.

(الثالث) - المستفاد من روايتي ابى مريم وعمرو بن خالد الاجتزاء بسماع الاقامة ايضا إلا ان رواية ابي مريم قيدته بعدم الكلام بعد الاقامة أو في خلالها. وهو جيد لما عرفت آنفا من ان الكلام في الاقامة أو بعدها موجب لاعادتها ففي السماع بطريق اولى (1).

(الرابع) - هل يستحب اعادة الاذان والاقامة في هذه الصورة للسامع المنفرد على القول به أو للامام أو لمؤذنه في الجماعة ام لا ؟ وجهان اقربهما نعم لظاهر صحيحة ابن سنان فان ظاهر قوله: " وانت تريد ان تصلي باذانه " التخيير بين الصلاة وعدمها، ويؤيده ان ظاهر سياق رواية ابي مريم المذكورة ان جميع ما ذكر فيها انما خرج مخرج الرخص، والى ما ذكرنا يميل كلام السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني


(1) انظر إلى انه كيف عمل بالاولوية في المقام مع نفيه ذلك في غير مقام لا سيما الموضع الثاني المتقدم على هذا الموضع فافهم. سيد على " قدس سره ".


[ 431 ]

في الذخيرة. واولى بالاعادة ما إذا اتسع الوقت بين الاذان المسموع وبين صلاة المصلى به وظاهر الشهيد في الذكرى التوقف في ذلك حيث قال: وهل يستحب تكرار الاذان والاقامة للامام السامع أو لمؤذنه أو للمنفرد ؟ يحتمل ذلك وخصوصا مع اتساع الوقت. اقول قد تقدم ان المنفرد إذا اذن ثم اراد الجماعة اعاد اذانه والفرق بينه وبين السامع غير ظاهر. وكيف كان فانه يجب ان يستثنى من هذا الحكم المؤذن والمقيم للجماعة فانه لا يستحب الاعادة معه لان اذانه واقامته لهم، واستدل عليه باطباق المسلمين كافة على تركه ولو كان مستحبا لما اطبقوا على تركه.

(الخامس) - قال الشيخ في المبسوط إذا اذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافيا لكل من يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد ويجوز له ان يؤذن ويقيم في ما بينه وبين نفسه وان لم يفعل فلا شئ عليه. انتهى. ووجهه غير واضح.

(الموضع الرابع) قال في الشرائع: من احدث في اثناء الصلاة تطهر واعادها ولا يعيد الاقامة إلا ان يتكلم. انتهى. وظاهره ان الحدث في الصلاة لا يوجب اعادة الاقامة مع انه قد صرح قبل هذه المسألة بان من احدث في اثناء الاقامة فالافضل ان يعيد الاقامة. وربما ظهر من كلامه في الموضعين الفرق بين الحدث في اثناء الاقامة فانه يعيدها وبينه في اثناء الصلاة فلا يعيدها. وهو مشكل. ومما يدل على اعادة الاقامة بتخلل الحدث ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المؤذن يحدث في اذانه أو في اقامته ؟ قال ان كان الحدث في الاذان فلا بأس وان كان في الاقامة فليتوضأ وليقم اقامة ". والسيد السند في المدارك انما استدل على ذلك بخبر ابي هارون المكفوف المتقدم


(1) الوسائل الباب 9 من الاذان والاقامة


[ 432 ]

وقوله (عليه السلام) فيه: " الاقامة من الصلاة ثم قال ومن حكم الصلاة الاستئناف بطرو الحدث في اثنائها فتكون لاقامة كذلك انتهى. وهو ناشئ عن عدم اطلاعه على الخبر المذكور. وكيف كان فالظاهر هو اعادة الاقامة في صورة بطلان الصلاة بتخلل الحدث لانه لا يخرج عن وقوع الحدث بعد الاقامة وهو موجب لاعادتها.

