تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء التاسع


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله اجمعين

 

المقصد الثاني

في ما يلحق الصلاة من قواطعها وسهوها وشكوكها

وتفصيل الكلام فيه يتوقف على بسطه في مطالب:

الأول

في قواطعها

ومنها ما يقطعها عمدا وسهوا على الخلاف الاتى ومنها ما لا يقطعها إلا عمدا، ومنها ما يكون الافضل تركه وان لم يقطعها، واطلاق القطع عليه تجوز باعتبار قطع فضلها، فههنا مقامات ثلاثة:

(الاول) - في ما يقطعها عمدا وسهوا، لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بترك الطهارة عمدا أو سهوا، والظاهر ان الحكم المذكور اجماعي نصا وفتوى، وكذا لا خلاف في بطلانها بمبطلات الطهارة من حدث اكبر أو اصفر إذا كان عن عمد،، نقل الاجماع على ذلك جماعة من الاصحاب: منهم - العلامة. إلا ان الظاهر من كلام ابن بابويه - كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة من ترك ركعتين من الصلاتين ساهيا فانه يأتي بهما وان بلغ الصين - خلافه


[ 3 ]

ويمكن الحاق هذا الفرد بالسهو ايضا على نحو مسألة من تكلم في الصلاه عامدا بعد التسليم بناء على تمام صلاته ثم ظهر نقصانها فانه يتمها وتكون صلاته صحيحة فلا يخالف الاجماع المدعى في المقام. إنما الخلاف في ما لو احدث ساهيا، فاقول المشهور البطلان بل ادعى عليه العلامة في التذكرة الاجماع ففال انه مبطل للصلاة اجماعا. وقال في النهاية لو شرع متطهرا ثم احدث ذاكرا للصلاة أو ناسيا لها بطلت صلاته اجماعا إذا كان عن اختياره، ونسبه المحقق في المعتبر الى الخمسة. إلا ان كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا لا يخلو من اجمال، فان ظاهر كلامهم ان محل الخلاف في المسألة من أحدث في صلاته ساهيا، والمتبادر من هذا انه احدث بانيا على انه ليس في الصلاة بل سها عن كونه فيها، فهو في الحقيقة متعمد للحدث لكنه ساه عن الصلاة كمن تكلم في الصلاة ساهيا، فان كلامه وان كان عن تعمد إلا انه سها عن كونه في الصلاة، مع ان القول المنقول عن المرتضى والشيخ في هذا المقام وهو اعادة الوضوء والبناء إنما هو في من سبقه الحدث أي خرج منه من غير اختياره، قال في المنتهى اما الناسي إذا سبقه الحدث فان اكثر اصحابنا أو جبوا عليه الاستئناف بعد الطهارة، وقال الشيخ في الخلاف والسيد المرتضى في المصباح إذا سبقه الحدث ففيه روايتان وهكذا عبائر من نقل عنهما ذلك، والظاهر ان مرجع الجميع الى امر واحد وهو من أحدث غير متعمد لذلك في الصلاة اما بان يسبقه من غير اختياره أو بان يسهو عن كونه في الصلاة. وقد تقدم مذهب الشيخين في باب التيمم من تخصيص الحكم بالمتيمم إذا احدث في الصلاة لا عن عمد ثم وجد الماء فانه يتوضأ ويبنى. وكيف كان فالواجب الرجوع الى ما ورد في المسألة من الاخبار عنهم (عليهم السلام) وبيان ما يفهم منها في المقام: فنقول اما ما يدل على القول المشهور فمنه ما ذكره جملة من الاصحاب وهو ان الطهارة شرط في صحة الصلاة فيكون انتفاؤها موجبا لانتفاء الصلاة قضية للشرطية


[ 4 ]

ومنه - رواية ابى بكر الحضرمي عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما كانا يقولان: " لا يقطع الصلاة إلا اربعة: الخلاء والبول والريح والصوت " رواه الكليني عنه في الموثق. وما رواه الشيخ عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال " سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع ؟ قال ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وان خرج متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء وان كان في صلاته قطع الصلاة واعاد الوضوء والصلاة ". وما رواه الشيخ عن الحسن بن الجهم (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر أو العصر فاحدث حين جلس في الرابعة ؟ قال ان كان قال: " اشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " فلا يعيد وان كان لم يتشهد قيل ان يحدث فليعد ". وما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر (4) ونحوه في كتاب المسائل عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت منه ولا يجد ريحا ولا يسمع صوتا ؟ قال يعيد الوضوء والصلاة ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا ". ويعضده ايضا رواية ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة فقال ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء واعادة الصلاة وان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا اعادة وما رواه في التهذيب عن الحسين بن حماد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7)


(1) و (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة. (2) الوسائل الباب 5 من نواقض الوضوء. (6) الوسائل الباب 3 من نواقض الوضوء.


