تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثامن


الفصل الرابع

في القراءة

والنظر في واجباتها ومستحباتها ولواحقها وحينئذ فيجب بسط الكلام فيها في بحوث ثلاثة:

(الاول) في واجباتها وفيه مسائل:

(الاولى) لا خلاف نصا وفتوى في وجوب قراءة الحمد عينا في الصلاة الواجبة في ركعتي الصبح واوليي الصلوات الباقية، وعليه عمل النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) من بعده وبه استفاضت اخبارهم. انما الخلاف في الركنية وعدمها فالمشهور - بل ادعى عليه الشيخ (قدس سره) في الخلاف الاجماع - على العدم، ونقل في المبسوط عن بعض اصحابنا القول بركنيتها. ويدل على المشهور ما رواه الكليني في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ان الله عزوجل فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه " ورواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) مثله (2). وروى في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاوليين فيذكر في الركعتين الاخيرتين انه لم يقرأ ؟ قال اتم الركوع والسجود ؟ قلت نعم. قال اني اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها ".


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من القراءة (3) الوسائل باب 29 من القراءة (4) الوسائل الباب 30 من القراءة


[ 92 ]

وعن ابي بصير في الموثق (1) قال: " إذا نسى ان يقرأ في الاولى والثانية اجزأه تسبيح الركوع والسجود، وان كانت الغداة فنسى ان يقرأ فيها فليمض في صلاته " الى غير ذلك من الاخبار الدالة على صحة الصلاة مع نسيانها. وربما استدل على القول بالركنية بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته ؟ قال لا صلاة له إلا ان يقرأ بها في جهر أو اخفات " وحملها الاصحاب على ترك القراءة عمدا جمعا بينها وبين ما تقدم من الاخبار. وعندي في المقام اشكال لم اعثر على من تنبه له ولا نبه عليه وهو ان الفرض الذي تجب اعادة الصلاة بتركه عمدا أو نسيانا هو ما ثبت وجوبه بالكتاب العزيز واما ما ثبت وجوبه بالسنة فهو واجب لا تبطل الصلاة بتركه سهوا، وبذلك صرح الاصحاب واليه تشير صحاح زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمات، مع انه قد ورد في القرآن العزيز ما يدل على الامر بالقراءة في الصلاة كقوله عزوجل " فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة " (3) وهي ظاهرة في ما ذكرناه. وبعض الاصحاب استدل بالآية على وجوب القراءة في الصلاة من حيث دلالة الامر على الوجوب واجمعوا على انها لا تجب في غير الصلاة فتجب فيها. وبعض استدل بالتقريب المذكور على وجوب السورة حيث قالوا الامر للوجوب وما تيسر عام فوجب قراءة كل ما تيسر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد والسورة منفي بالاجماع فيبقى وجوب السورة سالما عن المعارض. وفيه ما سيأتي عند ذكر المسألة ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل الباب 29 من القراءة (2) الوسائل الباب 1 و 27 من القراءة (3) سورة المزمل، الآية 20


[ 93 ]

ويعضد هذه الآية ايضا قوله عزوجل " ورتل القرآن ترتيلا " (1) وقوله: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (2) فانهم قد استدلوا على استحباب الاستعاذة في الصلاة بهذه الآية. وبذلك ينبغي ان تكون القراءة فريضة كالركوع والسجود، وهذه الآيات في دلالتها على ما قلناه لا تقصر عن آيات الركوع والسجود من قوله عزوجل " واركعوا مع الراكعين " (3) وقوله " يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " (4) ونحوهما. وبالجملة فان دلالتها على ما ذكرناه اظهر من ان يذكر. ولعل من ذهب الى الركنية نظر الى دلالة هذه الآيات فتكون من قبيل الركوع والسجود وفرائض الصلاة. إلا ان الاخبار كما عرفت قد صرحت بانها ليست بفريضة وان الصلاة لا تبطل بتركها سهوا كالفرائض من الركوع والسجود، والامر في ذلك مرجوع إليهم (عليهم السلام) فليس لنا إلا الانقياد والتسليم بعد ثبوت الحكم عنهم (عليهم السلام). ثم ان من الاخبار الدالة على ما ذكرناه من وجوب القراءة صحيحة محمد بن مسلم الاخيرة ورواية ابي بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسى ام القرآن ؟ فقال ان كان لم يركع فليعد ام القرآن ". وعن سماعة في الموثق (6) قال: " سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب ؟ قال فليقل استعيذ بالله من الشيطان الرجيم انه هو السميع العليم ثم ليقرأها مادام لم يركع فانه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو اخفات ". وروى الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (7) انه قال: " انما امر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا منسيا وليكون


(1) سورة المزمل، الآية 4 (2) سورة النحل، الآية 100 (3) سورة البقرة، الآية 40 (4) سورة الحج، الآية 76 (5) و (6) الوسائل الباب 28 من القراءة (7) الوسائل الباب 1 من القراءة


[ 94 ]

محفوظا مدروسا فلا يضمحل ولا يجهل، وانما بدئ بالحمد دون سائر السور لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد... الحديث " قال: وقال الرضا (عليه السلام) " انما جعل القراءة في الركعتين الاوليين والتسبيح في الاخيرتين للفرق بين ما فرض الله من عنده وبين ما فرضه الرسول (صلى الله عليه وآله). وروى محمد بن الحسين الرضي في كتاب المجازات النبوية عنه (صلى الله عليه وآله) (1) " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " الى غير ذلك من الاخبار. وتنقيح الكلام في المقام لئلا يتطرق إليه النقض والابرام يتوقف على بيان جملة من الاحكام:

(الاول) قد عرفت بما ذكرنا من الاخبار مضافا الى اتفاق علمائنا الابرار وجوب الحمد في كل من الثنائية واوليي غيرها، وهل تتعين الفاتحة في النافلة ؟ الاشهر الاظهر ذلك لان الصلاة كيفية متلقاة من الشرع فيجب الوقوف فيها على ما ثبت نقله عن الشارع. ونقل عن العلامة في التذكرة انه لا يجب قراءة الفاتحة فيها للاصل. وقيل عليه انه ان اراد الوجوب بالمعنى المصطلح الشرعي فهو حق لان الاصل إذا لم يكن واجبا لم تجب اجزاؤه، وان اراد ما يعم الوجوب الشرطي بحيث تنعقد النافلة بدون القراءة - وهو الظاهر من كلامه - فهو ممنوع وسند المنع ما ذكرنا آنفا. اقول: ولو تم ما ذكره لجرى في جميع واجبات الصلاة من ذكر الركوع والسجود والتشهد ونحوها والظاهر انه لا يلتزمه.

(الثاني) - قد صرح الاصحاب من غير خلاف يعرف في الباب بانه يجب قراءة الحمد اجمع ولا تصح الصلاة مع الاخلال ولو بحرف واحد منها عمدا حتى التشديد لان الاتيان بها انما يتحقق مع الاتيان بجميع اجزائها فيلزم من الاخلال بالجزء الاخلال بها، ومن الحروف التشديد في مواضعه فانه حرف وزيادة: احدهما الحرف والآخر ادغامه


(1) الوسائل الباب 1 من القراءة


[ 95 ]

في حرف آخر، والادغام بمنزلة الاعراب لا يجوز الاخلال به فالاخلال بالادغام اخلال بشيئين حينئذ، ولو فكه بطلت وان لم يسقط الحرف لزوال الادغام وعدم وقوع القراءة على الكيفية المنزلة. وكما تبطل بالاخلال بحرف تبطل ايضا بترك الاعراب والمراد به ما يشمل الحركات البنائية، ولا فرق في الاخلال بين كونه مغيرا للمعنى كضم تاء " انعمت " اولا كفتح دال " الحمد " وان كان قد ورد في الشواذ لان الاعراب كيفية للقراءة وكما وجب الاتيان بحروفها وجب الاتيان بالاعراب المتلقى من صاحب الشرع. وحكى في المعتبر عن بعض الجمهور انه لا يقدح في الصحة الاخلال بالاعراب الذي لا يغير المنعى لصدق القراءة معه، قال في المدارك وهو منسوب للمرتضى في بعض رسائله ثم قال ولا ريب في ضعفه. ثم قال ولا يخفى ان المراد بالاعراب هنا ما تواتر نقله في القرآن لا ما وافق العربية لان القراءة سنة متبعة، وقد نقل جمع من الاصحاب الاجماع على تواتر القراءات السبع (1) وحكى في الذكرى عن بعض الاصحاب انه منع من قراءة ابي جعفر ويعقوب وخلف وهي كمال العشر ثم رجح الجواز لثبوت تواترها كتواتر السبع. قال المحقق الشيخ علي بعد نقل ذلك وهذا لا يقصر عن ثبوت الاجماع بخبر الواحد فيجوز القراءة بها. وهو غير جيد لان ذلك رجوع عن اعتبار التواتر. وقد نقل جدي (قدس سره) عن بعض محققي القراء انه افرد كتابا في اسماء الرجال الذين نقلوا هذه القراءات في كل طبقة وهم يزيدون عما يعتبر في التواتر، ثم حكى عن جماعة من القراءة انهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع والعشر ان كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار التواتر الآن في ما نقل من هذه القراءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن


(1) القراء السبعة هم عبد الله بن عامر وعبد الله بن كثير وعاصم وابو عمرو بن العلاء وحمزة بن زيات ونافع والكسائي.


[ 96 ]

غيرهم. وهو مشكل جدا لكن المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان. وعلى هذا المنوال من الحكم بتواتر هذه القراءات عنه (صلى الله عليه وآله) جرى كلام غيره من علمائنا في هذه المجال، وهو عند من رجع الى اخبار الآل (عليهم صلوات ذي الجلال) لا يخلو من الاشكال وان اشتهر في كلامهم وصار عليه مدار نقضهم وإبرامهم حتى قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة الالفية مشير الى القراءات السبع: فان الكل من عند الله تعالى نزل به الروح الامين على قلب سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) تخفيفا على الامة وتهوينا على اهل هذه الملة (1) انتهى. وفيه (اولا) ان هذا التواتر المدعى ان ثبت فانما هو من طريق العامة الذين


(1) قال آية الله الاستاذ السيد أبو القاسم الخوئى دام ظله في البيان ج 1 ص 92: ذهب جمع من علماء اهل السنة الى تواترها - القراءات - عن النبي (ص) ونقل عن السبكى القول بتواتر القراءات العشر، وافرط بعضهم فزعم ان من قال ان القراءات السبع يلزم فيها التواتر فقوله كفر، ونسب هذا الرأى الى مفتى البلاد الاندلسية (ابى سعيد فرج بن لب) والمعروف عند الشيعة انها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من اهل السنة وغير بعيد ان يكون هذا هو المشهور بينهم، وقد حقق - دامت بركاته - البحث تحقيقا وافيا بما لا مزيد عليه وبرهن على عدم تواترها - بعد بيان حال القراء - بما حاصله (1) ان استقراء حال القراء يورث القطع بان القراءات نقلت الينا باخبار الآحاد فليست هي متواترة عن القراء (2) وان التأمل في الطرق التى اخذ القراء عنها يدل بالقطع على انها انما نقلت إليهم بطريق الآحاد (3) وان اتصال الاسانيد بهم انفسهم يقطع التواتر حتى لو كان متحققا في جميع الطبقات فان كان قارئ انما ينقل قراءته بنفسه (4) وان احتجاج كل قارئ على صحة قراءته واعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على استنادها الى اجتهادهم دون التواتر عن النبي (ص) وإلا لم يحتج الى الاحتجاج (5) اضف الى ذلك انكار جملة من الاعلام على جملة من القراءات ولو كانت متواترة لما صح هذا الانكار. ومن اراد التفصيل فليرجع إليه.


[ 97 ]

هم النقلة لتلك القراءات والرواة لها في جميع الطبقات وانما تلقاها غيرهم عنهم واخذوها منهم، وثبوت الاحكام الشرعية بنقلهم وان ادعوا تواتره لا يخفى ما فيه. و (ثانيا) ما ذكره الامام الرازي في تفسيره الكبير حيث قال على ما نقله بعض محدثي اصحابنا (رضوان الله عليهم): اتفق الاكثرون على ان القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، وفيه اشكال لانا نقول ان هذه القرءات منقوله بالتواتر، وان الله خير المكلفين بين هذه القراءات فان كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فوجب ان يكون الذاهبون الى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق ان لم يلزمهم الكفر، كما ترى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليه ويمنعهم من غيره، وان قلنا بعدم التواتر بل ثبوتها من طرق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل قطعا. انتهى. والجواب عن ذلك بما ذكره شيخنا الشهيد الثاني الذي هو احد المشيدين لهذه المباني وهو ما اشار إليه سبطه هنا من انه ليس المراد بتواترها ان كل ما ورد متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن في ما نقل الا من القرءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن غيرهم كما حققه جماعة من اهل هذا الشأن. انتهى - منظور فيه من وجهين (احدهما) ما ذكره سبطه في الجواب عن ذلك من ان المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان فلو كان بعضها متواترا كما ادعاه لصار معلوما على حدة لا يشتبه بما هو شاذ نادر كما ذكره والحال ان الامر ليس كذلك. و (ثانيهما) ما ذكره في شرح الالفية مما قدمنا نقله عنه فان ظاهره كون جميع تلك القراءات مما ثبت عن الله عزوجل بطريق واحد وهو ما ادعوه من التواتر. وبالجملة فانه لو كان هنا شئ متواتر من هذه القراءات في الصدر الاول اعني زمن اولئك القراء أو كلها متواترة لم يجز هذا التعصب الذي ذكره الرازي بين اولئك القراء في حمل


[ 98 ]

كل منهم الناس على قراءته والمنع من متابعة غيره، وهذا كما نقل عن النحويين من التعصب من كل منهم في ما ذهب إليه ونسبة غيره الى الغلط مع انهم الواسطة في النقل عن الغرب ومذاهبهم في النحو كاشفة عن كلام العرب في تلك المسائل. والاشكال الذي ذكره الرازي ثمة جار ايضا في هذا المقام كما لا يخفي على ذوي الافهام. و (ثالثا) وهو العمدة ان الوارد في اخبارنا يدفع ما ذكروه فروى ثقة الاسلام في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة ". وروى فيه ايضا في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون نزل القرآن على سبعة احرف ؟ فقال كذبوا اعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد ". قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الخبرين المذكورين والمقصود منهما واحد وهو ان القراءة الصحيحة واحدة إلا انه (عليه السلام) لما علم انهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعا مع اختلافها كذبهم. انتهى. ويقرب من ذلك ما رواه في الكافي ايضا في الصحيح الى المعلى بن خنيس (3) قال: " كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي فذكر القرآن فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال فقال ربيعة الرأي ضال ؟ فقال نعم. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) اما نحن فنقرأ على قراءة ابي ". قال في كتاب الوافى: والمستفاد من هذا الحديث ان القراءة الصحيحة هي قراءة ابي وانها الموافقة لقراءة اهل البيت (عليهم السلام) إلا انها اليوم غير مضبوطة عندنا إذ لم تصل الينا قرائته في جميع الفاظ القرآن. انتهى. اقول: لعل كلامه (عليه السلام) في آخر الحديث انما وقع على سبيل التنزل


(1) و (2) و (3) الوافى ج 5 باب " اختلاف القراءات "


[ 99 ]

والرعاية لربيعة الرأي حيث انه معتمد العامة في وقته تلافيا لما قاله في حق ابن مسعود وتضليله له مع انه عندهم بالمنزلة العليا سيما في القراءة وإلا فانهم (عليهم السلام) لا يتبعون احدا وانما هم متبوعون لا تابعون. ثم اعلم ان العامة قد رووا في اخبارهم ان القرآن قد نزل على سبعة احرف كلها شاف واف (1) وادعوا تواتر ذلك عنه (صلى الله عليه وآله) واختلفوا في معناه الى ما يبلغ اربعين قولا اشهرها الحمل على القراءات السبع. وقد روى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال (2) باسناده إليهم (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتاني آت من الله عزوجل يقول ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت يا رب وسع على امتي فقال ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على سبعة احرف ". وفي هذا الحديث ما يوافق خبر العامة المذكورة مع انه (عليه السلام) قد نفى ذلك في الاحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الاخبار والحمل على التقية اقرب قريب فيه وان احتمل ايضا حمل السبعة الاحرف فيه على اللغات يعني سبع لغات كما قاله ابن الاثير في نهايتة في تفسير حديثهم المتقدم، قال اراد بالحرف اللغة اي سبع لغات من لغات العرب اي انها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة اوجه، على انه قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة وعشرة... ومما يبين ذلك قول ابن مسعود اني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم انما هو مثل قول احدكم هلم وتعال واقبل. وفيه اقوال غير ذلك هذا احسنها. انتهى. ثم ان الذي يظهر من الاخبار ايضا هو وجوب القراءة بهذه القراءات المشهورة لا من حيث ما ذكروه من ثبوتها وتواترها عنه (صلى الله عليه وآله) بل من حيث


(1) تفسير الطبري ج 1 ص 9 (2) ج 2 ص 11


[ 100 ]

الاستصلاح والتقية. فروى في الكافي بسنده الى بعض الاصحاب عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " قلت له جعلت فداك انا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن ان نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟ فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجئ من يعلمكم " وروى فيه بسنده الى سالم بن سلمة (2) قال: " قرأ رجل على ابي عبد الله (عليه السلام) - وانا استمع - حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم... الحديث " وبالجملة فالنظر في الاخبار وضم بعضها الى بعض يعطي جواز القراءة لنا بتلك القراءات رخصة وتقية وان كانت القراءة الثابتة عنه (صلى الله عليه وآله) انما هي واحدة والى ذلك ايضا يشير كلام شيخ الطائفة المحقة (قدس سره) في التبيان حيث قال: ان المعروف من مذهب الامامية والتطلع في اخبارهم ورواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء وان الانسان مخير باي قراءة شاء قرأ، وكرهوا تجريد قراءة بعينها. انتهى ومثله ايضا كلام الشيخ امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان حيث قال: الظاهر من مذهب الامامية انهم اجمعوا على القراءة المتداولة بين القراء وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع في اخبارهم (عليهم السلام) ان القرآن نزل بحرف واحد. انتهى. وكلام هذين الشيخين (عطر الله مرقديهما) صريح في رد ما ادعاه اصحابنا المتأخرون (رضوان الله عليهم) من تواتر السبع أو العشر، على ان ظاهر جملة من علماء العامة ومحققي هذا الفن انكار ما ادعى هنا من التواتر ايضا.