(الموضع الخامس) - من صلى خلف من لا يقتدى به اذن لنفسه واقام فان خشى فوت الركعة اقتصر على " قد قامت الصلاة " مرتين وتثنية التكبير والتهليل مرة، قالوا ويأتي ببقية ما يتركه المؤذن بمعنى انه إذا اخل بشئ من فصول الاذان استحب للمأموم الاتيان به. فاما ما يدل على الحكم الاول فما رواه الشيخ عن محمد بن عذافر عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " اذن خلف من قرأت خلفه " ورواه الصدوق مرسلا (2) وما تقدم في موثقة عمار المتقدمة في صدر المقام الاول (3) من قوله (عليه السلام) حيث " سئل عن الاذان هل يجوز ان يكون من غير عارف ؟ قال لا يستقيم الاذان ولا يجوز ان يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الاذان واذن به ولم يكن عارفا لم يجزئ اذانه ولا اقامته ولا يقتدى به ". واما ما يدل على الحكم الثاني فهو ما رواه في الكافي عن معاذ بن كثير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقى على الامام آية أو آيتان فخشى ان هو اذن واقام ان يركع فليقل (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله) وليدخل في الصلاة ". وعبارات الاصحاب هنا لا تخلو من خلل حيث انهم عبروا بقولهم اقتصر على تكبيرتين وقوله " قد قامت الصلاة ".


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 34 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 26 من الاذان والاقامة


[ 433 ]

قال في المدارك بعد ذكر عبارة المصنف بالصورة المذكورة والاستدلال لهم بالرواية المذكورة: وعبارات الاصحاب قاصرة عن افادة ما تضمنته فصولا وترتيبا، ثم اعترض الرواية بانها ضعيفة السند ومقتضاها تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة وهو مشكل جدا، قال ومن ثم حمل جدي (قدس سره) في بعض حواشيه عبارة المصنف على ان المراد بفوات الصلاة فوات ما يعتبر في الركعة من القراءة وغيرها، وهو مع مخالفته للظاهر بعيد عن مدلول الرواية إلا انه لا بأس بالمصير إليه. انتهى. اقول: اما الطعن بضعف الرواية فقد عرفت ما فيه في غير موضع. واما الاستشكال من حيث دلالتها على تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة فليس في محله مع دلالة النص عليه. ويؤيد ذلك ما هو اظهر دلالة على هذا الحكم كما رواه الشيخ في التهذيب عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن احمد بن عائذ (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) اني ادخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلونني إلى ما ان اؤذن واقيم فلا اقرأ شيئا حتى إذا ركعوا اركع معهم أفيجزئني ذلك ؟ قال نعم ". وهذا الخبر وان حمله الشيخ في التهذيب على انه لم يزد على الحمد إلا انه جوز ايضا تخصيصه بحال التقية وهو الاظهر بسياق الخبر المذكور مع الخبر المتقدم. واما حمله على قراءة الحمد وانه لم يتمكن من الزيادة عليها فهو ابعد بعيد عن سياق الخبر. واما حمل جده الفوات على ما ذكره ففيه ان الرواية ظاهرة في خوف فوات الركوع لقوله " فخشي ان هو اذن واقام ان يركع " لا فوات الصلاة. ثم تأويله بفوات ما يعتبر في الركعة من القراءة فانه تكلف لا ضرورة تلجئ إليه مع وضوح النصوص


(1) التهذيب ج 1 ص 256 ورواه ايضا في ص 256 عن البزنطى عن ابى الحسن " ع " إلا ان فيه هكذا " ولا اقرأ إلا الحمد حتى يركع " ورواه في الوسائل بالاسناد الثاني في الباب 33 من صلاة الجماعة.