[ 5 ]

قال: " إذا احس الرجل ان بثوبه بللا وهو يصلى فليأخذ ذكره بطرف ثوبه فيمسحه بفخذه فان كان بللا يعرف فليتوضأ وليعد الصلاة وان لم يكن بللا فذلك من الشيطان، اقول يجب حمله على ما إذا لم يستبرئ قبل وضوئه. واورد على الدليل الاول ان المعتبر عدم وقوع شئ من اجزاء الصلاة بدون الطهارة واما اشتراط عدم تخلل الحدث في الاثناء فممنوع. وفيه ان الصلاة ليست عباره عن تلك الاجزاء بالخصوص من قراءة وركوع وسجود ونحوها بل هي عبارة عن ذلك وعن ما بينها من الانتقالات لقولهم (عليهم السلام) في ما تقدم (1) من الاخبار، تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وجواز بعض الافعال الخارجة عنها في اثنائها لدليل كغسل الرعاف ونحوه لا يستلزم جواز ما لا دليل عليه. واورد على الاخبار الطعن بضعف السند وهو على ما عرفت من طريقتنا غير واضح ولا معتمد، وبالجمة فالروات المذكورة ظاهرة في القول المذكور تمام الظهور إلا انها معارضة بما هو اصح سندا واكثر عددا من اخبار القولين الاخرين وها أنا اسوق لك جمله ما وقفت عليه من اخبار المسالة زيادة على ما تقدم وابين الوجه فيها بما اتضح لى دليله وظهر لى سبيله. فاقول - وبالله التوفيق - من الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اكون في الصلاة فاجد غمزا في بطني أو اذى أو ضربانا ؟ فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، فان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. قلت فان قلب وجهه عن القبلة ؟ قال نعم وان قلب وجهه عن القبلة، قال المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقل عنه: لو لم يكن الاذى والغمز ناقضا لم يأمره بالانصراف.


(1) ج 8 ص 478. (2) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.


[ 6 ]

وما رواه الشيخ عن ابى سعيد القماط (1) قال: " سمعت رجلا يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول وهو في الصلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانيه أو الثالثة أو الرابعة ؟ قال فقال إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس ان يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف الى مصلاه الذى كان يصلى فيه فيبنى على صلاته من الموضع الذى خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام. قال قلت وان التفت يمينا وشمالا أو ولى عن القبلة ؟ قال نعم كل ذلك واسع إنما هو ينمزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه ان يبنى على صلاته ". وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع ان يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ قال فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر " ومفهومه انه لو لم يستطع الصبر فانه يجوز له القطع، واما انه بعد القطع ما حكمه فالخبر بحمل في ذلك. ونحو ذلك قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) " وان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه من غير اضرار بالصلاة ". ويعضد ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بمسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " قلت له رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فاصاب الماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته التى صلى بالتيمم ". وفى الصحيح عن زرارة (5) قال: " قلت له رجل دخل في الصلاة وهو


(1) و (4) و (5) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة، والمسؤول في كتب الحديث هو أبو الحسن (ع). (3) ص 7.


[ 7 ]

متيمم فصلى ركعة واحدث فاصاب ماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ويبنى على ما مضى من صلاته التى صلى بالتيمم ". وهذان الخبران وان كان موردهما التيمم خاصة إلا انهما دالان على ان وقوع الحدث في الصلاة غير مبطل كما هو القول المشهور. ويزيده تأييدا ايضا ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن بابراهيم ابن هاشم عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) " في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الاخيرة وقبل أن يتشهد ؟ قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع الى المسجد وان شاء ففى بيته وان شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته ". وما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (2) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الاخير ؟ قال تمت صلاته وانما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد ". وما رواه الكليني عن عبيد بن زرارة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة احدث ؟ فقال اما صلاته فقد مضت وبقى التشهد وإنما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ وليعد الى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد ". وهذه الاخبار وان كان موردها خاصا بالحدث قبل التشهد الاخير إلا انه لا خلاف في وجوب التشهد وانه جزء من الصلاة وحينئذ فيكون الحدث واقعا في الصلاة وغير مبطل لها خلافا للمشهور كما عرفت. وظاهر الصدوق القول بهذه الاخبار الاخيرة حيث قال في الفقيه: ان


(1) و (3) الوسائل الباب 13 من التشهد. (2) الوسائل الباب 13 من التشهد. وفى الوسائل " عبيد بن زرارة " وفى التهذيب ج 1 ص 226 والوافى باب " الحدث والنوم في الصلاة " كما هنا.


