تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثامن


الفصل التاسع

في التشهد

وتحقيق الكلام فيه يقع في موارد:

(الاول) لا ريب ان التشهد واجب في كل ثنائية مرة بعد الركعة الثانية وفي غيرها مرتين، احدهما بعد الثانية وثانيهما بعد الثالثة في الثلاثية وبعد الرابعة في الرباعية، وهو اجماعي وقد نقل الاجماع عليه عدة من مشاهير الاصحاب: منهم - المرتضى والشيخ وابن زهرة والعلامة والشهيد وغيرهم. إلا ان الاخبار قد اختلفت في كيفيته ووجوبه وعدمه اي اختلاف واضطربت اضطرابا لا يرجى معه الائتلاف. وها انا اورد جملة ما وقفت عليه من الاخبار في المقام واذيلها بما وفق الله تعالى


[ 441 ]

لفهمه منها على وجه لا يعتريه ان شاء الله نقض ولا ابرام: فالاول - ما رواه في الكافي عن بكر بن حبيب (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن التشهد فقال لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا انما كان القوم يقولون ايسر ما يعلمون، إذا حمدت الله اجزأ عنك ". الثاني - ما رواه في الكافي والتهذيب عن بكر بن حبيب ايضا (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اي شيى اقول في التشهد والقنوت ؟ فقال قل باحسن ما علمت فانه لو كان موقتا لهلك الناس ". الثالث - ما رواه في الكافي عن سورة بن كليب (3) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن ادنى ما يجزئ من التشهد فقال الشهادتان ". الرابع - ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الملك بن عمرو الاحول عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " التشهد في الركعتين الاولتين: الحمد لله اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته ". الخامس - ما رواه عن زرارة في الصحيح (5) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما يجزئ من القول في التشهد في الركعتين الاولتين ؟ قال ان تقول: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قلت فما يجزئ من تشهد الركعتين الاخيرتين ؟ قال الشهادتان ". السادس - ما رواه عن حبيب الخثعمي عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) يقول " إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله تعالى اجزأه ".


(1) و (2) و (6) الوسائل الباب 5 من التشهد (3) و (5) الوسائل الباب 4 من التشهد (4) الوسائل الباب 3 من التشهد


[ 442 ]

السابع - ما رواه عن احمد بن محمد بن ابي نصر (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك التشهد الذي في الثانية يجزئ ان اقول في الرابعة ؟ قال نعم " الثامن - ما رواه عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) التشهد في الصلاة ؟ قال مرتين. قال قلت وكيف مرتين ؟ قال إذا استويت جالسا فقل: " اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله " ثم تنصرف. قال قلت قول العبد " التحيات لله والصلوات الطيبات لله " ؟ قال هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربه ". التاسع - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه ". العاشر - ما رواه عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد ". الحادي عشر - ما رواه عن زرارة في الموثق (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الاخير ؟ فقال تمت صلاته وانما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد. الثاني عشر - ما رواه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (6)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 4 من التشهد (4) الوسائل الباب 3 من التسليم (5) الوسائل الباب 13 من التشهد وفى الوسائل " عبيد بن زرارة " وفى التهذيب ج 1 ص 226 والوافى باب " الحدث والنوم في الصلاة " كما هنا. (6) الوسائل الباب 13 من التشهد


[ 443 ]

" في الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه من السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد ؟ قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع الى المسجد وان شاء ففي بيته وان شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته ". الثالث عشر - ما رواه عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (1) في " الرجل يفرغ من صلاته وقد نسى التشهد حتى ينصرف فقال ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، وقال انما التشهد سنة في الصلاة " الرابع عشر - ما رواه في المحاسن عن ابن مسكان عن ابي عبد لله (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن رجل صلى الفريضة فلما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة احدث ؟ قال اما صلاته فقد مضت واما التشهد فسنة في الصلاة فليتوضأ وليعد الى مجلسه أو الى مكان نظيف فيتشهد ". الخامس عشر - ما ذكره في الفقه الرضوي (3) حيث قال: " وادنى ما يجزئ من التشهد الشهادتان ". السادس عشر - ما رواه في الخصال عن ابي بصير محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) إذا قال العبد في التشهد الاخير وهو جالس: " اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور " ثم احدث حدثا فقد تمت صلاته ". السابع عشر - ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم كيف يصنع ؟ قال ان ذكر قبل ان يسلم فليتشهد وعليه سجدتا السهو وان ذكر انه قال " اشهد ان لا إله إلا الله " أو " بسم الله "


(1) و (5) الوسائل الباب 7 من التشهد (2) و (4) الوسائل الباب 13 من التشهد (3) ص 9


[ 444 ]

اجزأه في صلاته، وان لم يتكلم بقليل ولا كثير حتى سلم اعاد الصلاة ". هذا ما حضرني من الاخبار الجارية في هذا المضمار وانت خبير بما فيها من التدافع في وجوب التشهد وعدمه وكيفيته.

ويستفاد من هذه الاخبار امور:

(الاول) الذي يدل على وجوبه من هذه الاخبار في الجملة الخبر الثالث والرابع والخامس والثامن والتاسع والعاشر والخامس عشر والسادس عشر. واما ما دل عليه الخبر الخامس - من الاقتصار على الشهادة بالتوحيد في التشهد الاول والشهادتين في الثاني - فقد اجاب عنه في المعتبر - بعد حكمه بوجوب الشهادتين وايراد الاخبار المتضمنة لذلك - بانه دال على القدر المذكور فيه وليس مانعا من وجوب الزيادة فالعمل بما يتضمن الزيادة اولى. واقتفاه في ذلك العلامة في المنتهى. والاظهر ما اجاب به المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى، قال ولعل الغرض من السؤال استعلام كيفية التشهد وانه هل يختلف فيه حكم الاول والاخير ؟ فاكتفى في جواب السؤال الاول بذكر كيفية الشهادة بالوحدانية اعتمادا على ان كيفية الشهادة الاخرى التي تضم إليها متقررة معروفة، وجعل الجواب عن السؤال الثاني بشهادتين كناية عن الاتفاق في الحكم بالنسبة الى القدر المجزئ، وسيجئ التصريح بهذا المعنى في خبر آخر. انتهى.

(الثاني) - اعلم ان المشهور بين الاصحاب ان التشهد الواجب انما يحصل بان يقول " اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " ثم يصلي على النبي وآله وما زاد على ذلك فهو مندوب. وقيل الواجب " اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد ". اقول: الظاهر ان بناء القول الاول على العمل باطلاق الاخبار المتقدمة من الاتيان بالشهادتين الصادق بما ذكروه فيكون ما زاد على ذلك مستحبا، وبناء الثاني على


[ 445 ]

وجود هذه الصورة في الرواية الرابعة والثامنة والسادسة عشرة، وقضية حمل مطلق الاخبار على مقيدها ومجملها على مفصلها هو الاتيان بما اشتملت عليه الروايات المذكورة وهو الاقرب مؤيدا بالاحتياط ايضا.

(الثالث) - ان ما دل عليه الخبر الاول والثاني - من الاكتفاء بكل ما يقول وانه ليس شيئ واجبا وإذا حمدت الله تعالى اجزأك - فحمله جملة من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك على الضرورة أو التقية (1). اقول: والحمل على التقية غير بعيد لكن الظاهر انه لا ضرورة تلجئ إليه بل الظاهر ان المراد انما هو الاذكار الزائدة على اصل الشهادتين المنقولة في جملة من الاخبار المذكورة زيادة على الشهادتين والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) والمراد انه ليس شيئ من تلك الاذكار واجبا متعينا وإلا لهلك الناس حيث لا يأتون بها وبطلت صلاتهم وانما يأتون منها بايسر ما يعلمونه ولو بمجرد اضافة " الحمد الله " الى الشهادتين والصلاة لا ان المراد بذلك الشهادتين وعدم وجوبهما، واضافة القنوت في الخبر الثاني ظاهر في ما قلناه.

