تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثامن


الفصل السابع

في القنوت

وهو لغة الطاعة والسكون والدعاء القيام في الصلاة والامساك عن الكلام، نص على ذلك في القاموس، وذكر ابن الاثير معاني اخر كالخشوع والصلاة والعبادة والقيام وطول القيام. وقال الجوهري القنوت الطاعة هذا هو الاصل ومنه قوله تعالى: والقانتين والقانتات (1) ثم سمى القيام في الصلاة قنوتا. وقريب منه كلام ابن فارس، والمراد هنا ذكر مخصوص في موضع معين سواء كان معه رفع اليدين ام لا، وربما يطلق على الدعاء مع رفع اليدين.

والكلام في هذا الفصل ايضا ينتظم في مسائل:

(الاولى) المشهور بين الاصحاب استحباب القنوت، وقال الصدوق في الفقيه انه سنة واجبة من تركه عمدا اعاد. ونقل عن ظاهر ابن ابي عقيل القول بوجوبه في الصلوات الجهرية، والى القول بوجوبه كما هو ظاهر الصدوق مال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني وذكر انه صنف رسالة في القول بالوجوب ولم اقف عليها. والاصل في هذا الاختلاف اختلاف ظواهر الاخبار الواردة في المسألة، وينبغي ان يعلم ان روايات المسألة على ثلاثة اقسام، فمنها ما يدل على القول المشهور، ومنها ما يدل على القول الآخر، ومنها ما هو مجمل قابل للحمل على كل من القولين وان كان جملة من المتأخرين قد نظموه في ادلة القول الشمهور إلا انه بمحل من القصور كما سيظهر لك ان شاء الله. ولابد من الاتيان على جميع اخبار المسألة وذكرها ليظهر لك حقيقة الحال فنقول:

(الاول) - ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الموثق عن محمد بن


(1) سورة الاحزاب، الآية 35


[ 354 ]

مسلم (1) قال " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن القنوت في الصلوات الخمس ؟ فقال اقنت فيهن جميعا قال: وسألت ابا عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك عن القنوت فقال لي اما ما جهرت فيه فلا تشك ".

(الثاني) - ما رواه في الكافي عن ابي بصير في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت فقال في ما يجهر فيه بالقراءة. قال فقلت له اني سألت اباك عن ذلك فقال في الخمس كلها ؟ فقال رحم الله ابى ان اصحاب ابي اوه فسألوه فاخبرهم بالحق ثم اتوني شكاكا فافتيتهم بالنقية ".

(الثالث) - ما رواه ايضا عن الحارث بن المغيرة (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقنت في كل ركعتين فريضة أو نافلة قبل الركوع ".

(الرابع) - ما رواه ايضا عن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن القنوت فقال في كل صلاة فريضة ونافلة ".

(الخامس) - ما رواه ايضا في الصحيح عن وهب بن عبد ربه عن ابي عبد لله (عليه السلام) (5) قال: " من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له ".

(السادس) - ما رواه في الكافي والتهذيب ايضا في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: " القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع ".

(السابع) - ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم (7) قال: " القنوت في كل صلاة في الفريضة والتطوع ".

(الثامن) - ما رواه في التهذيب عن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) قال: القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة والوتر والغداة فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له " اقول: المراد بالعشاء هنا المغرب.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 1 من القنوت (6) الوسائل الباب 3 من القنوت (8) الوسائل الباب 2 من القنوت


[ 355 ]

(التاسع) - ما رواه في التهذيب في الموثق والفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة " وفى التهذيب (2) زيادة على ذلك: قال الحسن واخبرني عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " القنوت في كل الصلوات " قال محمد بن مسلم فذكرت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام) فقال: " اما ما لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة ".

(العاشر) - ما رواه الصدوق في كتاب الخصال بسنده فيه عن الاعمش عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " القنوت في جميع الصلوات سنة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة. وقال فرائض الصلاة سبع: الوقت والطهور والتوجه والقبلة والركوع والسجود والدعاء ". اقول: هذا ما يمكن الاستدلال به للقول بالوجوب من الاخبار.

(الحادي عشر) - ما رواه الشيخ عن عبد الملك بن عمرو (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت قبل الركوع أو بعده ؟ قال لا قبله ولا بعده ".

(الثاني عشر) - ما رواه في الصحيح عن سعد بن سعد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن القنوت هل يقنت في الصلوات كلها ام في ما يجهر فيها بالقراءة ؟ قال ليس القنوت إلا في الغداة والجمعة والوتر والمغرب ".

(الثالث عشر) - ما رواه عن يونس بن يعقوب في الموثق (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت في اي الصلوات اقنت ؟ فقال لا تقنت إلا في الفجر ".

(الرابع عشر) - ما رواه عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه


(1) الوسائل الباب 1 و 2 من القنوت (2) و (5) و (6) الوسائل الباب 2 من القنوت (3) الوسائل الباب 1 من القنوت و 1 من افعال الصلاة (4) الوسائل الباب 4 من القنوت


[ 356 ]

السلام) (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في القنوت ان شئت فاقنت وان شئت لا تقنت. قال أبو الحسن (عليه السلام) وإذا كان التقية فلا تقنت وانا اتقلد هذا "

(الخامس عشر) - ما روا عن احمد بن محمد عنه في الصحيح (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) في القنوت في الفجر ان شئت فاقنت وان شئت فلا تقنت وقال إذا كانت تقية فلا تقنت وانا اتقلد هذا ".

(السادس عشر) - ما رواه عن سماعة في الموثق (3) قال: " سألته عن القنوت في الجمعة ؟ فقال اما الامام فعليه القنوت في الركعة الاولى. الى ان قال فمن شاء قنت في الركعة الثانية قبل ان يركع وان شاء لم يقنت وذلك إذا صلى وحده ".

(السابع عشر) - ما رواه عن عبد الملك بن عمرو (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قنوت الجمعة في الركعة الاولى قبل الركوع وفى الثانية بعد الركوع ؟ فقال لا قبل ولا بعد ". اقول: هذا ما يمكن الاستدلال به للقول بالاستحباب من الاخبار الواردة في هذا المضمار.

(الثامن عشر) - ما رواه المشايخ الثلاثة عن صفوان الجمال في الصحيح (5) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) اياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها ". اقول: وتحقيق الكلام في هذه الاخبار ان يقال لا ريب انه وان كانت هذه الاخبار ظاهرة الاختلاف في المقام ومتصادمة في هذا الحكم كما في غيره من الاحكام، والجمع بينها كما يمكن بالعمل باخبار الاستحباب وحمل اخبار الوجوب على تأكيد


(1) و (2) الوسائل الباب 4 من القنوت (3) و (4) الوسائل الباب 5 من القنوت (5) الوسائل الباب 1 من القنوت


[ 357 ]

الاستحباب كذلك يمكن العمل باخبار الوجوب وحمل اخبار الاستحباب على التقية (1) إلا ان الظاهر هو ترجيح الحمل الاول (اما اولا) فلما تدل عليه قرائن الفاظ تلك الاخبار وعباراتها من تخصيص الصلاة الجهرية بذلك في بعض والتشريك بين الفريضة والنافلة في بعض وتخصيص بعض افراد الجهرية به في ثالث، فان الظاهر ان ذلك مبني على ترتيب هذه الافراد في الفضل والكمال. و (اما ثانيا) فان بعض اخبار القول بالاستحباب لا يمكن اجراء الحمل على التقية فيه مثل صحيحتي احمد بن محمد بن ابي نصر (وموثقة يونس بن يعقوب) (2) الدالتين على التخبير " ان شئت فاقنت وان شئت فلا تقنت وإذا كانت تقية فلا تقنت " فان ذلك ظاهر في التخيير في حال عدم التقية واما حال التقية فيتحتم فيها ترك القنوت. ومن ذلك يظهر انه مع القول بالاستحباب يمكن اجتماع الروايات عليه بحمل ما دلت عليه تلك الاخبار من انه " من تركه رغبة عنه فلا صلاة له " على المبالغة والتأكيد في استحبابه كقولهم (عليهم السلام) " لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " (3) ونحو ذلك. واما ما دل عليه الخبر العاشر - من قوله فيه " سنة واجبة " ونحوه ما رواه


