تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثامن


البحث الثالث

في الاحكام

وفيه مسائل:

(الاولى) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من واجبات القراءة الموالاة فلو قرأ خلالها من غيرها فان كان عمدا فظاهر الشهيد في الذكرى بطلان الصلاة ونقل عن الشيخ في المبسوط انه يستأنف القراءة ولا تبطل الصلاة، ولو كان ناسيا استأنف القراءة على ما صرح به في الذكرى، وفي المبسوط انه يبني على ما قرأ


[ 193 ]

اولا، وفى الدروس تبع الشيخ في استئناف القراءة في صورة العمد ونسب ما اختاره في الذكرى من البطلان الى لفظ " قيل " مؤذنا بتمريضه وضعفه واما في صورة النسيان فكما في الذكرى من اعادة القراءة، وبهذا يصير هذا قولا ثالثا في المسألة وهو ظاهر المحقق في الشرائع والعلامة في الارشاد واليه جنح في المدارك ايضا، وفى البيان كما في الذكرى من الحكم ببطلان الصلاة في صورة العمد ولم يتعرض لحكم الناسي. اقول: انت خبير بان الظاهر انه لا دليل لهم على وجوب الموالاة إلا دعوى ان ذلك هو المفهوم من القراءة، وزاد بعضهم الاستناد الى التأسي فانه (صلى الله عليه وآله) " وكذا الائمة (عليهم السلام) بعده كانوا يوالون في قراءتهم مع قوله (صلى الله عليه وآله) (1) " صلوا كما رأيتموني اصلي " ومعنى الموالاة عندهم هو ان لا يقرأ في خلالها ولا يسكت بحيث يخرج عن كونه قارئا، واستثنوا من ذلك الدعاء فانه جائز. ويشكل ذلك بان الظاهر من العرف ان نحو الكلمة والكلمتين لا يخل بالموالاة فلو قيد الحكم المذكور في المنع من القراءة في الاثناء بما يخل بالموالاة عرفا كما قيدوا بذلك في السكوت لكان اظهر. ثم ان الظاهر عندي ان ما حكم به في الذكرى والبيان من بطلان الصلاة بالاخلال بالموالاة عمدا لا يخلوا من اشكال لعدم الوقوف في المسألة على نص. وفي الذكرى انما علل ذلك بتحقق المخالفة المنهى عنها، وحاصله انه منهى عن تلك القراءة والنهى عن العبادة يوجب الفساد. وفيه ان النهي غير موجود لعدم النص في المسألة إلا ان يدعى انه مأمور بالموالاة التي هي - كما عرفت - عبارة عن عدم القراءة خلالها والامر بالشي يستلزم النهى عن ضده الخاص وهو القراءة خلالها. وتوجه المنع الى جملة من مقدمات هذا الدليل واضح، اما الامر بالموالاة فغير ظاهر إلا ما عرفت من دعوى انه المفهوم من القراءة، ومع الاغماض عن ذلك فدعوى فوات الموالاة بمجرد القراءة ولو بمثل كلمة أو كلمتين


(1) المغنى ج 1 ص 508


[ 194 ]

قد عرفت ما فيه، واما الاستناد الى قاعدة ان الامر بالشئ يسلتزم النهي عن ضده الخاص فقد عرفت ما فيه مما تقدم بيانه في اثناء مباحث الكتاب زيادة على ما تقدم في المقدمات من كتاب الطهارة، ومرجعه الى عدم ثبوت هذه القاعدة بل قيام النصوص على خلافها فلا ثمرة طاولا فائدة وان اطالوا فيها الكلام بابرام النقض ونقض الابرام إلا انه عند من يتمسك باخبار اهل العصمة (عليهم السلام) لا يصل الى محل ولا مقام وبذلك يظهر لك ان ما ذهب إليه الشيخ هو الاقرب في كل من صورتي العمد والنسيان قال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف " الموالاة في القراءة شرط في صحتها فلو قرأ خلالها من غيرها استأنف القراءة " ما صورته: اما اشتراط الموالاة في القراءة فللتأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانه كان يوالي في قراءته، وقال (صلى الله عليه وآله) (1) " صلوا كما رأيتموني اصلي ". اقول: لا يخفى ما في هذا الدليل من الوهن لما صرح به هو في غير مقام من هذا الشرح وغيره من الاصحاب من ان التأسي في ما لا يعلم وجه وجوبه بدليل من خارج مستحب لا واجب، وقد تقدم نحو ذلك في مسألة الجهر والاخفات في شرح قول المصنف " ويجب الجهر بالحمد أو السورة... الخ " حيث نقل ثمة عن الشهيد الاستدلال على الوجوب بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) والتأسي به واجب، فقال في رده: وهو ضعيف جدا فان التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. وعين ما اورده على الشهيد يرد عليه هنا. وبالجملة فان هذا الموضع من جملة المواضع التي اضطرب كلامه فيها في هذا الشرح كما نبهنا عليه في غير مقام ففي جملة من المواضع يستدل به وفي مواضع اخرى يرد على من استدل به. نعم يمكن ان يقال ان العبادات لما كانت مبنية على التوقيف والذي ثبت عن صاحب الشريعة انما هو الموالاة فيقين البراءة من التكليف الثابت في الذمة بيقين


(1) المغنى ج 1 ص 508


[ 195 ]

والخروج عن العهدة لا يحصل إلا بذلك. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - من ان عموم ما دل على جواز قراءة القرآن في اثناء الصلاة يضعف التمسك بذلك - ففيه انا لم نقف بعد الفحص في شئ من الاخبار على ما يدل على هذا العموم وان اشتهر بين الاصحاب على وجه لا يكاد يوجد له فيه مخالف، فانهم جعلوا مما يستثنى في الصلاة الدعاء وقراءة القرآن، والاول موجود في الاخبار اما الثاني فلم اقف على ما يدل عليه بعد الفحص والتتبع بل ربما دل بعض الاخبار على خلافه مثل ما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل (قل هو الله احد) فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس " ومفهومه حصول البأس مع عدم قصد الدعاء بها. ثم قال في المدارك: وقال الشيخ في المبسوط يستأنف القراءة مع العمد ويبنى على السابق مع النسيان. وهو مشكل ايضا لفوات الموالاة الواجبة مع العمد والنسيان فلا يتحقق الامتثال. اقول: فيه انه يمكن ان يقال ان مع القول بوجوب الموالاة فغاية ما يفيده الاخلال بها عمدا بطلان القراءة فمن ثم اوجب الشيخ الاعادة واستئناف القراءة لا بطلان الصلاة لتوقفه على الدليل، وقد عرفت مما تقدم في الكلام على كلام الذكرى انه لا دليل على الابطال. واما حال السهو فان ترك الواجب سهوا غير مبطل فيبنى كما ذكره الشيخ. ولو سكت في اثناء القراءة بما يزيد عن العادة فلهم فيه تفصيل، فان كن لانه ارتج عليه واراد التذكر لم يضر إلا ان يخرج عن كونه مصليا، وان سكت متعمدا لا لحاجة حتى خرج عن كونه قارئا اعاد قرائته ولو خرج عن كونه مصليا بطلت صلاته، ولو نوى قطع القراءة وسكت فنقل عن الشيخ الحكم بوجوب اعادة الصلاة حيث قال: " وان


(1) الوسائل الباب 9 من القراءة


[ 196 ]

نوى ان يقطعها ولم يقطعها بل قرأها كانت صلاته ماضية، وان نوى قطعها ولم يقرأ بطلت صلاته " والمشهور الصحة، واورد على الشيخ انه قد ذهب في المبسوط الى عدم بطلان الصلاة بنية فعل المنافي. واعتذر عنه في الذكرى بان المبطل هنا نية القطع مع القطع فهو في الحقيقة نية المنافي مع فعله. ورده في المدارك بانه غير جيد لان السكوت بمجرده غير مبطل للصلاة إذا لم يخرج به عن كونه مصليا. ثم قال: والاصح ان قطع القراءة بالسكوت غير مبطل لها سواء حصل معه نية القطع ام لا إلا ان يخرج بالسكوت عن كونه قارئا فتبطل القراءة أو مصليا فتبطل الصلاة. انتهى. وهو جيد. وبالجملة فالمسألة لما كانت عارية عن النص فالواجب فيها الوقوف على جادة الاحتياط وهو في ما ذكره السيد المشار إليه (افاض الله رواشح رضوانه عليه) ويعضده ان الاصل في الصلاة الصحة حتى يقوم دليل الابطال. والله العالم.

(المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم التأمين في الصلاة فقيل بتحريمه وبطلان الصلاة به وهو المشهور عندهم حتى انه نقل الشيخان والمرتضى وابن زهرة والعلامة في النهاية الاجماع عليه، وقال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه: ولا يجوز ان يقال بعد فاتحة الكتاب (آمين) لان ذلك كان يقوله النصارى. ونقل عن ابن الجنيد انه يجوز التأمين عقيب الحمد وغيرها، وما إليه المحقق في المعتبر ونقله في المدارك عن شيخه المعاصر والظاهر انه المحقق الاردبيلي كما عبر عنه في غير موضع من الكتاب بذلك. واما الاخبار الواردة في المقام فمنها - ما روه الكليني والشيخ في الحسن أو الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت خلف امام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل انت الحمد لله رب العالمين ولا تقل آمين ".


(1) الوسائل الباب 17 من القراءة


[ 197 ]

وعن معاوية بن وهب في الصحيح (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اقول (آمين) إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ قال هم اليهود والنصارى، ولم يجب في هذا ". وعن محمد الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) اقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين ؟ قال لا " وفي المعتبر (3) نقل هذه الرواية عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد الحلبي المذكور. وعن جميل في الصحيح (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب آمين ؟ قال ما احسنها واخفض الصوت بها " وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا قرأت الفاتحة وقد فرغت من قراءتها وانت في الصلاة فقل الحمد لله رب العالمين ". وقال في كتاب دعائم الاسلام (6) " وروينا عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا يبتدأ بعد بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة بفاتحة الكتاب، الى ان قال وحرموا ان يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب (آمين) كما يقول العامة، قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) انما كانت النصارى تقولها. وعنه عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تزال امتي بخير وعلى شريعة من دينها حسنة جميلة ما لم يتخطوا القلة باقدامهم ولم ينصرفوا قياما كفعل اهل الكتاب ولم تكن ضجة آمين ". هذا مجموع ما حضرني من اخبار المسألة والذي يدل منها على القول المشهور - وهو المؤيد المنصور - صحيحة جميل أو حسنته. وهذا الترديد الذي نذكره دائما في الاسانيد من حيث اشتمال السند على ابراهيم بن هاشم المعدود حديثه عند الاكثر في الحسن وعند


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 17 من القراءة (3) ص 177 (6) مستدرك الوسائل الباب 13 من القراءة


[ 198 ]