[ 434 ]

في المطلوب، وهذا الاستبعاد الذي اوجب لهم هذه التكلفات مدفوع بظاهر الخبرين المذكورين. واما ما ذكروه من استحباب اتيان المأموم بما اخل به الامام المخالف أو مؤذنه من الفصول فهو لا يخلو من الاشكال لدلالة الخبرين المتقدمين على عدم الاعتداد باذان المخالف وانه يستحب للمأموم الاتيان بالاذان والاقامة لنفسه كما هو اصل المسألة فكيف يعتد باذان المخالف ويبنى عليه ويتم ما نقصه ؟ وما تكلفه شراح كلامهم في هذا المقام لهذه العبارة - من ان ذلك مستحب برأسه وان كان الاذان غير معتمد به أو جعل هذه المسألة منفصلة عن الكلام السابق وانها محمولة على غير المخالف كناسي بعض فصول الاذان أو تاركه أو تارك الجهر تقية - فهو تمحل بعيد عن سياق كلام اولئك القائلين والله العالم. ختام به الاتمام يشتمل على فصول من الاحكام فصل الاذان عند اهل البيت (صلوات الله عليهم) وحي نزل به جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واذن له به في صلاته بالنبيين والملائكة في حديث المعراج. واطبق المخالفون على خلاف ذلك واحتجوا بما رواه عبد الله بن زيد (1) قال " لما امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناقوس ليجتمع به الناس طاف بي وانا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت أتبيع الناقوس ؟ فقال وما تصنع به ؟ قلت ندعو به الناس إلى الصلاة. فقال ألا ادلك على ما هو خير من ذلك ؟ قلت بلى. قال تقول: الله اكبر... إلى آخر الاذان، قال ثم استأخر غير بعيد ثم قال تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله اكبر... إلى آخر الاقامة، فلما اصبحت اتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 209 باختلاف في بعض الالفاظ


[ 435 ]

فاخبرته بما رأيت فقال انها رؤيا حق ان شاء الله تعالى فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليؤذن به فانه اندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت القى عليه ويؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلله الحمد ". اقول: وقد كذب اهل البيت (عليهم السلام) هذه الرواية واستفاضت اخبارهم بان الاذان والاقامة وحي من الله عزوجل كما ذكرناه: فروى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لما هبط جرئيل (عليه السلام) بالاذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فاذن جبرئيل واقام فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله قال يا علي سمعت ؟ قال نعم قال حفظت ؟ قال نعم. قال ادع لي بلالا فعلمه فدعا علي (عليه السلام) بلالا فعلمه " ورواه الصدوق بطريقه إلى منصور بن حازم. وفي الصحيح عن زرارة والفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة فاذن جبرئيل (عليه السلام) واقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصف الملائكة والنبيون خلف محمد صلى الله عليه وآله ". إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) بالملائكة في السماء ايضا وكلها واردة في اخبار المعراج. قال ابن ابي عقيل من متقدمي علمائنا: اطبقت الشيعة (3) على ان الصادق (عليه السلام) لعن قوما زعموا ان النبي (صلى الله عليه وآله) اخذ الاذان من عبد الله بن


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من الاذان والاقامة


[ 436 ]

زيد فقال ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون انه اخذ الاذان من عبد الله بن زيد. اقول: هذه الرواية قد نقلها في كتاب دعائم الاسلام عن الحسين (عليه السلام) (1) قال: " وروينا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن ابيه عن جده عن الحسين بن علي (عليهما السلام) انه سئل عن قول الناس في الاذان ان السبب كان فيه رؤيا رآها عبد الله بن زيد فاخبر النبي (صلى الله عليه وآله) فامر بالاذان ؟ فقال (عليه السلام) الوحي ينزل على نبيكم وتزعمون انه اخذ الاذان من عبد الله بن زيد والاذان وجه دينكم ؟ وغضب وقال بل سمعت ابي علي بن ابي طالب (عليه السلام) يقول اهبط الله ملكا حتى عرج برسول الله صلى الله عليه وآله... " وساق حديث المعراج بطوله وما وقع فيه من الاذان والاقامة والصلاة. وقال السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس (نور الله تعالى مرقده) في كتاب الطرائف: ومن طريق ما سمعت ووقفت عليه ان ابا داود وابن ماجة ذكرا في كتاب السنن (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) هم بالبوق وامر بالناقوس فارى عبد الله بن زيد في المنام رجلا عليه ثوبان اخضران فعلمه الاذان ". اقول: وقد وقع في بعض الاخبار نسبة الرؤيا المذكورة إلى ابي بن كعب وهو ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عمر بن اذينة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ما تروي هذه الناصبة ؟ فقلت جعلت فداك فيماذا ؟ فقال في اذانهم وركوعهم وسجودهم. فقلت انهم يقولون ان ابي بن كعب رآه في النوم فقال كذبوا فان دين الله اعز من ان يرى في النوم. قال فقال هل له سدير الصيرفي جعلت فداك فاحدث لنا من ذلك ذكرا فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الله تعالى لما عرج بنبيه