(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 422 " لا قنوت في شئ من الصلوات المكتوبة انما القنوت في الوتر قبل الركوع " وفى ص 427 حكى عن زين الدين العراقى ان اكثر السلف على استحباب القنوت في صلاة الصبح سواء نزلت نازلة ام لا، ثم ذكر جماعة من الصحابة والتابعين والائمة. وناقشه العينى في هذه النسبة. ثم ذكر ان ابا حنيفة وابا يوسف ومحمد واحمد واسحاق والليث لا يرون القنوت في الصبح. وفى المحلى لابن حزم ج 4 ص 138 " القنوت حسن بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض الصبح وغير الصبح وفى الوتر " وفى ص 145 " قال أبو حنيفة لا يقنت في شئ من الصلوات كلها إلا الوتر فانه فيه قبل الركوع السنة كلها وقال مالك والشافعي لا يقنت في شئ من الصلوات المفروضة إلا الصبح خاصة فعند مالك قبل الركوع وعند الشافعي بعد الركوع ". (2) الظاهر زيادة ما بين القوسين (3) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد


[ 358 ]

الصدوق ايضا في كتاب عيون الاخبار باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) في كتابه الى المأمون قال: " القنوت سنة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة " - ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم من اشتراك لفظ السنة وكذا لفظ الوجوب في المعنيين المشهورين المذكورين وانه لا يحمل شئ منهما على احد المعنيين إلا مع القرينة، فمن المحتمل حينئذ ان المراد بالسنة هنا المستحب وبالوجوب تأكيد الاستحباب فيكون المراد الاستحباب المؤكد جمعا بين الاحبار وبه يرتفع عنها التنافي بخلاف الحمل على الوجوب لما عرفت آنفا. واما الاستناد الى لفظ الدعاء - في قوله في الخبر المذكور (2) " فرائض الصلاة سبع.. " وعد منها الدعاء بحمل الدعاء على القنوت، ومثله ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " الفرض في الصلاة الوقت والطهور والقبلة والتوجه والركوع والسجود والدعاء. قلت ما سوى ذلك ؟ قال سنة في فريضة " وهذا الخبر مما استدل به شيخنا أبو الحسن المتقدم ذكره على الوجوب في هذه المسألة قال: " والقنوت دعاء ولا يجب منه سواه " - ففيه (اولا) ان جملة من الاخبار دلت على الاكتفاء في ذكر القنوت بالتسبيح وهو ليس بدعاء كما في رواية حريز عن بعض اصحابنا عن ابي جعفر (عليه السلام) (4)


(1) الوسائل الباب 1 من القنوت (2) ص 355 (3) لم نعثر على هذه الرواية في الفقيه وقد رواه الكليني في فروع الكافي ج 1 ص 75 والشيخ في التهذيب ج 1 ص 175 و 204 وقد رواه عنهما في الوسائل في الباب 1 من القبلة والباب 1 من الوضوء ونسبه هناك الى الصدوق ايضا، وربما يشير الى رواية الخصال المتقدمة. ورواه في الوافى عن الكافي والتهذيب في باب (الفرض في الصلاة). (4) الوسائل الباب 6 من القنوت


[ 359 ]

قال: " يجزئك من القنوت خمس تسبيحات في ترسل " ورواية ابي بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ادنى القنوت فقال خمس تسبيحات " رواهما الشيخ في التهذيب وقال الصدوق في الفقيه: ادنى ما يجزئ في القنوت انواع، وعد منها ان يقول " سبحان من دانت له السماوات والارض بالعبودية " ومنها ان يسبح ثلاث تسبيحات ولا ريب ان جواز التسبيح كما دل عليه الخبران المذكوران ينافي ايجاب الدعاء بظاهر الآية على ما يدعيه الخصم. ولو اجيب باطلاق الدعاء على التسبيح مجازا فلنا حينئذ ان نحمله على الاذكار الواقعة في الركوع والسجود ايضا لذلك. و (ثانيا) انه من المحتمل حمل الدعاء على الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في التشهد فان المشهور - بل ادعى عليه الاجماع - وجوبها وهي دعاء، وعلى ذلك يدل بعض الاخبار الصحاح وغيرها كما يأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. ولو اجيب - بان المراد بالفرض هنا ما ثبت وجوبه بالكتاب العزيز والقنوت قد ثبت بالكتاب دون الصلاة في التشهد -. قلنا: يشكل ذلك عليكم بعد التوجه بل يحصل الاشكال به ولو بحمل الفرض على الواجب ايضا، فان التوجه الذي هو عبارة عن الاقبال على العبادة مستحب اجماعا، ولا مخرج من هذا الاشكال إلا بان يحمل الفرض هنا على ما يشمل الواجب والمستحب مجازا. وما يقال - من انه يلزم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه وهو ممنوع عند الاصوليين - مردود بما حققناه سابقا واشرنا إليه في غير موضع مما تقدم من وقوع ذلك في الاخبار كثيرا بل صرح بجوازه شيخنا الشهيد في الذكرى ايضا كما قدمناه في كتاب الطهارة إلا انه ايضا لا يخلو من اشكال. واستدل شيخنا المشار إليه آنفا على الوجوب بالآية اعني قوله عزوجل: " وقوموا


(1) الوسائل الباب 6 من القنوت


[ 360 ]

لله قانتين " (1) قال (قدس سره) بعد ذكر الآية: قال في مجمع البيان (2) قال ابن عباس معناه " داعين " والقنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) انتهى. وفي الكشاف فسره بذكر الله قائما ولعله اراد به الذكر في الوقت المخصوص لا مطلق الذكر، وعلى تقديره فهو اشمل إذ المروي عنهما (عليهما السلام) في ما يعم الذكر والدعاء. وفي بعض الاخبار الصحيحة تفسيره بالدعاء كما اوردناه في رسالتنا المعمولة في المسألة، ويمكن حمله على ما يشمل الذكر ولو مجازا. انتهى. ثم قال في تقرير الاستدلال: إذ لا يجوز حمله على الخضوع لانه مجاز إذ القنوت حقيقة شرعية في المصطلح عليه بين الفقهاء كما ذكرناه في رسالتنا القنوتية. واجاب جماعة من اصحابنا عن الاستدلال بالآية باحتمال الاختصاص بالوسطى واحتمال ارادة الطاعة والخشوع وارادة الاذكار الواجبة في الصلاة ولا يخفى ما في هذه الاجوبة اما الاول فلانه مع بعده لا يضر بالاستدلال لعدم القائل بالفصل. واما الاخير فلما بيناه فانه حقيقة شرعية في المصطلح المتبادر وظواهر الاخبار. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه نظر (اما اولا) فلما عرفت من المعاني للقنوت لغة فهو حينئذ من قبيل الالفاظ المتشابهة التي لا يمكن الاستدلال بها إلا مع القرينة المشخصة للمراد ليندفع عنه بذلك وصمة الايراد. قوله -: ان القنوت حقيقة شرعية في المعني المدعى - قلنا ان استند في ثبوت ذلك الى الرواية التي نقلها عن كتاب مجمع البيان فهى معارضة بما رواه الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) (3) في تفسير الآية المذكورة قال: " قوموا لله قانتين: اقبال الرجل على صلاته ومحافظته حتى لا يلهيه ولا يشغله عنها شيئ ".


(1) سورة البقرة، الآية 239 (2) ج 1 ص 343 طبع صيدا (3) ص 69


[ 361 ]

وروى العياشي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) " في قول الله وقوموا لله قانتين ؟ قال مطيعين راغبين ". وروى العياشي ايضا عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في قوله تعالى وقوموا لله قانتين ؟ قال اقبال الرجل على صلاته ومحافظته على وقتها.. " وفي رواية سماعة (3) " وقوموا لله قانتين ؟ قال هو الدعاء ". فهذه جملة من الاخبار قد اشتملت على تفسير الآية بخلاف ما ادعاه فكيف يتم ما ادعاه من انه حقيقة شرعية في ما ذكره ؟ ودعواه التبادر ممنوعة إذ شهرة استعمال القنوت الآن بين المتشرعة في ما ذكره لا يدل على انه مراده (عزوجل) سيما مع ما عرفت من اختلاف الاخبار في تفسير المعنى المراد من الآية، ومع تسليم حمل القنوت على الدعاء فالتخصيص ايضا ممنوع لجواز الحمل على الفاتحة فانه مشتملة على الدعاء ايضا. و (اما ثانيا) فان ما ذكره - في جواب من حمل الآية على الاختصاص بالصلاة الوسطى من قوله: " انه مع بعده لا يضر بالاستدلال " - عجيب من مثله (قدس سره) ونسبة ذلك الى البعد بعيد الصدور منه (قدس سره) لورود صحيحة زرارة بذلك كما تقدمت في صدر مقدمات الكتاب (4) وهي ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: وقال " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " وهي صلاة الظهر وهي اول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر " وقوموا لله قانتين " قال وانزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر.. الحديث. وهو - كما ترى - صحيح صريح في ان