(1) و (2) الوسائل الباب 74 من القراءة. وقد صححنا الحديث على كتب الحديث ارجع الى الوافى باب " اختلاف القراءات " واصول الكافي باب " ان القرآن يرفع كما انزل " والنوادر.


[ 101 ]

قال الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي المقرئ في كتاب النشر للقراءات العشر (1) على ما نقله بعض مشايخنا المعاصرين: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت احد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل انكارها بل هي من الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الائمة السبعة ام العشرة ام غيرهم من الائمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الاركان الثلاثة اطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة ام عن من هو اكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الامام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ونص عليه في غير موضع الامام أبو محمد مكي بن ابي طالب وكذلك الامام أبو العباس احمد بن عمار المهدوي وحققه الامام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن اسماعيل المعروف بابي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن احد منهم خلافه، قال أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز): فلا ينبغي ان يغتر بكل قراءة تعزى الى واحد من هؤلاء الائمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وانها هكذا انزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف دون غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل ان نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فان الاعتماد على استجماع تلك الاوصاف لا على من تنسب إليه فان القراءات المنسوبة الى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة الى المجمع عليه والشاذ غير ان هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس الى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. انتهى وهو - كما ترى - صريح في ان المعيار في الصحة انما هو على ما ذكروه من الضابط لا على مجرد وروده عن السبعة فضلا عن العشرة وان العمل على هذا الضابط المذكور


(1) ج 1 ص 9. واسم الكتاب في النسخة المطبوعة وفى كشف الظنون ج 2 ص 1952 " النشر في القراءات العشر "


[ 102 ]

مذهب السلف والخلف فكيف يتم ما ادعاه اصحابنا (رضوان الله عليهم) من تواتر هذه السبع ؟ ويؤيد ذلك ما نقله شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني قال سمعت شيخي علامة الزمان واعجوبة الدوران يقول ان جار الله الزمخشري ينكر تواتر السبع ويقول ان القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما هي في صفتها وانما هي واحدة والمصلي لا تبرأ ذمته من الصلاة إلا إذا قرأ بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كمالك وملك وصراط وسراط وغير ذلك. انتهى. وهو جيد وجيه بناء على ما ذكرنا من البيان والتوجيه ولولا ما رخص لنا به الائمة (عليهم السلام) من القراءة بما يقرأ الناس لتعين عندي العمل بما ذكره. ثم اقول: ومما يدفع ما ادعوه ايضا استفاضة الاخبار بالتغيير والتبديل في جملة من الآيات من كلمة باخرى زيادة على الاخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين (1). ومن الاول ما ورد في قوله عزوجل: " ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة " (2) ففي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه قرأ أبو بصير عنده هذه الآية فقال (عليه السلام) ليس هكذا انزلها الله تعالى وانما نزلت وانتم قليل " وفى آخر " وما كانوا اذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانما نزل ولقد نصركم


(1) ذكر آية الله الاستاذ الخوئى دام ظله في البيان ج 1 ص 139 ان المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف وأنه ذهب إليه جماعة من المحدثين من الشيعة وجمع من علماء اهل السنة كما نسبه إليهم الرافعى في اعجاز القرآن ص 41. وقد اجاب عن الروايات التى تمسك بها القائلون به بنحو لا يبقى مجال للتشكيك ومن اراد فليرجع الى البيان ج 1 ص 175. (2) سورة آل عمران الآية 119 (3) تفسير الصافى في تفسير الآية


[ 103 ]

الله ببدر وانتم ضعفاء " وما ورد في قوله عزوجل " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار " (1) ففي الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) والمجمع عن الرضا (عليه السلام) (2) " لقد تاب الله بالنبي عن المهاجرين " والقمي عن الصادق (عليه السلام) " وهكذا انزلت " وفي الاحتجاج عنه (عليه السلام) (3) " واي ذنب كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تاب منه ؟ انما تاب الله به على امته ". وما ورد في قوله تعالى " وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض.. الآية " (4) ففي المجمع عن السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) (5) " انهم قرأوا خالفوا " والقمي عن العالم (عليه السلام) (6) والكافي والعايشي عن الصادق (عليه السلام) مثله (7) قال: " ولو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة ". وما ورد في قوله عزوجل " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله " (8) ففي تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) (9) " ان هذه الآية قرئت عنده فقال لقارئها ألستم عربا فكيف تكون المعقبات من بين يديه ؟ وانما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا ؟ فقال انما انزلت (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله) ومن ذا الذي يقدر ان يحفظ الشئ من امر الله ؟ وهم الملائكة المقربون الموكلون بالناس " ومثله في تفسير العياشي (10). وانت خبير بان ظواهر هذه الآيات لا تنطبق على ما نطقت به هذه الروايات إلا بارتكاب التكلفات والتعسفات.


(1) سورة التوبة، الآية 118 (2) و (3) و (5) و (6) و (7) و (9) و (10) تفسير الصافى في تفيسر الآية (4) سورة التوبة، الآية 119 (8) سورة الرعد، الآية 12


[ 104 ]

ونحو ذلك ما ورد في قوله عزوجل " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن " (1) ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) (2) انما انزلت " فما استمتعتم به منهن الى اجل مسمى فآتوهن اجورهن " والعياشي عن الباقر (عليه السلام) (3) انه كان يقرأها كذلك. وروته العامة ايضا عن جمع من الصحابة (4). وما رواه الشيخ في التهذيب عن غالب بن الهذيل (5) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " فامسحوا برؤوسكم وارجلكم الى الكعبين " (6) على الخفض هي ام على النصب ؟ قال بل هي على الخفض " مع ان قراءة النصب احدى القراءات السبع (7). ومثله ما ورد في قوله تعالى " سلام على آل ياسين " (8) فانها قراءة اهل البيت (عليهم السلام) وبها وردت اخبارهم (9) مع ان قراءة " الياسين " احدى القراءات السبع (10) الى غير ذلك من المواضع التي لا يسع المقام الاتيان عليها. واما اخبار القسم الثاني فهي اكثر واعظم من ان يأتي عليها قلم البيان في هذا المكان، واللازم اما العمل بما قالوه من ان كل ما قرأت به القراء السبعة وورد عنهم في اعرب أو كلام أو نظام فهو الحق الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) من رب العالمين على سيد المرسلين، وفيه رد لهذه الاخبار على ما هي عليه من الصحة والصراحة والاشتهار وهذا مما لا يكاد يتجرأ عليه المؤمن بالله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله) والائمة


(1) سورة النساء، الآية 24 (2) الوسائل الباب 1 من المتعة (3) تفسير الصافى في تفسير الآية (4) تفسير القرطبى ج 5 ص 139 (5) الوسائل الباب 25 من الوضوء (6) سورة المائدة، الآية 6 (7) وهى قراءة نافع وابن عامر والكسائي وعاصم كما في مجمع البيان ج 2 ص 163 (8) سورة الصافات، الآية 130 (9) تفسير الصافى في تفسير الآية (10) وهى قراءة ابن عامر ونافع كما في مجمع البيان ج 4 ص 456


[ 105 ]

الاطهار (عليهم السلام) واما العمل بهذه الاخبار وبطلان ما قالوه وهو الحق الحقيق بالاتباع لذوي البصائر والافكار. والله العالم.

(الثالث) - لا خلاف بين الاصحاب في ان البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة تجب قراءتها معها ما عدا سورة براءة، وعليه تدل الاخبار المتكاثرة: فروى ثقة السلام في الكافي عن معاوية بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا قمت للصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن ؟ قال نعم. قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة ؟ قال نعم ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي الفاتحة ؟ قال نعم. قلت بسم الله الرحمن الرحيم من السبع ؟ قال نعم هي افضلهن ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا قمت الى الصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن ؟ قال نعم. قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة ؟ قال نعم ". وما رواه في الكافي عن يحيى بن ابي عمران الهمداني (4) قال: " كتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في ام الكتاب فلما صار الى غير ام الكتاب من السورة تركها فقال العياشي ليس بذلك بأس ؟ فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم انفه يعني العياشي ". قوله " يعيدها " يعنى الصلاة وحمله على البسملة بعيد وقوله " مرتين " يتعلق بقوله " كتب " لا بقوله " يعيدها " إذ لا معنى لا عادة الصلاة مرتين. والعياشي ان حمل على الرجل المشهور صاحب التفسير المشهور هو محمد بن مسعود العياشي فينبغي تخصيصه بكون ذلك في اول امره فانه كان من فضلاء العامة ثم استبصر ورجع الى مذهب الشيعة فالحمل عليه بالتقريب


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من القراءة والرواية (3) يرويها الشيخ عن الكليني


[ 106 ]

المذكور غير بعيد (1) ويحتمل غيره من المشهورين في ذلك الوقت. وروى العياشي في تفسيره عن يونس بن عبد الرحمان عن من رفعه (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " (3) قال هي سورة الحمد وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم، وانما سميت المثاني لانها تثنى في الركعتين ". ومنه عن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " سرقوا اكرم آية في كتاب الله: بسم الله الرحمن الرحيم ". ومنه عن صفوان الجمال (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما انزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم وانما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للاخرى ". ومنه عن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (6) قال: " بلغه ان اناسا ينزعون بسم الله الرحمن الرحيم فقال هي آية من كتاب الله انساهم اياها الشيطان ". ومنه عن خالد بن المختار (7) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام)


(1) قال في ريحانة الادب ج 3 ص 142 في ترجمة العياشي: لم نظفر بتاريخ وفاته إلا انه يظهر من طبقته انه من اعلام اواخر القرن الثالث بل يحتمل انه تجاوزه الى القرن الرابع ايضا. وفى الذريعة ج 4 ص 195 عده من طبقة ثقة الاسلام الكليني. وقد عنونه الشيخ الطوسى في كتاب الرجال في باب من لم يرو عنهم " ع " وبهذا يبعد الحمل عليه لبعد كونه في اول امره معاصرا للجواد " ع " بحيث يكون مفتيا. وفى الطبعة الحديثة من فروع الكافي ج 1 ص 313 " العباسي " بالباء الموحدة والسين المهملة، وفى التعليقة " 2 " منه قال: هو هشام بن ابراهيم العباسي وكان يعارض الرضا والجواد " ع ". (2) مستدرك الوسائل الباب 1 من القراءة (3) سورة الحجر، الآية 87 (4) و (5) و (6) و (7) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة


[ 107 ]

يقول ما لهم قاتلهم الله عمدوا الى اعظم آية في كتاب الله فزعموا انها بدعة إذا اظهروها ؟ وهي بسم الله الرحمن الرحيم ". ومنه عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " (2) فقال فاتحة الكتاب يثنى فيها القول. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله تعالى من علي بفاتحة الكتاب من كنز الجنة، فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " الآية التي يقول الله تعالى فيها " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا " (3) و " الحمد لله رب العالمين " دعوى اهل الجنة حين شكروا لله حسن الثواب " مالك يوم الدين " قال جبرئيل ما قالها مسلم قط إلا صدقه الله واهل سماواته " واياك نعبد " اخلاص للعبادة " واياك نستعين " افضل ما طلب به العباد حوائجهم " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم " صراط الانبياء وهم الذين انعم الله عليهم " غير المغضوب عليهم " اليهود " ولا الضالين " النصارى " الى غير ذلك من الاخبار الآتي ذكر جملة منها ان شاء الله تعالى. وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في ان البسملة جزء من الفاتحة بل من كل سورة تجب قراءتها مع كل منها. والمشهور بين الاصحاب انها آية من كل سورة صرح به الشيخ في الخلاف والمبسوط وبه قطع عامة المتأخرين. ونقل عن ابن الجنيد انها في الفاتحة بعضها وفي غيرها افتتاح لها. وهو متروك واثباتها في المصاحف مع كل سورة مع محافظتهم على تجرده مما ليس منه دليل على ضعف ما ذهب إليه. ثم لا يخفي انه قد ورد جملة من الاخبار ايضا مما هو ظاهر المنافاة للاخبار المتقدمة ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه


(1) البحار ج 18 الصلاة ص 236 (2) سورة الحجر، الآية 87 (3) سورة بنى اسرائيل، الآية 46 (4) الوسائل الباب 12 من القراءة


[ 108 ]

السلام) عن الرجل يكون اماما فيستفتح بالحمد ولا يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال لا يضره ولا بأس " وهو محمول على التقية. ومنها - ما رواه عن زكريا بن ادريس القمي (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن الرجل يصلي بقوم يكرهون ان يجهر ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال لا يجهر " وهو صريح في التقية وعليه يحمل الخبر الاول كما ذكرنا. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي ومحمد بن علي الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " انهما سألاه عن من يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال نعم ان شاء سرا وان شاء جهرا. فقالا أفيقرأها مع السورة الاخرى ؟ فقال لا ". ومنها - ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أيقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ؟ قال نعم إذا افتتح الصلاة فليقلها في اول ما يفتتح ثم يكفيه ما بعد ذلك ". وعن مسمع في الحسن أو الموثق (4) قال: " صليت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ، " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بسورة اخرى ". ولعل الصحيحين الاولين هما مستند ابن الجنيد في ما تقدم نقله عنه، والشيخ قد اجاب عنهما في التهذيب بالحمل على ما إذا كان في صلاة النافلة وقد قرأ من السورة الاخرى بعضها ويريد ان يقرأها فحينئذ لايقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " والظاهر بعده. وقال في المدارك: والحق ان هذه الروايات انما تدل على عدم وجوب قراءة البسملة عند قراءة السورة، وربما كان الوجه فيه عدم وجوب قراءة السورة كما هو


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 12 من القراءة


[ 109 ]

احد قولي الاصحاب. اقول: والظاهر عندي ان هذه الاخبار انما خرجت مخرج التقية كما صرح به في الاستبصار، والى ذلك تشير روايات العياشي المتقدمة وهي رواية ابي حمزة ورواية عيسى بن عبد الله ورواية خالد بن المختار. والله العالم.

(الرابع) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من لا يحسن الفاتحة يجب عليه التعلم فان ضاق الوقت وامكن الصلاة مأموما أو القراءة من مصحف ان احسن ذلك وجب. وقيل بجواز القراءة من المصحف مطلقا وهو ظاهر الخلاف والمبسوط وبه صرح الفاضلان معللين بان الواجب مطلق القراءة. ومنع ذلك الشهيد ومن تبعه للمتمكن من الحفظ. واستدل على الاول بما رواه الشيخ في الصحيح الى الحسن بن زياد الصيقل (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه ؟ فقال لا بأس بذلك ". إلا انه قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف امامه ينظر فيه ويقرأ ويصلى ؟ قال لا يعتد بتلك الصلاة ". واما ما اجاب به في الذخيرة عن هذا الخبر - من حمله على الكراهة حيث اختار القول الاول - ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم. على انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الاول على النافلة والثاني على الفريضة، والى هل التفصيل ذهب شخينا الشيهد الثاني وجمع من الاصحاب في المسألة مع انه لم ينقلوا خبر علي بن جعفر المذكور وانما ذهبوا الى ذلك يجعله وجه جمع بين التعليلات التي ذكروها من الطرفين وهي عليلة، وكان الاولى بكل من القائلين الاستناد الى ما يوافقه


(1) و (2) الوسائل الباب 41 من القراءة


[ 110 ]

من الروايتين. وبالجملة فان ما ذكرناه وجه حسن في الجمع بين الخبرين. ويمكن حمل خبر الصيقل ايضا على حال الضرورة كمحل المسألة وهو ظاهر الذكرى حيث انه بعد ان اختار المنع محتجا بان المأمور به القراءة على ظهر القلب إذ هو المتبادر الى الافهام ثم احتج بخبر عامي قدمه وهو ما رواه عبد الله بن ابي اوفى (1) " ان رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال اني لا استطيع ان احفظ شيئا من القرآن فماذا اصنع ؟ فقال له قل سبحان الله والحمد الله " فقال هنا في الاستدلال به: ولان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمر الاعرابي بالقراءة من المصحف، ثم قال: وروى الحسن الصيقل وساق الحديث المذكور. وظاهره حمله على الضرورة في الصورة المذكورة وإلا فالخبر باعتبار اطلاقه ظاهر المنافاة لما ذكره فيكون حجة عليه فالواجب الجواب عنه. ثم انه مع تعذر الائتمام والقراءة من المصحف فالمستفاد من كلامهم (رضوان الله عليهم) انه اما ان يحسن بعض الفاتحة أو لا يحسن شيئا بالكلية، وعلى الاول فاما ان يكون ما يحسنه آية تامة ام اقل، وعلى الثاني فاما ان يحسن غيرها من القرآن ام لا فههنا صور:

(الاولى) - ان يحسن بعض الفاتحة وكان آية تامة الظاهر انه لا خلاف في قراءتها كما ذكره غير واحد منهم. وهل يقتصر على الآية التي يأتي بها أو يجب التعويض عن باقي الفاتحة بتكرار تلك الآية أو بغيرها من القرآن أو الذكر مع تعذر الاولين ؟ قولان، ظاهر الفاضلين في المعتبر والمنتهى الاول واختاره في المدارك تمسكا بمقتضى الاصل السالم من المعارض. واختار العلامة في بعض كتبه على ما نقل عنه التعويض، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني في


(1) في سنن ابى داود ج 1 ص 220 عن عبد الله بن ابى اوفى قال " جاء رجل الى النبي " صلى الله عليه وآله " فقال انى لا استطيع ان آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر لا حول ولا قوة إلا بالله.. الحديث "


[ 111 ]

الروض الى المشهور بين المتأخرين، واحتج بعموم " فاقرأوا ما تسير من القرآن " (1) قال خرج منه ما اتفق على عدم وجوبه واخرجه الدليل فيبقى الباقي ولا دليل على الاكتفاء ببعض الفاتحة. انتهى. ثم انه على تقدير وجوب التعويض كما هو مقتضى هذا القول فلو علم غيرها من القرآن فهل يعوض عن الفائت بقراءة ما يعلمه من الفاتحة مكررا بحيث يساويها ام يأتي ببدله من سورة اخرى ؟ قولان، وعلل الاول بانه اقرب إليها من غيرها، والثاني بان الشئ الواحد لا يكون اصلا وبدلا. والتعليلان كما ترى.