(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من الاذان والاقامة (2) سنن ابى داود ج 1 ص 195 إلى 200 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 239 (3) الوافى باب بدو الصلاة وعللها وروى في الوسائل قطعة منه في الباب 15 من الوضوء


[ 437 ]

(صلى الله عليه وآله) إلى سماواته السبع... " ثم ساق (عليه السلام) الخبر وهو طويل جدا يشتمل على الاذان والصلاة وان ذلك كان في مبدأ التكليف. وما اشتمل عليه هذا الخبر من نسبة الرؤيا إلى ابي بن كعب خلاف ما اشتهر بين الخاصة والعامة من انه عبد الله بن زيد كما تقدم. والله العالم. فصل روى الصدوق في كتاب العلل والعيون عن الفضل بن شاذان في ما رواه من العلل عن الرضا (عليه السلام) (1) " فان قال: اخبرني عن الاذان لم امروا به ؟ قيل لعلل كثيرة: منها - ان يكون تذكيرا للساهي وتنبيها للغافل وتعريفا لمن جهل الوقت واشتغل عن الصلاة وليكون ذلك داعيا إلى عبادة الخالق مرغبا فيها مقرا له بالتوحيد مجاهرا بالايمان معلنا بالاسلام مؤذنا لمن ينساها وانما يقال مؤذن لانه يؤذن بالصلاة، فان قال فلم بدئ فيه بالتكبير قبل التهليل ؟ قيل لانه اراد ان يبدأ بذكره واسمه لان اسم الله تعالى في التكبير في اول الحرف وفي التهليل في آخر الحرف فبدأ بالحرف الذي اسم الله في اوله لا في آخره، فان قال فلم جعل مثنى مثنى ؟ قيل لان يكون مكررا في آذان المستمعين مؤكدا عليهم ان سها احد عن الاول لم يسه عن الثاني ولان الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جعل الاذان مثنى مثنى، فان قال لم يجعل التكبير في اول الاذان اربعا ؟ قيل لان اول الاذان انما يبدو غفلة وليس قبله كلام ينبه المستمع له فجعل ذلك تنبيها للمستمعين لما بعده في الاذان، فان قال لم جعل بعد التكبير شهادتين ؟ قيل لان اول الايمان انما هو التوحيد والاقرار لله عزوجل بالوحدانية والثاني الاقرار للرسول بالرسالة وان طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان، ولان اصل الايمان انما هو الشهادة فجعل شهادتين شهادتين في الاذان كما جعل في سائر الحقوق شهادتين، فإذا اقر الله بالوحدانية واقر للرسول بالرسالة فقد اقر بجملة


(1) الوسائل الباب 19 من الاذان والاقامة


[ 438 ]

