
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثاني
في الصلوات اليومية
وما يلحق بها من قواطعها وسهوها وشكوكها، والبحث فيه يقع في مقصدين:
(الاول) - في الصلاة والواجب على عادتنا في الكتاب ان نذكر هنا جملة من الاخبار المشتملة على افعال الصلاة وآدابها: فمن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الكافي والتهذيب والفقيه والمجالس وغيرها، رووا في الصحيح والحسن عن حماد بن عيسى (1) قال: " قال: لي أبو عبد الله (عليه السلام): يوما يا حماد تحسن ان تصلي ؟ قال فقلت يا سيدي انا احفظ كتاب حريز في الصلاة، قال لا عليك يا حماد قم فصل قال فقمت بين يديه متوجها الى القبلة فاستفتحت الصلاة فركعت وسجدت فقال يا حماد لا تحسن ان تصلي ما اقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة. قال حماد: فأصابني في نفسي الذل فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد الله
(1) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 3 ]
(عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث اصابع منفرجات واستقبل باصابع رجليه جمعيا القبلة لم يحرفهما عن القبلة وقال بخشوع: " الله اكبر " ثم قرأ الحمد بترتيل و " قل هو الله احد " ثم صبر هنيهة بقدر ما يتنفس وهو قائم ثم رفع يديه حيال وجهه وقال " الله اكبر " وهو قائم ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه منفرجات ورد ركبتيه الى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره ومد عنقه وغمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال: " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال " سمع الله لمن حمده " ثم كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه وقال " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاث مرات ولم يضع شيئا من جسده على شيئ منه وسجد على ثمانية اعظم: الكفين والركبتين وانامل ابهامي الرجلين والجبهة والانف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها وهي التي ذكرها الله عزوجل في كتابه وقال " وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " (1) وهي الجبهة والكفان والركبتان والابهامان، ووضع الانف على الارض سنة. ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: " الله اكبر " ثم قعد على فخذه الايسر وقد وضع ظاهر قدمه الايمن على بطن قدمه الايسر فقال: " استغفر الله ربي واتوب إليه " ثم كبر وهو جالس وسجد السجدة الثانية وقال كما قال في الاولى ولم يضع شيئا من بدنه على شيئ منه في ركوع ولا سجود وكان مجنحا ولم يضع ذراعيه على الارض، فصلى ركعتين على هذا ويداه مضمومتا الاصابع وهو جالس في التشهد فلما فرغ من التشهد سلم فقال يا حماد هكذا صل ". وروى ثقة الاسلام في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2)
(1) سورة الجن، الآية 18 (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 4 ]
قال: " إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالاخرى ودع بينهما فصلا اصبعا اقل ذلك الى شبر اكثره، واسدل منكبيك وارسل يديك ولا تشبك اصابعك وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك وليكن نظرك الى موضع سجودك، فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، وبلع اطراف اصابعك عين الركبة وفرج اصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك الى ركبتيك اجزأك ذلك، واحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك في عين الركبة وتفرج بينها واقم صلبك ومد عنقك وليكن نظرك الى ما بين قدميك، فإذا اردت ان تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا وابدأ بيديك فضعهما على الارض قبل ركبتيك تضعهما معا ولا تفرش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه ولا تضعن ذراعيك على ركبتيك وفخذيك ولكن تجنح بمرفقيك ولا تلصق كفيك بركبتيك ولا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك ولكن تحرفهما عن ذلك شيئا وابسطهما على الارض بسطا واقبضهما اليك قبضا وان كان تحتهما ثوب فلا يضرك وان افضيت بهما الى الارض فهو افضل، ولا تفرجن بين اصابعك في سجودك ولكن ضمهن جميعا، قال وإذا قعدت في تشهدك فالصق ركبتيك بالارض وفرج بينهما شيئا وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الارض وظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى واليتاك على الارض وطرف ابهامك اليمنى على الارض، واياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك ولا تكن قاعدا على الارض فتكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء ". بيان: الظاهر ان انكار الصادق (عليه السلام) على حماد في صلاته وتعليمه انما هو بالنسبة الى سنن الصلاة وآدابها لا بالنسبة الى واجباتها وإلا لامره بقضاء ما مضى من صلواته، على ان مثل حماد (رضوان الله عليه) اجل قدرا من ان يجهل الواجب عليه كما يشير إليه قوله: " انا احفظ كتاب حريز في الصلاة " وبذلك يظهر لك
[ 5 ]
ما في كلام السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) في مسألة معذورية الجاهل من دعواه جهل حماد بالاحكام الواجبة وان الامام (عليه السلام) لم يأمره بالقضاء من حيث معذورية الجاهل. وقد نقلنا كلامه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في مسألة معذورية الجاهل. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى، قال: والظاهر ان صلاة حماد كانت مسقطة للقضاء وإلا لامره بقضائها ولكنه عدل به الى الصلاة التامة. والظاهر ان صلاته (عليه السلام) لم تكن صلاة حقيقية بل كانت لمجرد التعليم للكلام في اثنائها كما حكاه الراوي إلا ان يحمل على ان الكلام انما كان بعدها ولكن حماد حكاه في اثنائها للبيان وربطه بما يتلعق به. قوله: " ما اقبح بالرجل منكم.. " قال شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين: فصل بين فعل التعجب وبين معموله وهو مختلف فيه بين النحاة فمنعه الاخفش والمبرد وجوزه المازني والفراء بالظرف ونقلا عن العرب انهم يقولون " ما احسن بالرجل ان يصدق " وصدوره من الامام (عليه السلام) من اقوى الحجج على جوازه، والجار في قوله (عليه السلام) " منكم " حال من الرجل أو وصف له فان المعرف بلام العهد الذهني في حكم النكرة، والمراد ما اقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم. قوله: " وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث اصابع منفرجات " هذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث صرحوا بانه يستحب ان يكون بينهما ثلاث اصابع منفرجات الى شبر إلا ان ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة وقوله في صدرها " اصبعا اقل ذلك الى شبر " ربما نافى هذا الخبر. واجاب عنه شيخنا البهائي في الحبل المتين بانه لعل المراد به طول الاصبع لا عرضه. الظاهر من الصحيحة المذكورة ان التحديد بالاصبع الى قدر شبر انما هو في حال القيام واما حال الركوع فانه يكون بينهما قدر شبر، والمفهوم من كلام الاصحاب العموم.
[ 6 ]
قوله: " ثم قرأ الحمد بترتيل " الترتيل لغة التأني وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم " ثغر رتل ومرتل " إذا كان مفلجا وبه فسر قوله تعالى " ورتل القرآن ترتيلا " (1) وعن امير المؤنين (عليه السلام) (2) " انه حفظ الوقوف وبيان الحروف " اي مراعاة الوقف التام والحسن والاتيان بالحروف على الصفات المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق والغنة وامثالها، والترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، ومن حمل الامر في الآية على الوجوب فسر الترتيل باخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز ولا يندمج بعضها في بعض. قوله " صبر هنيهة " في بعض نسخ الحديث " هنية " بضم الهاء وتشديد الياء بمعنى الوقت اليسير تصغير " هنة " بمعنى الوقت، وربما قيل " هنيهة " بابدال الياء هاء واما " هنيئة " بالهمزة فغير صواب نص عليه في القاموس، كذا افاد شيخنا البهائي في الحبل المتين إلا ان شيخنا المجلسي نقل ان اكثر النسخ هنا بالهمزة وفي المجالس وبعض نسخ التهذيب بالهاء. قوله " بقدر ما يتنفس " في بعض النسخ " بقدر ما تنفس " فيكون الضمير راجعا له (عليه السلام) وفى بعضها " يتنفس " بالمضارع المبني للمجهول، وفيه دلالة على استحباب السكتة بعد السورة وان حدها بقدر النفس، قال في الذكرى: من المستحبات السكوت إذا فرغ من الحمد والسورة وهما سكتتان لرواية اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) المشتملة على ان ابي بن كعب قال " كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) سكتتان: إذا فرغ من ام القرآن وإذا فرغ من السورة " وفي رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس. وقال ابن الجنيد روى سمرة وابي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) (4) ان السكتة الاولى بعد تكبيرة الافتتاح والثانية بعد
(1) سورة المزمل الآية 4 (2) الوافى باب سائر احكام القراءة (3) الوسائل الباب 46 من القراءة (4) تيسير الوصول ج 2 ص 229
[ 7 ]
الحمد، ثم قال والظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الاخيرتين قبل الركوع وكذا عقيب التسبيح. انتهى. وسيجئ تمام الكلام في ذلك ان شاء الله تعالى في مستحباب القراءة. قوله " ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه " ربما نافاه قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم " ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك ولكن تحرفهما عن ذلك شيئا " والجواب عن ذلك ما افاده شيخنا البهائي (عطرالله مرقده) قال: وقوله (عليه السلام) " ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك " اي لا تجعلهما في نفس قبلة الركبتين بل احرفهما عن ذلك قليلا. ولا ينافي هذا ما في حديث حماد من انه (عليه السلام) بسط كفيه بين يدي ركبتية لان المراد بكون الشيئ بين اليدين كونه بين جهتي اليمين والشمال وهو اعم من المواجهة الحقيقية والانحراف اليسير الى احد الجانبين ويستعمل ذلك في كل من المعنيين. فاستعمل في هذا الحديث في الاول وفى الآخر في الثاني، قال صاحب الكشاف في قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (1) حقيقة قولهم: " جلست بين يدي فلان " ان يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا كما يسمى الشيئ باسم غيره إذا جاوره وداناه. انتهى قوله " فصلى ركعتين على هذا " قال شيخنا في البحار قال الشيخ البهائي (قدس سره) هذا يعطي انه (عليه السلام) قرأ سورة التوحيد في الركعة الثانية ايضا وهو ينافي ما هو المشهور بين اصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين وكراهة تكرار الواحدة فيهما إذا احسن غيرها كما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) ويؤيده ما مال إليه بعضهم من استثناء سورة الاخلاص من هذا الحكم وهو جيد
(1) سورة الحجرات الآية 1 (2) الوسائل الباب 6 من القراءة في الصلاة
[ 8 ]
ويعضده ما رواه زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) من " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى ركعتين وقرأ في كل منهما قل هو الله احد " وكون ذلك لبيان الجواز بعيد. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. قوله في صحيح زرارة " وبلع اطراف اصابعك عين الركبة " ضبطه شيخنا البهائي (زاده الله بهاء وشرفا) باللام المشددة والعين المهملة من البلع اي اجعل اطراف اصابعك بالعة عين الركبة، وقال: وهذا كما سيجيئ في بحث الركوع من قوله (عليه السلام) (2) " وتلقم باطراف اصابعك عين الركبة " اي تجعل عين الركبة كاللقمة لاطراف الاصابع. وربما يقرأ " وبلغ " بالغين المعجمة وهو تصحيف. انتهى. قوله في الحديث المذكور " واقبضهما اليك قبضا " قال شيخنا البهائي (قدس سره) ولعل المراد بقبض الكفين في قوله (عليه السلام) " واقبضهما اليك قبضا " انه إذا رفع رأسه من السجدة الاولى ضم كفيه إليه ثم رفعهما بالتكبير لا انه برفعهما بالتكبير وعن الارض برفع واحد، وفى كلام الشيخ الجليل علي بن بابويه (قدس سره) ما يفسر ذلك فانه قال: إذا رفع رأسه من السجدة الاولى قبض يديه إليه قبضا فإذا تمكن من الجلوس رفعهما بالتكبير. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. وفى نظري القاصر ان ما ذكره في معنى العبارة المذكورة لا يخلو من بعد وقياسه على عبارة الشيخ المذكور قياس مع الفارق فان سياق عبارة الخبر ان الامر بقبضهما إليه قبضا انما هو حال السجود فان ما قبل هذه الجملة وما بعدها كله في آداب حال السجود ولا تعلق له بالرفع من السجود، وحمل هذه الجملة من بين هذه الجمل التي قبلها وبعدها على
(1) الوسائل الباب 7 من القراءة في الصلاة (2) يشير " قدس سره " الى صحيح زرارة الذي سيذكره المصنف " قدس سره " في مستحبات الركوع والمروي في الوسائل في الباب 1 من ابواب الركوع وقد ضبطه هناك كذلك كما في التهذيب ج 1 ص 156.
