تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثامن


الفصل العاشر

في التسليم

وقد وقع الخلاف فيه في مواضع:

(الاول) في وجوبه واستحبابه، و (الثاني) في دخوله في الصلاة وخروجه، و (الثالث) في كيفيته وانه عبارة عماذا ؟ وحينئذ فتحرير الكلام في المقام وتنقيحه بما يدفع عنه تطرق النقض والابرام يتوقف على بسطه في مواضع ثلاثة:

(الاول) - في الوجوب والاستحباب، فذهب المرتضى في المسائل الناصرية والمحمدية وابو الصلاح وسلار وابن ابي عقيل والقطب الراوندي وصاحب الفاخر وابن زهرة الى الوجوب واختاره المحقق وصاحب البشرى والعلامة في المنتهى والشهيد وهو المختار، وذهب الشيخان وابن البراج وابن ادريس الى الاستحباب واليه ذهب جمهور المتأخرين. ويدل على الوجوب وقوع الامر به الذي هو حقيقة في الوجوب في الاخبار


[ 472 ]

المستفيضة: منها ما تقدم (1) في صحيحة ابن اذينة أو حسنته من حديث المعراج وقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): " سلم عليهم فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " واوامره عزوجل للوجوب بلا خلاف إلا ما خرج بالدليل. ومنها - ما تقدم (2) في موثقة ابى بصير المشتملة على التشهد الطويل من قوله في آخرها: " ثم تسلم " وكذا في عبارة الفقه (3) من قوله " ثم سلم عن يمينك " الى غير ذلك من الاخبار التي يضيق المقام عن نقلها. قال الفاضل الخراساني في الذخيرة في نقل ادلة القائلين بالوجوب: السابع - تعلق الامر وما في معناه به في اخبار كثيرة والامر للوجوب فيكون التسليم واجبا، فمن ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت ام خمسا ام نقصت ام زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع... الحديث " وفي الصحيح عن ابن ابي يعفور (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يصلى الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع ؟ فقال يتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل ان يتكلم " الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة كصحيحة الحلبي (6) وصحيحة عبد الحميد بن عواض (7) ومرسلة ابن ابي يعفور ومرسلة ابن ابي عمير (8) وحسنة زرارة الطويلة الواردة في حكم الفوائت (9) وحسنة الحلبي الواردة في صلاة الخوف (10) وحسنة اخرى لزرارة (11) وموثقة ابي بصير (12)


(1) ص 456 (2) ص 450 و 451 (3) ص 451 و 452 (4) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (5) الوسائل الباب 7 من التشهد (6) و (12) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (7) الوسائل الباب 2 من التسليم (8) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (9) الوسائل الباب 63 من مواقيت الصلاة (10) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف (11) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة


[ 473 ]

وموثقة عمار (1) ورواية ابي بكر الحضرمي (2) ورواية الحسين بن ابي العلاء (3) ورواية عبد الله بن ابي يعفور (4) وعبد الرحمان بن سيابة (5) وغيرها من الاخبار التي لا مزيد فائدة في نقلها. والجواب ان دلالة الاوامر في اخبارنا على الوجوب من غير قرينة تلتحق بها غير واضح، وعلى كل تقدير فلا معدل عن حمل الاوامر في تلك الاخبار على الاستحباب جمعا بين الادلة. انتهى. وفيه ما عرفت في غير موضع من ان هذا الامر الذي تفرد به من بين كافة العلماء قديما وحديثا باطل موجب لخروج قائله عن الدين من حيث لا يشعر كما تقدم التنبيه عليه في غير مقام مما تقدم، والواجب حمل هذه الاوامر على الوجوب كما على محققو الاصوليين ودلت عليه الآيات والروايات المقدمة في مقدمات الكتاب الى ان يظهر خلافه. وما يدعى من ادلة الاستحباب سيأتيك الكلام عليها في الباب. ولنكتف هنا في تحقيق ما اخترناه بنقل كلام صاحب المدارك وبيان ما فيه حيث انه ممن اختار القول بالاستحباب وبالغ في الاستدلال عليه ونقض ما خالفه، وبابطاله يظهر صحة ما اخترناه زيادة على ما استندنا إليه من الاوامر المشار إليها فنقول: قال (قدس سره) بعد ذكر الاستحباب ونقله عن جملة من الاصحاب ما لفظه: وهو المعتمد، لنا - ان الوجوب زيادة تكليف والاصل عدمه، وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) انه قال: " إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله. ثم تنصرف " وفى الصحيح عن الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر


(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 2 من التسليم (3) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (5) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة (6) الوسائل الباب 4 من التشهد


[ 474 ]

(عليه السلام) (1) قال: " إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه " والمراد بالاجزاء الاجزاء في حصول الفضيلة والكمال كما يقتضيه اول الخبر. وفي الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) " وقد سأله عن المأموم يطول الامام فتعرض له الحاجة قال يتشهد وينصرف ويدع الامام " وفى الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت ونسيت ان اسلم عليهم فقالوا ما سلمت علينا ؟ فقال ألم تسلم وانت جالس ؟ قلت بلى. قال لا بأس عليك ولو نسيت حتى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت السلام عليكم " ويمكن ان يستدل عليه ايضا بصحيحة معاوية بن عمار (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم فصل ركعتين واجعله امامك واقرأ في الاولى منهما " قل هو الله احد " وفي الثانية " قل يا ايها الكافرون " ثم تشهد واحمد الله تعالى واثن عليه وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) واسأله ان يتقبل منك.. " فان ظاهره عدم وجوب التسليم في ركعتي الطواف ولا قائل بالفصل. ويدل عليه ايضا انه لو وجب التسليم لبطلت الصلاة بتخلل المنافي بينه وبين التشهد واللازم باطل فالملزوم مثله، اما الملازمة فاجماعية واما بطلان اللازم فلما رواه زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) " انه سأله عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم ؟ قال تمت صلاته " وما رواه الحلبي في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد "


(1) الوسائل الباب 4 من التشهد (2) الوسائل الباب 64 من الصلاة الجماعة (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 2 من التسليم (4) الوسائل الباب 71 من الطواف


[ 475 ]

وما رواه غالب بن عثمان في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصلي المكتوبة فتنقضي صلاته ويتشهد ثم ينام قبل ان يسلم ؟ قال تمت صلاته وان كان رعافا غسله ثم رجع فسلم " انتهى. وتوجه النظر إليه من وجوه:

(الاول) ان ما ذكره من الاستدلال بالاصل فصحيح إلا انه يجب الخروج عنه بالدليل وهو هنا الاوامر الواردة بالتسليم التي هي حقيقة في الوجوب باعترافه، وهي في الاخبار اكثر من ان يأتي عليها قلم الاحصاء، وقد عرفت منها ما تقدم وستعرف ان شاء الله.

(الثاني) - استدلاله بالصحيحتين المذكورتين، فان فيه (اولا) انهم لا يقفون على ظاهرهما ولا يفتون بهما لدلالتهما على عدم وجوب الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) في التشهد مع اجماعهم على ذلك، وحينئذ فكيف يستندون الهيما هنا والحال في المقامين واحد ؟ و (ثانيا) - ان غاية ما يدلان عليه تمام الصلاة بعد التشهد وهو غير مناف لمذهبنا في المسألة، فانا نختار فيها كون التسليم واجبا خارجا فلا يرد علينا الاستدلال بهما كما لا يخفى، على ان الثانية منهما وهي صحيحة الفضلاء الثلاثة ظاهرة في وجوب التسليم وان كان قد تمت صلاته بالتشهد وهو عين ما نختاره من كونه واجبا خارجا كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله، وحاصل معنى الخبر انه بالفراغ من التشهد فقد تمت صلاته، فان كان مستعجلا في امر يخاف فوته سلم وانصرف من غير ان يأتي ببقية الاذكار المستحبة التي مرت في موثقة ابى بصير وعبارة الفقه الرضوي، وان كان غير مستعجل اتى بتلك الاذكار الموظفة مستجمعا لمستحباتها على الوجه الاكمل، وبذلك يظهر لك ما في قوله: " والمراد بالاجزاء الاجزاء في حصول الفضيلة والكمال " من التكلف الذي لا ضرورة تلجئ إليه في هذا المجال.


(1) الوسائل الباب 3 من التسليم


[ 476 ]

(الثالث) - ان ما ذكره من صحيحة على بن جعفر فانه لم ينقلها على وجهها وكأنه نقلها بالمعنى وحرف لفظ التسليم الى التشهد، وصورة الرواية هكذا: علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شيئ ان يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع ؟ قال يسلم وينصرف ويدع الامام " والعجب انه قد نقلها بهذه الصورة التي ذكرناها في بحث صلاة الجماعة في مسألة جواز الانفراد للمأموم مع العذر، وبذلك يظهر ان هذه الرواية مثل صحيحة الفضلاء الثلاثة المتقدمة في انها دالة على خلاف ما يدعيه فهي عليه لا له كما لا يخفى. اقول: ومثل هذه الرواية ايضا صحيحة زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد ؟ قال يسلم ويمضي لحاجته ان احب ".