(الرابع) - ان ما دل عليه الخبر الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من صحة الصلاة بالحدث قبل التشهد يحتمل وجوها: احدها - الحمل على التقية وعليه اقتصر في الذكرى فقال بعد ايراده


(1) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 78 " اقل ما يجزئ من التشهد خمس كلمات وهى التحيات لله سلام عليك ايها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمد رسول الله " واقل ما نصت عليه الروايات المنقولة في عمدة القارئ ج 3 ص 180 ما في حيث سمرة وهو قولوا " التحيات لله الطيبات والصلوات والملك لله " ثم سلموا على النبي " ص " وسلموا على اقاربكم وعلى انفسكم.. وفى المحلى ج 3 ص 270 " قال مالك: الجلوس فرض وذكر الله تعالى فيه فرض وليس التشهد فرضا ".


[ 446 ]

لجملة من الاخبار المخالفة لما عليه الاصحاب ومنها بعض الاخبار المشار إليها: ولو حملت على التقية لكان انسب لانه مذهب كثير من العامة كالشافعي واهل العراق والاوزاعي ومالك إذ يقولون بعدم وجوب التشهد الاول، وقال بعدم وجوب التشهد الثاني ايضا مالك وابو حنيفة والثوري والاوزاعي ورووه عن علي (عليه السلام) وسعيد ابن المسيب والنخعي والزهري (1) انتهى. وهو جيد. وثانيها - ما ذكره الشيخ (قدس سره) من ان هذه الاخبار انما تنفي وجوب ما زاد على الشهادتين ونحن نقول به وكذا قوله: " انما التشهد سنة " اي ما زاد على الواجب والحديث محمول على انه لم يكمل التشهد لا انه لم يات به. والظاهر بعده. وثالثها - ما يظهر من الصدوق (قدس سره) من عمله بهذه الاخبار حيث قال: ان رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة الرابعة واحدثت فان كنت قد قلت


(1) في بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 118 " ذهب مالك وابو حنيفة وجماعة الى ان التشهد ليس بواجب. وذهب الشافعي واحمد وابو داود الى وجوبه " وفى شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 7 ص 328 " مذهب الشافعي ان التشهد الاول سنة والثانى واجب وجمهور المحدثين انهما واجبان، وقال احمد الاول واجب يجبر تركه بسجود السهو والثانى ركن تبطل الصلاة بتركه، وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء انهما سنتان " وفى المغنى ج 1 ص 532 " إذا صلى ركعتين جلس للتشهد وهذا الجلوس والتشهد فيه مشروعان بلا خلاف وفى الصلاة المغرب والرباعية واجبان على احدى الروايتين وهو مذهب الليث واسحاق، والاخرى ليسا بواجبين وهو قول ابى حنيفة ومالك والشافعي لانهما يسقطان بالسهو فاشبها السنن " وفى ص 540 منه " التشهد والجلوس الاخير من اركان الصلاة قال بوجوبه عمر وابنه وابو مسعود البدري والحسن والشافعي ولم يوجبه مالك ولا أبو حنيفة إلا ان ابا حنيفة اوجب الجلوس قدر التشهد " وفي مجمع الانهر ج 1 ص 115 " ان تعمد الحدث بعد ما قعد قدر التشهد أو عمل ما ينافيها تمت صلاته لوجود الخروج بصنعه وقد وجدت اركانها ".


[ 447 ]

الشهادتين فقد مضت صلاتك وان لم تكن قلت ذلك فقد مضت صلاتك فتوضأ ثم عد الى مجلسك وتشهد. انتهى. اقول: الظاهر ان مراده - وهو ظاهر الاخبار المذكورة - ان التشهد واجب لكنه ليس من قبيل الاركان المفروضة التي تبطل الصلاة بتركها وانما هو واجب بالسنة والاخلال به وتخلل الحدث قبله غير مبطل للصلاة فيتوضأ ويأتي به. والى هذا يميل كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار ايضا حيث قال بعد نقل الخبر الرابع عشر وذكر محمل الشيخ ثم ذكر الحمل على التقية: والاظهر حمله على ان وجوبه يظهر من السنة لا من القرآن فيكون من الاركان والحدث الواقع بعد الفراغ من اركان الصلاة لا يوجب بطلانها كما تدل عليه صحيحة زرارة ايضا واختاره الصدوق ولا ينافي وجوب التشهد، وما ورد من الامر بالاعادة في خبر قاصر السند (1) يمكن حمله على الاستحباب والاحوط العمل بهذا الخبر ثم الاعادة. انتهى. اقول: وعلى هذا الاحتمال لا تكون المخالفة من حيث التشهد لانه قد امر به في الاخبار المذكورة وانما تكون المخالفة والاشكال من حيث الحكم بصحة الصلاة مع تخلل الحدث. وما ادعاه (قدس سره) من ان الحدث الواقع بعد الفراغ من الاركان لا يوجب البطلان مردود بعموم الاخبار الدالة على بطلان الصلاة بتخلل الحدث فيها (2) وخصوص رواية الحسين ابن الجهم الآتي جميع ذلك ان شاء الله في مسألة قواطع الصلاة، وهذه الرواية هي التي اشار إليها بالضعف والحمل على الاستحباب. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فان هذه الاخبار الاربعة مع اعتبار اسانيدها قد اتفقت على هذا الحكم، والحمل على التقية كما ذكره الشهيد من قول العامة بصحة الصلاة بدون التشهد (3) ينافيه الامر بالتشهد فيها لاتفاقها على الامر بالاتيان


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القواطع الصلاة (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 446


[ 448 ]

به وظاهرها الوجوب. نعم لو اريد به التقية من حيث قولهم بصحة الصلاة مع تخلل الحدث في اثنائها امكن، فان المحقق الشيخ حسن نقل في المنتقى انه يعزى الى ابي حنيفة وجماعة من العامة القول باعادة الوضوء لمن سبقه الحدث والبناء على ما فعله (1) ومن ثم اختار حمل اخبار البناء على ذلك وإلا فالتقية بالمعنى الذي ذكره شيخنا المشار إليه بعيد كما ترى. الخامس - ظاهر الاخبار التي اشتملت على التشهد وحملنا عليها مطلق الاخبار عدم وجوب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) لورودها في مقام البيان خالية من ذلك فلو كانت واجبة لذكرت فيها. ويمكن الجواب بان غاية ما تدل عليه هذه الاخبار هو بيان كيفية التشهد والصلاة ليست داخلة في كيفيته بل هي واجب آخر بعد التشهد، وكون المقام مقام بيان مسلم لكنه لبيان صورة التشهد الذي اجمل في الاخبار الباقية لا لبيان ما وجب في الصلاة ليلزم من عدم ذكر الصلاة فيه عدم وجوبها، فغايتها ان تكون مطلقة بالنسبة الى وجوبها وعدمه ولا تصريح ولا اشارة فيها الى عدم الوجوب ليحصل بها المنافاة بل غايتها كما عرفت الاطلاق وهو مقيد بما سيأتي ذكره من الدليل على وجوبها في هذا الموضع فلا منافاة، على ان رواية عبد الملك بن عمرو (2) قد اشتملت على ذكر الصلاة وكذا جملة من الروايات الآتية ايضا ان شاء الله تعالى. والجواب عن ذلك - بانها قد اشتملت على جملة من المستحبات فيحتمل ان يكون هذا من جملتها - سيأتي جوابه. نعم ربما اشكل ذلك بقوله في الخبر الثامن بعد ذكر الشهادتين " ثم تنصرف " فان الانصراف اما كناية عن الاتيان بالتسليم أو عبارة عن انقضاء الصلاة وتمامها. وقريب منه قوله في الخبر التاسع " إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ".