[ 9 ]
المعنى الذي ذكره خروج عن ظاهر السياق والنظام بل من قبيل الالغاز الذي يبعد تصوره عن الافهام، ولا اشارة في هذه العبارة الى التكبير فضلا عن التصريح كما وقع التصريح به في عبارة الشيخ المذكور. واما عبارة الشيخ المذكور فانها صريحة في الرفع من السجود والتكبير بعده. ثم انه (قدس سره) كتب في الحاشية على هذا الموضوع: كان قدماء علمائنا (قدس الله ارواحهم) يحافظون على لفظ الرواية أو ما قرب منه في كتب الفروع. انتهى. اقول: مراده بهذا الكلام الاشارة الى ان الشيخ علي بن بابويه انما ذكر هذه العبارة اخذا من الحديث المذكور وان الشيخ المذكور فهم منه ما فهمه هو (قدس سره) وهو غلط محض (اما اولا) فلما ذكرناه. و (اما ثانيا) فلان كلام الشيخ المذكور انما اخذه من عبارة كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت في غير موضع مما تقدم حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) " ثم ارفع رأسك من السجود واقبض اليك قبضا وتمكن من الجلوس.. الحديث " ومراده قبض يديه إليه قبضا بعد الرفع الى ان يجلس ولكنه لم يذكر التكبير بعد الجلوس كما ذكره الشيخ المذكور. والظاهر عندي من معنى الكلام المذكور في صحيحة زرارة انما هو قبض الكفين إليه حال السجود بمعنى ان لا يباعدهما عنه بل يدنيهما منه ويجعلهما محاذيين للمنكبين كما تضمنته الرواية. وروى ثقة الاسلام (عطر الله مرقده) في الكافي عن زرارة (2) قال: " إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها ولا تفرج بينهما وتضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى الييها ليس كما يقعد الرجل، وإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين ثم تسجد لاطئة بالارض، فإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها ورفعت
(1) ص 8 (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 10 ]
ركبتيها من الارض، واذ نهضت انسلت انسالالا لاترفع عجيزتها اولا " قال في الذكرى هذه الرواية موقوفة على زرارة لكن عمل الاصحاب عليها. انتهى. وروى في الكافي التهذيب عن ابن ابي يعفور في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها ". وعن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن جلوس المرأة في الصلاة ؟ قال تضم فخذيها ". وروى ابن بكير عن بعض اصحابنا (3) قال: " المرأة إذا سجدت تضممت والرجل إذا سجد تفتح ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (4): والمرأة إذا قامت الى صلاتها ضمت برجليها ووضعت يديها على صدرها من مكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها على فخذيها ولا تطأطئ كثيرا لئلا ترتفع عجيزتها، فإذا سجدت جلست ثم سجدت لاطئة بالارض فإذا ارادت النهوض تقوم من غير ان ترفع عجيزتها، فإذا قعدت للتشهد رفعت رجليها وضمت فخذيها. انتهى. اقول: قد ذكر الشيخ وجمع من الاصحاب ان حكم المرأة في الصلاة حكم الرجل إلا في الجهر والاخفات وفى مواضع اخرى مذكورة في صحيحة زراره. وروى في الكافي عن الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فأنما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك فان ذلك كله نقصان من
(1) و (3) الوسائل الباب 3 من السجود (4) ص 9 (2) الوسائل الباب 1 من التشهد (5) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة
[ 11 ]
الصلاة، ولا تقم الى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فانها من خلال النفاق فان الله تعالى نهى المؤمنين ان يقوموا الى الصلاة وهم سكارى (1) يعني سكر النوم. وقال للمنافقين: وإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (2). وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): فإذا اردت ان تقوم الى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا ولا متناعسا ولا مستعجلا ولا متلاهيا ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة، وعليك بالخشوع والخضوع متواضعا لله عزوجل متخاشعا عليك خشية وسيماء الخوف راجبا خائفا بالطمأنينة على الوجل والحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك وانصب نفسك ولا تلتفت يمينا ولا شمالا وتحسب كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك، ولا تعبث بلحيتك ولا بشيئ من جوارحك ولا تفرقع اصابعك ولا تحك بدنك ولا تولع بانفك ولا بثوبك، ولا تصل وانت متلثم، ولا يجوز للنساء الصلاة ومن متنقبات، ويكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، واظهر عليك الجزع والهلع والخوف وارغب مع ذلك الى الله عزوجل ولا تنكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى، وتصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي ابدا واعلم انك بين يدي الجبار ولا تعبث بشي من الاشياء ولا تحدث لنفسك وافرغ قلبك وليكن شغلك في صلاتك وارسل يديك الصقهما بفخذيك، فإذا افتتحت الصلاة فكبر وارفع يديك بحذاء اذنيك ولا تجاوز بابهاميك حذاء اذنيك، ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك ولا بأس بذلك في النافلة والوتر، فإذا ركعت فالقم ركبتيك راحتيك وتفرج بين اصابعك واقبض عليهما، وإذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها الى المكان ثم اسجد وضع جبينك على الارض وارغم على راحتيك واضمم اصابعك وضعهما مستقبل القبلة، وإذا جلست فلا تجلس
(1) سورة النساء الآية 46 (2) سورة النساء الآية 141 (3) ص 7
[ 12 ]
على يمينك لكن انصب يمينك واقعد على الييك، ولا تضع يديك بعضهما على بعض ولكن ارسلهما ارسالا فان ذلك تكفير اهل الكتاب، ولا تتمط في صلاتك ولا تتجشأ وامنعهما بجهدك وطاقتك، فإذا عطست فقل " الحمدالله " ولا تطأ موضع سجودك ولا تتقدم مرة ولا تتأخر اخرى، ولا تصل وبك شيئ من الاخبثين وان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه غير اضرار بالصلاة، واقبل على الله بجميع القلب وبوجهك حتى يقبل الله عليك، واسبغ الوضوء وعفر جبينيك في التراب، وإذا اقبلت على صلاتك اقبل الله عليك بوجهه وإذا اعرضت اعرض الله عنك. واروي عن العالم (عليه السلام) انه قال ربما لم يرفع من الصلاة إلا النصف أو الثلث أو السدس على قدر اقبال العبد على صلاته وربما لا يرفع منها شيئ ترد في وجهه كما يرد الثوب الخلق وتنادي ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا يعطي الله القلب الغافل شيئا. وروى إذا دخل العبد في صلاته لم يزل الله ينظر إليه حتى يفرغ منها. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا احرم العبد في صلاته اقبل الله عليه بوجهه ويوكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا فان اعرض اعرض الله عنه ووكله الى الملك. انتهى كلامه في الكتاب المذكور. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصلاة تشتمل على الواجب والمستحب ونحن نذكر سياقها حسب ما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) من جعل مطرح البحث فيها الواجبات الثمانية المشهورة ونزيد بذكر القنوت في اثنائها وان كان مستحبا عندنا، وننبه على مستحباتها كل في موضعه من غير ان نفردها بعنوان على حدة كما فعله جملة من الاعلام فان هذا اليق بالترتيب والنظام، ونفرد ذكر الاخيرتين بالبحث على حدة لا كما ذكره اصحابنا من جعله في بحث القراءة والسبب في مخالفتنا لهم في ذلك هو ان الظاهر انهم انما جعلوه في بحث القراءة من حيث ان القراءة في الاخيرتين هي الاصل عندهم والتسبيح انما هو فرع عليها كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، ونحن لما كان الظاهر عندنا ان الواجب في الاخيرتين انما هو
[ 13 ]
التسبيح اما عينا كما هو اختيار بعض متأخري متأخرينا (رضوان الله عليهم) أو تخييرا مع كونه الافضل كما هو المقطوع به من اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) كان افراد ذلك بالبحث هو الاليق بالترتيب والنظام كما لا يخفى على الفطن الاريب وجملة ذوي الافهام، ولطول البحث في المقام كما سنشرحه لك ان شاء الله تعالى بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام، ولما يتعلق بذلك من الاحكام الخاصة التي لم تحم حولها الاقلام وحينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في فصول عشرة: الفصل الاول في النية وقد تقدم البحث فيها في كتاب الطهارة في نية الوضوء بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام بتحقيق وتدقيق - يكشف نقاب الاجمال عنها الابهام بجميع احكامها ومتعلقاتها - للنصوص مطابق وللاخبار موافق ولكن لا بأس بنقل بعض كلماتهم في هذا المقام وبيان ما فيها من الاختلال وعدم الانتظام في سلك ذلك النظام: فنقول قال السيد السند (قدس سره) في مدارك الاحكام - بعد قول المصنف وحقيقتها استحضار صفة الصلاة في الذهن والقصد بها الى امور اربعة: الوجوب أو الندب والقربة والتعيين وكونها اداء أو قضاء - ما لفظه: اعلم ان النية عبارة عن امر واحد بسيط وهو القصد الى الفعل لكن لما كان القصد الى الشئ المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة احضار ذاتها في الذهن مطلقا وصفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد الى فعل هذا المعلوم طاعة لله وامتثالا لامره. وقد احسن شيخنا الشيهد في الذكرى حيث قال بعد ان ذكر نحو ذلك: وتحقيقه انه إذا اريد نية الظهر مثلا فالطريق إليها احضار المنوي بمميزاته عن غيره في الذهن فإذا حضر قصد المكلف الى ايقاعه تقربا الى الله تعالى، وليس فيه ترتيب بحسب التصور وان وقع ترتيب فانما هو بحسب التعبير عنه بالالفاظ إذ من ضرورتها ذلك، فلو ان مكلفا احضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤداة
[ 14 ]
ثم استحضر قصد فعلها تقربا وكبر كان ناويا. إذا عرفت ذلك فنقول انه يعتبر في نية الصلاة القربة وهي الطاعة لله، ثم ساق الكلام في تلك الامور الاربعة التي ذكرها المصنف بنقض وإبرام، الى ان قال. وبالجملة فالمستفاد من الادلة الشرعية سهولة الخطب في امر النية وان المعتبر فيها قصد الفعل المعين طاعة لله تعالى خاصة، وهذا القدر امر لا يكاد ينفك عنه عاقل متوجه الى ايقاع العبادة ومن هنا قال بعض الفضلاء لو كلف الله تعالى بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق. وقال بعض المحققين لولا قيام الادلة على اعتبار القربة وإلا لكان ينبغي ان يكون هذا من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " (1) وذكر الشهيد (قدس سره) في الذكرى ان المتقدمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهيه بل كانوا يقولون اول واجبات الوضوء غسل الوجه واول واجبات الصلاة تكبيرة الاحرام. وكأن وجهه ان القدر المعتبر من النية امر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه وما زاد عليه فليس بواجب، ومما يؤيد ذلك عدم ورود النية في شئ من العبادات على الخصوص بل خلو الاخبار الواردة في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) وغسله وتيممه (2) من ذلك، وكذا الرواية المتضمنة لتعليم الصادق (عليه السلام) (3) لحماد الصلاة حيث قال فيها: انه (عليه السلام) قام واستقبل القبلة وقال بخشوع " الله اكبر " ولم يقل فكر في النية ولا تلفظ بها ولا غير ذلك من هذه الخرافات المحدثة، ويزيده بيانا ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. " ثم ساق الرواية كما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى.