(الرابع) - استدلاله بموثقة يونس بن يعقوب ومثلها موثقة غالب بن عثمان فانه لا يخلو من غرابة، إذ لا يخفى ان قاعدته في هذا الكتاب رد الاخبار الموثقة والحكم بضعفها وانها متى وردت من طرف الخصم طعن فيها بالضعف وردها فكيف جاز منه الاستدلال بها هنا ؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة، على ان معنى هذه الرواية اعني موثقة يونس ليس ما توهمه بل هي بالدلالة على نقيض ما يدفيه اشبه، وذلك ان الغرض من السؤال انما هو ان المصلي بعد ان صلى بالقوم واتم صلاته وسلم لم يلتفت الى القوم بوجهه ويسلم عليهم كما هو السنة يومئذ ولا سيما في مقام التقية من التفات الامام الى


(1) الوسائل الباب 64 من الجماعة. ولا يخفى ان التهذيب والفقيه اختلفا في نقل الرواية ففى التهذيب ج 1 ص 253 " يتشهد وينصرف " وفى الوسائل عنه كذلك، وفى الفقيه ج 1 ص 261 " يسلم وينصرف " كما ذكره " قدس سره " (2) الوسائل الباب 64 من الجماعة


[ 477 ]

المأمومين بوجه (1) وقوله " السلام عليكم " وان سلم لنفسه، ولهذا قال له الامام " ألم تسلم وانت جالس ؟ قال بلى فقال لا بأس عليك " لاتيانه بالواجب والذي اخل به امر مستحب وهو الالتفات إليهم بوجهه، ثم قال له " ولو نسيت السلام عليهم حتى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك - في مقامك ذلك - وقلت السلام عليكم " وحينئذ فالرواية كسابقتها عليه لاله.

(الخامس) - استدلاله بصحيحة معاوية بن عمار فانها (اولا) اخص من المدعى والاستناد في التعميم الى عدم القائل بالفصل ليس بذلك الفصل. و (ثانيا) امكان التجوز بل شيوعه بحمل التشهد على ما يشمل التسليم كما انه يطلق على مجموع تلك الاذكار الطويلة اسم التشهد. وقوله في الرواية " واحمد الله.. الخ " المراد به بعد صلاة الركعتين كما لا يخفى.

(السادس) - الاستدلال ببطلان الصلاة بتخلل المنافي لو كان واجبا ففيه: (اولا) ان ما ادعاه من ان الملازمة اجماعية فهو في حيز المنع لان جملة من الاصحاب القائلين بالوجوب قد ذهبوا الى كونه واجبا خارجا كما يأتي ذكره ان شاء الله تعالى، ومنهم - شيخنا الشهيد في قواعده حيث قال على ما نقله عنه بعض مشايخنا المحققين وسيأتي نقل كلامه ان شاء الله. وبه يظهر ان دعوى الاجماع مجازفة ولو كان ثمة اجماع لما خفى على شيخنا المشار إليه مع تبحره وسعة باعه ووفور اطلاعه. و (ثانيا) - ان ما ذكره من الاخبار انما يرد على من قال بكونه واجبا داخلا ونحن وان قلنا بكونه واجبا لكنا نقول بكونه خارجا. بقى


(1) في فتح الباري ج 2 ص 227 باب " يستقبل الامام الناس إذا سلم " ما ملخصه " سياق حديث سمرة بن جندب ظاهره مواظبته " ص " على استقباله المأمومين بعد السلام، والحكمة فيه تعريف الداخل ان الصلاة قد انقضت إذ لو استمر الامام على حاله لاوهم انه في التشهد وقال الزين بن المنير استقباله المأمومين يرفع الخيلاء " وفى البحر الرائق ج 1 ص 335 " جلوس الامام مستقبل القبلة بدعة فان شاء انحرف يمينا وشمالا وان شاء استقبلهم بوجهه "


[ 478 ]

انها مطلقة بالنسبة الى التسليم إذ لا تعرض له فيها بنفي ولا اثبات وقضية ورود جملة من الاخبار الدالة على الوجوب - كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى - حمل اطلاق هذه الاخبار على تلك فيجب الحكم بصحة الصلاة وان وجب عليه الاتيان بالتسليم. ثم قال في المدارك ايضا في رد ما احتج به القائلون بالوجوب: الثالث - ما رواه الشيخ والمرتضى وابن بابويه مرسلا عن امير المؤمنين (عليه السلام) (1) انه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وقد رواه الكليني مسندا عن علي بن محمد بن عبد الله عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الاشعري عن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).. الحديث " وجه الاستدلال ان التسليم وقع خبرا عن التحليل فيجب كونه مساويا للمبتدأ أو اعم منه فلو وقع التحليل بغيره لكان المبتدأ اعم. وايضا فان الظاهر ارادة حصر التحليل فيه لانه مصدر مضاف الى الصلاة فيتناول كل تحليل يضاف إليها. ولان الخبر إذا كان منفردا كان هو المبتدأ بمعنى ان الذي صدق عليه انه تحليل للصلاة يصدق عليه التسليم. كذا قرره في المعتبر، وجوابه (اولا) بضعف هذا الحديث، وما قيل - من ان هؤلاء الثلاثة هم العمدة في ضبط الاحاديث ولولا علمهم بصحته لم ارسلوه - فظاهر الفساد. و (ثانيا) ان ما قرر في افادة الحصر غير تام لان مبناه على دعوى كون الاضافة للعموم وهو ممنوع فان الاضافة كما تكون للاستغراق تكون للجنس وللعهد الذهني والخارجي كما قرر في محله. الرابع - ما رواه الشيخ عن ابي بصير (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل صلى الصبح فلما


(1) الوسائل الباب 1 من التسليم عن امير المؤمنين " ع " ولم يسنده الى رسول الله " صلى الله عليه وآله " وهو هكذا " افتتاح الصلاة.. " (2) الوسائل الباب 1 من التسليم وفيه " افتتاح الصلاة " ايضا. (3) الوسائل الباب 1 من التسليم


[ 479 ]

جلس في الركعتين قبل ان يتشهد رعف ؟ قال فليخرج فليغسل انفه ثم ليرجع صلاته فان آخر الصلاة التسليم " والجواب (اولا) بالطعن في السند باشتراك ابي بصير بين الثقة وغيره، وبانه من جملة رجالها عثمان بن عيسى وسماعة وهما واقفيان. و (ثانيا) منع الدلالة فان كون التسليم آخر الصلاة لا يقتضي وجوبه فان الافعال تشمل الواجب والمندوب. و (ثالثا) بانه متروك الظاهر إذ لا نعلم بمضمونه قائلا من الاصحاب. انتهى المقصود من كلامه زيد في مقامه.

وفيه نظر من وجوه:

(الاول) ما اجاب به عن حديث " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " من ضعف السند فان فيه (اولا) ما قدمنا بيانه في غير موضع من ان الطعن بذلك لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح الذي هو اقرب الى الفساد من الصلاح عندهم ولا على غيرهم ممن يرى بطلانه. و (ثانيا) استفاضة الاخبار بذلك وان ضعف سندها فان تكررها في الاصول المعتمدة برواية اجلاء مشايخ العصابة لا يقصر عن خبر صحيح باصطلاحهم كما لا يخفى على المنصف: ففي حديث الفضل بن شاذان المروي في العلل وعيون الاخبار (1) " انما جعل التسليم تحليل الصلاة ولم يجعل بدله تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر قيل لانه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجه الى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين بالكلام انما هو بالتسليم " وفى نسخة اخرى " وانما بدأ المخلوقين في الكلام أو لا بالتسليم " فانظر الى صراحة هذا الخبر في حصر التحليل في التسليم دون غيره من تكبير أو تسبيح أو ضرب آخر. وفى كتاب المناقب لابن شهر اشوب عن ابي حازم (2) قال: " سئل علي بن الحسين (عليه السلام) ما افتتاح الصلاة ؟ قال التكبير. قال ما تحليلها ؟ قال التسليم ".


(1) الوسائل الباب 1 من التسليم (2) مستدرك الوسائل الباب 1 من التسليم


[ 480 ]

وفى عيون الاخبار في ما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون (1) قال: " تحليل الصلاة التسليم ". وفى العلل بسنده عن المفضل بن عمر (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن العلة التي من اجلها وجب التسليم في الصلاة ؟ قال لانه تحليل الصلاة.. الى ان قال: فلم صار تحليل الصلاة التسليم ؟ قال لانه تحية الملكين ". وما رواه الصدوق في الهداية (3) قال: " قال الصادق (عليه السلام) تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم ". وروى الشيخ مرسلا (4) قال: " قال رجل لامير المؤمنين (عليه السلام) ما معنى قول الامام: السلام عليكم ؟ فقال ان الامام يترجم عن الله تعالى ويقول في ترجمته لاهل الجماعة امان لكم من عذاب الله يوم القيامة ". وما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن عبد الله بن الفضل الهاشمي بسند معتبر (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن معنى التسليم في الصلاة ؟ فقال التسليم علامة الامن وتحليل الصلاة. قلت وكيف ذلك جعلت فداك ؟ فقال الناس في ما مضى إذا سلم عليهم وارد امنوا شره وكانوا إذا ردوا عليه أمن شرهم وإذا لم يسلم عليهم لم يأمنوه وإذا لم يردوا على المسلم لم يأمنهم وذلك خلق في العرب، فجعل التسليم علامة للخروج من الصلاة وتحليلا للكلام وامنا من ان يدخل في الصلاة ما يفسدها والسلام اسم من اسماء الله تعالى وهو واقع من المصلي على الملكين الموكلين ". وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في ان التسليم الذي يحصل به الاذن والتحليل انما هو صيغة " السلام عليكم " دون " السلام علينا " على ان من جملة من نقل الحديث


(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 1 من التسليم (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من التسليم (4) الوسائل الباب 1 من التسليم عن الصدوق ولم ينقله عن الشيخ


[ 481 ]

المذكور الصدوق في الفقيه وهو قد استدل باخبار الفقيه وان ضعفت في مواضع من شرحه اعتمادا على ما ضمنه في صدر كتابه: " منها - في جلد الميتة يوضع فيه السمن واللبن. وقد تقدم في كتاب الطهارة (1).