(1) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 367 " من سبقة الحدث توضأ وبنى على صلاته، والبلوى فيما سبق دون ما يتعمده فلا يلحق به " (2) ص 441


[ 449 ]

ويمكن الجواب عن الخبر الاول وان بعد بان المراد ثم تنصرف يعني بعد الاتيان بالصلاة، ويشير إليه عطف الانصراف ب‍ " ثم " الدالة على المهلة والتراخي. وبالجملة فانه لما قام الدليل على الوجوب في هذا الموضع بالاخبار الصريحة الصحيحة بالتقريب الآتي فالواجب حمل ما ينافي ذلك على ما يرجع به إليه وان بعد في حد ذاته إلا انه ليس ذلك بعيدا في مقام الجمع كما وقع لهم مثله في غير موضع. واما الخبر الثاني فيحمل على دخول الصلاة في الشهادتين تجوزا كما اطلق التشهد على مجموع الاذكار الطويلة الآتية في رواية ابي بصير ونحوها. السادس - ما تضمنه الخبر السابع عشر من الاحكام لا يخلو من الاشكال في المقام قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار بعد نقل الخبر المذكور: لم ار به عاملا من الاصحاب بل المشهور قضاء التشهد وسجدتا السهو كما سيأتي. نعم قال ابن ادريس: إذا كان المنسي التشهد الاخير واحدث ما ينقض طهارته قبل الاتيان به يجب عليه اعادة الصلاة. وهو ايضا خلاف المشهور. ويمكن حمل الخبر عليه والاظهر حمله على الاستحباب وروى في التهذيب قريبا منه عن عمار الساباطي (1) ولو قضى التشهد وسجد للسهو ثم اعاد الصلاة كان احوط. انتهى. اقول: ويخطر بالبال العليل والفكر الكليل ان المراد من الخبر المذكور انه متى ذكر انه قال " اشهد ان لا إله إلا الله " أو ذكر انه قال " بسم الله " فانه يبني على وقوع التشهد بمعنى انه يبعد بعد الشروع فيه ببعض هذه العبارات ان يترك باقيه نسيانا ويسهو عنه، اما لو علم انه لم يتكلم بقليل ولا كثير فان السهو عنه ممكن وحكمه حينئذ باعادة الصلاة محمول على حصول المنافي في البين بمعنى حصول ما يبطل الصلاة عمدا وسهوا فان الواجب هو الاعادة. وهو معنى صحيح لا غبار عليه وهو في باب التأويل غير بعيد كما لا يخفى.


(1) الوسائل الباب 7 من التشهد


[ 450 ]

(المورد الثاني) - افضل التشهد ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا جلست في الركعة الثانية فقل: بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، اشهد انك نعم الرب وان محمدا (صلى الله عليه وآله) نعم الرسول، اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته. ثم تحمد الله تعالى مرتين أو ثلاثا ثم تقوم فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، اشهد انك نعم الرب وان محمدا (صلى الله عليه وآله) نعم الرسول التحيات لله والصلوات الطاهرات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات الناعمات لله ما طاب وزكا وطهر و خلص وصفا فلله، واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة اشهد ان ربي نعم الرب وان محمدا (صلى الله عليه وآله) نعم الرسول، واشهد ان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وسلم على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد وامنن على بالجنة وعافني من النار، اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر للمؤمنين والمؤمنات ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا. ثم قل السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام


(1) الوسائل الباب 3 من التشهد


[ 451 ]

على انبياء الله ورسله السلام على جبرئيل وميكائيل والملائكة المقربين السلام على محمد ابن عبد الله (صلى الله عليه وآله) خاتم النبيين لا نبي بعده والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم تسلم ". وقال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) فإذا تشهدت في الثانية فقل: بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. ولا تزد على ذلك ثم انهض الى الثالثة وقل إذا نهضت: بحول الله اقوم واقعد، الى ان قال فإذا صليت الركعة الرابعة فقل في تشهدها: بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله، اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، التحيات لله والصلوات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات التامات الناعمات المباركات الصالحات لله ما طاب وزكا وطهر ونما وخلص وما خبث فلغير الله، اشهد انك نعم الرب وان محمدا (صلى الله عليه وآله) نعم الرسول وان علي بن ابي طالب (عليه السلام) نعم المولى وان الجنة حق والنار حق والموت حق والبعث حق وان الساعة آتيه لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا الله، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد افضل ما صليت وباركت وترحمت وسلمت على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وعلى الائمة الراشدين من آل طه ويس، اللهم صل على نورك الانور وعلى حبلك الاطول وعلى عروتك الوثقى وعلى وجهك الاكرم وعلى جنبك الاوجب وعلى بابك الادنى وعلى مسلك الصراط، اللهم صل على الهادين المهديين الراشدين الفاضلين الطيبين الطاهرين الاخيار الابرار، اللهم صل على جبرئيل وميكائيل واسرافيل


(1) ص 8


[ 452 ]

وعزرائيل وعلى ملائكتك المقربين وانبيائك المرسلين ورسلك اجمعين من اهل السماوات والارضين واهل طاعتك المتقين واخصص محمدا بافضل الصلاة والتسليم، السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك وعلى اهل بيتك الطاهرين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم سلم عن يمينك وان شئت يمينا وشمالا وان شئت تجاه القبلة. بيان المشهور في كلام الاصحاب - كما ذكره الشيخ وغيره - في افتتاح التشهد " بسم الله وبالله والاسماء الحسنى كلها لله " ورواية ابي بصير خالية من لفظ " الاسماء الحسنى كلها لله " إلا انها في الفقه الرضوي، والصدوق في الفقيه قد عبر بهذه العبارة والظاهر انه اخذ ذلك من الكتاب المذكور والجماعة تبعوا الصدوق في ذلك. وقال الشهيد الثاني في شرح النفلية: اختصاص التحيات بالتشهد الثاني موضع وفاق بين الاصحاب فلا تحيات في الاول اجماعا فلو اتى بها فيه لغير تقية (1) معتقدا لشرعيتها مستحبا اثم واحتمل البطلان، ولو لم يعتقد استحبابها اثم من حيث الاعتقاد. وتوقف المصنف في الذكرى في بطلان الصلاة حينئذ، وعدم البطلان متجه لانه ثناء على الله تعالى. انتهى. وقال في الذكرى: لا تحيات في التشهد الاول باجماع الاصحاب غير ان ابا الصلاح قال فيه " بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله، لله ما طاب وزكا ونما وخلص وما خبث فلغير الله " وتبعه ابن زهرة. وقال الشهيد في النفلية: وروى مرسلا عن الصادق (عليه السلام) جواز التسليم


(1) في البحر الرائق ج 1 ص 323 " إذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى.. الى ان قال وقرأ تشهد ابن مسعود وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات.. الخ. ثم قال: والقعود الاول كالثاني وتشهد وصلى على النبي ص ".


