
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثامن
الفصل الثالث
في القيام
وفيه مسائل:
(الاولى) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان القيام ركن في الصلاة متى اخل به مع القدرة عمدا أو سهوا بطلت صلاته، قال في المعتبر وعليه أجماع العلماء. وفى تعيين الموضع الركنى منه اقوال: فنقل عن العلامة الحكم بركنيته كيف اتفق وفى المواضع التي لا تبطل بزيادته يكون مستثنى بالنص كغيره. وقيل ان الركن منه ما اتصل بالركوع. ولم نقف لهما على دليل. وقيل انه تابع لما وقع فيه ومنقسم بانقسامه في الركنية والوجوب والاستحباب. وهذا القول الاخير نقل عن شيخنا الشهيد (قدس سره) قال ان القيام بالنسبة الى الصلاة على انحاء: فالقيام في النية شرط كالنية، والقيام في التكبير تابع له في الركنية والقيام في القراءة واجب غير ركن، والقيام المتصل بالركوع ركن فلو ركع جالسا بطلت صلاته وان كان ناسيا، والقيام من الركوع واجب غير ركن إذ لو هوى من غير رفع وسجد ناسيا لم تبطل صلاته، والقيام في القنوت تابع له في الاستحباب. واستشكل ذلك المحقق الشيخ علي بان قيام القنوت متصل بقيام القراءة فهو في الحقيقة كله قيام واحد فكيف يتصف بعضه بالوجوب وبعضه بالاستحباب ؟ ورد بان مجرد اتصاله به مع وجود خواص الندب فيه لا يدل على الوجوب والحال انه ممتد يقبل الانقسام الى الواجب والندب.
[ 58 ]
واعترض بان القيام المتصل بالركوع هو بعينه القيام في القراءة إذ لا يجب قيام آخر بعدها قطعا فكيف يجتمع فيه الركنية وعدمها ؟ واجيب بانه لا يلزم من اتصاله بالركوع كونه للقراءة بل قد يتفق لا معها كناسي القراءة فان القيام كاف وان وجب سجود السهو، وكذا لو قرأ جالسا ناسيا ثم قام وركع تأدى الركن به من غير قراءة، وعلى تقدير القراءة فالركن منه هو الامر الكلي وهو ما صدق عليه اسم القيام متصلا بالركوع وما زاد على ذلك موصوف بالوجوب لا غير، وهذا كالوقوف بعرفة من حيث هو كلي ركن ومن حيث الاستيعاب واجب لا غير. واعترض ايضا بانه على تقدير اتصاله بالركوع لا يتصور زيادته ونقصانه لا غير حتى ينسب بطلان الصلاة إليه، فان الركوع ركن قطعا وهواما مزيد أو ناقص وكل منهما مبطل من جهة الركوع، فلا فائدة في اطلاق الركنية على القيام. واجيب بان استناد البطلان الى مجموع الامرين غير ضائر فان علل الشرع معرفات للاحكام لا علل عقلية فلا يضر اجتماعها. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروضة انه لا مستند للركنية في القيام إلا الاجماع ولولاه لامكن القدح في ركنيته لان زيادته ونقصانه لا يبطلان إلا مع اقترانه بالركوع ومعه يستغنى عن القيام لان الركوع كاف في البطلان. انتهى. وقال في الروض: وحيث قد نقل المصنف الاتفاق على ركنية القيام ولم تتحقق ركنيته إلا بمصاحبة الركوع خصت بذلك إذ لا يمكن القول بعد ذلك بانه غير ركن مطلقا لانه لا يصح خلاف الاجماع، بل لو قيل بان القيام ركن مطلقا امكن وعدم بطلان الصلاة بزيادة بعض افراده ونقصها لا يخرجه عن الركنية فان زيادته ونقصانه قد اغتفرا في مواضع كثيرة للنص فليكن هذا منها بل هو اقوى في وضوح النص. انتهى. اقول: والتحقيق في المقام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر (عليهم الصلاة
[ 59 ]
والسلام) ان يقال لا اشكال ولا ريب في ان القيام في الصلاة في الجملة مما دل على وجوبه الكتاب العزيز والسنة المطهرة. (اما الاول) فقوله عزوجل " الذين يذكرون الله قياما " (1) فروى الكليني في الحسن عن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في هذه الآية قال " الصحيح يصلي قائما، وقعودا المريض يصلي جالسا، وعلى جنوبهم الذي يكون اضعف من المريض الذي يصلي جالسا ". وروى العياشي في تفسيره عن ابى حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول في قول الله تعالى الذين يذكرون الله... (4) قياما الاصحاء وقعودا يعني المرضى وعلى جنوبهم قال اعل ممن يصلي جالسا واوجع ". وفي تفسير النعماني بسنده عن علي (عليه السلام) (5) في حديث قال فيه: " واما الرخصة فهي الاطلاق بعد النهى... الى ان قال ومثله قوله عزوجل فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم (6) ومعنى الآية ان الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي قاعدا ومن لم يقدر ان يصلي قاعدا صلى مضطجعا ويومئ ايماء. فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة ". و (اما الثاني) فمنه ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة (7) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: وقم منتصبا فان رسول لله (صلى الله عليه وآله) قال من لم يقم صلبه فلا صلاة له " ورواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة مثله (8). وروى في الكافي في الصحيح عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (9)
(1) و (4) سورة آل عمران، الآية 188 (2) و (5) الوسائل الباب 1 من القيام (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام (6) سورة النساء الآية 104 (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 2 من القيام
[ 60 ]
قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له " ورواه البرقي في المحاسن عن ابي بصير مثله (1). وظاهر هذين الخبرين الركنية لدلالتمها على وجوب الانتصاب في الصلاة بلا انحناء ولا انخناس فان الصلب هو عظم من الكاهل الى العجب وهو اصل الذنب واقامته تستلزم الانتصاب فالاخلال بذلك عمدا أو سهوا موجب لبطلان الصلاة (ولو قيل) ان لفظ " لا صلاة له " قد استعمل كثيرا في نفي الكمال دون نفي الصحة (قلنا) لاريب ان هذا الاستعمال مجاز خلاف حقيقة اللفظ المذكور، وقيام الدليل على المجاز في تلك المواضع لا يستلزم الخروج عن الحقيقة مطلقا بل الواجب حمل اللفظ على حقيقته الى ان يقوم صارف عن ذلك، سيما مع تأكد هذين الخبرين بالاخبار الكثرة الدالة على وجوب القيام كما ستعرف ان شاء الله تعالى. نعم يبقي الكلام في انه من المعلوم ان القيام ليس بركن في جميع الحالات لان من نسى القراءة أو ابعاضها أو جلس في موضع القيام لا يجب عليه اعادة الصلاة، ومن جلس في موضع قيام ساهيا أو زاده ساهيا لا تبطل صلاته، وحينئذ فيمكن ان يقال بتخصيص الركن بما قارن الركوع خاصة وهو الامر الكلي منه كما تقدم، ويجاب عن الايراد بامكان استناد البطلان الى الركوع بالجواب المتقدم من جواز الاستناد اليهما معا. ويمكن ان يقال ان القيام كيف اتفق ركن وعدم البطلان بزيادته ونقصانه مستثنى بالنص، فانه مع تصريحهم بل اتفاقهم على ركنية الركوع قد استثنوا مواضع منه لقيام الدليل عليها، كما لو سبق المأموم امامه سهوا بالركوع ثم تبين له انه لم يركع بعد فانه يعود ويركع معه ونحو ذلك مما يأتي ان شاء الله تعالى. أو يقال بالتفصيل الذي ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره). وبالجملة فالمفهوم من الادلة كما ذكرناه هو الركنية في الجملة واما تعيين موضع الركن منه فغير معلوم.
(1) الوسائل الباب 2 من القيام
[ 61 ]
والحق في المقام ان يقال لا ريب ان تسميتهم هذه الاشياء بالاركان وتفسيرهم الركن بانه ما تبطل به الصلاة عمدا وسهوا والواجب ما تبطل به عمدا لاسهوا انما هو امر اصطلاحي لا اثر له في النصوص مع انخرام هذه القاعدة عليهم في كثير من المواضع كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى، فالواجب الوقوف في جزئيات الاحكام على النصوص الواردة في كل منها بالعموم أو الخصوص والغاء هذه القاعدة التي لا ثمرة لها ولا فائدة. والله العالم.
(المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الاستقلال في القيام بمعنى ان لا يستند الى شئ بحيث لو ازيل السناد سقط، ونقل عن ابي الصلاح انه ذهب الى جواز الاستناد على الوجه المذكور وان كان مكروها. استدل القائلون بالقول المشهور بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تمسك بخمرك وانت تصلي ولا تستند الى جدار إلا ان تكون مريضا " والخمر بالخاء المعجمة والميم المفتوحتين ما وراءك من شجر ونحوه. واضافوا الى ذلك ان ذلك هو المتبادر من معنى القيام ودليل التأسي، وصحيحة حماد بن عيسى المتقدمة في تعليم الصادق (عليه السلام) الصلاة. والذي يدل على القول الثاني ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يستند الى حائط المسجد وهو يصلي أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة ؟ فقال لا بأس. وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاوليين هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة ؟ قال لا بأس به ". وما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3)
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من القيام
[ 62 ]
قال:، سألته عن الرجل يصلي متوكأ على عصا أو على حائط ؟ فقال لا بأس بالتوكؤ على عصا والاتكاء على الحائط ". وعن سعيد بن يسار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التكأة في الصلاة على الحائط يمينا وشمالا فقال لا بأس ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان من ذهب الى القول الاول حمل هذه الاخبار على الاستناد الذي لا يكون فيه اعتماد محتجين بان الاستناد والاتكاء في تلك الاخبار اعم مما فيه اعتماد اولا اعتماد فيه فيحمل على مالا اعتماد فيه جمعا بين الاخبار. ومن ذهب الى العمل بهذه الروايات الاخيرة حمل صحيحة عبد الله بن سنان على الكراهة. والظاهر هو الثاني ويؤيد حمل الاستناد في تلك الاخبار على ما فيه اعتماد قوله في صحيحة علي ابن جعفر " من غير مرض ولا علة " فان من شأن المريض والعليل الاعتماد لمزيد الضعف كما لا يخفى. ويؤيده باوضح تأييد لا يخفى على جملة الانام فضلا عن ذوي الاحلام والافهام - وان لم يتنبه له احد من علمائنا الاعلام - ان الاتكاء لغة يطلق على ما فيه اعتماد، قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: اتكأ وزن افتعل ويستعمل بمعنيين احدهما الجلوس مع التمكن والثانى القعود مع تمايل متعمدا على احد الجانبين، صرح بذلك في مادة " تكأ " وقال ايضا في مادة " وكأ " وتوكأ على عصاه اعمتد عليها، الى ان قال قال ابن الاثير والعامة لا تعرف الاتكاء إلا الميل في القعود متعمدا على احد الشقين وهو يستعمل في المعنيين جميعا، يقال اتكأ إذا اسند ظهره أو جنبه الى شئ متعمدا عليه وكل من اعتمد على شئ فقد اتكأ عليه. انتهى. وحينئذ فمتى كان الاتكاء حقيقة في الاعتماد فالواجب الحمل عليه حتى تقوم قرينة المجاز الموجبة للخروج عنه، ومجرد وجود الخبر الدال على خلاف ذلك ليس من قرائن
(1) الوسائل الباب 10 من القيام
[ 63 ]
المجاز الموجب لحمل هذه الاخبار على خلاف معناها، وحينئذ فدعوى انه اعم مما فيه اعتماد اولا اعتماد فيه كما بنى عليه جوابهم عن تلك الاخبار ممنوعة لما عرفت من كلام اهل اللغة، وعلى هذا فالواجب في مقام التعارض الرجوع الى المرجحات ولا ريب انها في جانب هذه الروايات الثلاث فيجب جعل التأويل في تلك الرواية كما تقدم.
فروع:
(الاول) - قد صرح جمع من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك بوجوب الاعتماد على الرجلين معا في القيام ولم اقف له على دليل، والفاضل الخراساني في الذخيرة انما استند في ذلك الى كونه المتبادر من الامر بالقيام منتصبا. وفيه منع ظاهر وعلله في الذكرى بعدم الاستقرار وللتأسي بصاحب الشرع. وفيه منع ايضا فان الاستقرار لا يتوقف على الاعتماد عليهما معابل يحصل الاستقرار بالاعتماد على واحدة. واما التأسي فقد صرحوا في الاصول بانه لا يجوز ان يكون دليلا للوجوب فان فعلهم (عليهم السلام) اعم من ذلك، مع انه قد روى الكليني في الصحيح عن محمد بن ابي حمزة عن ابيه (1) قال: " رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) في فناء الكعبة في الليل وهو يصلي فاطال القيام حتى جعل يتوكأ مرة على رجله اليمنى ومرة اخرى على رجله اليسرى... الحديث " وهو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ذكرناه ولا معارض له سوى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة. ثم انه لا يخفى ايضا حصول المدافعة بين القول بوجوب الاعتماد على الرجلين وبين القول بجواز الاعتماد اختيارا على الحائط ونحوه كما ذهب إليه في المدارك وكذا غيره ممن اختار القول بالجواز هناك واوجب الاعتماد على الرجلين هنا، فانهم قد فسروا الاعتماد ثمة بانه لو سقط السناد سقط المصلى ومن الظاهر في هذه الحال انه لا اعتماد على الرجلين. وايجابهم الاعتماد على الرجلين في القيام هنا لم يقيدوه بمادة مخصوصة بل ظاهرهم انه من
(1) الوسائل الباب 3 من القيام
[ 64 ]
جملة واجبات الصلاة مطلقا. وبالجملة فان التناقض بين القولين ظاهر كما ترى. نعم لو رفع احدى رجليه من الارض بالكلية وانما وضع واحدة واعتمد عليها فلا اشكال في البطلان لوقوعه على خلاف الوجه المتلقى من صاحب الشريعة امرا وفعلا إلا انه روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم ورفع احدى رجليه حتى انزل الله تعالى: طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى (2) فوضعها ". والواجب حمله على النسخ بالآية المذكورة المصرحة بالنهي والاخبار الدالة على القيام على القدمين، قال امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) (3) روى " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يرفع احدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فانزل الله تعالى الآية فوضعها " قال وروى ذلك عن ابي عبد الله (عليه السلام) ولعله اشار الى هذه الرواية وقد روى ايضا في تفسير الآية المذكورة (4) " انه (صلى الله عليه وآله) كان يقوم على اصابع رجليه في الصلاة حتى تورمت فانزل الله تعالى عليه طه - بلغة طى يا محمد (صلى الله عليه وآله) - ما انزلنا عليك القرآن لتشقى ". ويمكن ان يكون الصلاة كانت مشروعة على هذه الكيفيات ثم نسخ ذلك فوجب الاعتماد على الرجلين معا كما عليه اتفاق الاصحاب وغيرهم. والله العالم.
(الثاني) - لو اخل بالاستقلال على تقدير القول المشهور فالظاهر من كلام الاصحاب بطلان الصلاة لو تعمد ذلك للنهي عن الصلاة كذلك والنهي في العبادة موجب للبطلان. ويمكن ان يقال ان النهى انما هو عن الاستناد وهو امر خارج عن الصلاة وان كان مقارنا لها فلا يلزم من النهى عنه النهى عن الصلاة، فغاية ما يلزم من ذلك
(1) و (4) الوسائل الباب 3 من القيام (2) سورة طه الآية 1 (3) مجمع البيان ج 4 ص 2
[ 65 ]
الاثم خاصة وتصح صلاته نظير ما تقدم من البحث في الصلاة في الثوب والمكان المغصوبين واما ما اطال به في الذخيرة من الاستدلال على البطلان فظني انه لا يرجع الى طائل. وكيف كان فلا ريب ان الاحتياط في ما ذكروه. واما مع النسيان فالظاهر الصحة كما صرح به جملة من الاصحاب ايضا.
(الثالث) - يجب مع الاستقلال نصب فقار الظهر بفتح الفاء وهو عظامه المنتظمة في النخاع التي تسمى خرز الظهر جمع فقرة بكسرها، ويحصل الاخلال بذلك بالانحناء والميل الى اليمين واليسار على وجه لا يعد منتصبا عرفا. ويدل على ذلك ما تقدم في خبر حماد من قوله " فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا " وقد تقدم ان معنى الانتصاب اقامة الصلب، وان " من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (1) وعدم اقامة الصلب يحصل بالميل الى احد الجانبين على الوجه المتقدم أو الانحناء أو الانخناس. والظاهر انه لا يخل بالانتصاب اطراق الرأس وان كان الافضل اقامة النحر كما تقدم (2) في مرسلة حريز من قوله (عليه السلام) في تفسير قوله عزوجل " فصل لربك وانحر " (3) " النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره ". ونقل عن ابي الصلاح استحباب ارسال الذقن الى الصدر. ويرد بعدم المستند بل هذا الخبر - كما ترى - ظاهر في رده.
