
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثامن
الفصل الثامن
في ما يعمل في الركعتين الاخيرتين من الرباعية وثالثة المغرب
اتفق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على التخيير في المواضع المشار إليها بين التسبيح وقراءة الفاتحة وانما وقع الخلاف في الافضل من الامرين المذكورين على اقوال: احدها - القول بافضلية التسبيح مطلقا وهو مذهب ابن ابي عقيل والصدوقين وابن ادريس، واليه مال جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي وشيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني والشيخ محمد بن ماجد من مجتهدي علماء البحرين، وهو المختار عندي. وثانيها - القول بافضلية القراءة مطلقا، ذهب إليه أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي واختاره الشهيد في اللمعة واليه مال السيد السند في المدارك. وثالثها - القول بالتخيير مطلقا من غير تفصيل، وهو مذهب الشيخ في النهاية والجمل والمبسوط ونقله شيخنا المجلسي (قدس سره) عنه في اكثر كتبه، وهو ظاهر العلامة في الارشاد والمختلف والمحقق في المعتبر. ورابعها - القول بافضلية القراءة للامام والمساواة لغيره من منفرد أو مأموم واختاره الشيخ في الاستبصار والعلامة في القواعد وقبله المحقق في الشرائع واختاره ايضا المحقق الشيخ على في شرح القواعد ومتعلقات المختصر، واليه ذهب الشهيد في البيان اختاره المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرحه على الارشاد. وخامسها - القول بافضلية القراءة للامام وافضلية التسبيح للمأموم وهو مذهب العلامة في المنتهى. وسادسها - القول بافضلية القراءة للامام والتسبيح للمنفرد، اختاره الشهيد في الدروس واستحسنه العلامة في التذكرة على ما نقل عنه.
[ 389 ]
وسابعها - افضلية التسبيح للامام إذا تيقن ان ليس معه مسبوق وافضلية القراءة إذا تيقن دخول مسبوق أو جوزه والقراءة للمأموم والتخيير للمنفرد، ذهب إليه ابن الجنيد على ما نقل عنه. واما الاخبار الواردة في المقام فهي لا يخلو من التناقض وعدم الالتئام ومن ثم اختلفت فيها كلمات علمائنا الاعلام باختلاف الاذهان والافهام. والذي يدل على القول الاول وهو الذي عليه من بينها المعول جملة من الاخبار: الاول - ما رواه الصدوق (عطر الله مرقده) في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال قال: " لا تقرأن في الركعتين الاخيرتين من الاربع الركعات المفروضات شيئا اماما كنت أو غير امام. قال قلت فما اقول فيهما ؟ قال ان كنت اماما أو وحدك فقل " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله " ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع ". الثاني - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " عشر ركعات: ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز الوهم فيهن ومن وهم في شئ منهن استقبل الصلاة استقبالا... وفوض إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء فالوهم انما يكون فيهن ". الثالث - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال " كان الذي فرض الله على العباد من الصلاة عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهن وهم يعني سهو فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة ".
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة (2) الوسائل الباب 42 من القراءة (3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة
[ 390 ]
الرابع - ما رواه الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان ادرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف الامام في نفسه بام الكتاب وسورة... إلى ان قال: فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما لان الصلاة انما يقرأ فيها في الاولتين في كل ركعة بام الكتاب وسورة، وفى الاخيرتين لا يقرأ فيهما انما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء ليس فيهما قراءة. وان ادرك ركعة قرأ فيها خلف الامام فإذا سلم الامام قام فقرأ بام الكتاب وسورة ثم قعد فتشهد ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة " وروى هذه الرواية في الفقيه عن زرارة مثله (2) بادنى تفاوت لا يخل بالمقصود. اقول: لا يخفى ما في دلالة هذه الاخبار الصحاح من الصراحة في افضلية التسبيح بل تعينه مطلقا اماما كان أو غيره سيما الصحيحة الاولى. وظاهر هذه الاخبار بل صريحها انما هو تعين التسبيح دون الافضلية للنهي عن القراءة والنفي لها إلا انها لما اتفقت كلمة الاصحاب على التخيير بينه وبين القراءة وعضدها بعض الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى فلا مندوحة عن تأويلها بما يرجع إلى ذلك بحمل النهي على الكراهة والنفي على نفي الافضلية الراجع الى اقلية الثواب في القراءة. وكيف كان فهي صريحة في الرد على ما اشتهر بين اصحابنا من اصالة القراءة في هذا الموضع وان التسبيح انما هو بدل منها وقائم مقامها، ويشير إلى ذلك ما يأتي (3) في صحيحة عبيد بن زرارة ان شاء الله تعالى مما سنشير إليه ثمة. فان قيل: من الجائز حمل النهي والنفي هنا على النهي عن تحتم القراءة ووجوبها فمعنى " لا تقرأن " يعني على جهة الحتم والتعيين كما في الاوليين، وكذلك " ليس فيهن قراءة " يعني متحتمة متعينة. قلت: فيه (اولا) ان قوله (عليه السلام) في الصحيحة الثانية والرابعة " انما
(1) و (2) الوسائل الباب 47 من الجماعة (3) ص 393
[ 391 ]
هو تسبيح وتكبير... إلى آخره " الدال على حصر الموظف في ذلك يمنع مما ذكرت. و (ثانيا) - انه لو كان النهي عن القراءة في الصحيحة بقوله " لا تقرأن " مؤكدا بالنون انما توجه إلى اعتقاد وجوب القراءة وتحتمها دون اصل القراءة لكان الاظهر في جواب السائل حين قال " فما اقول ؟ " ان يقال له انك مخير بين القراءة والتسبيح لا ان يخص الجواب بالتسبيح المؤذن بتعيينه. وبالجملة فدلالة هذه الاخبار مع صحة اسانيدها في المدعى اظهر من ان ينكر إلا ان اصحابنا في كتبهم المبسوطة لم يلموا بها وان ذكر بعضهم منها خبرا واحدا. الخامس - ما رواه في الفقيه بسند صحيح الى محمد بن عمران العجلي (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) لاي علة صار التسبيح في الركعتين الاخيرتين افضل من القراءة ؟ فذكر (عليه السلام) حديث المعراج وصلاة الملائكة خلف النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ان قال: وصار التسبيح افضل من القراءة في الاخيرتين لان النبي (صلى الله عليه وآله) لما كان في الاخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عز وجل فدهش فقال " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " فلذلك صار التسبيح افضل من القراءة ". السادس - ما رواه في كتاب العلل عن محمد بن ابي حمزة (2) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) لاي شيئ صار التسبيح في الاخيرتين افضل من القراءة ؟ قال لانه لما كان في الاخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله تعالى فدهش فقال " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " فلتلك العلة صار التسبيح افضل من القراءة ". اقول: والتقريب في هذين الخبرين ان قضية التعليل عموم الحكم لجميع المصلين من امام ومأموم ومنفرد، إذا الحكم راجع الى الصلاة من حيث هي بمعنى ان التسبيح فيها يرجح على القراءة بهذا الوجه ولا سيما الامام حيث ان النبي (صلى الله عليه وآله)
(1) و (2) الوسائل الباب 25 و 51 من القراءة
[ 392 ]
يوم سبح كان اماما للملائكة، وذلك فان هذا الخبر قد تضمن ايضا السؤال عن علة الجهر قبل ان يسأله عن علة افضلية التسبيح وفي الجواب عن علة الجهر تصريح بانه (صلى الله عليه وآله) كان اماما يصلي بالملائكة فليراجع. السابع - ما رواه في الفقيه عن الرضا (عليه السلام) (1) ونحوه في كتاب العلل عنه (عليه السلام) (2) قال: " انما جعل القراءة في الركعتين الاولتين والتسبيح في الاخيرتين للفرق بين ما فرضه الله تعالى من عنده وبين ما فرضه الله من عند رسوله صلى الله عليه وآله ". والتقريب فيه ما تقدم من ان قضية التعليل العموم لكل مصل فكما ان الحكم في الاوليين عام بلا خلاف فكذا في الاخيرتين بمقتضى الخبر المذكور لرجوعه الى الصلاة من حيث هي. الثامن - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا قمت في الركعتين الاخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد لله وسبحان الله والله اكبر " هكذا نقله في الاستبصار (4) وفي التهذيب (5) اسقط منه لفظ " الاخيرتين " والظاهر انه سهو من قلمه. وقد اجيب عن الاستدلال بهذا الخبر بان قوله " لا تقرأ فيهما " نفي لا نهى والجملة حالية من الضمير البارز في قوله " إذا قمت " اي حال كونك غير قارئ. والى هذا يشير كلام المحقق في المعتبر حيث قال: وقوله " لا تقرأ " ليس نهيا بل بمعنى " غير " كأنه قال " غير قارئ ". انتهى. فجواب الشرط حينئذ قوله " فقل.. الى آخره " ولهذا قرنه بالفاء وجرد جملة النفي عنها تنبيها على ذلك.
(1) و (3) الوسائل الباب 51 من القراءة (2) البحار ج 18 الصلاة ص 352 (4) ج 1 ص 322 (5) ج 1 ص 162 ولفظ " الاخيرتين " موجود فيه
[ 393 ]
واجاب بعض مشايخنا (قدس الله اسرارهم) عن هذا الجواب بان قوله: " لا تقرأ فيهما " جملة خبرية وقعت صفة للركعتين لانهما معرفتان بلام الجنس وهو قريب المسافة من النكرات لعدم التوقيت فيه والتعيين كما في قوله: " ولقد امر على اللئيم يسبني " قال العلامة الزمخشري في تفسير الفاتحة في قوله تعالى " غير المغضوب عليهم ": (فان قلت) كيف يصح ان يكون " غير " صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وان اضيف الى المعارف ؟ (قلت) " الذين انعمت عليهم " لا توقيت فيه فهو كقوله: ولقد امر على اللئيم يسبني. انتهى قال: والوجه في حسن هذا الوصف وملاحته في هذا المقام ما اشير إليه في صحيحتي زرارة بل صحاحه من ان الاخيرتين لا قراءة فيهما بالاصالة بل الثابت فيهما بالاصالة هو التسبيح واما القراءة فهي مرجوحة وان اجزأت لاشتمالها على التحميد والدعاء لا من حيث اختصاصها بالموضع من حيث هي قراءة كما اشير إليه في صحيحة عبيد بن زرارة الروية في التهذيب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين الاخيرتين من الظهر ؟ قال تسبح وتحمد الله وتسغفر لذنبك وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء " انتهى كلامه (زيد مقامه) وهو جيد نفيس وعليه فيكون جزاء الشرط هو جملة قوله " فقل " وجملة " لا تقرأ " خبرية وقعت صفة للركعتين. ووصف هاتين الركعتين بعدم القراءة فيهما مؤذن بمرجوحية القراءة فيهما واختار المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتهى جعل جملة " لا تقرأ " طلبية قال: لبعد ارادة غير النهى منه كما اوله به جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - المحقق في المعتبر فقال ان " لا " فيه بمعنى " غير " كأنه قال " غير قارئ " مع ان التجوز في قوله " تقرأ " بارادة الارادة للقراءة أو الحمل على اضمار كلمة " تريد " اقل تكلفا مما ذكروه والكل خلاف الظاهر.. الى ان قال: وربما يستشهد لترجيح خلاف النهي بادخال فاء الجواب على كلمة " قل " ولو اريد النهي لكان حقها ان تقترن به. ويدفعه بعد التنزل لتسليم تعين كونها للجواب تكثر الاشارة في ما سلف من هذا الكتاب
(1) الوسائل الباب 42 من القراءة
[ 394 ]
الى قلة ضبط الكتابة للاخبار في خصوص الواو والفاء ففي الغالب يصحف احدهما بالآخر ويكتب الحديث باحدهما في كتاب أو في موضع وبالآخر في غيره حتى من المصنف الواحد فلا وثوق بهذه الشهادة في مقام التعارض. انتهى. ولا يخفى عليك ان ما نقلناه عن شيخنا المتقدم اقرب في الجواب لا نطباقه على ما هو المتبادر من سوق الكلام سيما كون الجملة الجزائية هي قوله " فقل " فان ما ذكره (رحمه الله) من الجواب هنا عن ذلك وان احتمل إلا ان فتح هذا الباب يؤدي الى رفع الوثوق بالاخبار والاعتماد عليها فالواجب ان لا يصار إليه إلا مع عدم المندوحة. التاسع - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " وان كنت خلف امام فلا تقر أن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين، فان الله عزوجل يقول للمؤمنين " وإذا قرئ القرآن - يعني في الفريضة خلف الامام - فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون " (2) والاخيرتان تبع للاولتين " وهذه الرواية نقلها ابن ادريس (قدس سره) في مستطرفات السرائر (3) تتمة لصحيحة زرارة الاولى (4). وحاصل معنى هذه الرواية النهي عن القراءة خلف الامام إذا دخل معه في اولتيه والامر بالانصات لقراءته، والنهي عن القراءة في اخيرتيه ايضا من حيث كون الاخيرتين تبعا للاولتين. وملخصه انه إذا دخل معه في اولتيه فلا يقرأ فيهما ولا في الاخيرتين، والعلة في النهي في الاولتين من حيث قضية الانصات وفي الاخيرتين التبعية. العاشر - ما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار بسنده الى ابن ابي الضحاك (5) " انه صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة الى مرو فكان يسبح في الاخراوين يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " ثلاث مرات ثم يركع " وربما سقط
(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة (2) سورة الاعراف، الآية 203 (3) ص 471 (4) ص 389 (5) الوسائل الباب 42 من القراءة
[ 395 ]