(الثاني) - ما طعن به على دلالة الخبر والمذكور من عدم افادته الاستغراق فانه لا يخفى ان المتسارع الى الفهم الصائب من هذه الاخبار التي تلوناها والمنساق الى الذوق الثاقب منها انما هو بيان الحد الموجب لتحريم ما كان محللا قبل الدخول في الصلاة وتحليل ما كان محرما بعد الدخول، فبين (عليه السلام) ان الحد الاول الذي يحرم به ما كان محللا هو التكبير للاحرام والحد الثاني الذي يحل به ما كان محرما في الصلاة هو التسليم. ولا ريب ان هذا المعنى انما يتجه بناء على افادة الاضافة العموم والاستغراق والمفهوم من كلام علماء الفن في امثال هذا المقام وان كان هو استعمال الاضافة في كلا المعنيين كما ذكره إلا ان قرينة السياق واخبار التعليل بوجوب التسليم والاتيان به في الصلاة ولا سيما الخبر الاول انما تنطبق على الحمل على العموم والاستغراق في هذه الاضافة فيجب الحمل عليه البتة كما لا يخفى، فان المنصف تكفيه الاشارة والمتعسف لا ينتفع ولو بالف عبارة.

(الثالث) - ما طعن به في موثقة ابي بصير (اما اولا) فما طعن به من ضعف السند فقد عرفت انه غير مسموع ولا معتمد، على انه متى كانت الاخبار الموثقة ضعيفة باصطلاحه كما طعن به في هذا الموضع وغيره فكيف يستدل بالموثقتين المتقدمتين كما اشرنا إليه آنفا ؟ ولكن هكذا طريقته في غير مقام متى احتاج الى الاستدلال بالموثقات استدل بها وزيفها بوجوه تخريجية ومتى استدل به الخصم طعن فيها بضعف السند، وهذه من جملة المناقضات التي جرت له في هذا الشرح. و (اما ثانيا) فان ما ذكره من منع الدلالة ضعيف، فان المتسارع الى الفهم السليم


(1) ج 5 ص 55


[ 482 ]

والذوق القويم من هذه العبارة هو الامر بالرجوع واتمام الصلاة يعني بالتشهد التسليم عملا بمقتضى التعليل، فان معنى " فليتم صلاته " يعني يأتي بها الى آخرها. ثم ذكران آخرها التسليم، وحينئذ فالامر بالاتمام متوجه الى الصلاة التي آخرها التسليم، نظير ذلك قولك اكتب هذا الكتاب من اوله الى آخره فان آخره كذا. فانه لا ريب ان ذلك الآخر داخل في المأمور بكتابته، وبذلك يتضح ان التسليم في الخبر مأمور به والامر للوجوب كما قرر في محله. هذا وجه الاستدلال بالخبر لان محل الاستدلال - كما توهمه - مجرد قوله في الخبر " فان آخر الصلاة التسليم " حتى يتوجه ما ذكره.

(الرابع) - ما ذكره بقوله: " انها متروكة الظاهر " فاني لا اعرف له وجها كما لا يخفى على الناظر الماهر، فانه ان اراد من حيث اشتمال الخبر على الخروج وغسل انفه ثم الرجوع في صلاته ففيه انه قد ورد الحكم بذلك في عدة من الاخبار وبه قال الاصحاب من غير خلاف يعرف، بمعنى ان المصلي يقطع الصلاة ويزيل النجاسة ثم يرجع في صلاته ويبنى على ما مضى ما لم يستلزم ذلك مبطلا من خارج، فالمراد بالخروج في الخبر هو الخروج من الصلاة وقطعها لاجل ازالة النجاسة، وستأتي الاخبار بذلك في محلها ان شاء الله تعالى.

(الموضع الثاني) - في بيان كونه واجبا خارجا، اما وجوبه فلما عرفت في الموضع المتقدم، واما خروجه فهو قول جمع من الاصحاب: منهم - شيخنا الشهيد في قواعده فان الظاهر منه ذلك حيث قال: ان صحيحة زرارة في المحدث قبل التسليم (1) " قد تمت صلاته " وصحيحته الاخرى في من صلى خمسا (2) " ان كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته " لا يدل شئ منهما على عدم وجوب التسليم وانما يدلان على عدم جزئيته. انتهى. واعترضه تلميذه الفاضل المقداد في شرح النافع بلزوم خرق الاجماع المركب،


(1) ص 474 (2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة


[ 483 ]

قال: لان القائل قائلان انه اما واجب فهو جزء من الصلاة - ولهذا حصروا الواجبات في ثمانية - أو غير واجب فيكون واحدا من مندوباتها، فالقول بكونه واجبا غير جزء خرق للاجماع وحينئذ لا يتم حمله المذكور للرواية. انتهى. وفيه ما قدمنا تحقيقه في غير مقام ولا سيما في مقدمات الكتاب من ان هذا الاجماع المتناقل في كلامهم والدائر على السن اقلامهم لا يعول عليه وليس بدليل شرعي يرجع إليه، على انه لو كان ثمة اجماع لما خفى على شيخنا المذكور مع سعة باعه ووفور اطلاعه. والعجب من جمود صاحب المدارك - كما قدمنا عنه - على ذلك مع ضيق ساحته في الاجماع وكثرة الجدال منه فيه والنزاع. وممن يظهر منه الميل الى هذا القول ايضا الجعفي صاحب الفاخر على ما نقله عنه في الذكرى من حكمه بعدم بطلان الصلاة بتخلل الحدث مع قوله بوجوب التسليم وبه صرح الفاضل أبو الفضائل احمد بن طاووس الحسنى صاحب كتاب البشرى حيث نقل عنه ان التسليم واجب وان حصل الخروج من الصلاة قبله بقوله " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " واليه ذهب المحدث الكاشاني في المفاتيح والحر العاملي، وهو المختار الذي تجتمع عليه الاخبار كما عرفت في ما تقدم، وهو ظاهر صحيحة الفضلاء الثلاثة المتقدمة (1) بالتقريب الذي ذكرناه ثمة. ويدل عليه ايضا قوله في صحيحة ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في من نسى التشهد الاول حيث قال: " يتم صلاته ثم يسلم ". وصحيحة سليمان بن خالد في ذلك ايضا (3) حيث قال (عليه السلام): " وان لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم ". فان العطف في الاول على اتمام الصلاة وقوله في الثاني " حتى إذا فرغ فليسلم " اوضح دليل على ذلك، والخبران - كما ترى - دالان على الوجوب من حيث الامر فيهما بالتسليم.


(1) ص 473 و 474 (2) و (3) الوسائل الباب 7 من التشهد


[ 484 ]

وبالجملة فان الاخبار لما دلت على الوجوب من حيث تكرار الامر بذلك فيها مضافا الى ما حققناه في الموضع الاول ودلت اخبار تخلل الحدث ونحوه قبل التسليم على صحة الصلاة فلا وجه للجمع بين الجميع إلا بهذا القول وتخرج الصحيحتان المذكورتان ونحوهما شاهدا على ذلك. ويدل على ذلك ايضا الاخبار الآتية في الموضع الآتي ان شاء الله الدالة على انه بقوله: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فقد تمت صلاته وانقطعت وان التسليم انما هو بعد ذلك. نعم ربما ينقدح هنا اشكال وهو ان يقال مقتضى اخبار " تحليلها التسليم " - كما تقدم تحقيقه - وهو ان التحليل لا يحصل إلا به فهي ظاهرة في دخوله وجزئيته ومقتضى ما اخترتم هو حصول التحليل بغيره وان وجب الاتيان به. وبهذا الوجه اعترض الفاضل المقداد على شيخنا الشهيد ايضا في ما تقدم نقله عنه مما يدل على كونه واجبا خارجا. والجواب عنه ان الذي يقتضيه الجمع بين الادلة في هذا المقام ان التسليم وان كان واجبا خارجا إلا انه لا دليل على جواز تعمد الفعل المنافي قبله، وهذا معنى كونه تحليلا بمعنى ان ما حرم في الصلاة لا يحل للمكلف الاتيان به إلا بعد التسليم، ولا ينافي ذلك ما لو سبقه الحدث أو غلبة النوم مثلا فانه لا دليل على بطلان صلاته بذلك بل الادلة دالة كما عرفت على الصحة. ولم اقف على من نبه على هذا الاشكال من القائلين بهذا القول، والجواب عنه هو ما ذكرنا. قال الفاضل الخراساني في الذخيرة - بعد البحث في المسألة واختياره القول بالاستحباب كما هو المشهور بين متأخرى الاصحاب - ما صورته: وهل التسليم جزء من الصلاة. ام خارج عنها ؟ قال المرتضى لم اجد لاحد فيه نصا ويقوى عندي انه من الصلاة والظاهر هو الثاني، وقد تقدمت في هذا البحث روايات كثيرة دالة عليه ويزيدها بيانا ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد، ثم ذكر صحيحة سليمان