الايمان لان اصل الايمان انما هو الاقرار بالله وبرسوله، فان قال فلم جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة ؟ قيل لان الاذان انما وضع لموضع الصلاة وهو نداء إلى الصلاة فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الاذان فقدم المؤذن قبلها اربعا: التكبيرتين والشهادتين واخر بعدها اربعا: يدعو إلى الفلاح حثا على البر والصلاة ثم دعا إلى خير العمل مرغبا فيها وفي عملها وفي ادائها ثم نادى بالتكبير والتهليل ليتم بعدها اربعا كما اتم قبلها اربعا وليختم كلامه بذكر لله تعالى كما فتحه بذكر الله، فان قال فلم جعل آخرها التهليل ولم يجعل آخرها التكبير كما جعل في اولها التكبير ؟ قيل لان التهليل اسم الله في آخره فاحب الله ان يختم الكلام باسمه كما فتحه باسمه، فان قال فلم لم يجعل بدل التهليل التسبيح والتحميد مع ان اسم الله في آخرها ؟ قيل لان التهليل هو اقرار لله تعالى بالتوحيد وخلع الانداد من دون الله تعالى وهو اول الايمان واعظم من التسبيح والتحميد ". فصل روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابن ابي عمير (1) " انه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن (حي على خير العمل) لم تركت من الاذان ؟ فقال تريد العلة الظاهرة أو الباطنة ؟ قلت اريدهما جميعا. فقال اما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالا على الصلاة واما الباطنة فان خير العمل الولاية فاراد من امر بترك (حي على خير العمل) من الاذان ان لا يقع حث عليها ودعاء إليها ". وروى في الكتاب المذكور بسنده عن عكرمة (2) قال: " قلت لابن عباس اخبرني لاي شئ حذف من الاذان " حي على خير العمل " ؟ قال اراد عمر بذلك ان لا يتكل الناس على الصلاة ويدعوا الجهاد فلذلك حذفها من الاذان ". ونظير هذا التعليل العليل ما نقله اولياؤه عنه ايضا في تحريم متعة الحج من قوله (3)


(1) الوسائل الباب 19 من الاذان والاقامة (2) البحار ج 18 الصلاة ص 170 (3) الوسائل الباب 2 من اقسام الحج


[ 439 ]

" كرهت ان يخرجوا إلى الحج ورؤوسهم تقطر من نسائهم " (1) وقوله " كرهت ان يكونوا معرسين تحت الاراك ثم يخرجون إلى الحج ورؤوسهم تقطر من نسائهم " أرأيت ان الله عزوجل الذي امر بهذين الحكمين لا يعلم بهذا الامر الذي علل هذا المرتد به في كل من الموضعين فذهب ذلك عن علم الله سبحانه وانما اهتدى إليه هو ؟ ولقد صدق عليه قوله عزوجل " ذلك بانهم كرهوا ما انزل الله فاحبط اعمالهم " (2). وروى في كتاب معاني الاخبار بسنده عن محمد بن مروان عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " أتدري ما تفسير (حي على خير العمل) ؟ قال قلت لا. قال دعاك إلى البر أتدري بر من ؟ قلت لا. قال إلى بر فاطمة وولدها (عليهم السلام) ". اقول: لا منافاة بين هذه الاخبار وبين ما تقدم في علل الفضل بن شاذان من تفسير خير العمل بالصلاة فان اخبارهم كالقرآن لها ظهر وبطن. وفي كتاب العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم بن هاشم (4) قال: " علة الاذان ان تكبر الله وتعظمه وتقر بتوحيد الله وبالنبوة والرسالة وتدعو إلى الصلاة وتحث على الزكاة، ومعنى الاذان الاعلام لقوله تعالى: " واذان من الله ورسوله إلى الناس " (5) اي اعلام وقال امير المؤمنين (عليه السلام) " كنت انا الاذان في الناس بالحج " وقوله " واذن في الناس بالحج " (6) اي اعلمهم وادعهم، فمعنى " الله " انه يخرج الشئ من حد العدم إلى حد الوجود ويخترع الاشياء لا من شئ وكل مخلوق دونه يخترع الاشياء من شئ إلا الله فهذا معنى " الله " وذلك فرق بينه وبين المحدث، ومعنى " اكبر " اي اكبر من ان يوصف في الاول واكبر من كل شئ لما خلق الشئ،