من بعض نسخه لفظ " والله اكبر ". الحادي عشر - ما رواه المحقق في المعتبر عن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الاخيرتين من الظهر قال تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك ". الثاني عشر - ما رواه الشيخ عن محمد بن قيس في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " كان امير المؤمنين (عليه السلام) إذا صلى يقرأ في الاولتين من صلاته الظهر سرا ويسبح في الاخيرتين من صلاته الظهر على نحو من صلاته العشاء، وكان يقرأ في الاولتين من صلاته العصر سرا ويسبح في الاخيرتين على نحو من صلاته العشاء ". الثالث عشر - ما رواه ايضا في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يدرك الامام وهو يصلي اربع ركعات وقد صلى الامام ركعتين ؟ قال يفتتح الصلاة ويدخل معه ويقرأ خلفه في الركعتين.. الى ان قال: فإذا سلم الامام ركع ركعتين يسبح فيهما ويتشهد ويسلم ". الرابع عشر - ما رواه المحقق في المعتبر عن علي (عليه السلام) (4) انه قال: " اقرأ في الاولتين وسبح في الاخيرتين ". الخامس عشر - ما رواه في الكافي ايضا عن زرارة (5) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما يجزئ من القول في الركعتين الاخيرتين ؟ قال ان تقول سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر وتكبر وتركع ". فهذه جملة من الاخبار واضحة الدلالة في ما ادعيناه وجملة منها ظاهرة بل صريحة
(1) في المسألة الثالثة من المسائل الاربع في القراءة وفى البحار عنه ج 18 الصلاة ص 352 ومستدرك الوسائل الباب 31 من القراءة إلا انه في النسخة المطبوعة منه المؤرخة 1318 " عبيد بن زرارة " فتتحد مع الرواية المتقدمة ص 393 ولكنها فاقدة لذيلها. (2) و (4) الوسائل الباب 51 من القراءة (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة (5) الوسائل الباب 42 من القراءة
[ 396 ]
في تعين التسبيح مطلقا وقد نص بعضها على الامام بخصوصه وجملة قد صرحت بالافضلية مطلقا كما اشرنا إليه آنفا، وجملة قد تضمنت الامر بذلك المؤذن لا اقل بالرجحان والافضلية، وجملة قد تضمنت حكاية صلواتهم (عليهم السلام) ومن الظاهر انهم كانوا أئمة في تلك الصلوات لانهم اشد مواظبة على سنة الجماعة والناس اشد حرصا ومواظبة على الاقتداء بهم ولا سيما صلاة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالملائكة وصلاة الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان. وهذا كله بحمد الله سبحانه ظاهر لا يقبل الانكار وبين لا يعتريه الاستتار. السادس عشر - ما رواه الشيخ (قدس سره) بسنده عن سالم ابى خديجة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت امام قوم فعليك ان تقرأ في الركعتين الاولتين وعلى الذين خلفك ان يقولوا " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " وهم قيام فإذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرأوا فاتحة الكتاب وعلى الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين ". وهذا الخبر استدل به بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين، والظاهر ان محل الاستدلال هو قوله " وعلى الامام التسبيح.. الخ " وحينئذ فهو دليل على افضلية التسبيح بالنسبة الى الامام لا مطلقا كما هو ظاهر المستدل، ولذلك ان الفاضل الخراساني في الذخيرة جعله من الاخبار الدالة على افضلية التسبيح للامام. واياما كان فالظاهر ان معنى قوله: " فإذا كان في الركعتين الاخيرتين " يعني إذا كان الائتمام في الاخيرتين بان يكون المأمومون مسبوقين بركعتين ففرض من صلى خلفه القراءة لانهما اولتان بالنسبة إليهم، والواجب عليهم القراءة هنا على الاظهر كما يأتي بيانه في محله. وقوله اخيرا " في الركعتين الاخيرتين " اما ان يتعلق بالظرف اعني قوله " على الامام " ويكون معنى قوله " مثل ما يسبح القوم " اشارة الى ما تقدم في صدر الحديث من
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 397 ]
التسبيح وقت قراءة الامام، وحاصله حينئذ انه على الامام ان يسبح في الاخيرتين مثل تسبيح القوم خلفه في الاولتين، واما ان يتعلق بالفعل اعني " يسبح " ويكون المعنى حينئذ: وعلى الامام ان يسبح في تلك الركعتين الاخيرتين اللتين على المأمومين المسبوقين ان يقرأوا فيهما مثل تسبيح المأمومين فيهما لو كانوا غير مسبوقين. ولعل المستدل بالرواية على الافضلية مطلقا ناظر الى هذا المعنى. وكيف كان فالظاهر عدم جواز حمل الركعتين الاخيرتين في قوله: " فإذا كان في الركعتين الاخيرتين " على ان يكونا اخيرتين بالنسبة الى الامام والمأموم لاستلزامه حينئذ اولوية القراءة فيهما للمأمومين والتسبيح للامام كما هو ظاهر اللفظ بناء على ذلك ولا قائل به بل لا دليل عليه من خارج. والاعتماد في اثباته على مجرد هذا الاحتمال لا يخلو من الاشكال بل الاختلال، فانه يلزم من ذلك حصول الحشو في الكلام وهو مما يجب ان يصان عنه كلام الامام (عليه السلام) كما لا يخفى على ذوي الاذهان والافهام. السابع عشر - ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاولتين فيذكر في الركعتين الاخيرتين انه لم يقرأ ؟ قال اتم الركوع والسجود ؟ قلت نعم. قال اني اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها " استدل به شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين على استحباب التسبيح للمنفرد. وقال العلامة في المختلف - بعد الاستدلال بالخبر المذكور على عدم تعين القراءة في الاخيرتين لناسيهما في الاولتين ردا على من ذهب الى ذلك - ما صورته: وهذا الحديث كما يدل على عدم وجوب القراءة فانه دال على اولوية التسبيح ايضا كما اختاره ابن ابي عقيل. هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على القول الاول.
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 398 ]
واما ما يدل على القول الثاني فرواية محمد بن حكيم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ايما افضل القراءة في الركعتين الاخيرتين أو التسبيح ؟ فقال القراءة افضل ". وانت خبير بان هذه الرواية لضعف سندها وانحطاط عددها تقصر عن معارضة ما قدمناه من الاخبار ولا سيما على مذاق اصحاب هذا الاصطلاح، والظاهر بل المتعين حملها على التقية التي هي في اختلاف الاحكام الشرعية رأس كل بلية، وذلك لان تعيين القراءة في الاخيرتين مذهب جمهور الجمهور، فان المنقول عن الشافعي والاوزاعي واحمد في احدى الروايتين وجوب القراءة في الاخيرتين، وعن مالك وجوبها في معظم الصلاة، وعن الحسن في كل ركعة، وعن ابي حنيفة القول بالتخيير مع فضيلة القراءة (2) فالحمل على التقية ظاهر لاستر عليه. واما ما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار - حيث نقل عن العلامة في
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة. والرواية عن ابى الحسن " ع " (2) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 4 ص 103 " قال الثوري والاوزاعي وابو حنيفة: لا تجب القراءة في الركعتين الاخيرتين بل هو بالخيار ان شاء قرأ وان شاء سبح وان شاء سكت. والصحيح الذى عليه جمهور العلماء من السلف والخلف وجوب الفاتحة في كل ركعة.. " وفى بداية المجتهد ج 1 ص 115 " اوجب بعضهم قراءة الفاتحة في كل ركعة ومنهم من اوجبها في اكثر الصلاة ومنهم من اوجبها في نصف الصلاة ومنهم من اوجبها في ركعة من الصلاة، وبالاول قال الشافعي وهى اشهر الروايات عن مالك وقد روى عنه انه ان قرأها في ركعتين من الرباعبة اجزأته. واما من يرى انه تجزئ في ركعة فمنهم الحسن البصري وكثير من فقهاء البصرة. واما أبو حنيفة فيستحب عنده التسبيح فيهما " الركعتين الاخيرتين " دون القراءة والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها " وفى نيل الاوطار ج 2 ص 179 " عن ابى حنيفة في الاخيرتين ان شاء سبح وان شاء سكت " وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 111 مثله.
[ 399 ]
المنتهى القول بافضلية القراءة للامام والتسبيح للمأموم، قال وقواه في التذكرة، ثم قال وهذا القول لا يخلو من قوة إذ به يجمع بين اكثر الاخبار وان كان بعض الاخبار يأبى عنه. وذهب جماعة من محققي المتأخرين الى ترجيح التسبيح مطلقا وحملوا الاخبار الدالة على افضلية القراءة للامام أو مطلقا على التقية لان الشافعي واحمد، يوجبان القراءة في الاخيرتين ومالكا يوجبها في ثلاث ركعات من الرباعية وابا حنيفة خير بين الحمد والتسبيح وجوز السكوت (1) ويرد عليه ان التخيير مع افضلية القراءة أو التفصيل بين الامام والمنفرد مما لم يقل به احد من العامة فلا تقبل الحمل على التقية نعم يمكن حمل اخبار التسوية المطلقة على التقية لقول ابي حنيفة بها. انتهى - ففيه نظر من وجوه (احدها) انه لا يخفى على من لاحظ الاخبار التي قدمناها وتدبر في ما ذيلناها به من التحقيق الرشيق انه لا معدل عن العمل بها والقول بما دلت عليه وهذه الرواية ظاهرة بل صريحة في المخالفة فلم يبق إلا ردها لقصورها عن المعارضة وليس بعد العمل بما دلت عليه هذه الرواية إلا رد تلك الاخبار المستفيضة المتكاثرة الصحيحة الصريحة في ما ادعينا وفيه من الشناعة ما لا يتجشمه محصل ولا يتفوه به قائل، وحينئذ فيجب رد هذه الرواية الى قائلها كما امروا به (عليهم السلام). و (ثانيها) - انه مع تسليم صحة ما ذكره في نقل مذاهب العامة من عدم تصريحهم بلا فضلية فانه لا ينافي حمل الرواية المذكورة وامثالها على التقية، وذلك فانه يمكن حمل اخبار الفاتحة على التقية باعتبار ان المتبادر من اخبار الامر بالفاتحة للامام هو الوجوب كما صرح به الفاضل الاردبيلي (قدس سره) في ما يأتي من نقل كلامه، ولا ينافيه لفظ الافضلية في رواية محمد بن حكيم المذكورة الدالة على ان القراءة افضل مطلقا لان الواجب افضل من المندوب البتة إلا فيما استثنى، وحينئذ فتكون التقية باعتبار مذهب الشافعي واتباعه.
(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 398
[ 400 ]
و (ثالثها) - ان مذهب ابي حنيفة هو التخبير مع افضلية القراءة كما نص عليه المخذول المهان فضل الله بن روزبهان الخنجي في كتابه الذي رد فيه على كشف الحق ونهج الصدق حيث قال (1): ومذهب ابي حنيفة انه يقرأ في الاخيرتين بالفاتحة فقط وهذا افضل وان سبح أو سكت جاز. انتهى. والعجب انه كيف خفى ذلك على شيخنا المشار إليه مع وفور اطلاعه. وربما يستدل لهذا القول ايضا بما رواه الطبرسي في الاحتجاج من التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة في اجوبة الحميري (2) " انه كتب إليه يسأله عن الركعتين الاخيرتين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يرى ان قراءة الحمد فيهما افضل وبعض يرى ان التسبيح فيهما افضل فالفضل لايهما لنستعمله ؟ فأجاب (عليه السلام) قد نسخت قراءة ام الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم (عليه السلام): كل صلاة لا قراءة فيها خداج إلا للعليل ومن يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه ". وانت خبير بما في هذا الخبر من الاجمال والاشكال الذي لا يهتدى منه الى وجه يبنى عليه في هذا المجال وما هذا شأنه فلا يعترض به ما قدمناه من الاخبار. واما القول الثالث وهو التخيير مطلقا من غير تفصيل فلا اعرف عليه دليلا من الاخبار سوى رواية علي بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما ؟ قال ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وان شئت فاذكر الله فهما سواء. قال قلت فاي ذلك افضل ؟ قال هما والله سواء ان شئت سبحت وان شئت قرأت " وانت خبير بما هي عليه من الضعف فلا تصلح لمعارضة واحد من تلك
(1) في التعليق على المسألة الحادية عشرة من الفصل الثاني في الصلاة من المسألة الثامنة في الفقه (2) الوسائل الباب 51 من القراءة (3) الوسائل الباب 42 من القراءة
[ 401 ]
الاخبار الصحيحة الصريحة في افضلية التسبيح فلم يبق إلا طرحها وارجاعها الى قائلها، إذ العمل بما دلت عليه مستلزم لطرح تلك الاخبار وهو ما لا يتجشمه من له ادنى روية من ذوي الاذهان والافكار، مع امكان حملها على التقية وان لم يعرف بالقول بالتساوي مطلقا قائل من العامة إذا التخير مذهب ابي حنيفة واتباعه مع افضلية القراءة كما تقدم (1) وقد قدمنا في مقدمات الكتاب ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل منهم، وبالجملة فانه لم يبق إلا طرحها أو حملها على التقية وإلا فالعمل بها وان ذهب إليه من ذهب غفلة عما قدمناه من الاخبار لا يتفوه به من وقف على ما حققناه ونقلناه من تلك الاخبار الساطعة الانوار والعلية المنار. واما الاستناد في هذا القول الى صحيحة عبيد بن زرارة فهي بالدلالة على افضلية التسبيح اشبه لما عرفته آنفا، فان قضية التعليل فيها فرعية القراءة واصالة التسبيح كما دلت عليه الاخبار المستفيضة المتقدمة. وربما استدل بعضهم لهذا القول بتعارض الاخبار وتساقطها فلا يتوجه رجحان احد الطرفين على الآخر فببقى التساوي مؤبدا برواية علي بن حنظلة. وهذا القول جهل من صاحبه بما قدمناه من الاخبار إذ الظاهر انها لم تقرع سمعه ولم تمر بنظره وهو كذلك كما سيظهر لك ان شاء الله في البحث مع السيد السند وشيخنا المحقق الاردبيلي فانهما من هذا القبيل، وهذه الاخبار التي قدمناها وجمعناها لم تجتمع في كتاب بل ولا نصفها ولا ربعها كما لا يخفى على من راجع كتبهم في هذا الباب. واما القول بافضلية القراءة للامام وهو القول الرابع والخامس والسادس وان اختلفوا في ما عداه فهو باعتبار المستند اظهر من سابقيه. ويدل عليه من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن
(1) في التعليقة 2 ص 398
[ 402 ]
ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الاخيرتين بفاتحة الكتاب وان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل ". وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القراءة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين ؟ فقال الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح.. ". وما رواه الشيخ عن جميل بن دراج (3) قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما يقرأ الامام في الركعتين في آخر الصلاة ؟ فقال بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الذين خلفه ويقرأ الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب ". اقول: لا يخفى انه مع العمل بهذه الاخبار والقول بما دلت عليه فانه يلزم طرح ما عارضها من الاخبار الدالة على افضلية التسبيح مطلقا أو بالنسبة الى الامام، وهي الرواية الاولى من الروايات المتقدمة والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعاشرة والثانية عشرة والسادسة عشرة (4) بالتقريبات المذكورة ذيولها. وفي رد هذه الروايات وطرحها مع صحتها وصراحتها من الشناعة ما لا يخفى، واما مع العمل بروايات التسبيح فحمل الاخبار المذكورة عن التقية ظاهر لاستر عليه وواضح لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا من بين يديه، لما عرفت آنفا (5) من ان مذهب جمهور الجمهور وجوب القراءة، وابو حنيفة واتباعه وان خيروا إلا ان القراءة عندهم افضل فحمل هذه الاخبار على التقية اقرب قريب، وقد استفاضت الاخبار عنهم (عليه السلام) بعرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافه. وقد ايد بعض مشايخنا الحمل على التقية بما في صحيحة منصور بن حازم من لفظ السعة للمأموم، فان مفهومه انه لا يسع الامام غير القراءة للتقية واما المأموم فيسعه تركها
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة (2) و (3) الوسائل الباب 42 من القراءة (4) من ص 389 الى 396 (5) ص 298
[ 403 ]
والعدول الى التسبيح. اقول: ويعضده ان المستفاد من كثير من الاخبار ان اصحابنا كانوا يأمونهم في الجماعة. وقد صرح بهذا الحمل جملة من اصحابنا المحققين من متأخرى المتأخرين: منهم - الفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الشيخ حسن في المنتقى وغيرهما. فالوجه الاظهر في اخبار القراءة مطلقا هو الحمل على التقية سيما للامام لعظم الخطب عليه واقتضاء الاستصلاح التقية بالنسبة إليه فلذا خصه بالقراءة في صحيحتي منصور ومعاوية بن عمار وحثه عليها خوفا عليه من الشناعة والضرر، ومتى حملت هذه الاخبار على التقية سلمت اخبار التسبيح وتوجه العمل بها من غير معارض. ولم يقل احد من العامة بتعين التسبيح أو افضلية حتى يمكن حمل اخباره على التقية بل هو عندهم مطروح واما اخبار القراءة فهى كما عرفت موافقة لهم. وقضية القواعد المنصوصة عنهم (عليهم السلام) في عرض الاخبار في مقام الاختلاف هو حمل اخبار القراءة على التقية، حتى انه قد ورد ما هو ابلغ من ذلك وهو انه إذا لم يكن في البلد من تستفتيه في الحكم الشرعي فاستفت قاضي البلد وخذ بخلافه، رواه الشيخ في التهذيب والصدوق في عيون الاخبار (1) ولكن اصحابنا سامحهم الله تعالى بغفرانه واسكنهم اعلى جنانه كما نبهناك عليه في غير موضع مما تقدم قد الغوا هذه القواعد الواردة عنهم (عليهم السلام) واتخذوها وراء ظهورهم واصطلحوا على قواعد لم يرد بها نص ولا اثر فاتخذوها وجه جمع بين الاخبار. تتميم في المقام وكلام على كلام بعض الاعلام قال السيد السند في المدارك - وهو ممن اختار القول بافضلية القراءة مطلقا أو للامام كما سيظهر لك من كلامه - اختلف الاصحاب في ان الافضل للمصلي القراءة أو التسبيح، فقال الشيخ في الاستبصار ان الافضل للامام القراءة وانهما متساويان بالنسبة
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به
[ 404 ]
الى المنفرد، وقال في النهاية والمبسوط هما سواء للمنفرد والامام، واطلق ابنا بابوبه وابن ابي عقيل افضلية التسبيح، احتج الشيخ في الاستبصار على افضلية القراءة للامام بما رواه في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الاخيرتين بفاتحة الكتاب وان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل " ونحوه روى معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القراءة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين فقال الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وان شئت فسبح " وعلى التساوي للمنفرد بما رواه عن عبد الله بن بكير عن علي بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما ؟ فقال ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وان شئت فاذكر الله فهما سواء. قال قلت فاي ذلك افضل ؟ فقال هما والله سواء ان شئت سبحت وان شئت قرأت " وهذا الجمع جيد لو كانت الاخبار متكافئة من حيث السند لكن الرواية الاخيرة ضعيفة جدا بجهالة الراوي وبان من جملة رجالها الحسن بن علي بن فضال وعبد الله بن بكير وهما فطحيان. ولو قيل بافضلية القراءة مطلقا كما يدل عليه ظاهر صحيحتي منصور بن حازم ومعاوية بن عمار لم يكن بعيدا من الصواب، ويؤيده رواية حكم بن حكيم (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) ايما افضل القراءة في الركعتين الاخيرتين أو التسبيح ؟ فقال القراءة افضل " ورواية جميل (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما يقرأ الامام في الركعتين في آخر الصلاة فقال بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الذين خلفه ويقرأ الرجل
(1) الوسائل الباب 51 من القراءة (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 42 من القراءة (4) الوسائل الباب 51 من القراءة، والراوي هو محمد بن حكيم كما سيأتي منه " قدس سره "
[ 405 ]
فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب " وصحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) وقال: " يجزئك التسبيح في الاخيرتين. قلت اي شيئ تقول انت ؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب " ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال ": إذا قمت في الركعتين الاخيرتين لا تقرأ فيهما فقل الحمد لله وسبحان الله والله اكبر " لانا نجيب عنها بالحمل على ان " لا " نافية وتكون جملة " لا تقرأ " حالية والمعنى إذا قمت في الركعتين الاخيرتين وانت غير قارئ فيهما فقل كذا وكذا أو يقال انها ناهية والنهي انما توجه الى القراءة مع اعقاد ان غير القراءة لا يجوز كما ذكره الشيخ في الاستبصار، وبالجملة فهذه رواية واحدة فلا تترك لاجلها الاخبار المستفيضة السليمة السند المؤيدة بعمل الاصحاب. انتهى.
اقول فيه نظر من وجوه:
(الاول) ان ما نقله عن الشيخ في الاستبصار - من انه احتج على افضلية القراءة للامام بصحيحة منصور بن حازم وعلى التساوي للمنفرد برواية علي بن حنظلة - ليس في محله فان الشيخ بعد ان عنون الباب بالتخيير بين القراءة والتسبيح اورد من الروايات الدالة على التخيير صحيحة عبيد بن زرارة ورواية علي بن حنظلة الدالتين على التساوي مطلقا، ثم اورد في خبر ما يخالفهما في ذلك وهي رواية محمد بن حكيم التي نسبها هو الى حكم بن حكيم الدالة على افضلية القراءة مطلقا وجمع بينهما بحمل ما دل على افضلية القراءة على ما إذا كان اماما وحمل تلك الروايتين الدالتين على التساوي على غيره، ثم اورد صحيحة منصور بن حازم سندا لهذا الحمل بطرفيه من افضلية القراءة للامام والتساوي لغيره، والرواية كما ترى دالة على ذلك هذا خلاصة كلام الشيخ في الاستبصار وبه يتضح لك ما في نقل السيد السند (قدس سره) من الخلل الذي لاستر عليه ولا غبار.
(الثاني) - ان المفهوم من سياق كلامه ان الشيخ قد استدل على افضلية القراءة للامام بهذه الرواية الدالة على عموم افضلية القراءة مطلقا بحملها على الامام،
(1) و (2) الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 406 ]
وعلى التساوي للمنفرد برواية علي بن حنظلة الدالة بعمومها على المساواة مطلقا بحملها على المنفرد ثم رد (قدس سره) الحمل المذكور بعدم تكافؤ الاخبار من حيث السند ثم رجح افضلية القراءة مطلقا مستند الى العموم الذي ادعاه من تلك الصحيحة وارد فها بصحيحة معاوية بن عمار. وهو لعمري بعيد الصدور من مثل هذا الفحل المشهور، فان الصحيحتين المذكورتين تناديان بالتصريح بحكم الامام على حدة من افضلية القراءة له وحكم المنفرد على حدة من التخيير، فاين اطلاق افضلية القراءة الذي جنح إليه وادعى دلالة تلك الصحيحتين عليه ؟ وما تكلفه بعض في الاعتذار عنه - من انه يمكن تطبيقهما على افضلية القراءة مطلقا وتكون فائدة التفصيل فيهما بين الامام والمنفرد تأكد الفضل في الامام - فتمحل ظاهر لا يلتفت إليه وتكلف متعسف لا يعول عليه. وحينئذ فرواية علي بن حنظلة متى حملت على المنفرد كانت مؤيدة لما دلت عليه تلك الصحيحتان من حكم المنفرد فيهما لا منافية لهما بناء على ما ادعاه من عموم افضلية القراءة للمنفرد. نعم ذلك مدلول رواية محمد بن حكيم التي نسبها الى حكم بن حكيم كما رأيت في نسخ منه متعددة.
(الثالث) - ان ظاهر قوله: " ولو قيل بافضلية القراءة مطلقا " انه لا قائل بذلك صريحا مع انا قد اسلفنا نقله عن الحلبي وتبعه الشهيد في اللمعة ولعله لندرة القائل وشذوذه خفى عليه حتى انه قال في التهذيب اني لا اعلم قائلا بهذا المذهب. وهو حق حيث انه انما حدث بعده. وممن خفى عليه القول بذلك ايضا شيخنا البهائي (قدس سره) حيث انه صرح في كتاب الحبل المتين انه لم يطلع على قائل بافضلية القراءة للمنفرد.
(الرابع) - ان ما استدل به على ما ادعاه من صحيحة ابن سنان منظور فيه من حيث السند والمتن: اما الاول فلما ذكره بعض اصحابنا من احتمال كون ابن سنان هو محمد اخو عبد الله بن سنان الذي هو مذكور مهملا في كتب الرجال كما ذكره الشيخ في كتاب رجاله من رجال الصادق (عليه السلام) وهو غير محمد بن سنان الزاهري الضعيف فانه
[ 407 ]
لا يروي عن الصادق (عليه السلام) كما ذكر في كتب الرجال وشهد به التتبع في هذا المجال، وقد وردت رواية محمد بن سنان بقول مطلق عن الصادق (عليه السلام) في باب كراهة اكل الثوم من كتاب علل الشرائع (1) ووقع التصريح به في ثلاثة احاديث من كتاب طب الائمة (عليهم السلام) اما الحديث الاول منه فصورته عن الوشاء عن عبد الله بن سنان عن اخيه محمد عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (2) ومثله الحديث الثاني من الكتاب المذكور (3) وفي باب مقدار الثواب في كل علة منه ايضا عن الوشاء عن عبد الله بن سنان قال: سمعت محمد بن سنان يحدث عن الصادق (عليه السلام) (4) وحينئذ فما اطلقوه من انه متى وردت رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) بغير واسطة تعين الحمل على عبد الله لكون الزاهري الضعيف لا يروي عنه إلا بالواسطة غير جيد لانه مبني على الحصر في عبد الله ومحمد الزاهري والحال ان محمدا اخا عبد الله ممن يروي عنه (عليه السلام) ايضا بلا واسطة. والجواب - بان محمدا اخا عبد الله نادر الرواية فلا ينصرف إليه الاطلاق - مدخول بما يتناقل في كلامهم ويدور على رؤوس اقلامهم من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال. واما الثاني فان ما ادعاه من الدلالة غير واضح البيان ولا ساطع البرهان لانه (قدس سره) قد اقتطع عجز الرواية واستدل به وهو وان كان يعطي ذلك بظاهره إلا انه بملاحظة ما تقدمه في صدر الرواية للاحتمال فيه مجال واسع، والرواية بتمامها هي ما رواه الشيخ عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " ان كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الاولتين. وقال يجزئك التسبيح في الاخيرتين. قلت اي شيئ تقول
(1) ص 176 وفى الوسائل الباب 22 من احكام المساجد (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 1 من الاحتضار (5) الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 408 ]
انت ؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب " وكأنه (رحمه الله) بنى في اقتطاعه عجز الرواية واعتماده عليه في الاستدلال على انقطاعه عما قبله في المعنى وان له معنى مستقلا، وربما كان وجهه عنده ان السائل لما سأله عما يفعل (عليه السلام) اعم من ان يكون اماما أو مأموما أو منفردا فقال: " اقرأ فاتحة الكتاب " دل ذلك على رجحان القراءة مطلقا. قال المحقق المدقق الشيخ حسن في كتاب منتقى الجمان بعد ذكر الرواية ما لفظه: قلت يسبق الى الفهم في بادئ الرأي من عجز هذا الخبر انه في معنى الخبرين اللذين قبله - واشار بهما الى صحيحتي عبيد بن زرارة ومنصور بن حازم - ثم قال وقد اعتمد ذلك بعض المتأخرين فاقتطعه عن الصدر واورده في حجة ترجيح قراءة الحمد للامام حديثا مستقلا، وبعد التأمل برى ان ذلك احد الاحتمالات فيه وانه لا وجه لترجيح المصير إليه على غيره، ثم الحق ان اقتطاع بعض الحديث وافراده عن سائره بمجرد ظن استقلاله أو تخيله كما اتفق لجماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) امر بعيد عن الصواب فكم من خطأ قد وقع بسببه في الاستدلال لمن لم تنكشف له بالتدبر حقيقة الحال. انتهى هذا. والاظهر بناء على اتصال عجز الرواية بصدرها كما هو المتبادر الى الفهم ان معنى قوله (عليه السلام): " يجزئك التسبيح في الاخيرتين " يعني عن القراءة في الاوليين خلف الامام إذا كنت مأموما، وحينئذ فقول السائل " اي شئ تقول انت ؟ " يحتمل ان يكون معناه اي شيئ تفتي به انت وتحكم به من الاجتزاء بالتسبيح في الاخيرتين أو القراءة فيهما وعلى هذا يكون قوله (عليه السلام): " اقرأ فاتحة الكتاب " فعل امر، وان يكون معناه اي شئ تفعل انت في صلاتك مأموما خلف هؤلاء من القراءة في الاوليين أو الترك والاجتزاء بالتسبيح لانهم (عليهم السلام) كانو يحضرون جمعات هؤلاء وجماعاتهم فأجاب (عليه السلام) بانه يقرأ في الاوليين حيث ان ائتمامه بمن لا يصح الاقتداء به. وهذا هو الاظهر في معنى الرواية وهو الذي استظهره المحدث الكاشاني في الوافي بعد ان ذكر الاحتمال الاول ايضا. ويحتمل ايضا ان يكون معنى
[ 409 ]
" اي شئ تقول انت ؟ " أي شيئ تفعله انت في الركعتين الاخيرتين إذا كنت مأموما من الاجتزاء بالتسبيح أو القراءة فيهما، وحينئذ ففيه دلالة على تخيير المأموم في الركعتين الاخيرتين بين القراءة والتسبيح مع افضلية القراءة. ويحتمل ايضا ان يراد منه بيان حال المسبوق وانه يجزئه تسبيح الامام في الاخيرتين وان كان المأموم مصليا للاوليين أو الثانية في تلك الحال غير ان الاولى للامام قراءة الحمد. وهذان الاحتمالان ذكرهما في المنتقى زيادة على الاحتمال الذي حكاه عن ذلك البعض في ما اسلفناه من نقل عبارته. وكيف كان فهذه الرواية لما فيها من سعة دائرة الاحتمال لا تصلح للاستدلال فانها بتعدد هذه الاحتمالات تكون من قبيل المتشابهات.