(الرابع) - قد صرح جملة من الاصحاب بانه لا يجوز تباعد ما بين الرجلين بما يخرج عن حد القيام. والظاهر ان مستندهم في ذلك العرف فان من افحش في التباعد بينهما لا يعد قائما عرفا. اقول: المفهوم من الاخبار كما تقدم في شرح صحيحة حماد ان نهاية التباعد بينهما الى قدر شبر والاحتياط يقتضي ان لا يزيد على ذلك فانه من المحتمل قريبا ان يكون
(1) الوسائل الباب 2 من القيام (2) ص 45 (3) سورة الكوثر، الآية 2
[ 66 ]
هذا غاية الرخصة في النباعد بينهما ويقين البراءة يقتضي الوقوف على ذلك.
(الخامس) - الظاهر انه لا اشكال في جواز الاستعانة في حال النهوض والاعتماد على شئ ينهض به كما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. ونقل عن بعض المتأخرين - والظاهر انه المحقق الثاني في شرح القواعد انه جعل حكمه حكم الاستناد في حال القيام، وفيه انه لا دليل عليه بل الدليل كما ترى واضح في خلافه.
(المسألة الثالثة) - لو عجز عن القيام على الوجه المتقدم فان امكن الصلاة قائما معتمدا في جميعها أو بعضها أو كيف امكن وجب اولا فان عجز عن ذلك انتقل الى الجلوس.
وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
(الاول) الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو امكنه القيام ولو في بعض الصلاة وجب ان يقوم بقدر المسكنة منتصبا أو منحنيا مستقلا أو متعمدا ولو مع تعذر الركوع والسجود فانه يجب عليه القيام في موضعه وان اومأ للركوع وكذا للسجود بعد الجلوس إذ لا يسقط وجوب احدهما مع امكانه بتعذر الآخر ويدل على بعض هذه الاحكام ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن جميل (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يصلي صاحبه قاعدا ؟ فقال ان الرجل ليوعك ويحرج ولكنه اعلم بنفسه إذا قوى فليقم ". وايده بعضهم بقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " وقوله (عليه السلام) (3) " لا يسقط الميسور بالمعسور ". وما ذكرناه - من انه مع امكان القيام وتعذر الركوع والسجود فانه يؤمى للركوع قائما وللسجود جالسا قد ادعى عليه في المنتهى الاجماع. وعلى هذا لو قدر على الجلوس والانحناء للركوع والسجود ولم يقدر عليه قائما
(1) الوسائل الباب 6 من القيام (2) صحيح مسلم ج 1 ص 513 والنسائي ج 2 ص 1 (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 67 ]
اومأ في حال القيام ولا ينتقل الى الجلوس في الركوع. ويمكن ان يقال انه يجلس في الصورة المذكورة ويأتي بالركوع الذي هو الانحناء لان الركوع قد وردت به الآية وهو عبارة عن مطلق الانحناء ولا تخصيص فيه بكون الانحناء في حال القيام، قال في القاموس وكل شئ يخفض رأسه فهو راكع. وعلى هذا يكون الانحناء واجبا كما ان القيام واجب وحينئذ فيأتي بالقيام في موضعه فإذا اراد الركوع جلس وركع جالسا. وهذا هو الاوفق بالاصول والقواعد المقررة عندهم إلا ان المشهور هو الاول بل ظاهرهم كما عرفت الاتفاق عليه.
(الثاني) - لو عجز بالكلية ولو على بعض الوجوه المتقدمة انتقل الى الجلوس وهو اجماعي، نقل الاجماع على ذلك غير واحد: منهم - المحقق والعلامة. وتدل عليه الاخبار الكثيرة، ومنها صحيحة جميل المتقدمة قريبا وحسنة ابي حمزة المتقدمة في المسألة الاولى. وما رواه الشيخ عن محمد بن ابراهيم عن من اخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على القيام صلى جالسا " واسنده في الفقيه الى الصادق (عليه السلام) (2). ونقل مرسلا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال " المريض يصلى قائما فان لم يستطع صلى جالسا " الى غير ذلك من الاخبار. وانما الخلاف بين الاصحاب في حد العجز المسوغ للقعود فالمشهور ان حده العجز عن القيام اصلا وهو مستند الى علمه بنفسه " بل الانسان على نفسه بصيرة " (4) ونقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) ان حد العجز الذي ينتقل معه الى الجلوس ان لا يتمكن من المشي بمقدار زمان الصلاة. واستدل على القول المشهور بما تقدم من صحيحة جميل، وما رواه الشيخ في
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) سورة القيامة، الآية 14
[ 68 ]
الصحيح عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن من اخبره عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " انه سئل ما حد المرض " وروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة (2) قال: " كتبت الى ابي عبد الله (عليه السلام) اسأله ما حد المرض الذي يفطر فيه صاحبه والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائما ؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة (3) ذاك إليه هو اعلم بنفسه ". والتقريب فيها انه لو كان للعجز حد معين كما هو مقتضى القول الثاني لبينه (عليه السلام) في الجواب ولم يجلعه راجعا الى العم بنفسه الذي هو عبارة عن القدرة على القيام وعدمها كما هو الظاهر. ونحوه ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن حد المرض الذي يفطر فيه الصائم ويدع الصلاة من قيام ؟ فقال: بل الانسان على نفسه بصيرة (5) وهو اعلم بما يطيقه ". ويدل على ما نقل عن الشيخ المذكور ما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي (6) قال: " قال الفقيه المريض انما يصلى قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها ان يمشي مقدار صلاته الى ان يفرغ قائما ". وردها في المدارك (اولا) بضعف السند بجهالة الراوي. و (ثانيا) بان ما تضمنته من التحديد غير مطابق للاعتبار فان المصلي قد يتمكن ان يقوم بمقدار صلاته ولا يتمكن من المشي بمقدار زمانها وقد يتمكن من المشي ولا يتمكن من الوقوف، قال وربما كان ذلك كناية عن العجز عن القيام. انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) من الطعن في الخبر بالضعف ورميه له من البين قد عرفت ما فيه (اولا) فيما تقدم من ان هذا الايراد غير وارد على المتقدمين الذين
(1) و (2) و (4) و (6) الوسائل الباب 6 من القيام (3) و (5) سورة القيامة، الآية 14
[ 69 ]
لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم ولا غيرهم ممن لا يرى العمل به ايضا. و (ثانيا) ان ما ذكره من رد الخبر هنا ايضا من متفرداته وان تبعه فيه من تبعه فان جملة ارباب هذا الاصطلاح من المتأخرين قد عملوا بالخبر وفزعوا عليه كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. وفى الذكرى بعد ان اختار القول المشهور عملا بالاخبار المتقدمة حمل رواية المروزي على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما ثم قال: فرع لو قدر على القيام ولم يقدر على المشي وجب. ولو عجز عن القيام مستقرا وقدر على القيام ماشيا أو مضطربا من غير معاون ففي ترجيحه على القيام ساكنا بمعاون أو على القعود لو تعذر المعاون نظر اقربه ترجيحهما عليه، لان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. وقال الفاضل يجب المشي ولا يصلي قاعدا. انتهى. وما اختاره من تقديم الصلاة جالسا هو ظاهر المحقق الشيخ علي ايضا في شرح القواعد مستندا الى ان الطمأنينة اقرب الى حال الصلاة من الاضطراب عرفا وشرعا والخشوع الذي هو روح العبادة بها يتحقق. وفيه ان الاعتماد في تأسيس حكم شرعي على مثل هذه التعليلات مشكل كما اشرنا إليه في غير موضع. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: ولا يعتبر القدرة على المشي بل لو أمكن القيام من دونه وجب لانه المقصود الذاتي، وربما قيل باشتراطه لرواية سليمان المروزي عن الكاظم (عليه السلام) (1) " المريض انما يصلي قاعدا إذا صارالى الحال التي لا يقدر فيها على المشي مقدار صلاته " وحملها الشهيد على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما. وفيه نظر لانه تخصيص للعام من غير ضرورة، مع ان الرواية تدل على ان من قدر على القيام ماشيا لا يصلي جالسا بمعنى ان القيام غير مستقر مرجح على القعود مستقرا وهو اختيار المصنف، فلا يحتاج الى تكلف