[ 485 ]

ابن خالد المذكورة، ثم قال وعن الحسين بن ابي العلاء (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة فلا يجلس بينهما حتى يركع في الثالثة، قال فليتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل ان يتكلم " ويدل على كونه جزء من الصلاة رواية ابي بصير المتقدمة (2) ويؤيده تأييدا ضعيفا صحيحة الفضلاء الواردة في صلاة الخوف (3) ولا معدل عن ارتكاب التأويل في ما دل على الجزئية لعدم انتهاضه بمقاومة الاخبار الدالة على خروجه عن الصلاة. انتهى. وظاهره - كما ترى - القول بخروجه واستحبابه، والى هذا يميل كلام شيخنا المجلسي في كتاب البحار ايضا فيصير قولا ثالثا في المسألة، لان القول المشهور على تقدير الوجوب هو الجزئية والقول الثاني الخروج مع الوجوب، وظاهره هنا مع اختياره الاستحباب - كما قدمنا نقله عنه - اختيار الخروج فيصير عنده مستحبا خارجا. والظاهر انه اشار بقوله هنا " وقد تقدمت في هذا البحث روايات كثيرة دالة عليه " الى روايات صحة الصلاة مع تخلل الحدث ونحوه قبل التسليم. ثم ان من اظهر اخبار الجزئية اخبار " تحليلها التسليم " (4) كما لا يخفى إلا ان الواجب - كما اشرنا إليه آنفا - تخصيصها باخبار تخلل الحدث ونحوه سهوا.

(الموضع الثالث) - في الصيغة الواجبة التي يخرج بها من الصلاة هل هي " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " أو " السلام عليكم " ؟

وقد وقع الخلاف هنا في موضعين:

(الاول) في الصيغة الواجبة في التسليم وانها اي الصيغتين ؟ فالمشهور انه " السلام عليكم " قال في الدروس وعليه الموجبون، وذكر في البيان ان " السلام علينا.. " لم يوجبها احد من القدماء وان القائل بوجوب التسليم يجعلها مخرجة. وذهب المحقق في كتبه الثلاثة الى التخيير بين الصيغتين وان الواجب


(1) الوسائل الباب 7 من التشهد (2) ص 478 و 479 (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف (4) ص 478


[ 486 ]

ما تقدم منهما. وتبعه العلامة. وانكره الشهيد في الذكرى والبيان. فقال في الذكرى انه قول محدث في زمان المحقق أو قبله بزمان يسير ونقل الايماء الى ذلك من شرح رسالة سلار، وقال في موضع آخر انه قوي متين إلا انه لا قائل به من القدماء وكيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا ؟ مع انه قد قال بذلك في الرسالة الالفية واللمعة الدمشقية وهي من آخر مصنفاته. وذهب صاحب الجامع يحيى بن سعيد الى وجوب " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " وتعينها للخروج من الصلاة. وانكره في الذكرى وقال انه خروج عن الاجماع من حيث لا يشعر به قائله. ونسب المحقق في المعتبر هذا القول الى الشيخ وخطأه الشهيد في هذه النسبة وذهب الجعفي صاحب الفاخر الى وجوب " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته " وهو ظاهر الشيخ المقداد في كنز العرفان.

(الثاني) - في ما يخرج به المكلف من الصلاة، فقيل بتعين الخروج ب‍ " السلام عليكم " وهو قول اكثر القائلين بوجوب التسليم، ومنهم من قال انه يخرج من الصلاة بقوله " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " وان وجب الاتيان ب‍ " السلام عليكم " بعد ذلك وهو قول صاحب البشرى، قال في الذكرى: وقال صاحب البشرى السيد جمال الدين بن طاووس - وهو مضطلع بعلم الحديث وطرقه ورجاله - لا مانع ان يكون الخروج ب‍ " السلام علينا.. " وان كان يجب " السلام عيلكم ورحمة الله وبركاته " بعده للحديث الذي رواه ابن اذينة عن الصادق (عليه السلام) في وصف صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) في السماء (1) " انه لما صلى امر ان يقول للملائكة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " إلا ان يقال هذا في الامام دون غيره، قال ومما يؤكد وجوبه رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه ". وذهب


(1) ص 456 (2) الوسائل الباب 4 من التشهد و 1 من التسليم. والرواي هو الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم.


[ 487 ]

المحقق والعلامة في المنتهى والشهيد في اللمعة الى التخيير بينهما وانه يخرج من الصلاة بكل منهما ولو جمع بينهما يحصل الخروج بالمتقدم منهما. وقد تقدم انكار الشهيد لذلك في الذكرى. وقال في البيان بعد البحث عن الصيغة الاولى: واوجبها بعض المتأخرين وخير بينها وبين " السلام عليكم " وجعل الثانية منهما مستحبة وارتكب جواز " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " بعد " السلام عليكم " ولم يذكر ذلك في خبر ولا مصنف بل القائلون بوجوب التسليم واستحبابه يجعلونها مقدمة. وذهب يحيى بن سعيد الى تعين الخروج بالصيغة الاولى. اقول: المستفاد من الاخبار الواردة في هذا المقام ان السلام المطلق الذي هو معدود في سياق افعال الصلاة وواجباتها وانه تحليل الصلاة انما هو " السلام عليكم " ولكن جملة من الاخبار قد صرحت ان آخر افعال الصلاة " وهو السلام علينا وعلى عباد الله الصحالحين " وهو آخر اجزاء التشهد المستحب ومن توابعه وصرحت بانه بها تتم الصلاة وتنقطع ويخرج من الصلاة. ومن هنا وقع الخلاف ونشأ الاشكال الموجب لتعدد هذه الاقوال، فيحث رأوا في الاخبار ان " السلام علينا " مخرجة من الصلاة وقاطعة لها وهي في آخر اجزاء التشهد وانضم الى ذلك ورود الامر بالتسليم بقول مطلق في جملة من الاخبار المحتملة لحمله على " السلام علينا.. " ورأوا ايضا فيها ان " السلام عليكم " تحليل الصلاة واذن بالانصراف منها وايذان حملوا هذه الالفاظ في الموضعين على معنى واحد، فبعض منهم خير بين الصورتين فايهما قدم كانت كافية في اداء الواجب والخروج من الصلاة وكانت الثانية مستحبة، وآخرون لما رأوا اخبار " السلام علينا.. " قاصرة عن افادة الوجوب حملوا اطلاق الامر بالتسليم على خصوص " السلام عليكم " وجعلوها مستحبة وان كانت مخرجة كما يفهم من كلام صاحب البشرى. ومن الاخبار الواردة في المقام موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت اماما فانما التسليم ان تسلم على النبي (عليه وآله السلام) وتقول


(1) الوسائل الباب 2 من التسليم


[ 488 ]

" السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم وتقول وانت مستقبل القبلة " السلام عليكم " وكذلك إذا كنت وحدك تقول " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " مثل ما سلمت وانت امام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت وسلم على من على يمينك وشمالك.. الحديث ". دلت هذه الرواية على انقطاع الصلاة وتمامها بعد قول " السلام علينا.. " وذلك يعطي انها آخر اجزاء الصلاة وان التسليم الذي هو " السلام عليكم " واجب خارج كما اخترناه وهو الذي يؤذن به القوم ويرخصهم إذا كان اماما بقوله (السلام عليكم) وكذلك إذا كان منفردا أو مأموما. ومن ذلك رواية ابي كهمس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الركعتين الاولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وانا جالس " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته " انصراف هو ؟ قال لا ولكن إذا قلت " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فهو الانصراف " ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب مثله (2). وصحيحة الحلبي (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ما ذكرت الله (عزوجل) به والنبي (صلى الله عليه وآله) فهو من الصلاة فان قلت " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فقد انصرفت " والمراد ان ما يأتي به من الاذكار وذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فهو من جملة الصلاة واجزائنا وان كان مستحبا حتى يقول " السلام علينا.. " فانه يخرج بعد ذلك منها. وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا كنت اماما فانما التسليم ان تسلم على النبي (عليه وآله السلام) وتقول " السلام علينا وعلى عباد الله


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 4 من التسليم (4) الوسائل الباب 2 من التسليم. وهذه الرواية هي موثقة ابى بصير المتقدمة


[ 489 ]