(1) و (2) و (3) تفسير البرهان ج 1 ص 142 (4) ج 6 ص 20 (5) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض


[ 362 ]

القنوت المأمور به في الآية انما وقع في الوسطى وهي الجمعة، وهذا القائل انما استند الى هذا النص الصحيح الصريح، فمقابلته بالاستبعاد اما غفلة أو مقابلة للنص بالاجتهاد وهو خروج عن منهج السداد والرشاد. و (اما ثالثا) فان قوله: " مع عدم القائل بالفصل " ايضا لا يخلو من تعجب لما علم منه في جيمع مصنفاته انه إذا مر به دعوى الاجماع اطال في نقضه ورده والتشنيع على مدعيه وابطله ومزقه فكيف يجنح إليه هنا ويتمسك به ؟ ولكن ضيق الخناق في المقام اوجب له الوقوع في هذه المشاق. واما ما نقل عن ظاهر ابن ابي عقيل من القول بالوجوب في الصلاة الجهرية فلعل مستنده الخبر الاول من الاخبار المتقدمة والخبر الثامن والتاسع، والجيمع كما عرفت محمول على مزيد التأكيد في هذه الفرائض زيادة على ما يخافت فيه مع احتمال الحمل على التقية كما يشير إليه الخبر الثاني، وفيه ما يشعر بالطعن على الشيعة في زمانه (عليه السلام) والشكاية منهم في انهم يذيعون اسراره كما تقدم نظيره في اخبار الاوقات. وبما حققناه في المقام يظهر لك قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور. على ان نسبة القول بالوجوب الى الصدوق (قدس سره) بمجرد العبارة المتقدمة لا يخلو من اشكال لامكان حمله على تأكيد الاستحباب كما حملت عليه الرواية الواردة بذلك، لان عادة المتقدمين غالبا التعبير بمتون الاخبار وان كان المراد منها خلاف ظواهرها فبعين ما يقال في الاخبار من التأويل يجري في كلامهم ايضا، ولهذا ان بعض اصحابنا ذكر ان القائل بالوجوب غير معلوم كما ذكره المحقق الاردبيلي وقبله المحقق فخر الملة والدين الشيخ احمد ابن متوج البحراني في كتاب آيات الاحكام. والله العالم.

(المسألة الثانية) - المشهور بين الاصحاب ان محله بعد القراءة وقبل الركوع بل ادعى عليه في المنتهى الاجماع حيث قال: ومحل القنوت قبل الركوع وعليه علماؤنا. وظاهر المحقق في المعتبر الميل الى التخيير بين فعله قبل الركوع وبعده وان كان


[ 363 ]

الاول افضل، لما رواه الشيخ عن اسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " القنوت قبل الركوع وان شئت فبعده ". وقال الشيخ في الجواب عن هذا الخبر انه محمول على حال القضاء أو التقية على مذهب العامة في الغداة. اقول: والثاني جيد لما ستعرف ان شاء الله تعالى من معارضته بما هو اصح منه سندا ودلالة. ويدل على القول المشهور عدة روايات: منها - الخبر الثالث والخبر السادس من الاخبار المتقدمة. ومنها - صحيحة يعقوب بن يقطين (2) قال: " سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن القنوت في الوتر والفجر وما يجهر فيه قبل الركوع أو بعده ؟ فقال قبل الركوع حين تفرغ من قرائتك ". وصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع ". وموثقة سماعة (4) قال: " سألته عن القنوت في اي صلاة هو ؟ فقال كل شئ يجهر بالقراءة فيه قنوت، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة ". وفى موثقة ابي بصير عنه (عليه السلام) (5) " كل قنوت قبل الركوع إلا الجمعة " وما استند إليه المحقق من الخبر المذكور ضعيف لا ينهض بمقاومة خبر من هذه الاخبار بل ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار " ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع " مما يؤذن برده. وكذا ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) في كتابه الى المأمون (6) قال: " كل القنوت قبل الركوع وبعد القراءة " ويشير الى ذلك الاستثناء في موثقة ابي بصير ايضا. وبالجملة


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 3 من القنوت (5) الوسائل الباب 5 من القنوت


[ 364 ]

فالمعتمد هو القول المشهور لما ذكرناه من الاخبار الصحيحة الصريحة الظهور ورد ذلك الخبر الى قائله. نعم لو نسيه قبل الركوع ثم ذكره بعد الركوع اتى به، والظاهر انه لا خلاف فيه انما الخلاف في كونه اداء وقضاء، فقال في المنتهى لا خلاف عندنا في استحباب الاتيان بالقنوت بعد الركوع مع نسيانه قبله واما انه هل هو اداء أو قضاء ففيه تردد. ثم قرب كونه قضاء. وقال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: ولو لم يذكر القنوت حتى ركع في الثالثة قضاه بعد الفراغ. ونحوه قال الشيخ في النهاية ايضا. والذي يدل على استحباب الاتيان به بعد الركوع في صورة النسيان اخبار عديدة: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) قالا " سألنا ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع ؟ قال يقنت بعد الركوع فان لم يذكر فلا شئ عليه ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت ينساه الرجل ؟ قال يقنت بعد ما يركع فان لم يذكر حتى ينصرف فلا شيئ عليه " وعن عبيد بن زرارة في الموثق (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل ذكر انه لم يقنت حتى ركع ؟ قال يقنت إذا رفع رأسه ". والذي يدل على ما ذكره الشيخان (قدس سرهما) من الاتيان به بعد الصلاة لو فات محمله المذكور ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابي بصير (4) قال: " سمعته يذكر عند ابي عبد الله (عليه السلام) قال في الرجل إذا سها في القنوت قنت بعد ما ينصرف وهو جالس ". ويدل عليه ايضا ما رواه الكليني والشيخ عن زرارة (5) قال: " قلت


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من القنوت (4) و (5) الوسائل الباب 16 من القنوت


[ 365 ]

لابي جعفر (عليه السلام) رجل نسى القنوت فذكره وهو في بعض الطريق ؟ فقال يستقبل القبلة ثم ليقله. ثم قال اني لا كره للرجل ان يرغب عن سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو يدعها ". واما ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) - " عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر ؟ قال ليس عليه شئ. وقال ان ذكره وقد اهوى الى الركوع قبل ان يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما وليقنت ثم يركع وان وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته وليس عليه شئ ". وما رواه ايضا عنه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان نسى الرجل القنوت في شيئ من الصلاة حتى يركع فقد جازت صلاته وليس عليه شيئ وليس له ان يدعه متعمدا ". وما رواه عن محمد بن سهل عن ابيه (3) قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسى القنوت في المكتوبة ؟ قال لا اعادة عليه ". وما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: " سألته عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع أيقنت ؟ قال لا " - فهي محمولة على نفي الوجوب وعدم بطلان الصلاة بتركه كما يفصح به بعضها. والنهي في الخبر الاخير يحتمل زيادة على ذلك التقية كما ذكره الشيخ (قدس سره) وروى في الفقيه مرسلا (5) قال: " سأل معاوية بن عمار ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت في الوتر قال قبل الركوع. قال فان نسيت اقنت إذا رفعت رأسي ؟ قال لا ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 15 من القنوت (4) الوسائل الباب 18 من القنوت (5) الوسائل الباب 18 من القنوت. ومن الواضح زيادة كلمة " مرسلا " هنا فانه يرويها باسناده عن معاوية بن عمار كما صرح به في الوسائل ويظهر من مشيخته.