(1) الوسائل الباب 6 من القيام
[ 70 ]
البحث عن التلازم بين القيام والمشي غالبا. ورجح في الذكرى الجلوس في هذه الصورة محتجا بان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. والخبر حجة عليه وكون الاستقرار واجبا في القيام لا يستلزم تقديم الجلوس على القيام بدونه فان المشي يرفع وصف القيام وهو الاستقرار والجلوس يرفع اصله وفوات الوصف خاصة اولى من فوات الموصوف، ومن ثم اتفق الجماعة على ان من قدر على القيام معتمدا على شئ وجب مقدما على الجلوس مع فوات وصف القيام وهو الاستقلال. نعم بالغ المصنف فرجح القيام ماشيا مستقلا عليه مع المعاون. ويضعف بان الفائت على كل تقدير وصف من القيام احدهما الاستقرار والآخر الاستقلال فلا وجه لترجيح الثاني، نعم يتجه ترجيح الاول لما تقدم في حجة ترجيح القعود على المشي إذ لا معارض لها هنا، ولانه اقرب الى هيئة المصلى، فظهر من ذلك ان التفصيل اجود من اطلاق المصنف ترجيح المشي عليهما واطلاق الشهيد القول بترجيحهما عليه. انتهى. وهو جيد وانما نقلناه بطوله لجودة محصوله واحاطته باطراف الكلام في المقام. إلا ان فيه ان ما ذكره من كون الاستقرار وصفا للقيام... الى آخر ما فرعه على ذلك يمكن خدشه بان الظاهر ان الاستقرار ليس من اوصاف القيام بل هو وصف من اوصاف المصلي معتبر في صحة صلاته قائما كان أو قاعدا مع الامكان فترجيح القيام عليه يحتاج الى دليل، ولانه يجتمع هو وضده مع القيام والقعود فلا اختصاص له بالقيام. نعم جوابه يصلح الزاما للشهيد حيث ان ظاهره ذلك واما في التحقيق فلا، وعلى هذا فالاولى الرجوع الى دلالة الخبر على الحكم المذكور من تقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا. اقول: والحق ان الخبر المذكور محتمل لمعنيين (احدهما) ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى من ان من يقدر على المشي بقدر الصلاة يقدر على الصلاة غالبا، وعلى هذا فلا يكون في الخبر منافاة للقول المشهور فان مرجعه الى انه انما يصلي قاعدا إذا لم يقدر
[ 71 ]
على القيام. و (ثانيهما) ما فهمه الاكثر من ان قدر على المشي مصليا ولم يقدر على القيام مستقرا فحكمه الصلاة ماشيا دون الصلاة جالسا، إلا ان الظاهر هو رجحان الاحتمال الثاني وبه يظهر قوة ما ذكره في الروض واختاره من القول بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا كما هو المنقول عن الشسخ المفيد (قدس سره) وهو اختيار العلامة ايضا على ما نقله عنه في الذكرى كما تقدم في الروض إلا انه بالغ في ذلك ايضا فقال بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة قائما معتمدا، والمشهور بين الاصحاب هو تقديم القيام مطلقا مستقلا أو معتمدا وانما الخلاف في ما لو تمكن من الصلاة ماشيا هل بقدم على الجلوس مستقرا ام لا ؟ ومن ذلك ظهر ان في المسألة اقوالا ثلاثة (احدها) ما ذهب إليه الشيخ المفيد وشيخنا الشهيد الثاني من انه متى قدر على الصلاة ماشيا بعد تعذر الصلاة قائما معتمدا فانه يقدمه على الجلوس. و (ثانيها) ما نقل عن العلامة من ترجيح الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا وقائما مستقرا متعمدا. و (ثالثها) ما ذكره في الذكرى من ترجيح القيام معتمدا مستقرا ثم الجلوس مستقرا على الصلاة ماشيا وهو عكس ما ذهب إليه العلامة.
(الثالث) - اعلم ان العجز المسوغ للقعود وكذا في سائر المراتب الآتية يتحقق بحصول الالم الشديد الذي لا يتحمل ولا يعتبر العجز الكلي، وبه صرح غير واحد من الاصحاب في جملة من الابواب، وهو المفهوم ايضا من ظاهر السنة والكتاب. وكما انه يجوز الانتقال الى المرتبة الدنيا مع العجز عن المرتبة العليا بحصول الالم الشديد كذلك يجوز الانتقال عنها باخبار الطبيب بالبرء في المرتبة الدنيا بعلاج ونحوه. كما يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الاطباء فيقولون نداويك شهرا أو اربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي ؟ فرخص في ذلك وقال فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه (2) ".
(1) الوسائل الباب 7 من القيام (2) سورة البقرة، الآية 168
[ 72 ]
وموثقة سماعة (1) قال: " سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينزع الماء منها فيستلقي على ظهره الايام الكثيرة اربعين يوما أو اقل أو اكثر فيمتنع من الصلاة الايام وهو على حال ؟ فقال لا بأس بذلك وليس شئ مما حرم الله إلا وقد احله الله لمن اضطر إليه ". وما رواه الحسين بن بسطام في كتاب طب الائمة بسنده عن عبد الله بن المغيرة عن نزيع المؤذن (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اريد ان اقدح عيني ؟ فقال استخر الله وافعل. فقلت هم يزعمون انه ينبغي للرجل ان ينام على ظهره كذاو كذا ولا يصلي قاعدا ؟ قال افعل ". قوله في الخبر الاول " كذلك يصلي " على الاستفهام بحذف الهمزة اي أكذلك يصلي ؟ وظاهر الاخبار جواز العمل بقول الاطباء في ترك القيام وان كانوا غير عدول بل فسقة أو كفارا، والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في هذا الحكم ولا غيره من الاحكام. قال العلامة في التذكرة: لو كان به رمد وهو قادر على القيام فقال العالم بالطب إذا صلى مستلقيا رجى له البرء جاز ذلك، وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال مالك والاوزاعي لا يجوز لان ابن عباس لم يرخص له الصحابة في الصلاة مستلقيا (3) انتهى وظاهره ان الخلاف انما هو بين العامة دون الخاصة. وخبر ابن عباس المشار إليه في كلامه هو ما روى (4) من ان ابن عباس (رضي الله عنه) لما كف بصره اتاه رجل فقال له ان صبرت على سبعة ايام لا تصلي إلا مستلقيا داويت عينيك ورجوت ان تبرأ فارسل الى بعض الصحابة كأم سلمة وغيرها يستفتيهم في ذلك فقالوا لومت في هذه الايام ما الذي تصنع في الصلاة ؟ فترك المعالجة. اقول: والخبر المذكور عامي لا يعارض ما ذكرناه من اخبارهم (عليهم السلام) ومن البعيد بل الا بعد ان ابن عباس مع عدم علمه بالمسألة يستفتي الصحابة مع وجود الحسن والحسين
(1) و (2) الوسائل الباب 1 و 7 من القيام (3) و (4) المغنى ج 2 ص 147
[ 73 ]
(عليهما السلام) معه وهو عالم بامامتهما ووجوب الطاعة لهما.
(الرابع) - انه مع الانتقال الى القعود فانه لا يختص بكيفية وجوبا بل يجلس كيف اتفق، نعم يستحب له ان يتربع قارئا ويثنى رجليه راكعا ويتورك بين السجدتين وعند التشهد. وفسروا التربع هنا بان ينصب فخذيه وساقيه كهيئة جلوس المرأة في الصلاة وقد تقدم وجه الاشكال في هذه المسألة في الفوائد الملحقة بالاخبار المذكورة في صدر المقدمة الاولى من المقدمات المتقدمة في الباب الاول (1) وفسروا تثنية رجليه بان يفترشهما تحته ويجلس على صدورهما بغير اقعاء والذي وقفت عليه الاخبار الجارية في هذا المضمار ما رواه الشيخ عن حمران ابن اعين عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " كان ابي إذا صلى جالسا تربع فإذا ركع ثنى رجليه ". وما رواه الصدوق عن معاوية بن ميسرة (3) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) قال أيصلي الرجل وهو جالس متربع ومبسوط الرجلين ؟ فقال لا بأس بذلك " وما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن مغيرة وصفوان بن يحيى ومحمد بن ابي عمير عن اصحابهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الصلاة في المحل ؟ فقال صل متربعا وممدود الرجلين وكيف امكنك ". وما رواه في الكافي عن معاوية بن ميسرة (5) " ان سنانا سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه وهو جالس ؟ قال لا بأس. ولا اراه إلا قال في المعتل والمريض " قال الكليني وفي حديث آخر (6) يصلي متربعا ومادا رجليه كل ذلك واسع " وتمام الكلام في هذا المقام قد تقدم في الموضع المشار إليه آنفا.