جمع من اصحابنا في الصحيح، وهو الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح حيث اشتملت على النهي عن قولها وهو حقيقة في التحريم، ونحوها رواية الحلبي. اما صحيحة جميل فهي محمولة على التقية (1) ويعضد ذلك عدوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب عن جواب السؤال الى ما ذكره من تفسير " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " باليهود والنصارى. وقال المحقق في المعتبر: ويمكن ان يقال بالكراهة ويحتج بما رواه الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن جميل، ثم ذكر صحيحة جميل الثانية، ثم قال: ويطعن في الروايتين الاولتين - يعني روايتي الحلبي - بان احداهما رواية محمد بن سنان وهو مطعون فيه وليس عبد الكريم في النقل والثقة كابن ابي عمير فتكون رواية الاذن اولى لسلامة سندها من الطعن ورجحانها، ثم لو تساوت الروايتان في الصحة جمع بينهما بالاذن والكراهة توفيقا، ولان رواية المنع تحتمل منع المنفرد والمبيحة تتضمن الجماعة ولا يكون المنع في احدهما منعا في الاخرى. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما اسلفناه، ويزيده بيانا ان راوي الرواية المبيحة وهو جميل قد روى المنع ايضا وهي الرواية الاولى من هذه الروايات المنقولة ولكنه لم ينقلها في كتابة وانما نقل رواية الحلبي المروية عن الشيخ بالطريق الذي فيه محمد بن سنان وعن جامع البزنطي بالطريق الذي فيه عبد الكريم وهو عبد الكريم بن عمرو وهو ثقة واقفي فردها بما ذكره، وحينئذ بناء على ما ذكرناه من رواية جميل المذكورة الدالة على النهي تكون معتضدة بالروايتين المذكورتين اللتين قد وجه الطعن اليهما فلا


(1) في البدائع ج 1 ص 207 " المستحب بعد الفاتحة ان يقول " آمين " اماما كان أو مقتدما وهو قول عامة العلماء، وقال بعض العلماء لا يؤتى بالتأمين اصلا، وقال مالك يأتي به المقتدي دون الامام والمنفرد. والصحيح قول العامة " وفى المحلى ج 3 ص 262 " قول آمين يقوله الامام والمنفرد سنة وندبا ويقوله المأموم فرضا ".


[ 199 ]

ترجيح لرواية الترخيص بل الترجيح لرواية المنع المعتضدة بالروايتين المذكورتين وغيرهما ولا سيما رواية كتاب دعائم الاسلام لما عرفت فيها من الصراحة، مضافا ذلك الى الشهرة بين الاصحاب حتى ادعى عليه الاجماع جملة منهم كما عرفت، ومخالفة العامة القائلين بالاستحباب، مع ان الرواية المبيحة التي اعتمدها وبنى النزاع في المسألة عليها لا نقبل ما حملها عليه من الكراهة فان استحسانها على سبيل التعجب ينفي الكراهة بل اقل مراتب الاستحسان الاستحباب فكيف يمكن حملها على الجواز على كراهة كما ذهب إليه ؟ بل المحمل الظاهر لها انما هو التقية، ويشهد له ما عرفت من صحيحة معاوية بن وهب. قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين: وقد تضمن الحديث السابع عشر عدم مشروعية قول " آمين " في الصلاة فان عدوله (عليه السلام) عن جواب السؤال عن قولها الى تفسير المغضوب عليهم ولا الضالين يعطى التقية وان بعض المخالفين كان حاضرا في المجلس فاوهمه (عليه السلام) ان سؤال معاوية انما هو عن المراد بالمغضوب عليهم ولا الضالين، وربما حمل قوله (عليه السلام) " هم اليهود والنصارى " على التشنيع على المخالفين والمراد ان الذين يقولون (آمين) في الصلاة هم يهود ونصارى اي مندرجون في عدادهم ومنخرطون في الحقيقة في سلكهم. انتهى. اقول لا يخفى ما في قوله: " وربما حمل قوله (عليه السلام).. الخ " من اللطف والحسن في المقام. وقال السيد السند في المدارك: احتج الشيخ في الخلاف على التحريم والابطال باجماع الفرقة فانهم لا يختلفون في ان ذلك مبطل للصلاة، وبقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين " وقول " آمين " من كلامهم لانها ليست بقرآن ولا دعاء وانما هي اسم للدعاء والاسم غير المسمى، وبما رواه في الحسن عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام)، ثم نقل رواية جميل وهي الاولى من الروايات المتقدمة ثم نقل رواية الحلبي بعدها، ثم قال: وفى كل من هذه


(1) المغنى ج 1 ص 548


[ 200 ]

الادلة نظر، اما الاجماع فقد تقدم الكلام فيه مرارا، واما ان " آمين " من كلام الآدميين لانها اصم للدعاء وليست بدعاء فلتوجه المنع الى ذلك بل الظاهر انها دعاء كقولك " اللهم استجب " وقد صرح بذلك المحقق نجم الائمة الرضي (رضي الله عنه) فقال: وليس ما قال بعضهم - من ان " صه " مثلا اسم للفظ (اسكت) الذي هو دال على معنى الفعل فهو علم للفظ الفعل لا لمعناه - بشئ لان العربي القح يقول " صه " مع انه ربما لا يخطر في باله لفظ " اسكت " وربما لم يسمعه اصلا، ولو قلت اسم لا صمت أو امتنع أو اكفف عن الكلام أو غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى لصح فعلمنا ان المقصود المعنى لا اللفظ. واما الروايتان فمع سلامة سندهما انما تضمنتها النهي عن هذا اللفظ فيكون محرما ولا يلزم كون ذلك مبطلا للصلاة، ولان النهي انما يفسد العبادة إذا توجه إليها أو الى جزء منها أو شرط لها وهو هنا انما توجه الى امر خارج عن الصلاة. ثم نقل احتجاج ابن زهرة على التحريم والابطال ثم نقل كلام المحقق في المعتبر ورده.. الى ان قال وقد ظهر من ذلك كله ان الاجود التحريم دون الابطال وان كان القول بالكراهة محتملا لقصور لروايتين عن اثبات التحريم من حيث السند وكثرة استعمال النهى في الكراهة خصوصا مع مقابلته بامر الندب. انتهى. اقول: وبما اختاره في المسألة من التحريم دون الابطال يصير في المسألة اقوال ثلاثة بانضمام هذا القول الى القولين المتقدمين ثم ان كلامه (قدس سره) لا يخلو عندي من نظر (اما اولا) فان طعنه في الاجماع بما اشار إليه وان كان حقا ولكن لا يخفى على من لاحظ كتابه كثرة تمسكه بالاجماع في غير مقام وذبه عنه بجده وجهده في جملة من الاحكام وهو من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه في هذا الكتاب. و (اما ثانيا) فما ذكره - من توجه المنع الى ان " آمين " من كلام الآدميين مستندا الى ما ذكره المحقق المذكور - فان فيه (اولا) انه مع تسليمه انما يتم لو كان معنى (آمين) منحصرا في (اللهم استجب) لفظا أو معنى وليس كذلك بل لها معان اخر لا يتم على


[ 201 ]

تقديرها ما ذكره، قال في القاموس: آمين بالمد والقصر وقد يشدد الممدود ويمال ايضا عن الواحدي في البسيط اسم من اسماء الله أو معناه " اللهم استجب أو كذلك فليكن أو كذلك فافعل " انتهى. وقال ابن الاثير: هو اسم مبني على الفتح ومعناه " اللهم استجب لي " وقيل معناه (كذلك فليكن) يعني الدعاء. وقال في المغرب معناه " استجب " وقال صاحب الكشاف انه صوت سمي به الفعل الذي هو " استجب " كما ان " رويدا وحيهل وهلم " اصوات سميت بها الافعال التي هي " امهل واسرع واقبل " انتهى. وقال في كتاب المصباح المنير: وآمين بالقصر في لغة الحجاز والمد اشباع بدليل انه لا يوجد في العربية كلمة على " فاعيل " ومعناه " اللهم استجب " وقال أبو حاتم معناه (كذلك يكون) وعن الحسن البصري انه اسم من اسماء الله تعالى. اقول: هذه جملة من كلمات اساطين اللغة وارباب العربية الذين عليهم المعول وهي متفقة في ان احد معانيه " اللهم استجب أو استجب " أو غيرهما من الالفاظ المذكورة التي ليست بدعاء البتة وترجيح كلام المحقق المشار إليه على كلامهم محل نظر، على ان اللازم - مما ذكره المحقق المذكور لو تم - عدم وجود هذا القسم الذي هو اسم الفعل بالكلية فان كلامه هذا جار في جميع اسماء الافعال التي وضعت بازائها، فهي حينئذ بمقتضى ما ذكره من قبيل الالفاظ المترادفة مع انه لا خلاف بين اهل العربية في ان اسم الفعل قسم من الاقسام المذكورة في كلامهم والمبحوث عنها في كتبهم. و (ثانيا) ان الظاهر ان هذه الاخبار التي وردت بالمنع والنهي عن التأمين لاوجه لتصريحها بذلك إلا من حيث كونه كلاما اجنبيا خارجا عن الصلاة مبطلا لها متى وقع فيه وإلا فالنهي عنه - مع كونه دعاء كما ادعاء واستفاضة الاخبار بجواز الدعاء في الصلاة بل استحبابه - مما لا يعقل له وجه. و (اما ثالثا) فما طعن به على رواية جميل بقوله اولا " فمع سلامة سندها " وقوله ثانيا " لقصور الروايتين عن اثبات التحريم من حيث السند " وهذا الطعن انما هو من حيث اشتمال سندها على ابراهيم بن هاشم، وهو مناف لما صرح به في غير موضع من كتابه من


[ 202 ]

الاعتماد على روايته وعدها في الصحيح في جملة من المواضع، وهذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه ايضا كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع. وبذلك يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور. ثم انه نقل في المدارك عن المحقق في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه انهما استدلا على ان التأمين مبطل للصلاة بان معناه " اللهم استجب " ولو نطق بذلك لبطلت صلاته فكذا ما قام مقامه، ثم رده بانه ضعيف جدا فان الدعاء في الصلاة جائز باجماع العلماء وهذا دعاء عام في طلب استجابة جميع ما يدعى به فلا وجه للمنع منه. انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) جيد وفيه دلالة على صحة ما الزمناه به في ما اختاره من التحريم دون الابطال مع قوله بانه دعاء لا اسم لما يدل على الدعاء، فانه لا يعقل لتحريمه وجه مع كونه دعاء كما عرفت.