[ 453 ]

على الانبياء ونبينا (صلى الله عليه وآله) في التشهد الاول ولم يثبت. قال الشارح من حيث ارسال خبره وعد القائل به من الاصحاب. انتهى. والتحية لغة ما يحيى به من سلام وثناء ونحوهما، وقد تفسر التحيات بالعظمة والملك والبقاء، قال في النهاية الاثيرية: التحيات جمع تحية، قيل اراد بها السلام يقال " حياك الله " اي سلم عليك، وقيل التحية الملك وقيل البقاء. وانما جمع التحية لان ملوك الارض يحيون بتحيات مختلفة فيقال لبعضهم " ابيت اللعن " ولبعضهم " انعم صباحا " ولبعضهم " عش الف سنة " فقيل للمسلمين قولوا " التحيات لله " اي الالفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء هي لله عزوجل. والتحية تفعلة من الحياة وانما ادغمت لاجتماع الامثال والهاء لازمة لها والتاء زائدة. انتهى. وقيل " التحيات لله " هي اسماء الله تعالى: السلام المؤمن المهيمن الحي القيوم يريد التحية بهذه الاسماء. وقوله " الصلوات لله " اي الرحمة لله على العباد كقوله تعالى: اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " (1) وقيل الصلوات الادعية لله. " و الغاديات " الكائنات وقت الغدو. و " الرائحات " الكائنة في وقت الرواح وهو من زوال الشمس الى الليل وما قبله الغدو. و " السابغات " الكاملات الوافيات. والمراد من الناعمات ما يقرب من معنى الطيبات. و " خلص " بفتح اللام كما ذكره ابن ادريس في السرائر.

فروع:

(الاول) - قال في كتاب البحار: لو قال " اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله، أو قال اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، أو قال اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله " من غير واو أو غير الترتيب فلا يبعد الاجزاء والاحوط العدم. انتهى.


(1) سورة البقرة، الآية 152


[ 454 ]

اقول: الظاهر التفصيل في ذلك فان قلنا ان الواجب هو الشهادتان عملا باطلاق جملة من الاخبار المتقدمة فلا ريب في اجزاء ما ذكره من الصور وان قلنا بتلك الصورة المخصوصة المذكورة في الاخبار التي قدمنا ذكرها وحملنا عليها اطلاق الاخبار الباقية فلا ريب في عدم الاجزاء، قال في الذكرى: ظاهر الاصحاب وخلاصة الاخبار الاجتزاء بالشهادتين مطلقا فعلى هذا لا يضر ترك " وحده لا شريك له " ولا لفظ " عبده " وفي رواية ابي بصير " وان محمدا " بغير لفظ " اشهد " نعم لو بدل الالفاظ المخصوصة بمرادفها من العربية أو غيرها من اللغات لم يجزئ نعم تجزئ الترجمة لو ضاق الوقت عن التعلم.

(الثاني) - قد تقدم الكلام في استحباب التورك وكراهة الاقعاء في فصل السجود، وقد ذكر الاصحاب انه يستحب حال التشهد النظر الى حجره وظاهر كلام جملة من المتأخرين ومتأخريهم عدم الوقوف فيه على نص، قال في الذكرى: ويكون نظره حل التشهد الى حجره قاله الاصحاب. وقال في المدارك بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: ذكره الاصحاب ولا بأس به لما فيه من الخشوع والاقبال على عبادة الله تعالى. انتهى. اقول: مستند هذا الحكم مما اختص به كتاب الفقه الرضوي كما تقدم في السجود واستحباب النظر الى طرف انفه فانه لم يوجد إلا فيه ايضا، قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): " وليكن بصرك في وقت السجود الى طرف انفك وبين السجدتين في حجرك وكذا في وقت التشهد " انتهى. والظاهر ان الاصحاب تبعوا في ذلك الصدوقين والصدوقان انما اخذاه من الكتاب المذكور على النهج الذي تقدم ذكره في غير موضع.

(الثالث) - قال في الذخيرة: والجاهل بالتشهد يتعلم مع السعة ومع الضيق يأتي منه بقدر ما يعلم، وان لم يعلم شيئا لا يبعد وجوب الجلوس بقدر حمد الله تعالى كما


(1) ص 8


[ 455 ]

اختاره الشهيد وقوفا على ظاهر خبر الخثعمي السابق (1) ولو لم يعلم شيئا اصلا لا يبعد وجوب الجلوس ايضا. انتهى. اقول: قال في الذكرى على اثر العبارة المتقدمة في الفرع الاول: والاقرب وجوب التحميد عند تعذر الترجمة للروايتين السالفتين. انتهى. واشار بالروايتين السالفتين الى ما تقدم في الخبر الاول (2) من قوله " إذا حمدت الله اجزأ عنك " وقوله في الخبر السادس وهو خبر الخثعمي (3) " إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله اجزأه ". وانت خبير بان هذين الخبرين غير معمول عليهما عند الاصحاب وشيخنا الشهيد في الكتاب المذكور حيث فهم منهما الاجتزاء بذلك عن التشهد الواجب حملهما على التقية واما على ما حققناه آنفا فهما محمولان على الاذكار المستحبة وانه يجزئ منها ما كان بهذا المقدار، واياما كان فلا يتم الاستناد اليهما في هذا الحكم كما لا يخفى. واما ما ذكره في الذخيرة - من انه لو لم يعلم شيئا اصلا فلا يبعد وجوب الجلوس - فكأنه بناء على ان الواجب الجلوس والتشهد معا وسقوط احدهما لتعذره لا يسقط وجوب الآخر كما صرحوا به في امثال هذه المواضع. وفيه انه وان ترآى منه بحسب الظاهر صحة ما ذكروه إلا ان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية لا يخلو من مجازفة كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع.

(الرابع) - قال في الذكرى: وعبارة الصلاة في الاشهر " اللهم صل على محمد وآل محمد " وسبق في رواية سماعة " صلى الله عليه وآله " (4) فيمكن اختصاصه بحال الضرورة كما تضمنته الرواية ويمكن اجزاؤه لحصول مسمى الصلاة. انتهى. اقول: قد تقدم في المورد الاول في الرواية الرابعة الصلاة بصيغة " اللهم صل على محمد وآل محمد " ومثله في المورد الثاني في موثقة ابي بصير في التشهد الاول والثاني وفي عبارة كتاب الفقه الرضوي في التشهد الثاني وان كانت هاتان الروايتان الاخيرتان


(1) و (2) و (3) ص 441 (4) ارجع الى الاستدراكات


[ 456 ]

مشتملتين على جملة من المستحبات زيادة على اللفظ المذكور. وقد روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن عمر بن اذينة في حديث طويل يتضمن المعراج وبدو الصلاة وحكاية صلاته (ص) بالملائكة والنبيين (1) قال فيه في حكاية التشهد: " ثم اوحى الله إليه يا محمد (صلى الله عليه وآله) صل على نفسك وعلى اهل بيتك فقال صلى الله علي وعلى اهل بيتي وقد فعل. ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة والمرسلين والنبيين فقيل يا محمد سلم عليهم فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. الخبر ". وبالجملة فان الواجب هي الصلاة عليه وآله وهي كما تحصل بالجملة الانشائية تحصل بالجملة الخبرية المراد بها الانشاء كما سيأتي تحقيقه قريبا ان شاء الله إلا ان الاحوط هو الاتيان بلفظ " اللهم صل على محمد وآل محمد " لوروده في اكثر الاخبار.