(1) الشهاب في الحكم والآداب ص 15 وارجع ايضا الى ج 1 ص 156 (2) الوسائل الباب 15 من الوضوء و 32 من الجنابة و 11 من التيمم (3) ص 2 (4) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام
[ 15 ]
اقول: لقد اجاد في هذا الكلام الاخير بما افاد وطابق السداد لكنة ناقض نفسه في ما صدر به الكلام وايده بما استحسنه من كلام الذكرى في ذلك المقام وكذا بما ذكره بعد ذلك في مسألة مقارنة النية حيث احتذى حذو اولئك الاعلام. وتوضيح ذلك ان مقتضى كلامه الاول الذي في صدر البحث انه لابد من احضار المنوي اولا في الذهن بجميع مميزاته عن غيره فإذا احضر قصد الى ايقاعه تقربا الى الله تعالى، ولا ريب في مدافعته لما ذكره اخيرا بقوله " وبالجملة فالمستفاد من الادلة الشرعية.. الى آخر الكلام " فان مقتضى الكلام الاول كما عرفت انه لابد لقاصد الصلاة عند التكبير من احضار ذاتها وتصورها وتصور صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد بعد ذلك الى فعل هذا المعلوم طاعة لله، فلابد على هذا من زمان يحصل فيه هذا التصور والاستحضار وملاحظة المميزات وتخليصها من شباك وساوس ابليس وما يوقعه في ذلك الوقت من الوسوسة والتلبيس حتى يكبر بعده، واين هذا من مقتضى الكلام الاخير من ان النية امر جبلي لا ينفك عنه العاقل حتى لو كلف الله العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطلق، ثم ايد ذلك بعدم ذكر النية في كلام المتقدمين وكذا في الاخبار ؟ وعلى هذا فاين ما ذكره اولا من وجوب احضار المنوي في ذلك الوقت واين تصوره وتصور مميزاته ثم القصد إليه وانه لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بعد هذه التصورات ونحوها مما اعترف اخيرا بانه من الخرافات ؟ وبالجملة فان ظاهر كلامه الاخير يعطي ان ما ذكره اولا من جملة تلك الخرافات التي اشار إليها وان كانت اقل مما ذكره غيره. وتحقيق هذا المقام بما لا يحوم حوله النقض والابرام وان تقدم في كتاب الطهارة كما اشرنا إليه إلا انه ربما تعذر على الناظر في هذا المقام الرجوع إليه لعدم وجود الكتاب عنده مع ان ما ذكرناه هنا فيه مزيد ايضاح على ما تقدم: فنقول وبالله سبحانه الثقة والهداية لادارك المأمول ونيل المسؤول: لا ريب ان افعال العقلاء كلها من عبادات وغيرها لا تصدر إلا عن تصور الدواعي الباعثة على الاتيان
[ 16 ]
بها وهي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا - يتصور الانسان ان دخوله على زيد وزيارته له وخدمته له موجب لاكرامه له، وكتابة هذا الكتاب موجب لانتفاعه به، وتزويجه امرأة موجب لكسر الشهوة الحيوانية أو حصول النسل، ونحو ذلك من الدواعي الحاملة على الافعال، فإذا تصورت النفس هذه الاغراض انبعث منها شوق الى جذبها وتحصيلها فقد يتزايد هذا الشوق ويتأكد ويسمى بالارادة، فإذا انضم الى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك العضلات الى ايقاع تلك الافعال وايراد ها وتحركت الى اصدارها وايجادها لاجل غرضها الذي تصورته اولا، فانبعاث النفس وتوجهها وقصدها الى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرار الفعل والاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بادنى توجه والتفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة افعالنا المتكررة منا، وحينئذ فليست النية بالنسبة الى الصلاة إلا كغيرها من سائر افعال المكلف من قيامه وقعوده واكله وشربه ومغداه ومجيئه ونكاحه ونومه ونحو ذلك من الافعال التي تتكرر منه، ولا ريب ان كل عاقل غير غافل ولا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الافعال إلا بقصد ونية سابقة عليه مع انه لا يتوقف شئ من ذلك على هذا الاستحضار الذي ذكروه والتصوير الذي صوروه. وان اردت مزيد ايضاح لما قلناه فانظر الى نفسك إذا كنت جالسا في مجلسك ثم دخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له تواضعا ففي حال دخوله قمت له اجلالا واكراما كما هو الجاري في رسم العادة فهل يجب عليك ان تتصور اولا في ذهنك وخيالك معنى من المعاني وقصدا من القصود بان تقصد اني اقوم لهذا الرجل اجلالا له واعظاما لقدره وإلا لكان قيامك وتواضعك بغير نية فلا يسمى تواضعا ولا تستحق عليه مدحا ولا ثوابا ام يكفي مجرد قيامك في تلك الحال وبصدق انه وقع منك التعظيم له والاجلال ؟ وهذا شأن الصلاة وان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا وهو عالم بوجوب ذلك
[ 17 ]
الفرض عليه وعالم بكيفيته وكميته وكان الحامل له على الاتيان به هو التقرب الى الله عزوجل ثم قام من مكانه وسارع الى الوضوء ثم توجه الى مسجده ووقف في مصلاه واذن واقام ثم قال " الله اكبر " ثم استمر في صلاته فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية، وهذا هو الذي دلت عليه الاخبار كما اشار إليه في آخر كلامه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي اوقع الناس بالنسبة الى النية في شباك الوسواس الخناس هو ان جملة من المتأخرين عرفوا النية شرعا بانها القصد المقارن للفعل، قالوا فلو تقدمت عليه ولم تقارنه سمى ذلك عزما لانية، ثم اختلفوا في المقارنة فما بين من فسرها بامتداد النية بامتداد التكبير وما بين من فسرها بجعل النية بين الالف والراء وما بين من فسرها بان يأتي بالنية اولا ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل بينهما وهذا كله يعطي ان مرادهم بالنية انما هو الكلام النفسي والتصوير الفكري الذي يحدثه المكلف في نفسه ويتصوره في فكره بما يترجمه قوله " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء لوجوبه قربة الى الله تعالى " وقد عرفت ان النية ليست حقيقة إلا ما ذكرناه اولا، وبذلك يظهر لك ما في كلامه الاول من قوله: " لكن لما كان القصد الى الشئ المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة احضار ذاتها.. الى آخره " من عدم الملازمة فانا لا نمنع من وجوب القصد ومعرفة المقصود بجميع ما يتوقف عليه ولكنا نقول ان الجميع قد صار معلوما للمكلف قبل ذلك فمتى دخل عليه الوقت وقام قاصدا للصلاة على الوجه الذي قدمناه فانه يكفي مجرد ذلك القصد والعلم الاولين لاستمراره عليهما وعدم تحوله عنهما فلا يتوقف على استحضار آخر كما في سائر افعال المكلف، ولافرق بين سائر افعاله، وبين عبادته إلا باعتبار اشتراط القربة في العبادة وهو لا يوجب هذا الاستحضار بل هو كاصل النية مستحضر من اول الامر مقارن له غير مفارق. وكأنهم توهموا انه ما لم يحصل الاستحضار المذكور والمقارنة بهذه النية التي ذكروها يصير الدخول في الصلاة عاريا عن النية لان النية السابقة غير كافية عندهم لا مكان
[ 18 ]
تجدد الغفلة بعدها فيصير الفعل بغير نية. وفيه - مع قطع النظر عن انه لا يكون كليا - انه ليس العبادة إلا كسائر افعال المكلف كما عرفت والقدر المعلوم فيها هو ما ذكرناه لا ما ذكروه، فانه لا يجب في جملة الافعال بعد تصور الدواعي الحاملة عليها ان يكون ذلك حاضرا في باله وجاريا على خياله لا يغيب عن تصوره في تلك المدة فانه وان زال لكن الذهن متى التفت إليه وجده كذلك وان اشتغل بفكر آخر أو كلام في البين فانه لا ينافي حضور ذلك في باله. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين - ونعم ما قال - انه لما كانت النية عبارة عن القصد الى الفعل بعد تصور الداعي والحامل عليه - والضرورة قاضية بما نجده في سائر افعالنا بانه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد والداعي في اثناء الفعل بحيث انا لو رجعنا الى وجداننا لرأينا النفس باقية على القصد الاول ومع ذلك لا نحكم على انفسنا ولا يحكم عليكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول والغفلة بغير نية وقصد بل المعلوم انه اثر ذلك القصد والداعي السابقين - كان الحكم في العبادة كذلك إذ ليس العبادة إلا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف والنية ليست إلا عبارة عما ذكرناه. انتهى وهو جيد رشيق. هذا، واما باقي الابحاث المتعلقة بالنية في هذا المقام مما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) فقد تقدم الكلام فيه في بحث نية الوضوء مستوفى فليراجع.
الفصل الثاني
في تكبيرة الإحرام
وفيه مسائل:
(الاولى) لا خلاف بين الاصحاب بل اكثر علماء الاسلام في ان تكبيرة الاحرام جزء من الصلاة وركن فيها تبطل الصلاة بتركها عمدا وسهوا.
[ 19 ]
ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد " وما رواه في الكافي عن ابي العباس البقباق وابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع ؟ قال لا بل يعيد صلاته إذا حفظ انه لم يكبر ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اقام الصلاة ونسى ان يكبر افتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ". وعن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهم السلام) (4) " في الذي يذكر انه لم يكبر في اول صلاته ؟ فقال إذا استيقن انه لم يكبر فليعد ولكن كيف يستيقن ". وعن ذريح في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): " سألته عن الرجل ينسى ان يكبر حتى قرأ ؟ قال يكبر ". وعن الحسن بن علي بن يقطين عن اخيه عن ابيه في الصحيح (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلاة حتى يركع ؟ قال يعيد الصلاة " وفى الموثق عن عمار (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح.. الحديث " فهذه جملة من الاخبار الصريحة في الدلالة على المطلوب إلا انه قد ورد ايضا بازائها ما يدل على خلاف ذلك: ومنه - ما رواه الشيخ والصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن رجل نسى ان يكبر حتى دخل في الصلاة ؟ فقال أليس
(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الاحرام
[ 20 ]
كان من نيته ان يكبر ؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته ". وما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " الانسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح ". وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن احمد بن محمد ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل نسى ان يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع ؟ فقال اجزأه ". وما رواه الشيخ عن ابي بصير في الموثق أو الضعيف أو الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة ونسى ان يكبر فبدأ بالقراءة ؟ فقال ان ذكرها وهو قائم قبل ان يركع فليكبر وان ركع فليمض في صلاته ". وما رواه في الفقيه في الصحيح وكذا في التهذيب في الصحيح ايضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " قلت له الرجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح ؟ فقال ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع وان ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة أو بعد القراءة. قلت فان ذكرها بعد الصلاة ؟ قال فيلقضها ولا شئ عليه ". واجاب الشيخ عن هذه الاخبار بالحمل على من لا يتيقن الترك بل شك فيه. اقول: وهذا الحمل وان امكن في بعضها ولو على بعد إلا انه في بعض آخر لا يخلو من تعسف والوجه على ما ظهر في ذلك انما هو الحمل على التقية وان لم يعلم به قائل منهم كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، لان عمل الطائفة المحقة على الاخبار الاولة فيتعين ان يكون ذلك مذهبهم (عليهم السلام) ولا وجه لهذه الاخبار بعد ذلك إلا ما قلناه لانها متى ثبتت عنهم والمعلوم من مذهبهم خلافها فلا وجه لخروجها عنهم إلا
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام. (2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الاحرام
[ 21 ]
مجرد القاء الخلاف بين الشيعة في ذلك لدفع الشنعة عنهم كما تقدم تحقيقه في المقدمة المذكورة، على ان القول بذلك منقول عن جملة من المخالفين: منهم - الزهري والاوزاعي وسعيد بن المسيب الحسن وقتادة والحكم (1) فعل لمذهب هؤلاء شهرة وصيتا في ذلك الوقت اوجب خروج هذه الاخبار موافقة لهم، وقد نقل عنهم في المنتهى انه إذا اخل المصلي بتكبيرة الاحرام عامدا اعاد صلاته ولو اخل بها ناسيا اجزأته تكبيرة الركوع وكيف كان فالحمل فيها على ما ذكرناه متعين إذ ليس مع عدم ذلك إلا طرحها وردها لما عرفت من اجماع الطائفة على العمل بتلك الاخبار. والله العالم.
(المسألة الثانية) - المشهور نصا وفتوى استحباب التوجه في اول الصلاة بست تكبيرات مضافة الى تكبيرة الاحرام وهي واجبة كما تقدم، وكيفية التوجه بالجميع ان يكبر ثلاثا ثم يدعو بالمرسوم ثم اثنتين ثم يدعو اثنتين ثم يتوجه. والمشهور بين الاصحاب انه يتخير في السبع ايها شاء نوى بها تكبيرة الاحرام فيكون ابتداء الصلاة بها، قال في المدارك: والمصلي بالخيار ان شاء جعلها الاخيرة واتى بالست قبلها وان شاء جعلها الاولى واتى بالست بعدها وان شاء جعلها الوسطى، والكل حسن لان الذكر والدعاء لا ينافي الصلاة. ثم نقل عن الشهيد في الذكرى ان الافضل جعلها الاخيرة ثم قال ولا اعرف مأخذه. اقول: ما نقله عن الذكرى من جعلها الاخيرة قد صرح به الشيخ في المصابح وتبعه في ذلك جمع: منهم - شيخنا الشهيد (قدس سره) وغيره، وربما كان منشأ ذلك كون دعاء التوجه بعدها. وفيه انه لا يصلح دليلا لذلك. ثم اقول: الظاهر عندي من التأمل في اخبار المسألة انها الاولى خاصة، وممن تفطن الى ذلك من محققي متأخرى المتأخرين شيخنا البهائي في حواشي الرسالة الاثنى عشرية والمحدث الكاشاني في الوافي والسيد الفاضل المحدث السيد نعمة الله الجزائري بل صرح بتعيين الاولى لذلك.
(1) عمدة القارئ ج 3 ص 2 عن الزهري الاكتفاء بنية التكبير وعن الباقين القول بالاستحباب
[ 22 ]
ومن الاخبار الدالة على ذلك صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. الحديث ". والتقريب فيه ان الافتتاح انما يصدق بتكبيرة الاحرام والواقع قبلها من التكبيرات بناء على ما زعموه ليس من الافتتاح في شئ، وتسمية ما عدا تكبيرة الاحرام بتكبيرات الافتتاح انما يصدق بتأخيرها عن تكبيرة الاحرام التي يقع بها الافتتاح حقيقة والدخول في الصلاة وإلا كان من قبيل الاقامة ونحوها مما يقدم قبل الدخول في الصلاة. ومما يدل على ذلك باوضح دلالة صحيحة زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواقفة ايماء.. الى ان قال ولا يدور الى القبلة ولكن اينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة باول تكبيرة حين يتوجه ". ومما يدل على ذلك صحيح زرارة الوارد في علة استحباب السبع بابطاء الحسين (عليه السلام) عن الكلام (3) حيث قال فيه " فافتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة فكبر الحسين (عليه السلام) فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) تكبيره عاد فكبر وكبر الحسين (عليه السلام) حتى كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع تكبيرات وكبر الحسين (عليه السلام) فجرت السنة بذلك ". والتقريب فيه ان التكبير الذي كبره (صلى الله عليه وآله) هو تكبيرة الاحرام التي وقع الدخول بها في الصلاة لاطلاق الافتتاح عليها والعود الى التكبير ثانيا وثالثا انما وقع لتمرين الحسين (عليه السلام) على النطق كما هو ظاهر السياق.