[ 366 ]

قال في الفقيه (1) بعد ذكر هذا الخبر: حكم من ينسى القنوت حتى يركع ان يقنت إذا رفع رأسه من الركوع وانما منع الصادق (عليه السلام) من ذلك في الوتر والغداة خلافا للعامة لانهم يقنتون فيهما بعد الركوع وانما اطلق ذلك في سائر الصلوات لان جمهور العامة لا يرون القنوت فيها (2) انتهى. وانت خبير بان الخبر الذي ذكره لم يشتمل إلا على الوتر خاصة فضم الغداة الى ذلك اما سهو من قلمه أو قلم الناسخين أو سقط من الخبر المذكور أو الخبر بذلك وصل إليه ولم يذكره هنا. هذا. واما ما ذكره في المنتهى - من التردد في نية القضاء أو الاداء - فهو مبني على ما هو المشهور بينهم من نية وجوب الوجه في العبادات وقد تقدم انه لا دليل عليه فلا ضرورة تلجئ الى التشاغل به إلا مجرد تضييع الوقت. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - ذكر الشيخ واكثر الاصحاب ان افضل ما يقال في القنوت كلمات الفرج، وقال ابن ادريس وروى انها افضله، واعترف جملة من محققي متأخرى المتأخرين: منهم - السيد السند في المدارك والفاضل المجلسي في البحار بانهم لم يقفوا في ذلك على خبر يدل عليه. وهو كذلك نعم ورد ذلك في قنوت الجمعة ومفردة الوتر خاصة قال في المدارك: وصورته " لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العامين " روى ذلك زرارة في الحسن عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) وذكر المفيد (قدس سره) وجمع من الاصحاب انه يقول قبل التحميد " وسلام على المرسلين " وسئل عنه المصنف في الفتاوى فجوزه لانه بلفظ القرآن ولا ريب في الجواز لكن جعله في اثناء كلمات الفرج مع خروجه منها ليس يجيد. انتهى.


*) (1) ج 1 ص 312 وفى الوسائل الباب 18 من القنوت (2) ارجع الى التعليقة 1 ص 357 (3) الوسائل الباب 38 من الاحتضار


[ 367 ]

اقول: وروى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في اول باب غسل الميت (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل على رجل من بني هاشم وهو في النزع فقال له قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. فقالها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحمد لله الذي استنقذه من النار " ثم قال الصدوق: هذه الكلمات هي كلمات الفرج. وهو كما ترى ظاهر في دخول " وسلام على المرسلين " في كلمات الفرج، على ان صاحب الكافي نقل الخبر المذكور (2) عاريا عن الزيادة المذكورة. وقال ايضا في كتاب الهداية الذي جمع فيه متون الاخبار في تلقين الميت قال: يلقنه عند موته كلمات الفرج: لا إله إلا الله.. وساقها كما ذكر في الفقيه. ونحو ذلك ايضا في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عيله السلام): " ويستحب ان يلقن كلمات الفرج وهي لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ". والاخبار في ضبط كلمات الفرج مختلفة زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا كما اوردنا جملة منها في فصل غسل الاموات في احكام التلقين من كتاب الطهارة فليرجع إليها من احب الوقوف عليها وهذا الاختلاف هنا من جملة تلك الاختلافات. وليس فيه شئ معين ويجوز الدعاء بما سنح للدنيا والدين إلا ان الاتيان بالمأثور افضل:


(1) ج 1 ص 77 وفى الوسائل الباب 38 من الاحتضار (2) ج 1 ص 35 وفى الوسائل الباب 38 من الاحتضار (3) ص 17


[ 368 ]

روى الكليني والشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن سعد بن ابي خلف عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " يجزئك في القنوت: اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا في الدينا والآخرة انك على كل شئ قدير ". ورويا ايضا باسنادين مختلفين في الصحيح عن اسماعيل بن الفضل (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت وما يقال فيه ؟ قال ما قضى الله على لسانك ولا اعلم فيه شيئا موقتا " وروى الصدوق في الصحيح عن الحلبي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت فيه قول معلوم ؟ فقال اثن على ربك وصل على نبيك واستغفر لذنبك " وعن عبد الرحمان بن ابي عبد الله في الصحيح (4) قال: " القنوت في الوتر الاستغفار وفي الفريضة الدعاء ". وروى الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة يقول في القنوت: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم لا إلا إلا الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد كما هديتنا به، اللهم صل على محمد وآل محمد كما اكرمتنا به، اللهم اجعلنا ممن اخترته لدينك وخلقته لجنتك، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب ". قال في الذكرى: افضل ما يقال فيه كلمات الفرج، قال ابن ادريس وروى انها افضله. وقد ذكرها الاصحاب وفي المبسوط والمصباح هي افضل، وروى سعد بن ابي خلف عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال وعن


(1) و (5) الوسائل الباب 7 من القنوت (2) و (3) الوسائل الباب 9 من القنوت (4) الوسائل الباب 8 من القنوت


[ 369 ]

ابي بصير (1) قال: " سألته عن ادنى القنوت قال خمس تسبيحات " وقال ابن ابي عقيل والجعفي والشيخ اقله ثلاث تسبيحات. واختار ابن ابي عقيل الدعاء بما روى عن امير المؤمنين (عليه السلام) في القنوت (2): " اللهم اليك شخصت الابصار ونقلت الاقدام ورفعت الايدي ومدت الاعناق وانت دعيت بالالسن واليك سرهم ونجواهم في الاعمال ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين، اللهم انا نشكو اليك غيبة امامنا وقلة عددنا وكثرة عدونا وتظاهر الاعداء علينا ووقوع الفتن بنا ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره وامام حق نعرفه إله الحق آمين رب العالمين " قال: وبلغني ان الصادق (عليه السلام) كان يأمر شيعته ان يقنتوا بهذا بعد كلمات الفرج. قال ابن الجنيد وادناه " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم " قال والذي استحب فيه ما يكون فيه حمد الله وثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والائمة (صلوات الله عليهم) وان يتخير لنفسه من الدعاء وللمسلمين ما هو مباح له. انتهى ما ذكره في الذكرى. وقال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار بعد نقل ذلك عنه: واقول ليس " آمين " في هذا الدعاء في سائر الروايات كما سيأتي والاحوط تركه لما عرفته. اقول: بل الواجب تركه لما عرفت في فصل وجوب القراءة من بطلان الصلاة بهذا اللفظ. وفي مستطرفات السرائر نقلا من نوادر محمد بن علي بن محبوب عن عبد الله بن هلال (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان حالنا قد تغيرت ؟ قال فادع في صلاتك الفريضة. قلت أيجوز في الفريضة فاسمي حاجتي للدين والدنيا ؟ قال نعم فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قنت ودعا على قوم باسمائهم واسماء آبائهم وعشائرهم وفعله علي (عليه السلام) من بعده ".


(1) الوسائل الباب 6 من القنوت (2) البحار ج 18 الصلاة ص 379 عن ابن ابى عقيل (3) الوسائل الباب 17 من السجود


[ 370 ]

وروى الكشي في كتاب الرجال عن ابراهيم بن عقبة (1) قال: " كتبت الى العسكري (عليه السلام) جعلت فداك قد عرفت هؤلاء الممطورة فاقنت عليهم في الصلاة ؟ قال نعم اقنت عليهم في الصلاة ". اقول: المراد بالممطورة الواقفية كما قال شيخنا البهائي في مقدمات كتاب مشرق الشمسين من تسمية الواقفة يومئذ بذلك يعني الكلاب التي اصابها المطر مبالغة في نجاستهم قال في الذكرى: يجوز الدعاء فيه المؤمنين باسمائهم والدعاء على الكفرة والمنافقين لان النبي (صلى الله عليه وآله) دعا في قنوته لقوم باعيانهم وعلى آخرين باعيانهم كما روى (2) انه قال: " اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ابي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان " وقنت امير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الغداة (3) فدعا على ابي موسي الاشعري وعمرو ابن العاص ومعاوية وابي الاعور واشياعهم، قاله ابن ابي عقيل. انتهى. وروى في البحار (4) من كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: " قال الحارث بن المغيرة النصري لابي عبد الله (عليه السلام) ان ابا معقل المزني حدثني عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه صلى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية ولعن معاوية وعمرو بن العاص وابا موسى الاشعري وابا الاعور السلمي ؟ قال (عليه السلام) الشيخ صدق فالعنهم ". وفى كتاب الفقه الرضوي (5) قال (عليه السلام): " وقل في قنوتك بعد فراعك من القراءة قبل الركوع: اللهم انت الله لا إله إلا انت الحليم الكريم لا إله إلا انت العلي العظيم سبحانك رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما


(1) الوسائل الباب 13 من القنوت (3) المغنى ج 3 ص 155 (2) صحيح البخاري باب " يهوى بالتكبير حين يسجد " وفى غزوة الرجيع واول كتاب الاكراه (4) ج 18 الصلاة ص 380 (5) ص 8


[ 371 ]

بينهن ورب العرش العظيم يا الله الذي ليس كمثله شئ صل على محمد وآل محمد واغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات انك على ذلك قادر. ثم اركع ". وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار (1) عن رجاء بن ابي الضحاك في حديث سفر الرضا (عليه السلام) الى خراسان قال فيه " وكان قنوته في جميع صلواته: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك انت الاعز الاكرم.. الحديث ".