(1) تيسير الوصول ج 1 ص 288 (2) سورة محمد، الآية 10 (3) البحار ج 18 الصلاة ص 170 (4) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بابواب الاذان والاقامة (5) سورة التوبة، الآية 3 (6) سورة الحج، الآية 28


[ 440 ]

ومعنى قوله " اشهد ان لا إله إلا الله " اقرار بالتوحيد ونفي الانداد وخلعها وكل ما يعبد من دون الله، ومعنى " اشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " اقرار بالرسالة والنبوة وتعظيم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك قول الله عزوجل " ورفعنا لك ذكرك " (1) اي تذكر معي إذا ذكرت، ومعنى " حي على الصلاة " اي حث على الصلاة ومعنى " حي على الفلاح " اي حث على الزكاة، وقوله " حى على خير العمل " اي حث على الولاية، وعلة انها خير العمل ان الاعمال كلها بها تقبل (2) " الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله " فالقى معاوية من آخر الاذان " محمد رسول الله " (صلى الله عليه وآله) فقال أما يرضى محمد ان يذكر في اول الاذان حتى يذكر في آخره. ومعنى الاقامة هي الاجابة والوجوب ومعنى كلماتها فهي التي ذكرناها في الاذان، ومعنى " قد قامت الصلاة " اي قد وجبت الصلاة وحانت واقيمت، واما العلة فيها فقال الصادق (عليه السلام) إذا اذنت وصليت صلى خلفك صف من الملائكة وإذا اذنت واقمت صلى خلفك صفان من الملائكة. ولا يجوز ترك الاذان إلا في صلاة الظهر والعصر والعتمة يجوز في هذه الصلوات الثلاث اقامة بلا اذان والاذان افضل ولا تجعل ذلك عادة. ولا يجوز ترك الاذان والاقامة في صلاة المغرب وصلاة الفجر، والعلة في ذلك ان هاتين الصلاتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار ". قال في البحار بعد نقل ذلك: لعل الحث على الزكاة في الاذان لكون قبول الصلاة مشروطا بها وكون الشهادة بالرسالة في آخر الاذن غريب لم اره في غير هذا الكتاب فصل روى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال والمجالس والعيون بسنده عن عباس


(1) سورة الانشراح، والآية 4 (2) هكذا عبارة الحديث في المستدرك والبحار ج 18 الصلاة ص 178


[ 441 ]

مولى الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول من قال حين يسمع اذان الصبح: اللهم اني اسألك باقبال نهارك وادبار ليلك وحضور صلواتك واصوات دعاتك وتسبيح ملائكتك ان تتوب علي انك انت التواب الرحيم وقال مثل ذلك إذا سمع اذان المغرب ثم مات من يومه أو من ليلته تلك كان تائبا ". اقول: في رواية المجالس (2) " كان أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول. " وفي كتاب مصباح الشيخ (3) " اذن للمغرب وقل وذكر الدعاء. قال في البحار: الباء في قولك " باقبال نهارك " اما سببية اي كما انعمت علي بتلك النعم فانعم علي بتوفيق التوبة أو بقبولها، أو قسمية، ويحتمل الظرفية على بعد، قوله " دعاتك " في بعض النسخ بالهمزة وفي بعضها بالتاء جمع داع كقاض وقضاة، وبعده " وتسبيح ملائكتك " في اكثر الروايات وليس في بعضها. وقال في كتاب الفقه الرضوي (4): " تقول بين الاذان والاقامة في جميع الصلوات اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صلى على محمد وآل محمد واعط محمدا (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة سؤله آمين رب العالمين اللهم اني اتوجه اليك بنبيك نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله) واقدمهم بين يدي حوائجي كلها فصل عليهم واجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين واجعل صلاتي بهم مقبولة ودعائي بهم مستجابا وامنن علي بطاعتهم يا ارحم الراحمين. تقول هذا في جميع الصلوات وتقول بعد اذان الفجر اللهم اني اسألك باقبال نهارك... إلى آخر ما مر، وان احببت ان تجلس بين الاذان والاقامة فافعل فان فيه فضلا كثيرا... إلى آخر ما تقدم في مسألة استحباب الفضل بين الاذان والاقامة.