(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف (3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 23 ]
وروى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب فلاح السائل هذه القصة عن الحسن (عليه السلام) (1) قال في الحديث الذي نقله: " فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) حامله على عاتقه وصف الناس خلفه واقامه عن يمينه فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وافتتح الصلاة فكبر الحسن (عليه السلام) فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) واهل بيته تكبير الحسن (عليه السلام) عاد فكبر وكبر الحسن حتى كبر سبعا فجرت بذلك سنة بافتتاح الصلاة بسبع تكبيرات " وهو اوضح من ان يحتاج الى بيان. ومما يدل على ذلك ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " قلت الرجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح.. الحديث المتقدم (2) في سابق هذه المسألة " وهو صريح في ان تكبيرة الاحرام هي الاولى. ولا ينافي ذلك اشتمال الخبر على ما لا يقول به الاصحاب كما عرفت فانه يجب ارتكاب التأويل في موضع المخالفة كما في غيره، وقد صرحوا بان رد بعض الخبر لمعارض اقوى لا يمنع من العمل بما لا معارض له وما هو إلا كالعام المخصوص والمطلق المقيد في العمل بالباقي بعد التخصيص والتقييد. فائدة من الاخبار الواردة في قضية الحسين (عليه السلام) ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص - والظاهر انه ابن البختري - عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في الصلاة والى جانبه الحسين بن علي (عليهما السلام) فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يحر الحسين
(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام (2) ص 20 (3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 24 ]
(عليه السلام) التكبير ثم كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يحر الحسين التكبير ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر ويعالج الحسين (عليه السلام) التكبير فلم يحر حتى أكمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع تكبيرات فاحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فصارت سنة " بيان: قال في الوافي المحاورة المجاوبة والتحاور التجاوب، يقال كلمته فما احار لي جوابا، ولعل المراد ان الحسين (عليه السلام) وان كبر في كل مرة إلا انه لم يفصح بها إلا في المرة الاخيرة، وبهذا يجمع بين الخبرين الاخيرين. انتهى. بقى الكلام في انهم (عليهم السلام) ينطقون ساعة الولادة كما وردت به الاخبار فكيف يمتنع عليهم النطق في هذه الصورة ؟ واجاب عنه في البحار بانه لعل ذلك كان عند الناس وان التخوف كان من الناس لا منه (صلى الله عليه وآله). اقول: وفيه بعد ويمكن ان يقال لا يخفى على المتأمل في اخبارهم والمتطلع في احوالهم انهم (عليه السلام) في مقام اظهار المعجز لهم حالات غير حالات الناس واما في غير ذلك فانهم يقدرون انفسهم بالناس في صحة ومرض وغناء وفقر ونزول بلاء ونحو ذلك، وهذا من جملته فانهم (عليهم السلام) لا ينطقون إلا إذا انطقهم الله تعالى كما ينطق سائر الصبيان ولا يطلبون منه إلا ما يقدره ويرده فليس لهم ارادة زائدة على ارادته تعالى بهم (عليهم السلام) وان كانوا لو شاءوا لفعلوا ما يريدون. وهذا هو الجواب الحق في المقام لا يعتريه نقض ولا ابرام. ثم ان من العلل الواردة في هذه التكبيرات الست المذكورة ما رواه في الفقيه عن هشام بن الحكم عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) وهي " ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسرى به الى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فاوصله الله تعالى بذلك الى منتهى الكرامة ".
(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 25 ]
قال في الفقيه (1) ايضا: وذكر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) لذلك علة اخرى وهي انه انما صارت التكبيرات في اول الصلاة سبعا لان اصل الصلاة ركعتان واستفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع وتكبيرتي السجدتين وتكبيرة الركوع في الثانية وتكبيرتي السجديتن، فإذا كبر الانسان في اول صلاته سبع تكبيرات ثم نسى شيئا من تكبيرات الافتتاح من بعد أو سها عنها لم يدخل عليه نقص في صلاته. قال في الوافي: لعل المراد باستفتاح الركعتين بالسبع التكبيرات التي يستفتح بها كل فعل ولهذا لم يعد منها الاربع التي بعد الرفع من السجدات. انتهى. وهو جيد. قال في الفقيه بعد ذكر هذه الاخبار كملا: وهذه العلل كلها صحيحة وكثرة العلل للشئ تزيده تأكيدا ولا يدخل هذا في التناقض. انتهى. تتميم من العجب في هذا المقام ما وقع لشيخنا المجلسي ووالده (عطر الله مرقديهما) من الكلام المنحل الزمام والمختل النظام حيث قال في كتاب البحار: وظاهر خبر الحسين (عليه السلام) ان النبي (صلى الله عليه وآله) جعلها الاولى ولهذا ذهب بعض المحدثين الى ان تعيين الاولى متعين. ويمكن المناقشة فيه بان كون اول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم، مع ان العلل الواردة فيها كثيرة وسائر العلل لا يدل على شئ. وكان الوالد (قدس سره) يميل الى ان يكون المصلي مخيرا بين الافتتاح بواحدة وثلاث وخمس وسبع ومع اختيار كل منها يكون الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع والسجود. وهذا اظهر من اكثر الاخبار كما لا يخفى على المتأمل فيها بل بعضها كالصريح في ذلك. وما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الافتتاح ان
(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام
[ 26 ]
ارادوا نية الصلاة فهي مستمرة من اول التكبيرات الى آخرها، مع انهم جوزوا تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين لكونه من مستحبات الوضوء فاي مانع من تقديم نية الصلاة عند اول التكبيرات المستحبة فيها ؟ وان ارادوا نية كونها تكبيرة الاحرام فلم يرد ذلك في خبر، وعمدة الفائدة التي تتخيل في ذلك جواز ايقاع منافيات الصلاة في اثناء التكبيرات، وهذه ايضا غير معلومة إذ يمكن ان يقال بجواز ايقاع المنافيات قبل السابعة وان قارنت نية الصلاة الاولى لان الست من الاجزاء المستحبة أو لانه لم يتم الافتتاح بعد بناء على ما اختاره الوالد (قدس سره) لكنهم نقلوا الاجماع على ذلك، وتخيير الامام في تعيين الواحدة التي يجهر بها يومى الى ما ذكروه إذ الظاهر ان فائدة الجهر علم المأمومين بدخول الامام في الصلاة، والاولى والاحوط رعاية الجهتين معا بان يتذكر النية عند كل واحدة منها ولا يوقع مبطلا بعد التكبيرة الاولى، ولولا ما قطع به الاصحاب من بطلان الصلاة إذا قارنت النية تكبيرتين منها لكان الاحوط مقارنة النية للاولى والاخيرة معا. انتهى. اقول: فيه من المناقشات الدالة على بطلانه وانهدام اركانه ما لا يحصى ولا يعد إلا انا نذكر ما خطر بالبال على سبيل الاستعجال. فنقول: اما قوله " ويمكن المناقشة فيه بان كون اول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذ الحكم " فان فيه انه لا ريب ان العبادات الشرعية مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة كما اعترف به هو وغيره فإذا علم من الشارع انه جعل الاولى من هذه التكبيرات للاحرام وابتداء الصلاة وافتتاحها فانه يلزم استمرار الحكم بذلك حتى يثبت النسخ لهذا الحكم ويقوم دليل اقوى على الخروج عنه. واما قوله: " مع ان العلل الواردة فيها كثيرة وسائر العلل لا يدل على شئ " ففيه (اولا) ان هذه العلل انما هي للتكبيرات الزائدة لا تعلق لها بتكبيرة الاحرام. و (ثانيا) ان خلوا الاخبار الدالة على بعض تلك العلل من هذا الحكم وكونها مجملة في
[ 27 ]
ذلك لا ينافي ما بين فيه الحكم المذكور كهذا الخبر، ومقتضى القاعدة حمل اجمال تلك الاخبار على هذا الخبر، على ان الدلالة على ما ذهب إليه القائل بالتعيين لا ينحصر في هذ الخبر كما توهمه بل هو مدلول اخبار عديدة كما عرفت. واما ما نقله عن ابيه - وان كان ظاهره تأييده وتشييده حمية لوالده - فهو في البطلان اظهر من ان يحتاج الى بيان كما لا يخفى على ذوي الافهام والاذهان إلا انا نشرح ذلك بوجه يظهر منه البطلان كالعيان لكل انسان: وذلك (اولا) ان كلامه مبني على التخيير كما هو المشهور في كلام الاصحاب وقد عرفت ان النصوص على خلافه. و (ثانيا) انه لا يخفى على من احاط خبرا بالاخبار وجاس خلال تلك الديار ان المستفاد منها على وجه لا يداخله الشك والانكار ان الافتتاح والدخول في الصلاة انما هو بتكبيرة واحدة لا باكثر وهي التي مضى عليها الناس في صدر الاسلام برهة من الازمان والاعوام، وما عداها فانما يزيد استحبابا للعلل المذكورة في الاخبار وان استصحب استحبابها في جميع الادوار والاعصار فهي ليست من الافتتاح والتحريم حقيقة في شئ وان سميت بذلك مجازا للمجاورة بالتقريب المتقدم، وقد تقدم لك في صدر الفصل من الروايات الظاهرة في وحدة تكبيرة الاحرام قوله في صحيحة زرارة (1) " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد " وقوله (عليه السلام) (2) في مرسلة الفقيه " الانسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح " وقوله في صحيحة البزنطي (3) " رجل نسى ان يكبر تكبيرة الافتتاح " وفي صحيحة زرارة (4) " ينسى اول تكبيرة من الافتتاح " وفي جملة من الاخبار (5) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان اوجز الناس في الصلاة كان يقول الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم " الى غير ذلك من
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام (3) و (4) ص 20 (5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 28 ]
الاخبار فانها صريحة في كون الافتتاح انما هو بواحدة، وما اجمل في الاخبار فهو محمول على ذلك جريا على القاعدة المعلومة. و (ثالثا) ان ما ذكره تشريع ظاهر لان المعلوم مما قدمناه في الوجه الثاني وكذا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قبل حصول هذه العلة الموجبة للزيادة انما هو تكبيرة واحدة يحرم بها وهي المشار إليها بقولهم (1) " تحريمها التكبير " ثم انه زاد هذه التكبيرات الست اخيرا للعلل المذكورة فصارت مستحبة في الصلاة كزيادة النوافل التي زادها لمولد الحسنين وفاطمة (صلوت الله عليهم) كما تقدم في بحث الاوقات (2) وجرت بذلك السنة ولا مدخل لها في التحريم والافتتاح بل هي اذكار مستحبة في هذا المكان، ويشير الى ذلك ما تقدم (3) في حديث الحسين (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) " فجرت السنة بذلك " ومثله في صحيحة حفص في قضية الحسين (عليه السلام) (4) إلا ان فيه ان الحسين لم يكبر إلا في السابعة، قال (عليه السلام) في تمام الحديث " فصارت سنة " ويعضده ما تقدم في الاخبار من الدلالة على وحدة تكبيرة الاحرام، وحينئذ فإذا كان المعلوم من صاحب الشريعة ان التكبير الواجب انما هو تكبيرة واحدة وهي التي تعقد بها الصلاة فالزيادة عليها تشريع محض، ومجرد استحباب هذه التكبيرات في هذا الموضع لا يوجب جعلها في هذه المرتبة بل تصريحهم (عليهم السلام) باستحبابها دليل على عدم وجوبها والاستفتاح في الصلاة بها كالتكبيرة الاصلية غاية الامر انه قد اشتبه على اصحابنا بعد زيادة هذه الست وصيرورة التكبيرات سبعا محل تكبيرة الاحرام منها هل هي اولا أو اخيرا أو وسطا ؟ فقالوا بالتخيير لذلك، وبالتأمل في اخبارهم (عليه السلام) يعلم انها الاولى وان الزيادة وقعت بعدها كما قدمنا بيانه واوضحنا برهانه. وبذلك يظهر لك ما في قياسه ذلك على تسبيح الركوع والسجود فانه قياس مع الفارق وتشبيه غير مطابق، فان التخيير ثمة ثابت ومعلوم نصا وفتوى واما هنا فقد
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) ج 6 ص 58 (3) و (4) ص 22 و 23
[ 29 ]
عرفت على ما اخترناه قيام الدليل على التعيين في التكبيرة الاولى واما على ذكره الاصحاب فقد عرفت ان معناه التخيير في واحدة من هذه السبع ايها يريد جعلها تكبيرة الافتتاح لعدم معلومية محلها بعد شرع الست معها لا بمعنى التخيير بين ان يجعل الاحرام بواحدة أو ثلاث أو سبع كما ذكره فانه منه عجيب، واعجب منه قوله " وهذا اظهر من اكثر الاخبار وبعضها كالصريح في ذلك " والظاهر انه اشار بذلك الى حسنة الحلبي المتقدمة وقوله فيها " إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم انت الملك الحق.. الخبر " وفيه ان سياق الخبر انما هو في ذكر الادعية الموظفة بين التكبيرات السبع وبيان محالها، والحديث كما قدمنا ظاهر في كون التحريم وقع بالتكبيرة الاولى وهي التي افتتح بها والتكبيرتان اللتان بعدها انما ضما إليها لبيان وقوع الدعاء المذكور بعد الثلاث لانك قد عرفت من الاخبار المتقدمة وما حققناه آنفا وحدة تكبيرة الاحرام، فتوهم كون الثلاث هنا للاحرام كما ظنه توهم بارد وانما العلة في ذلك هو ما ذكرناه. ولعل من مواضع الشبهة ايضا عنده ما في حسنة زرارة (1) من قوله (عليه السلام) " ادنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل " وقوله في صحيحة الحلبي (2): " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اخف ما يكون من التكبير في الصلاة ؟ قال ثلاث تكبيرات " وقوله (عليه السلام) في رواية ابي بصير (3) " إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وان شئت ثلاثا وان شئت خمسا وان شئت سبعا فكل ذلك مجزئك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". وانت خبير بان مطرح هذه الاخبار والغرض منها انما هو بيان الرخصة في هذه
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام
[ 30 ]
التكبيرات الست المستحبة بتركها والاقتصار على تكبيرة الافتتاح أو الاتيان بثلاث منها تكبيرة الافتتاح ونحو ذلك من الاعداد المذكورة لا ان المعنى انه يحصل الافتتاح بكل من هذه الاعداد فيكون واجبا مخيرا كما زعمه، وبما ذكرناه صرح جملة من الاصحاب في الباب. واما قوله: " وما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الاحرام ان ارادوا نية الصلاة.. الخ " ففيه انا نختار الشق الثاني وهو نية كونها تكبيرة الاحرام، قوله " لم يرد ذلك في خبر " مردود بانه وان لم يرد بهذا العنوان ولكن مفاد الاخبار الدالة على الافتتاح بتلك التكبيرة وتسميتها تكبيرة الافتتاح كما تقدم ذلك بالتقريب الذي قدمناه، ومما يوضح ذلك انه من المعلوم اولا ان الشارع قد جعل التكبير محرما بقوله (1) " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " والتكبير من حيث هو لا يكون محرما ولا موجبا للدخول في الصلاة إلا إذا اقترن بالقصد الى ذلك فما لم ينو بالتكبير الاحرام ويقصد به الافتتاح للصلاة لا يصير محرما ولا موجبا للافتتاح، ويعضده ان العبادات موقوفة على القصود والنيات واما قوله: " ويمكن ان يقال بجواز ايقاع المنافيات قبل السابعة وان قارنت نية الصلاة الاولى لان الست من الاجزاء المستحبة " فعجيب من مثله (قدس سره) لما عرفت من انه متى قصد بالاولى الافتتاح والدخول في الصلاة فانه تحرم عليه المنافيات لما ورد عنهم (عليهم السلام) (2) " تحريمها التكبير " بمعنى انه يحرم عليه بالتكبير ما حل له قبله وليس الدخول في الصلاة متوقفا على ازيد من الواحدة كما عرفت، فكيف يجوز له ايقاع المنافيات وهو قد دخل في الصلاة بمجرد كونه في الست المستحبة ؟ وإلا لجاز ايقاع المنافيات في القنوت بناء على استحبابه وان كان في اثناء الصلاة. واما قوله: " أو لانه لم يتم الافتتاح بعد بناء على قول الوالد " ففيه ان ما نسبه
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 31 ]
للوالد بعيد شارد اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت ولو انه اخفاه ولم يظهر شيئا من هذا الكلام لكان اولى بالمحافظة على علو المقام. وبالجملة فان كلامه هنا مزيف لا يخفى ما فيه على الفطن اللبيب واضعف منه كلام ابيه، وانما اطلنا الكلام في نقض ابرامه وتمزيق سمط نظامه لئلا يغتر به من لم يعض على المسألة بضرس قاطع فان نور الحق بحمد الله سبحانه واضح ساطع. والله العالم.