(الثانية) - ان يحسن بعض آية وفى وجوب قراءتها عليه هنا اقوال: الاول الوجوب لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " فان كان معك قرآن فاقرأ به " الثاني - عدمه استنادا الى ان النبي امر الاعرابي ان يحمد الله ويكبره ويهلله، وقوله " الحمد لله " بعض آية ولم يأمره بتكرارها. واستحسن هذا القول في المعتبر. الثالث - وجوب قراءتها ان كانت قرآنا وهو المشهور بين المتأخرين.

(الثالثة) - ان لا يحسن شيئا من الفاتحة يحسن غيرها من القرآن، والمشهور انه يجب عليه ان يقرأ بدلها من غيرها، قيل انه يتخير بينه وبين الذكر وهو اختيار المحقق في الشرائع. ويمكن الاستدلال على الثاني بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان الله فرض من الصلاة الركوع السجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الاسلام ثم لا يحسن ان يقرأ القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي "


(1) سورة المزمل، الآية 19 (2) في المنتقى لابن تيمية على هامش نيل الاوطار ج 2 ص 188 عن رفاعة بن رافع " علم رسول الله " صلى الله عليه وآله " رجلا الصلاة فقال ان كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع " (3) الوسائل الباب 3 من القراءة


[ 112 ]

ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من غيرها لها في المقدار ام لا ؟ ظاهر الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر الثاني وظاهر المشهور بين المتأخرين الاول. وعلى هذا القول فهل تجب المساواة في الحروف أو الآيات أو فيهما ؟ اقوال.

(الرابعة) - ان لا يحسن شيئا من القرآن والمشهور انه يسبح الله تعالى ويهلله ويكبره، وذكر الشيخ في الخلاف الذكر والتكبير وذكر بعضهم التحميد والتسبيح والتهليل والتكبير، الموجود في الرواية المتقدمة التي هي مستند هذا الحكم التكبير والتسبيح قال في الذكرى: ولو قيل بتعين ما يجزئ في الاخيرتين من التسبيح كان وجها لانه قد ثبت بدليته عن الحمد في الاخيرتين فلا يقصر بدل الحمد في الاوليين عنهما. انتهى. وجعله في المدارك احوط. وفيه منع ظاهر (اما اولا) فلان الرواية التي هي مستند هذا الحكم قد اشتملت على بيان الوظيفة القائمة مقال الحمد فالعدول عنها بمجرد هذه التخريجات لا يخرج عن الاجتهاد في مقابلة النص. و (اما ثانيا) فان ما بنى عليه من بدلية التسبيح عن الحمد في الاخيرتين - بمعنى ان الاصل في الاخيرتين انما هو القراءة والتسبيح انما جعل عوضا عنها - وان اشتهر بينهم إلا انه ممنوع اشد المنع لما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة من ان الامر انما هو بالعكس كما استفاضت به اخبار اهل الذكر (عليهم السلام). ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من الذكر للفاتحة ام لا ؟ المشهور بين المتأخرين الاول ونفاه المحقق في المعتبر، قال: وقولنا " بقدر القراءة " نريد به الاستحباب لان القراءة إذا سقطت لعدم القدرة سقطت توابعها وصار ما تيسر من الذكر والتسبيح كافيا. انتهى. ولو لم يحسن الذكر قال في النهاية يقوم بقدر القراءة ثم يركع إذ لا يلزم من سقوط الواجب سقوط غيره. انتهى.


[ 113 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان اكثر ما نقلناه من الاقوال خال من النصوص ولذا اقتصرنا في ذلك على مجرد النقل، والاحتياط في امثال هذه المواضع مما لا ينبغي تركه بل الظاهر انه الحكم الشرعي كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. فرع متى قلنا بوجوب القراءة من المصحف فلو توقف تحصيل المصحف على شراء أو استئجار أو استعارة وجب ذلك تحصيلا للواجب بقدر الامكان، وكذا لو احتاج الى مصباح للظلمة المانعة من القراءة.

(الخامس) - اتفق الاصحاب على انه لا يجوز القراءة بغير العربية فلا تجزئ الترجمة لان الترجمة مغايرة للمترجم، ولقوله عزوجل " انا انزلناه قرآنا عربيا " (1) ووافقنا على ذلك أكثر العامة. وقال أبو حنيفة تجزئ الترجمة لقوله سبحانه " لانذركم به ومن بلغ " (2) وانما ينذر كل قوم بلسانهم (3). وفيه (اولا) ان اخبارنا دالة على ان المراد بمن بلغ الائمة (عليهم السلام) فهو عطف على الفاعل في قوله " لانذركم ". و (ثانيا) انه مع تسليم عطفه على المفعول فان الانذار بالقرآن لا يستلزم نقل اللفظ بعينه إذ مع ايضاح المعنى بالترجمة يصدق انه انذرهم بخلاف موضع البحث المطلوب فيه صورة المنزل. ولو عجز عن العربية في القراءة ولم يمكنه إلا الترجمة انتقل الى الذكر بالعربية، فان عجز ايضا قالوا وجبت الترجمة، وفي تقديم اي الترجمتين قولان، رجح بعض ترجمة القرآن لانها اقرب إليه من ترجمة الذكر، ووجه القول الآخر فوات الغرض من القرآن


(1) سورة يوسف، الآية 2 (2) سورة الانعام، الآية 19 (3) المغنى ج 1 ص 486 وبدائع الصنائع ج 1 ص 112


[ 114 ]

وهو نظمه المعجز بخلاف الذكر. واتفقوا ايضا على وجوب الترتيب في كلماتها وآيها على الوجه المنقول. ولا ريب فيه لتعلق الاوامر بالقرآن على الكيفية التي نزلت واتى بها صاحب الشريعة، فلو خالف عامدا اعاد الصلاة على ما قطع به الاصحاب. قال في المدارك: وهو جيد ان لم يتداركها قبل الركوع لا مطلقا لان المقرو على خلاف الترتيب وان لم يصدق عليه اسم السورة لكن لا يخرج بذلك عن كونه قرآنا. انتهى. هو جيد. ولو كان ناسيا قالوا يستأنف القراءة ما لم يركع وهو على اطلاقه محل بحث فانه انما يتم إذا لم يمكن البناء على السابق لفوات الموالاة وإلا بنى عليه واتم القراءة كما لو قرأ آخر الحمد ثم قرأ اولها.

(السادس) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان من واجباب القراءة اخراج الحروف من مخارجها المقررة، والظاهر ان الوجه فيه هو انه لما كان القرآن عربيا نزل بلغة العرب فكل ما اقتضته اللغة العربية وبنيت عليه من اخراج الحروف من مخارجها والتشديد في موضعه المقرر والادغام والمد على الوجوه المذكورة في محلها والاعراب ونحو ذلك مما بنيت عليه اللغة المذكورة وكان من اصولها المقررة فانه مما يجب الاتيان به، لان الواجب القراءة باللغة العربية فكل ما كان من اصولها التي لا تحقق لها إلا به فانه يجب وما ليس كذلك مثل الجهر والهمس والاستعلاء والاطباق والترتيل والوقف والتفخيم والترقيق ونحوها فانه لا يجب بل هو من المحسنات. قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان في شرح قول المصنف: " ويجب اخراج الحروف من مواضعها " ما صورته: ويستفاد من تخصيص الوجوب بمراعاة المخارج والاعراب في ما تقدم عدم وجوب مراعاة الصفات المقررة في العربية من الجهر والهمس والاستعلاء والاطباق ونظائرها، وهو كذلك بل مراعاة ذلك مستحبة. انتهى. ونقله عنه المحقق الاردبيلي واستحسنه، ثم قال المحقق المشار إليه في موضع


[ 115 ]

آخر - في تعليل عدم اجزاء قراءة القرآن في الصلاة بالترجمة - ما صورته: يشعر بعدم اجزاء ترجمة القرآن مطلقا ومعلوم من وجوب القراءة بالعربية المنقولة تواترا عدم الاجزاء وعدم جواز الاخلال بها حرفا وحركة بنائية واعرابية وتشديدا ومدا واجبا وكذا تبديل الحروف وعدم اخراجها من مخارجها لعدم صدق القرآن فتبطل الصلاة.. الى آخر كلامه زيد في مقامه. وعلى هذا النهج كلام غيرهما ومرجعه الى الفرق بين ما كان من اصول القراءة التي بنيت عليه اللغة العربية وغيره وانه مع الاخلال بشئ من اصول القراءة تبطل الصلاة لعدم صدق الاتيان بالقرآن كما ذكره المحقق المذكور في آخر كلامه. ويزيد ذلك ايضاحا ان مع عدم اخراج الحروف من مخارجها المقررة ربما اختلف المعنى باختلاف المخرجين كما في " الضالين " بالضاد والظاء فانه على الاول من الضلال وعلى الثاني من باب " ظل يفعل كذا " إذا فعله نهارا.

(المسألة الثانية) - اتفق الاصحاب من غير خلاف يعرف على انه يجوز الاقتصار على الحمد بغير سورة في النوافل وفى الفرائض في حال الاضطرار كالخوف وضيق الوقت بحيث ان قرأ السورة خرج الوقت وكذا مع عدم امكان التعلم. وانما الخلاف في وجوب السورة مع السعة والاختيار وامكان التعلم فالمشهور الوجوب وبه صرح الشيخ في كتابي الاخبار والخلاف والجمل وهو اختيار السيد المرتضى وابن ابي عقيل وابي الصلاح وابن البراج وابن ادريس وغيرهم عليه اكثر المتأخرين. وذهب الشيخ في النهاية الى الاستحباب وهو اختيار ابن الجنيد وسلار ومال إليه في المعتبر والمنتهى وعليه جمع من متأخرى المأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهما. والواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمقام وتذييلها بما يفهم من مضامينها من الاحكام ليتضح به الحال وما هو الاولى بالاختيار في هذا المجال:


[ 116 ]

فاقول وبالله سبحانه التوفيق لبلوغ المأمول: من الاخبار المذكورة التي استدل بها على الاستحباب ما رواه الشيخ عن علي بن رئاب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول ان فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة ". وفي الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان فاتحة الكتاب وحدها تجزئ في الفريضة ". اقول: وهاتان الروايتان من اقوى ادلة القول بالاستحباب وعليهما اعتمد في المدارك لصحتهما وصراحتهما بزعمه، قال والتعريف في الفريضة ليس للعهد لعدم تقدم معهود ولا للحقيقة لاستحالة ارادته ولا للعهد الذهني لانتفاء فائدته فيكون للاستغراق. انتهى والشيخ قد حمل هذين الخبرين في التهذيبين على حال الضرورة دون الاختيار وهو اقرب قريب في المقام لما رواه في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس بان يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاوليين إذا ما اعجلت به حاجة أو تخوف شيئا " وبمضمونها اخبار اخر، وقضية اطلاق الخبرين الاولين وتقييد هذه الاخبار حمل الخبرين الاولين على هذه الاخبار كما هو القاعدة. وبما ذكرنا هنا صرح العلامة في المنتهى حيث نقل عن الشيخ الاحتجاج على الاستحباب بصحيحة الحلبي المذكورة في كلام السيد السند واجاب عنها بالحمل على حال الضرورة والاستعجال واورد الاخبار الدالة على جواز الاقتصار على الحمد في الحالين المذكورين. ومع الاغماض عن ذلك فاحتمال التقية فيهما مما لا ريب فيه ولا مرية تعترية، ومن ذلك يظهر لك ضعف الاستدلال بالخبرين المذكورين لقيام ما ذكرنا من الاحتمالين في البين ومنها - صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من القراءة (4) الوسائل الباب 4 من القراءة


[ 117 ]

قال: " سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد ونصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لايقرأ الحمد ويقرأ ما بقى من السورة ؟ قال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقى من السورة ". وصحيحة زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أيدع المكان الذى غلط فيه ويمضي في قراءته أو يدع تلك السورة ويتحول عنها الى غيرها ؟ قال كل ذلك لا بأس به وان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع ". وصحيحة اسماعيل بن الفضل (2) قال: " صلى بنا أبو عبد الله أو أبو جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة فلما سلم التفت الينا فقال اما اني اردت ان اعلمكم " ونحو ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة ؟ قال لا بأس إذا كانت اكثر من ثلاث آيات ". وهي وان احتملت الحمل على تكرار السورة في الركعتين إلا ان التقييد باكثر من ثلاث آيات لا يظهر له معنى إلا حمل الخبر على قسمة السورة في الركعتين. واصرح منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابان بن عثمان عن من اخبره عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته هل تقسم السورة في ركعتين ؟ فقال نعم اقسمها كيف شئت ". وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " انه سئل عن السورة أيصلي الرجل بها في ركعتين من الفريضة ؟ قال نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الاولى والنصف الآخر في الركعة الثانية ". وهذه الرواية نقلها المحقق في المعتبر (6) عن حريز بن عبد الله عن ابي بصير


(1) و (4) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (5) الوسائل الباب 5 من القراءة (3) الوسائل الباب 6 من القراءة (6) ص 174


[ 118 ]

والظاهر انه نقلها من كتاب حريز. وصحيحة علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة فقال اكره ذلك ولا بأس به في النافلة ". وقد تقدم في ما يدخل في سلك هذه الاخبار صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الحلبيين وحسنة مسمع أو موثقته السابقات في الحكم الثالث من المسألة المتقدمة. اقول: وهذه الاخبار وان دلت بحسب ما يترآى منها على ما ذكروه إلا ان باب الاحتمال فيها مفتوح، فان اطلاق جملة منها قابل للحمل على النافلة وما هو صريح في الفريضة أو ظاهر فيها فحمله على التقية اقرب قريب وكذلك باقي الاخبار. وبالجملة فان اتفاق العامة على استحباب السورة وجواز تبعيضها (2) مما اوهن الاستناد إليها واضعف الاعتماد عليها إلا ان اصحابنا (سامحهم الله تعالى بغفرانه) لما اطرحوا هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليه السلام) ونبذوها وراء ظهورهم - كما قدمنا بيانه في غير مقام مما تقدم - اتسع لهم المجال في مثل هذه الاقوال. والله العالم بحقيقة الحال. وعلى هذا فالمراد بقوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن الفضل " انما اردت ان اعلمكم " يعني جواز التبعيض للتقية، وقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين " اكره ذك " انما هو بمعنى التحريم لا المعنى المصطلح فانه اصطلاح عرفي طارى وورود الكراهة بمعنى التحريم في الاخبار اكثر كثير كما اعترف به جملة من الاصحاب وقد تقدم بيانه في غير مقام. هذا ما يتعلق بالكلام على الاخبار الدالة على الاستحباب واما الادلة التي استدلوا بها على الوجوب منها الآية اعني قوله عزوجل " فاقرأوا ما تيسر من القرآن " (3) فان الامر حقيقة في الوجوب. ومنها - صحيحة منصور بن حازم (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام)


(1) و (4) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) المغنى ج 1 ص 491 وص 493 (3) سورة المزمل، الآية 20


[ 119 ]

لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة ولا باكثر ". واجاب في المدارك عن الآية بانه لا دلالة لها على المدعى بوجه لان موردها التهجد ليلا كما يدل عليه السياق، ولان الظاهر ان " ما " ليست اسما موصولا بل نكرة تامة فلا تفيد العموم بل يكون حاصل المعنى اقرأوا مقدار ما اردتم واحببتم. واما الرواية فلا تخلوا من ضعف في السند والدلالة لان في طريقها محمد بن عبد الحميد وهو غير موثق مع ان النهي فيها وقع عن قراءة الاقل من سورة والاكثر وهو في الاكثر محمول على الكراهة كما سنبينه فيكون في الاقل كذلك حذرا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. انتهى اقول: ما ذكره في معنى الآية وان امكن المناقشة فيه بما يطول به الكلام إلا ان الظاهر ان الآية لا تصلح هنا للاستدلال لما هي عليه من التشابه وقيام الاحتمال. واما ما ذكره في الجواب عن صحيحة منصور من الطعن في السند والدلالة فهو مردود، اما الطعن من جهة السند ففيه ان منعه من توثيق محمد بن عبد الحميد ممنوع، والظاهر انه اعتمد في ذلك على عبارة العلامة في الخلاصة وما كتبه جده (قدس الله ارواحهم) في حواشيها، حيث قال العلامة في الخلاصة: محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) وكان ثقة من اصحابنا الكوفيين. انتهى. فكتب شيخنا الشهيد الثاني في الحاشية: هذه عبارة النجاشي وظاهرها ان الموثق الاب لا الابن. انتهى. وانت خبير بان ما ذكره في المدارك وان احتمل بالنبسة الى عبارة العلامة في الخلاصة إلا انه لا يتم في عبارة النجاشي التي اخذ منها العلامة هذه العبارة فان هذه العبارة بعينها في كتاب النجاشي وبعدها بلا فصل: له كتاب النوادر.. الى آخره. وحينئذ فمرجع ضمير " له " هو مرجع ضمير " كان " كما لا يخفى على العارف باسلوب الكلام من الاعيان، ولا معنى لرجوع الضمير الاولى الى الاب والثاني الى الابن للزوم التفكيك في الضمائر وهو معيب في كلام الفصحاء بل من قبيل التعمية والالغاز. ويؤيده ايضا ان محمد صاحب


[ 120 ]

الترجمة فجميع ما يذكر فيها يرجع إليه إلا مع قرينة خلافه، ولهذا عد العلامة في الخلاصة طريق الصدوق الى منصور بن حازم في الصحيح مع ان محمد المشار إليه في الطريق، وجزم بتوثيقه جملة من علمائنا الاعلام منهم الميرزا محمد صاحب كتاب الرجال وشيخنا المجلسي في الوجيزة وشيخنا أبو الحسن في البلغة وغيرهم. ومن مواضع الاشتباه في مثل ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن النعمان حيث قال الحسن بن علي بن النعمان مولى بني هاشم ابوه علي بن النعمان ثقة ثبت له كتاب نوادر صحيح الحديث كثير الفوائد.. الخ. والسيد السند صاحب المدارك كتب في حواشيه على الخلاصة على هذا الموضع حيث نقل العلامة فيها هذه العبارة ما صورته: استفاد منه بعض مشايخنا توثيقه وعندي في ذلك توقف والمصنف (قدس سره) جعل حديثه في الصحيح في المنتهى في بحث التخيير في المواضع الاربعة وكأنه ظهر له توثيقه ولا يبعد استفادته من هذه العبارة. انتهى. اقول: والذي وقفت عليه في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) من علماء الرجال وغيرهم هو توثيق الحسن بن علي بن النعمان المذكور ولم يتوقف احد منهم في ذلك، وهو بناء منهم على انه إذا كانت الترجمة لرجل فجميع ما يذكر فهيا انما يعود إليه كما هو في كتب الرجال المعول عليها إلا مع قرينة خلافه كما اشرنا آنفا إليه، وحينئذ فما توهمه (قدس سره) في هذا المقام ظاهر السقوط عند علمائنا الاعلام. واما الطعن في الرواية من حيث الدلالة بان النهي عن الاكثر محمول على الكراهة ففيه ان ما وجه به الكراهة - وهو الذي اشار إليه بقوله " سنبينه " من قيام الدليل عنده على جواز القران في الفريضة فتحمل هذه الرواية ونحوها مما دل على النهي عن القران على الكراهة جمعا - مدفوع بما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى في المسألة من ان المستفاد من الاخبار هو التحريم. نعم يمكن توجيه ذلك بغير ما وجهه (قدس سره) وهو ان ظاهر الاخبار الكثيرة الدالة - كما قلنا - على تحريم القران هو انه عبارة عن الجمع


[ 121 ]

بين سورتين بعد الحمد لا مجرد الزيادة على سورة. ولو ادعى ايضا شمول القران لذلك بمجرد هذه الرواية كما ذهب إليه البعض فيمكن توجبه الكراهة حينئذ باستفاضة الروايات واتفاق الاصحاب على جواز العدول عن سورة الى اخري في الجملة وان اختلفوا في تحديده فانه يدل على جواز قراءة ما زاد على سورة فيجب حمل النهي هنا عما زاد على الكراهة البتة وبذلك يضعف الاعتماد في الوجوب عليها. ومنها - صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله احد.. ثم ليركع " حتى انه يفهم من بعضهم وجوب قراءة " قل هو الله احد " في هذه الصورة. وفيه ان هذه الرواية معارضة بصحيحة زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أيدع المكان الذي غلط فيه ويمضي في قراءته أو يدع تلك السورة ويتحول منها الى غيرها ؟ فقال كل ذلك لا بأس به وان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع " والاحتمال المخرج عن الاستدلال قائم من الطرفين وجار في الروايتين. ومنها - صحيحة محمد بن اسماعيل (3) قال: " سألته قلت اكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الاعراب أنصلي المكتوبة على الارض فنقرأ ام الكتاب وحدها ام نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب والسورة ؟ فقال إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها وإذا قرأت الحمد وسورة احب الي ولا ارى بالذي فعلت بأسا " وهذه الرواية مما استدل به المحدث الشيخ محمد بن الحسن العاملي في كتاب الوسائل على الوجوب حيث انه اختار فيه ذلك وهي بالدلالة على العدم اشبه، قال (قدس سره) بعد نقلها: اقول لولا وجوب السورة لما جاز لاجله ترك الواجب من القيام وغيره. انتهى.


(1) الوسائل الباب 43 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 4 من القراءة


[ 122 ]

وفيه ان معنى الرواية انما هو ان السائل لما سأل انه إذا تعارضت الصلاة على الارض مع ترك السورة للخوف مع الصلاة في المحمل وقراءة السورة فايهما يختار ؟ اجاب (عليه السلام) بانك إذا خفت فالصلاة في المحمل اولى. وليس في ذلك دلالة على انه من حيث المحافظة على السورة وان كان ذلك هو مراد السائل ومفهوم السؤال إلا انهم (عليهم السلام) قد يجيبون بما هو اعم من السؤال بل قد يجيبون بقواعد كلية للمسؤول عنه وغيره ومن الظاهر بل الاظهر ان اولوية الصلاة في المحمل انما هو من حيث الاقبال على العبادة وفراغ البال الذي هو روحها. ويؤيد الاستحباب هنا قوله: " وإذا قرأت الحمد وسورة - يعني في صلاتك في المحمل - فهو احب الي " فان مرمى هذه العبارة انما هو الاستحباب. ومنها - جملة من الاخبار قد تضمنت نفى البأس عن الاقتصار على الفاتحة لمن اعجلت به حاجة، وهو يدل بمفهومه على ثبوت البأس لمن ليس كذلك. وفيه (اولا) ان ثبوت البأس اعم من التحريم. و (ثانيا) ان ما دل على الاستحباب - كما تقدم - صريح الدلالة على ذلك بمنطوقه والمفهوم لا يعارض المنطوق. وربما يستدل على الوجوب بالاخبار الدالة على النهي عن القران في الفريضة بان يقال النهي حقيقة في التحريم ولا وجه لتحريم ذلك إلا من حيث انه يلزم زيادة واجب في الصلاة عمدا وهو مبطل لها. وفيه (اولا) - ان ذلك مبني على تحريم القران فلا يقوم هذا الدليل حجة على من يحكم بالكراهة. و (ثانيا) - ان العبادة واجبة كانت أو مستحبة توقيفية من الشارع فمن الجائز كون السورة مستحبة والنهي عن الاتيان بها ثانية لكونه خلاف الموظف شرعا، وكما ان التشريع يحصل بزيادة الواجب باعتقاد انه واجب ومشروع كذلك يحصل باعتقاد زيادة المستحب باعتقاد توظيفه واستحبابه في ذلك المكان أو زمان من الازمان، واما


[ 123 ]

من حيث كونه قرانا فلا تبطل به سواء قلنا بوجوب السورة أو استحبابها. نعم ربما يمكن الاستدلال على ذلك بالاخبار الدالة على تحريم العدول من سورة التوحيد والجحد الى ما عدا سورتي الجمعة والمنافقين واتفاق جمهور الاصحاب على ذلك. ومن تلك الاخبار صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرأ غيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة.. الحديث ". وصحيحة ابن ابي نصر (2) قال: " يرجع من كل سورة إلا من قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون " الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في موضعها وجه الاستدلال بها انه لولا وجوب السورة هنا لما حرم العدول عنها وليس وجوبها ناشئا عن مجرد الشروع فيها، إذ لا شئ من المستحب يجب بالشروع فيه إلا ما خرج بدليل خاص كالحج، ومتى حرم العدول عنها وجب اتمامها، ومتى ثبت الوجوب في هاتين السورتين ثبت في غيرها إذ لا قائل بالفصل، وجواز العدول في غيرهما مع الاتيان بسورة كاملة بعد ذلك لا ينافي اصل الوجوب بل يؤكده. وهذا اقوى ما يمكن ان يستدل به على الوجوب وان كان بعض مقدماته لا يخلو من المناقشة. وبما قررناه واوضحناه يظهر لك ان المسألة محل توقف واشكال وان الاحتياط فيها لازم على كل حال، فان ما استدل به على الوجوب كما عرفت لا ينهض بالدلالة الواضحة التي يمكن بناء حكم شرعي عليها، وما استدل به على الاستحباب وان كان واضح الدلالة إلا ان اتفاق العامة على القول بمضمونها يضعف الاعتماد عليها والرجوع إليها لما استفاض في الاخبار من الامر بمخالفتهم ولو في غير مقام اختلاف الاخبار. والله العالم.

فروع:

(الاول) - يجب الترتيب بين الحمد والسورة بتقديم الحمد اولا ثم السورة


(1) الوسائل الباب 69 من القراءة (2) الوسائل الباب 35 من القراءة


[ 124 ]

فلو اخل اعاد السورة بعدها أو غيرها. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين: (احدهما) انه لو قدم السورة عامدا فهل تبطل الصلاة ام يجب استئناف السورة أو غيرها وتصح صلاته ؟ قولان، صرح جماعة من الاصحاب بالاول: منهم - الشهيد في كتبه الثلاثة والشهيد الثاني في المسالك والعلامة في المنتهى والقواعد وهو ظاهر المحقق الشيخ علي في الشرح حيث علل ذلك بثبوت النهي في المأتي به جزء من الصلاة المقتضى للفساد، وبالجملة فالظاهر انه المشهور. وظاهر اطلاق عبارة المحقق في الشرائع الثاني واختاره في المدارك ولم اقف على مصرح به سواه حيث قال - بعد قول المصنف: ولو قدم السورة على الحمد اعادها أو غيرها - ما لفظه: اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين العامد والناسي وهو كذلك، وجزم الشارح (قدس سره) ببطلان الصلاة مع العمد وهو غير واضح. اقول: وتخصيصه المخالفة بالشارح فيه نوع اشعار بان الاكثر على خلافه مع ان الامر ليس كذلك فان ما ذكره جده هو الذي صرح به جملة من وقفت على كلامه في المسألة ولم اقف على من صرح بخلافه سواه في كتابه المذكور. بقى الكلام في الدليل على البطلان وقد عرفت ما ذكره المحقق الشيخ على من الدليل على ذلك، وعلله العلامة في المنتهى بان المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) وافعال الائمة (عليهم السلام) الترتيب وهذه الامور انما ثبتت توقيفا. انتهى. وكل من التعليلين لا يخلو من النظر الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر (اما الاول) فلان النهي هنا غير موجود إذ لا نص في المسألة إلا ان يبنى على المسألة الاصولية وهو ان الامر بالشي يستلزم النهي عن ضده الخاص وهو مأمور هنا بقراءة السورة بعد الحمد. والقول بمقتضى هذه القاعدة عندنا غير ثابت إذ لا دليل عليه كما تقدم تحقيقه. و (اما الثاني) فمرجعه الى انه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة


[ 125 ]

التكليف، وفيه ان ذلك لا يستلزم بطلان الصلاة لامكان تداركه ما لم يركع فيجب عليه قراءة تلك السورة أو سورة اخرى بعد الحمد وتصح صلاته. ولو قيل - بانه مع اعتقاده الترتيب على الوجه الذي اتى به يكون مشرعا فتبطل صلاته مع تعمده للنهي عن ذلك القصد - فالجواب انه متى تدارك ذلك قبل الركوع كما ذكرنا فقد حصل امتثال الامر بالترتيب والنهي انما توجه الى امر خارج عن الصلاة وهو القصد فلا يكون موجبا لبطلانها. وربما قيل هنا بالتفصيل بين ما إذا كان عازما على اعادتها فتصح الصلاة اولا فتبطل، ووجهه غير ظاهر. الثاني - انه لو قدم السورة ساهيا فظاهرهم الاتفاق على عدم اعادة الصلاة وانه يجب اعادة السورة أو غيرها بعد الحمد وانما الخلاف في انه هل يجب اعادة الحمد ايضا ام لا ؟ قولان، قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف: " ونسيانا يستأنف القراءة " ما لفظه: ظاهر هذه العبارة وغيرها كعبارته في التذكرة والنهاية استئناف القراءة من اولها فيعيد الحمد والسورة معا. وهو بعيد لان الحمد إذا وقعت بعد السورة كانت قراءتها صحيحة فلا مقتضى لوجوب اعادتها بل يبنى عليها ويعيد السورة خاصة. انتهى. وهو جيد. وظاهر عبارة المدارك في هذا المقام ان هذا الخلاف في صورة تقديم السورة عامدا، والظاهر انه غفلة منه (قدس سره) فان الموجود في كلامهم كما سمعت من كلام المحقق المذكور ان هذا الخلاف انما هو في صورة التقديم ناسيا واما في صورة التقديم عامدا فهو كما قدمنا بيانه. ثم انه قد صرح غير واحد منهم بان الجاهل هنا كالعامد. هذا كله على تقدير وجوب السورة كما لا يخفى.

(الثاني) - قد صرح الاصحاب بانه لا يجوز ان يقرأ من السور ما يفوت بقراءته الوقت بان يقرأ سورة طويلة مع علمه بان الوقت لا يسع لها، قالوا فانه إذا كان عامدا تبطل صلاته لثبوت النهي عن فواتها المقتضى للفساد إذا خرج شئ من الصلاة وان قل عن وقتها، وان


[ 126 ]

كان ناسيا بان قرأ سورة طويلة بظن طول الوقت ثم تبين الضيق وجب العدول الى غيرها وان تجاوز النصف محافظة على فعل الصلاة في وقتها. ولا يخفى ان الحكم المذكور مبني على القول بوجوب السورة وتحريم ما زاد عليها وإلا فلا يتجه المنع، اما على القول بالاستحباب فظاهر لجواز قطعها اختيارا واما على القول بالوجوب مع تجويز الزيادة فلانه يعدل الى سورة قصيرة وما اتى به من القراءة غير مضر. ولم اقف في اصل المسألة على نص مضافا الى ما عرفت من الاشكال في وجوب السورة وعدمه.

(الثالث) - يعتبر في السورة على تقدير القول بالوجوب ما قدمنا ذكره في الفاتحة من وجوب التعلم لو لم يحسن سورة، فلو تعلم بعضها وضاق الوقت فقد صرحوا بانه يأتي بما تعلمه. واما وجوب التعويض بالتكرار وغيره انما هو في ما لو جهل الفاتحة فانها الاصل في القراءة فلا يجوز خلو الصلاة منها أو بدلها اما لو علمها بتمامها وانما جهل السورة فانه يقرأ ما تيسر منها من غير تعويض عن الفائت بقرآن أو ذكر لسقوط اعتبارها مع الضرورة كما عرفت، والجهل بها مع ضيق الوقت قريب منها ان لم يكن اولى، ولان التعويض على خلاف الاصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق. ومنه يعلم انه لو جهلها رأسا سقط اعتبارها مع ضيق الوقت واجزأت الفاتحة. وفي المنتهى ان الحكم اجماعي فلا مساغ للتوقف فيه. وكذا الكلام في الوجوب عن ظهر القلب وجواز ذلك من المصحف اختيارا أو اضطرارا على الخلاف الذي تقدم ذكره في الفاتحة. وكذا وجوب القراءة بالعربية فلا تجزئ الترجمة على ما تقدم ذكره والاعراب ايضا حسبما تقدم.