(المسألة الرابعة) - اختلف الاصحاب في جواز القنوت بالفارسية فمنعه سعد ابن عبد الله واجازه محمد بن الحسن الصفار واختاره ابن بابويه والشيخ في النهاية والفاضلان وغيرهم. لصحيحة علي بن مهزيار (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي ربه ؟ قال نعم ". قال ابن بابويه بعد نقل هذا الخبر: ولو لم يرد هذا الخبر لكنت اجيزه بالخبر الذي روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال (3) " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى " والنهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود والحمد لله. ونقل عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (4) " كل ما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام ". واقتصر في المدارك على نقل القولين المذكورين والرواية وكلام الصدوق ولم يرجح شيئا، ونحوه في الذخيرة وقبلهما الشهيد في الذكرى، ونقل فيه عن الفاضلين انهما عللا جوازه بالفارسية زيادة على الرواية بصدق اسم الدعاء عليه. اقول: والذى يقرب عندي هو ما ذهب إليه سعد بن عبد الله من المنع والتحريم وبيان ذلك ان الظاهر عندي من صحيحة علي بن مهزيار التي استندوا إليها ان المراد منها انما هو التكلم بكل شيئ من المطالب الدينية والدنيوية لا باعتبار اللغات المختلفة، ولا يخفى


(1) ص 310 (2) الوسائل الباب 13 من قواطع الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب 19 من القنوت


[ 372 ]

ان هذا المعنى ان لم يكن هو الاقرب والاظهر من هذا الخبر فلا اقل ان يكون مساويا لما ذكروه في الاحتمال وبه يتم الاستدلال على حال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال. واما ما ذكره الصدوق - من انه بمجرد عدم ورود النهي عن الدعاء بالفارسية يكون ذلك مجوزا للدعاء بها - ففيه ان العبادة توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة وعلم منه بقول أو فعل أو تقرير وشي من الثلاثة لم يعلم منه هنا. ولو تم ما ذكره للزم ايضا جواز الذكر في الركوع والسجود بالفارسية بناء على الاكتفاء بمطلق الذكر ولا اظن هذا القائل يلتزمه، وقد صرح شيخنا الشهيد في الذكرى بذلك فقال واما الاذكار الواجبة فلا يجوز مع الاختيار. واما حديث " كل شي مطلق.. " (1) فالاخباريون قاطبة وجملة من المجتهدين على تأويله واخراجه عن ظاهره لدلالته على جواز العمل بالبراءة الاصلية في الاحكام الشرعية والتثنية فيها مع استفاضة الاخبار بالتثليث (2): " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك " ودلالة جملة من الاخبار على رد البراءة الاصلية كما تقدم في مقدمات الكتاب وبسطنا القول عليه زيادة على ذلك في كتابنا الدرر النجفية. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - اختلف الاصحاب في القنوت في الجمعة فالمشهور ان فيها قنوتين: احدهما - في الركعة الاولى قبل الركوع، وثانيهما - في الركعة الثانية بعد الركوع. قال الصدوق (قدس سره) في المقنع: على الامام قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع وقنوت في الثانية بعد الركوع.


(1) الوسائل الباب 19 من القنوت (2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به


[ 373 ]

وقال في الفقيه (1): قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لزرارة بن اعين " انما فرض الله على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها - صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين. والقراءة فيها بالجهر. والغسل فيها واجب. وعلى الامام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع وفي الركعة الثانية بعد الركوع. من صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الاولى قبل الركوع " وتفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة. والذي استعمله وافتى به ومضى عليه مشايخي (رضوان الله عليهم) هو ان القنوت في جميع الصلوات في الجمعة وغيرها في الركعة الثانية بعد القراءة وقبل الركوع. وقال ابن ادريس في السرائر: ومحله بعد القراءة في الثانية وقبل الركوع وهو قنوت واحد في الصلوات، وروى ان في الجمعة قنوتين والاظهر الاول لان هذا مروي من طريق الآحاد والقنوت الواحد مجمع على استحبابه. وقال شيخنا المفيد في المقنعة - على ما نقله عنه غير واحد من الاصحاب ونسبه في المدارك الى جمع من الاصحاب ايضا - ان في الجمعة قنوتا واحدا في الركعة الاولى قبل الركوع. وهو ظاهر ابن الجنيد واختاره العلامة في المختلف وكذا اختاره السيد السند في المدارك، قال: وهو المعتمد للاخبار الكثيرة الدالة عليه.


(1) ج 1 ص 266 وفى الوسائل في الباب 1 من صلاة الجمعة و 73 من القراءة و 6 من الاغسال المسنونة و 5 من القنوت بالتقطيع ولكن ظاهره في الباب 1 من الصلاة الجمعة ان الحديث ينتهى بقوله " على رأس فرسخين " حيث نقل منه هذا المقدار ثم ذكر ان الصدوق رواه في الخصال مثله وزاد " والقراءة فيها بالجهر.. " ونقله في الوافى في باب " وجوب صلاة الجمعة وشرائطها " الى قوله: " على رأس فرسخين " وسيأتى من المصنف " قدس سره " ص 377 تقريب ان الباقي من الحديث لا من كلام الصدوق.


[ 374 ]

وظاهر السيد المرتضى (قدس سره) التردد في المسألة حيث قال في الجمل: وعلى الامام ان يقنت في الاولى قبل الركوع وكذلك الذين خلفه، وروى ان على الامام إذا صلاها جمعة مقصورة قنوتين: في الاولى قبل الركوع وفي الثانية بعد الركوع. ولم ينص على واحد منهما. وظاهر كلام ابن ابي عقيل وابي الصلاح ان في الجمعة قنوتين وانهما قبل الركوع في كل من الركعتين، قال ابن ابي عقيل في باب الجمعة على ما نقله عنه في المختلف: ويقنت في الركعتين جميعا. ولم يفصل موضعه. وقال في باب القنوت: وكل القنوت قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة. والذي ينتج من هذين الكلامين مع ضم احدهما الى الآخر هو ان القنوت في الجمعة في الركعتين معا وانه بعد القراءة وقبل الركوع، وعلى هذا النهج كلام ابي الصلاح حيث قال في باب الجمعة: ويقنت في الركعة الاولى والثانية. وقال في تعداد المسنونات: واما القنوت فموضعه بعد القراءة من الركعة وقبل الركوع. وان خص كلامهما في باب القنوت بقنوت ما عدا الجمعة بقى ما ذكراه في الجمعة مجملا فيمكن حمله على القول المشهور، ولعله الاقرب لما ستعرفه ان شاء الله تعالى من عدم الدليل على القنوت قبل الركوع في كل من الركعتين. وقد تلخص مما ذكرناه ان الاقوال في المسألة خمسة: (احدها) القول المشهور وهو القنوتان في الركعة الاولى قبل الركوع وفي الثانية بعده. و (ثانيها) مذهب الصدوق في الفقيه وابن ادريس وهو قنوت واحد في الركعة الثانية بعد القراءة وقبل الركوع و (ثالثها) مذهب الشيخ المفيد وابن الجنيد ومن تبعهما وهو قنوت واحد في الركعة الاولى قبل الركوع. و (رابعها) مذهب السيد المرتضى (قدس سره) وهو التوقف ويمكن حمل صدر كلامه على الفتوى بذلك، ولا ينافيه نسبة القول الثاني الى الرواية بل ربما يؤكده ويؤيده كما يقع كثيرا في عبائر الاصحاب. و (خامسها) مذهب ابن ابي عقيل وابي الصلاح بناء على الاحتمال الاول.


[ 375 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي وقفت عليه من اخبار المسألة ما رواه ثقة الاسلام في الكافي والشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " القنوت قنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة تقول في القنوت: لا إله إلا الله الحليم الكريم.. الحديث ". وما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في قنوت الجمعة إذا كان اماما قنت في الركعة الاولى وان كان يصلي اربعا ففى الركعة الثانية قبل الركوع ". وما رواه الشيخ عن عمر بن حنظلة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) القنوت يوم الجمعة ؟ فقال انت رسولي إليهم في هذا إذا صليتم في جماعة ففي الركعة الاولى وإذا صليتم وحدانا ففي الركعة الثانية ". وعن سليمان بن خالد في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى ". وعن ابي بصير في الموثق (5) قال: " القنوت في الركعة الاولى قبل الركوع " وعن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة وليلبس البرد والعمامة ويتوكأ على قوس أو عصا وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر بالقراءة ويقنت في الركعة الاولى منهما قبل الركوع ". اقول: وهذه الاخبار ظاهرة في ما ذهب إليه الشيخ المفيد (قدس سره) واقتصر في المدارك على الاستدلال منها بصحيحتى معاوية بن عمار وسليمان بن خالد وايدهما ايضا بقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (7) " ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع ".