فروع:
(الاول) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بانه لو كبر ونوى الافتتاح ثم كبر ثانية ونوى الافتتاح بطلت صلاته فان كبر ثالثا بالنية المذكورة انعقدت الصلاة وهذا الحكم مبنى على ان زيادة الركن موجبة للبطلان كنقصانه. وهو على اطلاقه مشكل واخبار هذه المسألة قد دلت على البطلان بترك التكبير عمدا أو سهوا واما بطلانها بزيادته فلم نقف له على نص. وكون الركن تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمدا وسهوا مطلقا وان اشتهر ظاهرا بينهم إلا انه على اطلاقه مشكل لتخلف جملة من الموارد عن الدخول تحت هذه الكلية كما يأتي بيانه كله في محله، ومن ثم قال في المدارك في هذا المقام: ويمكن المناقشة في هذا الحكم اعني البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن اجماعيا فان اقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا وسهوا وهو لا يستلزم البطلان بزيادته. انتهى.
(الثاني) - التكبير الواجب المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى (عليهم السلام) بصيغة " الله اكبر " فيتعين الاتيان بها لانها عبادة مبنية على التوقيف وهذا هو الذي ورد فيها، فلو زاد حرفا أو نقص حرفا أو عوض كلمة مكان كملة أو نحو ذلك مما يتضمن الخروج عن هذه الصيغة بطلت صلاته اتفاقا إلا من ابن الجنيد فانه نقل عنه في الذكرى القول بانعقادها بلفظ " الله اكبر " وان كان مكروها
[ 32 ]
وهو شاذ. وعلى هذا لا تجزى الترجمة للقادر على التعليم حتى يضيق الوقت فيحرم بترجمتها عند الاصحاب مراعيا الترتيب فيقول الاعجمي مثلا " خدا بزرگتر است " ولا خلاف بين اصحابنا بل واكثر العامة في ذلك، وقال بعض العامة يسقط التكبير عن من هذا شأنه كالاخرس (1) وهو محتمل. ولم اقف في المسألة على نص وان كان ما ذكروه لا يخلو من قرب. قالوا: والاخرس ينطق على قدر ما يمكنه فان عجز عن النطق بالكلية عقد قلبه بها مع الاشارة باصبعه كما يشير إليه خبر السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه " وربما احتج بعضهم ايضا بان تحريك اللسان كان واجبا مع القدرة على النطق فلا يسقط بالعجز عنه إذ لا يسقط الميسور بالمعسور (3) وفيه ما فيه، ولو لا اشعار الرواية المذكورة بذلك لامكن احتمال ما ذكره بعض العامة من سقوط الفرض بالعجز. وكيف كان فما ذكره الاصحاب هو الاولى.
(الثالث) - لا ريب ان التكبير جزء من الصلاة فيعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في الصلاة من الطهارة والستر والاستقبال والقيام في موضعه ونحو ذلك فلو كبر قاعدا أو آخذا في القيام مع القدرة لم تنعقد صلاته، قال في الذكرى: فلو كبر وهو آخذ في القيام أو وهو هاو الى الركوع يتفق للمأموم فالاقرب البصلان لان الانحناء ليس قياما حقيقيا، وهل تنعقد نافلة ؟ الاقرب المنع لعدم نيتها، ووجه الصحة حصول التقرب والقصد الى الصلاة والتحريم بتكبيرة لا قيام فيها وهي من خصائص النافلة. انتهى. ولا يخفى ضعف ما ذكره من الوجه في الانعقاد فان القصد الى الصلاة مطلقا غير كاف في الانعقاد ما لم يقصد الفرض ان كان فرضا أو النافلة ان كان كذلك.
(1) المغنى ج 1 ص 463 والمهذب ج 1 ص 70 (2) الوسائل الباب 59 من القراءة (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 33 ]
ثم انه في الذكرى نقل عن الشيخ انه جوز ان يأتي ببعض التكبير منحنيا ثم قال: ولم نقف على مأخذه. وهو كذلك. وقال في المدارك: قال جدي (قدس سره) وكما يشترط القيام وغيره من الشروط في التكبير كذا يشترط في النية فإذا كبر قاعدا أو آخذا في القيام وقعت النية ايضا على تلك الحالة فعدم الانعقاد مستند الى كل منهما ولا يضر ذلك لان علل الشرع معرفات لا علل حقيقية. وفيه نظر لانتفاء ما يدل على اعتبار هذه الشرائط في النية على الخصوص كما تقدم تحقيقة إلا ان المقارنة المعتبرة للتكبير تدفع فائدة هذا الاختلاف. انتهى. اقول: لا ريب ان هذا الكلام مبني على النية المشهورة في كلامهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري وهو ما يترجمه قول المصلي " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء قربة الى الله تعالى " ثم يقارن بها التكبير، وقد عرفت ان هذه ليست هي النية بل النية هي القصد البسيط المصاحب له من حال قيامه الى الوضوء والاتيان به ثم توجهه الى مصلاه ثم صلاته الى ان يفرغ منها لا اختصاص له بوقت دون وقت لا حال دون حال حتى يأتي بالفعل ويفرغ كما في سائر الافعال التي تصدر عن المكلفين.
(الرابع) - قد عرفت ان النية امر قلبي سواء كانت بالمعنى المشهور أو المعنى الذي ذكرناه لكن الاصحاب بناء على المعنى المشهور من التصوير الفكري على الوجه المتقدم قالوا لو تلفظ به بلسانه بان قال " اصلي فرض الظهر - مثلا - اداء لوجوبه قربة الى الله " ثم يقارن به التكبير فانه يلزم احد محذورين على تقدير الدرج الذي تحصل به المقارنة اما قطع همزة " الله " فليزم مخالفة القانون اللغوي لانها همزة وصل واما وصلها فيلزم مخالفة القانون الشرعي لان المنقول عن الشرع قطعها، ومن هنا قيل انه يحرم التلفظ بالنية لاستلزام احد المحذورين، قال في الذخيرة: ولو فرض تلفظ المصلي بها كان كلاما لغوا مخالفا للمعهود المنقول عن صاحب الشرع فلا عبرة بها فحينئذ وصل التكبير بها يوجب مخالفة المعهود من صاحب الشرع من القطع. ونقل عن بعض المتأخرين وجواز الوصل
[ 34 ]
حينئذ عملا بظاهر القانون العربي وفيه ان ايراد الكلام المتصل به امر مستحدث مبتدع لم يعهد من الشارع فلا يوجب سقوط التكليف بما ثبت وجوبه من قطع الهمزة كما لا يخفى. وظاهر هذا الكلام انه في الصورة المذكورة يقطع الهمزة مراعاة للجانب الشرعي. وفيه ان المقتضى للسقوط كونها في الدرج حيث انها همزة وصل ولا مدخل لكون ذلك الكلام معتبرا عند الشارع أو غير معتبر. اقول: ما ذكروه من ان المنقول عن صاحب الشرع قطع الهمزة لا اعرف له مستندا ولا به رواية إلا ما ذكروه هنا من حيث ان النية التي يقارن بها التكبير امر قلبي فليس ههنا كلام قبلها يوجب كونها في درج الكلام. وفيه ان حسنة الحلبي المشتملة على الادعية بين التكبيرات بان يكبر ثلاثا ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو مع قولهم بالتخيير في تكبيرة الاحرام بين هذه السبع موجب لوقوع كلام قبل تكبيرة الاحرام فمن الممكن الجائز قصد الاحرام باحدى التكبيرات المتوسطة مع درج الكلام فتسقط الهمزة لابد لنفيه من دليل. إلا ان يقال ان المعلوم من الشرع هو تعيين هذا اللفظ للاحرام وعقد الصلاة فكما لا يجوز الزيادة فيه لا يجوز النقيصة منه وبمتقضى ما ذكرتم يلزم سقوط الهمزة في الدرج فلا يكون آتيا بالمأمور به، وحينئد فالواجب الوقوف بعد تمام الدعاء ثم الابتداء بالتكبير، قال في الروض: واعلم ان الاخلال بحرف من التكبير يتحقق بوصل احدى الهمزتين في الكلمتين فان وصل الهمزة اسقاط لها بالكلية كما ذكره اهل العربية من ان همزة الوصل تسقط في الدرج. ووجه البطلان مع وصل همزة " اكبر " ظاهر لانها همزة قطع واما همزة " الله " فلانها وان كانت همزة وصل إلا ان سقوط همزة الوصل انما هو في الدرج في كلام متصل بها قبلها ولا كلام قبل التكبير لان النية ارادة قلبيه.. الى آخر كلامه زيد في مقامه. وفيه ما عرفت والجواب كما تقدم. وكما تبطل بالاخلال بحرف منها كذا تبطل بالزيادة ولو بحرف فيها كما تقدم، فلو مد همزة " الله " بحيث تصير استفهاما فمع القصد تبطل قطعا وبدونه على الاصح فان
[ 35 ]
الدلالة غير متوقفة على القصد وخروج ذلك عن المعهود من صاحب الشريعة. ويحتمل عدم البطلان من حيث ان الاشباع بحيث يحصل به الحرف شائع في كلام العرب. وتحصيل يقين البراءة يوجب الوقوف على الاول. وكذا الكلام في لفظ " اكبر " فلو اشبع الفتحة حتى صارت الفا فصار " اكبار " وهو الطبل ذو وجه واحد فانه يبطل مع القصد يقينا وكذا مع عدمه على الاصح لما عرفت.