(الخامس) - الظاهر انه لا خلاف في ان القاعد إذ تمكن من القيام للركوع فانه يجب عليه القيام ليركع عن قيام، لما تقدم من ان القيام المقارن للركوع ركن تبطل
(1) ج 6 ص 66 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من القيام
[ 74 ]
الصلاة بتركه عمدا أو سهوا وحينئذ فمع القدرة عليه يجب الاتيان به. والظاهر انه لا تجب الطمأنينة في هذا القيام لان وجوبها انما كان لاجل القراءة وقد اتى بها، قال في الذكرى: ولو خف بعد القراءة وجب القيام للركوع وهل تجب الطمأنينة في هذا القيام قبل الهوى ؟ قال الفاضل لا تجب بناء على ان القيام انما تجب الطمأنينة فيه لاجل القراءة وقد سقطت. ويحتمل الوجوب (اما اولا) فلضرورة كون الحركتين المتضادتين في الصعود والهبوط بينهما سكون فينبغي مراعاته ليتحقق الفصل بينهما. و (اما ثانيا) فلان ركوع القائم يجب ان يكون عن طمأنينة وهذا ركوع قائم. (واما ثالثا) فلان معه يتيقن الخروج عن العهدة. اقول: فيه ما عرفت في غير مقام من عدم صلاحية امثال هذه التخريجات لتأسيس حكم شرعي، ويزيده بيانا ان الاول من هذه التعليلات خارج عن محل البحث، فان الكلام في وجوب ذلك من حيث ترتب صحة الصلاة عليه لا من حيث حصول الفصل بين الحركتين المتضادتين. والثاني على تقدير تسليمه انما يثبت في صلاة القائم واما في صلاة الجالس فيحتاج الى دليل، وقياس احدهما على الآخر قياس مع الفارق لان الصورة المقاس عليها حال اختيار والمقيسة حال اضطرار. والثالث غاية ما يفيده الاولوية والاستحباب دون الوجوب لانه نوع احتياط. ثم قال في الذكرى: ولا يستحب اعادة القراءة هنا لعدم الامر بتكرارها في الركعة الواحدة وجوبا ولا ندبا. وهو جيد. ثم قال ولو خف في ركوعه قاعدا قبل الطمأنينة وجب اكماله بان يرتفع منحنيا الى حد الراكع وليس له الانتصاب لئلا يزيد ركوعا ثم يأتي بالذكر قائما لانه لم يكن اكمله، فان اجتزأنا بالتسبيحة الواحدة لم يجز البناء هنا لعدم سبق كلام تام إلا ان نقول هذا الفصل لا يقدح بالموالاة، وان اوجبنا التعدد اتى بما بقى قطعا. ولو خف بعد الطمأنينة قام للاعتدال من الركوع وجبت الطمأنينة في الاعتدال. ولو خف بعد الاعتدال من الركوع قبل الطمأنينة فيه قام ليطمئن. ولو خف بعد الطمأنينة في الاعتدال فالاقرب وجوب القيام ليسجد عن قيام كسجود القائم، وفي وجوب الطمأنينة في هذا القيام بعد إلا إذا
[ 75 ]
عللناه بتحصيل الفصل الظاهر بين الحركتين فتجب الطمأنينة. انتهى. وفى كثير من هذه المواضع اشكال لعدم الدليل الواضح فيها كما لا يخفى على المتأمل إلا انه يمكن اندراجها تحت القواعد المقررة في امثال هذه المقامات. والله العالم.
(المسألة الرابعة) - لو عجز عن القعود مستقلا فانه يقعد معتمدا أو منحنيا ومع العجز عن ذلك فانه يصلي مضطجعا مقدما للجانب الايمن على الايسر وقيل بالتخيير بينهما، ومع العجز عن الجانبين يصلي مستلقيا. وتفصيل هذه الجملة انه لا خلاف بينهم في انه لو عجز عن القعود بجميع وجوهه المتقدمة فانه ينتقل الى الاضطجاع، ويدل عليه زيادة على الاتفاق عدة من الروايات: منها - ما تقدم (1) من الروايات التي في تفسير قوله عزوجل: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ". ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزئ عنه ولن يكلف الله ما لا طاقة له به ". وعن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا كيف قدر صلى اما ان يوجه فيومئ ايماء، وقال يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جنبه الايمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر ان ينام على جنبه الايمن فكيف ما قدر فانه له جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماء ". وروى المحقق في المعتبر قال: " روى اصحابنا عن حماد (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جابنه الايمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر على جابنه الايمن فكيف ما قدر فانه
(1) ص 59 (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام
[ 76 ]
جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماء " وهذا الخبر نقله ايضا الشهيدان في الذكرى والروض. وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ان هذه الرواية رواية عمار المذكورة وان المحقق في المعتبر اسندها الى حماد وتبعه الشهيدان، حيث قال بعد موثقة عمار المذكورة: وفي متن هذه الرواية اضطراب ونقلها في المعتبر بوجه آخر وتبعه على ذلك الشهيدان وهو هذا " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده " وهي على هذا الوجه تسلم من الاضطراب واسندها الى حماد وهي كذلك في بعض نسخ التهذيب. انتهى وظني بعد ما تمحله وما ادري ما الحامل له على ذلك مع ان المحقق في المعتبر كثيرا ما ينقل اخبارا زائدة على ما في الكتب الاربعة من الاصول التي عنده. وما ذكره من التعلل بالاضطراب وانه برواية المحقق تسلم من الاضطراب فلا يخفى على المتتبع لروايات عمار ما في كثير منها من الغرائب والاضطراب كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم. ونسخ المعتبر وكذا كتابي الشهيدين متفقة على حماد دون عمار. وبالجملة فالظاهر عندي انها رواية مستقلة متنا وسندا. وروى الصدوق مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) قال: " قال رسول الله (صلى اله عليه وآله) المريض يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا فان لم يستطع صلى على جنبه الايمن فان لم يستطع صلى على جنبه الايسر فان لم يستطع استلقى واومأ ايماء وجعل وجهه نحو القبلة وجعل سجوده اخفض من ركوعه ". وروى في الكافي عن محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى قاعدا فان لم يقدر صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا اراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح ثم بفتح عينيه ويكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام. والرواية (2) جارية على الوافى دون الوسائل والكافي
[ 77 ]
عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف ". وروى في التهذيب بسنده عن محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) وراوه في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا فان يقدر على ذلك صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا اراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف ". وروى الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا عن عبد السلام بن صالح الهروي وبأسانيد ثلاثة اخرى عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لم يستطع الرجل ان يصلي قائما فليصل جالسا فان لم يستطع فليصل مستلقيا ناصبا رجليه حيال القبلة يومئ ايماء ". وقال في كتاب دعائم الاسلام (3) " وروينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن صلاة العليل فقال يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا.. الى ان قال فان لم يستطع ان يصلي جالسا صلى مضطجعا لجنبه الايمن ووجهه الى القبله فان لم يستطع ان يصلي على جنبه الايمن صلى مستلقيا ورجلاه مما بلي القبلة يومئ ايماء ". وبالجملة فان الاخبار وكلام الاصحاب متفق على الانتقال الى الاضطجاع بعد تعذر القعود وانما الخلاف في الموضعين المذكورين في كيفية الاضطجاع التي ينتقل إليها فظاهر الاخبار كما عرفت وظاهر كلام جملة من الاصحاب التخيير بين الاضطجاع على الجانب الايمن الجانب الايسر وبه صرح الشيخ في موضع من المبسوط وهو ظاهر
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام
[ 78 ]
المحقق في الشرائع والنافع والعلامة في الارشاد. وقال في المعتبر: ومن عجز عن القعود صلى مضطجعا على جانبه الايمن مومئا وهو مذهب علمائنا، ثم قال: وكذا لو عجز عن الصلاة على جانبه صلى مستلقيا. ولم يذكر الجانب الايسر، ونحوه في المنتهى. وظاهر هما تعيين الجانب الايمن خاصة. وقال العلامة في التذكرة بعد ان ذكر الاضطجاع على الجانب الايمن: ولو اضطجع على شقه الايسر مستقبلا فالوجه الجواز. وظاهره التخيير ايضا وبه قطع في النهاية لكنه قال ان الايمن افضل. وجزم الشهيد ومن تأخر عنه بوجوب تقديم الايمن على الايسر وهو الاظهر بحمل مطلق الاخبار على مقيدها، ويدل على ما قلناه صريحا مرسلة الصدوق عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ظاهر روايتي عمار وحماد المتقدمتين، ودعوى الاتحاد بعيد كما عرفت، والتقريب فيهما قوله (عليه السلام) " فان لم يقدر على جانبه الايمن فكيف ما قدر " وان كان يقتضي استواء الاستلقاء والاضطجاع على الايسر عند تعذر الايمن إلا ان قوله " ويستقبل بوجهه القبلة " يدل على الانتقال الى الايسر لان به يحصل الاستقبال بالوجه حقيقة دون الاستلقاء. واما ما في بقية رواية عمار من التهافت كما في كثير من رواياته فلا يضر بعد ظهور المطلوب منها. وبذلك يظهر ضعف القول بالتخيير استنادا الى اطلاق بعض اخبار المسألة، واضعف منه قوله من اقتصر على الجانب الايمن ثم الاستلقاء مع تعذره ولم يذكر الجانب الايسر كما هو ظاهر الفاضلين في المعتبر والمنتهى وان دل عليه الخبر المتقدم نقله عن كتاب دعائم الاسلام، إلا انه معارض بما نقلناه من الاخبار الثلاثة مضافا الى ما عرفت من عدم الاعتماد على اخبار الكتاب المذكور وان صلحت للتأييد. وبالجملة فان فيه الغاء لهذه الاخبار التي ذكرناها. بقى الكلام في الاخبار الدالة على الانتقال الى الاستلقاء بعد تعذر الجلوس،
[ 79 ]
قال في المعتبر بعد نقل رواية حماد المتقدمة: وفي رواية محمد بن ابراهيم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه، ثم قال وهذه تدل على انتقاله بعد العجز عن الصلاة قاعدا الى الاستلقاء لكن الرواية الاولى اشهر واظهر بين الاصحاب لانها مسندة وهذه مجهولة الراوي. وقال في المدارك: وربما وجد في بعضها انه ينتقل الى الاستلقاء بالعجز عن الجلوس وهو متروك. انتهى. وبالجملة فان هذه الاخبار لا قائل بها ويؤيد ضعفها والاعراض عنها انها مخالفة لظاهر الآية اعني قوله سبحانه " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (1) التي قدمنا تفسيرها بالاخبار الدالة على التفصيل بالصلاة قائما أو قاعدا ان ضعف عن القيام أو على الجنب ان ضعف عن القعود، ومن الظاهر عدم دخول المستلقى في ذلك. والاظهر حمل هذه الاخبار على التقية (2) كما صرح به شيخنا المجلسي في البحار وبذلك ايضا صرح الفاضل الخراساني في الذخيرة فقال بعد ذكر خبر عمار ومرسلة محمد ابن ابراهيم: والجمع بين الروايتين بحمل المرسلة المذكورة على التقية غير بعيد. انتهى وبذلك يظهر لك قوة ما اخترناه.