(المسألة الثالثة) - المشهور في كلام المتقدمين - وبه صرح الشيخان والصدوق والمرتضى (رضوان الله عليهم) - ان الضحى وألم نشرح وكذا الفيل ولايلاف سورة واحدة، والمشهور بين المتأخرين - ومنهم المحقق وربما كان اولهم - خلافه. قال في المعتبر بعد البحث في المسألة: ولقائل ان يقول لا نسلم انهما سورة واحدة بل لم لا يكونان سورتين وان لزم قراءتها في الركعة الواحدة على ما ادعوه ؟ ونطالب بالدلالة على كونهما سورة واحدة، وليس قراءتهما في الركعة الواحدة دالة على ذلك وقد تضمنت رواية المفضل تسميتهما سورتين، ونحن قد بينا ان الجمع بين السورتين في الفريضة مكروه فتستثنيان من الكراهة. انتهى. وقال في المدارك - بعد قول المصنف: روى اصحابنا ان الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا الفيل ولايلاف فلا يجوز افراد احداهما عن صاحبتها في كل ركعة ولا يفتقر الى البسملة بينهما على الاظهر - ما صورته: ما ذكره المصنف من رواية الاصحاب ان الضحى والم نشرح سورة واحدة وكذا الفيل والايلاف لم اقف عليه في شئ من


[ 203 ]

الاصول ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال. والذي وقفت عليه في ذلك روايتان - احداهما - رواية زيد الشحام في الصحيح (1) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ الضحى والم نشرح في ركعة " والاخرى رواية المفضل (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح وسورة الفيل ولايلاف " ولا دلالة لهما على ما ذكروه من الاتحاد بل ولا على وجوب قراءتهما في الركعة، اما الاولى فظاهر لانها تضمنت انه (عليه السلام) قرأهما في الركعة والتأسي في ما لا يعلم وجوبه مستحب لا واجب. واما الثانية فلانها مع ضعف سندها انما تضمنت استثناء هذه السورة من النهي عن الجمع بين السورتين في الركعة والنهي هنا للكراهة على ما بيناه في ما سبق فيكون الجمع بين هذه السور مستثنى من الكراهة. والذي ينبغي القطع بكونهما سورتين لاثباتهما في المصاحف كذلك كغيرهما من السور فتجب البسملة بينهما ان وجب قراءتهما معا، وهو ظاهر المصنف في المعتبر فانه قال بعد ان منع دلالة الروايتين على وجوب قراءتهما في الركعة: ولقائل، ثم ساق كلامه الذي ذكرناه. اقول: الظاهر ان منشأ الشبهة في هذه المسألة على المتأخرين (اولا) هو انه لما كان نظرهم غالبا مقصورا على الكتب الاربعة المشهورة وهي خالية من هذه الرواية التي اشار إليها المحقق حصل لهم الاشكال في ذلك. و (ثانيا) وجود البسملة في كل من السور المذكورة في المصاحف. و (ثالثا) حكمهم بكراهة القران دون تحريمه كما سيظهر لك من كلام صاحبي المعتبر والمدارك. والجميع محل بحث ونظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. وتحقيق المقام بما لا يحوم حوله النقض والابرام بتوفيق الملك العلام وبركة اهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام) انك قد عرفت مما قدمنا في غير موضع ان كثيرا من


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من القراءة


[ 204 ]

الاحكام التي يذكرها المتقدمون وهذه الكتب المشار إليها عارية عن ادلتها فيعترض عليهم المتأخرون بعدم وجود الدليل وربما تكلفوا لهم دليلا والحال ان ادلتها موجودة في مواضع اخر من كتب الاخبار، ومنها هذه المسألة فان دليلها موجود في مواضع: منها - كتاب الفقه الرضوي الذي قد اشرنا سابقا الى تفرده بامثال ذلك وبه صرح شيخنا المجلسي وولده (عطر الله مرقديهما) حيث قال (عليه السلام) (1) " ولا تقرأ في صلاة الفريضة والضحى وألم نشرح وألم تركيف ولايلاف، لانه روى ان والضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذلك ألم تر كيف ولايلاف سورة واحدة.. الى ان قال فان قرأت بعض هذه السور الاربع فاقرأ والضحى وألم نشرح ولا تفصل بينهما، وكذلك ألم تر كيف ولايلاف " انتهى. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه " وموسع عليك اي سورة قرأت في فرائضك إلا اربع وهي والضحى وألم نشرح في ركعة لانهما جميعا سورة واحدة ولايلاف وألم تر كيف في ركعة لانهما جميعا سورة واحدة، ولا تنفرد بواحدة من هذه الاربع سور في ركعة فريضة " وبهذه الرواية افتى في الفقيه من غير اسناد الى الرواية كما هي عادته غالبا من الافتاء بمضامين الاخبار. ومنها - ما نقله شيخنا امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان (3) قال: " روى اصحابنا ان الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا سورة ألم تر كيف ولايلاف قريش " قال وروى العياشي عن ابي العباس عن احدهما (عليهما السلام) قال: " ألم تر كيف فعل ربك ولايلاف قريش سورة واحدة " قال: " وروى ان ابي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه " انتهى.


(1) ص 9 (2) البحار ج 85 الصلوة ص 45 ح 34 (3) الوسائل الباب 10 من القراءة


[ 205 ]

وهذه الاخبار هي مستند شهرة الحكم بين المتقدمين بالاتحاد، ويؤيدها صحيحة زيد الشحام ورواية المفضل المتقدمتين بنقل صاحب المدارك، ورواية المفضل هذه رواها في المعتبر من جامع احمد بن محمد بن ابي نصر وعليهما اقتصر في المعتبر ايضا، وهاتان الروايتان ليستا بالدليل في المسألة على الحكم المذكور كما توهماه حتى انه بتأويلهما يسقط الدليل في المقام، بل الدليل الواضح انما هو ما نقلناه من الاخبار وهذان انما خرجا بناء على ما تضمنته هذه الاخبار من الاتحاد وإلا فهما في حد ذاتهما غير صريحين في ذلك. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به الشيخ في الاستبصار من ان هاتين السورتين سورة واحدة عند آل محمد (عليهم السلام) وينبغي ان يقرأهما موضعا واحدا ولا يفصل بينهما ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الفرائض. وقال في التهذيب: وعندنا انه لا يجوز قراءة هاتين السورتين إلا في ركعة واحدة. وكلامه في الاستبصار مشعر باتفاق الروايات على الاتحاد وانه مذهب اهل البيت (عليهم السلام) وكلامه في التهذيب مشعر باتفاق الاصحاب على الحكم المذكور. ثم ان من روايات المسألة مما لم يقف عليه صاحبا المعتبر والمدارك زيادة على الخبرين المنقولين في كلامهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ بنا بالضحى وألم نشرح " وحملها الشيخ على انه قرأهما في ركعة واحدة كما في روايته المتقدمة. وروى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (2) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ في الاولى والضحى وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك " وحملها في التهذيبين على قراءتهما في النافلة. والاقرب عندي حمل الرواية الثانية على جواز التبعيض فيكون سبيلها سبيل ما دل على التبعيض في السورة كغيرها من الاخبار فبعين ما تحمل عليه تلك الاخبار عند من


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من القراءة


[ 206 ]

اوجب السورة كاملة تحمل عليه هذه الرواية. وهذان الخبران كانا اولى بالاستدلال لصاحبي المعتبر والمدارك لو اطلعا عليهما. وبالجملة فالظاهر من الاخبار هو الاتحاد كما عليه متقدمو الاصحاب ويؤيده ارتباط المعنى بين السورتين. بقى الكلام في توسط البسملة بينهما في المصاحف وهذا من اعظم الشبهة في ذهاب المتأخرين الى خلاف ما عليه المتقدمون. وفيه (اولا) انك قد عرفت من عبارة كتاب الفقه عدم الفصل بينهما بالبسملة متى اراد قراءتهما معا، وما نقله في مجمع البيان عن ابي بن كعب من عدم اثباته البسملة في مصحفه. و (ثانيا) ان الاستدلال باثباتها في المصاحف انما يتم لو كان هذا القرآن الموجود بايدينا جمع الامام (عليه السلام) وليس كذلك لاتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب وغيرهم على انه جمع الخلفاء الثلاثة (1) واما القرآن الذي جمعه (عليه السلام) فلم يخرج ولم يظهر


(1) اورد المجلسي في الباب 7 ج 19 من البحار الاخبار الواردة في هذا الموضوع وقد وردت روايات من طريق العامة تتضمن ان جمع القرآن كان بعد النبي " ص " وان المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت بامر ابى بكر، أو هو أبو بكر نفسه وانما طلب من زيد ان ينظر في ما جمعه من الكتب، أو هو زيد وعمر على اختلاف بين الروايات في ذلك، وقد اوردها في كنز العمال ج 2 ص 361 من الطبعة الثانية، وهناك روايات تدل على جمعه في زمن النبي " ص " كما في منتخب كنز العمال ج 2 ص 48 و 52 وصحيح البخاري ج 6 ص 102 والاتقان ج 1 ص 124، وقد اورد آية الله الاستاذ الخوئى ادام الله ظله الطائفتين من الروايات في البيان في بحث صيانة القرآن من التحريف من ص 136 الى 181 في الشبهة الثانية من شبه القائلين بالتحريف ص 156 التى ملخصها ان كيفية جمع القرآن مستلزمة في العادة لوقوع التحريف، وقد حقق البحث تحقيقا وافيا واثبت عدم صلوح هذه الروايات - من جهة كونها اخبار آحاد ومن جهة تناقضها في نفسها ومن جهة معارضاتها العديدة - لاثبات ذلك وان القرآن بمقتضى الادلة التى ذكرها كان مجموعا في زمن النبي " ص " فلا مجال لدعوى التحريف من هذه الجهة.


[ 207 ]

لاحد حتى يقوم القائم (عليه السلام) وتقرير الائمة (عليهم السلام) على هذا القرآن اعم من ذلك لما تقدم في القراءات السبع. وحينئذ إذا دلت الاخبار على انهما سورة واحدة كما عرفت وانهما تقرءان معا في ركعة واحدة مع تحريم القران بين السورتين كما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه فقد علم من ذلك ان وجود البسملة في المصاحف ليس بحجة - ويؤيده خلو مصحف ابي منها في هذين الموضعين دون غيرهما (1) - وان قراءتهما في ركعة واحدة انما هو من حيث الاتحاد إذ مع التعدد لا يجوز إلا على تقدير جواز القران وقد اثبتنا تخريمه، وهذا خلف. واما ما استند إليه في المعتبر من ان رواية المفضل قد تضمنت انهما سورتان ففيه - مع الاغماض عن المناقشة في السند بناء على اصطلاحهم - انه قد اجيب عنها بحمل الاستثناء على كونه منفصلا لا متصلا أو الحمل على التقية، والاظهر عندي ان ذلك انما خرج مخرج التجوز والمسامحة في التعبير من حيث انهما باثبات البسملة في المصاحف تسميان سورتين، ويؤيد ذلك ما في عبارة الصدوق في الفقيه ورواية كتاب الهداية حيث اطلق على كل منهما انهما سورة مع تصريحه بكونهما سورة واحدة، وحاصله انهما سورتان باعتبار الرسم في القرآن والشهرة على اللسان وإلا فهما في التحقيق سورة واحدة وبذلك يظهر لك قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور. والله العالم.

(المسألة الرابعة) - المشهور بين الاصحاب جواز العدول من سورة الى اخرى


(1) قال الالوسى في روح المعاني ج 30 ص 238 في سورة " لايلاف " " قالت طائفة انها وما قبلها سورة واحدة واحتجوا عليه بان ابى بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفة بالبسملة، ثم ذكر جمعا اثبتوا الفصل في مصحف ابى والمثبت مقدم على النافي " وفيه ص 165 في سورة " ألم نشرح " " هي شديدة الاتصال بسورة الضحى حتى روى عن طاووس وعمر بن عبد العزيز انهما يقولان هما سورة واحدة ويقرآنها في ركعة واحدة ولم يفصلا بينهما بالبسملة وعلى ذلك الشيعة كما حكاه الطبرسي ".