(الخامس) - صرح جملة من الاصحاب بانه يشترط القصد بالتكبير الى الافتتاح. ولا ريب فيه لما تقدم فلو قصد به تكبير الركوع لم تنعقد صلاته، ويدل عليه صحيح البقباق وابن ابي يعفور المتقدم (1) واما ما عارضه من صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر المتقدمة (2) فقد عرفت الوجه فيها وفي امثالها. ولو قصدهما معا كما في المأموم فقيل بالاجزاء ذهب إليه ابن الجنيد والشيخ في الخلاف محتجا باجماع الفرقة ورواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع " والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) العدم استنادا الى ان الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب والاستحباب. قال في الذكرى: ويمكن حمل كلام الشيخ والرواية على ان المراد سقوط تكبير الركوع هنا ويكون له ثوابه لاتيانه بصورة التكبير عند الركوع لا على ان المصلي قصدهما معا لان الفعل لا يكون له جهتا وجوب وندب، ولو قلنا بوجوب تكبير الركوع - كما يجيئ وقد صرح به الشيخ هنا في الخلاف - لم تجزى الواحدة لان تداخل المسببات مع اختلاف الاسباب خلاف الاصل. وكذا لو نذر تكبير الركوع لم تجزى الواحدة، وحينئذ لو قصدهما معا فالاقرب عدم تحريمه بالصلاة لعدم تمحض القصد إليها ولا صلاته نفلا ايضا لعدم نيته ولان السبب الواحد لا يجزى عن السببين، فعلى هذا لو نوى المتنفل بالتكبيرة
(1) و (2) 19 و 20 (3) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام. والرواية عن معاوية بن شريح عن ابيه
[ 36 ]
الواحدة تكبيرة الاحرام والركوع لم تحصلا ولا احدهما. وعندي في هذه المسألة نظر لان الاسباب قد تتداخل وجوبا كما في اجزاء الغسل الواحد للجنب وماس الميت وندبا كما في اجزاء الغسل المندوب عن اسباب كثيرة، والفعل الواحد قد يحصل به الوجوب والندب كما في الجمع بين الصلاة على البالغ ستا والناقص عنها. انتهى. وانما نقلناه بطوله لاحاطته باطراف الكلام في المقام. والتحقيق عندي ما اختاره اخيرا وهو ظاهر الخبر المذكور، وتأويله بما ذكروه من غير معارض - إلا ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة - مجازفة. ونظير هذا الخبر ايضا ما رواه البرقي في كتاب المحاسن في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " عن رجل جاء مبادرا والامام راكع فركع ؟ قال اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع ". وقد تقدم في مسألة تداخل الاغسال من كتاب الطهارة انه لا مانع من تداخل المسببات مع تعدد الاسباب فان العلل الشرعية معرفات لا علل حقيقة فلا يضر تواردها على امر واحد.
(المسألة الثالثة) - يستحب في هذا المقام امور:
(الاول) ان يسمع الامام من خلفه التكبير ويستحب للمأموم الاسرار بها وبغيرها ويتخير المنفرد، ونقل في الذكرى عن الجعفي انه اطلق استحباب رفع الصوت بها، قال في المدارك ولا نعرف مأخذه. والذى يدل على الحكم الاول من الاخبار صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا كنت اماما فانه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا ". وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار والخصال بسنده عن ابي علي الحسن ابن راشد (3) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تكبير الافتتاح
(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام
[ 37 ]
فقال سبع ؟ قلت روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه كان يكبر واحدة ؟ فقال ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكبر واحدة يجهر بها ويسر ستا " وروى في الخصال عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) الحديث الاول (1). وقد تقدم قريبا (2) في رواية ابي بصير قوله (عليه السلام): " انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". ويدل على الحكم الثاني ما ورد في موثقة ابي بصير (3) من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول وللمأموم ان لا يسمع الامام شيئا مما يقول. ولا منافاة بين ما دل عليه هذا الخبر من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول وبين ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من استحباب اسراره بما عدا تكبيرة الاحرام، لان عموم هذا الخبر مخصوص بما دلت عليه تلك الاخبار كما هو قضية اجتماع المطلق والمقيد والخاص والعام فلا تغتر بما يفعله من يدعي انه من اهل العلم في هذه الازمان وليس بذلك من الاجهار بمجموع تكبيرات الافتتاح عملا بعموم هذه الخبر اللازم منه الغاء ما دلت عليه تلك الاخبار من الاسرار. واما ما يدل على الثالث فاصالة البرائة من الامرين.
و (الثاني) - ما ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) من انه يستحب ترك الاعراب في آخر التكبير لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (4)
(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام (2) ص 29 (3) الوسائل الباب 52 من الجماعة (4) في الاقناع للخطيب الشربينى ج 1 ص 107 " لو لم يجزم الراء من " اكبر " لم يضر خلافا لما اقتضاه كلام ابن يونس في شرح التنبيه، واستدل له الدميري بقوله (ص) " التكبير جزم " وقال الحافظ ابن حجر لا اصل له وانما هو قول النخعي وعلى تقدير وجوده معناه عدم التردد فيه " وفى تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 233: حديث -
[ 38 ]
انه قال: " التكبير جزم " اقول: الظاهر ان هذه الرواية عامية ذكرها اصحابنا في هذا المقام لعمومها. والذي وقفت عليه من الاخبار الدالة على جزم التكبير هو ما تقدم في اخبار الاذان ولا عموم فيها بحيث يشمل تكبيرات الافتتاح وغيرها. ولا بأس بمتابعتهم لكن لا باعتقاد الاستحباب لعدم الدليل الواضح عليه.
و (الثالث) - استحباب التوجه - زيادة على التوجه بتكبيرة الاحرام - بست تكبيرات أو بما دونها مما دلت عليه الاخبار: ومنها - رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وان شئت ثلاثا وان شئت خمسا وان شئت سبعا فكل ذلك مجزئ عنك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة ". وصحيحة زيد الشحام (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الافتتاح ؟ قال تكبيرة تجزئك. قلت فالسبع ؟ قال ذلك الفضل ". وروى في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: " ادني ما يجزى من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا كنت اماما اجزأتك تكبيرة واحدة لان معك ذا الحاجة والضعيف والكبير ". وقال في الفقيه، وقد تجزئ في الافتتاح تكبيرة واحدة (5) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتم الناس صلاة واوجزهم كان إذا دخل في الصلاة قال الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم.
- " التكبير جزم " لا اصل له وعلى فرض صحته المراد منه عدم مده كما حملوا الخبر الصحيح " السلام جزم ". (1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام
[ 39 ]
وروى في التهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اخف ما يكون من التكبير في الصلاة ؟ قال ثلاث تكبيرات فإذا كانت قراءة قرأت مثل قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون، وإذا كنت اماما فانه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا ". وعن زرارة في الموثق (2) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) أو سمعته استفتح للصلاة بسبع تكبيرات ولاء ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ادنى ما يجزئ في الصلاة من التكبير ؟ قال تكبيرة واحدة ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ والثلاث افضل والسبع افضل كله ". وربما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار - ونحوها كلام الفقيه الذي هو لا يكون إلا عن الرواية ايضا - عدم تأكد استحباب التكبيرات الزائدة على تكبيرة الاحرام للامام ولم اقف على من قال به من علمائنا الاعلام.
و (الرابع) - الدعاء بين هذه التكبيرات فمن ذلك ما تضمنته صحيحة الحلبي أو حسنته كما رواه في الكافي عنه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم انت الملك الحق لا إله إلا انت سبحانك انى ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انه لا يغفر الذنوب إلا انت. ثم تكبر تكبيرتين ثم قل لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس اليك والمهدي من هديت لا ملجأ منك إلا اليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت
(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الاحرام (3) و (4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الاحرام (5) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام
[ 40 ]
سبحانك رب البيت. ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة حنيفا مسلما وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين. ثم تعوذ من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب ". بيان: " لبيك وسعديك " قال في النهاية: لبيك اي اجابتي لك يا رب وهو مأخوذ من " لب بالمكان والب " إذا اقام به " والب على كذا " إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير اي اجابة بعد اجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت " الب البابا بعد الباب " وقيل معناه اتجاهي وقصدي يا رب اليك من قولهم " داري تلب دارك " اي تواجهها. وقيل معناه اخلاصي لك من قولهم " حب لباب " إذا كان خالصا محضا ومنه لب الطعام ولبابه. انتهى. وزاد في القاموس معنى آخر قال: أو معناه محبتي لك من امرأة لبة محبة لزوجها. وفى النهاية " سعديك " اي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة أو اسعادا بعد اسعاد ولهذا ثنى وهو من المصادر المنتصبة بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال الجوهري لم يسمع " سعديك " مفردا. انتهى. وروى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن ابن ابي نجران عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " تقول بعد الاقامة قبل الاستفتاح في كل صلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة بلغ محمدا (صلى الله عليه وآله) الدرجة والوسيلة والفضل والفضيلة، بالله استفتح وبالله استنجح وبمحمد رسول الله وآل محمد (صلى الله عليه وعليهم) اتوجه اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ". بيان: " الدعوة التامة " اي الاذان والاقامة فانهما دعوة الى الصلاة وتمامهما في افادة
(1) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام
[ 41 ]
ما وضعا له ظاهرا وهي الصلاة فالمصدر بمعنى المفعول. " والصلاة القائمة " اي في هذا الوقت اشارة الى قوله " قد قامت الصلاة " أو القائمة الى يوم القيامة، والدرجة المختصة به (عليه السلام) في القيامة هي الشفاعة الكبرى، والوسيلة هي المنبر المعروف الذي يعطيه الله في القيامة كما ورد في الاخبار. وروى في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " يجزئك في الصلاة من الكلام في التوجه الى الله سبحانه ان تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض على ملة ابراهيم حنيفا مسلما وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين. ويجزئك تكبيرة واحدة ". وروى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل بسنده عن ابن ابي عمير عن الازدي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث انه قال: " كان امير المؤمنين (عليه السلام) يقول لاصحابه من اقام الصلاة وقال قبل ان يحرم ويكبر - يا محسن قد اتاك المسئ وقد امرت المحسن ان يتجاوز عن المسئ وانت المحسن وانا المسئ فبحق محمد وآل محمد صل على محمد وآل محمد وتجاوز عن قبيح ما تعلم مني - فيقول الله يا ملائكتي اشهدوا اني قد عفوت عنه وارضيت عنه اهل تبعاته ". وقال الشهيد في الذكرى انه قد ورد هذا الدعاء عقيب السادسة إلا انه لم يذكر فيه " فبحق محمد وآل محمد " وانما فيه " وانا المسئ فصل على محمد وآل محمد.. الى آخره " وروى الطبرسي في الاحتجاج (3) قال: " كتب الحميري الى القائم (عليه السلام) يسأله عن التوجه للصلاة ان يقول " على ملة ابراهيم ودين محمد صلى الله عليه وآله " فان بعض اصحابنا ذكر انه إذا قال " على دين محمد " فقد ابدع لانا لم نجده في
(1) و (3) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (2) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام
[ 42 ]
شئ من كتب الصلاة خلا حديثا واحدا في كتاب القاسم بن محمد عن جده الحسن بن راشد ان الصادق (عليه السلام) قال للحسن كيف تتوجه ؟ قال اقول " لبيك وسعديك " فقال له الصادق (عليه السلام) ليس عن هذا اسألك كيف تقول " وجهت وجهي للذي فطر الساوات والارض حنيفا مسلما " ؟ قال الحسن اقوله: فقال له الصادق (عليه السلام) إذا قلت ذلك فقل: على ملة ابرهيم ودين محمد ومنهاج علي بن ابي طالب والائتمام بآل محمد حنيفا مسلما وما انا من المشركين ؟ فأجاب (عليه السلام) التوجه كله ليس بفريضة والسنة المؤكدة فيه التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما على ملة ابراهيم ودين محمد (صلى الله عليه وآله) وهدى امير المؤمنين (عليه السلام) وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين اللهم اجعلني من المسلمين اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. ثم تقرأ الحمد " قال الفقيه الذي لا يشك في علمه: الدين لمحمد (صلى الله عليه وآله) والهداية لعلي امير المؤمنين (عليه السلام) لانها له (صلى الله عليهما) وفي عقبة باقية الى يوم القيامة فمن كان كذلك فهو من المهتدين ومن شك فلا دين له ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.