وتمام التحقيق في المقام يتوقف على بيان امور:
(الاول) المشهور انه يجب الايماء في حالتي الصلاة مضطجعا على جنبه أو مستلقيا بالرأس ان امكن وإلا فبالعينين لكل من الركوع والسجود.
(1) سورة آل عمران الآية 191 (2) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 605: فان عجز عن القعود يستلقى ويومئ ايماء.. الى ان قال وما ذكرناه هو المشهور من الروايات، ثم نقل رواية عن ابن عمر عن النبي (ص) تدل على ذلك وعلله بايماء المستلقى برأسه الى القبلة بخلاف ما إذا صلى على الجنب فانه ينحرف عنها ولا يجوز ذلك من غير ضرورة، ثم قال وروى عمران بن حفص قال: " مرضت فعادني رسول الله (ص) فقال صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنبك تومئ ايماء " وبه اخذ ابراهيم النخعي والشافعي.
[ 80 ]
ومتى كان الايماء بالرأس فليكن الايماء للسجود اخفض من الركوع كما تقدم في مرسلة الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله). وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " امير المؤمنين (عليه السلام) دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل من الانصار وقد شبكته الريح فقال يارسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف اصلي ؟ فقال ان استطعتم ان تجلسوه وإلا فوجهوه الى القبلة ومروه فليوم برأسه ايماء ويجعل السجود اخفض من الركوع وان كان لا يستطيع ان يقرأ فاقرأ واعنده واسمعوه ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود ؟ قال يومئ برأسه ايماء، وان يضع جبهته على الارض احب الي ". وروى في الفقيه والتهذيب عن ابراهيم بن ابي زياد الكرخي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شيخ كبير لا يستطع القيام الى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود ؟ فقال ليوم برأسه ايماء وان كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحوه القبلة ايماء.. الحديث ". واما انه مع العجز عن الايماء بالرأس فبالعينين وهو عبارة عن تغميضهما حال الركوع والسجود كما تقدم في مرسلة محمد بن ابراهيم برواية المشايخ الثلاثة (4) إلا ان موردها الاستلقاء ومورد الايماء بالرأس في الروايات المتقدمة الاضطجاع على احد الجانبين والاصحاب قد رتبوا بينهما في كل من الموضعين، والوقوف على ظاهر الاخبار اولى إلا مع عدم امكان الايماء بالرأس من المضطجع فانه لا مندوحة عن الانتقال الى الايماء بالعينين. ولعل الاخبار انما خرجت مخرج الغالب من ان النائم على احد جنبيه لا يصعب عليه الايماء برأسه والمستلقى لمزيد الضعف لا يمكنه الايماء بالرأس.
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من القيام (4) هكذا العبارة في النسخ
[ 81 ]
(الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو قدر المريض الذي فرضه الايماء بالرأس سواء كان جالسا أو مظطجعا على رفع موضع السجود والسجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود عليه شرعا وان تعذر بعض شروطه للضرورة، قال في المدارك: وانما يجزئ الايماء إذا لم يمكن ان يصير بصورة الساجد بان يجعل مسجده على شئ مرتفع يضع جبهته عليه. وقال في الذكرى: ولو امكن تقريب مسجد إليه ليضع عليه جبهته ويكون بصورة الساجد وجب. ويدل عليه رواية الكرخي المتقدمة وكذا صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة فان قوله (عليه السلام) " وان يضع جبهته على الارض " انما هو برفع ما يسجد عليه، فان مورد الخبر من تعذر عليه السجود وكان حكمه الايماء، والمراد بالارض شئ منها يرفع إليه وما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ ويومئ في النافلة ايماء ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال " سألته عن المريض فقال يسجد على الارض أو على المروحة أو على سواك يرفعه وهو افضل من الايماء، انما كره من كره السجود على المروحة من اجل الاوثان التي كانت تعبد من دون الله وانا لم نعبد غير الله عزوجل قط فاسجد على المروحة أو على عود أو على سواك " وعن ابي بصير (3) قال: " سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه ؟ قال لا إلا ان يكون مضطرا ليس عنده غيرها وليس شئ مما حرم الله إلا وقد احله لمن اضطر إليه ". (الثالث) - هل يجب ان يضع على جبهته شيئا حال الايماء أو يستحب ؟
(1) الوسائل الباب 14 من القبلة (2) الوسائل الباب 15 من ما يسجد عليه (3) الوسائل الباب 1 من القيام
[ 82 ]
قيل بالاول لظاهر ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) قال: " سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس ؟ قال فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزئ عنه ولن يكلف الله ما لا طاقة له به ". وما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الايماء كيف يصلي وهو مضطجع ؟ قال يرفع مروحة الى وجهه ويضع على جبينه ويكبر هو.. الحديث ". قال في الذكرى بعد نقل موثقة سماعة: قلت يمكن ان يراد به مع اعتماده على ذلك الشئ وهذا لا ريب في وجوبه، ويمكن ان يكون على الاطلاق اما مع الاعتماد فظاهر واما مع عدمه فلان السجود عبارة عن الانحناء وملاقاة الجبهة ما يصح السجود عليه باعتماد فإذا تعذر ذلك وملاقاة الجبهة ممكنة وجب تحصيله لان الميسور لا يسقط بالمعسور (3) فان قلنا به امكن انسحابه في المستلقى. انتهى. اقول: لا يخفى ان مورد الموثقة المذكورة وكذا الرواية الثانية انما هو وضع شئ على الجبهة لا وضع الجبهة على شي والاعتماد انما يتم مع الثاني لا الاول. وظاهر السيد في المدارك الاستحباب فانه قال بعد ان ذكر حسنة الحلبي المتقدمة المشتملة على قوله: " وان يضع جبهته على الارض احب الي " ما لفظه: ويستفاد من هذه الرواية استحباب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه حال الايماء، ويدل عليه ايضا صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية المتقدمة، ثم قال: وقيل بالوجوب لان السجود عبارة عن الانحناء، ثم ذكر تعليل الذكرى المتقدم ثم قال ويؤيده مضمرة سماعة، ثم قال وفى التعليل نظر وفى الرواية ضعف إلا ان العمل بما
(1) و (2) الوسائل الباب 1 من القيام (3) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على (ع)
[ 83 ]
تضمنته احوط. انتهى.