الصالحين فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم. الحديث " وسيأتي تمامه. وحسنة ميسر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم.. الى ان قال وقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ". وروى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " افسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين.. الى ان قال وبقوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " يعني في التشهد الاول. دلت هذه الاخبار - كما ترى - على ان هذه الصيغة مخرجة وقاطعة حتى انه لو اتى المكلف بها عمدا في التشهد الاول بطلت صلاته لان الشارع قد وضعها لهذا المعنى فجعلها مخرجة وقاطعة ولكن عين محلها في آخر اجزاء التشهد الثاني خاصة. ويزيد ذلك تأييدا ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن الاعمش عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا يقال في التشهد الاول " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " لان تحليل الصلاة هو التسليم وإذا قلت هذا فقد سلمت ". ومعنى التحليل هنا عبارة عن انقطاع الصلاة والخروج منها ومن هنا سرى الوهم المتقدم ذكره، فانهم جعلوا معنى الخروج هنا وانقطاع الصلاة عبارة عن اتمام افعال الصلاة وواجباتها الداخلة والخارجة وعدم الاثم في ترك ما يترك بعد ذلك وفعل ما لا يجوز فعله قبل ذلك. وليس الامر كما ظنوه بل انما معناه اتمام افعال الصلاة واجزائها الداخلة فيها المبطل تركها للصلاة والمبطل تخلل الحدث بينها على المشهور. والمعنى الاول الذي توهموه انما هو التحليل في " السلام عليكم " يعني انه يحل بهذه الصيغة ما كان محرما من غير ترتب اثم ولا اعادة في شئ بالكلية. ومن الاخبار في ذلك موثقة ابي بصير المتقدمة (4) في فضل التشهد المشتملة


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من التشهد (3) الوسائل الباب 29 من قواطع الصلاة (4) ص 450


[ 490 ]

على التشهد الكامل الجامع للاذكار المستحبة حيث قال بعد سياق التشهد المستحب وختمه ب‍ " السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين ": " ثم تسلم " ونحوه عبارة كتاب الفقه المذكورة بعده. وانت خبير بان غاية ما يستفاد من الاخبار المذكورة بالنسبة الى " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " هو كونها قاطعة للصلاة متى اتى بها ولا يستفاد منها وجوب الاتيان بها، إذ ليس بعد هذه الاخبار الدالة على كونها قاطعة ومخرجة إلا مجرد حكايتها في التشهد المشتمل على المستحبات العديدة وجعلها في قرن ذلك وإلا فالاوامر التي ذكرنا دلالتها على وجوب التسليم والاخبار الدالة على انه محلل واذن ونحو ذلك انما وردت في " السلام عليكم " خاصة لا تعلق لشئ منها ب‍ " السلام علينا.. " كما لا يخفى على من عمق النظر في الاخبار وذاق من لذيذ تلك الثمار. قال في الذكرى بعد الكلام في المسألة: وبعد هذا فالاحتياط للدين الاتيان بالصيغتين جمعا بين القولين وليس ذلك بقادح في الصلاة بوجه من الوجوه بادئا ب‍ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " لا بالعكس فانه لم يأت به خبر منقول ولا مصنف مشهور سوى ما في بعض كتب المحقق (قدس سره) ويعتقد ندب " السلام علينا " ووجوب الصيغة الاخرى، وان ابى المصلي إلا احدى الصيغتين ف‍ " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " مجزئة بالاجماع. انتهى. وهو جيد وجيه متين كما لا يخفى على الحاذق المكين وان كان قد خالف نفسه فيه بما قدمنا نقله عنه في الرسالة واللمعة وفاقا للمحقق كما تقدم، وهو خلاف ما ذهب إليه الفاضل يحيى بن سعيد.

تنبيهات:

(الاول) - قد ذكر جملة من الاصحاب ان المستحب للامام والمنفرد ان يسلما تسليمة واحدة لكن الامام يومئ بصفحة وجهه الى يمينه والمنفرد يومئ بمؤخر عينه الى


[ 491 ]

يمينه، والمؤخر كمؤمن طرفها الذي يلى الصدغ. واما المأموم فانه يسلم من الجانبين إذا كان على يساره احد وإلا فعن يمينه ويومئ بصفحة وجهه. وقال ابن الجنيد: إذا كان اماما في صف سلم عن جانبيه. ونقل عن الصدوقين انهما جعلا الحائط عن يسار المأموم كافيا في التسليمتين يمينا وشمالا. وسيأتي نقل كلام ابنه في الفقيه مع دليله وتحقيق القول فيه. واما الاخبار التي وقعت عليها في هذا الباب فهي لا تخلو بحسب ظاهرها من الاختلاف والاضطراب كما هو في اكثر الاحكام المتفرقة في جملة الابواب. فمن ذلك: الاول - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن ابي بصير (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كنت في صف فسلم تسليمة عن يمينك وتسلمية عن يسارك لان عن يسارك من يسلم عليك وإذا كنت اماما فسلم تسليمة واحدة وانت مستقبل القبلة ". الثاني - ما رواه الكليني والشيخ عن عنبسة بن مصعب (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصف خلف الامام وليس على يساره احد كيف يسلم ؟ قال يسلم واحدة عن يمينه ". الثالث - ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) (3) قال " رأيت اخوتي موسى واسحاق ومحمدا بنى جعفر يسلمون في الصلاة عن اليمين والشمال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (4). الرابع - عن عبد الحميد بن عواض في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " ان كنت تؤم قوما اجزأك تسليمة واحدة عن يمينك وان كنت مع امام


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 2 من التسليم (4) الموجود في التهذيب ج 1 ص 236 والوسائل والوافى باب " التسليم والانصراف " هكذا " السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله " بالتكبير بدون كلمة " وبركاته "


[ 492 ]

فتسليمتين وان كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة ". الخامس - عن منصور بن حازم في الصحيح (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) الامام يسلم واحدة ومن وراءه يسلم اثنتين فان لم يكن عن شماله احد سلم واحدة " السادس - عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا كنت اماما.. الحديث وقد تقدم قريبا (3) الى ان قال: ثم تؤذن القوم فتقول وانت مستقبل القبلة: السلام عليكم، وكذلك إذا كنت وحدك تقول " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " مثل ما سلمت وانت امام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت وسلم على من على يمينك وشمالك فان لم يكن على شمالك احد فسلم على الذين عن يمينك ولا تدع التسليم على يمينك وان لم يكن على شمالك احد ". قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: ويستفاد من هذا الحديث وبعض الاخبار السابقة ان آخر اجزاء الصلاة قول المصلي " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " وبه ينصرف عن الصلاة وبعد الانصراف عنها بذلك يأتي بالتسليم الذي هو اذن وايذان بالانصراف وتحليل للصلاة وهو قول " السلام عليكم " ولما اشتبه هذا المعنى على اكثر متأخري اصحابنا اختلفوا في صيغة التسليم المحلل اختلافا لا يرجى زواله. والحمد لله على ما هدانا. اقول وهو موافق لما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه. ثم قال (قدس سره): قوله (عليه السلام) في آخر الحديث " وان لم يكن على شمالك احد " الظاهر انه كان " على يمينك " فسها النساخ فكتبوا " على شمالك " وفي بعض النسخ " ان لم يكن " بدون الواو وكأنه نشأ اسقاطه مما رأوا من التهافت الناشئ من ذلك السهو، ويؤيد ما قلناه ما يأتي من كلام الفقيه انتهى. وهو جيد. السابع - ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من التسليم (3) ص 487


[ 493 ]

(عليه السلام) (1) قال: " سألته عن تسليم الرجل خلف الامام في الصلاة كيف ؟ قال تسليمة واحدة عن يمينك إذا كان عن يمينك احد أو لم يكن " اقول: وفي هذا الخبر دلالة على صحة ما ذكره المحدث الكاشاني في خبر ابي بصير من السهو. الثامن - ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطي عن عبد الله بن ابي يعفور (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن تسليم الامام وهو مستقبل القبلة ؟ قال يقول السلام عليكم ". التاسع - عن عبد الكريم عن ابي بصير (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك ". العاشر - ما في الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام) بعد سياق التشهد الطويل كما تقدم في فصل التشهد وذكر " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " في آخره " ثم سلم عن يمينك وان شئت يمينا وشمالا وان شئت تجاه القبلة " وظاهره التخيير مطلقا اماما كان أو مأموما أو منفردا. هذا ما حضرني من اخبار المسألة وسيجئ خبر آخر مع كلام الصدوق بعد تحقيق ما في هذه الاخبار حيث ان ما فيه لا يخلو من غرابة كما سنوضحه ان شاء الله تعالى اقول: ويستفاد من هذه الاخبار اما بالنسبة الى الامام فقد دل الخبر الاول على انه يسلم تسليمة واحدة وهو مستقبل القبلة، والخبر الرابع تضمن تسليمة واحدة عن يمينه، والخبر الخامس تضمن انه يسلم تسليمة واحدة ولم يعين الجهة فيها، والخبر السادس دل على انه يسلم مستقبل القبلة، وهو ظاهر الخبر الثامن ايضا لان الاستقبال وان كان في كلام السائل إلا ان ظاهر جوابه (عليه السلام) تقريره على ذلك، وقد تقدم في موثقة يونس بن يعقوب (5) ما يدل على انه يسلم ويستقبلهم بوجهه، وهو مؤيد لما دل عليه الخبر الرابع.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من التسليم (4) ص 8 (5) ص 474