(والخامس) - رفع اليدين بالتكبير وقد وقع الخلاف هنا في مواضع:
(الاول) الرفع فالمشهور الاستحباب ونقل عن المرتضى انه اوجب رفع اليدين بالتكبير في جميع الصلاة ونقل عنه انه احتج عليه باجماع الفرقة، قال في المدارك: وهو اعلم بما ادعاه. اقول: لو رجع السيد (رضي الله عنه) الى الآية والاخبار لوجدها ظاهرة الدلالة على ما ذهب إليه على وجه لا يتطرق إليه النقض ولا الطعن عليه ولكنه (رضي الله عنه) - كما اشرنا إليه في ما سبق - قليل الرجوع الى الاخبار وانما يعتمد على ادلة واهيه لا تقبلها البصائر والافكار من تعليل عقلي أو دعوى اجماع مع انه لا قائل به سواه كما
[ 43 ]
لا يخفى على من راجع مصنفاته (رضي الله عنه). وبيان صحة ما ذكرناه ان مما يدل على القول المذكور قوله تعالى " فصل لربك وانحر " (1) لورود الاخبار في تفسيرها كما سيأتي بان المراد بالنحر هنا انما هو رفع اليدين بالتكبير في الصلاة، والاوامر القرآنية عندهم على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلافه ومن ذلك الاخبار المتكاثرة ومنها - صحيحة الحلبي المتقدمة (2) وفيها " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.. ". ومنها - صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه ". وفي صحيحة اخرى له (4) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) حين افتتح الصلاة رفع يديه اسفل من وجهه قليلا ". وفى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) " إذا قمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك ولا تجاوز بكفيك اذنيك اي حيال خديك ". وفي صحيحة صفوان بن مهران الجمال (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه ". وفى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) " في قول الله عزوجل: فصل لربك وانحر (8) قال هو رفع يديك حذاء وجهك ". وروى امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير الآية المذكورة
(1) و (8) سورة الكوثر، الآية 2 (2) ص 39 (3) لم نقف في كتب الحديث على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ، نعم نسب في المدارك والذخيرة هذا النص الى معاوية بن عمار. (4) و (6) و (7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام (5) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام
[ 44 ]
عن عمر بن يزيد (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في قوله تعالى " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك " قال وروى عنه عبد الله بن سنان مثله (2). وروى فيه ايضا عن جميل (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) " فصل لربك وانحر " ؟ فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجه القبلة في افتتاح الصلاة ". ثم روى فيه ايضا عن مقاتل بن حيان عن الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين (عليه السلام) (4) " لما نزلت هذه السورة قال النبي (صلى الله عليه وآله) لجبرئيل (عليه السلام) ما هذه النحيرة التي امرني بها ربي ؟ قال ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فانه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع فان لكل شئ زينة وان زينة الصلاة رفع الايدي عند كل تكبيرة " وراوه الشيخ الطوسي في مجالسه وكذا ابنه في مجالسه (5) فهذه الروايات الاربع تضمنت تفسير الآية. ومن اخبار المسألة ما في صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في وصية النبي لعلي (عليه السلام) " وعليك ان ترفع يديك في صلاتك.. الحديث " الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى. وانت خبير بان جملة منها قد دلت على حكاية فعلهم (عليهم السلام) وجملة قد دلت على الامر بذلك وجملة على تفسير الآية بذلك ولم نقف في الاخبار على ما يخالفها ويضادها. وغاية ما استدلوا به على عدم الوجوب كما ذكره بعض متأخري المتأخرين صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: على الامام ان يرفع يده في الصلاة وليس على غيره ان يرفع يده في الصلاة " قالوا: والظاهر انه لا قائل بالفصل بين الامام
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام
[ 45 ]
وغيره فعدم وجوبه على غير الامام يوجب تعدي الحكم إليه، ولهذا ذكر الشيخ ان المعنى في هذا الخبر ان فعل الامام اكثر فضلا واشد تأكيدا وان كان فعل المأموم ايضا فيه فضل. انتهى. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من ظهور الاختلال ومنافاته لظاهر الخبر المذكور مضافا الى عدم الصراحة بل الظهور في محل ذلك الرفع ولعله في القنوت. وبالجملة معارضة تلك الاخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة بهذه الرواية المجملة المتهافتة الدلالة لا تخلو من تعسف. نعم لقائل ان يقول ان ايجاب الرفع في ما عدا تكبيرة الاحرام المتفق على وجوبها وتكبيري الركوع والسجود على القول بوجوبهما لا يخلو من اشكال إذ متى كان اصل التكبير مستحبا لزم ان يكون ما تعلق به من شرط وصفة ونحوهما مستحبا كما هو مقتضى القواعد العقلية والنقلية، وكيف كان فقول السيد (رضي الله عنه) بمحل من القوة والاحتياط يقتضي المحافظة عليه. واما ما اطال به في الذخيرة - انتصارا للقول المشهور ونقل معان متعددة للآية من كلام المفسيرين - فلا طائل تحته بعد ما عرفته، والاعتماد على كلام المفسرين في مقابلة تفسير اهل البيت (عليهم السلام) خروج عن الدين كما لا يخفى على الحاذق المسكين وقد تقدم ايضاحه في غير مقام مما تقدم. نعم ما ذكره من رواية حريز عن رجل عن ابي جعفر (عليه السلام) - (1) قال: " قلت له فصل لربك وانحر ؟ قال النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره " - مسلم إلا انه لا منافاة فيها لما دلت عليه تلك الاخبار حتى يعترض بها لا مكان تفسير الآية بالامرين وبه يجمع بين الاخبار، ومثله في القرآن غير عزيز فان القرآن ذلول ذو وجوه (2).
(الثاني) - قد اختلفت عبارات الاصحاب في بيان حد الرفع، فقال الشيخ الرفع
(1) الوسائل الباب 2 من القيام (2) مجمع البيان طبع صيدا ج 1 ص 13 عن النبي (ص)
[ 46 ]
المعتبر في تكبيرة الاحرام وغيرها ان يحاذي بيديه شحمتي اذنيه. وعن ابن ابي عقيل يرفعهما حذو منكبيه أو حيال خديه لا يجاوز بها اذنيه. وقال ابن بابويه يرفعهما الى النحر ولا يجاوز بهما الاذنين حيال الخد. وقال الفاضلان في بحث الركوع من المعتبر والمنتهى في تكبير الركوع يرفع يديه حيال وجهه، وفى رواية الى اذنيه وبه قال الشيخ. وقال الشافعي الى منكبيه (1) وبه رواية عن اهل البيت (عليهم السلام). اقول: قد تقدم في الاخبار الواردة في هذا المقام في الموضع الاول صحيحة معاوية ابن عمار " وفيها يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه " (2) وفى صحيحته الثانية " اسفل من وجهه قليلا " وفى صحيحة زرارة " ولا تجاوز بكفيك اذنيك اي حيال خديك " وفى صحيحة صفوان مثل صحيحة معاوية بن عمار الاولى، وفي صحيحة عبد الله بن سنان " حذاء وجهك " ومثله في رواية جميل. هذا ما تقدم في المقام. وفى صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة (3) في تعليم الصادق (عليه السلام) في تكبيره للسجود " ورفع يديه حيال وجه ". وفى راوية ابي بصير (4) قال: أبو عبد الله (عليه السلام) إذا دخلت المسجد فاحمد الله واثن عليه وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز اذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك ". وعن منصور بن حازم (5) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه واستقبل القبلة ببطن كفيه ". وفي الصحيح عن ابن سنان (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يصلى يرفع
(1) الام ج 1 ص 90 (2) تقدم عدم الوقوف على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ (3) ص 3 (4) الوسائل الباب 39 من المساجد و 9 من تكبيرة الاحرام (5) و (6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الاحرام
[ 47 ]
يديه حيال وجهه حين استفتح " وعن زرارة في الصحيح أو الحسن عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك ولا ترفعهما كل ذلك " وفي كتاب الفقه الرضوي (2) " فإذا افتتحت الصلاة فكبر وارفع يديك بحذاء اذنيك ولا تجاوز بابهاميك حذاء اذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك ولا بأس بذلك في النافلة والوتر ". والمفهوم من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض هو ان اعلى مراتب الرفع الى ما سامت الاذنين كما يشير إليه قوله في صحيحة زرارة الاولى " ولا تجاوز بكفيك اذنيك " ومثله في رواية ابي بصير وعبارة كتاب الفقه، واقل مراتبه ان يكون اسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة معاوية بن عمار الثانية، والظاهر انها هي التي اشار إليها ابن بابويه بقوله، " يرفعهما الى النحر " فانه اسفل من الوجه قليلا وإلا فلفظ النحر لم اقف عليه في شئ من الاخبار التي وصلت الي وهي جملة ما ذكرته هنا. وبهذا يجمع بين الاخبار المذكورة وما دل عليه خبر ابي بصير وكذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من النهي عن رفع اليدين بالدعاء في المكتوبة حتى يجاوز بهما الرأس، والظاهر انه هو المراد من الخبر المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم): قال في الذكرى: روى ابن ابي عقيل قال جاء عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) مر برجل يصلي وقد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي ارى اقواما يرفعون ايديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس ؟ " انتهى. ونحوه روى في المعتبر والمنتهى عن علي (عليه السلام) (4)
(1) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام (2) ص 7 (3) مستدرك الوسائل الباب 8 من تكبيرة الاحرام (4) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الاحرام
[ 48 ]
قال شيخنا المجلسي (عطرالله مرقده) في كتاب البحار: روى المخالفون هذه الرواية في كتبهم فبعضهم روى " آذان خيل "، وبعضهم " اذناب خيل " قال في النهاية " ما لي اراكم رافعي ايديكم في الصلاة كأنها اذناب خيل شمس ؟ " هي جمع شموس وهي النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. انتهى. والعامة حملوها على رفع الايدي في التكبير (1) لعدم قولهم بشرعية القنوت في اكثر الصلوات وتبعهم الاصحاب
(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 207: " واما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا الا في تكبيرة الافتتاح.. الى ان قال في ضمن الاستدلال: وروى انه صلى الله عليه وآله رأى بعض اصحابه يرفعون ايديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال ما لي اراكم رافعي ايديكم كأنها اذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة " وقال في نيل الاوطار ج 2 ص 191 في مبحث رفع الايدي عند التكبير: احتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند مسلم وابى داود قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ما لي اراكم رافعي ايديكم كأنها اذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة " واجيب عن ذلك بانه ورد على سبب خاص فان مسلما رواه ايضا من حديث جابر بن سمرة قال " كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله - واشار بيديه الى الجانبين - فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله علام تومؤن بايديكم كأنها اذناب خيل شمس ؟ انما يكفى احدكم ان يضع يده على فخذه ثم يسلم على اخيه من على يمينه وشماله " وفي هامش المنتقى ج 1 ص 461 في التعليق على الحديث باللفظ الثاني المنسوب الى احمد ومسلم وبلفظ آخر للنسائي وهو " كنا نصلى خلف النبي صلى الله عليه وآله فقال ما بال هؤلاء يسلمون بايديهم كأنها اذناب خيل شمس ؟ انما يكفى احدكم ان يضع يده على فخذه ثم يقول السلام عليكم السلام عليكم " قال قد احتج به الاحناف على ترك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، قال البخاري في جزء رفع اليدين: فاما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الاعمش عن المسيب ابن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن رافعو ايدينا الحديث فانما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي صلى الله عليه وآله عن رفع الايدي في التشهد ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم.
[ 49 ]
فاستدلوا بها على كراهة تجاوز اليد عن الرأس في التكبير، ولعل الرفع للقنوت منها اظهر ويحتمل التعميم ايضا والاحوط الترك فيهما معا. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. اقول: والظاهر هو ما استظهره من الحمل على القنوت، وينبغي ان يخص بالفريضة كما تضمنه الخبران المتقدمان ولا بأس بذلك في النافلة كما تضمنته عبارة كتاب الفقه. واما الحمل على رفع اليدين في التكبير كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فالظاهر بعده عن سياق الخبر وان كان الحكم كذلك كما يدل عليه النهي عن الرفع في التكبير عما زاد على محاذاة الاذنين إلا ان الخبر المذكور ليس مرادا به ذلك بل المراد به ما اشتمل عليه خبر ابي بصير وكلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور.
(الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يبتدئ في التكبير بابتداء رفع يديه وينتهي بانتهائه ويرسلهما بعد ذلك، قال في المعتبر: وهو قول علمائنا. ونحوه كلام العلامة في المنتهى. وعللوه بانه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا بذلك وعلى هذا جرى في المدارك والذخيرة وغيرهما. مع ان في المسألة قولين آخرين (احدهما) انه يبتدئ بالتكبير حال ارسالهما. وقيل انه يبتدئ بالتكبير عند انتهاء الرفع فيكبر عند تمام الرفع ثم يرسل يديه. وهذا هو الظاهر من صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام) " إذا افتتحت الصلاة اي إذا اردت افتتاح الصلاة كما في قوله عزوجل " فادا قرأت القرآن " (2) و " إذا قمتم الى الصلاة " (3) فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات " واجاب العلامة عن هذه الرواية بحمل " ثم " على الانسلاخ عن معنى التراخي. واما ما تمسكوا به من ان الرفع بالتكبير لا يتحقق إلا بذلك فهو جيد لو وجدت هذه العبارة في شئ من اخبار المسألة وقد تقدم لك ذكرها وان وجد ذلك فانما هو في كلام الاصحاب ولا حجة فيه.
(1) ص 39 (2) و (3) سورة النحل والمائدة، الآية 100 و 9
[ 50 ]
وقريب من صحيحة الحلبي في ذلك صحيحة صفوان المتقدمة (1) وقوله: " إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه " فان المراد إذا اراد التكبير كما تقدم فيدل على ان الرفع متقدم على وقوع التكبير واقع عند ارادته واما كون التكبير عند انتهاء الرفع أو حال الارسال فهي مجلمة في ذلك فهي موافقة للقول المشهور ومحتملة للقولين الآخرين. وقال العلامة في التذكرة: قال ابن سنان (2) " رأيت الصادق (عليه السلام) يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح " وظاهره يقتضي ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع وانتهاءه مع انتهائه وهو احد وجهي الشافعية والثاني يرفع ثم يكبر عند الارسال وهو عبارة بعض علمائنا. وظاهر كلام الشافعي انه يكبر بين الرفع والارسال (3) انتهى. اقول: لا ريب ان ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة ما عرفت من الدلالة على القول الثالث وقريب منها صحيحة صفوان بالتقريب الذي ذكرناه، وهذه الرواية ظاهرة ايضا في القول المشهور كما ذكره شيخنا المذكور وان امكن التأويل فيها بحمل قوله: " استفتح " على ارادة الاستفتاح كما في الخبرين الآخرين، وبذلك تنطبق على الخبرين المذكورين ويكون الجميع دليلا للقول الثالث. واما حملها على ظاهرها فيوجب المناقضة بينها وبين الخبرين الاولين، إلا ان يجاب عن صحيحة الحلبي بما ذكره العلامة من حمل " ثم " على الانسلاخ من معنى التراخي وعن صحيحة صفوان بان المراد بقوله " إذا كبر " اي إذا ابتدأ في التكبير فيصير ابتداء التكبير بابتداء الرفع كما هو القول المشهور، وبذلك تبقى المسألة في قالب الاشكال في البين لتصادم الاحتمال من الطرفين.