[ 208 ]

ما لم يبلغ نصفها أو يتجاوز نصفها على الخلاف في ذلك وانه يحرم بعد بلوغ الحد المذكور إلا في سورتي التوحيد والجحد فانه يحرم العدول عنهما بمجرد الشروع فيهما أو يكره على الخلاف إلا الى الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة فانه يعدل منهما الى السورتين المذكورتين ما لم يبلغ النصف أو يتجاوزه على الاشهر. وتفصيل هذه الجملة يقع في مقامات ثلاثة إلا ان الواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمسألة فاقول: الاول - ما رواه الكليني والشيخ عن عمرو بن ابي نصر (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يقوم في الصلاة فيريد ان يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون ؟ فقال يرجع من كل سورة الا من قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون ". والثاني - ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله احد ؟ قال لا بأس، ومن افتتح بسورة ثم بدا له ان يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله احد فلا يرجع منها الى غيرها، وكذلك قل يا ايها الكافرون ". والثالث - عن عبيد بن زرارة في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اراد ان يقرأ في سورة فاخذ في اخرى ؟ قال فليرجع الى السورة الاخرى إلا ان يقرأ بقل هو الله احد. قلت رجل صلى الجمعة فاراد ان يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو الله احد ؟ قال يعود الى سورة الجمعة ". الرابع - عن عبيد بن زرارة في الموثق ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ غيرها فقال له ان يرجع ما بينه وبين ان يقرأ ثلثيها ".


(1) و (2) الوسائل الباب 35 من القراءة (3) الوسائل الباب 69 من القراءة (4) الوسائل الباب 36 من القراءة


[ 209 ]

الخامس - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يريد ان يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله احد ؟ قال يرجع الى سورة الجمعة " ورواه الشيخ عن احمد بن محمد بن ابي نصر في الصحيح مثله (2) السادس - ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة فانك ترجع الى الجمعة والمنافقين منها ". السابع - ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) ورواه علي بن جعفر في كتاب المسائل ايضا عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل اراد سورة فقرأ غيرها هل يصلح له ان يقرأ نصفها ثم يرجع الى السورة التي اراد ؟ قال نعم ما لم تكن قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون. وسألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ ؟ قال بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وان اخذت في غيرها وان كان قل هو الله احد فاقطعها من اولها وارجع إليها " وعبارة كتاب المسائل في السؤال الاول هكذا " هل يصلح له بعد ان يقرأ نصفها ان يرجع.. الى آخر ما هنا ". الثامن - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي وابي الصباح الكناني وابي بصير كلهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " في الرجل يقرأ في المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى فيأخذ في اخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع ؟ قال يركع ولا يضره ". التاسع - ما رواه الشيخ في الصحيح عن صباح بن صبيح (7) قال: " قلت


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 69 من القراءة (4) و (5) الوسائل الباب 35 و 69 من القراءة الا انه لم ينقل السؤال الثاني من كتابه (6) الوسائل الباب 36 من القراءة (7) الوسائل الباب 72 من القراءة


[ 210 ]

لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله احد ؟ قال يتمها ركعتين ثم يستأنف " ورواه الكليني مرسلا (1). العاشر - ما رواه الشهيد في الذكرى نقلا من كتاب نوادر البزنطي عن ابي العباس (2) " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في اخرى ؟ قال يرجع الى التي يريد وان بلغ النصف " وهذه الرواية نقلها في البحار (3) عن الذكرى ايضا إلا ان فيها عن ابي العباس عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل.. الى آخره " والذي وفقنا عليه من نسخ الذكرى التي عندنا هو ما نقلناه. الحادي عشر - ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4) قال: " وقال العالم لا تجمع بين السورتين في الفريضة. وسئل عن رجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة ثم ينسى فيأخذ في الاخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع ؟ قال لا بأس به.. وتقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الاعلى وان نسيتها أو واحدة منها فلا اعادة عليك فان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع الى سورة الجمعة وان لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك " الثاني عشر - ما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يفتتح السورة فيقرأ بعضها ثم يخطئ فيأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم انه قد اخطأ هل له ان يرجع في الذى افتتح وان كان قد ركع وسجد ؟ قال ان كان لم يركع فليرجع ان احب وان ركع فليمض ". الثالث عشر - ما رواه في كتاب دعائم الاسلام (6) قال: " وروينا عن جعفر بن


(1) الوسائل الباب 72 من القراءة (2) الوسائل الباب 36 من القراءة (3) ج 85 الصلاة ص 61 ح 49 (4) ص 11 و 12 (5) الوسائل الباب 28 من القراءة (6) مستدرك الوسائل الباب 51 من القراءة


[ 211 ]

محمد (عليهما السلام) انه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثم رأى ان يتركها ويأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الاخرى إلا ان يكون بدأ بقل هو الله احد فانه لا يقطعها، وكذلك سورة الجمعة وسورة المنافقين في الجمعة لا يقطعهما الى غيرهما، وان بدأ بقل هو الله احد فقطعها ورجع الى سورة الجمعة أو سورة المنافقين في صلاة الجمعة يجزئه خاصة ". هذا ما حضرني من روايات المسألة، والكلام في هذه الاخبار وبيان ما اشتملت عليه من الاحكام يقع في مقامات ثلاثة:

(الاول) - في جواز العدول من سورة الى اخرى ما عدا سورتي الجحد والتوحيد، فقيل بجواز العدول في الصورة المذكورة ما لم يبلغ النصف وبه قال ابن ادريس والشهيد في الذكرى والدروس وابن بابويه في الفقيه والجعفي وابن الجنيد واسنده في الذكرى الى الاكثر. وقيل ما لم يتجاوز النصف وظاهره جواز العدول وان بلغ النصف وهو قول الشيخين الفاضلين في المعتبر والمنتهى وغيره من كتبه وعليه جملة من الاصحاب بل قال في الذخيرة انه المشهور ومثله شيخنا المجلسي في البحار قال بانه المشهور. واعترف جملة من الاصحاب: منهم - الشهيدان في الذكرى والروض وكذا من تأخر عنهما بعدم وجود النص على شئ من هذين القولين، قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: واعترف جماعة من الاصحاب بان التحديد بمجاوزة النصف أو بلوغه غير موجود في النصوص وهو كذلك. انتهى. وانت خبير بان ما عدا روايتي كتاب الفقه وكتاب دعائم الاسلام من الروايات المذكورة لا دلالة في شئ منها على شئ من القولين بالكلية حسبما ذكره الاصحاب المشار إليهم آنفا وهذه هي الاخبار التي وصل نظرهم إليها من الكتب الربعة وغيرها، واما عبارة كتاب الفقه فانها دالة على القول الاول. والعجب هنا من شيخنا المجلسي (قدس سره) انه مع تصديه في كتاب البحار لنقل عبارات هذا الكتاب وشرحها


[ 212 ]

كلمة كلمة كيف لم ينبه على ذلك ؟ بل غاية ما ذكره هنا ان قال والجزء الاخير يدل على اعتبار مجاوزة النصف في الجملة. انتهى. واراد بالجزء الاخير آخر العبارة التي ذكرناها وهي كما ترى تدل على الاعتبار ببلوغ النصف لا بمجاوزته حيث انه (عليه السلام) قال " ان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع وان لم تذكر إلا بعد ما قرأت النصف فامض " وهو صريح في ان المدار في جواز الرجوع وعدمه على بلوغ النصف وعدمه فان بلغه مضى في صلاته وإلا رجع. والصدوق الذي قد نسب إليه القول ببلوغ النصف انما استفيد ذلك من عبارته في الفقيه بهذه العبارة وان جعلها في الظهر خاصة ورتب عليها وجوب السورة في الظهر حيث قال: " ان نسيتهما - يعني سورة الجمعة والمنافقين - أو واحدة منهما في صلاة الظهر وقرأت غيرهما ثم ذكرت فارجع الى سورة الجمعة والمنافقين ما لم تقرأ نصف السورة فان قرأت نصف السورة فتمم السورة واجعلها ركعتين نافلة وسلم فيهما واعد صلاتك " ومرجع العبارتين الى معنى واحد وهو الاعتبار ببلوغ النصف وعدمه. واما عبارة كتاب دعائم الاسلام فهى صريحة في القول الثاني حيث رتب جواز الرجوع على عدم الدخول في النصف الآخر من السورة التي قرأها فلو دخل فيه مضى وهذا معنى ما عبروا به من تجاوز النصف. بقى الكلام في الاعتماد على الكتابين المذكورين، اما كتاب الفقه فقد تقدم الكلام فيه غير مرة وانه باعتماد الصدوقين عليه وافتائهما بعباراته لا يقصر عن غيره من كتب الاخبار، وقد نبهنا في غير موضع على ان كثيرا من الاحكام التي ذكرها المتقدمون ولم يصل دليلها الى المتأخرين فاعترضوا عليهم بعدم وجود الدليل قد وجدنا ادلتها في هذا الكتاب، وهذا منها فان عبارة الصدوق هنا كما ترى موافقة لعبارة الكتاب وان كان انما رتبها على الظهر خاصة بناء على مذهبه من وجوب السورتين فيها. واما كتاب دعائم الاسلام فاخباره صالحة للتأييد البتة والغرض هنا التنبيه على ما وصل الينا من اخبار المسألة. والعجب هنا ايضا من شخينا المجلسي مع تصديه لنقل اخبار الكتاب المذكور


[ 213 ]

والبحث فيها وبيانها وايضاحها اغمض النظر عن هذه العبارة ولم يتكلم فيها ولو بالاشارة وظاهره - كما عرفت من كلامه المنقول آنفا - الجمود على ما ذكره جملة ممن قدمنا نقل ذلك عنه وعنهم من عدم وجود نص على شئ من ذينك القولين. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما دلت عليه عبارة كتاب الفقه وكذا عبارة الصدوق معارض بما دلت عليه الرواية السابعة من حكمه (عليه السلام) بان من اراد قراءة سورة فقرأ غيرها فانه يجوز له الرجوع الى التي ارادها اولا وان قرأ نصف السورة التي شرع فيها وكذا الرواية العاشرة والرواية الرابعة، وفي هذه الرواية رد ايضا للقول بتجاوز النصف فان ما قبل الثلثين كما يشمل بلوغ النصف يشمل بلوغ ما زاد على النصف الى ان يبلغ الثلثين. ويدل على جواز الرجوع مطلقا في غير ما استثنى اطلاق الرواية الاولى والثانية والثالثة، واطلاق هذه الاخبار مع تصريح تلك الاخبار الاخر كما عرفت مما يدفع رواية كتاب الفقه، وبذلك يظهر ضعف العمل عليها والاستناد في الحكم المذكور إليها. وبالجملة فاني لا اعرف دليلا معتمدا لهذين القولين بل الاخبار كما ترى ظاهرة في خلافه رأى العين، والشيخ (قدس سره) لما حكى كلام الشيخ المفيد بالتحديد بمجاوزة النصف لم يذكر له دليلا إلا الرواية الثامنة، ومن الظاهر انها لا دلالة فيها على شئ من التحديدين بالكلية وانما غاية ما تدل عليه صحة الصلاة عند العدول بعد النصف في حال النسيان وهو مع كونه مخصوصا بالنسيان لا يقتضي عدم جواز العدول بعد مجاوزة النصف إلا بمفهوم اللقب وهو مما لا حجة فيه عند محققى الاصوليين. واحتمل الشهيد في الذكرى ارجاع قول الشيخ بمجاوزة النصف الى القول ببلوغ النصف ليطابق كلام الاكثر، قال - بعد نقل جملة من العبارات الدالة على بلوغ النصف - ما لفظه: فتبين ان الاكثر اعتبروا النصف والشيخ اعتبر مجاوزة النصف ولعل مراده بلوغ النصف. انتهى. وفيه (اولا) ان ما ذكره جيد بالنسبة الى ما ادعاه من ان الاكثر على القول ببلوغ