[ 494 ]

وبعض مشايخنا جمع بين الاخبار هنا بان يبتدئ اولا الى القبلة ثم يختمه مائلا الى اليمين. والظاهر بعده ولا يبعد الجمع بين الاخبار بالتخيير كما يدل عليه ظاهر الخبر العاشر. واما بالنسبة الى المأموم فقد تضمن الخبر الاول انه يسلم تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره، وتضمن الخبر الثاني انه يسلم واحدة عن يمينه خاصة إذا لم يكن على يساره احد، وتضمن الخبر الرابع انه يسلم تسليمتين بقول مطلق، واطلاقه محمول على ما تضمنه غيره من ان احداهما الى اليمين والاخرى الى اليسار متى كان على يساره احد، والخامس تضمن انه يسلم اثنتين إلا ان لا يكون على شماله احد فواحدة عن اليمين، والسادس تضمن كما تضمنه الخامس، والخبر السابع تضمن تسليمة واحدة خاصة على اليمين سواء كان احد عن يمينه أو لم يكن، واطلاقه في التسليمة الواحدة يحمل على ما إذا لم يكن على يساره احد. وبالجملة فالمفهوم من ضم هذه الاخبار بعضها الى بعض ان المأموم يسلم واحدة عن يمينه سواء كان عن يمينه احد أو لم يكن ويسلم عن يساره إذا كان ثمة احد وإلا فلا. واما ما ذكره في المدارك بعد ذكر الرواية الخامسة والسادسة - حيث قال: وليس في هاتين الروايتين ولا في غيرهما مما وقفت عليه دلالة على الايماء بصفحة الوجه - ففيه ان المتبادر من هذه الالفاظ المذكورة في الاخبار - من قولهم " سلم على من على يمينك وشمالك " وقولهم " تسليمة واحدة عن يمينك " ونحو ذلك - التوجه بالوجه كلا أو بعضا نحو اليمين والشمال، فان العرف قاض بان من قصد خطاب شخص توجه إليه بوجهه، واما الاكتفاء في ذلك بمجرد النية والقصد فبعيد غاية البعد. ويؤيد ما قلناه ما اشتملت عليه الرواية السادسة من قوله في حكم الامام " سلم وانت مستقبل القبلة " وقوله في حكم المأموم " سلم على من على يمينك وشمالك " فانه لا ريب في تغاير معنى كل من العبارتين للاخرى وليس إلا بما قلناه. واما الاستشكال في الانحراف حال التسليم يمينا وشمالا من حيث كراهة


[ 495 ]

الانحراف في الصلاة بناء على القول بكونه جزء واجبا فيمكن الجواب عنه بما ذكره في الذكرى من تخصيص اخبار الكراهة باخبار التسليم فيكون التسليم مستثنى من الحكم المذكور بدليل من خارج. واما المنفرد فقد تضمن الخبر الرابع انه يسلم واحدة مستقبل القبلة، وكذلك ظاهر الخبر السادس، والخبر التاسع تضمن انه يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، واطلاق الخبر العاشر يدل على التخيير بين ان يسلم عن يمينه وشماله أو واحدة تجاه القبلة، واطلاق الخبر الثالث يدل على التسليمتين ايضا عن اليمين والشمال إلا ان يحمل على كونهم مأمومين كما هو الاقرب من حيث مداومتهم على الصلاة خلف أئمة ذلك الزمان وورود التسليمتين في اكثر الاخبار للمأموم خاصة. والاصحاب - كما تقدم - ذكروا ان المنفرد يسلم تسليمة واحدة ويومئ بمؤخر عينه الى يمينه، والاخبار كما ترى خالية من ذلك. وقال المحقق في المعتبر: اما الاشارة بمؤخر العين فقد ذكره الشيخ في النهاية وهو من المستحب عنده وربما ايده ما رواه احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي في جامعه وذكر الخبر التاسع. وانت خبير بان ظاهر الخبر انما هو الايماء بالوجه الى اليمين كما اوضحناه آنفا وبالجملة فالايماء بمؤخر العين لا اعرف دليلا من الاخبار والجماعة قد تبعوا الشيخ كما هي قاعدتهم غالبا لحسن الظن به والاخبار خالية منه كما ترى. بقى الكلام في الجمع بين الخبر الدال على التسليم عن يمينه والاخبار الدالة على التسليم مستقبل القبلة ولا اعرف له وجها إلا التخيير. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصدوق قال في الفقيه: ثم تسلم وانت مستقبل القبلة وتميل بعينك الى يمينك ان كنت اماما، وان صليت وحدك قلت " السلام عليكم " مرة واحدة وانت مستقبل القبلة وتميل بانفك الى يمينك، وان كنت خلف امام تأثم به فسلم تجاه القبلة


[ 496 ]

واحدة ردا على الامام وتسلم على يمينك واحدة وعلى يسارك واحدة إلا ان لا يكون على يسارك انسان فلا تسلم على يسارك إلا ان تكون بجنب الحائط فتسلم على يسارك، ولا تدع التسليم على يمينك كان على يمينك احد أو لم يكن. انتهى. وقال في المقنع نحو هذه العبارة. وربما كان مستنده في ذلك ما رواه في علل الشرائع والاحكام بسنده فيه عن المفضل ابن عمر (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن العلة التي من اجلها وجب التسليم في الصلاة ؟ قال لانه تحليل الصلاة. قلت فلاي علة يسلم على اليمين ولا يسلم على اليسار ؟ قال لان الملك الموكل يكتب الحسنات على اليمين والذي يكتب السيئات على اليسار والصلاة حسنات ليس فيها سيئات فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار. قلت فلم لا يقال " السلام عليك " والملك على اليمين واحد ولكن يقال " السلام عليكم " ؟ قال ليكون قد سلم عليه وعلى من على اليسار وفضل صاحب اليمين عليه بالايماء إليه. قلت فلم لا يكون الايماء في التسليم بالوجه كله ولكن كان بالانف لمن يصلي وحده وبالعين لمن يصلي بقوم ؟ قال لان مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين فصاحب اليمين على الشدق الايمن وتسليم المصلي عليه ليثبت له صلاته في صحيفته، قلت فلم يسلم المأموم ثلاثا ؟ قال تكون واحدة ردا على الامام وتكون عليه وعلى ملكيه وتكون الثانية على من على يمينه والملكين الموكلين به وتكون الثالثة على من على يساره وملكيه الموكلين به، ومن لم يكن على يساره احد لم يسلم على يساره إلا ان يكون يمينه الى الحائط ويساره الى المصلي معه خلف الامام فيسلم على يساره. قلت فتسليم الامام على من يقع ؟ قال على ملكيه والمأمومين، يقول لملكيه: اكتبا سلامة صلاتي مما يفسدها. ويقول لمن خلفه: سلمتم وامنتم من عذاب الله تعالى قلت فلم صار تحليل الصلاة التسليم ؟ قال لانه تحية الملكين وفى اقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة العبد من النار وفي قبول صلاة العبد يوم القيامة


(1) الوسائل الباب 1 و 2 من التسليم


[ 497 ]

قبول سائر اعماله فإذا سلمت له صلاته سلمت جميع اعماله وان لم تسلم صلاته وردت عليه رد ما سواها من الاعمال الصالحة ". اقول: الظاهر ان هذا الخبر هو مستند الصدوق في ما ذكره في هذه العبارة من الاحكام الغريبة المخالفة لما عليه الاصحاب بل واخبار الباب: فمنها - الايماء بالانف لمن يصلي وحده، فان المشهور في كلام الاصحاب هو الايماء بمؤخر عينه كما عرفت والذى في الاخبار هو التسليم الى القبلة أو الايماء بوجهه الى يمينه كما عرفت، على ان تحقق الايماء بالانف خاصة لا يخلو من الاشكال فانه لا يمكن ذلك إلا مع الايماء بالوجه، ولعل المراد الايماء القليل بالوجه بحيث ينحرف به الانف. ومنها - الايماء بالعين للامام والمشهور الانحراف بالوجه، والاخبار منها ما دل على ما هو المشهور ومنها ما دل على التسليم الى القبلة. ومنها - التسليم ثلاثا للمأموم والمشهور في الاخبار وكلام الاصحاب مرتان بالتفصيل المتقدم. ومنها - استحباب التسليم الى الحائط إذا كان في جانب اليسار إلا ان عبارة الحديث لا تساعده في هذا الوجه فان ظاهرها التسليم على اليسار إذا كان الحائط على اليمين واما ما ذكره الشهيد في الذكرى - حيث قال بعد النقل عن ابني بابويه انهما جعلا الحائط على يسار المصلي كافيا في استحباب التسليمتين: ولا بأس باتباعهما لانهما جليلان لا يقولان إلا عن ثبت - فلا يخفى ما فيه على الحاذق النبيه (اما اولا) فلان الاحكام الشرعية لا يجوز الاعتماد فيها على مجرد القول ما لم يعلم دليله إلا ان يكون مقلدا عاجزا عن استنباط الادلة وتحصيلها ومرتبته (قدس سره) اجل من ذلك، وقول الصدوقين باي حكم من الاحكام لدليل اطلعا عليه ولم يصل الينا ولم نقف عليه لا يجوز لنا متابقتهما إلا على ما عرفت من التقليد، وبالجملة فان الفقيه مكلف من الله عزوجل بالعمل بما ثبت