اقول: انت خبير بما ذكرناه ان الكلام هنا يقع في مقامين (احدهما) وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، و (الثاني) وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة كما اشرنا إليه في المقام من الصورتين المذكورتين، وان الصورة الاولى تتعين وتجب مع الامكان كما عرفت ومحل الخلاف انما هو الثانية، وحسنة الحلبي وصحيحة زرارة المذكورتان موردهما الصورة الاولى لا الثانية كما يظهر من كلامه غاية الامر انهما ليستا في الصراحة مثل رواية الكرخي وحسنة عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري. والظاهر ان السبب في حمله لهما على ما ذكره هو ما صرح به في صدر البحث كما قدمنا نقله عنه من انه متى امكن ان يرفع له شيئا يسجد عليه فلا يجوز له الايماء وهاتان الروايتان ربما ظهر منهما التخيير مع استحباب وضع الجبهة على الارض لقوله في الاولى " احب الي " وفى الثانية " وهو افضل من الايماء " وحينئذ فلا يصح حملهما على امكان رفع شئ يسجد عليه لان ذلك واجب البتة فيتعين حملهما على وضع شئ على الجبهة كما تضمنته موثقة سماعة. وفيه ان هذه العبارة كثيرا ما يرمى بها في مقام الوجوب كما قدمنا الاشارة إليه في مبحث الاوقات في معنى قولهم (عليهم السلام) (1) " ان الوقت الاول افضل " من انه لا يستلزم حصول فضل في الوقت الثاني، فمعنى كون الصلاة بهذه الكيفية احب إليه وافضل ليس على معنى التفضيل، وهو كثير في الكلام كقولهم " السيف امضى من العصا " وقوله تعالى: " ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة " (2) ولا ريب في كون الواجب احب وافضل. ويؤيد ما ذكرناه ان مورد الخبرين كما عرفت هو ان يضع جبهته على الارض ويسجد على الارض أو على مروحة أو سواك والوضع على الارض والسجود يقتضي
(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت (2) سورة الجمعة الآية 11
[ 84 ]
الاعتماد غالبا، لا انه يضع الارض أو المروحة والسواك على جبهته كما هو مدلول موثقة سماعة واحدهما غير الآخر. وبالجملة فالظاهر من الخبرين انما هو ما قلناه من جعلهما من ادلة المسألة التي لا خلاف فيها هو وجوب رفع ما يسجد عليه إذا امكن كما هو ظاهرهما، وما يتوهم من منافاة تلك العبارة فيندفع بما ذكرناه ومثله في الاخبار غير عزيز. واما ما ذكره في الذكرى في موثقة سماعة اولا من احتمال حملها على الاعتماد على ذلك الشئ فبعيد جدا كما عرفت وانما معناها الظاهر هو وضع شئ على الجبهة. بقى الكلام في توجيه وجوب ذلك بالتقريب الذي ذكره فانه محل اشكال لعدم ثبوت الخبر الذي ذكره، فانا لم نقف عليه مسندا في كتب الاخبار وانما يتناقله الفقهاء في كتب الفروع مع ما فيه من الاجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال. وبالجملة فالواجب من السجود يقينا هو الانحناء الى ان يضع جبهته على الارض باعتماد ومع تعذر هذه الكيفية فايجاب غيرها يحتاج الى دليل. نعم قام الدليل في صورة ما إذا امكن ان يرفع إليه شئ يسجد عليه كما قدمنا ذكره في الاخبار وبقي الباقي وبذلك يظهر حمل الرواية على الاستحباب. والله العالم.
(المسألة الخامسة) - قد صرح الاصحاب بانه لو تجدد عجز القائم قعد ولو تجددت قدرة العاجز عن القيام قام.
وتفصيل هذا الاجمال يقع في مقامين:
(الاول) - ان من كان يصلي قائما فتجدد له العجز عن القيام قعد ومن كان يصلي قاعدا فتجدد له العجز عن القعود اضطجع، وبالجملة فكل من تجدد له العجز في مرتبة عليا انتقل الى ادناها. ثم انه متى كان تجدد العجز قبل القراءة فانه يقرأ قاعدا وان كان في اثناء القراءة فلا اشكال في انه يبنى على ما اتى به من القراءة حال القيام. وانما الاشكال في انه هل يقرأ في حال الانتقال ام لا ؟ وجهان بل قولان،
[ 85 ]
ظاهر المشهور الاول وعللوه بالمحافظة على القراءة في المرتبة العليا مهما امكن لان حالة الهوى اعلى من حالة القعود فتكون اولى بالقراءة لكونها اقرب الى ما كان عليه. وقيل بالثاني لاشتراط القراءة بالطمأنينة والاستقرار فيترك القراءة الى ان يستقر. والشهيد قد وافق المشهور في سائر كتبه إلا انه استشكل في الذكرى فقال: ويقرأ في انتقاله الى ما هو ادنى لان تلك الحال اقرب الى ما كان عليه. ويشكل بان الاستقرار شرط مع القدرة ولم يحصل وتنبه عليه رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) " في المصلى يريد التقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم ثم يقرأ " وقد عمل الاصحاب بمضون الرواية. انتهى. واجاب في الروض عن ذلك بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار لا مطلقا وحصوله بعد الانتقال الى الادنى يوجب فوات الحالة العليا بالكلية وعلى تقدير القراءة يفوت الوصف خاصة وهو الاستقرار وفوات الوصف اولى من فوات الموصوف والصفة أو الموصف وحده، وقد تقدم الكلام على نظيره في ما لو تعارض الصلاة قائما غير مستقر وجالسا مستقرا. واما الرواية فعلى تقدير الالتفات إليها لا حجة فيها على محل النزاع بوجه لان الحالتين متساويتان في الاختيار بخلاف المتنازع. انتهى. اقول: لا ريب ان المسألة خالية من النص واثبات الاحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم، إلا انا نقول على سبيل المجاراة معهم بناء على قواعدهم ان قول شيخنا في الروض بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار صحيح، وهو هنا كذلك ايضا فان الاضطرار انما تعلق هنا بالانتقال من حال القيام الى حال القعود والشارع قد جعل القعود بمنزلة القيام، واما بالنسبة الى القراءة فالواجب ان يراعى فيها شرطها وهو الاستقرار والطمأنينة فينبغي ان يترك القراءة بعد الانتقال حتى يستقر جالسا. وما عللوا به الوجوب في حال الانتقال - من ان حال الهوى اعلى من حال
(1) الوسائل الباب 34 من القراءة
[ 86 ]
القعود فيكون اولى بالقراءة - عليل إذ الواجب عندنا في تأسيس الاحكام الشرعية هو الاعتماد على النصوص الجلية دون التخريجات العقلية. وما ذكره ههنا في كلامه على الشهيد من ان الاستقرار وصف للقراءة حسبما قدمه في المسألة التي اشار إليها قد بينا ضعفه في تلك المسألة وقلنا ان الاستقرار واجب من واجبات الصلاة ان قارن القراءة أو القيام ونحوهما قالوا: وان كان بعد الفراغ من القراءة ركع جالسا وان كان في اثناء الركوع فان كان بعد الذكر جلس مستقرا للفصل بينه وبين السجود بدلا عن القيام من الركوع وان لم يمكنه رفع رأسه في حالة هويه، ولو كان قبل الذكر ففي الركوع جالسا أو الاجتزاء بما حصل من الركوع وجهان مبنيان على ان الركوع هل يتحقق بمجرد الانحناء الى ان يصل كفاه ركبتيه والباقي من الطمأنينة والرفع افعال خارجة ؟ والاصح ان مسمى الركوع يتحقق بمجرد الانحناء المذكور فلا يركع جالسا مرة اخرى لئلا يلزم زيادة الركن، الى غير ذلك من الفروع التي رتبوها. وانما ذكرنا ما ذكرناه انموذجا من كلامهم ومن اراد مزيد تحقيق كلامهم والرجوع الى نقضهم في ذلك وإبرامهم فليرجع الى مطولاتهم (رضوان الله عليهم).