(1) الوسائل الباب 7 من القنوت (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 5 من القنوت (6) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة (7) الوسائل الباب 3 من القنوت


[ 376 ]

ومنها - ما رواه الشيخ عن ابي بصير في الموثق (1) قال: " سأل عبد الحميد ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن القنوت في يوم الجمعة فقال له في الركعة الثانية فقال له حدثنا بعض اصحابنا انك قلت في الركعة الاولى ؟ فقال في الاخيرة. وكان عنده ناس كثير فلما رأى غفلة منهم قال يا ابا محمد هو في الركعة الاولى والاخيرة. قال قلت جعلت فداك قبل الركوع أو بعده ؟ قال كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة فان الركعة الاولى القنوت فيها قبل الركوع والاخيرة بعد الركوع ". وعن سماعة في الموثق (2) قال: " سألته عن القنوت في الجمعة فقال اما الامام فعليه القنوت في الركعة الاولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل ان يركع وفي الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود.. الحديث " ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل والعيون بسنده عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) (3) فان قال: " فلم جعل الدعاء في الركعة الاولى قبل القراءة ولم جعل في الركعة الثانية القنوت بعد القراءة ؟ قيل لانه احب ان يفتتح قيامه لربه تعالى وعبادته بالتحميد والتقديس والرغبة والرهبة ويختم بمثل ذلك " وما رواه في كتاب الخصال عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن عبد الرحمان بن ابي نجران والحسين سعيد عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن اعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " انما فرض الله عزوجل من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون


(1) التهذيب ج 1 ص 250 وفى الوسائل الباب 5 من القنوت (2) الوسائل الباب 5 من القنوت (3) الوسائل الباب 1 من القنوت (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة


[ 377 ]

والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين، والقراءة فيها جهار، والغسل فيها واجب، وعلى الامام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع وفى الثانية بعد الركوع ". اقول: هذا الخبر عين الخبر الذي قدمنا نقله عن الفقيه في صدر المسألة. والعجب من جملة من اصحابنا المحققين من متأخرى المتأخرين حيث اضطربوا في قول الصدوق ثمة بعد نقل الخبر المذكور: " وتفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة " حيث ظنوا ان الخبر الذي نقله عن زرارة قد تم بقوله: " ومن كان على رأس فرسخين " وان ما بعده من احكام الجهر بالقراءة ووجوب الغسل ووجوب القنوتين انما هو من كلام الصدوق خصوصا ان الصدوق قد زاد فيها ومن صلاها وحده.. " فانه ليس في رواية الخصال كما عرفت. قال في المدارك: قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه بعد ان اورد القنوت في الركعتين على هذا الوجه: تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة.. الى آخر عبارته. ثم قال وما ذكره (رحمه الله) من رواية زرارة يصلح مستندا للقول الاول لو كانت متصلة. والظاهر ان مراده لو كانت متصلة بالامام (عليه السلام) لاحتمال ان يكون ذلك قول زرارة فتكون الرواية مقطوعة موقوفة عليه وهو ناشئ عما قلناه من حملهم تلك الاحكام على الخروج عن الرواية. هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، وجملة منها - كما ترى - دالة على ما ذهب إليه الشيخ المفيد ومن تبعه، وجملة منها دالة على القول المشهور، وبذلك يظهر ما في مذهب الصدوق في الفقيه وابن ادريس من الضعف والقصور لانهما انما اعتمدا على الروايات المطلقة في القنوت والقول بما ذهبا إليه موجب لطرح هذه الاخبار كملا مع ما عرفت من صحتها وكثرتها وفيه من الشناعة ما لا يخفى. واما قول ابن ادريس انها اخبار آحاد فهو مبني على اصله الخارج عن نهج السداد، فان الطعن في هذه الاخبار مع تكررها في الاصول المعتمدة وقول جمهور الطائفة المحقة بها موجب للطعن في تلك الاخبار التي اعتمدوا


[ 378 ]

عليها ايضا إذ الحال في الجميع واحد. وما ادعاه من اجماع الاصحاب على تلك الاخبار انما هو في ما عدا الجمعة واما الجمعة فهي محل النزاع فلا يتم له التعلق بالاجماع. بقى الكلام في الجمع بين اخبار هذين القولين فاقول - وبالله سبحانه التوفيق الى الهداية الى جادة التحقيق - لا يخفى انه مع القول باخبار القنوت الواحد في الركعة الاولى فانه يلزم طرح الاخبار الاخر مع صراحتها وصحة بعضها كما عرفت وهو مما لا يتجشمه محصل، واما مع القول باخبار القول المشهور فانه يمكن ان يقال ان غاية ما تدل عليه تلك الاخبار المقابلة وهو ثبوت القنوت في الركعة الاولى واما بالنسبة الى الركعة الثانية فلا تعرض لها فيه بنفي ولا اثبات بل هي مطلقة في ذلك فاثباته في الاولى بهذه الاخبار لا ينافي ثبوته في الثانية بدليل آخر، ونظيره في الاحكام الشرعية مما استفيد فيه الحكم من ضم روايات المسألة بعضها الى بعض غير عزيز. والى ما ذكرناه اشار المحدث الكاشاني في كتاب المعتصم حيث ان ظاهره فيه اختيار القول المشهور، قال بعد ان اورد الروايات الدالة على مذهب الشيخ المفيد (قدس سره): وما استدلوا به على المشهور وان كان من حيث السند قاصرا عن معارضة هذه الاخبار الصحاح إلا ان الاولى عدم الخروج عما عليه الاكثر سيما والسند لا يخلو من اعتبار مع تأيده برواية حريز، بل لولا قطع هذه الرواية لكفى، على ان متنها غير قابل للتأويل والمعارض قابل له فان ثبوت القنوت في الركعة الاولى لدليل لا ينافي ثبوته في الثانية ايضا لدليل آخر وان كان ظاهر الاخبار منافيا لظاهر الاول فان الجمع بين الدليلين مهما امكن اولى من طرح احدهما. انتهى. واما ما ذكره الصدوق (قدس سره) - من ان القنوت في جميع الصلوات في الجمعة وغيرها في الركعة الثانية.. الى آخره - ففيه (اولا) - زيادة على ما عرفت - انه إذا استند في ذلك الى اطلاق الروايات الواردة في اليومية ففيه انه مخصوص باخبار الجمعة فانها خاصة والخاص مقدم على العام


[ 379 ]

كما هو القاعدة المتفق عليها بين العلماء الاعلام، وان استند في ذلك الى اخبار وردت في الجمعة بالخصوص فلم نقف ولم ينقلها ناقل في ما اعلم. و (ثانيا) انه لو فرض وجود حديث بذلك في خصوص الجمعة ايضا فان ظاهر صدر رواية ابي بصير المتقدمة (1) رده وانه انما خرج مخرج التقية (2) لانه لما سأله السائل اولا عن قنوت الجمعة اجاب بانه في الركعة الثانية فلما راجعه بانه نقل لنا عنك انك قلت في الركعة الاولى فأجاب بانه في الاخيرة ولما رأى الغفلة من الحاضرين اسر الى ابي بصير انه في الاولى والثانية. وظاهر سياق الخبر ان افتاءه (عليه السلام) للسائل اولا انما كان تقية لاجل الحاضرين، وحينئذ فلو ورد من خارج ما يدل على ما ادعاه لوجب حمله بحكم هذا الخبر على التقية كما لا يخفى. ثم ان ظاهر الخبر - كما ترى - ينادي بانه (عليه السلام) افتى بالقنوت في الركعة الاولى كما تضمنته اخبار الشيخ المفيد (قدس سره) مع انه (عليه السلام) لم يكذب الراوي وانما عدل الى التشديد على القنوت في الثانية فلما رأى الفرصة اسر الى ابى بصير بالقنوتين. ومن هذا الخبر يفهم ان تلك الاخبار مخصوصة بهذا الخبر اما على النحو الذي ذكرناه أو انها خرجت لمعنى آخر وغرض آخر لا من حيث كونه هو الحكم الشرعي في


(1) ص 376 (2) مقتضى اطلاق ما تقدم عن المحلى في التعليقة 1 ص 357 استحبابه في الجمعة في الركعة الثانية كغيرها، ومقتضى اطلاق ما حكاه عن ابى حنيفة ومالك والشافعي عدم استحبابه فيها اصلا، وكذا ما تقدم عن عمدة القارئ، وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 287 حكى عن الحنابلة استحباب القنوت للسلطان ونائبه في النوازل إلا الجمعة. وفى شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 176 ما ملخصه: " مذهب الشافعي ان القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما واما غيرها فله فيه ثلاثة اقوال: " الاول " الصحيح المشهور وهو التفصيل بين نزول النازلة وعدمه، " الثاني " القنوت في الحالين. " الثالث " عدمه في الحالين. ومحله بعد رفع الرأس من الركعة الاخيرة ".