(المورد الثالث) - الاظهر الاشهر اضافة الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) الى التشهد واقتصر في المقنع على الشهادتين ولم يذكر الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: وادنى ما يجزئ من التشهد ان يقول الشهادتين أو يقول " بسم الله وبالله.. " ثم يسلم، نقل ذلك في الذكرى، ونقل عن والده في الرسالة انه لم يذكر الصلاة على النبي وآله في التشهد الاول، ثم قال والقولان شاذان لا يعدان ويعارضهما اجماع الامامية على الوجوب. اقول: وظاهر الصدوق في الفقيه ايضا عدم وجوب الصلاة في التشهد حيث قال: إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية فتشهد وقل: " بسم الله وبالله والحمد الله والاسماء الحسنى كلها لله اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة " ثم انهض الى الثالثة. وقال ابن الجنيد: تجزئ الشهادتان إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمد وآل محمد في احد التشهدين.


(1) الفروع ج 1 " النوادر " آخر كتاب الصلاة وفى الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة


[ 457 ]

قال في المدارك: واستدل عليه من طريق الاصحاب بما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي بصير وزرارة (1) قالا " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من تمام الصوم اعطاء الزكاة كما ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) من تمام الصلاة لانه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله " وقد يقال ان اقصى ما تدل عليه الرواية وجوب الصلاة على النبي وآله في الصلاة اما كونها في كل من التشهدين فلا، على ان هذا التشبيه ربما اقتضى توجه النفي الى الفضيلة والكمال لا الى الصحة للاجماع على عدم توقف صحة الصوم على اخراج الزكاة. انتهى. اقول: روى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا صلى احدكم ولم يصل على النبي (صلى الله عليه وآله) سلك بصلاته غير سبيل الجنة " وروى مثله في كتاب المجالس (3) ورواه في الكافي ايضا (4) وفيه " إذا صلى احدكم ولم يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) يسلك بصلاته غير سبيل الجنة ". وحينئذ فلقائل ان يقول لا ريب ان هذه الاخبار قد دلت على وجوب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة وان من تركها عمدا فلا صلاة له، وليست دلالتها على الوجوب باعتبار الامر فيها بالصلاة حتى يمكن ان يقال في الجواب ان الامر بذلك يتأدى بالاتيان بها في اي جزء من الصلاة فلا يدل على وجوبها في التشهد بخصوصه بل دلالتها انما هو بالاشعار والاخبار وان الشارع قد جعلها من اجزاء الصلاة الواجبة وان الصلاة تبطل بتركها عمدا كما تبطل بترك سائر الاجزاء الواجبة كذلك. وهذه الاخبار وان كانت مجملة بالنسبة الى تعيين محلها من الصلاة وبيان موقعها إلا انا لما رجعنا الى افعال الصلاة المفهومة من الاخبار والمعدودة فيها لم نجد لها موضعا نص الشارع على ذكرها


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من التشهد


[ 458 ]

فيه إلا في التشهد كما ورد في رواية عبد الملك بن عمرو (1) وغيرها من الروايات المذكورة في المقام. وغاية ما طعن به الخصم على تلك الروايات انها قد اشتملت على جملة من المستحبات فيحتمل ان تكون الصلاة من تلك الجملة فلا تكون صريحة في الوجوب. ونحن نقول انه بمعونة هذه الروايات الدالة على جزئيتها من الصلاة يجب الحكم بوجوبها وجزئيتها في هذا الموضع لان الشارع كما عرفت قد اخبرنا بجزئيتها وحينئذ فلا يجوز ان تخلو الصلاة منها ونحن لم نجد ذكره لها إلا في هذا الموضع فيتعين الحمل عليه البتة ولا يبقى لاحتمال الاستحباب هنا مجال. ونحن لم نستدل على وجوبها بمجرد هذه الروايات التي وردت مشتملة على التشهد بجميع المستحبات فيه حتى يتطرق إليه ما ذكروه من الاحتمال. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لاستر عليه ولا يأتيه النقض من خلفه ولا من بين يديه. ثم اقول: ومن الادلة الظاهرة في الوجوب ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم في حديث طويل في المعراج (2) قال فيه في الجلوس في الركعة الثانية: " يا محمد (صلى الله عليه وآله) إذا ما انعمت عليك فسم باسمي فالهم ان قال " بسم الله وبالله ولا إله إلا الله والاسماء الحسنى كلها لله " ثم اوحى الله إليه يا محمد (صلى الله عليه وآله) صل على نفسك وعلى اهل بيتك فقال صلى الله علي وعلى اهل بيتي وقد فعل. ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة والمرسلين والنبيين فقيل يا محمد (صلى الله عليه وآله) سلم عليهم فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. الحديث ". واما المعارضة باخبار التشهد المشعرة بتمام الصلاة بعد فغير مضر بما ذهبنا إليه وبيناه في المقام، وذلك فان غرضنا انما هو اثبات الدليل على وجوب الصلاة في التشهد


(1) ص 441 (2) الفروع ج 1 " النوادر " آخر كتاب الصلاة. وفى الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة


[ 459 ]

ردا على من انكر وجود الدليل على ذلك واما قيام دليل آخر يعارضه فيصير من قبيل تعارض الدليلين في حكم من الاحكام وهو خارج عن محل البحث. واما قوله في المدارك -: " على ان هذا التشبيه ربما اقتضى توجه النفي الى الفضيلة والكمال.. الخ " - ففيه (اولا) ان التشبيه لا يجب ان يكون من كل وجه. و (ثانيا) ان كونها في المشبه كذلك لا يوجب كونها في المشبه به على نحوه، نعم لو كان الواقع في الرواية هو العكس اعني تشبيه الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة بالزكاة مع الصوم يتجه ما ذكره فانك إذا قلت " زيد كالاسد " يعني في الشجاعة فان المبالغة والتجوز انما هو في جانب المشبه واما في جانب المشبه به فهو على الحقيقة. على ان الفاضل المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس سره) في الوسائل نقل عن الصدوق في الفقيه (1) صحيحة زرارة وابي بصير بما هذه صورته قال: " ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) من تمام الصلاة ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله " وذكر انه اقتطعه من حديث طويل، وظني اني وقفت عليه في الكتاب المذكور حين قرأ بعض الاخوان علي الكتاب المذكور ولكن لا يحضرني موضعه الآن وهو اما ان يكون رواية لتلك الصحيحة بنحو آخر أو يكون حديثا آخر، واياما كان فهو ظاهر في المراد عار عن وصمة الايراد ويعضده الخبران المتقدمان. وبذلك يظهر لك قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور. ولا تكاد تقع على امثال هذه التحقيقات في غير كتبنا وزبرنا وله سبحانه المنة والحمد على مزيد افضاله


(1) الوسائل الباب 10 من التشهد رقم (1) وقد نقل صحيحة زرارة وابى بصير بالمتن المتقدم عن الشيخ ص 457 في نفس الباب برقم (2) ولم ينقلها عن الفقيه مع ان الصدوق رواها فيه في ج 2 ص 119 من الطبع الحديث وقد نقلها عنه في الوسائل في الباب (1) من زكاة الفطرة.