(الخامس) - قوله " ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله الحلبي في الصحيح. الى آخر الكلام " فان فيه من العجب العجاب بما اشتمل عليه من الخلل والاضطراب ما لا يخفى على من تأمل بعين الصواب: (اما اولا) - فلحصره المنافاة في هذه الرواية وانه بالجواب عنها يتم له ما ذكره وهذا مصداق ما اشرنا إليه آنفا من عدم الوقوف على تلك الروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة المتقدمة، فليت شعري كأنها لم تمر به مدة اشتغاله بالعلوم في تلك الايام حتى يغمض العين عنها ولا يتعرض لشيئ منها في المقام. (واما ثانيا) - فان الظاهر من سياق كلامه - كما عرفت - هو الميل الى افضلية القراءة مطلقا لقوله " ولو قيل بافضلية القراءة مطلقا " وقد عرفت مما اسلفناه انه ليس في الاخبار ما يدل على هذا القول إلا رواية محمد بن حكيم الضعيفة السند التي لا تصلح للاستدلال بناء على اصطلاحه ولا تعتمد. واما ما ادعاه من دلالة صحيحتي منصور بن حازم ومعاوية بن عمار فقد عرفت ما فيه. و (اما ثالثا) - فان ما ادعاه - من التأييد بعمل الاصحاب مع قوله اولا " ولو قيل " المشعر بعدم القائل كما عرفت - لا يخلو من التشويش والاضطراب. وبالجملة
[ 410 ]
فانا لم نقف على قائل بهذا القول الذي اختاره هنا سوى الحلبي والشهيد في اللمعة ولا من الادلة سوى رواية محمد بن حكيم المذكورة. والله العالم. وقال المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد بعد الكلام في كمية التسبيح: واما التفضيل فلا شك في تفضيل القراءة عليه للامام لصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القراءة.. ثم ساق الحديث، ثم قال: ولرواية جميل.. ثم ذكرها، ثم قال: ولما ثبت جواز التسبيح للامام ايضا بالاجماع حمل القراءة له على الافضل فلا ينبغي تركها، ويحمل ما في هذه للمنفرد على الجواز فقط لرواية علي بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته.. ثم ساق الرواية ثم قال حمله الشيخ وغيره على المنفرد لما مر من ترجيح القراءة للامام، ولرواية منصور بن حازم الثقة، ثم اوردها الى آخرها، ثم قال: ولولا الاجماع على التخيير للامام ايضا لكان الحمل على ظاهرها من وجوب القراءة للامام متعينا فتحمل على الاستحباب لذلك، ويفهم منها التسوية للمنفرد حيث قال بعد الترجيح للامام " وان كنت.. " ومع ذلك لا يبعد اولوية اختيارها للمنفرد ايضا لفضيلة الفاتحة ووجود " فاقرأوا " ووجود الخلاف في التسبيح بانه مرة أو ثلاثا أو غيرهما ولبعض ما مر مثل الامر بالقراءة في صحيحة معاوية بن عمار بقوله " فاقرأ فيهما " ثم الاتيان ب " ان شئت " فان سوق الكلام يدل على ان التسبيح رخصة، وما في رواية جميل، ولرواية محمد بن حكيم قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام).. وساق الرواية كما قدمناه ثم قال ولا يحتاج الى الحمل على الامام فقط لاحتمال كونها افضل للامام وكان للمنفرد ايضا افضل لكن دونه في الفضل ويكون الامر للامام والتخيير للمنفرد للمبالغة له دونه مع عدم صحة ما يدل على التسوية في رواية علي بن حنظلة مع عمومها المتروك بالدليل واحتمال التأويل. انتهى. قول: انظر الى هذا الكلام المختل النظام والمنحل الزمام فانه - كما ترى - ظاهر في انه لم يقف على شئ من اخبار التسبيح التي قدمناها بالكلية ولهذا انما استند في
[ 411 ]
معارضة اخبار القراءة الى الاجماع على التسبيح وجمع بينهما بالتخيير، والظاهر ان السبب في ذلك ان الدائر في كتبهم في مقام البحث عن الاخيرتين انما هو هذه الاخبار التي نقلها هنا وزاد عليها صاحب المدارك رواية الحلبي التي اجاب عنها واما الاخبار التي قدمناها فهي متفرقة في مواضع لم تجمع إلا في كلامنا في هذا المجال. واصحاب التصانيف لمزيد الاستعجال في التصنيف يقنعون بما حضر بين ايديهم من كتب من قبلهم ولا يعطون التأمل حقه في استقصاء الادلة من مظانها وطلبها من اماكنها ومن ثم وقعوا في ما وقعوا فيه، والواجب في مقام البحث والتحقيق التعرض لنقل جملة ادلة المسألة والكلام فيها وترجيح ما يرجحه والجواب عما عارضه. وانت خبير بان قوله: " ولما ثبت جواز التسبيح للامام ايضا بالاجماع.. الى آخره " الدال على انه انما صار الى التسبيح تخييرا بالاجماع فللقائل ان يعكس عليه هذه الدعوى ويقول انه قد دلت صحاح زرارة على النهي عن القراءة مطلقا والنفي لها والامر بالتسبيح خاصة ودل غيرها من الاخبار المتقدمة على التسبيح ايضا، وما عارضها من روايات القراءة قد حمل على التقية بمقتضى القاعدة المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) في مقام تعارض الاخبار، فلولا الاجماع على القول بالقراءة في المقام لتعين الاقتصار على التسبيح بمقتضى ذلك إلا ان الاجماع على القراءة اوجب لنا القول بالتخيير وحمل ما دل على تعين التسبيح والنهي عن القراءة على الافضلية، وما ادعيناه في المقام هو الاوفق باخبارهم وقواعدهم (عليهم السلام). وبالجملة فان كلامهم (رضوان الله عليهم) في المقام لما كان مبنيا على غير اساس تطرق إليه القدح والالتباس، وضعف كلامه (قدس سره) اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان لمن انكشف له ما ذكرناه من نقل اخبار المسألة كملا وما وشحناها به من التحقيقات الفائقة والتدقيقات الرائقة. والله العالم.
[ 412 ]
إذا عرفت ذلك فاعلم ان تنقيح البحث في المسألة وتحقيق القول فيها كما هو حقه يتوقف على ذكر مقامات:
(الاول) - في كيفية التسبيح المذكور هنا وقد اختلف الاصحاب في ذلك على اقوال: احدها - الاجتزاء باربع تسبيحات: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " مرة واحدة، ذهب إليه الشيخ المفيد والشيخ في الاسبتصار وجمع من المتأخرين: منهم - العلامة في المنتهى وشيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال انه اصح الاقوال، ويدل عليه من الاخبار المتقدمة الخبر الخامس والسادس والخامس عشر والسادس عشر. وثانيها - انها تسع تسبيحات: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله " يكررها ثلاث مرات، ذهب إليه الصدوق ابن بابويه واسنده في المعتبر والتذكرة والذكرى الى حريز بن عبد الله السجستاني من قدماء الاصحاب، ونقل في المختلف عن علي بن بابويه انه قال: وتسبيح في الاخراوين اماما كنت أو غير امام تقول " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله " ثلاثا. قال فيكون الواجب عنده تسع تسبيحات ورواه ابنه في من لا يحضره الفقيه وهو اختيار ابي الصلاح. انتهى وظاهر كلامه في المختلف ان مذهب ابي الصلاح القول بالتسع مع انه في المنتهى نسب إليه القول بثلاث تسبيحات كما نقله عنه في الذخيرة ومثله شيخنا في البحار إلا اني لم اقف عليه في المنتهى كما ذكراه ولم يذكر لابي الصلاح هنا مذهبا بالكلية وهما اعلم بما نقلاه. ويدل على هذا القول ما تقدم في الخبر الاول من الاخبار المتقدمة إلا ان هذا الخبر قد نقله ابن ادريس في السرائر عن حريز عن زرارة في موضعين بزيادة في احدهما على ما قدمنا نقله عن الصدوق (احدهما) في باب كيفية الصلاة (1) وزاد فيه بعد " لا إله إلا الله " " والله اكبر " وثانيهما في آخر الكتاب في ما استطرفه من كتاب حريز (2) ولم يذكر فيه التكبير، قال شيخنا المجلسي (قدس
(1) و (2) الوسائل الباب 51 من القراءة
[ 413 ]
سره) في البحار بعد نقل ذلك: والنسخ المتعددة التي رأيناها متفقة على ما ذكرناه ويحتمل ان يكون زرارة رواه على الوجهين ورواهما حريز عنه في كتابه لكنه بعيد جدا، والظاهر زيادة التكبير من قلمه أو من النساخ لان سائر المحدثين رووا هذه الرواية بدون التكبير وزاد في الفقيه وغيره بعد التسبيح " تكمله تسع تسبيحات " ويؤيده انه نسب في المعتبر وفي التذكرة القول بتسع تسبيحات الى حريز وذكرا هذه الرواية. انتهى. وهو جيد وجيه. اقول: ويدل عليه ايضا خبر ابن ابي الضحاك عن الرضا (عليه السلام) على ما سيأتي بيانه (1) ان شاء الله تعالى. ثم العجب هنا من شيخنا الشهيد الثاني (رفع الله درجته) في المسالك والروض حيث انه في الروض بعد ان اختار القول الاول قال: والثاني احوط والثالث جائز واما الرابع فلا لعدم التكبير. واراد بالثاني القول بالاثنى عشر وبالثالث القول بالعشر وبالرابع القول بالتسع. ونحوه في المسالك فمنع العمل به مع ان روايته اصح روايات المسألة، وما ذكره من القول الثاني والثالث لا دليل عليه ما سيظهر لك قال شيخنا المجلسي في البحار بعد ان اختار القول بمطلق الذكر: ثم الافضل اختيار التسع لانه اكثر واصح اخبار وهو مختار قدماء المحدثين الآنسين بالاخبار المطلعين على الاسرار كحريز بن عبد الله والصدوق (قدس الله روحيهما) اقول: وهو مذهب ابيه ايضا كما قدمنا نقله هنا عن المختلف. وثالثها - انها عشر بزيادة التكبير على التسع المذكورة في القول الثاني وهو مذهب السيد المرتضى والشيخ في الجمل والمبسوط وابن ادريس وسلار وابن البراج، ولم نقف على رواية تدل عليه وبذلك اعترف جملة من الاصحاب. ورابعها - انها اثنا عشر بتكرير التسبيح المذكور في الصورة الاولى ثلاثا وهو مذهب الشيخ في النهاية والاقتصاد وهو المنقول عن ظاهر ابن ابي عقيل إلا انه
(1) ص 414
[ 414 ]
قال - على ما نقله عنه في المختلف -: السنة في الاواخر التسبيح وهو ان يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " سبعا أو خمسا وادناه ثلاثا في كل ركعة. وقد اعترضه جمع من الاصحاب بعد الدليل عليه. وربما استدل عليه بما رواه ابن ادريس في السرائر في باب كيفية الصلاة (1) إلا انك قد عرفت ما فيه. وربما امكن الاستدلال بما رواه في كتاب العيون عن ابن ابي الضحاك الذي صحب الرضا (عليه السلام) (2) الى خراسان فقال: " كان يسبح في الاخراوين يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " ثلا ث مرات ثم يركع " إلا ان شيخنا المجلسي (قدس سره) نقل الخبر المذكور في كتاب البحار (3) عاريا من لفظ التكبير ثم قال: بيان - في بعض النسخ زيد في آخرها " والله اكبر " والموجود في النسخ القديمة المصححة كما نقلناه بدون التكبير، والظاهر ان الزيادة من النساخ تبعا للمشهور. انتهى. وعلى هذا فيكون الخبر المذكور دليلا واضحا على القول الثاني. نعم يدل على ذلك ما في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام): وفى الركعتين الاخراوين الحمد وحده وإلا فسبح فيهما ثلاثا ثلاثا تقول " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " تقولها في كل ركعة منهما ثلاث مرات. وخامسها - وهو منقول عن ابن الجنيد انها ثلاث تسبيحات غير مرتبة، قال - على ما نقله عنه في المختلف -: والذي يقال في مكان القراءة تحميد وتسبيح وتكبير يقدم ما يشاء. واستدل له بالخبر الثامن (5) من الاخبار المتقدمة وصحيحة عبيد بن زرارة (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين الاخيرتين من الظهر قال تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء " وهذه الرواية
(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 412 (2) و (6) الوسائل الباب 42 من القراءة (3) ج 18 الصلاة ص 352 (4) ص 7 (5) ص 292
[ 415 ]
اسندها المحقق في المعتبر الى زرارة ولم يذكر فيها " وان شئت.. " والظاهر كونها رواية اخرى غير رواية عبيد بن زرارة (1). وسادسها - القول بالتخيير بين الصور الواردة في الاخبار، واليه ذهب السيد الجليل جمال الدين أبو الفضائل احمد بن طاووس صاحب البشرى والمحقق في المعتبر وان جعل القول الاول اولى. قال في المعتبر بعد نقل القول الاول والاستدلال عليه بصحيحة زرارة وهو الخبر الخامس عشر (2) ثم القول بالتسع ونقل عليه صحيحة زرارة المتقدمة في الخبر الاول (3) ثم القول بالاثنى عشر ولم ينقل له دليلا ثم ذكر صحيحة عبيد بن زرارة إلا انه اسندها الى زرارة على الوجه الذي قدمناه ثم صحيحة الحلبي التي قدمناها دليلا لابن الجنيد وهي الخبر الثامن (4) ثم قال: اختلفت الرواية ايهما افضل ؟ ففي رواية (5) " هما سواء " وفى اخرى (6) التسبيح وفي رواية (7) " انه ان كنت اماما فالقراءة افضل وان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل " والوجه عندي القول بالجواز في الكل إذ لا ترجيح وان كانت الرواية الاولى اولى وما ذكره في النهاية احوط لكن ليس بلازم. انتهى. وظاهر هذا الكلام انه جمع بالتخيير بين روايات القراءة وروايات التسبيح من غير تفصيل وكذلك بين اخبار صور التسبيح والمنقول عنه في المدارك ذلك بالنسبة الى صور التسبيح، ورواياته وكلامه كما ترى عام له وللاختلاف في ترجيح القراءة على التسبيح وبالعكس والتفصيل فانه اختار التخيير مطلقا وكلامه به الصق واليه اقرب. والى هذا القول مال جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - السيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المنتقى والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحدث الكاشاني في
(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 395 (2) ص 395 (3) ص 389 (4) ص 292 (5) على بن حنظلة ص 400 (6) من ص 389 الى 395 (7) منصور بن حازم 401