(الرابع) ذهب جمع من الاصحاب الى استحباب ضم الاصابع حين الرفع ونقل الفاضلان عن المرتضى وابن الجنيد تفريق الابهام وضم الباقي، ونقله في الذكرى عن المفيد وابن البراج وابن ادريس وجعله اولى واسنده الى الرواية.
(1) و (2) ص 43 و 46 (3) شرح صحيح مسلم للنووي الشافعي على هامش ارشاد السارى ج 3 ص 4 والام للشافعي ج 1 ص 90
[ 51 ]
اقول: ظاهر كلامهم في هذا المقام ان ضم الاصابع بعضها الى بعض متفق عليه في ما عدا الابهم والخلاف انما هو فيها ضما وتفريقا. ولم اقف لهم على دليل لا في موضع الوفاق ولا في موضع الخلاف. وظاهر صاحب المدارك الاستناد في اصل المسألة الى خبر حماد (1) حيث قال: ولتكن الاصابع مضمومة كما يستفاد من رواية حماد في وصف صلاة الصادق (عليه السلام). وانت خبير بان خبر حماد لم يشتمل على رفع اليدين في تكبيرة الاحرام فضلا عن كونها في حال الرفع مضمومة الاصابع ام لا، وقد صرح بالرفع في تكبير الركوع وتكبير السجود ولكنه ايضا غير متضمن لضم الاصابع، نعم ذكر في صدر الرواية قال: " فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه " فضم الاصابع في الخبر وقع في حال الاسدال على الفخذين، وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ادعوه إلا ان يدعى استصحاب تلك الحال الى حال الرفع. وفيه من البعد ما لا يخفى. وظاهر الشهيد في الذكرى وصول النص إليه بالتفريق في الابهام والضم حيث قال: ولتكن الاصابع مضمومة وفى الابهام قولان وفرقه اولى، واختار ابن ادريس تبعا للمفيد وابن البراج وكل ذلك منصوص. انتهى. نعم روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن زيد النرسى في كتابه عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) " انه رآه يصلى فكان إذا كبر في الصلاة الزق اصابع يديه الابهام والسبابة والوسطى والتي تليها وفرج بينها وبين الخنصر ثم يرفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يرسل يديه ويلزق بالفخذين ولا يفرج بين اصابع يديه فإذا ركع كبر ورفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يلقم ركبتيه كفيه ويفرج بين الاصابع فإذا اعتدل لم
(1) ص 2 (2) ج 84 بحار الانوار ص 225 ج 12
[ 52 ]
يرفع يديه وضم الاصابع بعضها الى بعض كما كانت ويلزق يديه مع الفخذين ثم يكبر ويرفعهما قبالة وجهه كما هي ملتزق الاصابع فيسجد... الحديث " وهو وان تضمن ضم الاصابع إلا انه تضمن تفريق الخنصر دون الابهام فهو لا يصلح لان يكون دليلا في المقام، وظاهره ضم الاصابع كملا في تكبير السجود.
(المسألة الرابعة) قد تقدم استحباب اضافة ست تكبيرات للافتتاح مع تكبيرة الاحرام وهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وانما الخلاف في عموم هذا الحكم للفرائض والنوافل أو لخصوص الفرائض أو بانضمام مواضع مخصوصة من النوافل لا جميعها كما هو القول الاول ؟ اقوال، وبالاول صرح المحقق في المعتبر والعلامة وابن ادريس واختاره السيد السند في المدارك والظاهر انه المشهور بين الاصحاب ونقل عن المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل المحمدية انه خصها بالفرائض دون النوافل وعن ابن الجنيد انه خصها بالمنفرد. وقال الشيخ المفيد (نور الله مرقده) يستحب التوجه بسبع تكبيرات في سبع صلوات. قال الشيخ في التهذيب ذكر ذلك علي بن الحسين في رسالته ولم اجد به خبرا مسندا وتفصيلها ما ذكره: اول كل فريضة واول ركعة من صلاة الليل وفي المفردة من الوتر وفي اول ركعة من ركعتي الزوال وفي اول ركعة من نوافل المغرب وفي اول ركعة من ركعتي الاحرام، فهذه الستة مواضع ذكرها علي بن الحسين (قدس سره) وزاد الشيخ يعني المفيد الوتيرة. انتهى. اقول: ينبغي ان يعلم ان ما ذكره علي بن الحسين (قدس سره) في رسالته انما اخذه من كتاب الفقه الرضوي على ما عرفت وستعرف في غير مقام مما تقدم وسيأتي حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور " ثم افتتح بالصلاة وتوجه بعد التكبير فانه من السنة الموجبة في ست صلوات وهي اول ركعة من صلاة الليل والمفردة من الوتر واول ركعة من نوافل المغرب واول ركعة من ركعتي الزوال واول ركعة من ركعتي
[ 53 ]
الاحرام واول ركعة من ركعات الفرائض " انتهى. ورواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا ومن الظاهر انه من هذا الكتاب كما عرفت. احتج السيد السند (قدس سره) في المدارك على ما اختاره من القول الاول باطلاق الاحاديث، قال وقد تقدم طرف منها في ما سبق ثم قال: وروى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الافتتاح ؟ قال تكبيرة تجزئك. قلت: فالسبع ؟ قال ذلك الفضل " وروى ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) " انه خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الصلاة وقد كان الحسين (عليه السلام) ابطأ... الحديث " وقد تقدم قريبا (2) ثم نقل حسنة الحلبي أو صحيحته المتقدمة (3) المشتملة على التكبيرات السبع والادعية الثلاثة بينها. اقول: ما ذكره من اطلاق الاحاديث اشار به الى الاخبار التي قدمناها في الامر الثالث من المسألة الثالثة، وانت خبير بانه وان كان الامر كما ذكره بالنسبة الى اطلاق الاخبار إلا انه مدخول بانه من المحتمل قريبا حمل الاطلاق على الفريضة سيما اليومية التي هي الفرض المتكرر الشائع المتبادر الى الذهن عند الاطلاق كما صرحوا به في غير موضع سيما ان جملة منها ظاهرة كالصريح في الفريضة كاخبار العلل بزيادة هذه التكبيرات من احاديث الحسين (عليه السلام) واخبار الحجب فانها كلها ظاهرة كالصريح في الفريضة واخبار الامام فانها كذلك. وانت إذا راجعت الاخبار وتأملتها بعين التفكر والاعتبار وضممت بعضها الى بعض ظهر لك صحة ما قلناه وقوة ما اخترناه وبذلك يظهر لك قوة ما ذكره علي بن الحسين بن بابويه لاعتماده فيه على الكتاب المذكور. ويعضده ايضا ما رواه السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاووس
(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام (2) ص 22 (3) ص 39
[ 54 ]
(رضوان الله عليه) في كتاب فلاح السائل عن التلعكبري عن محمد بن همام عن عبد الله ابن علاء المذاري عن ابن شمون عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال قال: " افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه والتكبير: في اول الزوال وصلاة الليل والمفردة من الوتر، وقد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع ان تكبر تكبيرة لكل ركعتين ". وظاهر الخبر ان المراد ثلاثة مواطن يعني بعد الفرائض كما يشير إليه قوله " قد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع " وقد حمله ابن طاووس في الكتاب المذكور على التأكيد في هذه الثلاثة بعد تخصيصه الاستحباب بسبعة مواضع بالحاق الفريضة واولى نافلة المغرب والوتيرة وركعتي الاحرام. وظاهره كما ترى موافقة الشيخ المفيد (قدس سره) في ضم الوتيرة الى الستة المتقدمة في كتاب الفقه الرضوي. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقله كلام علي بن بابوية المطابق لعبارة كتاب الفقه كما عرفت: ويمكن حمله على تأكد الاستحباب في تلك المواضع لا نفيه عن غيرها. وفيه ان ذلك فرع الدليل الظاهر في العموم وقد عرفت ما فيه.
(المسألة الخامسة) - قال شيخنا الشهيد في الذكرى: زاد ابن الجنيد بعد التوجه استحباب تكبيرات سبع و " سبحان الله " سبعا و " الحمد لله " سبعا و " لا إله الا الله " سبعا من غير رفع يديه ونسبه الى الائمة (عليهم السلام) وروى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) " إذا كبرت في اول الصلاة بعد الاستفتاح احدى وعشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير اجزأك " انتهى. اقول: ظاهر كلامه (قدس سره) في نقل مذهب ابن الجنيد انه يستحب سبع تكبيرات سوى التكبيرات الافتتاحية المشهورة ويمكن حمل التوجه على الكناية
(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام (2) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الاحرام
[ 55 ]
عن تكبير الاحرام خاصة فتكون السبع المذكورة بعدها، وكيف كان فهو مخالف لما عليه الاصحاب. وقال في النفلية: وروى التسبيح بعده سبعا والتحميد سبعا. قال شيخنا الشهيد الثاني في شرحها: ذكره ابن الجنيد ونسبه إلى الائمة (عليهم السلام) ولم نقف عليه وكذا اعترف المصنف في الذكرى بذلك. انتهى. اقول: قد روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) وذكر حديث تكبيرات الافتتاح ثم قال: " قال زرارة فقلت لابي جعفر (عليه السلام) فكيف نصنع ؟ قال تكبر سبعا وتحمد سبعا تسبح سبعا وتحمد الله وتثني عليه ثم تقرأ " ولعل هذا الخبر هو المستند لما ذكره ابن الجنيد إلا ان ابن الجنيد ذكر التهليل سبعا والخبر خال من ذلك ولعل الخبر عنده كان كذلك، ويؤيده ما نقله بعض مشايخنا عن بعض الثقات انه رأى هذا الخبر في بعض النسخ بعد قوله " وتسبح سبعا " و " تهلل سبعا " كما ذكره ابن الجنيد. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره في النفلية بعيد الانطباق على مذهب ابن الجنيد وان كان شيخنا الشهيد الثاني قد فسره به، لان ابن الجنيد كما عرفت ذكر التسبيح سبعا والتهليل سبعا ومع فرض ان يكون المصنف فهم من التكبير سبع في كلام ابن الجنيد التكبيرات السبع باضافة تكبيرة الاحرام إليها فلم يذكره لموافقته لكلام الاصحاب وانما اراد التنبيه على ما لم يتعرضوا له إلا انه ينافيه حذف التهليل وعدم ذكره. ولعل المصنف اطلع على رواية زرارة المذكورة واشار بقوله " روى " إليها لا الى ما نقل عن ابن الجنيد دعوى الرواية به فانه بعيد عن ظاهر هذه العبارة، وكلامه الى الانطباق على ظاهر الصحيحة المذكورة - بحمله التكبير سبعا فيها على تكبيرات الافتتاح المشهورة فلم يذكره وانما
(1) الوسائل الباب 11 من تكبيرة الاحرام
[ 56 ]
ذكر التسبح والتحميد كما في الخبر اقرب - منه الى الانطباق على كلام ابن الجنيد كما فهمه الشارح. واما رواية زرارة التي ذكرها فصورتها على ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح الصدوق ايضا في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا انت كبرت في اول صلاتك بعد الاستفتاح باحدى وعشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير كله ولم تكبر اجزأك التكبير الاول عن تكبير الصلاة كلها ". والخبر المذكور محمول على الرباعية والمراد بالاستفتاح الاحرام اي إذا كبرت بعدها احدى وعشرين تكبيرة وهي مجموع التكبيرات المستحبة في الرباعية، إذ في كل ركعة خمس تكبيرات واحدة للركوع ولكل سجدة اثنتان فيكون في الاربع الركعات عشرون تكبيرة وتكبيرة القنوت وهى تمام العدد المذكور فإذا نسيت جميع التكبيرات المستحبة في اماكنها اجزأك عنها التكبير الاول على ارادة الجنس اي الاحدى والعشرين المتقدمة اولا، فعلى هذا يكون في الثلاثية ست عشرة تكبيرة وفي الثنائية احدى عشرة كل ذلك سوى تكبيرة الافتتاح. ويؤكد ذلك وان كان واضحا ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " التكبير في صلاة الفرض - الخمس الصلوات - خمس وتسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت خمس " وراوه ايضا عن علي عن ابيه عن ابن المغيرة (3) وفسرهن: في الظهر احدى وعشرون تكبيرة وفي العصر احدى وعشرون تكبيرة وفي المغرب ست عشرة تكبيرة وفي العشاء الآخرة احدى وعشرون تكبيرة وفي الفجر احدى عشرة تكبيرة وخمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات.
اقول: ظاهر هذه الاخبار طرح الست المستحبة الافتتاحية، ولعل طرحها في صحيحة زرارة محمول على الاكتفاء بتلك التكبيرات التي يقدمها وفى هذين الخبرين باعتبار تأكد هذه التكبيرات زيادة عليها فانها من اصل الصلاة قبل تلك الست التي تجددت لتلك العلل المذكورة. والله العالم.
(1) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام
<>