[ 214 ]

النصف والمخالف انما هو الشيخ خاصة أو مع الشيخ المفيد، اما على تقدير ما قدمنا نقله عن جملة من الاصحاب من ان المشهور انما هو مذهب الشيخ فلا وجه له. و (ثانيا) انه اي فائدة في ارجاع مذهب الشيخ الى قول الاكثر بناء على كلامه والحال انه لا دليل عليه في المقام كما اعترف به في صدر كلامه. و (ثالثا) ان الشيخ كما عرفت قد اورد الرواية الثامنة دليلا على ما ادعاه وهي صريحة في العدول مع بلوغ النصف، وهل ما ذكره (قدس سره) إلا صلح مع عدم تراضي الخصمين ؟ والعلامة في النهاية قد وجه كلام الشيخين ومن تبعهما بالبناء على تحريم القران، قال: وكما لا يجوز القران بين سورتين فكذا لا يجوز بين السورة ومعظم الاخرى. ولا يخفى ما فيه. وشيخنا الشهيد الثاني في الروض لما اختار التحديد ببلوغ النصف استدل عليه وفاقا للمحقق الشيخ على بقوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " (1) فان الانتقال من سورة الى اخرى ابطال للعمل. وفيه منع ظاهر فان الانتقال المذكور من حيث هو انتقال ليس ابطالا للعمل وإلا لصدق على الانتقال قبل بلوغ النصف بل الظاهر من ابطال العمل انما هو اسقاطه عن درجة الانتفاع به وعدم ترتب الثواب عليه بالمرة بان يكون فعله كلا فعل، وعلى هذا لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا ثبت ان الانتقال عن السورة يوجب ارتفاع ثوابها بالكلية وهو غير واضح بل المعلوم خلافه. ويعضد ما ذكرناه ان بعض المفسرين حمل الابطال على ابطال الاعمال بالكفر والنفاق وعلى هذا يدل سياق الآية، وبعض على الابطال بالرياء والسمعة، وبعض على الابطال بالمعاصي والكبائر، وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها في مجمع البيان. وبالجملة فالقول المذكور بمحل من البعد والقصور. ثم انه لو سلم دلالتها على ما ادعاه لوجب تخصيصها بالنصوص المتقدمة الدالة عموما وخصوصا على الرجوع بعد بلوغ النصف


(1) سورة محمد، الآية 33


[ 215 ]

كما خصصت بالاجماع والاخبار قبل بلوغ النصف. نعم ادعى جماعة من الاصحاب: منهم - الشهيد الثاني في الروض المحقق الاردبيلي فشرح الارشاد الاجماع على عدم جواز العدول بعد تجاوز النصف فان تم كان هو الوجه لا ما ذكروه من هذه التخريجات الواهية، وحينئذ يجعل النهي عن ابطال العمل مؤيدا له والاخبار دليلا على جواز العدول في النصف فما دونه، وتحمل الرواية الرابعة الدالة على جواز العدول في ما بينه وبين ثلثي السورة على الشروع في النصف الثاني جمعا بين الاخبار كما ذكره بعض الاعلام. إلا ان تحقق الاجماع المذكور مشكل لما عرفت في مقدمات الكتاب. ومن ذلك يظهر لك قوة القول بجواز العدول مطلقا للاصل مضافا الى اطلاق الاخبار المتقدمة والاوامر المطلقة في القراءة لصدقها بعد العدول ايضا والاخبار المتقدمة الصريحة في جواز العدول ولو بعد مجاوزة النصف. والله العالم.

(المقام الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز العدول عن سورتي التوحيد والجحد الى غيرهما سوى ما سيأتي بل متى شرع فيهما وجب اتمامهما، صرح به الشيخان والمرتضى وابن ادريس والعلامة وغيرهم ونقل المرتضى في الانتصار اجماع الفرقة عليه. وخالف المحقق في المعتبر فذهب الى الكراهة. وتوقف فيه العلامة في المنتهى والتذكرة، وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا التوقف في ذلك. والذي يدل على على القول المشهور ما تقدم من الرواية الاولى والثانية والثالثة والسادسة والسابعة. وقال المحقق في المعتبر بعد ان نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) القول بالتحريم: الوجه الكراهة لقوله تعالى " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (1) قال ولا تبلغ الرواية قوة في تخصيص الآية.


(1) سورة المزمل، الآية 20


[ 216 ]

وضعفه ظاهر (اما اولا) فلاجمال الآية المذكورة وقد حققنا في مقدمات الكتاب عدم جواز الاستدلال بمجملات القرآن ومتشابهاته إلا بتفسير منهم (عليهم السلام) و (اما ثانيا) - فانه مع تسليم دلالة الآية على ما ادعاه فان الروايات المذكورة لصحتها وصراحتها وتعددها موجبة لتخصيص الآية، وقد خصصوا آيات القرآن بما هو اقل عددا من هذه الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. و (اما ثالثا) فان الآية المذكورة مخصصة عندهم بما إذا لم يتجاوز النصف أو لم يبلغه فانهم يحرمون العدول بعد الحدين المذكورين على اختلاف القولين مع ان الدليل في ما نحن فيه اقوى واظهر. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - حيث قال: والاصل في هذا الباب الروايتان السابقتان اعني رواية عمرو بن ابي نصر ورواية الحلبي ودلالتهما على التحريم ليس بواضح، الى ان قال والتوقف في هذا المقام في موضعه إلا ان مقتضاه عدم العدول تحصيلا للبراءة اليقينية. انتهى - فهو من جملة تشكيكاته الواهية لانه مبني على ما تفرد به مما نبهناك عليه مرارا من عدم دلالة الاوامر والنواهي في الاخبار على الوجوب والتحريم وقد اوضحناه في غير مقام مما تقدم. فرع لو قلنا بتحريم العدول كما هو الاشهر الاظهر فخالف وعدل الى غيرهما فهل تبطل صلاته ام غاية ما يترتب عليه الاثم خاصة ؟ لم اقف فيه على نص من الاخبار ولا تصريح لاحد من الاصحاب إلا على كلام للوالد العلامة (افاض الله عليه الكرامة) حيث قال - بعد ان اعترف ايضا بعدم الوقوف على نص من الاخبار ولا كلام لا حد من الاصحاب - ما لفظه: ولا يبعد القول ببطلان العبادة بذلك لان النهي حينئذ راجع الى جزء العبادة فيبطلها لان النهي عن الرجوع عنهما الى غيرهما نهى في الحقيقة عن قراءة غيرهما مع انه مأمور


[ 217 ]

باتمامهما فعند العدول عنهما وقراءة غيرهما يكون آتيا بما نهى عنه تاركا لما امر به فيكون باقيا تحت العهدة فتبطل عبادته حينئذ، فتأمل. انتهى. وهو جيد.

(المقام الثالث) - المشهور جواز العدول من التوحيد والجحد الى الجمعة والمنافقين، وقال المحقق في الشرائع في احكام صلاة الجمعة: وإذا سبق الامام الى قراءة سورة فليعدل الى الجمعة والمنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة الا في سورة الجحد والتوحيد. وظاهره عدم جواز العدول عنهما ولو الى الجمعة والمنافقين، وربما ظهر ذلك من كلام المرتضى (قدس سره) في الانتصار حيث قال: ومما انفردت به الامامية حظر الرجوع من سورة الاخلاص وروى قل يا ايها الكافرون ايضا إذا ابتدأ بها، ثم نقل الاجماع عليه. وظاهره عموم المنع حيث لم يستثن هاتين السورتين، قيل وهو ظاهر اطلاق ابن الجنيد ايضا. ويدل على القول المشهور الخبر الثالث من الاخبار المتقدمة والخبر الخامس والخبر السادس والسابع، وقد تقدم في الرواية التاسعة جواز العدول الى النفل كما ذهب إليه الصدوق في ظهر الجمعة وقد تقدم بيانه. والظاهر الجمع بينها وبين الاخبار المذكورة بالتخيير في مورد الرواية المذكورة وهو صلاة الجمعة. ومنع ابن ادريس من العدول الى النفل هنا بناء على اصله الغير الاصيل من عدم العمل بخبر الواحد مع تحريم قطع الصلاة الواجبة. ولا ريب ان ما ذكره احوط. واما القول الثاني فلعل مستنده اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة الدالة على انه بالشروع في التوحيد والجحد فانه لا يجوز العدول عنهما كالرواية الاولى من الروايات المتقدمة والثانية والثالثة والسؤال الاول من الرواية السابعة. وفيه ان مقتضى القاعدة تقييد اطلاق هذه الاخبار بالاخبار المتقدمة فانها مفصلة والمفصل يحكم على المجمل.

بقى الكلام هنا في مواضع:

(الاول) ان النصوص المتقدمة المتعلقة بالمقام الثاني قد دلت على عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد الى غيرهما ونصوص هذا المقام انما دلت على جواز العدول الى سورتي الجمعة والمنافقين من التوحيد خاصة واما


[ 218 ]

سورة الجحد فلم يدل على جواز العدول عنها دليل، فبقى عموم الاخبار الدالة على عدم جواز العدول عنها على حاله لا مخصص له والتخصيص انما وقع في الاخبار المتعلقة بالتوحيد، والاصحاب قد شركوا بين السورتين في جواز العدول عنهما الى سورتي الجمعة والمنافقين والدليل كما ترى لا ينهض بذلك. واستند بعضهم في الجواب عن هذا الاشكال الى التمسك بالاجماع المركب وهو ان كان من اجاز العدول من التوحيد اجازة من الجحد. وبعض استند الى طريق الاولوية. وضعف الجميع عني عن البيان. نعم ربما يستفاد ذلك من الرواية السابعة وقوله فيها " وان اخذت في غيرها وان كان قل هو الله احد فاقطعها من اولها وارجع إليها " وجه الدلالة دخول سورة الجحد في ذلك الغير المأمور بقطعه. إلا انه لا يخلو من شئ فان تقييد اطلاق تلك الاخبار باطلاق هذا الخبر ليس اولى من تقييد اطلاق هذا الخبر باطلاق تلك الاخبار، وبالجملة فههنا اطلاقان تعارضا وتقييد احدهما بالآخر لازم لكن لا بد لتعيين احدهما من ترجيح. وبذلك يظهر ان الاظهر عدم جواز العدول عن سورة الجحد مطلقا لا الى هاتين السورتين ولا الى غيرهما، ويؤيده انه الا وفق بالاحتياط.