[ 416 ]
المفاتيح وهو قوى وان كان الاول اولى. ومما يؤيده اختلاف الاخبار في كيفية ذلك مع جودة اسانيد اكثرها وعدم مجال الحمل فيها على غير التخيير مضافا الى ما دل على اتساع الامر في ذلك من الاخبار مثل قوله في صحيحة زرارة المتقدمة (1) " انما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء " وفي صحيحته الاخرى (2) " تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء " وفى صحيحة عبيد بن زرارة (3) " وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء ". ومن ذلك يظهر قوة القول الثالث فانه لا اشكال فيه إلا من حيث زيادة التكبير في آخره وإلا فما تضمنه من التسبيحات التسع قد عرفت دليله ويكفي في ثبوت التكبير فيه اطلاق الصحيحتين المذكورتين. وينقل عن بعض المتأخرين التوقف في ذلك بناء على عدم الوقوف في ذلك على نص بالخصوص والظاهر ضعفه لما قلناه. وربما دل اطلاق هذه الصحاح المشار إليها على عدم اعتبار ترتيب معين وبذلك صرح المحقق في المعتبر ومال إليه بعض المتأخرين، إلا انه يمكن خدشه بان اطلاقها يجب تقييده بالاخبار الدالة على الترتيب مضافا الى وجوب تحصيل يقين البراءة من التكليف الثابت بيقين. وبما ذكرناه صرح في الذكرى فقال هل يجب الترتيب فيه كما صوره في صحيحة زرارة ؟ الظاهر ذلك اخذا بالمتيقن ونفاه في المعتبر للاصل. هذا، ويفهم من كلام البعض اتحاد القولين الاخيرين حيث انه استدل لابن الجنيد بصحيحتى زرارة المشار اليهما وصحيحة عبيد بن زرارة. والظاهر تغايرهما حيث ان صريح عبارة ابن الجنيد التخصيص بالتحميد والتسبيح والتكبير فهو كسائر الاقوال المتقدمة في التخصيص باذكار مخصوصة وانما يخالفها في عدم وجوب الترتيب، وصريح المنقول عن صاحب البشرى وكذا كلام المحقق في المعتبر جواز العمل بكل ما روى في المسألة، واما الاستدلال لابن الجنيد بتلك الصحاح المشار إليها فغير مطابق لصريح
(1) ص 390 (2) ص 389 (3) ص 414
[ 417 ]
عبارته حيث ان صحيحتي زرارة عاريتان عن لفظ التحميد الموجود في عبارة ابن الجنيد مع زيادة التهليل والدعاء فيهما وصحيحة عبيد غير متضمنة للتكبير مع زيادة الاستغفار فيها. وبالجملة فالتغاير امر ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر فضلا عن الخبير الماهر. بقى هنا شئ يجب التنبيه عليه وهو ان ظاهر رواية علي بن حنظلة ربما دلت على اجزاء مطلق الذكر حيث قال فيها (1) " ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وان شئت فاذكر الله تعالى " وقد صرح باستفادته منها جمع من افاضل المتأخرين لكنهم ردوها بضعف السند فلا تنهض حجة باثباته فلم يقل به احد منهم لذلك. وظاهر شيخنا المجلسي (قدس سره) وقبله الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل الى ذلك لظاهر الخبر المذكور إلا ان ظاهر الفاضل المشار إليه التوقف بعد ذلك كما سيأتي في كلامه، واما شيخنا المشار إليه فظاهره الجزم بذلك حيث قال: والذي يظهر لي من مجموع الاخبار الاكتفاء بمطلق الذكر ثم الافضل اختيار التسع.. الى آخر ما قدمنا نقله عنه. اقول: لا يخفى على من لاحظ اخبار المسألة - وقد قدمناها جميعا - انه ليس فيها ما ربما يوهم ذلك إلا رواية علي بن حنظلة المذكورة وهي مع غض النظر عن المناقشة في سندها فلا تبلغ قوة في معارضة الاخبار الصحاح الصراح الدالة على خصوص التسبيح مع انها قابلة للتأويل والحمل على تلك الاخبار بحمل الذكر فيها على التسبيح المذكور في تلك الاخبار، ويؤيده ما في آخر الرواية المذكورة حيث قال الراوي في تمام الرواية بعد ان اجابه (عليه السلام) بما ذكرناه " قلت فاي ذلك افضل (2) ؟ قال هما والله سواء ان شئت سبحت وان شئت قرأت " فانه صريح في ان التخيير انما هو بين القراءة والتسبيح وهو مؤيد لحمل الذكر في الجواب الاول على التسبيح، ويعضد ذلك ان يقين البراءة انما يحصل بالتسبيح الذي استفاضت به الاخبار. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة: وهل يجزئ مطلقا الذكر ؟ يحتمل ذلك لاطلاق
(1) و (2) ص 400
[ 418 ]
رواية علي بن حنظلة مع كون اسنادها معتبرا الى ابن بكير إذ ليس فيه من يتوقف في شأنه إلا الحسن بن علي بن فضال وهو بمكان من الجلالة وكذا ابن بكير، والواسطة بينه وبين الامام (عليه السلام) وان كان مجهولا إلا ان ابن بكير ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يضر جهالة حال الواسطة، وفى التعليل المذكور في خبر عبيد بن زرارة نوع اشعار بجواز الاكتفاء بمطلق التحميد والدعاء وان لم يكن دالا عليه بناء على ان عدم مدخلية خصوص المادة في العلية ليس بذلك الواضح، والاشعار المذكور مضافا الى رجحان دعوى عدم القائل بالفصل يؤيد جواز الاكتفاء بمطلق الذكر ويحتمل العدم لنوع تأمل في اسناد الخبر وعدم صراحته في المدعى ومخالفة ظاهره من التسوية لم سنحققه من تفضيل التسبيح وعدم قائل بهذه التوسعة صريحا، مع ان التكليف اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. انتهى. والمعتمد هو ما ذكره اخيرا لما حققناه اولا. واما ما ذكره من الوجوه اولا فهي وجوه مدنفة عليلة ليس في التعرض لبيان ضعفها كثير فائدة بعد ما عرفت. والله العالم.
(المقام الثاني) - المشهور بين الاصحاب بقاء التخيير لناسي القراءة في الاوليين، وقال الشيخ في المبسوط ان نسى القراءة في الاولتين لم يبطل تخيره والاولى القراءة لئلا تخلو الصلاة منها وقال ابن ابي عقيل من نسى القراءة في الركعتين الاولتين وذكر في الاخيرتين سبح فيهما ولم يقرأ شيئا لان القراءة في الركعتين الاولتين والتسبيح في الاخيرتين. قال في الذكرى: وقد روى انه إذا نسى في الاولتين القراءة تعين في الاخيرتين ولم نظفر بحديث صريح في ذلك لكن روى محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) في ناسي الفاتحة لا صلاة له (1). ونقل عن الشيخ في الخلاف تعين قراءه الحمد في الاخيرتين على ناسي القراءة في الاوليين
(1) الوسائل الباب 1 من القراءة
[ 419 ]
نقل ذلك عنه السيد السند في المدارك والمحدث الكاشاني في المفاتيح والمجلسي في البحار والذي نقل عنه الشهيد في الذكرى انه قال: ان نسى القراءة في الاولتين قرأ في الاخيرتين. وهو اعم من ذلك. وكتاب الخلاف لا يحضرني الآن لكن بعض الاصحاب قد نقل عبارته بما هذا لفظه: تجب القراءة في الركعتين الاولتين وفي الاخيرتين والثالثة يتخير بين القراءة والتسبيح ولابد من واحد منهما فان نسى القراءة في الاولتين قرأ في الاخيرتين، وروى (1) ان التخيير قائم. وقال الشافعي تجب قراءة الحمد في كل ركعة وقال مالك تجب القراءة في معظم الصلاة وقال داود واهل الظاهر انما تجب في ركعة واحدة (2) دليلنا اجماع الفرقة وايضا قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر منه " (3) وهذا قد قرأ وتكراره يحتاج الى دليل. وقول النبي (صلى الله عليه وآله) (4) " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " يدل على ذلك ايضا لانه لم يذكر التكرار. وروى علي بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الركعتين.. الحديث " كما تقدم (5) ثم قال ومن قال لا يبطل التخيير مع النسيان استدل بما رواه معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه
(1) في صحيحة معاوية بن عمار الآتية (2) في المغنى ج 1 ص 485 " يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في الصحيح من المذهب وهو مذهب مالك والاوزاعي والشافعي، وعن احمد انها لا تجب إلا في ركعتين من الصلاة ونحوه عن النخعي والثوري وابى حنيفة، وعن الحسن انه ان قرأ في ركعة واحدة اجزاه وعن مالك ان قرأ في ثلاث اجزأه لانها معظم الصلاة " وارجع ايضا الى التعليقة 2 ص 398 (3) سورة المزمل، الآية 20 (4) في صحيح مسلم ج 1 ص 155 باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة والبخاري باب وجوب القراءة للامام والمأموم عن عبادة بن الصامت عن النبي " ص " " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (5) ص 400
[ 420 ]
السلام) (1) قال: " قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاولتين فيذكر في الركعتين الاخيرتين انه لم يقرأ ؟ قال اتم الركوع والسجود ؟ قلت نعم. قال اني اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها " وانما قلنا الاحوط القراءة في هذه الحال لما رواه الحسين ابن حماد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اسهو عن القراءة في الركعة الاولى ؟ قال اقرأ في الثانية. قلت اسهو في الثانية ؟ قال اقرأ في الثالثة. قلت اسهو في صلاتي كلها ؟ قال إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك ". انتهى والظاهر من هذا الكلام ان حكمه اولا بالقراءة في الاخيرتين وان كان محتملا الوجوب إلا ان آخر كلامه يكشف عن كون ذلك على سبيل الاولوية والاحتياط لا على جهة التعيين كما نقله في المدارك وتبعه من تبعه عليه على عادتهم غالبا من حسن الظن به في ما ينقله، ويؤيد ما قلناه ما ذكره في الذكرى حيث قال بعد ذكر رواية الحسين بن حماد المذكورة: وقال في الخلاف ان نسى القراءة في الاولتين قرأ في الاخيرتين واحتج بهذه الرواية واورد رواية معاوية بن عمار الآتية دليلا على بقاء التخيير ثم جعل القراءة احوط. انتهى وبذلك يتبين لك ما في نقل اولئك الفضلاء من القصور. واجاب في المختلف عن رواية الحسين بان الامر بالقراءة لا ينافي التخيير فان الواجب المخير مأمور به. ونحوه الشهيد في الذكرى ايضا. وفيه ان ظاهر الامر الايجاب عينا والتخيير يحتاج الى دليل من خارج ليخرج عن ظاهر الامر. والتحقيق في المقام ان ما استدلوا به على التخيير في الصورة المذكورة من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة فالظاهر انه لا دلالة فيها على ما ادعوه لان الظاهر من هذه الرواية وروايات اخر في معناها ايضا ان المراد بجعل آخر الصلاة اولها انما هو بقراءة الحمد والسورة في الاخيرتين كما سيأتي في مسألة المسبوق في باب صلاة الجماعة.
(1) و (2) الوسائل الباب 30 من القراءة
[ 421 ]
ومن اخبارها مرسلة احمد بن النضر عن رجل عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال " قال لي: اي شئ يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان ؟ قلت يقولون يقرأ في الركعتين بالحمد وسورة. فقال هذا يقلب صلاته فيحمل اولها آخرها. فقلت فكيف يصنع ؟ فقال يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة ". وبذلك يظهر ان المراد من رواية معاوية بن عمار المذكورة انما هو المنع من قراءة الحمد والسورة التي يترتب عليها قلب الصلاة لا قراءة الحمد وحدها التي هي احد الفردين المخيرين وانها تتعين هنا من حيث النسيان اولا. وبذلك يظهر ان ما ذكره في المختلف وتبعه عليه بعض من تأخر عنه من ان هذه الرواية كما لا دلالة لها على وجوب القراءة فهي تدل على افضلية التسبيح محل نظر. ويدل على وجوب القراءة في الصورة المذكورة - زيادة على رواية الحسين بن حماد المتقدمة بالتقريب الذي ذكرناه في بيان الاستدلال بها وجواب ما اعترضوا به على دلالتها - صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل نسى القراءة في الاولتين فذكرها في الاخيرتين ؟ فقال يقضي القراءة والتكبير والتسبيح الذي فاته في الاولتين في الاخيرتين ولا شئ عليه ". والظاهر ان هذه الرواية هي التي تقدمت الاشارة إليها في كلام الشهيد (قدس سره) في الذكرى من قوله: وقد روى انه إذا نسى في الاولتين القراءة تعين في الاخيرتين، وذكر انه لم يظفر بحديث صريح في ذلك فانه ربما نقل له ذلك مجملا ولكنه لم يقف على الخبر. والظاهر انه هذا الخبر - فانه كما ترى - صحيح صريح في الاتيان بالقراءة في الاخيرتين. وبعض المتأخرين نقل هذه الرواية عارية عن لفظ " في الاخيرتين " في آخر الخبر واجاب عنه بجواز ان يكون المراد انه يقضي القراءة بعد الفراغ من الصلاة إذ
(1) الوسائل الباب 47 من الجماعة (2) الوسائل الباب 30 من القراءة
[ 422 ]
ليس فيها تعيين زمان القضاء. وهو مسلم بالنسبة الى ما نقله من الرواية العارية عن اللفظ المشار إليه واما على ما نقلناه من وجوده كما هو المنقول في كتب الاخبار فلا وجه لكلامه ومن ذلك يظهر لك ان القول بوجوب القراءة في الصورة المذكورة ليس ببعيد لظاهر الخبرين المذكورين. وتأويلهما وان امكن إلا انه فرع وجود المعارض. والمعارضة بعموم الاخبار الدالة على التخيير وشمولها للناسي وغيره معارضة بما دل على عدم صحة الصلاة بدون الفاتحة من قوله (صلى الله عليه وآله) (1) " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ونحوه، فان اجابوا - بانه محمول على العامد جمعا بينه وبين ما دل على صحة صلاة ناسي الفاتحة في جميع الصلاة - اجبنا عن الاول بانه محمول على غير الناسي جمعا ومرجعه الى تخصيص عموم اخبار التخيير بهذين الخبرين والعمل بالخاص مقدم كما هو القاعدة المسلمة عندهم. وكيف كان فاولوية القراءة واستحبابها كما ذكره الشيخ مما لا يرتاب فيه وانما الكلام في الوجوب وقد عرفت ان ظاهر الخبرين ذلك إلا اني لم اقف على قائل به. والله هو العالم.