[ 460 ]

تذييل جليل وتكميل نبيل هل تجب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) حيثما ذكر ام تستحب ؟ المشهور الثاني بل نقل العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر الاجماع عليه، قالا في الكتابين المذكورين: لا يقال ذهب الكرخي الى وجوبها في غير الصلاة في العمر مرة واحدة وقال الطحاوي كلما ذكر (1) قلنا الاجماع سبق الكرخي والطحاوي فلا عبرة بتخريجهما. قال في الذخيرة ولم اطلع على مصرح بالوجوب من الاصحاب إلا ان صاحب كنز العرفان ذهب الى ذلك ونقله عن ابن بابويه واليه ذهب الشيخ البهائي في مفتاح الفلاح. وللعلامة هنا اقوال مختلفة، قال في الكشاف (2): الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واجبة وقد اختلفوا فمنهم من اوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث " من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فابعده الله " وروى " انه قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرأيت قول الله تعالى ان الله وملائكته يصلون على النبي (3) فقال هذا من العلم المكنون ولولا انكم سألتموني عنه ما اخبرتكم به، ان الله وكل بي ملكين فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلى علي إلا قال ذلك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين " آمين " ولا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلى علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر الله لك وقال الله وملائكته لذينك الملكين " آمين " ومنهم من قال تجب في كل مجلس مرة وان تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتسميت العاطس وكذلك في كل دعاء في اوله وآخره، ومنهم من اوجبها في العمر مرة وكذا قال في اظهار الشهادتين والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر لما ورد من الاخبار. انتهى. قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد الكلام في المسألة وذكر كلام صاحب


(1) فتح الباري ج 11 ص 118 (2) ج 3 ص 245 (3) سورة الاحزاب الآية 56


[ 461 ]

الكشاف: والاقرب عدم الوجوب للاصل المضاف الى الاجماع المنقول سابقا وعدم تعليمها للمؤذنين وعدم ورودها في اخبار الاذان وعدم وجودها في كثير من الادعية المضبوطة المنقولة عن الائمة الطاهرين (عليهم السلام) مع ذكره (صلى الله عليه وآله) فيها، وكذلك في الاخبار الكثيرة. وما ربما يتوهم دليلا على وجوبها - كما ذكر - امور:

(الاول) الآية (1) وقد عرفت الجواب عنه.

(الثاني) الروايات المنقولة عن الكشاف.

(الثالث) انها دالة على التنويه بشأنه والشكر لاحسانه المأمور بهما.

(الرابع) انه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضا وهو منهي عنه في آية النور (2) وبهذه الوجوه الثلاثة احتج صاحب الكنز وهو ضعيف جدا.

(الخامس) صحيحة زرارة السابقة (3) وجوابه ضعف دلالة الاوامر في اخبارنا على الوجوب فلا يصلح التعويل على مجرد ذلك إذا لم تنضم إليه قرينة اخرى خصوصا إذا عارض الاجماع المنقول، وقد ورد من طريقنا بعض الروايات الدالة على الوجوب مثل ما رواه الكليني عن محمد بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا صلى احدكم ولم يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاته يسلك بصلاته غير سبيل الجنة. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فابعده الله. وقال (صلى الله عليه وآله) من ذكرت عنده فنسى الصلاة على خطئ به طريق الجنة " وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذكرت عنده فنسى ان يصلي علي خطأ الله به طريق الجنة " لكن الروايتين ضعيفتا السند جدا فلا تصلح للتعويل. وقال بعض المتأخرين: ويمكن اختيار الوجوب في كل مجلس مرة ان صلى آخر وان


(1) سورة الاحزاب، الآية 56 (2) سورة النور الآية 63 " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " (3) تأنى ص 462 (4) الوسائل الباب 10 من التشهد (5) الوسائل الباب 42 من الذكر


[ 462 ]

صلى ثم ذكر يجب ايضا كما في تعدد الكفارة بتعدد الموجب إذا تخللت وإلا فلا: وهو ضعيف والظاهر انه لم يقل به سواه. انتهى كلام الفاضل المذكور. وانت خبير بما فيه من القصور بخروجه عن الاخبار الواضحة الظهور وجموده على متابعة المشهور بدعوى تزييفه بالاجماع مع رده له في غير موضع من كتابه وجعله غير حاسم لمادة النزاع. واما رده صحيحة زرارة - وهي ما رواه المشايخ الثلاثة عنه في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك " بعدم دلالة الاوامر في اخبارنا على الوجوب - فقد اوضحنا في ما تقدم ما فيه من الفساد فانه موجب للخروج عن الشريعة المحمدية من حيث لا يشعر قائله بالكلية. ومن الاخبار الصحيحة الصريحة في الدلالة على الوجوب ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " لا يجزئك من الاذان إلا ما اسمعت نفسك أو فهمته وافصح بالالف والهاء، وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في اذان أو غيره ". وما رواه في الكافي في الصحيح (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اذنت فافصح بالالف والهاء، وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر في اذان أو غيره ". وفى هذين الخبرين ما يدل على ضعف قوله: " وعدم تعليمها للمؤذنين


(1) لم نعثر على رواية للشيخ " قدس سره " بهذا اللفظ وانما الموجود في كتب الحديث بهذا المضمون الروايتان الآتيتان عن الفقيه والكافي (2) الوسائل الباب 35 و 42 من الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 15 و 42 من الاذان والاقامة


[ 463 ]

وعدم ورودها في اخبار الاذان " فانهما - كما ترى - واردان في اخبار الاذان عند تعليم المؤذنين وغيرهم ممن ذكره (صلى الله عليه وآله) ولكن باب الجواب عنهما بان الامر عنده لا يدل على الوجوب مفتوح، وليت شعري إذا كانت أو امرهم لا تدل على الوجوب وهذه التهديدات التي تضمنتها الاخبار من عدم قبول الاعمال بدونها والتوعد بدخول النار وامثال ذلك لا تدل على الوجوب فاي دليل يراد ليندفع الايراد ؟ ما هذا إلا عجب عجيب من مثل هذا الفاضل الاريب. وبالجملة فان القول بالوجوب في المقام مما لا يعتريه غشاوة الابهام لصحة جملة من هذه الاخبار بناء على الاصطلاح الناقص العيار ودلالة الجملة الاخرى مما ذكره وقد عرفت استفاضة الاخبار من الخاصة والعامة على ذلك فالانكار بعد ذلك مكابرة صرفة وممن ذهب الى الوجوب - زيادة على ما ذكره - المحدث الكاشاني في الوافي والمحقق المدقق المازندراني في شرحه على اصول الكافي وقد حقق ذلك في شرح باب الدعاء من الكافي، وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني. اقول: ومن الاخبار الدالة على ما قلناه زيادة على ما تقدم ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فكثروا الصلاة عليه فانه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه الف صلاة في الف صف من الملائكة ولم يبق شئ مما خلق الله إلا صلى على ذلك العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله واهل بيته " والامر بالاكثار محمول على الاستحباب وقرينته من سياق الخبر ظاهرة. والمراد بالنسيان في الخبرين المتقدمين الترك كقوله تعالى: " ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما " (2) اي ترك لا النسيان بالمعنى المعهود فانه لا مؤاخذة


(1) الوسائل الباب 34 من الذكر (2) سورة طه، الآية 114


[ 464 ]

عليه لحديث رفع القلم (1).