[ 380 ]

المسألة بل لغرض من الاغراض وانما الحكم الشرعي هذا الذي اسره في هذا المقام. وبالجملة فان هذا الخبر بما اشتمل عليه من هذا التفصيل حاكم على القولين المذكورين ومسقط لرواياتهما من البين، وبذلك يظهر قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور. وليت شعري كيف خفيت على الصدوق اخباره هذه المسألة على تعددها وكثرتها ولم تصل إليه ؟ ولعله لهذا لم ينقل شيئا منها في كتابه، ويؤيده نسبة رواية القنوتين الى تفرد حريز بها عن زرارة مع انها كما عرفت موجودة في روايتي ابي بصير وسماعة، وفي المثل المشهور الدائر: كم ترك الاول للآخر. قال المحقق في المعتبر: والذي يظهر ان الامام يقنت قنوتين إذا صلى جمعة ركعتين ومن عداه يقنت مرة جامعا كان أو منفردا، ويدل على ذلك رواية ابي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة فان القنوت في الاولى قبل الركوع وفي الاخيرة بعد الركوع " ثم ذكر رواية سماعة المتقدمة ثم صحيحة معاوية بن عمار ثم رواية عمر بن حنظلة. والظاهر انه اراد بذلك وجه الجمع بين هذه الاخبار وانه اراد بالامام امام الاصل (عليه السلام) بمعنى انه إذا صلاها امام الاصل جمعة ففيها قنوتان، وعلى هذا حمل رواية ابي بصير وسماعة، وان صلاها غيره فان كان صلاها جمعة ولم يكن امام الاصل فقنوت واحد في الركعة الاولى، وعلى هذا حمل صدر صحيحة معاوية بن عمار وصد رواية عمر بن حنظلة، وان صلاها ظهرا جماعة أو منفردا فقنوت واحد في الركعة الثانية، وعلى هذا يدل عجز صحيحة معاوية بن عمار وعجز رواية عمر بن حنظلة. وفيه من البعد ما لا يخفى فان الامام في هذه الاخبار بل اخبار الجمعة كملا اما ان يحمل على امام الاصل كما هو المشهور بينهم أو الامام مطلقا كما هو الحق، وحمله في خبر على احدهما وفي آخر على غيره ترجيح من غير مرجح، على ان التفصيل الذي في رواية ابي بصير


(1) المتقدمة ص 376


[ 381 ]

وان لم ينقله لا يطابق ما ذكره كما لا يخفى. وظاهر العلامة في المنتهى حمل اختلاف الاخبار على الفضيلة والكمال حيث ان المقام مقام الاستحباب، قال: وهذه الاخبار وان اختلف في الوجه الاول فلا يضر اختلافها إذ هو في فعل مستحب وذلك يحتمل اخلافه لا خلاف الاوقات والاحوال فتارة يبالغ الائمة (عليهم السلام) في الامر بالكمال وتارة يقتصر على ما يحصل معه بعض المندوب ولا استبعاد في ذلك. وايده بالاخبار الدالة على عدم القنوت فيها بالكلية وهي ما رواه الشيخ عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قنوت الجمعة في الركعة الاولى قبل الركوع وفي الثانية بعد الركوع ؟ فقال لي لا قبل ولا بعد " وموثقة داود بن الحصين (2) قال: " سمعت معمر بن ابي رئاب يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن القنوت في الجمعة فقال ليس فيها قنوت " قال بعد ذكر هذين الخبرين: فههنا قد اقتصر على فعل الصلاة من غير قنوت اشعارا باستحبابه وانه ليس فيها قنوت واجب. انتهى. ومرجع كلامه (قدس سره) الى التخيير بين القنوت في الاولى خاصة كما هو مذهب الشيخ المفيد (قدس سره) واتباعه وان كان اقل فضلا وبين القنوتين كما هو المشهور وهو الافضل وبين عدم القنوت بالكية وهو المرتبة الخالية من الفضيلة بالمرة. وهو محتمل إلا ان ظاهر رواية ابي بصير وما اشتملت عليه من الجواب ينافيه فانه لو كان المقام مقام تخيير لما اضرب (عليه السلام) عما افتى به اولا من القنوت في الركعة الاولى الذي افتى به سابقا وامر بالقنوتين كما لا يخفى. واما خبر عبد الملك ابن عمرو وكذا خبر داود بن الحصين فما حملهما عليه من نفى الوجوب كما هو احد احتمالي الشيخ (قدس سره) في التهذيب محتمل إلا ان الظاهر هو حملهما على التقية (3) كما


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من القنوت (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 357 و 2 ص 379


[ 382 ]

هو احد الحملين في التهذيب ايضا واقتصر عليه في الاستبصار، على ان نفى الوجوب لا يدل على الترك بالكلية وانما يدل على الرخصة في ذلك. والله العالم.

(المسألة السادسة) - قد تقدم تصريح الاصحاب بان افضل ما يقال في القنوت كلمات الفرج، بقى الكلام في جملة من المستحبات فيه ايضا: منها - الجهرية في الجهرية والاخفاتية اماما كان أو منفردا واما المأموم فالافضل له الاخفات به على المشهور، وقال المرتضى والجعفي (رضي الله عنهما) انه تابع للصلاة في الجهر والاخفات. وقال ابن الجنيد: يستحب ان يجهر به الامام ليؤمن من خلفه على دعائه. والقولان الاخيران بمحل من الضعف فاما ما يدل على القول المشهور فما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) القنوت كله جهار " ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز عن زرارة مثله (2). وباسناده عن ابي بكر بن ابي سمال (3) قال: " صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) الفجر فلما فرغ من قراءته في الثانية جهر بصوته نحوا مما كان يقرأ وقال: اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا في الدنيا والآخرة انك على كل شئ قدير ". واما ما يدل على استحباب الاخفات به للمأموم فما ورد في رواية ابي بصير (4) من انه ينبغي للامام ان يسمع من خلفه كل ما يقول ولا ينبغي لمن خلفه ان يسمعه شيئا مما يقول. ومثله رواية حفص بن البختري عن علي (عليه السلام) (5). ونقل عن المرتضى والجعفي الاستدلال على ما نقل عنهما بعموم قوله (عليه السلام) (6) " صلاة النهار عجماء وصلاة الليل جهر " وفيه ان دليلنا خاص فيجب ان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 21 من القنوت (4) و (5) الوسائل الباب 6 من التشهد و 52 من الجماعة (6) مستدرك الوسائل الباب 21 من القراءة عن العوالي قال النبي (ص) " صلاة النهار عجماء " وللتعليقة تتمة في الاستدراكات


[ 383 ]

يخصص به العموم المذكور. واما ما ذكره ابن الجنيد فان اراد بقوله: " ليؤمن من خلفه على دعائه " لفظ " آمين " فقد تقدم القول فيه وانه مبطل للصلاة، وان اراد الدعاء بالاستجابة فلا بأس به إلا انه لا ينافي استحباب ذلك للمنفرد ايضا. واما ما رواه الشيخ في الموثق أو الضعيف عن علي بن يقطين (1) - قال: " سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل هل يصلح له ان يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ فقال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر ". وما رواه في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل له ان يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ فقال ان شاء جهر وان شاء لم يجهر " وروى الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر مثله (3) - فهو محمول على الجواز فلا ينافي ما دل على الاستحباب. ومنها - تطويل القنوت لما رواه الصدوق (4) قال " قال النبي (صلى الله عليه وآله) اطولكم قنوتا في دار الدنيا اطولكم راحة يوم القيامة في الموقف ". وروى في كتاب ثواب الاعمال عن ابي بصير عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) عن ابي ذر (رضي الله عنه) (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اطولكم قنوتا... الحديث ". وقال الشهيد في الذكرى (6) ورد عنهم (عليهم السلام) " افضل الصلاة ما طال قنوتها " قال (7) وروى علي بن اسماعيل الميثمي في كتابه باسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: " صل يوم الجمعة الغداة بالجمعة والاخلاص واقنت في الثانية بقدر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 20 من القنوت (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 22 من القنوت