(الثاني) ان من كان يصلي قاعدا مثلا فتجددت له القدرة على القيام أو مضطجعا فتجددت له القدرة على الجلوس وهكذا من كان في حالة دنيا وقدر على حالة عليا، قالوا انه ينتقل إليها تاركا للقراءة ان كانت القدرة في اثنائها أو قبلها لانتقاله الى الحالة العليا ويبنى على ما قرأ في الحالة الدنيا، وقيل يجوز الاستئناف بل هو افضل لتقع القراءة متتالية في الحالة العليا. يشكل باستلزامه زيادة الواجب مع حصول الامتثال وسقوط الفرض بما اتى به اولا. ولو خف بعد القراءة وجب القيام للهوى للركوع ليركع عن قيام لما تقدم من ان القيام الركني انما يتحقق مع اتصاله بالركوع. اقول: وقد تقدم الكلام في وجوب الطمأنينة في هذا القيام وعدمه وان الاظهر
[ 87 ]
العدم وخالف في ذلك الشهيد في الذكرى وقد نقلنا كلامه وبينا ما فيه. قالوا: ولو خف في الركوع قبل الطمأنينة وجب اكماله بان يرتفع منحنيا الى حد الراكع وليس له الانتصاب لئلا يزيد ركنا ثم يأتي بالذكر الواجب من اوله وان كان قد اتى ببعضه بناء على الاجتزاء بالتسبيحة الواحدة فلا يجوز البناء على بعضها لعدم سبق كلام تام، ويحتمل ضعيفا البناء بناء على ان هذا الفصل يسير لا يقدح في الموالاة. ولو اوجبنا تعدد التسبيح وكان قد شرع فيه فان كان اثناء تسبيحة استأنفها كما مر وان كان بين تسبيحتين اتى بما بقى واحدة كان أو اثنتين. ولو خف بعد الذكر فقد تم ركوعه فيقوم معتدلا مطمئنا. ولو خف بعد الاعتدال من الركوع قام ليسجد عن قيام ثم ان لم يكن قد اطمأن وجبت في القيام وإلا كفى ما يتحقق به الفصل بين الحركتين المتضادتين. اقول: واكثر ما ذكروه في هذا المقام لا يخرج عن القواعد الشرعية والضوابط المرعية ولا بأس بالعمل به. والله العالم.
(المسألة السادسة) - من المستحبات في هذا المقام اما بالنسبة الى القائم فامور: (منها) ان يفرق الرجل بين قدميه من ثلاث اصابع الى شبر وقد تقدم الكلام في ذلك في البيان المتعلق برواية حماد في اول المقصد، واما المرأة فانها تجمع بين قدميها كما تقدم في رواية زرارة في الموضع المشار إليه. و (منها) ان يستقبل باصابع رجليه جميعا القبلة كما تضمنته رواية حماد المذكورة و (منها) ان يرسل يديه على فخذيه مضمومة الاصابع لقول حماد في خبره " فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم اصابعه... الحديث " وظاهره ضم الابهام الى الاصابع، وفى صحيح زرارة المتقدم ثمة " واسدل منكبيك وارسل يديك ولا تشبك اصابعك وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك " واما المرأة فانها تضم يديها الى صدرها لمكان ثدييها كما تقدم في رواية زرارة المشار إليها.
[ 88 ]
و (منها) اقامة نحره لما تقدم (1) في مرسلة حريز الواردة في تفسير قوله عزوجل " فصل لربك وانحر " قال: " النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه ونحره " ونقل عن ابي الصلاح انه يستحب ان يرسل ذقنه الى صدره حال القيام والخبر المذكور حجة عليه. و (منها) النظر الى موضع سجوده نظر تخشع وخضوع لا نظر تحديق إليه لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة في صدر المقصد، " وليكن نظرك الى موضع سجودك " وقوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) " ويكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما ". و (منها) ما ذكره الشهيد في النفلية وهو عدم التورك وهو الاعتماد على احدى الرجلين تارة وعلى الاخرى، وعد في الذكرى في المستحبات ان يثبت على قدميه ولا يتكئ مرة على هذه ومرة على الاخرى ولا يتقدم مرة ويتأخر اخرى قال قاله الجعفي. اقول: ويدل عليه قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " ولا تتكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى ". ثم انه لا يخفى انه قد تقدم ان مذهب الاصحاب وجوب الاعتماد على الرجلين وظاهره ان الاتكاء على احداهما مناف للاعتماد عليهما إذا الاتكاء هو الاعتماد لغة وعرفا، فكيف حكموا هنا بالكراهة ومقتضى ما ذكروه ثمة هو التحريم لا الكراهة ؟ مع انه قد تقدم خبر ابي حمزة الدال على ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يطول القيام يتوكأ مرة على رجله اليمنى ومرة على رجله اليسرى. و (منها) لزوم السمت الذي يتوجه إليه فلا يلتفت الى احد الجانبين لما روى عنه (صلى الله عليه وآله) (4) من قوله " اما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة ان يحول الله وجهه وجه حمار ؟ " قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية ووجه التخويف العظيم ان الغرض من الصلاة الالتفات الى الله تعالى والملتفت فيها يمينا وشمالا ملتفت عن الله وغافل
(1) ص 65 (2) و (3) ص 7 (4) البحار ج 18 الصلاة ص 201
[ 89 ]
عن مطالعة انوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك ان تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة غفله للامور العلوية وعدم اكرامه بشئ من العلوم والقرب من الله تعالى. و (منها) ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خبر ابان ومعاوية بن وهب وهو ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن ابان ومعاوية بن وهب (1) قالا " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت الى الصلاة فقل اللهم اني اقدم اليك محمدا (صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتى واتوجه به اليك فاجعلني به وجيها عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين واجعل صلاتي به مقبولة وذنبي به مغفورا ودعائي به مستجابا انك انت الغفور الرحيم ". وروى في الكافي عن احمد بن محمد البرقي عن بعض اصحابنا رفعه (2) قال: " تقول قبل دخولك في الصلاة اللهم اني اقدم محمدا نبيك (صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتي واتوجه به اليك في طلبتي فاجعلني به وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين اللهم اجعل صلاتي بهم مقبولة وذنبي بهم مغفورا ودعائي بهم مستجابا يا ارحم الراحيمن " وروى الشيخ في التهذيب عن صفوان الجمال (3) قال: شهدت ابا عبد الله (عليه السلام) استقل القبلة قبل التكبير فقال اللهم لا تؤيسني من روحك ولا تقنطني من رحمتك ولا تؤمنى مكرك فانه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (4). قلت جعلت فداك ما سمعت بهذا من احد قبلك ؟ فقال ان من اكبر الكبائر عند الله اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والامن من مكر الله ". وروى في الكافي عن علي بن النعمان عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليهم السلام) (5) قال: " كان امير الؤمنين (عليه السلام) يقول من قال هذا القول كان
(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 15 من القيام. والرواية (3) للكليني لا للشيخ كما في الوسائل والوافى باب القيام الى الصلاة (4) سورة الاعراف، الآية 97 " فلا يأمن. "
[ 90 ]
مع محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) إذا قام من قبل ان يستفتح الصلاة: اللهم اني اتوجه اليك بمحمد وآل محمد واقدمهم بين يدي صلاتي واتقرب بهم اليك فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين انت مننت علي بمعرفتهم فاختم لي بطاعتهم ومعرفتهم وولايتهم فانها السعادة اختم لي بها انك على كل شئ قدير ثم تصلي... الحديث ". و (منها) ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) واسنده في الذكرى الى الصدوق ومن الظاهر انه انما اخذه من الكتاب المذكور، قال (عليه السلام): " إذا اردت ان تقوم الى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا ولا متناعسا ولا مستعجلا ولا متلاهيا ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة وعليك بالخشوع والخضوع متواضعا لله عزوجل متخاشعا عليك خشية وسيما الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل والحذر فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك وانصب نفسك ولا تلتفت يمينا وشمالا وتحسب انك تراه فان لم يكن تراه فانه يراك، ولا تعبث بلحيتك ولا بشئ من جوارحك ولا تفرقع اصابعك ولا تحك بدنك ولا تولع بانفك ولا بثوبك، ولا تصل وانت متلثم ولا يجوز للنساء الصلاة وهن متنقبات، ويكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، واظهر عليك الجزع والهلع والخوف وارغب مع ذلك الى الله عزوجل، ولا تتكئ مرة على رجلك ومرة على الاخرى، وتصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي ابدا، واعلم انك بين يدي الجبار ولا تعبث بشئ من الاشياء ولا تحدث لنفسك وافرغ قلبك وليكن شغلك في صلاتك وارسل يديك الصقهما بفخذيك فإذا افتتحت الصلاة فكبر... الى آخره " واما بالنسبة الى القعود فقد تقدم في الموضع الرابع من المسألة الثالثة (2). والله العالم.
(1) ص 7 (2) ص 73