(1) الوسائل الباب 43 من الاذان والاقامة (2) و (3) البحار ح 18 الصلاة ص 179 (4) ص 6


[ 442 ]

وقال الشيخ في المصباح (1): يستحب ان يقول في السجدة بين الاذان والاقامة " اللهم اجعل قلبي بارا ورزقي دارا واجعل لي عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مستقرا وقرارا " وفي كتاب البلد الامين (2) "... ورزقي دارا وعيشى قارا واجعل لي عند قبر نبيك محمد صلى الله عليه وآله... " وفي الرسالة النفلية (3) "... وعيشي قارا ورزقي دارا... " وفي بعض كتب الدعاء (4) بعد ذلك " وعلمي سارا " وفي بعضها (5) " عند رسولك " بغير القبر. وفي الكافي في حديث مرفوع (6) " يقول الرجل إذا فرغ من الاذان وجلس: اللهم اجعل قلبي بارا ورزقي دارا واجعل لي عند قبر نبيك قرارا ومستقرا ". قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (7): " اللهم اجعل قلبي بارا " البار المطيع والمحسن والمعنى عليهما سؤال الله ان يجعل قلبه مطيعا لسيده وخالقه ومحسنا في تقلباته وحركاته وسكناته فان الاعضاء تتبعه في ذلك كله " وعيشي قارا " الاجود كون القار هنا متعديا والمفعول محذوفا اي قارا لعيني، يقال اقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يرضيك من العيش فتقر عينك من النظر إلى غيره قاله الهروي. ويجوز كونه لازما اي مستقرا لا يحوج إلى الخروج إليه في سفر ونحوه، وقد روى " ان من سعادة الرجل ان تكون معيشته في بلده " أو قارا في الحالة المهناة لا يتكدر بشئ من المنقصات فيضطرب " ورزقي دارا " اي يزيد ويتجدد شيئا فشيئا كما يدر اللبن " واجعل لي عند قبر رسولك مستقرا وقرارا " المستقر المكان والقرار المقام اي اجعل لي عنده مكانا اقر فيه. وقيل هما مترادفان. ونقل المصنف في بعض تحقيقاته ان المستقر في الدنيا والقرار في الآخرة كأنه يسأل ان يكون المحيى والممات عنده واختص الدنيا بالمستقر لقوله تعالى " ولكم في الارض مستقر " (8) والاخرة بالقرار لقوله تعالى " وان الاخرة هي دار


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (7) البحار ج 18 الصلاة ص 181 (6) الوسائل الباب 12 من الاذان والاقامة (8) سورة البقرة، الآية 34


[ 443 ]

القرار " (1) وفيه ان القبر لا يكون في الآخرة واطلاق الآخرة على الممات خاصة بعيد نعم في بعض روايات الحديث " واجعل لي عند رسولك " بغير ذكر القبر ويمكن تنزيل التأويل حينئذ عليه بان يكون السؤال بان يكون مقامه في الدنيا والآخرة في جواره (صلى الله عليه وآله) انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: الظاهر ان استدراك شيخنا المذكور على المصنف ليس في محله فان باب المجاز واسع وقد ورد " ان من مات فقد قامت قيامته " مع ان الموت والانتقال إلى عالم البرزخ ليس من القيامة حقيقة التي هي الدار الآخرة. وبالجملة فباب التجوز اوسع من ذلك. والله العالم.


(1) سورة المؤمن، الآية 42 " ولكم في الارض مستقر " (8) والاخرة بالقرار لقوله تعالى " وان الاخرة هي دار


  الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>