[ 384 ]

ما قمت في الركعة الاولى ". اقول: وقد نقل شيخنا المجلسي في كتاب البحار جملة من قنوتات الائمة (عليهم السلام) الطويلة وعقد لها بابا على حد فقال (1): باب آخر في القنوتات الطويلة المروية عن اهل البيت (عليهم السلام). وينبغي ان يستثنى من ذلك صلاة الجماعة إلا مع حب المأمومين لذلك لما استفاض في الاخبار من استحباب الاسراع فيها. ومنها - التكبير له لما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " التكبير في صلاه الفرض الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة: منها - تكبيرة القنوت خمس " ورواه ايضا بطريق آخر (3) وفسر فيه التكبيرات وعدمنها خمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات. وما رواه الشيخ عن الصباح المزبي (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام): خمس وتسعون تكبيرة في اليوم والليلة للصلوات: منها - تكبيرة القنوت ". ونقل عن الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) نفيه، قال الشيخ في الاستبصار بعد نقل هذه الاخبار: هذه الروايات التي ذكرناها ينبغي ان يكون العمل عليها وبها كان يفتي شيخنا المفيد (قدس سره) قديما ثم عن له في آخر عمره ترك العمل بها والعمل على رفع اليدين بغير تكبير، والاول اولى لوجود الروايات بها وما عدا هذا لست اعرف به حديثا اصلا. انتهى. اقول: ليت شعري كيف لم يسأله عن ذلك وهو شيخه وكان ذلك في حياتهما (رضوان الله عليهما) ؟ هذا ومن المعلوم ان مثل الشيخ المفيد (قدس سره) في جلالة شأنه وعلو مكانه لا يخرج عن هذه الاخبار من غير دليل فكيف لم يسأله عن ذلك حتى انه يعترض عليه هنا ؟


(1) ج 18 الصلاة ص 380 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الاحرام


[ 385 ]

قال في الذكرى: والمفيد لا يكبر للقنوت ويكبر عنده للقيام من التشهد فالتكبير عنده اربع وتسعون والروايات تخالفه، مع انه قد روى مشهورا بعدة طرق: منها - رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) في القائم من التشهد يقول: " بحول لله وقوته اقوم واقعد " وفي بعضها (2) " بحولك وقوتك اقوم واقعد " وفى بعضها (3) " واركع واسجد " ولم يذكر في شئ منها التكبير. والاقرب سقوطه للقيا وثبوته للقنوت وبه كان يفتى المفيد (قدس سره) وفي آخر عمره رجع عنه الى المذكور اولا، قال الشيخ ولست اعرف بقوله هذا حديثا اصلا. انتهى. اقول: اما الاعتراض عليه (قدس سره) بقوله بالتكبير للقيام من التشهد فقد تقدم العذر عنه في آخر المقام الثاني من الفصل السادس في السجود (4) وبينا الدليل في ما ذهب إليه من التكبير المذكور. واما نفيه تكبير القنوت فلم نقف على وجهه. والله العالم ومنها - رفع يديه تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل بباطنهما السماء وظهورهما الارض ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقال الشيخ المفيد يرفع يديه حيال صدره. وحكى في المعتبر قولا يجعل باطنهما إلى الارض. وذكر ابن ادريس انه يفرق الابهام عن الاصابع. قالوا ويستحب نظره الى بطونهما. وعن الجعفي انه يمسح وجهه بيديه ويمرهما على لحيته وصدره. اقول: اما ما ذكروه من رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل بباطنهما السماء فلم اقف له في الاخبار على دليل، والذي وقفت عليه صحيحة عبد الله بن سنان الواردة في صلاة الوتر وهي ما رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الصحيح (5) قال: " تدعو في الوتر على العدو وان شئت سميتهم وتستغفر وترفع يديك في الوتر حيال وجهك وان شئت تحت ثوبك " وهي مع ورودها في خصوص الوتر قاصرة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 13 من السجود (4) ص 310 و 311 (5) الوسائل الباب 13 و 12 من القنوت


[ 386 ]

عن الدلالة على المدعى. وروى في الفقيه (1) عن ابي حمزة الثمالي قال: " كان علي بن الحسين (عليهما السلام يقول في آخر وتره وهو قائم: رب اسأت وظلمت نفسي وبئس ما صنعت وهذه يداي جزاء بما صنعتا قال ثم يبسط يديه جميعا قدام وجهه ويقول: وهذه رقبتي خاضعة لك لما اتت. قال ثم يطأطئ رأسه ويخضع برقبته ثم يقول: وها انا ذا بين يديك... إلى آخر الدعاء ". ومفهوم هذا الخبرانه انما ببسط يديه جميعا قدام وجهه عند قوله " وهذه يداي (2) " مع ان هذا الدعاء في قنوت الوتر الذي يستحب التطويل فيه بالدعاء، والادعية المروية فيه والموظفة له طويلة، وهذا الكلام انما هو في آخره كما صرح به في الخبر، فدلالة هذا الخبر على ان بسط يده انما هو في هذه الحال مشعر بكونهما في وقت القنوت ليستا كذلك وهو خلاف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب. وقال في الذكرى: يستحب رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل ببطونهما السماء وبظهورهما الارض، قاله الاصحاب وروى عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) " وترفع يديك حيال وجهك وان شئت تحت ثوبك وتتلقى بباطنهما السماء " ونحو ذلك ذكر الفاضل الخراساني في الذخيرة. ولم اقف على رواية عن عبد الله بن سنان بهذه الصورة والذي وقفت عليه انما هي الرواية الواردة في الوتر على نحو ما ذكرته. واما ما ذكره الشيخ المفيد (قدس سره) - من جعل اليدين حيال صدره وكذا ما نقله في المعتبر وما ذكره ابن ادريس - فلم اقف بعد التتبع على ما يدل عليه. وامما ذكروه من استحباب النظر اليهما فظاهر كلام المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى يدل على وجود النص به، وما ذكروه وان لم يرد به نص إلا انه لا بأس به


(1) ج 1 ص 311 (2) الظاهر " وهذه رقبتي " (3) الوسائل الباب 12 من القنوت إلى قوله " تحت ثوبك " كما ذكره " قدس سره "


[ 387 ]

لحبس النظر لكن لا ينبغي اعتقاد استحبابه وتوظيفه. واما ما نقل عن الجعفي - من مسح وجهه بيديه ويمرهما على لحيته وصدره بعد القنوت - فلم اقف فيه على خبر بل ظاهر التوقيع المروي عن صاحب الزمان (عليه السلام) خلافه وهو ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ونحوه في قرب الاسناد (1) " انه كتب الى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه ان يرد يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روى ان الله عزوجل اجل من ان يرد يدي عبد صفرا بل يملاهما من رحمته ام لا يجوز فان بعض اصحابنا ذكر انه عمل في الصلاة ؟ فأجاب (عليه السلام) رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض والذي عليه العمل فيه إذا رجع يديه في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء ان يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل ويكبر ويركع. والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض والعمل به فيها افضل ". قال في المنتهى: هل يستحب ان يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء ؟ قيل نعم ولم يثبت. وقال في الذكرى: ويمسح وجهه بيديه ويمرهما على لحيته وصدره قالة الجعفي وهو مذهب بعض العامة (2). انتهى. وكيف كان فما اشتمل عليه الخبر من التفصيل وان كان غير مشهور بين الاصحاب إلا ان العمل به متيقن إذ لا معارض له في ذلك فيخص الاستحباب بالنافلة ويكره ذلك في الفريضة. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 23 من القنوت عن الاحتجاج وفى البحار ج 18 الصلاة ص 377 عن قرب الاسناد (2) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 176 " ما ملخصه: يستحب الجهر بالقنوت في الصلاة الجهرية ورفع اليدين فيه ولا يمسح الوجه وقيل يمسح واتفقوا على كراهة مسح الصدر".


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>