(الرابع) - قال في الذكرى: قراءة الاخرس تحريك لسانه بها مهما امكن


[ 127 ]

وعقد قلبه بمعناها لان الميسور لا يسقط بالمعسور (1) وروى في الكافي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه " وهذا يدل على اعتبار الاشارة بالاصبع في القراءة كما مر في التكبير. ولو تعذر افهامه جميع معانيها افهم البعض وحرك لسانه به وامر بتحريك اللسان بقدر الباقي تقريبا وان لم يفهم مفصلا. وهذه لم ار فيها نصا. والتمتام والفأفاء والالثغ والاليغ يجب عليهم السعي في اصلاح اللسان ولا يجوز لهم الصلاة مع سعة الوقت مهما امكن التعلم فان تعذر ذلك صحت القراءة بما يقدرون عليه، والاقرب عدم وجوب الائتمام علهيم لان صلاتهم مشروعة. انتهى. اقول وبنحو ذلك صرح غيره. وانت خبير بانه لا اشكال في ما ذكروه من وجوب تحريك اللسان للنص المذكور ويعضده ان الواجب في القراءة شيئان احدهما تحريك اللسان والثاني القراءة على الوجه المخصوص فمع تعذر القراءة يبقى وجوب تحريك اللسان بحاله. واما وجوب عقد القلب بمعناها فهو وان كان مشهورا في كلامهم إلا انه خال من الدليل. ونقل في المنتهى عن الشيخ الاكتفاء بتحريك اللسان. والمراد بعقد القلب بها على ما يستفاد من كلامه جمع: منهم - العلامة وغيره هو ان يقصد كون هذه الحركة حركة قراءة لتتميز بذلك عن حركته في غيرها، وكأنهم لحظوا ان حركة اللسان اعم من القراءة فلا تنصرف إليها إلا بالقصد والنية. والمفهوم من كلام الشهيد في الدروس والبيان - وهو صريحه في هذا الكلام المنقول هنا - ان المراد بعقد القلب قصد معاني الحمد والسورة وتصورها بقلبه حيث صرح في اثناء الكلام توضيحا لما قدمه اولا بانه لو تعذر افهامه جميع معانيها افهم البعض وحرك لسانه به وامر بتحريك اللسان بقدر الباقي وان لم يفهم معناه مفصلا. والظاهر بعده لعدم الدليل عليه كما اعترف به من انه لم


(1) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على " ع " (2) الوسائل الباب 59 من القراءة


[ 128 ]

يربه نصا بل لم يقم دليل على ذلك في الصحيح فضلا عن الاخرس. وبالجملة فهذا من قبيل " اسكتوا عما سكت الله عنه " كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب (1) وقد مر مزيد بيان له ايضا بقى هنا شئ وهو ان ظاهر النص اضافة الاشارة باصبعه الى تحريك لسانه الذي هو بدل عن قراءته وتكبيره وتشهده فيصير داخلا في البدلية. والخبر لا معارض له في ذلك وظاهر عبارة شيخنا المشار إليه ايضا ذلك ولا بأس به. واما ما ذكره بالنسبة الى التمتام والفأفاء والالثغ والاليغ فهو جيد، ويدل عليه ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة (2) قال: " سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ولو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم انه يلزمه ويعمل به وينبغي له ان يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية والفارسية لحيل بينه وبين ذلك بالادب حتى يعود الى ما قد علمه وعقله، قال ولو ذهب من لم يكن في مثل حال الاعجم المحرم ففعل فعال الاعجمي والاخرس على ما قد وصفنا إذا لم يكن احد فاعلا لشئ من الخير ولا يعرف الجاهل من العالم ". اقول: في النهاية فيه " فارسل الى ناقة محرمة " اي التي لم تركب ولم تذلل. وفى الصحاح جلد محرم اي لم تتم دباغته وسوط محرم اي لم يلن بعد وناقة محرمة اي لم تتم رياضتها بعد، وقال كل من لا يقدر على الكلام اصلا فهو اعجم ومستعجم، والاعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه. انتهى. اقول: ومنه يعلم ان اطلاق المحرم في الخبر على من لا يمكنه الاتيان بالقراءة


(1) ج 1 ص 50 وقد رواه القاضى محمد بن سلامة المغربي الشافعي في كتابه الشهاب في الحكم والآداب في باب الالف المقطوع والموصول (2) الوسائل الباب 67 من القراءة


[ 129 ]

ونحوها على وجهها من اخراج الحروف من مخارجها اولا يفصح به لشبهه بالدابة ونحوها من الاشياء المعدودة في عدم لين لسانه وتذليله بالنطق. وحاصل معنى الخبر الفرق بين من يمكنه الاتيان بالقراءة والاذكار والادعية في صلاة أو غيرها على وجهها ولو بالتعلم وبين من لا يمكنه، وان القادر على الاتيان بذلك على وجهه ولو بالتعلم لا يجزئه غير ذلك وجهله مع امكان التعلم ليس بعذر شرعى. والمستفاد من بعض الاخبار ان من لا يقدر على اصلاح لسانه ويقرأ ويدعو على تلك الحال فان الله سبحانه بمزيد فضله وكرمه يوكل الملائكة باصلاحه فلا يرفع إليه إلا على الهيئة والكيفية المأمور بها: روى في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) ان الرجل الاعجمي من امتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته ". وقد ورد في الحديث المشهور عنه (صلى الله عليه وآله) (2) " ان سين بلال عند الله شين ".

(المسألة الثالثة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) من متقدميهم ومتأخريهم وجوب الجهر في الصبح اوليي المغرب والعشاء الاخفات في الباقي فان عكس عامدا عالما وجبت عليه اعادة الصلاة، ونقل عن ابن الجنيد انه يجوز العكس ولكن يستحب ان لا يفعله وهو قول السيد المرتضى في المصباح. والى هذا القول مال جملة من متأخرى المتأخرين: اولهم - على الظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك وتبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا. والاظهر عندي هو القول المشهور، ولنكتف هنا في بيان ما اخترناه بنقل ما ذكره


(1) الوسائل الباب 30 من قراءة القرآن (2) الشهاب في الحكم والآداب للقاضى محمد بن سلامة المغربي الشافعي المتوفى 454 باب الالف المقطوع والموصول


[ 130 ]

السيد المشار إليه والكلام على كلامه وبيان ضعفه في نقضه وإبرامه: قال (قدس سره) بعد نقل القولين المذكورين: احتج الشيخ (قدس سره) بما رواه زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي ان يجهر فيه أو اخفى في ما لا ينبغي الاخفاء فيه ؟ فقال اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته عليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه " وجه الدلالة قوله (عليه السلام) " اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة " فان " نقض " بالضاد المعجمة كناية عن البطلان والاعادة انما تثبت مع اشتمال الاولى على نوع من الخلل. واحتج الشهيد في الذكرى على الوجوب ايضا بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) والتأسي به واجب. وهو ضعيف جدا فان التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. واحتج القائلون بالاستحباب باصالة البراءة من الوجوب، وقوله تعالى " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " (2) وجه الدلالة ان النهي لا يجوز تعلقه بحقيقة الجهر والاخفات لامتناع انفكاك الصوت عنهما بل المراد - والله اعلم - ما ورد عن الصادق (عليه السلام) (3) في تفسير الآية وهو تعلق النهي بالجهر العالي الزائد عن المعتاد والاخفات الكثير الذي يقصر عن الاسماع والامر بالقراءة المتوسطة بين الامرين وهو شامل للصلوات كلها. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه ان لا يجهر ؟ قال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر " واجاب عنها الشيخ بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب العامة (5) قال المصنف (قدس سره) وهو تحكم من الشيخ فان بعض


(1) الوسائل الباب 26 من القراءة (2) سورة بنى اسرائيل، الآية 110 (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (4) الوسائل الباب 25 من القراءة (5) في البحر الرائق ج 1 ص 302 " الجهر في الصلاة الجهرية واجب على الامام فقط وهو افضل في حق المنفرد وهى صلاة الصبح والركعتان الاوليان من المغرب والعشاء.. "


[ 131 ]

الاصحاب لا يرى وجوب الجهر بل يستحبه مؤكدا. والتحقيق انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الاول على الاستحباب أو حمل الثاني على التقية، ولعل الاول ارجح لان الثانية اوضح سندا واظهر دلالة مع اعتضادها بالاصل وظاهر القرآن. انتهى. اقول: وعدي فيه نظر من وجوه (احدها) - نقله رواية زرارة عارية عن وصف الصحة حيث انه نقلها عن الشيخ وهي وان كانت في كتابيه كذلك لكنها من روايات الصدوق في الفقيه وطريقه الى زرارة في اعلى مراتب الصحة فتكون الرواية صحيحة، وبه يظهر ضعف ما ذكره اخيرا من دعواه كون صحيحة علي بن جعفر اوضح سندا بناء على نقله لها عن الشيخ (قدس سره). و (ثانيها) - انه مما يدل على هذا القول ايضا صحيحة زرارة الاخرى عنه (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي الجهر فيه أو اخفى في ما لا ينبغي الاخفاء فيه، وترك القراءة في ما ينبغي القراءة فيه أو قرأ في ما لا ينبغي القراءة فيه ؟ فقال اي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شئ عليه ". وما رواه في الفقيه في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (2) " ان الصلوات التي يجهر فيها انما هي في اوقات مظلمة فوجب ان يجهر فيها ليعلم المار ان هناك جماعة.. الحديث ". ومثله ما رواه الصدوق ايضا في حكاية صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) بالملائكة في ابتداء الصلاة (3) قال: " سأل محمد بن عمران ابا عبد الله (عليه السلام) قال لاي علة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة وسائر الصلوات الظهر والعصر لا يجهز فيهما ؟ قال لان النبي (صلى الله عليه وآله) لما اسرى به الى السماء كان اول صلاة فرض الله عليه الظهر يوم الجمعة فاضاف إليه الملائكة تصلى خلفه وامر نبيه (صلى الله عليه وآله) ان يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله ثم فرض عليه العصر ولم يضف إليه احدا


(1) الوسائل الباب 26 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 25 من القراءة


[ 132 ]

من الملائكة وامره ان يخفى القراءة لانه لم يكن وراءه احد، ثم فرض عليه المغرب واضاف إليه الملائكة فأمره بالاجهار وكذلك العشاء الآخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض الله عليه الفجر فأمره بالاجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة فلهذه العلة يجهر فيها.. الحديث ". والتقريب في خبر الفضل ظاهر لتصريحه بالوجوب وفى خبر محمد بن عمران لتضمنه الامر من الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله) بالجهر والاخفات في تلك الصلوات، واوامره ونواهيه عزوجل للوجوب والتحريم بلا خلاف، وانما الخلاف في الاوامر والنواهي التي في السنة " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (1) ومتى ثبت الحكم في حقه (صلى الله عليه وآله) ثبت في امته بدليل استدلال الصادق (عليه السلام) بذلك على اصل الحكم المذكور، وهو بحمد الله سبحانه ظاهر لك ناظر. و (ثالثها) - استدلاله بالآية فانه وان كان الامر كما ذكره وقرره إلا ان هذا الاجمال الذي دلت الآية غير معمول عليه لاتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب على انقسام الصلاة الى جهرية واخفاتية وتعيين الجهرية في صلوات مخصوصة والاخفاتية في صلوات مخصوصة، وقد دلت الاخبار المتقدمة على وجوب الجهر في الجهرية والاخفات في الاخفاتية فلا بد من تخصيص هذ الاجمال بهذه الاخبار المشار إليها، وحينئذ فيصير معنى الآية لا تجهر في الجهرية جهرا عاليا زائدا على المعتاد ولا تخافت في الاخفاتية اخفاتا لا تسمع نفسك. واللازم من ذلك الجهر في الجهرية بدون الحد المذكور والاخفات في الاخفاتية فوق الحد المذكور، ومنه يظهر عدم جواز الاستناد الى الآية في المقام لما هي عليه من الجمال المنافي لما فصلته اخبارهم (عليهم السلام). ومن الاخبار الواردة بتفسير الآية المذكورة ما رواه العياشي عن سماعة بن


(1) سورة النور، الآية 63


[ 133 ]

مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في قول الله عزوجل: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها (2) ؟ قال المخافتة ما دون سمعك والجهر ان ترفع صوتك شديدا ". وما رواه الثقة الجليل علي بن ابراهيم في تفسيره عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ؟ قال الجهر بها رفع الصوت والتخافت ما لم تسمع باذنك واقرأ ما بين ذلك ". وبهذا الاسناد عنه (عليه السلام) (4) قال: " الاجهار رفع الصوت عاليا والمخافتة ما لم تسمع نفسك ". وروى العياشي في سبب النزول عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) (5) " في قوله ولا تجهر بصلاتك.. الآية ؟ قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان بمكة جهر بصلاته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فانزلت هذه الآية عند ذلك " ونحوه روى الطبرسي عنهما (عليهما السلام) (6). اقول: وهذه الاخبار وان كان فيها ايضا نوع اجمال بالنسبة الى الوسط الذي بين الجهر والاخفات المنهى عنهما إلا انه قد علم من الاخبار المشار إليها انفا ان هذا الحد الوسط له فردان: (احدهما) الجهر في الجهرية دون الحد المنهى عنه. و (ثانيهما) الاخفات في الاخفاتية فوق الحد المنهى عنه، لان الجهر والاخفات - كما سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيقه - حقيقتان متضادتان، وبالجملة فانك إذا ضممت اخبار المسألة كملا بعضها الى بعض فانه لا مندوحة عن التخصيص في كل من الموضعين بما ذكرنا. قال شيخنا المجلسي (قدس الله روحه) في كتاب البحار في معنى الآية: يحتمل ان يكون الغرض بيان حد الجهر في الصلاة مطلقا أو للامام، وهذا وجه قريب لتفسير الآية


(1) و (4) و (5) مستدرك الوسائل الباب 26 من القراءة (2) سورة بنى اسرائيل، الآية 110 (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (6) ج 3 ص 446


[ 134 ]

اي ينبغي ان يقرأ في ما يجهر فيه من الصلوات بحيث لا يتجاوز الحد في العلو ولا يكون بحيث لا يسمعه من قرب منه فيكون اخفاتا أو لا يسمعه المأمومون فيكون مكروها. انتهى وبذلك يظهر لك ما في قوله اخيرا " وهو شامل للصلوات كلها " فانه ناشئ عن عدم ملاحظة الاخبار الواردة في المقام وما اشتملت عليه مما يوجب تقييد هذا الاجمال كما لا يخفى على ذوي الافهام. و (رابعها) ما ذكره من الوجهين في الجمع بين الخبرين المنقولين في كلامه واختياره الاستحباب منهما، فان فيه ما عرفت في غير مقام مما سبق انه (اولا) لم يقم عليه دليل وان اشتهر بينهم (رضوان الله عليهم) جيلا بعد جيل. و (ثانيا) ان الاستحباب حكم شرعي لا يصار إليه إلا بدليل واضح ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك و (ثالثا) ان الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة ومجرد اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، ومن المعلوم انه لولا وجود صحيحة علي بن جعفر في البين لما كان معدل عن الحكم بمقتضى صحيحة زرارة المذكورة والقول بالوجوب كما لا يخفى. و (رابعا) انه من الجائز بل هو المتعين ان يجعل التأويل في جانب صحيحة علي بن جعفر بان تحمل على التقية وهو مقتضى القاعدة المنصوصة عن اهل العصمة (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار فان العامة كلهم على الاستحباب كما هو مذهب ابن الجنيد على ما نقله في المعتبر، ولكنهم (رضوان الله عليهم) الغوا هذه القواعد الواردة عن أئمتهم (عليهم السلام) واتخذوا قواعد لا اصل لها في الشريعة. و (خامسا) تأيد صحيحة زرارة بالروايات التي قدمناها. و (خامسها) - ما ذكره من اظهرية دلالة صحيحة علي بن جعفر فانه في الضعف والبطلان اظهر من ان ينكر، وكيف وصحيحة زرارة دلت على ان الاخفاتية لا يجوز الجهر فيها والجهرية لا يجوز الاخفات فيها، وهذا وان كان في كلام السائل إلا ان الامام (عليه السلام) قرره عليه واجابه بما يطابقه ويدل عليه، ودلت ايضا على وجوب


[ 135 ]

الاعادة بعد حكمه بكون ذلك نقضا للصلاة إذا كانت المخالفة والاخلال عن عمد. وكل واحد من هذه الوجوه يكفي في الدلالة لو انفرد فكيف مع الاجتماع، وحينئذ فلا وجه لدعواه ان صحيحة علي بن جعفر اظهر دلالة، ومن المعلوم ان ترك المستحبات لا يوجب الاعادة من رأس. و (سادسها) - ما ذكره من الاعتضاد بالاصل وظاهر القران، فان في الاول منهما ان الاصل يجب الخروج عنه مع قيام الدليل على خلافه وقد عرفت الدليل من الصحيحة المذكورة وصحيحته الثانية والاخبار التي معها. وفى الثاني انه بمقتضى ما اوضحناه ان الآية لا دلالة لها على ما ادعاه. هذا. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة في هذا المقام - حيث انه ممن تبع السيد السند كما هي عادته في اغلب الاحكام فزاد في تأييد مقالته ما زعمه من الابرام من ظهور لفظ " لا ينبغي " في الاستحباب ون " نقص " في الرواية بالصاد المهملة اي نقص ثوابه وانه يحتمل حمل الامر بالاعادة على الاستحباب فيكون المراد المبالغة في استحبابه - فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة واحتمالاته السخيفة، ولو قامت مثل هذه التكلفات في الاخبار والتمحلات التي تبعد عن مذاق الافكار لم يبق دليل يعتمد عليه إلا وللقائل فيه مقال وان سخف وبعد ذلك الاحتمال، ومع هذا فانا نوضح بطلان ما اعتمده باوضح بيان: فنقول: اما ما ذكره من ظهور لفظ " لا ينبغي " في الاستحباب ان اراد في عرف الناس فهو كذلك ولكن لا ينفعه، وان اراد في عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع اشد المنع كما لا يخفى على من غاص بحار الاخبار وجاس خلال تلك الديار، وبذلك اعترف جملة من علمائنا الابرار، وقد حضرني الآن من الاخبار التي استعمل فيها لفظ " ينبغي ولا ينبغي " في الوجوب التحريم ما ينيف على ثلاثين حديثا. والتحقيق في المقام هو ما قدمنا ذكره من ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة في كلامهم (عليهم السلام) فلا يحمل على احد معنييه