[ 498 ]

عنده من الدليل ومنهى عن القول على الله بغير دليل في واجب كان أو مستحب أو محرم أو مكروه. نعم يمكن حمل كلامه على اتباعهما في العمل بذلك دون الافتاء به إلا ان فيه ايضا ما سيأتي. و (اما ثانيا) - فلما ظهر لشيخنا الصدوق في جملة من المواضع من الاوهام التي تفرد بها وربما شنع بها على من لم يوافقه عليها اتم التشنيع مع انه لم يوافقه عليها احد من الاصحاب، ومنها - وجوب تأخير خطبتي الجمعة، ونحو ذلك مما يقف عليه المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير. و (اما ثالثا) - فان الظاهر ان مستنده في هذا الكلام وما تضمنه من الاحكام انما هو هذا الخبر وهو - كما ترى - لا ينطبق على ما ذكره في هذا الموضع. والله العالم.

(الثاني) - قد اشرنا في ما تقدم في صدر الموضع الثالث الى ان الجعفي وصاحب كنز العرفان ذهبا الى وجوب " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ". قال في كنز العرفان في تفسير قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (1): استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره: شئ من التسليم واجب ولا شئ منه في غير التشهد بواجب فيكون وجوبه في الصلاة وهو المطلوب، اما الصغرى فلقوله " سلموا " الدال على الوجوب واما الكبرى فللاجماع وفيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد، سلمنا لكنه سلام على النبي (صلى الله عليه وآله) لسياق الكلام وقضية العطف وانتم لا تقولون انه المخرج من الصلاة بل المخرج غيره. ثم قال واستدل بعض شيوخنا المعاصرين على انه يجب اضافة " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته " الى التشهد الاخير بالتقريب المتقدم. قيل عليه انه خرق للاجماع لنقل العلامة الاجماع على استحبابه. ويمكن الجواب بمنع الاجماع على عدم وجوبه والاجماع المنقول على مشروعيته وراجحيته وهو اعم من الوجوب والندب. ثم قال وبالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب. واستدل ببعض الاخبار.


(1) سورة الاحزاب الآية 56


[ 499 ]

وقال الجعفي في الفاخر على ما نقله عنه في الذكرى، قال قال صاحب الفاخر: اقل المجزئ من عمل الصلاة في الفريضة تكبيرة الافتتاح وقراءة الفاتحة في الركعتين أو ثلاث تسبيحات والركوع والسجود وتكبيرة واحدة بين السجدتين والشهادة في الجلسة الاولى وفى الاخيرة الشهادتان والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) والتسليم و " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ". قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: وكلامه هذا يشتمل على اشياء لا تعد من المذهب: منها - التكبيرة الواحدة بين السجدتين، ومنها - القصر على الشهادة في الجلسة الاولى، ومنها - وجوب التسليم على النبي (صلى الله عليه وآله) واما البدل عن القراءة فيريد به مع الاضطرار، صرح بذلك في غير هذا الموضع. انتهى. اقول: لا يخفى ضعف هذا القول على من تأمل ما قدمناه من اخبار المسألة، ومنشأ الشبهة هو لفظ التسليم فيه وقد عرفت ان مساق الاخبار الواردة بالامر بالتسليم وانه مخرج وقاطع ونحو ذلك لا يتعلق بهذه الصيغة المذكورة، واخبار تخلل الحدث بعد التشهد (1) صريحة في صحة الصلاة، وحينئذ فاي دليل للوجوب على ذلك ؟

(الثالث) - قال شيخنا الشهيد في الذكرى - بعد البحث في المسألة ونقل عبارات جملة من الاصحاب والمناقشة في ما كان محلا للمناقشة عنده - ما لفظه: " اقول وبالله التوفيق: هذه المسألة من مهمات الصلاة وقد طال الكلام فيها ولزم منه امور ستة:

(الاول) القول بندبية التسليم بمعنييه كما هو مذهب اكثر القدماء، وينافيه تواتر النقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام) بقوله " السلام عليكم " من غير بيان ندبيته مع انه امتثال الامر الواجب، وقد روى الشيخ باسناده الى ابي بصير بطريق موثق (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل ان يتشهد رعف ؟ قال فليخرج فليغسل انفه ثم ليرجع فليتم صلاته فان


(1) التعليقة 1 ص 500 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم


[ 500 ]

آخر الصلاة التسليم " ومثله كثير وحمله الشيخ على الافضل، حتى ان قول سلف الامة " السلام عليكم " عقيب الصلاة داخل في ضروريات الدين وانما الشأن في الندبية أو الوجوب.

(الثاني) وجوب التسليم بمعنييه اما " السلام عليكم " فلاجماع الامة واما الصيغة الاخرى فلما مر من الاخبار التي لم ينكرها احد من الامامية مع كثرتها، لكنه لم يقل به احد في ما علمته.

(الثالث) وجوب " السلام علينا.. " عينا وقد تقدم القائل به، وفيه خروج عن الاجماع من حيث لا يشعر قائله.

(الرابع) وجوب " السلام عليكم " عينا لاجماع الامة على فعله، وينافيه ما دل على انقطاع الصلاة بالصيغة الاخرى مما لا سبيل الى رده فكيف يجب بعد الخروج من الصلاة ؟

(الخامس) وجوب الصيغتين تخييرا جمعا بين ما دل عليه اجماع الامة واخبار الامامية، وهو قوي متين إلا انه لا قائل به من القدماء وكيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا ؟

(السادس) وجوب " السلام عليكم " أو المنافي تخييرا وهو قول شنيع واشنع منه وجوب احدى الصيغتين أو المنافى. وبعد هذا كله فالاحتياط للدين الاتيان بالصيغتين جمعا بين القولين وليس ذلك بقادح في الصلاة بوجه من الوجوه بادأ ب‍ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " لا بالعكس فانه لم يأت به خبر منقول ولا مصنف مشهور سوى ما في بعض كتب المحقق (قدس سره) ويعتقد ندب " السلام علينا.. " ووجوب الصيغة الاخرى، وان ابي المصلي إلا احدى الصيغتين ف‍ " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " مخرجة بالاجماع. انتهى. وظاهره مؤذن بالتوقف في المسألة وانه انما صار الى ما صار إليه اخيرا اخذا بالاحتياط. وانت خبير بان ما ذكره اخيرا هو الحق المستفاد من اخبار المسألة وضم بعضها الى بعض كما تقدم تحقيقه، والاخبار الكثيرة التي اشار إليها بالنسبة الى " السلام علينا.. " غايتها - كما قدمنا تحقيقه - الدلالة على انقطاع الصلاة بعدها وهو لا يستلزم وجوبها. بوجه. واحاديث صحة الصلاة بتخلل الحدث بعد التشهد (1) اصرح صريح في استحبابها.


(1) الوسائل الباب 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة


[ 501 ]

واما صيغة " السلام عليكم " فالدليل على وجوبها بعد الاجماع المذكور استفاضة الاخبار بالامر بها كما تقدم بيانه. وما ذكره في الوجه الرابع من منافاة القول بوجوب " السلام عليكم " للاخبار الدالة على الانقطاع بالصيغة الاخرى انما يرد على القائلين بالجزئية كما تقدم واما من يقول بكونه واجبا خارجا فلا كما عرفت. واما الاشكال باخبار الحدث قبل التسليم (1) وجعل الحدث بذلك مخرجا فقد تقدم الجواب عنه.

(الرابع) - قيل ان الواجب على تقدير القول بوجوب التسليم هو " السلام عليكم " خاصة ونقل عن ابن بابويه وابن ابي عقيل وابن الجنيد، وقال أبو الصلاح يجب " السلام عليكم ورحمة الله " ونقل عن ابن زهرة وجوب " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " وقال العلامة في المنتهى: ولو قال " السلام عليكم ورحمة الله " جاز وان لم يقل " وبركاته " بغير الخلاف. اقول: لا يخفى ان الاخبار في ذلك مختلفة ايضا ففى صحيح ابن اذينة أو حسنه المتقدم ذكره في آخر فصل التشهد (2) ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما امره الله تعالى بالسلام على الملائكة والنبيين قال " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". وفى صحيح علي بن جعفر وهو الخبر الثالث من الاخبار المتقدمة (3) حكاية عن اخوته الذين منهم الامام (عليه السلام) " السلام عليكم ورحمة الله (4) ". وروى في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) قال: " فإذا قضيت التشهد فسلم عن يمينك وعن شمالك تقول " السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله " وظاهره استحباب المرتين للمنفرد ايضا.