(المقام الثالث) - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب ان التخيير المجمع عليه في الاخيرتين بين الحمد والتسبيح انما هو في ما عدا اخيرتي المأموم في الرباعية واخيرته في الثلاثية، وذلك فانهم قد اختلفوا هنا في ما يجب على المأموم وجعلوا هذا الخلاف شعبة من الخلاف في اولتي المأموم بالنسبة الى جواز القراءة له وعدمه. واختلفوا في الاخيرتين هنا على اقوال نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض ولا بأس في التعرض لها وبيان ما هو الحق المستفاد من اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) فيها: الاول - وجوب القراءة مخيرا بينها وبين التسبيح كما لو كان منفردا جهرية كانت الصلاة أو اخفاتية، قال وهو قول ابي الصلاح وابن زهرة. اقول وهو صريح عبائر اكثرهم وكذا صريح كلام المرتضى (رضي الله عنه) قال: لا يقرأ المأموم خلف
(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 419
[ 423 ]
الموثوق به في الاولتين في جميع الصلوات.. الى ان قال: واما الاخيرتان فالاولى ان يقرأ المأموم أو يسبح وروى انه ليس عليه ذلك (1).
(الثاني) - استحباب قراءة الحمد وحدها في الجهرية والاخفاتية ونقله في الروض عن الشيخ بقول مطلق ولم يسنده الى كتاب والذي في النهاية وكذا في المبسوط لا دلالة فيه على ذلك لانه لم يذكر حكم الاخيرتين في كلامه فيجوز رجوعه الى ما قدمه في صدر كلامه من الاولتين، قال في النهاية: إذا تقدم من هو بشرائط الامامة فلا تقرأن خلفه سواء كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة أو لا يجهر بل تسبح مع نفسك وتحمد الله، وان كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة فانصت للقراءة فان خفى عليك قراءه الامام قرأت لنفسك، وان سمعت مثل الهمهمة من قراءة الامام جاز لك ان لا تقرأ وانت مخير في القراءة، ويستحب لك ان تقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الامام فيها بالقراءة وان لم تقرأها فليس عليك شئ. انتهى. ونحوه في المبسوط، وهو ظاهر كما ترى فيما قلناه إذ لا اشارة فيه الى الاخيرتين بوجه بل جميع ما ذكره من الاحكام بمقتضى سياق الكلام انما يرجع الى الاولتين.
(الثالث) - التخيير في الجهرية بين قراءة الحمد والتسبيح استحبابا، قال في الروض وهو ظاهر جماعة: منهم - العلامة في المختلف اقول قال العلامة في المختلف - بعد نقل الاقوال في مسألة القراءة خلف الامام وشطر من اخبار المسألة - ما هذا لفظه: والاقرب في الجمع بين الاخبار استحباب القراءة في الجهرية إذا لم يسمع ولا همهمة لا الوجوب وتحريم القراءة فيها مع السماع لقراءة الامام والتخيير بين القراءة والتسبيح في الاخيرتين من الاخفاتية. وانت خبير بان ظاهر كلامه هو الوجوب لا الاستحباب وذلك في الاخفاتية لا الجهرية كما نقل عنه فالنقل لا يخلو من الخلل في الموضعين المذكورين، وبالجملة
(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة
[ 424 ]
فكلام العلامة هنا يرجع الى القول الاول إلا انه خص ذلك بالصلاة الاخفاتية وظاهر قول الثلاثة المتقدمين العموم.
(الرابع) - سقوط القراءة والتسبيح ولم ينقل هذا القول في الروض مع انه صريح ابن ادريس (قدس سره) حيث قال: اختلفت الرواية في القراءة خلف الامام الموثوق به فروى (1) انه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات سواء كانت جهرية أو اخفاتية وهي اظهر الروايات والذي تقتضيه اصول المذهب لان الامام ضامن للقراءة بلا خلاف بين اصحابنا، وروي (2) انه لا قراءة على المأموم في الاولتين في جميع الصلوات الجهرية والاخفاتية إلا ان تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الامام فيقرأ لنفسه، وروى (3) انه ينصت في ما جهر فيه الامام بالقراءة ولا يقرأ هو شيئا ويلزمه القراءة في ما خافت، وروى انه بالخيار (4) في ما خافت فيه الامام، فاما الركعتان الاخيرتان فقد روى (5) انه لا قراءة على المأموم فيهما ولا تسبيح، وروى (6) انه يقرأ فيهما أو يسبح. والاول اظهر لما قدمناه. انتهى.
(الخامس) - التخيير بين القراءة والتسبيح والسكوت وافضلية الاول ثم الثاني، وهو قول ابن حمزة في الوسيلة كما نقله عنه في الذكرى. وهذا القول لم ينقله في الروض ايضا، قال في الكتاب المذكور: وإذا اقتدى بالامام لم يقرأ في الاولتين فان جهر الامام وسمع انصت وان خفى عليه قرأ وان سمع مثل الهمهمة فهو مخير وان خافت الامام سبح في نفسه، وفي الاخيرتين ان قرأ كان افضل وان لم يقرأ جاز وان سبح كان افضل من السكوت.
(السادس) - استحباب التسبيح في نفسه وحمد الله أو قراءة الحمد مطلقا، نقله في الروض عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد. وعندي ان عبارته ليست
(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 32 من الجماعة (2) السرائر ص 61
[ 425 ]
صريحة في ان ذلك في الاخيرتين بل ظاهرها كونه في الاوليين، حيث قال: ولا يقرأ المأموم في صلاة جهر بل يصغي لها فان لم يسمع وسمع كالهمهمة اجزأه وجاز ان يقرأ، وان كان في صلاة اخفات سبح مع نفسه وحمد الله، وندب الى قراءة الحمد في ما لا يجهر فيه. ولا تعرض فيها - كما ترى - للاخيرتين بل ظاهرها انه في الاوليين من الصلاة الاخفاتية يستحب له التسبيح والحمد لله، ثم روى استحباب قراءة الحمد في الحال المذكورة
(السابع) - ما اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة من تحريم القراءة في اخيرتي الاخفاتية حيث قال - بعد نقل جملة من عبائر الاصحاب في المقام وشطر من اخبار مسألة القراءة خلف الامام - ما لفظه: إذا عرفت هذا فاعلم ان الذي يترجح عندي بالنظر الى هذه الاخبار تحريم القراءة في الاخفاتية مطلقا سواء كانت في الاوليين ام في الاخيرتين. انتهى. اقول: الظاهر ان منشأ اختلاف هذه الاقوال في المقام هو اختلاف الاخبار عنهم (عليهم السلام) في القراءة خلف الامام واختلاف الاذهان في ذلك والافهام من المنع فيها عن القراءة مطلقا أو في الاوليين خاصة أو التفصيل بين الجهرية والاخفاتية. وانت خبير بان ما قدمناه من الاخبار المستفيضة على افضلية التسبيح في الاخيرتين شاملة بعمومها أو اطلاقها للمأموم والاخبار الدالة على التخيير والتساوي أو افضلية القراءة كذلك شاملة لا خيرتي المأموم ايضا، ويدل على خصوص المأموم وان الافضل له التسبيح الخبر الرابع وهو صحيح زرارة مكررا ذلك فيه والخبر التاسع والخبر الثالث عشر والسادس عشر (1) بالتقريب المذكور في ذيله. وليس في اخبار القراءة خلف الامام التي فرعوا عليها هذا الاختلاف ما يدل على خصوص الاخيرتين بل دلالتها على ذلك ان كان انما هو بالاطلاق، وحينئذ فقد تعارض الاطلاقان فلابد من تقييد احدهما بالآخر، والظاهر ان الاخبار الاولى اظهر في العموم والشمول لوضوح الدلالة فيها بالتقريبات التي وشحناها به كما
(1) ص 390 و 294 و 395 و 396
[ 426 ]
قدمناه سيما مع تأيدها بالاخبار التي اشرنا إليها مصرحة بالمأموم بخصوصه دون هذه الاخبار، فان من المحتمل فيها قريبا - بل هو الظاهر - اختصاص المنع من القراءة بحال المتابعة في الاوليين للامام وهو الموضع الذي تتعين فيه القراءة حتما وبه انقسمت الصلاة الى جهرية واخفاتية دون الاخيرتين بحيث لم تتعين فيهما القراءة بل كانت مرجوحة كما اوضحناه من اولوية التسبيح. وايضا فلو اختار الامام القراءة كانت قراءته اخفاتية كما هو المجمع عليه بينهم فكيف يترتب عليه حكم كلي بالنسبة الى المأموم من تحريم القراءة وعدمه أو التفصيل بالسماع وعدمه والانقسام باعتبار ذلك الى الجهرية والاخفاتية ؟ فانا وان سلمنا جريان هذه الشقوق فيما إذا اختار الامام القراءة المرجوحة باعتبار انه لا منافاة بين وجوب الاخفات والسماع والانصات كما قيل إلا انه لا يتم في ما إذا اختار التسبيح فكيف يصح الحكم بتحريم القراءة على المأموم مطلقا ؟ مع عدم جريان الدليل على تقدير تسليمه إلا في مادة اختيار الامام القراءة. والظاهر ان منشأ الشبهة في هذا الاختلاف هو ما اتفقت عليه كلمتهم من اصالة القراءة في الاخيرتين وان التسبيح انما تؤتى به عوضا عنها ولذا ترى اكثر عباراتهم بالتسبيح بلفظ البدلية عن القراءة فيقولون " ويجزئ بدلا عن القراءة التسبيح " ولا سيما بالنسبة الى الامام عندهم فان القراءة في حقه آكد، وقد عرفت ان الظاهر من الاخبار خلافه للنهى عن القراءة في تلك الاخبار الصحاح الصراح والنفي لها ودلالة صحيحة عبيد بن زرارة (1) على فرعية القراءة كما تقدمت الاشارة إليه. ومنه يظهر ان الاظهر هنا هو التخيير مع افضلية التسبيح كغيره حسبما حققناه سابقا. ومن الاخبار التي اعتمدوها هنا في ما ذهبوا إليه وبنوا عليها صحيحة عبد الرحمان ابن الحجاج (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة خلف الامام اقرأ خلفه ؟ فقال اما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه واما
(1) ص 414 (2) الوسائل الباب 31 من الجماعة
[ 427 ]
الصلاة التي يجهر فيها فانما امر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت وان لم تسمع فاقرأ " فان قضية الجعل الى الامام في الصلاة الاخفاتية بمعنى الاعتماد على قراءته والاكتفاء بها فلا يجوز للمأموم القراءة لذلك لا يتم كليا إلا في الاوليين لوجوب القراءة عليه فيهما حتما واما الاخيرتان فحيث كان مخيرا فيهما سيما مع افضلية التسبيح له كما اخترناه فكيف يتم الجعل إليه والاعتماد عليه في سقوط القراءة عن المأموم وتحريمها عليه ؟ والحال انه ليس القراءة عليه واجبة بل الافضل له التسبيح كما هو المفروض، وقضية الانصات في الجهرية اظهر فان تحريم القراءة من حيث وجوب الانصات لا يجرى إلا في الاوليين فان القراءة في الاخيرتين على تقدير اختيارها اخفاتية اجماعا، وجملة الروايات الواردة في هذا المجال كلها على هذا المنوال وان تفاوتت في وضوح الدلالة على ذلك. واما ما دل على المنع من القراءة خلف الامام بعمومه واطلاقه كقوله (عليه السلام) (1) " من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " ونحوه فهو غير معمول عليه عندهم على عمومه كما نبهوا عليه وشذ من قال به على عمومه. هذا، وما نقل من الرواية في كلام جملة منهم بعدم القراءة والتسبيح كما اختاره ابن ادريس لم اقف عليها في شئ من كتب الاخبار التي تحضرني الآن إلا انه قد روى الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (2) " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما بالحمد وهو امام يقتدى به ؟ قال ان قرأت فلا بأس. وان سكت فلا بأس " ومن المحتمل ان تكون هذه الرواية هي المشار إليها في كلامهم فان ظاهرها التخيير بين القراءة والسكوت إلا ان القول بذلك قول ابي حنيفة كما تقدم ذكره (3) فيجب حمل الرواية على التقية لذلك ولمعارضتها بالاخبار المستفيضة الدال اكثرها على التسبيح وجملة منها على القراءة أو الافضلية في احدهما أو
(1) و (2) الوسائل الباب 31 من الجماعة (3) ارجع الى التعليقة 2 ص 398
[ 428 ]
التخيير. وبه يظهر ان ما ذهب إليه ابن ادريس من اختيار السكوت غير جيد.