(الثاني) - انه قد صرح جملة من الاصحاب - بل الظاهر انه المشهور - بجواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد هنا الى سورتي الجمعة والمنافقين باشتراط عدم بلوغ النصف أو تجاوزه كما تقدم من القولين السابقين، وكثير من عباراتهم مجمل لا تقييد فيه بذلك والاخبار كما عرفت عارية عن هذا التقييد. واستدل شيخنا الشهيد الثاني ومثله المحقق الشيخ علي على ذلك بالجمع بين الرواية التاسعة الدالة على ان من صلى الجمعة وقرأ بقل هو الله احد فانه يتمها ركعتين ثم يستأنف وبين الروايات المتقدمة الدالة على العدول، قال في الروض: وانما اعتبروا فيهما عدم بلوغ


[ 219 ]

النصف جمعا بين ما دل على جواز العدول منهما كصحيحة محمد بن مسلم وغيرها وبين ما روى عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر الرواية التاسعة المشار إليها، قال فان العدول من الفريضة الى النافلة بغير ضرورة غير جائز لانه في حكم ابطال العمل المنهى عنه فحملت هذه الرواية على بلوغ النصف والاولى محمولة على عدمه. انتهى. وفيه (اولا) ان الجمع بين الروايات لا ينحصر في ما ذكره بل يمكن الجمع بينها بالتخيير كما قدمنا الاشارة إليه، وهو انما الجأه الى القول المذكور ضرورة الجمع والجمع يحصل بما ذكرنا. وما ذكر من الجمع بالتخيير ظاهر الكليني في الكافي حيث انه بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم الدالة على العدول قال (1) " وروى ايضا يتمها ركعتين ثم يستأنف " و (ثانيا) انك قد عرفت مما قدمنا انه لا دليل من الاخبار على هذا التقييد من اصله فالقول به كائنا ما كان قول بلا دليل. و (ثالثا) انه مخالف لما عليه الاصحاب فان العدول الى النافلة عندهم غير مقيد ببلوغ النصف بل يجوز مطلقا تبعا لاطلاق النص. و (رابعا) ان قوله - ان العدول الى النافلة بغير ضرورة غير جائز - مردود بما ذكروه ودلت عليه الاخبار من العدول لاستدراك الجماعة، وقطع الفريضة لتدارك الاذان والاقامة، فان كانت هذه الاشياء من الضرورات التي يجوز لاجلها القطع أو العدول فكذا في ما نحن فيه وإلا فاشتراط الضرورة في جواز العدول ممنوع.

(الثالث) - انه قد صرح المحققان الفاضلان المحقق الشيخ علي وشيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما) بان جواز العدول من التوحيد والجحد الى السورتين المذكورتين مشروط بكون قراءتهما على وجه السهو والنسيان، وحيئذ فلو كان عمدا فانه لا يجوز له الرجوع عملا باطلاق اخبار المقام الثاني. والظاهر مستندهم في ذلك قوله في الرواية الخامسة " في الرجل يريد ان يقرأ


(1) الوسائل الباب 69 من القراءة


[ 220 ]

سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله احد ؟ " ونحوها غيرها من روايات المسألة، فان ظاهرها ان القصد كان لسورة الجمعة وان قراءة التوحيد انما وقع لا عن قصد بل سهوا وفيه ان هذه العبارة كما تحتمل ما ذكروه كذلك تحتمل الحمل على العامد ايضا بان يكون قد قصد اولا الى سورة الجمعة ثم بدا له فقصد الى التوحيد، على ان ظاهر الرواية السابعة شمول العامد لقوله بعد الامر بقراءة سورتي الجمعة والمنافقين " وان اخذت في غيرها.. الى آخره " فان الاخذ في الغير اعم من ان يكون عمدا أو سهوا ونحوها رواية كتاب دعائم الاسلام. والتحقيق ما ذكره العلامة الوالد (قدس سره) هنا حيث قال بعد الكلام في المسألة: وبالجملة فان المفهوم من الروايات ان المصلي إذا قرأ سورة التوحيد وكان في قصده قراءة غيرها فلا يرجع عنها إلا الى السورتين، وهذا المعنى لا خصوص له بالناسي بل ينطبق على العامد ويصح حمل اللفظ عليه، على ان رواية علي بن جعفر المذكورة آنفا لا وجه لقصرها على حال النسيان لظهور شمولها لحال العامد ايضا بل هي فيه اظهر. وبهذا يندفع ما يقال ان الخروج عن مقتضى الاخبار الصحيحة الصريحة في المنع عن العدول من سورة التوحيد بل والجحد ايضا بناء على ما مر بمجرد الاحتمال غير جيد بل ينبغي الاقتصار فيها على المتيقن من حال الناسي لانه متيقن الارادة منها ومتفق عليه بين الاصحاب، لان ذلك مبني على ظهور الاخبار في الناسي ليكون متيقن الارادة منها بخلاف العامد لكونه حينئذ خلاف الظاهر منها، اما من لا يسلم ظهورها فيه كما هو مقتضى كلام الاكثر فيكون اللفظ محتملا لهما على سواء والخروج فيهما عن مقتضى الاخبار الصحيحة الصريحة في المنع على حال واحدة، نعم لا يبعد ان الاخبار في الناسي اظهر منها في حال العامد وهو لا يقتضي إلا اولوية العدول فيه لا خصوصيته به والكلام فيه. فتأمل المقام فانه حري بالتأمل التام. انتهى كلامه رفع مقامه.

(الرابع) - انه لا يخفى ان الاخبار المتعلقة بهذا المقام الدالة على القول المشهور


[ 221 ]

- كما قدمنا الاشارة إليها من العدول عن التوحيد والجحد الى سورتي الجمعة والمنافقين - موردها انما هو صلاة الجمعة وليس فيها مار بما يوهم خلاف ذلك إلا قوله في الرواية السادسة " إلا ان تكون في يوم الجمعة " ويجب حمله على صلاة الجمعة كما صرحت به بقية اخبار المسألة حمل المطلق على المقيد، ويعضد ذلك الروايات الدالة على تحريم العدول عن هاتين السورتين اعني التوحيد والجحد مطلقا فيجب الاقتصار في التخصيص على مورد النصوص والمتيقن بالخصوص وهو صلاة الجمعة خاصة. واما ما قيل هنا في تأييد ما ذكرنا - من ان استحباب قراءة السورتين انما ثبت بالروايات الصحيحة في صلاة الجمعة خاصة دون ما سواها وهو قرينة قوية على اختصاص العدول اليهما بها. انتهى - ففيه انه غلط محض نشأ من الركون الى ما ذكره في المدارك كما قدمنا نقله عنه واوضحنا فساده بالاخبار الدالة على استحباب السورتين المذكورتين في غير صلاة الجمعة من المواضع المذكورة في الاخبار المتقدمة ثمة. وبذلك يظهر لك ما في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام من الخروج عن جادة اخبارهم (عليهم السلام) فانهم قد اختلفوا في مواضع العدول زيادة على صلاة الجمعة التي هي مورد الاخبار المذكورة كما عرفت، فبعض اثبت هذا الحكم في الظهر وعليه المحقق وابن ادريس والعلامة في المنتهى وقبلهم الصدوق في الفقيه كما تقدم نقل عبارته بذلك، وقال الجعفي بثبوته في صلاة الجمعة والصبح والعشاء، قال (قدس سره) على ما نقله عنه في الذكرى: وان اخذت في سورة وبدا لك في غيرها فاقطعها ما لم تقرأ نصفها إلا قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون، فان كنت في صلاة الجمعة والصبح يومئذ والعشاء الآخرة ليلة الجمعة فاقطعها وخذ في سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون. وقال الشهيد الثاني في الروض بثبوته في الجمعة وظهرها أو ظهريها. اقول: والظاهر ان ما ذهب إليه هؤلاء الفضلاء (قدس الله اسرارهم) قد بنوه على ما ثبت عندهم من المواضع التي يستحب فيها قراءة السورتين المذكورتين،


[ 222 ]

فكل موضع ثبت فيه استحباب قراءة هاتين السورتين حكموا بجواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد اليهما تحصيلا لفضليتهما في ذلك الموضع، وقد تقدم نقل مذاهبهم في محل السورتين المذكورتين ونقل مذهب الجعفي باستحبابهما في هذه المواضع التي نقلت عنه هنا، فكأنهم بنوا الحكم على عموم الاخبار الدالة على استحباب هاتين السورتين سواء كان ابتداء أو مع العدول عن سورتي الجحد والتوحيد. وفيه ان الاخبار الدالة على انه بالشروع في الجحد والتوحيد فانه لا يجوز العدول عنهما مطلقا شاملة بلاطلاقها لسورتي الجمعة والمنافقين وغيرهما، وقد وردت بازائها روايات مخصصة بالعدول منهما الى هاتين السورتين في هذا الموضع المخصوص اعني صلاة الجمعة خاصة، فالقول بالعدول وتخصيص تلك الاخبار في غير الجمعة يحتاج الى دليل، ومجرد استحباب هاتين السورتين في هذه المواضع لا يكفي في التخصيص كما لا يخفى. والله العالم.

تنبيهات:

(الاول) - المشهور في كلام الاصحاب ولا سيما المتأخرين من العلامة ومن تأخر عنه انه مع العدول يجب ان يعيد البسملة لان البسملة آية من كل سورة وقد قرأها اولا بنية السورة المعدول عنها فلا تحسب من المعدول إليها، ولان البسملة لا يتعين كونها من سورة إلا بالقصد. وصرحوا ايضا بانه يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير ان يقصد بها سورة معينة بعد القصد، حيث ان البسملة صالحة لكل سورة فلا تتعين لاحدى السور إلا بالتعيين والقصد بها الى احداها وبدونه يعيدها بعد القصد. وجملة من المتأخرين فرعوا على هذا الاصل تفاصيل في كلامهم فقالوا لا يشترط في الحمد القصد ببسلمة معينة لتعينها ابتداء فيحمل اطلاق النية على ما في ذمته، وكذا لو عين له سورة معينة بنذر أو شبهه أو ضاق الوقت إلا عن اقصر سورة أو لا يعلم إلا تلك السورة فانه يسقط القصد كالحمد، لان السورة لما كانت متعينة بتلك الاسباب اقتضت


[ 223 ]

نية الصلاة ابتداء قراءتها في محلها كما اقتضت ايقاع كل فعل في محله وان لم يقصده عند الشروع فيه. قالوا: ومحل القصد حيث يفتقر إليه عند الشروع في قراءة السورة، وهل يكفى القصد المتقدم على ذلك في جملة الصلاة بل قبلها ؟ نظر، من ان السورة كاللفظ المشترك يكفي في تعيين احد افرادها القرينة وهي حاصلة في الجميع، ومن عدم المخاطبة بالسورة فلا يؤثر قصدها، والاقتصار على موضع اليقين طريق البراءة. واختار الشهيد في بعض فتاويه الاجزاء في الجميع ونفى عنه البعد في الروض. قالوا ولو كان معتادا لسورة مخصوصة فالوجهان، والاجزاء هنا ابعد. ولو جرى لسانه على بسملة وسورة فهل يجزئ المضي عليها ام تجب الاعادة ؟ نظر واستقرب الشهيد الاجزاء، واحتج عليه في الذكرى برواية ابي بصير وهي الثامنة من الروايات المتقدمة المنسوبة الى ثلاثة احدهم أبو بصير، الى غير ذلك من كلامهم في هذا المقام وما اوسعوا فيه من تفريع الاحكام وما وقع لهم فيه من النقض والابرام. وقد رده جملة من افاضل متأخرى المتأخيرين - اولهم في ما اظن المحقق الاردبيلي - بان ما ذكروه من انه يحتاج الى النية لاشتراك البسملة بين السور فلا تتعين للسورة إلا بالنية غير واضح، لان نية الصلاة تكفي لا جزائها بالاتفاق ولو فعلت مع الغفلة والذهول ويكفيه قصد فعلها في الجملة، واتباع البسملة بالسورة يعين كونها جزء لها وذلك كاف، وبالجملة فانا لا نسلم ان للنية مدخلا في صيرورة البسملة جزء من السورة بل متى اتى بمجرد البسملة فقد اتى بشئ يصلح لان يكون جزء لكل سورة فإذا اتى ببقية الاجزاء فقد اتى بجميع اجزاء هذه السورة المخصوصة ولا فساد في ذلك. و دعوى تميز بسملة كل سورة عن بسملة الاخرى يحتاج الى دليل وليس فليس. ولو تم ما ذكروه للزم ان يكون كل كلمة مشتركة بين سورتين تحتاج الى القصد مثل " الحمد لله " والظاهر انه لا يقولون به. والتحقيق عندي في امثال هذا المقام هو ان يقال لا ريب انهم لا يختلفون في اصالة العدم