(1) الوسائل الباب 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة (2) ص 456 (3) ص 491 (4) وردت الصيغة في الخبر المذكور مكررة كما تقدم في التعليقة (4) ص 491 (5) مستدرك الوسائل الباب 4 من التسليم


[ 502 ]

وفى الخبر السادس (1) من الاخبار المتقدمة ايضا " السلام عليكم " خاصة ومثله الخبر الثامن، ومثلهما ما تقدم في موثقة يونس بن يعقوب (2) الدالة علي انه نسى السلام على من خلفه حيث قال (عليه السلام) " ولو نسيت.. استقبلتهم بوجهك فقلت السلام عليكم " ومورد الجميع الامام الا ان الظاهر انه لا قائل بالفرق. وفي كتاب المقنع (3) بعد ذكر التسليمات المستحبة على النبي (صلى الله عليه وآله) والانبياء والرسل والملائكة: فإذا كنت اماما فسلم وقل (السلام عليكم) مرة واحدة وانت مستقبل القبلة وتميل بعينيك الى يمينك وان لم تكن اماما تميل بانفك الى يمينك، وان كنت خلف امام تأتم به فتسلم تجاه القبلة واحدة ردا على الامام وتسلم على يمينك واحدة وعلى يسارك واحدة.. الى آخره. وهو جار على ما تقدم نقله عن الفقيه. والظاهر من الجمع بين هذه الاخبار هو حمل ما زاد على " السلام عليكم " على الفضل والاستحباب كما هو مقتضى القول الاول من الاقوال المتقدمة، ويؤيده انه هو السلام المعهود المتكرر بين كافة الناس والسلام في الصلاة مأخوذ منه كما يشير إليه حديث عبد الله بن الفضل الهاشمي المتقدم في الموضع الاول (4) ونحوه حديث الفضل بن شاذان المذكور ثمة ايضا (5).

(الخامس) - قال في الذكرى: يستحب ان يقصد الامام التسليم على الانبياء والائمة (عليهم السلام) والحفظة والمأمومين لذكر اولئك وحضور هؤلاء والصيغة صيغة خطاب والمأموم يقصد باولى التسليمتين الرد على الامام، فيحتمل ان يكون على سبيل الوجوب لعموم قوله تعالى " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (6) ويحتمل ان يكون على سبيل الاستحباب لانه لا يقصد به التحية وانما الغرض منه الايذان بالانصراف


(1) ص 492 (2) ص 474 (3) مستدرك الوسائل الباب 2 من التسليم (4) ص 480 (5) ص 479 (6) سورة النساء، الآية 88


[ 503 ]

من الصلاة كما مر في خبر ابي بصير (1) وجاء في خبر عمار بن موسى (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التسليم ما هو ؟ فقال هو اذن " والوجهان ينسحبان في رد المأموم على مأموم آخر، وروى العامة عن سمرة (3) قال: " امرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان نسلم على انفسنا وان يسلم بعضنا على بعض " وعلى القول بوجوب الرد يكفي في القيام به واحد فيستحب للباقين، وإذا اقترن تسليم المأموم والامام اجزأ ولا رد هنا وكذلك إذا اقترن تسليم المأمومين لتكافؤهم في التحية. ويقصد المأموم بالثانية الانبياء والحفظلة والمأمومين. واما المنفرد فيقصد بتسليمه ذلك. ولو اضاف الجميع الى ذلك قصد الملائكة اجمعين ومن على الجانبين من مسلمي الجن والانس كان حسنا. وقال ابن بابويه يرد المأموم على الامام بواحدة ثم يسلم عن جانبيه تسليمتين. وكأنه يرى ان التسليمتن ليستا للرد بل هما عبادة محضة متعلقة بالصلاة ولما كان الرد واجبا في غير الصلاة لم يكف عنه تسليم الصلاة، وانما قدم الرد لانه واجب مضيق إذ هو حق لآدمي، والاصحاب يقولون ان التسليمة تؤدي وظيفتي الرد والتعبد به في الصلاة كما سبق مثله في اجتزاء العاطس في حال رفع رأسه من الركوع بالتحميد عن العطسة وعن وظيفة الصلاة. وهذا يتم حسنا على القول باستحباب التسليم واما على القول بوجوبه فظاهر الاصحاب ان الاولى من المأموم للرد على الامام والثانية للاخراج من الصلاة ولهذا احتاج الى تسليمتين. ويمكن ان يقال ليس استحباب التسليمتين في حقه لكون الاولى ردا والثانية مخرجة لانه إذا لم يكن على يساره احد اكتفى بالواحدة عن يمينه وكانت محصلة للرد والخروج من الصلاة وإنما شرعية الثانية ليعم السلام من على الجانبين لانه بصيغة الخطاب فإذا وجهه الى احد الجانبين اختص به وبقى الجانب الآخر بغير تسليم، ولما كان الامام غالبا ليس على جانبيه احد اختص بالواحدة وكذلك المنفرد، ولذا حكم ابن الجنيد بما تقدم


(1) ص 492 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم (3) تيسير الوصول ج 2 ص 241 و 242. ويأتى في الاستدراكات ما يتعلق بالمقام


[ 504 ]

من تسليم الامام إذا كان في صف عن جانبيه. انتهى كلامه (زيد مقامه). وهو جيد متين إلا ان للمناقشة في بعضه مجالا، ومنه - ما تأول به قول ابن بابويه بالتسليمات الثلاث للمأموم من قوله " وكأنه يرى.. الخ " فان فيه ان الظاهر ان ابن بابوية انما عول على الخبر الذي قدمنا نقله عنه من العلل، نعم ما ذكره يصلح وجه حكمة لما اشتمل عليه الخبر المشار إليه.

(السادس) - هل يجب نية الخروج على القول بوجوب التسليم ؟ الاظهر العدم لعدم الدليل على ذلك وبذلك صرح جملة من محققي متأخرى المتأخرين، وقال في المنتهى لم اجد لاصحابنا نصا فيه. وقال الشيخ في المبسوط ينبغي ان ينوي بها ذلك. وقال في الذكرى: ووجه الوجوب ان نظم السلام يناقض الصلاة في وضعه من حيث هو خطاب للآدميين ومن ثم تبطل الصلاة بفعله في اثنائها عامدا وإذا لم تقترن به نية تصرفه الى التحليل كان مناقضا للصلاة مبطلا لها. ووجه عدم الوجوب قضية الاصل، وان نية الصلاة اشتملت عليه وان كان مخرجا منها، ولان جميع العبادات لا تتوقف على نية الخروج بل الانفصال منها كاف في الخروج، ولان مناط النية الاقدام على الافعال لا الترك لها. انتهى. اقول: ان ما وجه به العدم من الوجوه المذكورة مضافا الى الاصل في غاية القوة والرزانة، وما وجه به الوجوب ضعيف سخيف لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، فانه وان كان كما ذكره من كونه خطابا للآدميين وانه تبطل الصلاة بفعله في الاثناء صحيحا إلا ان ذلك لا يستلزم نية التحليل به، إذ المفهوم من الاخبار المتقدمة ان الشارع قد جعله محللا بمعنى انه متى اتى به المكلف فقد تحلل من الصلاة قصد ذلك أو لم يقصده ونواه أو لم ينوه وتوقف التحليل به على امر وراء الاتيان به يحتاج الى دليل إذ لا يفهم من الاخبار امر وراء ذلك كما عرفت، مع ما عرفت في ما قدمناه في غير مقام من الاخبار الدالة على السكوت عما سكت الله عنه والابهام لما ابهمه الله والنهي عن تكلف


[ 505 ]

ذلك (1) وكلام شيخنا المذكور هنا مؤذن بالتوقف في المسألة لم يرجح شيئا من الوجهين.

(السابع) - هل يجوز الاكتفاء بقوله " سلام عليكم " ؟ صرح المحقق في المعتبر بذلك، قال لو قال " سلام عليكم " ناويا به الخروج فالاشبه انه يجزئ لانه يقع عليه اسم التسليم، ولانها كلمة وردت في القرآن صورتها (2). وفيه نظر (اما اولا) فلانه خلاف الوارد عن صاحب الشرع (صلى الله عليه وآله). قوله - " لانه يقع عليه اسم التسليم " - مردود بانه وان ورد الامر بالتسليم بقول مطلق في بعض الاخبار إلا ان اكثر الاخبار قد دلت على ان التلسيم انما هو بصيغة " السلام عليكم " كما عرفت من اخبار التحليل وغيرها مما صرح بهذه الصيغة، وحمل مطلق الاخبار على مقيدها يقتضي التخصيص بتلك الصيغة فلا يجزئ ما سواها. وبالجملة فانا لا نسلم وقوع التسليم الشرعي عليه. و (اما ثانيا) فان مجرد وروده في القرآن لا يجوز التعبد به في الصلاة ما لم يرد به نص على الخصوص لان العبادات توقيفية. وجميع ما ذكرناه بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء فيه.


(1) الشهاب في الحكم والآداب باب الالف المقطوع والموصول، والبحار ج 2 ص 272 من الطبع الحديث، وقد تقدم ما يتعلق بذلك في ج 1 ص 55. (2) سورة الانعام الآية 54 والاعراف الآية 44


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>