(المقام الرابع) - لو قلنا بالتخيير بين الصور المتقدمة كما هو احد الاقوال في المسألة - واختار المكلف الاتيان بما زاد على الاربع التسبيحات كما هو القول الاول من الاقوال المتقدمة أو الثلاث كما هو مذهب ابن الجنيد - فهل يوصف الزائد هنا بالوجوب أو الاستحباب ؟ قولان ظاهر العلامة في كتبه الفقهية - وبه صرح في كتبه الاصولية - الثاني محتجا عليه بجواز تركه ولا شئ من الواجب يجوز تركه. واعترضه شيخنا الشهيد الثاني في الروض بان قوله: " لا شئ من الواجب يجوز تركه " ان اريد تركه مطلقا يعني ولو الى بدل فمنعه واضح لانتقاضه بالواجبات الكلية كالتخييرية واخوتها، وان اريد به لا الى بدل فمسلم لكن المتروك له هنا بدل وهو الفرد الناقص بمعنى ان مقولية الواجب على الفرد الزائد والناقص كمقولية الكلي على افراده المختلفة قوة وضعفا، وحصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد بل من حيث انه الفرد الناقص، وقد وقع مثله في تخيير المسافر بين القصر والاتمام. وهذا هو التحقيق في المقام. انتهى والمشهور الاول وهو الذي جزم به في الروض ونسبه في الروضة الى ظاهر النص والفتوى والظاهر انه الاقوى، وعلى تقديره ففي المقام سؤالات: احدها - انه لقائل ان يقول ان اللازم مما ذكر امكان كون الزائد واجبا لكن إذا تحققت البراءة في ضمن الفرد الناقص لم يبق دليل على وجوب الزائد فنحن لا نستبعده لكن ننفيه حتى يقوم عليه الدليل. هكذا قرره في الروض ثم اجاب عنه بان الروايات الدالة على القدر الزائد الواقعة بصيغة الامر - كقوله (عليه السلام) في صحيحة حريز عن زرارة (1) " فقل سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله (ثلاث مرات) " وكون ذلك واقعا بيانا للواجب - تدل على
(1) ص 389
[ 429 ]
وصف الزائد بالوجوب ولما لم يتم وجوبه عينا للرواية الدالة على الاجتزاء بلاقل لزم القول بوجوبه تخييرا من جهة تأدي الواجب به وحصول الامتثال. هكذا حقق (قدس سره) الجواب والظاهر ان مراده يرجع الى منع تحقق البراءة في ضمن الفرد الناقص بقول مطلق بل انما يتم ذلك فيما لو قصد الامتثال بالناقص لكونه فردا ناقصا من افراد الواجب الكلي بان قصده اولا أو عدل إليه عند تمامه، اما إذا قصد الامتثال بالكامل وايقاع الناقص ضروري من حيث انه جزؤه فتحقق البراءة بالفرد الناقص والحال هذه ممنوع، كما انه لو قصد المكلف في مقام التخيير بين القصر والاتمام الامتثال بالاربع فانه لا يبرأ بما لو سلم ساهيا على الركعتين أو احدث أو فعل منافيا على القول باستحباب التسليم أو وجوبه خارجا، وحينئذ فدلالة الرواية على وصف الزائد بالوجوب من حيث انه جزء الواجب وهو مجموع التسبيحات التسع مثلا لا من حيث الزيادة واطلاق الزائد عليه مجازا بالنظر الى اختيار الفرد الناقص. هكذا ينبغي ان يحقق كلامه والا فلو سلم للسائل تحقق البراءة في ضمن الفرد الناقص مطلقا وانه يخرج به من العهدة وجعل مطرح الكلام في الزائد خاصة لم يتم الجواب بالتزام خطابه بالزيادة على وجه الايجاب إذ بعد الخروج عن عهدة الخطاب كيف يبقى الايجاب ؟ واورد بعضهم السؤال بما صورته: لقائل ان يقول لا ريب ان المكلف إذا اتى بالتسبيحة الواحدة منها برئت ذمته بذلك ولا مجال لقصده بالثانية والثالثة الوجوب إذ لا يعقل بعد ذلك في المأتى به وصف الوجوب. ثم اجاب عنه بما لفظه: ولك ان تقول لا ريب ان المأمور به هنا هو الامر الكلي الذي هو الموصوف بالوجوب ووجوده في الخارج انما هو في ضمن جزئياته وتحقق الكلي في ضمن جزئياته لا يلزم ان يكون على وجه واحد بل قد يتفاوت ذلك بالقوة والضعف فعلى هذا نقول كون التسبيحة الواحدة فردا للكلي مبرئا للذمة لا يمنع منه انضمام ما به يتحقق الفرد الكامل ويكون ذلك طريق البراءة. انتهى.
[ 430 ]
وانت خبير بما فيه مما اشرنا إليه آنفا فانه متى سلم كون التسبيحة الواحدة التي اتى بها احد افراد الكلي وان الذمة قد برئت بالاتيان بها فبعد براءة الذمة من ذلك الواجب الكلي بالاتيان باحد افراده كما هو المفروض كيف يعقل عود الوجوب واشتغال الذمة حتى يكون انضمام ما به يتحقق الفرد الكامل طريق البراءة ؟ والتحقيق في ذلك هو ما اشرنا إليه من التفصيل ودوران ذلك مدار قصد المكلف فانه متى قصد المكلف الصورة الناقصة من اول الامر أو عدل إليها قبل تجاوزها فلا ريب في صحة ما اتى به، وعلى هذا فالزيادة لا توصف بوجوب - لحصول البراءة بما اتى به وسقوط التكليف، ولعدم تعلق النية بهذه الزيادة والعبادات تابعة للقصود والنيات - ولا باستحباب لعدم الدليل عليه. نعم نفس الصورة الكاملة هي الموصوفة بالوجوب لانها احد افراد الكلي التخييري وبالاستحباب لانها الفرد الكامل منه لا هذه الزيادة كما توهموه، ومتى قصد المكلف الصورة الزائدة فالواجب هو مجموع تلك الصورة، وما اتى به من الصورة الناقصة ضمن هذه الصورة الكاملة لا يكون مبرئا للذمة ما لم يتعلق به قصد من اول الامر أو عدول إليه، ولو حصل براءة الذمة بها بمجرد الاتيان بها كما يوهمه ظاهر كلامهم للزم مثله في من قصد في مواضع التخيير اربعا ثم سلم ساهيا على الركعتين فانه يجتزئ بهما وتصح صلاته وان لم يقصدهما مع انه ليس كذلك. وبالجملة فان كلامهم هنا غير منقح وقد تقدم لنا تحقيق في ذلك في كتاب الطهارة في مسألة المسح من باب الوضوء. الثاني - انهم صرحوا بوصف الزائد بالاستحباب مع حكمهم بوجوبه تخييرا والوجوب والاستحباب حكمان متقابلان. واجاب عن ذلك جمع من الاصحاب: منهم - شيخنا الشهيد الثاني بحمل الاستحباب على العيني، قال بعد ان جزم بالوجوب التخييري ما لفظه: ويبقى اطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمولا على استحبابه عينا بمعنى كونه افضل الفردين الواجبين
[ 431 ]
وذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدي الواجب به وحصول الامتثال. انتهى. اقول: وبدلك يظهر الجواب عما اورده السيد السند صاحب المدارك في المقام من انه ان اريد بالاستحباب المعنى العرفي وهو رجحان الفعل مع جواز تركه لا الى بدل لم يمكن تعلقه بشئ من افراد الواجب التخييري، وان اريد به كون احد الفردين الواجبين اكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه إلا انه خروج عن المعنى المصطلح. انتهى وحاصل الجواب حينئذ التزام الشق الثاني من الترديد ولا محذور فيه بعد ظهور المراد فقد صرح به جملة من اجلاء الاصحاب. وربما اجيب عن ذلك ايضا بالتزام الشق الاول، وجواز ترك المندوب لا الى بدل من جهة ندبه لا ينافي عدم جواز تركه من جهة اخرى وهي جهة وجوبه التخييري باعتبار كونه احد افراد الواجب، وغاية ما يلزم اتصافه بالوجوب والاستحباب باعتبارين ولا امتناع فيه وانما يمتنع اتصافه بهما من جهة واحدة وهو غير لازم هنا. واجيب عنه ايضا بناء على ذلك بان الاستحباب متعلق بالفرد الكامل من افراد المخير ويجوز تركه لا الى بدل إذ لا يقوم مقامه في الكمال غيره، والبدل الحاصل من فعل الواجب انما هو بدل لهذا الفرد من حيث الوجوب لا من حيث الاستحباب. وانت خبير بان هذا الجواب راجع في المعنى الى ما قبله كما لا يخفى. ثم انه لا يخفى ان ظاهر كلامهم كون محل البحث ومطرح النزاع هو الزائد بعد الاتيان بالصورة الناقصة وقد اشرنا في جواب السؤال الاول الى عدم صحته بل ينبغي ان يجعل مطرح البحث هو مجموع التسبيحات الزائدة وهي الاثنتا عشرة أو التسع ايهما اتى بها فانه الموصوف بالوجوب التخييري والاستحباب الذاتي، واتصافها بالاول لكونها احد افراد الواجب التخييري وبالثاني لكونها الفرد الكامل، وكلام الاصحاب لا يخلو من الاجمال بل الاختلال وان اجبت تحقيق الحال زيادة على ما ذكرناه في هذا المجال فارجع الى ما حققناه في باب الوضوء في مسألة المسح على الرأس فانا قد استوفينا ثمة
[ 432 ]
الكلام بما لا يحوم حوله نقض ولا ابرام. والله الهادي لمن يشاء. الثالث - لو شرع في الزائد على الاقل فهل يجب عليه المضي فيه ويجب ايقاعه على الوجه المأمور به في الواجب من الطمأنينة وغيرها من الهيئات الواجبة ام يجوز تركه وتغييره عن الهيئة الواجبة ؟ يحتمل الاول لما تقدم من كونه موصوفا بالوجوب ولا ينافيه تركه بالكلية كما مر فيكون المكلف مخيرا ابتداء بين الشروع فيه فيوقعه على وجهه وبين تركه، ويحتمل الثاني لان جواز تركه اصلا قد يقتضي جواز تبعيضه وتغييره عن وصفه مع كونه ذكر الله تعالى بطريق اولى فيبقى حاله مراعى منظورا إليه في آخره، فان طابق وصف الواجب كان واجبا وترتب عليه ثواب الواجب وحكمه وإلا فلا، ولا قاطع باحد الامرين فليلاحظ ذلك. هكذا قرره في الروض سؤالا وجوابا. وقال بعض مشايخنا المتأخرين بعد نقل ملخص ذلك عنه ما لفظه: اقول لا يبعد ان يقال ان قصد الامتثال بالاقل فالحق الثاني لان الزائد حينئذ ليس بواجب فلا محذور في تركه وتغييره بل هو من قبيل الاذكان المأذون فيها في الصلاة عموما، وان قصد الامتثال بالفرد الزائد فالحق الاول لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص كما حررناه في ما سبق. انتهى. اقول: وهذا الكلام ناظر الى ما اشرنا إليه في جواب السؤال الاول ولكنه لا يخلو من نظر، وذلك لان ما ذكره (قدس سره) اولا بناء على قصد الامتثال بالاقل من انه لا محذور في ترك الزائد ولا تغييره متجه لو كان قصد المكلف من الاتيان بالزائد مجرد الذكر فانه لا محذور في تركه ولا تغييره عن وصفه اما لو قصد به التسبيح الموظف في المقام كما يعطيه مراعاة حاله في آخره على ما ذكره في الروض ولم يأت به على الوجه المأمور به مع انه قصد اولا الامتثال بالاقل ففيه اشكال، لانه مع قصد الامتثال بالاقل كما لا يكون الزائد واجبا لحصول البراءة بالاقل كذلك لا يكون مستحبا لعدم الدليل عليه. والركون في امثال هذه المقامات الى قضية الذكر لا يسد باب الايراد فان المكلف
[ 433 ]
لو فعل بعض الاذكار في الصلاة في مقام لم يعينه الشارع فيه معتقدا تعيينه واستحبابه هناك كان تشريعا محرما البتة. وما ذكره ثانيا - من انه ان قصد الامتثال بالفرد الزائد فالحق الاول لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص - متجه في مقام الزيادة على الناقص كما هو فرض المسألة، لاستلزامه مع القطع قبلها عدم الاتيان بما قصده من الفرد الزائد فلابد ان يوقعه على وجهه أو يتركه حذرا من تغيير الهيئة الواجبة، اما لو قطع على الناقص بعد قصد الفرد الزائد قاصدا العدول إليه فلم لا يجوز ذلك وما المانع منه ؟ وقد صرح المحقق في المعتبر في المسألة القصر والاتمام بانه يجوز لمن نوى الاتمام الاقتصار على الركعتين ولمن نوى القصر الاتمام ايضا، واستحسنه في المدارك فلم لا يجوز ان يكون هنا كذلك ؟ وبالجملة فانه قد تلخص مما ذكرنا ان الاظهر في المقام ان يقال انه متى قصد احد الافراد الزائدة وتجاوز الفرد الناقص فالظاهر وجوب الاتمام لما ذكرنا، ومتى قصد الفرد الناقص وزاد عليه قاصدا العدول الى احد الافراد الزائدة وجب ذلك ايضا، لان الظاهر انه لا فرق بين قصده اولا والعدول إليه ثانيا كما صرحوا به في صورة التخيير بين القصر والاتمام، وان قصد بالزائد مجرد الذكر فاولى بالصحة، واما انه يقصد به التسبيح الموظف ويقطع بعد تجاوز المرتبة الاولى وقبل بلوغ احدى المراتب الزائدة ففيه اشكال لما ذكرنا. تنبيه لا يخفى ان ما ذكر من الخلاف في المقام وما وقع فيه من النقض والابرام جار ايضا بالنسبة الى القدر الزائد على المسمى في مسح الرأس كما تقدم البحث فيه في كتاب الطهارة، وكذا في تكرير التسبيح في الركوع والسجود زيادة على القدر المجزئ وما يتأدى به اقل الواجب.