[ 136 ]

إلا بقرينة ظاهرة والقرينة في ما ندعيه من المعنى واضحة من الجواب كما لا يخفى على ذوي الالباب. واما ما ذكره من لفظ " نقص " وانه بالصاد فانه مع تسليم صحته فهو مؤيد لما ندعيه، وذلك فان المتبادر من النقص في الشئ انما هو عدم الاتيان به تاما فمعنى نقص الصلاة عدم الاتيان بها تامة، وهذا هو المعنى الذي ينطبق عليه الامر بالاعادة كما لا يخفى على من اتخذ الانصاف سجية وعادة. واما حمل النقص على نقص الثواب كما زعم فهو معنى مجازي خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا مع المعارض الراجح كما لا يخفى على الخبير الماهر. واما حمل الاعادة على الاستحباب فقد عرفت ما فيه. وبالجملة فانك إذا رجعت الى القواعد الشرعية الواردة عن الذرية المصطفوية (عليهم افضل الصلاة والتحية) يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور وان القول الآخر بمحل من الضعف والقصور. واما ما ذكره من المحقق - ردا على الشيخ في حمله صحيحة علي بن جعفر على التقية من انه تحكم لان بعض الاصحاب ذهب الى القول بمضمونها - ففيه ان ظاهر هذا الكلام يعطي انه لا يصح حمل الخبر على التقية إلا إذا كان ذلك الخبر مطرحا عند جميع الاصحاب بحيث لا يقول به قائل في ذلك الباب، وهذا غريب من مثل هذا المحقق النحرير وتحكم محض بل سهو في هذا التحرير، ولعله لهذا اطرحوا قاعدة عرض الاخبار في مقام الاختلاف على التقية مع انها في اختلاف الاخبار هي اصل كل بلية كما نبهنا عليه في مقدمات الكتاب، ولا يخفى ان الاخبار الخارجة عنهم (عليهم السلام) بالاختلاف في الاحكام لا وجه للاختلاف فيها سوى التقية كما حققناه في مقدمات الكتاب، ولكن العامل بذلك الخبر الخارج مخرج التقية انما عمل به من حيث ثبوته عنهم (عليهم السلام) ولا علم له بكونه خرج مخرج التقية، ولهذا وردت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالرخصة بالعمل بالاخبار الخارجة مخرج التقية حتى يعلم بانها انما خرجت كذلك فيكون حينئذ


[ 137 ]

مخاطبا بترك العمل بها إذا لم تلجئه التقية للعمل بها وما نحن فيه من هذا القبيل. وبالجملة فان الاخبار المستفيضة بالترجيع بمخالفة العامة في مقام اختلاف الاخبار اعم مما ذكره فانه متى ما وافق احد الخبرين العامة وخالفهم الآخر وجب تركه عمل به أو لم يعلم به ولهذا ترى الاصحاب في مقام البحث والترجيح يستدل احدهم بخبر ويجيب عنه الآخر بالحمل على التقية. والله العالم.

تنبيهات:

(الاول) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق وابن ادريس والعلامة والشهيد وغيرهم بان اقل الجهر ان يسمع القريب منه تحقيقا أو تقديرا واقل الاخفات ان يسمع نفسه لو كان سامعا، وادعى عليه الفاضلان في المعتبر والمنتهى الاجماع وقال الشهيد في الذكرى: اقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان يسمع وحد الاخفات اسماع نفسه ان كان يسمع وإلا تقديرا، قال في المعتبر وهو اجماع العلماء ولان ما لا يسمع لا يعد كلاما ولا قراءة. وقال ابن ادريس في السرائر: وادنى حد الجهران تسع من على يمينك أو شمالك ولو علا صوته فوق ذلك لم تبطل صلاته، وحد الاخفات اعلاه ان تسمع اذناك القراءة وليس له حد ادنى بل ان لم تسمع اذناه القراءة فلا صلاة له وان سمع من على يمينه أو شماله صار جهرا فإذا فعله عامدا بطلت صلاته. انتهى. وقال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف " واقل الجهر ان يسمعه القريب الصحيح السمع إذا استمع والاخفات ان يسمع نفسه ان كان يسمع ": هذا الضابط ربما اوهم بظاهره تصادق الجهر والاخفات في بعض الافراد وهو معلوم البطلان لاختصاص الجهر ببعض الصلوات والاخفات ببعض وجوبا أو استحبابا. والحق ان الجهر والاخفات حقيقتان متضادتان يمتنع تصادقهما في شئ من الافراد. ولا يحتاج في كشف مدلولهما الى شئ زائد على الحوالة على العرف انتهى.


[ 138 ]

والظاهر ان مبنى ما ذكره السيد (قدس سره) من الاعتراض على الضابط المذكور هو انه فهم من عبارة الفاضلين والشهيد عطف الاخفات في عبائرهم على المضاف إليه في قولهم " اقل الجهر ان يسمع القريب منه والاخفات " يعني اقل الاخفات واللازم من هذا تصادق الجهر والاخفات في اسماع القريب بان يكون ذلك اعلى مراتب الاخفات لان اقله اسماع نفسه واكثره اسماع القريب واقل مراتب الجهر كما صرحوا به، وحينئذ فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه وتصير هذه الصورة مادة الاجتماع والحال ان المفهوم من النصوص الدالة على انقسام الصلاة الى جهرية واخفاتية خلافه. وانت خبير بان كلام الجماعة المذكورين وان اوهم في بادئ النظر ما ذكره إلا ان الظاهر ان ما ذكروه من تعريف الاخفات ليس بيانا للمرتبة الدنيا منه بل انما هو بيان لمعنى حقيقة الاخفات وانه عبارة عما ذكروه وانه ليس معطوفا على المضاف إليه بل على المضاف والواو للاستئناف. وبالجملة فالظاهر انهم انما قصدوا بذلك بيان معنى الاخفات وانه عبارة عن اسماع الانسان نفسه حقيقة أو تقديرا واما ما زاد عليه فهو جهر تبطل الصلاة به كما هو صريح عبارة ابن ادريس واليه يشير آخر عبارة العلامة في المنتهى حيث قال بعد تحديد الاخفات بان يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعا: وانما حددناه بما قلنا لان ما دونه لا يسمى كلاما ولا قرآنا وما زاد عليه يسمى جهرا. انتهى. وهو ظاهر في ان اسماع القريب جهر عنده لا اخفات بل الاخفات خاص باسماع نفسه. وقال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: الجهر والاخفات حقيقتان متضادتان كما صرح به المصنف في النهاية عرفيتان يمتنع تصادقهما في شئ من الافراد ولا يحتاج في كشف مدلولهما الى شئ زائد على الحوالة على العرف.. الى ان قال - بعد ذكر تعريف المصنف له بان اقل الجهر اسماع القريب تحقيقا أو تقديرا - ما صورته: وينبغي ان يزاد فيه قيد آخر وهو تسميته جهرا عرفا وذلك بان يتضمن اظهار الصوت على الوجه المعهود.


[ 139 ]

ثم قال بعد قوله: " وحد الاخفات اسماع نفسه تحقيقا أو تقديرا " ولابد من زيادة قيد آخر وهو تسميته مع ذلك اخفاتا بان يتضمن اخفات الصوت وهمسه وإلا لصدق هذا الحد على الجهر، وليس المراد اسماع نفسه خاصة لان بعض الاخفات قد يسمعه القريب ولا يخرج بذلك عن كونه اخفاتا. انتهى. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واعلم ان الجهر والاخفات كيفيتان متضادتان لا يجتمعان في مادة كما نبه عليه في النهاية، فاقل السر ان يسمع نفسه لا غير تحقيقا أو تقديرا واكثره ان لا يبلغ اقل الجهر، واقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان صحيح السمع مع اشتمال القراءة على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا، واكثره ان لا يبلغ العلو المفرط وربما فهم بعضهم ان بين اكثر السر واقل الجهر تصادقا وهو فاسدا لادائه الى عدم تعيين احدهما لصلاة لامكان استعمال الفرد المشترك حينئذ في جميع الصلوات وهو خلاف الواقع لان التفصيل قاطع للشركة. انتهى. وظاهر كلام هذين الفاضلين انه لابد في صدق الجهر وحصوله من اشتمال الكلام على الصوت وهذا هو منشأ الفرق بين الجهر والاخفات، فان اشتمل الكلام على الصوت سمى جهرا اسمع قريبا أو لم يسمع وان لم يشتمل عليه سمى اخفاتا كذلك. وبنحو ما ذكره الفاضلان المذكوران صرح المحقق الاردبيلى (قدس سره) والظاهر انه قول كافة من تأخر عنهما. وفيه من المخالفة لكلام اولئك الفضلاء ما لا يخفى فانهم - كما عرفت - جعلوا اقل مراتب الجهر ان يسمع من قرب منه اشتمل على صوت أو لم يشتمل وان الاخفات عبارة عن اسماع نفسه اشتمل على صوت أو لم يشتمل وادعى الفاضلان على ذلك الاجماع كما تقدم، واللازم من ذلك ان من قرأ في الصلوات الاخفاتية بحيث يسمعه من قرب منه وان لم يشتمل على صوت فان صلاته تبطل بذلك وهو صريح كلام ابن ادريس كما تقدم، مع ان صريح كلام هؤلاء المتأخرين وهو انه متى كان كذلك فان الصلاة صحيحة.


[ 140 ]

والعرف يساعد ما ذكره المتأخرون فان مجرد سماع القريب مع عدم الاشتمال على الصوت الظاهر انه لا يطلق عليه الجهر عرفا. وبالجملة فالمتبادر عرفا من الجهر هو ما اشتمل على هذا الجرس الذي هو الصوت وان كان خفيا وما لم يشتمل عليه فانما يسمى اخفاتا وان سمعه القريب. واما ما ذكره شيخنا المشار إليه في آخر كلامه بقوله: " وربما فهم بعضهم.. الخ " فقد عرفت وجهه مما تقدم. وكيف كان فانه لا يعتد في الاخفات بما دون اسماع نفسه لما عرفت من الاخبار المتقدمة من تفسير الاخفات المنهى عنه بما لا يسمع نفسه. ويؤيده ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا يكتب من القرآن والدعاء إلا ما اسمع نفسه ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه ؟ قال لا بأس بذلك إذا اسمع اذنيه الهمهمة ". واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) - (3) قال: " سألته عن الرجل يصلح له ان يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير ان يسمع نفسه ؟ قال لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما " - فقد حمله الشيخ في التهذيب على من يصلى مع قوم لا يقتدي بهم واستدل عليه بما رواه عن محمد بن ابي حمزة عن من ذكره (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) يجزئك من القراءة معهم مثل حديث النفس ". اقول: وقريب منه ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدي بصلاته


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 33 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 52 من القراءة


[ 141 ]

والامام يجهر بالقراءة ؟ قال اقرأ لنفسك وان لم تسمع نفسك فلا بأس ".

(الثاني) - المشهور في كلامهم انه لا جهر على النساء في موضع الجهر بل الحكم مختص بالرجال، وادعى عليه الفاضلان والشهيدان اجماع العلماء فيكفيها اسماع نفسها تحقيقا أو تقديرا. ولو جهرت ولم يسمعها الاجنبي فقد صرحوا بصحة صلاتها لحصول الامتثال اما لو سمعها فالمشهور عندهم البطلان للنهي في العبادة المستلزم للفساد. والظاهر ان مرادهم بالنهي هنا هو ان صوت المرأة عورة فهى منهية عن اسماعه الاجنبي وانت خبير بانه لم يقم عندنا ما يدل على ما ادعوه من كون صوتها عورة وانها منهية عن اسماعه الاجنبي بل ظاهر الاخبار الدالة على تكلم فاطمة (عليها السلام) مع الصحابة في مواضع عديدة ولا سيما في المخاصمة في طلب ميراثها والاتيان بتلك الخطبة الطويلة المشهورة كما نقلناها لطولها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد وتكلم النساء في مجلس الائمة (عليهم السلام) هو خلاف ما ذكروه. ثم انه مع تسليم صحة ما ذكروه فالنهى هنا انما توجه الى امر خارج عن الصلاة وان كان مقارنا كما تقدم البحث فيه في مسألة الصلاة في المكان والثوب المغصوبين. وبالجملة فان كلامهم هنا لا يخلو من ضعف لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه كما عرفت اقول: والذي وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار ما رواه الشيخ في القوى عن علي بن يقطين عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ فقال بقدر ما تسمع ". وعن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ قال قدر ما تسمع " وما رواه في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه مثله (3) وزاد قال: " وسألته عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة ؟ قال


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 31 من القراءة


[ 142 ]

لا إلا ان تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها ". اقول: ظاهر هذه الاخبار انه لا جهر على النساء كما ذكره الاصحاب إلا إذا كانت تؤم النساء فانها تجهر ولكن لا تجاوز بجهرها اسماع نفسها، واطلاق الاخبار الاولة يحمل على الخبر الاخير. وهذه المرتبة وان كانت في عبارات الفاضلين والشهيدين وابن ادريس كما تقدم من مراتب الاخفات وهي حد الاخفات عندهم إلا انه بالنظر الى كلام المتأخرين الذين جعلوا المدار في الفرق بين الجهر والاخفات هو وجود الصوت وعدمه لا مانع من جعلها من مراتب الجهر إذا اقترنت بالصوت وان كان خفيا. ويمكن حينئذ الفرق بين حال امامتها وغيرها باعتبار الصوت وعدمه بمعنى انها تقرأ في الموضعين بقدر ما تسمع نفسها إلا انه في حال الامامة يكون مقرونا بصوت خفي وفى غيرها بغير صوت، واما كون ذلك في مقام سماع الاجنبي أو عدمه فغير معلوم من الاخبار وانما هو من تكلفات الاصحاب في هذا الباب. بقى الكلام في انها لو اجهرت زيادة على ذلك فقضية الاصل جوازه وان كان خلاف الافضل كما صرحوا به في مقام عدم سماع الاجنبي لها. هذا بالنسبة الى الصلاة الجهرية. واما بالنبسة الى الصلاة الاخفاتية فالظاهر من كلام الاكثر وجوب الاخفات عليها في موضعه ولم اقف على مصرح به إلا انه يظهر من تخصيصهم استثناء النساء بصورة وجوب الجهر على الرجل. قيل وربما اشعر بعض عباراتهم بثبوت التخيير لها مطلقا. وقال المحقق الاردبيلي (قدس سره) انه لا دليل على وجوب الاخفات على المرأة في الاخفاتية، واختاره جملة ممن تأخر عنه: منهم - الفاضل الخراساني وشيخنا المجلسي، وكيف كان فالاحوط العمل بالقول المشهور لحصول البراءة اليقينية على تقديره

(الثالث) - وجوب الجهر على تقدير القول به انما هو في القراءة خاصة ولا يجب في شئ من اذكار الصلاة لاصالة العدم. ولما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه


[ 143 ]

السلام) (1) قال: " سألته عن التشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت للرجل ان يجهر به ؟ قال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر ". والظاهر ان ذكر هذه الاشياء في الرواية انما هو على وجه التمثيل فيكون الحكم شاملا لجميع اذكار الصلاة إلا ما خرج بالدليل، ومنه القراءة أو التسبيح في الاخيرتين فان الحكم فيها ذلك إلا ان ظاهر الاصحاب وجوب الاخفات فيه، وفى هذه الازمان اشتهر بين جملة من ابناء هذا الزمان القول بوجوب الجهر فيه والكل بمعزل عن الصواب وسيجئ ان شاء الله تحقيق المقام في الفصل الموضوع لهذه المسألة. وبالجملة فالظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ما عدا هذا الموضوع في ان المصلي مخير بين الجهر والاخفات نعم يستحب للامام الجهر في هذه المواضع لما في موثقة ابي بصير (2) من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول وللمأموم ان لا يمسع الامام شيئا مما يقول.

(الرابع) - لا خلاف بين الاصحاب هنا في معذورية الجاهل وهذا احد الموضعين الذين خصوهما بالاستثناء في كلامهم، ويدل على ذلك ما تقدم في صحيحتي زرارة. ولو ذكر في الاثناء لم يجب عليه الاستئناف كما صرح به بعض الاصحاب، واطلاق الصحيحتين المذكورتين دال عليه. والناسي ايضا كذلك كما دل عليه الصحيحان المذكوران، فلو خافت في موضع الجهر أو جهر في موضع الاخفات جاهلا أو ناسيا فلا شئ عليه وصحت صلاته ولا يجب بالاخلال بهما سجود سهو لاطلاق الرواية. والظاهر انه لا خلاف في جميع هذه الاحكام.