فروع:

(الاول) - هل يختص الوجوب على القول به كما هو المختار وكذا الاستحباب كما هو المشهور بين الاصحاب باسمه العلمي أو يتعدي الى لقبه وكنيته وكذا ضميره الراجع إليه ؟ لم اقف لاحد من اصحابنا على كلام في ذلك غير شيخنا البهائي والمحدث الكاشاني، اما الشيخ المذكور فانه قال في مفتاح الفلاح بعد نقل صحيحة زرارة المتقدم ذكرها: ولا يخفى ان قول الباقر (عليه السلام) في الحديث الاول " كلما ذكرته أو ذكره ذاكر " يقتضي وجوب الصلاة سواء ذكره باسمه أو لقبه أو كنيته، ويمكن ان يكون ذكره بالضمير الراجع إليه (صلى الله عليه وآله) كذلك. ولم اظفر في كلام علمائنا (قدس الله ارواحهم) في ذلك بشئ والاحتياط يقتضي ما قلناه من العموم. واما المحدث المشار إليه فانه قال في خلاصة الاذكار: ولا فرق بين الاسم واللقب والكنية بل الضمير على الاظهر. انتهى وظاهره الجزم بذلك وظاهر الاول الاحتياط. اقول: والذي يقرب في الخاطر العليل والفكر الكليل هو التفصيل بانه ان ذكره باسمه العلمي فلا ريب في الوجوب، وان ذكره بغيره من الالقاب والكني فان كان من الالفاظ التي اشتهرت تسميته بها واشتهر بها وجرت في الاطلاقات مثل " الرسول والنبي ورسول الله وابي القاسم " ونحو ذلك فهي ملحقة بالاسم العلمي، وان كان غير ذلك من الالفاظ التي يراد منها وليس كذلك مثل " خير الخلق وخير البرية والمختار " فالظاهر العدم، والظاهر ان الضمير من قبيل الثاني، والاحتياط لا يخفى.

(الثاني) - تبعية آله وعترته له (صلى الله عليه وآله) في الوجوب والاستحباب لان المستفاد من الاخبار دخولها في كيفية الصلاة عليه وان المراد بالصلاة عليه كلما ذكر هو ان يصلى عليه وعلى آله واهل بيته لا تخصيصه بالصلاة وحده.


(1) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة


[ 465 ]

روى في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمع ابي رجلا متعلقا بالبيت وهو يقول " اللهم صل على محمد " فقال له ابي لا تبترها لا تظلمنا حقنا قل اللهم صل على محمد واهل بيته " وسيأتي ما يدل على ذلك ايضا. بل قد ورد في اخبار المخالفين مثل ذلك في جملة منها وقد ذكرناها في كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد: منها - قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تصلوا علي الصلاة البتراء فقالوا وما الصلاة البتراء ؟ قال تقولون " اللهم صل على محمد " وتمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد " رواه ابن حجر المتأخر في صواعقه (2) احرقه الله بها، وهو من انصب النصاب المعاندين. ومن افحش تعصباتهم انهم مع رواية هذه الاخبار اجمعوا على عدم جواز الصلاة


(1) الوسائل الباب 42 من الذكر (2) ص 87 وفى كتاب زين العابدين ص 371 للعلامة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم عن كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 194 قال " ص " " لا تصلوا على الصلاة البتراء تقولون " اللهم صل محمد " وتمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد. فقيل له ومن اهلك ؟ يا رسول الله " ص " قال على وفاطمة والحسن والحسين ع " وفى ص 372 منه نقلا من شرح الشفاء للخفاجي ج 1 ص 453 والصواعق المحرقة ص 88 والاتحاف بحب الاشراف للشيرازي ص 29 واسعاف الراغبين للصبان على هامش نور الابصار ص 121 وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 7 ص 7 ينسب الى الشافعي في لزوم الصلاة على الآل في الصلاة: يا اهل بيت رسول الله " ص " حبكم * فرض من الله في القرآن انزله كفاكم من عظيم القدر انكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له قال الخفاجى في شرح الشفاء: يحتمل ان يريد لا صلاة له صحيحة فيوافق قوله بوجوب الصلاة على الآل ويحتمل لا صلاة له كاملة فيوافق احد قوليه.


[ 466 ]

على غيره (صلى الله عليه وآله) وغير الانبياء بل صرح جملة منهم بالمنع من ضم آله في الصلاة إليه (1) كل ذلك عداوة وبغضا لهم (عليهم السلام) بل صرح بعضهم بالاعتراف بذلك وانهم انما تركوها مراغمة للشيعة حيث انهم يضمون اهل بيته إليه (صلى الله عليه وآله) في الصلاة عليه (2) كما شرحناه منقحا في الكتاب المشار إليه.

(الثالث) - تأدى ذلك بذكر الصلاة عليه وعليهم كيف اتفق من قولك


(1) في المغنى ج 1 ص 543 بعد ذكر خبر كعب بن عجرة الآتى قال: " ولاصحابنا في وجوب الصلاة على آله وجهان قال بعض اصحابنا تجب الصلاة على الوجه في خبر كعب لانه امر به " وفي شرح الشفاء للخفاجي ج 3 ص 453 طبع سنة 1326 عن ابى جعفر الباقر " ع " عن ابن مسعود عن النبي " ص " " من صلى صلاة لم يصل فيها على ولا على اهل بيتى لم تقبل منه " وصحح الدارقطني عن ابى جعفر محمد بن على الباقر " ع " قال: " لو صليت صلاة لم اصل فيها على النبي " ص " ولا على اهل بيته لرأيت انها لا تتم " ثم قال الخفاجى: يفيد هذا ان الصلاة على الآل في التشهد الاخير واجبة كالصلاة عليه " ص " وفيه قولان للشافعي والصحيح في المذهب انها غير واجبة واما في التشهد الاول فمن قال انها واجبة في الاخير قال باستحبابها. وفى تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 10 " ينبغى ان يقول بعد الشهادة للنبى " ص " بالرسالة والصلاة عليه: " وعلى آله " لانها مستحبة بالنص وقال بعضهم انها واجبة في التشهد الاخير والاصح انها مسنونة واقل الصلاة عليهم " اللهم صل على محمد وآله " (2) في كتاب مقتل الحسين للعلامة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم ص 443 من الطبع الثاني ان الزمخشري في الكشاف في سورة الاحزاب الآية 56 عند قوله تعالى: " ان الله وملائكته.. " قال إذا افرد غير النبي " ص " من اهل البيت بالصلاة كما يفرد هو بالصلاة عتيه فمكروه لانه يؤدي الى الاتهام بالرفض وقد قال " ص " " لا تقفن مواقف التهم " وفى فتح الباري ج 11 ص 135 " لا يفرد غير الانبياء بالسلام عليه لكونه صار شعارا للرافضة " وفى شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 5 ص 13 " لما صار ارخاء العذبة من الجانب الايمن شعارا للامامية فينبغي تجنه " وفى روح البيان ج 4 ص 142 " قال الشيخ اسماعيل البروسوي: الاصل التختم في اليمين ولما صار شعار الظلمة جعل في اليد اليسرى "


[ 467 ]

" اللهم صل على محمد وآل محمد " وارداف آله بضميره، أو قولك " صلى الله عليه وآله أو صلوات الله عليهم " وكذا ابدال الآل بعترته اهل بيته، وكل ذلك مستفاد من الاخبار والادعية المأثورة عنهم (صلوات الله عيلهم) ولا سيما الصحيفة السجادية، وحينئذ فما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) (1) " انه لما نزلت آية قوله سبحانه: " يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (2) قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك ؟ فقال قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد " - فالظاهر حمله على الفرد الاكمل من الصلاة عليه. وهذا الخبر ايضا مروي من طرق القوم (3) كما نقلناه في الكتاب المشار إليه آنفا. وفى هذا الخبر دلالة على ما قدمناه من دخول الآل في كيفية الصلاة عليه (صلى الله عليه وعليهم اجمعين).