[ 8 ]

رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة واحدثت فان كنت قد قلت الشهادتين فقد مضت صلاتك وان لم تكن قلت ذلك فقد مضت صلاتك فتوضأ ثم عد الى مجلسك فتشهد. انتهى. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: ويشمل ظاهر كلامه العمد ايضا ولا يخلو من قوة. انتهى. اقول - وبالله التوفيق والهداية الى سواء الطريق - لا يخفى ان الاخبار المتقدمة التى هي مستند القول المشهور وان ضعف سندها فانها هي الاوفق بالقبول والمطابقة للقواعد الشرعية والاصول مضافا الى الاحتياط المطلوب في الدين لذوى الالباب والعقول، وان ما سواها وان صح سندها بهذا الاصطلاح المحدث إلا انها لا تخلو من الخلل والقصور الزائد ذلك على ما فيها من المخالفة لاخبار القول المشهور. فاما صحيحة الفضيل بن يسار فلا دلالة فيها على محل البحث، فان ظاهرها إنما هو من وجد في بطنه تلك الاشياء من غمز أو أذى أو ضربان وشى، من هذه الاشياء ليس بحدث اصلا اتفاقا، وليس في سؤاله انه احدث فأمره (عليه السلام) بالانصراف عن الصلاة في تلك الحال وبقضاء الحاجة ثم الوضوء والبناء. واما جواب صاحب المدارك عن ذلك بان التعبير عن قضاء الحاجة بالانصراف شائع ليس في محله، فان هذا الكلام إنما هو من الامام (عليه السلام) ومحل الاشكال إنما هو في السؤال حيث لم يتضمن وقوع الحدث بالفعل وانما تضمن وقوع هذه الاوجاع الناشئة من حبس الغائط. ومثله في ما ذكرناه خبر القماط. نعم لقائل أن يقول انه يمكن حمل الخبرين المذكورين على من حصل له شئ، من هذه الامور المذكورة على وجه يخاف مبادرة الحدث وعدم امكان اتمام الصلاه فانه يجوز له قطع الصلاة وقضاء الحاجة والوضوء ثم البناء على ما فعل. ويشهد لذلك ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وكلامه (عليه السلام) في الفقه فانهما وان كانا مطلقين بالنسبة الى العود والبناء الا أنه ممكن حمل اطلاقهما على ما دل عليه الخبران المذكوران من العود بعد القطوع والبناء وتكون هذه الروايات داله على


[ 9 ]

هذا الحكم وان لم يقل به أحد من الاصحاب. وكيف كان فالخبران المذكوران بناء على ما ذكرناه خارجان عن فرض المسألة نعم فيهما دلالة على بطلان الصلاة بتخلل الحدث، والاظهر عندي حملهما على التقية (1) التى هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية. على ان فيهما ايضا اشكالا من وجه آخر وهو ما تضمناه من الفرق بين الكلام متعمدا وبين الاستدبار وان الصلاة تبطل بالاول دون الثاني وهو خلاف ما دلت عليه الاخبار وكلمة الاصحاب من غير خلاف يعرف. واما صحيحتا زرارة الواردتان بالنسبة الى المتيمم فقد تقدم البحث فيهما في باب التيمم، وقد تقدم (2) في كلام المحقق الشيخ حسن في المنتقى حمل الخبرين المذكورين على معنى لا يخالف الاخبار المتقدمة، وملخصه ان المراد بالصلاة في قوله " يبنى على ما مضى من صلاته "، هي الصلاة التى صلاها بالتيمم تامة قبل هذه الصلاة التى احدث فيها، ومرجعه الى أن هذه الصلاة قد بطلت بالحدث وانه يخرج ويتوضأ من هذا الماء الموجود ولا يعيد ما صلى بهذا التيمم وان كان في الوقت، قال: ويكون قوله (عليه السلام) في آخر الكلام: " التى صلى بالتيمم " قرينة قوية على ارادة هذا المعنى، فيكون مفاد الخبرين حينئذ عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة بالتيمم بعد وجدان الماء، وهو معنى صحيح وارد في اخبار كثيرة مضى بعضها. انتهى. وهو جيد وبه ينطبق الخبران المذكوران على مقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية مع قرب احتمال التقية (3). واما الاخبار الاخيرة الدالة على صحة الصلاة مع حصول الحدث بعد السجدة الاخيرة وقبل التشهد فقد تقدم البحث فيها في فصل التشهد.


(1) و (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 448 ج 8 والتعليقة 1 ص 387 ج 4. (2) ج 4 ص 392.


[ 10 ]

وبالجملة فان التمسك بذيل الاحتياط في أمثال هذه الاحكام طريق النجاة. والله العالم.