(الخامس) - حكم القضاء حكم الاداء في ذلك بلا خلاف كما ذكره في المنتهى


(1) الوسائل الباب 20 من القنوت، واللفظ كما في التهذيب ج 1 ص 163 والوسائل والوافى باب الجهر والاخفات هكذا: " سألت ابا الحسن الماضي " ع " عن الرجل هل يصلح له ان يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ قال.. " (2) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة


[ 144 ]

سواء كان القضاء في ليل أو نهار، قال في المنتهى: قد اجمع اهل العلم على الاسرار في صلاة النهار إذا قضيت في ليل أو نهار وكذا صلاة الليل إذا قضيت بالليل جهر بها وإذا قضاها بالنهار جهر بها عندنا، وبه قال أبو حنيفة وابو ثور وابن المنذر، وقال الشافعي يسر بها (1).. الى آخره. بقى الكلام في ما لو كان يقضي عن غيره واختلف حكم القاضي والمقضي عنه كالرجل يقضي عن المرأة والمرأة تقضى عن الرجل، فان الرجل يجب عليه الجهر في الجهرية والمرأة يجب عليها الاخفات في الجهرية في مقام سماع الاجنبي عند الاصحاب، فلو أرادت المرأة القضاء عن الرجل صلاته الجهرية في مقام يسمع صوتها الاجانب فمقتضى القاعدة الاولة وجوب الجهر عليها كما فاتت ذلك الرجل، ومقتضى ما صرحوا به من عدم جواز الجهر لها بالنسبة الى صلاتها انه يكون الحكم كذلك بالنسبة الى هذه الصلاة التي تقضيها عن الغير، وكذا لو اراد الرجل ان يقضي عن المرأة صلاة جهرية وجب عليه الاخفات فيها أو استحب فان مقتضى القاعدة انه يقضيها اخفاتا لان الفائتة كانت كذلك، ومقتضى اطلاق الاخبار الدالة على وجوب الجهر في هذه الصلاة وان المرأة انما وجب عليها الاخفات أو استحب لخصوص مادة وهو تحريم اسماع صوتها الاجنبي أو كراهة ذلك مطلقا هو وجوب الجهر عملا بالاطلاق إذ المخصص المذكور غير موجود هنا. ولم اقف في هذا المقام على كلام لاحد من علمائنا الاعلام والاقرب الانسب بالقواعد هنا هو الاعتبار بحال القاضي لا المقتضي عنه لما عرفت في تعليل كل من المسألتين هذا كله بناء على قواعد الاصحاب في تحريم سماع صوت المرأة واما على ما ذكرناه واخترناه فلا اشكال.

(السادس) - المستحب في نوافل النهار الاخفات وفي نوافل الليل الاجهار بالقراءة، قال في المنتهى: وهو مذهب علمائنا اجمع.


(1) المغنى ج 1 ص 570


[ 145 ]

اقول: ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي ابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " السنة في صلاة النهار بالاخفات والسنة في صلاة الليل بالاجهار ". ومما يدل على جواز الجهر نهارا وان كان خلاف الافضل ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل هل يجهر بقراءته في التطوع بالنهار ؟ فقال نعم ".

(المسألة الربعة) - اختلف الاصحاب في حكم القرآن بين السورتين في الفريضة فقال الشيخ في النهاية والمبسوط انه غير جائز بل قال في النهاية انه مفسد للصلاة ونحو منه كلامه في الخلاف، واليه ذهب المرتضى في الانتصار ونقل اجماع الفرقة عليه واختاره في المسائل المصرية الثالثة ايضا، لكن نقل في التذكرة عن المرتضى القول بكراهة القرآن ولعله في موضع آخر من مصنفاته. والعلامة اختلف اختياره في هذه المسألة في كتبه فاختار التحريم في التحرير والقواعد والارشاد والمختلف ومال إليه الشهيد في رسالته واليه ذهب أبو الصلاح على ما رأيته في كتابه الكافي حيث قال: ولا يجوزان يقرأ مع فاتحة الكتاب بعض سورة ولا اكثر من سورة. انتهى. وممن صرح بذلك الصدوق في الفقيه حيث قال: ولا تفرق بين سورتين في فريضة فاما في النافلة فاقرن ما شئت. وذهب الشيخ في الاستبصار الى الكراهة واختاره ابن ادريس والمحقق وجمهور المتأخرين ومتأخريهم. والظاهر عندي هو القول بالتحريم، ومما يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال لا لكل سورة ركعة ".


(1) و (2) الوسائل الباب 22 من القراءة (3) الوسائل الباب 8 من القراءة


[ 146 ]

وصحيحة منصور بن حازم (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة ولا باكثر ". والسيد السند في المدارك حيث اختار القول المشهور بين المتأخرين نقل هذه الصحيحة في ادلة القول بالتحريم عارية عن وصف الصحة ثم طعن فيها في آخر كلامه بانها ضعيفة الاسناد، وسند هذه الرواية قد اشتمل على محمد بن عبد الحميد وسيف بن عميرة. والظاهر ان طعنه فيها بالضعف لاشتمال سندها على محمد بن عبد الحميد كما عرفت من كلامه فيه آنفا وقد تقدم الجواب عنه منقحا. ويحتمل ايضا بالنظر الى سيف بن عميرة حيث نقل ابن شهر اشوب انه ثقة واقفي وعليه فتكون الرواية في الموثق والموثوق عندهم من قسم الضعيف إلا ان المشهور خلافه، وقد وثقه الشيخ والعلامة والشهيد في كتاب نكت الارشاد في بحث نكاح الامة باذن المولى، قال بعد ان نقل الطعن عليه بالضعف: والصحيح انه ثقة. وبه صرح خاتمة المحدثين المجلسي في وجيزته وشيخنا الشيخ سليمان في بلغته، فالحديث صحيح بلا شبهة ولا ريب. ومن الاخبار الدالة على ذلك ايضا موثقة زرارة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة فقال ان لكل سورة حقا فاعطها حقها من الركوع والسجود ". اقول: وحق السورة من الركوع والسجود هو ان يأتي بهما بعد السورة بلا فصل فإذا قرن بين سورتين فقد ترك حق الاولى. وتوثيق هذا الخبر انما هو بعبد الله بن بكير الذي قد عد في من اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يقصر خبره عن رتبة الصحيح بناء على اصطلاحهم. ومن ذلك ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقرأ سورتين في ركعة ؟ قال نعم. قلت أليس يقال اعط كل سورة حقها من


(1) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 8 من القراءة


[ 147 ]

الركوع والسجود ؟ فقال ذلك في الفريضة فاما في النافلة فليس به بأس ". ومن ذلك ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لا تقرن بين سورتين في الفريضة في ركعة فان ذلك افضل " ولا يتوهم من قوله " فان ذلك افضل " الدلالة على الاستحباب فان استعمال افعل التفضيل بمعنى اصل الفعل شائع. وما رواه في كتاب الخصال بسنده فيه الى علي (عليه السلام) في حديث الاربعمائة (2) قال: " اعطوا كل سورة حقها من الركوع والسجود ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل قرأ سورتين في ركعة ؟ قال إذا كانت نافلة فلا بأس واما الفريضة فلا يصلح ". وما رواه في آخر السرائر بالسند المتقدم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " لا قران بين سورتين في ركعة ولا قران بين اسبوعين في فريضة ونافلة ولا قران بين صومين ". وما رواه في المعتبر والمنتهى من جامع البزنطي عن المفضل (5) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح والفيل ولايلاف ". وما رواه في كتاب الهداية للصدوق مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) لا تقرن بين السورتين في الفريضة واما في النافلة فلا بأس ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (7) قال العالم (عليه السلام) لا تجمع بين


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 8 من القراءة (5) المعتبر ص 178 والمنتهى ص 276 والوسائل الباب 10 من القراءة (6) مستدرك الوسائل الباب 6 من القراءة (7) ص 11


[ 148 ]

السورتين في الفريضة ". اقول: هذا مجموع ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على التحريم وهي في الدلالة والظهور كالنور على الطور. احتج السيد السند في المدارك على القول بالكراهة حيث اختاره بالاصل والعمومات وما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن القران بين السورتين في المكتوبة والنافلة قال لا بأس " وفي الموثق عن زرارة (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) انما يكره ان يجمع بين السورتين في الفريضة فاما النافلة فلا بأس " ثم نقل كلام ابن ادريس بان الاعادة وبطلان الصلاة يحتاج الى دليل واصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة وما يوجب الاعادة ولم يذكروا ذلك في جملتها والاصل صحة الصلاة والاعادة والبطلان يحتاج الى دليل، ثم نقل عن القائلين بالتحريم الاحتجاج بصحيحة محمد بن مسلم التي قدمناها في اول الاخبار ثم صحيحة منصور بن حازم معبرا عنها بلفظ رواية منصور، ثم قال والجواب الحمل على الكراهة جمعا بين الادلة. اما البطلان فاحتج عليه في المختلف بان القارن بين السورتين غير آت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. وهو ضعيف فان الامتثال حصل بقراءة السورة الواحدة والنهي عن الزيادة لو سلمنا انه للتحريم فهو امر خارج عن العبادة فلا يترتب عليه الفساد. انتهى.

وفيه نظر من وجوه:

(الاول) - ان ما احتج به من الاصل والعمومات وايده بنقل كلام ابن ادريس المذكور فهو مردود بما ذكرناه من الاخبار فانها في ما ادعيناه واضحة المنار مع تعددها وكثرتها وهم يخرجون عن الاصل باقل من ذلك كما لا يخفى على الخبير المنصف.

(الثاني) - ان ما احتج به من صحيحة علي بن يقطين فهي محمولة على التقية


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من القراءة


[ 149 ]

كما صرح به جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا المجلسي في البحار وان رجح القول بالكراهة تبعا للجماعة، قال: ويمكن الجمع بين الاخبار بوجهين (احدهما) حمل اخبار المنع على الكراهة. و (ثانيهما) حمل اخبار الجواز على التقية والاول اظهر والثاني احوط. انتهى اقول: لا اعرف لهذه الاظهرية وجها سوى متابعة المشهور بين المتأخرين لما عرفت (اولا) مما حققناه في غير مقام مما سبق من ان الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب مما لا مستند له من سنة ولا كتاب مع خروجه عن القواعد الشرعية والضوابط المرعية، لان الحمل على ذلك مجاز لا يصار إليه إلا منع القرينة ولا قرينة هنا سوى اختلاف اخبار المسألة وهذا ليس من قرائن المجاز سيما مع ظهور محمل سواه. و (ثانيا) ان القاعدة المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) في امثال هذا المقام هو الترجيح بين الاخبار بالعرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه، والخروج عن قواعدهم (عليهم السلام) التي قرروها وضوابطهم التي ذكروها بمجرد التشهي رد عليهم في ما ذكروه. و (ثالثا) ان من ضوابطهم المقررة انهم يعلمون بالمرجحات ويجعلون التأويل في طرف الخبر المرجوح، ولا ريب ان ما ذكرناه من الاخبار وان لم يتفطنوا لها ولم ينقلوها اكثر عددا وظهور رجحانها على هذه الرواية ظاهر، فالواجب جعل التأويل في جانب هذه الرواية ووجه التأويل بالحمل على التقية ظاهر فيها كما اعترفت به، فاي اظهرية في ما ادعاه مع التأويل في ما ذكرناه ؟ ما هذه إلا مجازفات نشأت من الاستعجال وعدم اعطاء النظر حقه في هذا المجال.

(الثالث) - ان ما احتج به من موثقة زرارة - مع قطع النظر عن كونه يرد الاخبار الموثقة ويرميها بالضعف ويطرحها كما لا يخفى على من عرف طريقته في الكتاب المذكور - مردود بانه مبني على كون الكراهة في عرفهم (عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح وهو قد اعترف في غير موضع من شرحه وصرح بكون استعمالها في الاخبار بمعنى


[ 150 ]

التحريم شائعا كثيرا بل ربما ترجح على المعنى الاصولي، فكيف يتم له الاستدلال بالخبر المذكور والحال كما ترى ؟

(الرابع) - ما اجاب به عن الروايتين المنقولين في كلامه حجة للقائلين بالتحريم من حملها على الكراهة فان فيه ما عرفت مما قدمنا ذكره على كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) ونزيده تأكيدا بان نقول انه إذا كان العمل عندهم في الجمع بين الاخبار في جميع الاحكام من اول ابواب الفقه الى آخرها انما هو على هذه القاعدة من حمل الاوامر على الاستحباب والنواهي على الكراهة كما لا يخفى على الخائض في كلامهم والناظر في نقضهم وإبرامهم فلمن خرجت هذه الاخبار المستفيضة بهذه القواعد المقررة عنهم (عليهم السلام) في الاخبار المتعارضة، أهنا شريعة غير هذه الشريعة أو خوطب بها احد غيرهم ؟ ما هذه إلا غفلة عجيبة سامحنا الله واياهم.

(الخامس) - قوله في رد كلام العلامة " وهو ضعيف.. الى آخره " فان فيه ما كتبه عليه الفاضل الشيخ محمد بن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في حاشية الكتاب حيث قال - ونعم ما قال - لا يخلو كلام شيخنا من نظر، لان الظاهر من القران قصد الجمع بين السورتين لان العدول لا ريب في جوازه مع الشرط المذكور فيه، وحينئذ فكلام العلامة متوجه لان قصد السورتين يقتضي عدم الاتيان بالمأمور به إذ المأمور به السورة وحدها. وقول شيخنا - ان النهي عن الزيادة نهى عن امر خارج - انما يتم لو تجدد فعل الزيادة بعد فعل الاولى قصدا للسورة الاولى منفردة واين هذا من القران ؟ انتهى. وبما حررناه واوضحناه يظهر لك قوة القول بالتحريم وان القول بالكراهة انما نشأ عن عدم اعطاء التأمل حقه في الاخبار والتتبع لها والنظر فيها بعين الفكر والاعتبار. والله العالم.

وفى المقام فوائد يجب التنبيه عليها:

(الاولى) قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: ويتحقق القران بقراءة ازيد من سورة وان لم يكمل الثانية بل بتكرار السورة الواحدة


[ 151 ]

أو بعضها ومثله تكرار الحمد. انتهى. وفيه (اولا) ان اخبار القران التي قدمناها كلها قد اشتملت على السورة بمعنى ان القران انما هو عبارة عن قراءة سورة ثانية تامة، وليس فيها ما ربما يحتمل ما ذكره إلا صحيحة منصور بن حازم لقوله (عليه السلام) (1) " باقل من سورة ولا باكثر " والواجب حمل اطلاقها على ما صرحت به تلك الاخبار العديدة من ان القران هو الجمع بين السورتين. و (ثانيا) انه لا خلاف في جواز العدول في الجملة ولا ريب في حصول الزيادة على سورة مع انه لا قائل بالتحريم. وبالجملة فالظاهر ضعف ما ذكره (قدس سره)

(الثانية) - الظاهر ان موضع الخلاف في القران جواز أو تحريما بالسورة تامة أو ما دونها هو ما إذا قصد بقراءته كونه جزء من القراءة الواجبة، فان الظاهر انه لا خلاف في جواز القنوت ببعض الآيات واجابة المسلم بلفظ القرآن والاذن للمتسأذن بقوله: " ادخلوها بسلام آمنين " (2) ونحو ذلك.

(الثالثة) - ينبغي ان يعلم ان محل الخلاف بغير خلاف يعرف هو الفريضة واما النافلة فلا بأس بالقران فيها كما تقدم التصريح به في رواية عمر بن يزيد ورواية قرب الاسناد ومرسلة الصدوق في كتاب الهداية. ويزيد ذلك تأكيدا ما رواه الشيخ عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان تجمع في النافلة من السور ما شئت ". وعن محمد بن القاسم (4) قال: " سألت عبدا صالحا (عليه السلام) هل يجوز ان يقرأ في صلاة الليل بالسورتين والثلاث ؟ فقال ما كان من صلاة الليل فاقرأ بالسورتين والثلاث وما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة سورة " وفيه دلالة على ترجيح ترك القران في النافلة النهارية.


(1) ص 146 (2) سورة الحجر، الآية 46 (3) و (4) الوسائل الباب 8 من القراءة


[ 152 ]

(الرابعة) - يجب ان يستثنى من الحكم بتحريم القران أو كراهة في الفريضة صلاة الآيات لما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه من جواز تعدد السورة فيها. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - المشهور بين الاصحاب تحريم قراءة العزائم الاربع في الفرائض بل نقل عليه الاجماع جملة من الاصحاب: منهم - المرتضى في الانتصار والشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية والعلامة في النهاية. وخالف في ذلك ابن الجنيد فقال لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد وان كان في فريضة اومأ فإذا فرغ قرأها وسجد. ومن اخبار المسألة ما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم فان السجود زيادة في المكتوبة " وهذه الرواية كما ترى صريحة في القول المشهور. ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد ". ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان صليت مع قوم فقرأ الامام " اقرأ باسم ربك الذي خلق " أو شيئا من العزائم وفرغ من قراءته ولم يسجد فاومئ ايماء، والحائض تسجد إذا سمعت السجدة " ما رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة (4) قال " من قرأ " اقرأ باسم ربك " فإذا ختمها، فليسجد فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع. قال وان ابتليت بها مع امام لا يسجد فيجزئك الايماء والركوع ولا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع ". عن وهب بن وهب عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليه السلام) (5) انه قال: " إذا كان آخر السورة السجدة اجزأك ان تركع بها ".