[ 224 ]

وان الاصل عدم الوجوب في شئ إلا مع قيام الدليل عليه إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، وعدم الدليل دليل العدم. وما ادعوه هنا - من وجوب القصد بالبسملة الى سورة معينة فلو بسمل لا بقصد فانه يجب اعادتها بعد القصد - لم يأتوا عليه بدليل واضح سوى ما عرفت من التعليل العليل الذي لا يشفي العليل ولا ببرد الغليل مع استفاضة الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالسكوت عما سكت الله عنه (1) والنهي عن تكلف الدليل في ما لم يرد عنهم (عليهم السلام) فيه دليل واضح: ومن ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده فيه عن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الامهات التي قد دخل بهن في الحجور كن وغير الحجور سواء، و الامهات مبهمات دخل بالبنات ام لم يدخل بهن فحرموا ما حرم الله وابهموا ما ابهم الله ". وما رواه الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المجالس (3) بسنده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله حد لكم حدودا فلا تعتدوها وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فاتبعوها وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها وعفا عن اشياء رحمة منه لكم من غير نسيان فلا تتكلفوها " وما رواه في الفقيه (4) من خطبة امير المؤمنين وقوله (عليه السلام) فيها " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقصوها وسكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها ".


(1) روى القاضى محمد بن سلامة القضاعى المغربي في كتابه الشهاب في الحكم والآداب في باب الالف المقطوع والموصول عن النبي " ص " انه قال " اسكتوا عما سكت الله عنه، (2) الوسائل الباب 18 و 20 من ما يحرم بالمصاهرة (3) ص 94 من المطبوع بالمطبعة الحيدرية في النجف (4) باب " نوادر الحدود " وفى الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يقضى به


[ 225 ]

مضافا الى ما ورد في الآيات القرآنية والسنة النبوية من النهي عن القول بغير علم ولا اثر وارد من الكتاب أو السنة " أتقولون على الله ما لا تعلمون " (1) " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا (2) " ونحوهما من الآيات والاخبار الكثيرة الدالة على الوقوف والتثبت والرد إليهم (عليهم السلام) في ما لم يرد فيه امر منهم، وفى حديث ابي البريد المروي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (3) " اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا " ونحوه من الاخبار الواردة في هذا المضمار كما لا يخفى على ذوى البصائر والافكار، ولا ريب ان بناء الاحكام الشرعية على هذه التخريجات الفكرية خروج عن منهاج السنة النبوية لانحصار ادلة الاحكام في القرآن العزيز واخبارهم (عليهم السلام).

(الثاني) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض - بعد البحث في المسألة بنحو ما قدمناه في صدور المقام المتقدم اعتراضا على عبارة المصنف وهي قوله: ومع العدول يعيد البسملة وكذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد - ما صورته: بقى في المسألة اشكال وهو ان حكمه باعادة البسملة لو قرأها من غير قصد بعد القصد ان كان مع قراءتها اولا عمدا لم يتجه القول بالاعادة بل ينبغي القول ببطلان الصلاة للنهي عن قراءتها من غير قصد وهو يقتضي الفساد، وان كان قرأها ناسيا فقد تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لاعادة القراءة من رأس، فالقول باعادة البسملة وما بعدها لا غير لا يتم على تقديري العمد والنسيان، والذي ينبغي القطع بفساد القراءة على تقدير العمد للنهي، وهو الذي اختاره الشهيد في البيان وحمل الاعادة هنا على قراءتها ناسيا. انتهى. اقول فيه (اولا) ان ما ادعاه على تقدير القراءة عمدا - من بطلان الصلاة للنهي


(1) سورة الاعراف، الآية 27 (2) سورة الانعام، الآية 21 (3) الوسائل الباب 7 من صفات القاضى وما يقضى به. والراوي هاشم صاحب البريد


[ 226 ]

عن قراءتها من غير قصد - مردود بانه اي نهي هنا ورد بما ذكره واي حديث دل على ما سطره ؟ وغاية ما يمكن ان يقال بناء على اصولهم العديمة النوال انه مأمور بالقصد الى البسملة كما عرفت من كلامهم المتقدم آنفا والامر بالشي يستلزم النهي عن ضده الخاص. وقد عرفت مما حققناه آنفا انه لا دليل على هذه الدعوى إلا مجرد تخريجات لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، ومع تسليم صحة ذلك فان استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص وان ذهب إليه جمع منهم إلا ان مذهبه (قدس سره) العدم كما صرح به في كتابه المشار إليه، وبذلك يظهر فساد ما ذكره وبنى عليه. و (ثانيا) ان ما ذكره بناء على تقدير القراءة ناسيا - من انه تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لاعادة القراءة من رأس - غفلة عجيبة من مثله (قدس سره) فان محل البحث هنا انما هو الاتيان بالبسملة بعد الحمد والقراءة بتلك البسملة بغير قصد واللازم من البسملة والقراءة بغير قصد بناء على دعواه وجوب القصد هو اعادة ما قرأه بعد القصد، والذي تقدم في مسألة وجوب الموالاة انما هو القرءة في خلال آيات الحمد والسورة واين هذا من ذاك ؟ ولم يذكر في ما تقدم حكم القراءة بين سورة الحمد والسورة التي بعدها، وغاية ما يلزم هنا هو قراءة القرآن في الصلاة وهو مما لا خلاف بينهم في جوازه ولا تعلق له بمسألة وجوب الموالاة التي هي عبارة عن ان لا يقرأ خلال الفاتحة والسورة غيرهما، وجيمع ما فرعه انما هو من فروع وجوب الموالاة ومذهب الشهيد الذي نقله انما هو في الموالاة كما قدمنا نقله، وما نحن فيه ليس من مسألة الموالاة في شئ. وجيمع ما ذكرنا ظاهر بحمد الله لا سترة عليه.

(الثالث) المستفاد من الاخبار المتقدمة انه لا فرق في جواز العدول حيث يصح بين ان يكون دخوله في السورة المعدول عنها بقصد أو بغيره، وعلى الاول فقد يكون عدوله عنها مقصودا لذاته بان يبدو له العدول الى غيرها فيعدل أو لنسيانها بان يحمله نسيانها على قصد غيرها أو غير مقصود بان يتمادى به السهو والنسيان الى ان يدخل في الثانية من غير قصد، وعلى الثاني لا فرق بين ان تكون السورة المعدول إليها مما سبق


[ 227 ]

قصدها ام لا، فهذه صور خمس كلها مستفادة من النصوص المتقدمة: اما الصورة الاولى - وهي ان يقصد سورة فيبدو له في قصد غيرها - فهي مستفادة من الرواية الثانية من الروايات المتقدمة. واما الصورة الثانية وهي ان يقصد سورة فينساها فيتعمد العدول الى غيرها، والثالثة - وهي ان يقصد سورة فينساها فينجر به الذهول والنسيان الى ان يدخل في غيرها من غير قصد - فهما مستفادتان من اطلاق الرواية الثامنة، فان قوله فيها " ثم ينسى فيأخذ في اخرى " يحتمل ان يكون المراد فينسى ما هو فيه فيعمد الى الدخول في اخرى أو ينسى ما هو فيه فيشرع بطريق السهو والنسيان في اخرى، والثانية من هاتين الصورتين مستفادة من الرواية الثانية عشرة، فان قوله فيها " ثم يلعم انه قد اخطأ " ظاهر في ان دخوله في الثانية انما كان عن سهو وخطأ لا عن تعمد، بمعنى انه استمر به السهو بعد شروعه في الاولى الى ان دخل في الثانية وفرغ منها ثم ذكر بعد ذلك. والصورة الرابعة - وهي ان يشرع في السورة لا بطريق القصد بل بعد القصد لسورة اخرى فيغفل عنها الى ان يدخل في الثانية سهوا فيعدل عنها الى الاولى المقصودة اولا - مستفادة من اكثر الاخبار كالرواية الاولى والثالثة والرابعة والتاسعة، لظهور شمولها لذلك بل هو اظهر من احتمالها لارادة قراءة سورة فينساها فيعمد الى قراءة غيرها لاجل النسيان ثم يذكر فيعدل الى السورة لا مقصودة اولا. وهذا الاحتمال الثاني قد تضمن كون المعدول عنه والمعدول إليه كلاهما مقصودين ولكن كان المعدول إليه مقصودا قبل المعدول عنه لكن عرض نسيانه فلا يبعد دخولها في الصورة الاولى لشمولها من حيث اطلاقها لذك، وتكون هذه الاخبار من حيث احتمالها لذلك شاهدة له وان حصلت صورة سادسة لان فيها زيادة اعتبار ليس في الاولى فلا بأس به. والصورة الخامسة - وهي ان يكون شروعه في السورة لا بطريق القصد فيبدوله في اثنائها العدول الى اخرى لم تكن مقصودة قبل - ربما تشملها الرواية الثانية، فان قوله


[ 228 ]

فيها " ومن افتتح بسورة " اعم من ان يكون بطريق القصد أو جرى ذلك على لسانه من غير قصد وان كان الظاهر هو الاول. وبالجملة ففي جميع هذه الصور يصح العدول بغير اشكال. والله العالم.