[ 434 ]
ونقل بعض مشايخنا المحققين المتأخرين عن شيخنا الشهيد في الذكرى انه اختار هنا وجوب الزائد مع انه اختار في المسح الزائد على المسمى الاستحباب التفاتا الى جواز تركه. قال وهو عجيب. ونقل عنه ذلك في الروض تفصيلا واستحسنه، قال واستقرب شيخنا الشهيد في الذكرى استحباب الزائد عن اقل الواجب محتجا بجواز تركه، قال هذا إذا اوقعه دفعة واحدة ولو اوقعه تدريجا فالزائد مستحب قطعا. وهذا التفصيل حسن لانه مع التدريج يتأدى الوجوب بمسح جزء فيحتاج ايجاب الباقي الى دليل والاصل يقتضي عدم الوجوب بخلاف ما لو مسحه دفعة واحدة إذ لم يتحقق فعل الواجب إلا بالجميع. انتهى. وقيل عليه ان ذلك مناف لما صرح به (قدس سره) في هذا المقام من وجوب الزائد من التسبيحات كما نص عليه في الروض ونسبه في الروضة الى ظاهر النص والفتوى إذ التدريج هنا ضروري فينبغي القطع باستحباب الثانية والثالثة من التسبيحات. ونقل عن شيخنا البهائي (قدس سره) انه فرق بين المسح والتسبيح بانه يجوز في التسبيح قصد استحباب الزائد على الواحدة بخلاف المسح فانه يجب قصد وجوب الزائد مطلقا حذرا من لزوم تكرار المسح. وهو تحكم وتعليله عليل. والذي يظهر لي ان ما ذكره الشهيدان (رفع الله مقامهما) من التفصيل المذكور صحيح لا غبار عليه، والايراد عليهما بمسألة التسبيح لا يصغى إليه ولا يلتفت إليه لظهور الفرق بين المقامين، لا كما نقل عن شيخنا البهائي بل من حيث ان وجه التخيير بالنسبة الى المسح غيره بالنسبة الى التسبيح، فان القول بالتخيير في التسبيح انما ادى إليه ضرورة الجمع بين الاخبار المختلفة في بيان كيفيته كما اشار إليه كلام الروض في ما تقدم في جواب السؤال الاول، والقول به في المسح انما نشأ من اطلاق الامر الصادق بمجرد المسمى ولو بجزء من اصبع وبالمسح بمجموع الثلاث الاصابع وما بينهما من الافراد، وافراد الكلي في الاول هي مجموع كل واحدة من الصور التي وردت بها النصوص وفي
[ 435 ]
الثاني هو كل مسحة اوقعها المكلف دفعة اعم من ان تكون يسيرة أو مستوعبة، وحينئذ فالمكلف إذا مسح تدريجا فقد ادى الواجب الذي هو مسمى المسح بهذا الجزء الذي قطع عليه، فايجاب المسح على الباقي بعد القطع على ذلك الجزء الذي حصل المسمى في ضمنه وبرئت الذمة به يحتاج الى دليل وليس، بخلاف التسبيح فان المكلف إذا تجاوز الصورة الناقصة قاصدا ايجاد الكلي في ضمن احدى الصور الزائدة لم يصدق انه اوجد الكلي في ضمن الناقصة، حيث انه لم يقصدها بالكلية وان كان حصولها ضروريا من حيث الجزئية، والعبادات تابعة للقصود والنيات وإلا لم تكن الافراد الزائدة افراد للواجب الكلي بالمرة، لان الصورة الصغرى حاصلة في ضمنها البتة فلو كان مجرد الاتيان بها وان لم تكن مقصودة موجبا لحصول الكلي في ضمنها وحصول البراءة اليقينية من التكليف لزم ما قلناه وفيه رد للاخبار الدالة على وجوبها المحمولة على الوجوب التخييري جمعا. والظاهر ان منشأ الايراد هو توهم كون محل الاتصاف بالاستحباب والوجوب التخييري هو الزائد على الصورة الناقصة كما تقدمت الاشارة إليه، إذ على تقديره لو جعل مناط الحكم بالوجوب والاستحباب هو الاتصال والانفصال تعين هنا الحكم بالاستحباب لتحتم انفصال التسبيحة الثانية والثالثة عما قبلها. ومما ذكرنا يعلم الكلام ايضا في تسبيح الركوع والسجود، فان قلنا ان الواجب فيهما هو مجرد الذكر كما هو احد القولين كان من قبيل المسح، وان قلنا ان الواجب هو التسبيح المخصوص فانه يأتي بناء على مذهب من يختار التخيير بين الافراد المروية أو بين بعضها ما يأتي في التسبيح في الاخيرتين على مذهب التخيير ايضا. وقد تقدم نقل الخلاف في التسبيح على تقدير القول به في الركوع والسجود بما ينتهي الى خمسة اقوال.
(المقام الخامس) - في فوائد مهمة يقع بها الختام والتتمة:
(الاولى) المشهور بين الاصحاب وجوب الترتيب في هذا التسبيح وظاهر القائلين بالتخيير بين صوره
[ 436 ]
الواردة في الاخبار العدم، ووجه كل منهما معلوم من دليله، اما الاول فحيث استند كل من القائلين بصورة معينة الى خبر مخصوص قد ورد بها لزمه القول بذلك على الكيفية الواردة، ووقوع الواو بين التسبيح والتحميد وبين التحميد والتهليل مثلا وان كانت للعطف الغير الموجب للترتيب فيها لكنها من كلام الامام (عليه السلام) في بيان الكيفية فهي جزء من اجزاء الكيفية المنقولة تختل باختلالها وليست من القول حتى يلزم جواز تقديم بعض المعطوفات على بعض الموجب لعدم الترتيب واما الثاني فحيث كان مستنده الجمع بين الاخبار المختلفة في الكيفية بالزيادة والنقصان والتقديم والتأخير مؤيدا باطلاق الصحاح المشار إليها آنفا كان عدم الترتيب متجها بناء على ذلك، وقد صرح به من القائلين بالتخيير المحقق في المعتبر. وبذلك يظهر ما في كلام جملة من الاعلام من الاجمال في هذا المقام، قال في الذكرى: هل يجب الترتيب فيه كما صوره في رواية زرارة ؟ الظاهر نعم اخذا بالمتيقن ونفاه في المعتبر للاصل مع اختلاف الرواية. وقال في المدارك: استقرب المصنف في المعتبر عدم ترتيب الذكر لاختلاف الرواية في تعيينه وهو غير بعيد وان كان الاحوط اتباع ما ورد به النقل بخصوصه. وقال في الذخيرة: الاقرب عدم اشتراط الترتيب في التسبيحات وفاقا للمحقق في المعتبر لاختلاف الروايات وهو اقوى دليل على ذلك، وخالف فيه المنصف والشهيد اقول: لا يخفى ان محل الخلاف في كلامهم غير محرر فان الخلاف في المسألة كما تقدم قد بلغ الى ستة اقوال، وهذا الخلاف انما يترتب على القول بالتخيير خاصة الذي هو احد تلك الاقوال، وإلا فان كل من ذهب الى صورة خاصة مستندا فيها الى رواية مخصوصة فان الواجب عنده هو الاتيان بما دل عليه دليله ولا معنى للخلاف فيه بعدم الترتيب، والمحقق هنا انما ذهب الى عدم الترتيب من حيث قوله بالتخيير خاصة وقد اوضحنا وجهه، والظاهر حينئذ ان من خالف المحقق هنا الى القول بالترتيب انما اراد
[ 437 ]
الاتيان بالفرد المخير باحدى الروايات الدالة على الترتيب كأن يختار مثلا صحيحة زرارة الدالة على التسبيحات الاربع أو الصحيحة الدالة على التسع أو نحو ذلك من الاقوال المتقدمة، ولا ريب انه الاحوط على تقدير هذا القول.
(الثانية) - المشهور بين الاصحاب وجوب الاخفات في تسبيح الاخيرتين بل ربما ادعى عليه الاجماع، واحتج عليه جملة من الاصحاب: منهم - الشهيد في الذكرى بالتسوية بينه وبين المبدل، ثم قال ونفاه ابن ادريس للاصل وعدم النص قلنا عموم الاخفات في الفريضة كالنص مع اعتضاده بالاحتياط. انتهى. وقال في المدارك: وذكر جمع من الاصحاب انه يجب الاخفات في هذا الذكر تسوية بينه وبين المبدل ونفاه ابن ادريس للاصل وفقد النص. واجاب عنه في الذكرى بان عموم الاخفات في الفريضة كالنص. وهو غير واضح وان كان الاحتياط يقتضي المصير الى ما ذكره. انتهى. اقول اما ما ادعوه - من وجوب كون التسبيح بدلا عن القراءة وهي اخفاتية فيجب الاخفات في البدل ايضا - فممنوع (اولا) بان المستفاد من الاخبار كما عرفت هو العكس وهو اصالة التسبيح في الاخيرتين وان القراءة فرع عليه ورخصة لا العكس كما ذكروه وان كان ظاهر كلامهم الاتفاق عليه كما تقدمت الاشارة إليه إلا ان اتفاق الاخبار الصحيحة على خلافه. و (ثانيا) انه مع تسليم البدلية فوجوب التساوي بينه وبين المبدل منه في جميع الاحكام ممنوع. واما ما ادعاه - من ان عموم الاخفات في الفريضة كالنص - ففيه ان المتبادر الظاهر من الاخبار الدلالة على الاخفات انما هو بالنسبة الى القراءة لاما يشمل التسبيح بل القراءة في الاوليين ايضا لا الاخيرتين. وانقسام الفريضة الى جهرية واخفاتية انما هو بالنظر الى القراءة في الاوليين كما تقدم تحقيقة في اخبار القراءة.
[ 438 ]
نعم ربما يشير الى ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما بالحمد وهو امام يقتدى به ؟ قال ان قرأت فلا بأس وان سكت فلا بأس " فان الظاهر ان مراده بقوله " يصمت فيهما الامام " أي يخافت ففيه اشارة الى ان السنة في ما يؤتى به في الاخيرتين هو الاخفات وان كان مورد الرواية الامام خاصة. والرواية وان كانت قاصرة عن افادة العموم إلا انها لا تخلو من نوع تأييد. ويحتمل في الرواية معنى آخر ولعله الاظهر وهو ان المراد بالصمت في الموضعين هو السكوت، وحاصل المعنى انه سأل عن الركعتين اللتين يسكت فيهما الامام - والمراد بهما الاخيرتان - هل يقرأ فيهما بالحمد ؟ فأجاب (عليه السلام) بالتخيير بين الحمد والسكوت، وقد تقدم ان ذلك مذهب ابن ادريس، فيكون الخبر محمولا على التقية لان ذلك مذهب ابي حنيفة كما تقدم ذكره (2). وبالجملة فالظاهر ان هذا الذكر كسائر الاذكار التي يتخير فيها بين الجهر والاخفات كما يشير إليه بعض الروايات وان كان الاخفات اولى لشهرته بين الاصحاب بل دعوى الاجماع في الباب مع تأيده بظاهر الخبر المتقدم. والله العالم.
(الثالثة) لو شرع في القراءة أو التسبيح فهل يجوز له العدول الى الآخر ام لا ؟ قال في الذكرى: الاقرب انه ليس له العدول الى الآخر لانه ابطال للعمل ولو كان العدول الى الافضل، مع احتمال جوازه كخصال الكفارة وخصوصا الى الافضل. انتهى وقال في المدارك ايضا: الظاهر جواز العدول من كل منهما الى الآخر خصوصا مع كون المعدول إليه افضل. اقول: لا ريب في ضعف التعليل الذي ذكره في الذكرى والمسألة محل توقف لعدم النص في المقام وان كان القول الثاني لا يخلو من قرب.
(الرابعة) قال في الذكرى: ولو شرع في احدهما بغير قصد إليه فالظاهر
(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة (2) ص 398
[ 439 ]
الاستمرار عليه لاقتضاء نية الصلاة فعل ايهما كان. ولو كان قاصدا الى احدهما فسبق لسانه الى الآخر فالاقرب ان التخيير باق فان تخير غيره اتى به وان تخير ما سبق إليه لسانه فالاجود استئنافه لانه عمل بغير نية. انتهى. اقول: لا يخفى انه لا خلاف نصا وفتوى في ان ما يأتي به من افعال الصلاة ساهيا صحيح وان كان بغير نية للاكتفاء بالنية الاجمالية في اول الصلاة، فان نية الصلاة التي هي عبارة عن مجموع هذه الافعال نية لكل منها، وحينئذ فان ما سبق إليه لسانه من جملة ذلك وان كان في نيته وقصده سابقا على وقت الشروع فيه الاتيان بالفرد الآخر فحكمه بوجوب الاستئناف لانه بغير نية مما لا وجه له، على ان ما يشعر به كلامه من اشتراط النية والقصد الى احدهما حسبما ذكروه في القراءة من وجوب القصد الى سورة مخصوصة ممنوع إذ لم يقم عليه دليل لا في هذا الموضع ولا في ذلك كما تقدم تحقيقه. ولعله بنى هنا على ما صرحوا به في القراءة وقد عرفت انه لا دليل عليه. وكيف كان فالاحوط ما ذكره (قدس سره).
(الخامسة) - قال في الذكرى ايضا: تجب فيه الموالاة الواجبة في القراءة ومراعاة اللفظ المخصوص به باللسان العربي فلا تجزئ ترجمته. نعم لو اضطر إليه ولم يمكنه العربية فالاقرب جوازه لما سبق في التكبير والاذكار في الاوليين. اقول: اما وجوب الموالاة فلا اعرف عليه دليلا إلا الحمل على القراءة وقضيه البدلية. وفيه ما عرفت آنفا. وباقي ما ذكره وجهه واضح.
(السادسة) - قال في الذكرى ايضا: ليس فيه بسملة لانها جزء من القراءة لا من التسبيح. والاقرب انها غير مسنونة هنا ولو اتى بها لم يكن به بأس. انتهى. اقول: ربما يشعر قوله " والاقرب انها غير مسنونة " باحتمال كونها مسنونة وان كان خلاف الاقرب. وهو غير جيد لان العبادة مبنية على التوقيف وحيث لم يرد النص بها كان اعتقاد شرعيتها هنا تشريعا محرما، ومن ذلك يظهر لك ما في قوله:
[ 440 ]
ولو اتى بها لم يكن به بأس " فان الاتيان بها ان كان لاعتقاد شرعيتها ففيه ما ذكرنا وان كان من حيث انها ذكر فلا ثمرة في التخصيص بهذا المقام.
(السابعة) - قد صرح جمع من الاصحاب بانه لو شك في عدد التسبيح بنى على الاقل لانه المتيقن، ولو ذكر الزيادة فلا بأس.
(الثامنة) قال في الذكرى: المشهور انه لا يستحب الزيادة على اثنى عشر. وقال ابن ابي عقيل يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " سبعا أو خسما وادناه ثلاث في كل ركعة. ولا بأس باتباع هذا الشيخ العظيم الشأن في استحباب تكرار ذكر الله. انتهى. وانت خبير بما فيه، فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل. واما ما يوهمه كلامه من كون المستند في ذلك كونه ذكرا ففيه ما اشرنا إليه مرارا من ان ذلك نوع مجازفة في البحث، فان قضية الذكر انما تصلح مستندا فيما إذا كان القصد لذلك واما مع اعتقاد التوظيف بمحل مخصوص أو كيفية مخصوصة من غير ورود اثر بذلك فهو تشريع محض، وبالجملة فالاحتياط في عدم تجاوز الصورة المنصوصة. والله العالم.
<>