(الرابع) - لو سمع ذكره (صلى الله عليه وآله) في حال الصلاة واشتغل باتمام صلاته ولم يصل عليه فالاشهر الاظهر صحة صلاته وان اثم على القول بالوجوب. وربما قيل بالبطلان بناء على انه مأمور بالصلاة والامر بالشيئ يستلزم النهي عن ضده الخاص، والنهي متى توجه في العبادة الى شرطها أو جزئها اوجب فسادهما. وحيث ان القاعدة المذكورة لم يقم دليل عندنا على صحتها كما تقدم الكلام فيه في غير موضع لم يثبت الحكم بالبطلان، بل ناقش بعض مشايخنا المحدثين من متأخرى المتأخرين في القاعدة الثانية ايضا فقال ان النهي وان توجه الى شرطها وجزئها لا يكون مبطلا. ولكن الظاهر بعده

(الخامس) - ظاهر قوله في صحيحة زرارة المتقدمة: " كلما ذكرته أو ذكره ذاكر " وجوب الفورية بها وهو كذلك. وممن صرح بذلك ايضا الفاضل المحقق المولى


(1) الوسائل الباب 35 من الذكر (2) سورة الاحزاب، الآية 56 (3) المغنى ج 1 ص 542


[ 468 ]

محمد صالح المازندراني في شرحه على الاصول حيث قال: ثم الظاهر من بعض الاخبار المذكورة - حيث رتب الامر بالصلاة على الذكر بالفاء التعقيبية - هو فوريتها فلو اهمل الفور اثم على تقدير الوجوب ولم يسقط. وكذا الظاهر هو الامر بها على كل احد في جميع الاحوال. ولو كان مشتغلا بالصلاة... ثم ذكر نحو ما ذكرنا في الفرع الرابع من تفريع الابطال وعدمه على المسألة الاصولية واختار عدم الابطال لعدم التعويل على تلك القاعدة الاصولية. تذنيب لا بأس بنقل بعض الاخبار الواردة في فضل الصلاة عليهم تقربا الى الله تعالى واليهم زيادة على ما ذكرناه وتأكيدا لما سطرناه: فمنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلي على محمد وآل محمد ". وعن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من دعا ولم يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) رفرف الدعاء على رأسه فإذا ذكر النبي رفع الدعاء ". وعن صفوان الجمال في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كل دعاء يدعى الله تعالى به محجوب عن السماء حتى يصلى على محمد وآل محمد " صلى الله عليه وآله ". وعن ابن جمهور عن ابيه عن رجاله (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من كانت له الى الله حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد فان الله تعالى اكرم من ان يقبل الطرفين ويدع الوسط إذا كانت الصلاة على محمد وآل محمد لا تحجب عنه ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 36 من الدعاء


[ 469 ]

وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " ان رجلا اتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجعل لك ثلث صلاتي لا بل اجعل لك نصف صلاتي لا بل اجعلها كلها لك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا تكفى مؤنة الدنيا والآخرة ". وعن ابي بكر الحضرمي (2) قال: " حدثني من سمع ابا عبد الله (عليه السلام) يقول جاء رجل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال اجعل نصف صلاتي لك قال نعم. ثم قال اجعل صلاتي كلها لك. قال نعم. فلما مضى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفي هم الدنيا والآخرة ". اقول: المراد بالصلاة في هذين الخبرين الدعاء بمعنى انه كلما دعا الله تعالى في حاجة صلى على الرسول وآله وجعل الصلاة عليه وعلى آله اصلا واساس لدعائه ثم بنى عليه كما سيأتي في الاخبار الآتية الاشارة إليه ان شاء الله. وعن مرازم (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان رجلا اتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله اني جعلت ثلث صلاتي لك فقال له خيرا فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اني جعلت نصف صلاتي لك فقال له ذاك افضل فقال اني جعلت كل صلاتي لك فقال إذا يكفيك الله (عزوجل) ما اهمك من امر دنياك وآخرتك. فقال له رجل اصلحك الله كيف يجعل صلاته له ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يسأل الله شيئا إلا بدأ بالصلاة على محمد وآل محمد ". وعن ابي بصير (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما معنى " اجعل صلاتي كلها لك " ؟ فقال يقدمه بين يدي كل حاجة فلا يسأل الله شيئا حتى يبدأ بالنبي (صلى الله عليه وآله) فيصلي عليه ثم يسأل الله حوائجه ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 36 من الدعاء


[ 470 ]

وروى الصدوق في كتاب ثواب الاعمال (1) بسنده عن عاصم بن ضمرة عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) امحق للخطايا من الماء للنار والسلام على النبي (صلى الله عليه وآله) افضل من عتق رقاب وحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) افضل من مهج الانفس، أو قال ضرب السيوف في سبيل الله ". وعن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " ان عبدا مكث في النار سبعين خريفا والخريف سبعون سنة ثم انه سأل الله بحق محمد واهل بيته (صلى الله عليه وآله) لما رحمتني فأوحى الله الى جبرئيل ان اهبط الى عبدي فاخرجه قال يا رب وكيف لي بالهبوط في النار ؟ قال الله اني امرتها ان تكون عليك بردا وسلاما. قال يا رب فما علمي بموضعه قال انه في جب في سجين. قال فهبط جبرئيل على النار على وجهه فاخرجه فقال الله عزوجل يا عبدي كم لبثت في النار ؟ قال ما احصي يا رب. فقال وعزتي وجلالي لولا ما سألتني به لاطلت هو انك في النار ولكني حتمت على نفسي ان لا يسألني احد بحق محمد واهل بيته (صلى الله عليه وآله) إلا غفرت له ما كان بيني وبينه وقد غفرت لك اليوم ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم لامير المؤمنين (عليه السلام) ألا ابشرك ؟ قال بلى بابي انت وامي فانك لم تزل مبشرا بكل خير. فقال اخبرني جبرئيل آنفا بالعجب فقال امير المؤمنين (عليه السلام) وما الذي اخبرك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال اخبرني ان الرجل من امتي إذا صلى علي واتبع بالصلاة على اهل بيتي فتحت له ابواب السماء وصلت عليه الملائكة سبعين صلاة وانه لمذنب خطأ ثم تحات عنه الذنوب


(1) ص 84 وفى الوسائل الباب 34 من الذكر (2) ص 84 وفى الوسائل الباب 27 من الدعاء (3) ص 84 وفى الوسائل الباب 42 من الذكر


[ 471 ]

كما يتحات الورق من الشجر ويقول الله تعالى لبيك عبدي وسعديك يا ملائكتي انتم تصلون عليه سبعين صلاة وانا اصلي عليه سبعمائة صلاة. فإذا صلى علي ولم يتبع بالصلاة على اهل بيتي كان بينها وبين السماء سبعون حجابا ويقول الله (جل جلاله) لا لبيك ولا سعديك يا ملائكتي لا تصعدوا دعاءه إلا ان يلحق بالنبي (صلى الله عليه وآله) عترته فلا يزال محجوبا حتى يلحق بها اهل بيتي " وفي هذا الخبر دلالة على ما قدمناه سابقا من دخول الآل في الصلاة عليه (صلى الله عليه وعليهم). وعن الرضا (عليه السلام) (1) " من لم يقدر على ما يكفر به ذنوبه فليكثر من الصلاة على محمد وآله فانها تهدم الذنوب هدما ". الى غير ذلك من الاخبار وفي ما ذكرناه كفاية لاولى الافكار، نسأل الله الثبات على ولايتهم والحشر في زمرتهم انه القادر على ما يشاء.


(1) الوسائل الباب 34 من الذكر


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>