(الرابع) - المستفاد من الاخبار المذكورة بمعونة ما تقدم تحقيقه انه لا يجب في الصلاة قصد سورة معينة قبل البسلمة خلافا للشمهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) وذلك لان نية الصلاة كافية لاجزائها اجماعا وان فعلت حال الغفلة والذهول، فلو جرى لسانه ابتداء على سورة اخرى من غير قصد أو قصد سورة فقرأ غيرها نسيانا صحت الصلاة ولم يجب عليه العدول الى سورة اخرى وان تذكر قبل الركوع، للاصل وحصول الامتثال المقتضى للاجزاء وهي الاخبار المتقدمة خصوصا الرواية الثامنة. وقال الشهيد (قدس سره) في الذكرى - بعد ما صرح بوجوب ان يقصد بالبسملة سورة معينة - ما نصه: اما لو جرى لسانه على بسملة وسورة فالاقرب الاجزاء لرواية ابي بصير السالفة ولصدق الامتثال، وروى البزنطي عن ابي العباس " في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في اخرى... " الرواية العاشرة من الروايات المتقدمة (1) ثم قال: قلت وهذا حسن ويحمل كلام الاصحاب والروايات على من لم يكن مريدا غير هذه السورة، لانه إذا قرأ غير ما اراده لم يعتد به ولهذا قال " يرجع " فظاهره تعين الرجوع. انتهى كلامه. وحاصله الفرق بين الصورتين المذكورتين سابقا والاجزاء في الصورة الاولى لما ذكره دون الثانية اعني ما تعلق القصد بغيرها نسيانا، فان كلامه (قدس سره) يعطي وجوب العدول عنها لو ذكرها قبل الركوع لرواية البزنطي المذكورة حيث جعل ظاهرها تعين الرجوع، واظهر منها في الدلالة على ذلك موثقة عبيد بن زرارة الاولى لتضمنها الامر بالرجوع. وقد جعل (قدس سره) محل جواز العدول وعدمه في الروايات وكلام الاصحاب ما إذا تعلق قصده بغير السورة التي قرأها كما في الصورة الاولى من


(1) ص 210


[ 229 ]

الصور الخمس المتقدمة. وفي ما ذكره (قدس سره) من جميع ذلك نظر: (اما اولا) فلان ما دل على الاجزاء وعدم تعين الرجوع في الصورة الاولى قائم بعينه في الصورة الثانية لموافقة الاصل وحصول الامتثال ولرواية ابي بصير التي اوردها على الا جزء في الصورة الاولى وهي صحيحة الحلبي والكناني وابي بصير ومن حيث الاشتراك صح نسبتها الى كل من الثلاثة، فان ظاهرها بل صريحها تعلق القصد والارادة بغير ما قرأه ناسيا. والعجب منه كيف استدل بها على الاولى مع انها صريحة الدلالة على الثانية. و (اما ثانيا) فانه لو كان تعلق القصد بغير هذه السورة موجبا لعدم الاعتداد بها كما ذكره حتى وجب لاجله العدول عنها الى ما قصده اولا لم يكن فرق في ذلك بين بلوغ النصف وما قبله وما بعده بل ولو فرغ من السورة قبل الركوع، فانه يجب في جميع ذلك الرجوع مطلقا بمقتضى ما ذكره من عدم الاعتداد مع دلالة رواية البزنطي التي اوردها دالة على تعين الرجوع على عدم جواز الرجوع بعد تجاوز النصف ودلالة موثقة عبيد ابن زرارة الثانية على عدم جوازه بعد الثلثين كما هو ظاهر. و (اما ثالثا) فلدلالة الروايات على ان الرجوع في هذه الصورة على سبيل الجواز والتخيير دون الوجوب والتعيين كما هو ظاهر موثقة عبيد بن زرارة المذكورة، حيث قال فيها " له ان يرجع ما بينه وبين ثلثيها " ونحوه صحيحة علي بن جعفر الاولى فان مفادها الجواز دون الوجوب، وصحيحة الثانية صريحة في التخيير حيث قال: " فليرجع ان احب " وحينئذ فيحمل ما دل على الامر بالرجوع صريحا أو ظاهرا على الاستحباب دون الايجاب. و (اما رابعا) فلانه لو كان الحكم في هذه الصورة وجوب الرجوع لما ذكره من عدم الاعتداد لم يكن لاستثناء سورتي التوحيد والجحد من ذلك وجه لاشتراك الجميع في عدم الاعتداد الموجب لتعيين المعدول إليه حينئذ، مع دلالة اكثر الروايات الدالة


[ 230 ]

على هذا الحكم على استثناء هاتين السورتين منه ووجوب المضي فيهما وعدم جواز الرجوع كما عليه الاصحاب. وبالجملة فالظاهر من الروايات استحباب العدول من كل سورة دخل فيها بغير قصد غير السورتين المذكورتين وان جاز له المضي فيها، إذ هو الظاهر مما تضمنته من الامر بالرجوع صريحا أو ظاهرا، وظاهر الاصحاب ايضا الاتفاق على جواز الرجوع هنا دون وجوبه. والله العالم.

تتمة تشتمل على فوائد:

(الاولى) - نقل في الذكرى عن ابن ابي عقيل (قدس سره) انه قال لا يقرأ في الفريضة ببعض السورة ولا بسورة فيها سجدة مع قوله بان السورة غير واجبة. وقال ايضا من قرأ في صلاة السنن في الركعة الاولى ببعض السورة وقام في الركعة الاخرى ابتدأ من حيث بلغ ولم يقرأ بالفاتحة. قال في الذكرى: وهو غريب والمشهور قراءة الحمد وقد روى سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) (1) " في من قرأ الحمد ونصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لا يقرأ الحمد ويقرأ ما بقى من السورة ؟ فقال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقى من السورة " والظاهر انه في النافلة.

(الثانية) - اجمع علماؤنا واكثر العامة على ان المعوذتين من القرآن العزيز وانه يجوز القراءة بهما في الصلاة المفروضة، وروى منصور بن حازم (2) قال " امرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان اقرأ المعوذتين في المكتوبة " وعن صفوان الجمال في الصحيح (3) قال: " صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) المغرب فقرأ بالمعوذتين، ثم قال هما من القرآن " وعن صابر مولى بسام (4) قال " امنا أبو عبد الله (عليه السلام) في صلاة


(1) الوسائل الباب 4 من القراءة (2) و (4) الوسائل الباب 47 من القراءة (3) الوسائل الباب 47 من القراءة. ولم تجد في شئ من كتب الاخبار قوله: " ثم قال هما من القرآن " وآخر الرواية هكذا " فقرأ بالمعوذتين في الركعتين "


[ 231 ]

المغرب فقرأ المعوذتين ثم قال: هما من القرآن ". قال في الذكرى: ونقل عن ابن مسعود انهما ليستا من القرآن وانما انزلتا لتعويذ الحسن والحسين (عليهما السلام) وخلافه انقرض واستقر الاجماع الآن من العامة والخاصة على ذلك (1) انتهى. اقول: روى الحسين بن بسطام في كتاب طب الائمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " انه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ قال (عليه السلام) هما من القرآن. فقال الرجل انهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه ؟ فقال (عليه السلام) اخطأ ابن مسعود أو قال كذب ابن مسعود هما من القرآن. قال الرجل أفأقرأ بهما في المكتوبة ؟ قال نعم ". وروى علي بن ابراهيم في تفسيره بسنده عن ابي بكر الحضرمي (3) قال:


(1) في الدر المنثور للسيوطي ج 6 صى 416 وروح المعاني للالوسي ج 30 ص 279 " اخرج الامام احمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب الله انما امر النبي " ص " ان يتعوذ بهما. وكان ابن مسعود لا يقرأهما. وقال البزار لم يتابع ابن مسعود احد من الصحابة. وصح عن النبي " ص " انه قرأ بهما في الصلاة واثبتتا في المصحف " وفى ارشاد السارى ج 7 ص 442 " وقع الخلاف في قرآنيتهما ثم ارتفع الخلاف ووقع الاجماع عليه فلو انكر احد قرآنيتهما كفر " وفى عمدة القارئ ج 9 ص 298 مثله. وفى فتح الباري ج 8 ص 525 " وقد تأول القاضى أبو بكر الباقلانى في كتاب الانتصار وتبعه عياض وغيره فقال لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وانما انكر اثباتهما في المصحف، فانه كان يرى ان لا يكتب في المصحف شيئا الا ان يأذن النبي " ص " فيه وكأنه لم يبلغه الاذن فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا. وهذا تأويل حسن الا ان الرواية الصحيحة جاءت عنه انهما ليستا من القرآن إلا ان يحمل القرآن على المصحف ". (2) و (3) الوسائل الباب 47 من القراءة


[ 232 ]

" قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف ؟ فقال كان ابي يقول انما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهما من القرآن ". وهذه الاخبار كما ترى متفقة الدلالة على ما عليه الاصحاب إلا ان كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي صريح الدلالة في ما نقل عن ابن مسعود حيث قال (عليه السلام) (1): وان المعوذتين من الرقية ليستا من القرآن ادخلوهما في القرآن، وقيل ان جبرئيل (عليه السلام) علمهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان قال ايضا: واما المعوذتين فلا تقرأهما في الفرائض ولا بأس في النوافل. انتهى. والاقرب حمله على التقية.

(الثالثة) - قال في الذكرى: لا قراءة عندنا في الاخيرتين زائدا على الحمد فرضا ولا نفلا وعليه الاجماع منا، وفى الجعفريات (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انه كان يقرأ في ثالثة المغرب: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب " (3) قال: وهو محمول على ايرادها دعاء لا انه جزء من الصلاة.

(الرابعة) - روى الشيخ في التهذيب عن زرارة (4) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اصلى بقل هو الله احد ؟ فقال نعم قد صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلتا الركعتين بقل هو الله احد لم يصل قبلها ولا بعدها بقل هو الله احد اتم منها " قال في الذكرى بعد نقل هذا الخبر: قلت تقدم كراهة ان يقرأ بالسورة الواحدة في الركعتين فيمكن ان يستثنى من ذلك " قل هو الله احد " لهذا الحديث ولاختصاصها بمزيد الشرف، أو فعله النبي (صلى الله عليه وآله) لبيان جوازه. اقول: المشهور في كلام الاصحاب كراهة قراءة السورة الواحدة في الركعتين استنادا الى رواية على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته


(1) ص 9 (2) ص 41 (3) سورة آل عمران الآية 8 (4) الوسائل الباب 7 من القراءة (5) الوسائل الباب 6 من القراءة


[ 233 ]

عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها فان فعل فما عليه ؟ قال إذا احسن غيرها فلا يفعل وان لم يحسن غيرها فلا بأس " وجملة من الاصحاب قد استثنوا من هذا الحكم سورة التوحيد للخبر المذكور اولا، ونحوه صحيحة حماد بن عيسى الواردة في تعليم الصادق (عليه السلام) له الصلاة (1) حيث قال فيها: " ثم قرأ الحمد بترتيل وقل هو الله احد، وساق الكلام في حكاية صلاته (عليه السلام) الى ان قال: فصلى ركعتين على هذا ".

(الخامسة) - روى السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " في الرجل يصلي في موضع ثم يريد ان يتقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذى يريد ثم يقرأ " قال في الذكرى: قلت هذا الحكم مشهور بين الاصحاب، وهل الكف واجب ؟ توقف فيه بعض المتأخرين، والاقرب وجوبه الظاهر الرواية، وان القرار شرط في القيام. انتهى. وقال العلامة في المنتهى إذا اراد الرجل ان يتقدم في صلاته سكت عن القراءة ثم تقدم لانه في تلك الحال غير واقف، ويؤيده ما رواه الشيخ (قدس سره)، ثم ذكر الرواية.

(السادسة) - قد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) " في المصلى خلف من لا يقتدى بصلاته والامام يجهر بالقراءة ؟ قال اقرأ لنفسك وان لم تسمع نفسك فلا بأس ". وفى مرسلة علي بن ابي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (4) " يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس ". قال في الذكرى: قلت هذا يدل على الاجتزاء بالاخفات عن الجهر للضرورة وعلى الاجتزاء بما لا يسمعه عما يجب اسماعه نفسه للضرورة ايضا ولا يلزم فيها سقوط القراءة لان الميسور لا يسقط بالمعسور (5) انتهى.


(1) ص 2 (2) الوسائل الباب 34 من القراءة (3) الوسائل الباب 52 من القراءة (4) الوسائل الباب 52 من القراءة، والمرسل في كتب الحديث هو محمد بن ابى حمزة (5) عوائد النراقى ص 88 وعناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالى عن على " ع ".


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>