(1) الوسائل الباب 40 من القراءة (2) و (5) الوسائل الباب 37 من القراءة (3) الوسائل الباب 38 من القراءة (4) الوسائل الباب 37 و 40 من القراءة


[ 153 ]

عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم " عن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم ؟ فقال إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها وان احب ان يرجع فيقرأ سورة غيرها ويدع التي فيها السجدة فيرجع الى غيرها. وعن الرجل يصلي مع قوم لا يقتدي بهم فيصلي لنفسه وربما قرأوا آية من العزائم فلا يسجدون فيها فكيف يصنع ؟ قال لا يسجد ". عن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن امام قوم قرأ السجدة فاحدث قبل ان يسجد كيف يصنع ؟ قال يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو وقد تمت صلاتهم " وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد مثله (4) إلا انه قال: " يقدم غيره فيسجد ويسجدون وينصرف فقد تمت صلاتهم ". ما رواه الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله ابن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها ؟ قال يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " ورواه علي بن جعفر في كتابه مثله (6) إلا انه قال: " فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع وذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة ". هذا ما حضرني من الاخبار في المسألة ولا يخفى ما هي عليه من التدافع الظاهر لكل ناظر، إلا انه يمكن ان يقال بتوفيق الملك المتعال وبركة الآل عليهم صلوات ذي الجلال:


(1) الوسائل الباب 39 من القراءة (2) الوسائل الباب 30 و 38 من القراءة (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 40 من القراءة


[ 154 ]

اما الخبر الاول فانه ظاهر - كما اشرنا إليه آنفا - في القول المشهور. واما الثاني فليس فيه تصريح بكون القراءة في الفريضة فيحمل على النافلة لما سيأتي ان شاء الله تعالى من جواز ذلك فيها. واما الثالث فيحمل على الصلاة خلف المخالف وانه مع الالجاء والضرورة يومئ ايماء، يؤيده ما في موثقة سماعة من الامر بالايماء في هذه الصورة، وما في آخر رواية عمار من الامر له في هذه الصورة بعدم السجود لا ينافيه الايماء كما في هذين الخبرين فيجب تقييد اطلاق خبر عمار بهذين الخبرين. واما الرابع فصدره كالخبر الثاني مطلق فيحمل على النافلة كما حملنا عليه ذلك الخبر وعجزه يحمل على ما عرفت في الخبر الثالث، وقوله في آخر الخبر " لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع " صريح الدلالة على القول المشهور من النهى عن القراءة في الفريضة وصريح في جواز ذلك في النافلة كما اشرنا إليه آنفا. واما الخامس فقد حمله الشيخ (قدس سره) على ما إذا كان مع قوم لا يتمكن معهم من السجود. ولا بأس به في مقام الجمع. واما السادس فهو مطلق ايضا فيحمل على النافلة جمعا. واما السابع فيمكن حمله على من شرع في السورة ساهيا ثم ذكر قبل قراءة السجدة فان حكمه ان يقرأ سورة اخرى غيرها ان اوجبنا السورة وتغتفر له هذه الزيادة وان اكتفينا بالتبعيض في السورة فانه يكتفي بما قرأ ويتم صلاته. وفي الخبر بناء على ما ذكرنا ايماء الى عدم جواز قراءة السجدة في الصلاة ففيه تأييد للقول المشهور. واما الثامن فهو ظاهر في قراءة العزائم في الفريضة، وحمله على النافلة بعيد لعدم جواز الجماعة فيها إلا في مواضع نادرة. ويمكن الجواب عنه بالحمل على النسيان كما قدمناه في الخبر السابع أو على التقية وهو الاقرب. بقى الكلام في معنى الخبر وقد قال شيخنا (قدس سره) في البحار انه يحتمل وجوها:


[ 155 ]

(الاول) ان يكون فاعل التشهد والسجود والانصراف الامام الاول فيكون التشهد محمولا على الاستحباب للانصراف من الصلاة، والسجود للتلاوة لعدم اشتراط الطهارة فيه.

(الثاني) ان يكون فاعل الاولين الامام الثاني بناء على ان الامام قد ركع معهم فالمراد بقول المسائل " قبل ان يسجد " قبل سجود الصلاة لا سجود التلاوة. ولا يخفى بعده.

(الثالث) ان يكون فاعل التشهد الامام الثاني اي يتم الصلاة بهم، وعبر عنه بالتشهد لانه آخر افعالها، ويسجد الامام الاول للتلاوة وينصرف.

(الرابع) ان يكون فاعل الاولين الامام الثاني ويكون المراد بالتشهد اتمام الصلاة بهم وبالسجود سجود التلاوة اي يتم الصلاة بهم ويسجد للتلاوة بعد الصلاة. واما على ما في قرب الاسناد فالمعنى يسجد الامام الثاني بالقوم اما في اثناء الصلاة كما هو الظاهر أو بعدها على احتمال بعيد وينصرف اي الامام الاول بعد السجود منفردا أو قبله بناء على اشتراط الطهارة فيه وهو اظهر من الخبر. انتهى. واما الخبر التاسع فينبغي حمله على الناسي أو التقية، وفي خبر كتاب قرب الاسناد " ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " وقوله في خبر الكتاب " وذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة " وهو مؤيد للقول المشهور، وخبر الكتاب اوضح دلالة في ذلك فانه لو كان قراءته لها لا عن احد الوجهين لم يكن لذكر هذا الكلام مزيد فائدة ان لم يكن منافيا. وعلى ما ذكرناه تجتمع الاخبار المذكورة في المقام ويظهر قوة القول المشهور بما لا يعتريه وصمة النقض والابرام عند من يعمل باخبار اهل البيت (عليهم السلام). واما ما ذكره في المدارك - بعد طعنه في روايتي زرارة وموثقة سماعة بضعف السند من القول بالجواز عملا بظاهر الصحاح المذكورة حيث انه ممن يدور مدار صحة الاسانيد ولا ينظر الى ما اشتملت عليه متون الاخبار من العلل كما بيناه غير مرة - فهو جيد على اصله الغير الاصيل، على ان صحيحة علي بن جعفر المنقولة في كتابه ظاهرة في ما


[ 156 ]

دلت عليه الروايتان المشار اليهما من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة مع اجماع المخالفين واتفاقهم على الجواز كما نقله في المعتبر. وبالجملة فانه مع العمل بجملة اخبار المسألة كما هو الحق الحقيق بالاتباع فالحكم في المسألة هو ما اوضحناه وشرحناه وعليه تجتمع الاخبار على وجه صحيح العيار واضح المنار إلا انه ينبغي الكلام هنا في مواضع:

(الاول) - قال في المدارك - بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على انه لا يجوز ان يقرأ في الفرائض شيئا من سور العزائم - ما صورته: هذا هو المشهور بين الاصحاب واحتجوا عليه بان ذلك مستلزم لاحد محذورين: اما الاخلال بالواجب ان نهيناه عن السجود واما زيادة سجدة في الصلاة متعمدا ان امرناه به. ولا يخفى ان هذا مع ابتنائه على وجوب اكمال السورة وتحريم القران انما يتم إذا قلنا بفورية السجود مطلقا وان زيادة السجدة مبطل كذلك وكل من هذه المقدمات لا يخلو من نظر. انتهى. اقول: بل الظاهر ان النظر انما هو في كلامه (قدس سره) لا في كلام الاصحاب (اما اولا) فان ما ذكره من ابتناء ما ذكروه على وجوب اكمال السورة وتحريم القران مما لا اعرف له وجها وجيها وان كان قد تقدمه فيه المحقق في المعتبر، وذلك لان غاية ما دل عليه النهي - وهو ظاهر اطلاق الاصحاب - انه لا يجوز قراءة سورة العزيمة في الصلاة لاحد محذورين سواء اوجبنا السورة أو جعلناها مستحبة وذلك كما تقدم ان الاصحاب في السورة على قولين الوجوب والاستحباب، والمراد هنا ان هذه السورة التي تقرأ في هذا الموضع وجوبا أو استحبابا لا يجور ان تكون سورة من سور العزائم الاربع للزوم المحذور. هذا غاية ما يفهم من النص واطلاق كلامهم ولا ترتب لذلك على جواز القران ولا عدمه، فلو قلنا ان السورة مستحبة فان هذه السورة لا تصلح للاتيان بوظيفة الاستحباب للعلة المذكورة، وكذا لو قلنا بجواز القران فانه لا منافاة بالتقريب المذكور. وبالجملة فان الغرض انما هو التنبيه على ان هذه السورة لا يجوز قراءتها في الصلاة


[ 157 ]

كغيرها من سور القرآن باي كيفية كانت، وهذا معنى صحيح لا يترتب عليه شئ مما ذكره هو وغيره. بقى الكلام في انه لو قرأ منها ما عدا موضع السجدة فهل تصح صلاته ويمضي فيها ام لا ؟ وهي مسألة اخرى يترتب الكلام فيها على وجوب السورة وعدمه، وكذا لو عدل الى سورة اخرى بعد ان قرأ منها بعضا فهل تصح صلاته ايضا ام لا ؟ وهي مسألة اخرى ايضا مبنية على تحريم القران وانه اعم من زيادة سورة كاملة أو بعض منها وقد تقدم الكلام فيه، وهذا هو مطمح نظره في اعتراضه على كلام الاصحاب والحق ان هذا شئ خارج عما نحن فيه كما عرفت. و (اما ثانيا) فان ما ذكره - من النظر في فورية سجود التلاوة وفي الابطال بزيادة السجدة - مردود، اما فورية السجود فلانه لا خلاف بين الاصحاب في الفورية مطلقا وهو ممن صرح بذلك فقال في بحث السجود وذكر سجدة التلاوة بعد قول المصنف: " ولو نسيها اتى بها في ما بعد " ما هذا لفظه: اجمع الاصحاب على ان سجود التلاوة واجب على الفور.. الخ. وقضية الوجوب فورا هو انه يجب عليه السجود بعد قراءتها في الصلاة البتة والاستثناء في هذا المكان يحتاج الى دليل وليس فليس، بل اعترف بذلك في هذا المقام في الرد على ابن الجنيد حيث نقل عنه انه يومئ ايماء فإذا فرغ قرأها وسجد، فقال في الرد عليه: وهو مشكل لفورية السجود. ولو تم ما ذكره من النظر الذي اورده على كلام الاصحاب في الفورية فاي اشكال هنا يلزم به كلام ابن الجنيد ؟ فانظر الى هذه المخالفات في مقام واحد ليس بين الكلامين إلا اسطر يسيرة. واما الابطال بالسجدة فقد صرحت به رواية زرارة المتقدمة بقوله " فان السجود زيادة في المكتوبة " أي زيادة مبطلة وإلا فالزيادات فيها كثيرة، وقوله في صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كتابه " فان ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة " ويشير إليه قوله في موثقة عمار " إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها.. الخ ".

(الثاني) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض تفريعا على القول بالتحريم مطلقا


[ 158 ]

ان قرأ العزيمة عمدا بطلت صلاته بمجرد الشروع في السورة وان لم يبلغ موضع السجود للنهى المقتضى للفساد. اقول: فيه ان الظاهر من الاخبار كما عرفت هو ان العلة في التحريم انما هو محذور السجود وعدمه فانه ان سجد لزم بطلان الصلاة بزيادة السجدة وان لم يسجد لزم الاخلال بالواجب الفوري وبذلك علله الاصحاب ايضا، وحينئذ فالنهى في الحقيقة لم يتوجه الى مجرد القراءة بل انما توجه الى قراءة السجدة. نعم يتجه ما ذكره لو اوجبنا السورة تامة وحرمنا الزيادة عليها لان اللازم من قراءتها باعتقاد كونها الواجب في هذا المكان مع عدم جواز السجود زيادة واجب ان اتى بسورة بعدها والاخلال بواجب ان اقتصر عليها.

(الثالث) - قال في الذكرى: لو قرأ العزيمة سهوا في الفريضة ففي الرجوع عنها ما لم يتجاوز النصف وجهان مبنيان على ان الدوام كالابتداء اولا ؟ والاقرب الاول، وان تجاوز ففي جواز الرجوع ايضا وجهان من تعارض عمومين احدهما المنع من الرجوع هنا مطلقا والثاني المنع من زيادة سجدة وهو اقرب، وان منعناه اومأ بالسجود ثم يقضيها ويحتمل وجوب الرجوع ما لم يتجاوز السجدة وهو قريب ايضا مع قوة العدول مطلقا مادام قائما. وابن ادريس قال: ان قرأها ناسيا مضى في صلاته ثم قضى السجود بعدها واطلق. انتهى. وقال في الروض: ان قرأها سهوا فان ذكر قبل تجاوز السجدة عدل الى غيرها وجوبا سواء تجاوز النصف ام لا مع احتمال عدم الرجوع لو تجاوز النصف لتعارض عمومي المنع من الرجوع بعده والمنع من زيادة سجدة فيومئ للسجود بها ثم يقضيها، وان لم يذكر حتى تجاوز السجدة ففي الاعتداد بالسورة وقضاء السجدة بعد الصلاة لانتفاء المانع أو وجوب العدول مطلقا ما لم يركع لعدم الاعتداد بالعزيمة في قراءة الصلاة فيبقى وجوب السورة بحاله لعدم حصول المسقط لها وجهان ومال في الذكرى الى الثاني، وعلى ما بيناه من ان الاعتماد في تحريم العزيمة على السجود يتجه الاجتزاء بها حنيئذ، وقال ابن ادريس


[ 159 ]

ثم نقل قوله المتقدم ذكره. اقول: لا يخفى ان المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النص كثرت فيها الاحتمالات قربا وبعدا واختلفت فيها الافهام نقضا وإبراما إلا ان الاقرب الى القواعد الشرعية والضوابط المرعية هو انا متى قلنا بوجوب سورة كاملة لا زيادة عليها وقلنا بالنهي عن العزائم وبطلان الصلاة بها لما عرفت فان الواجب على من قرأها ساهيا هو العدول عنها متى ذكر ولم يقرأ السجدة وان يقرأ غيرها، وهذه الزيادة مغتفرة لمكان السهو كسائر الزيادات الواقعة في الصلاة مما لا تبطل الصلاة به تجاوز النصف ام لم يتجاوز وهذا هو الذي اختاره في الروض. واما احتماله فيه عدم الرجوع لو تجاوز النصف - بناء على عموم الاخبار المانعة من جواز العدول من سورة الى اخرى مع تجاوز النصف - ففيه ان هذه الاخبار لا وجود لها وانما وقع ذلك في كلام الاصحاب كما سيأتي ذكره قريبا ان شاء الله تعالى في مسألة العدول. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا ايضا ردا على جده حيث ان جده كما عرفت اختار ما اخترناه من العدول قبل بلوغ السجدة وان تجاوز النصف فاعترض عليه بانه مشكل لاطلاق الاخبار المانعة من جواز العدول من سورة الى اخرى مع تجاوز النصف. انتهى. وفيه انه قد اعترف في بحث صلاة الجمعة بعدم وجود النص المذكور في هذا المقام حيث ان المصنف ذكر انه يستحب العدول الى سورة الجمعة والمنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة فقال (قدس سره): اما استحباب العدول مع عدم تجاوز النصف في غير هاتين السورتين فلا خلاف فيه بين الاصحاب، الى ان قال واما تقييد الجواز بعدم تجاوز النصف فلم اقف له على مستند واعترف الشهيد في الذكرى بعدم الوقوف عليه ايضا. انتهى. وحنيئذ فاين هذه الاخبار المانعة من جواز العدول مع تجاوز النصف التي اورد بها الاشكال على جده ؟ وبذلك يظهر لك ما في كلام الذكرى في هذا المقام.


[ 160 ]

وعلى ما ذكرناه هنا تحمل موثقة عمار كما اشترنا إليه آنفا من حملها على الساهي وانه يعدل الى سورة اخرى. هذا كله في ما لو ذكر قبل قراءة السجدة واما لو قرأ السجدة ايضا ساهيا ولم يذكر إلا بعد قراءتها فاشكال لما ذكره من الاحتمالين في المقام. والله العالم.

(الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في جواز قراءة العزائم في النوافل وعلى ذلك تدل موثقة سماعة المتقدمة حيث قال فيها " ولا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع " وهو مبني على اغتفار زيادة السجدة في التطوع، وحينئذ فإذا قرأها في اثناء القراءة سجد ثم قام واتم القراءة وركع، ولو كانت السجدة في آخر السورة فقد صرح بعضهم بانه بعد السجود يقوم ثم يقرأ الحمد استحبابا ليكون ركوعه عن قراءة واستند في ذلك الى رواية الحلبي المتقدمة بحملها على النافلة، ونقل عن الشيخ انه يقرأ الحمد وسورة أو آية معها. ولو نسى السجدة حتى ركع سجد إذا ذكر لصحيحة محمد بن مسلم بحملها على النافلة كما تقدم، وبذلك صرح العلامة من غير خلاف يعرف، ويعضده ان السجود واجب وسقوطه يحتاج الى دليل، ومجرد السهو عنه في محله لا يصلح لان يكون دليلا على السقوط ويخرج النص شاهدا على ذلك.

(الخامس) - قال في المنتهى: يستحب له إذا رفع رأسه من السجود ان يكبر رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك ولكن تكبر حين ترفع رأسك، والعزائم اربعة.. الحديث ". وروى في المنتهى عن الشيخ انه روى في الموثق عن سماعة قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قرأت السجدة فاسجد ولا تكبر حتى ترفع رأسك " وهذه الرواية لم اقف عليها في الوافى ولا في الوسائل في جملة اخبار العزائم (2) مع انها في التهذيب في باب كيفية الصلاة وصفتها والمفروض من ذلك والمسنون من الزيادات (3) والله العالم.


(1) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن (2) رواها في الوافى في باب " سجدات القرآن وذكرها " وفى الوسائل في الباب 42 من قراءة القرآن (3) ج 1 ص 219


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>