(المقام الثاني) - في ما يبطلها عمدا، قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان كل من أخل بواجب من واجبات الصلاة عمدا أو جهلا من اجزاء الصلاة كالقراءة والركوع والسجود أو صفاتها كالطمأنينة في حال القراءة مثلا أو شرائطها كالوقت والاستقبال وستر العورة بطلت صلاته، قالوا وهذه كلية ثابتة في جميع مواردها عدا الجهر والاخفات فان الجاهل يعذر فيهما كما تقدم في فصل القراءة. وههنا اشياء قد صرح بها الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب لابد من ذكرها تفصيلا والكلام فيها تحقيقا ودليلا:

(الاول) - وضع اليمين على الشمال حال القيام فوق السرة أو تحتها وهو المسمى بالتكتف والتكفير. وقد اختلف الاصحاب هنا في موضعين:

(الموضع الاول) في حكمه فالمشهور بين الاصحاب التحريم بل نقل المرتضى والشيخ عليه اجماع الفرقة، ونقل عن ابن الجنيد انه جعل تركه مستحبا وعن أبى الصلاح انه جعل فعله مكروها واختاره المحقق في المعتبر. واستدل على القول المشهور بالاجماع المنقول، وبالاحتياط، وبان أفعال الصلاة متلقاة من الشرع ولا شرع هنا، وبانه فعل كثير خارج عن الصلاة. وبما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى، قال ذلك التكفير فلا تفعل ". وعن حريز عن رجل عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) قال " لا تكفر إنما


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة


[ 11 ]

يصنع ذلك المجوس، ونحوه قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة المتقدمة في صدر الباب (1) " ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس ". اقول: ويدل عليه ايضا ما رواه في الخصال عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يجمع المؤمن يديه في صلاته وهو قائم بين يدى الله عزوجل يتشبه بأهل الكفر يعنى المجوس ". وروى في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال: " إذا كنت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى فان ذلك تكفير أهل الكتاب ولكن ارسلهما ارسالا فانه احرى ان لا تشغل نفسك عن الصلاة ". وروى الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " قال على بن الحسين (عليه السلام) وضع الرجل احدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل ". وروى على بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع احدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه ؟ قال لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له. قال على قال موسى (عليه السلام) سألت ابى جعفر (عليه السلام) عن ذلك فقال اخبرني ابى محمد بن على عن ابيه على ابن الحسين عن ابيه الحسين بن على عن ابيه على بن ابى طالب (عليهم السلام) قال ذلك عمل وليس في الصلاة عمل ". قال بعض مشايخنا (قدس الله اسرارهم) " ليس في الصلاة عمل " أي لا ينبغى


(1) ج 8 ص 10 (2) و (4) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة (3) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة. (5) البحار ج 4 ص 155 وفى الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.


[ 12 ]

أن يعمل في الصلاة عمل غير أفعال الصلاة أو هو بدعة ولا يجوز الابتداع فيها أو هو فعل كثير كما فهمه بعض الاصحاب. قال المحقق في المعتبر: الوجه عندي الكراهة أما التحريم فيشكل لان الامر بالصلاة لا يتضمن حال الكفين فلا يتعلق بها تحريم لكن الكراهة من حيث هي مخالفة لما دل عليه الاحاديث من استحباب وضعهما على الفخدين. واحتجاج علم الهدى بالاجماع غير معلوم لنا وخصوصا مع وجود المخالف من اكابر الفضلاء. والتمسك بانه فعل كثير في غاية الضعف لان وضع اليدين على الفخدين ليس بواجب ولم يتناول النهى وضعهما في موضع معين فكان للمكلف وضعهما كيف شاء، واما احتجاج الطوسى (قدس سره) بان أفعال الصلاة متلقاة (قلنا) حسن لكن كما لم يثبت تشريع وضع اليدين لم يثبت تحريم وضعهما فصار للمكلف وضعهما كيف شاء وعدم تشريعه لا يدل على تحريمه لعدم دلالة التحريم. وقوله الاحتياط يقتضى ترك ذلك (قلنا) متى ؟ إذ لم يوجد ما يدل على الجواز ام إذا وجد، لكن الاوامر المطلقة بالصلاة دالة باطلاقها على عدم المنع (قوله) عندنا تكون الصلاة باطلة (قلنا) لا عبرة بقول من يبطل إلا مع وجود ما يقتضى البطلان اما الاقتراح فلا عبرة به. وأما الرواية فظاهرها الكراهة لما تضمنت من قوله " يتشبه بالمجوس، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بمخالفتهم ليس على سبيل الوجوب لانهم قد يفعلون الواجب من اعتقاد الالهية وانه فاعل الخير فلا يمكن حمل الحديث على ظاهره، فإذن ما قاله الشيخ أبو الصلاح من الكراهة اولى. انتهى. قال في المدارك بعد نقله: وهو جيد لكن في اقتضاء التشبيه ظهور الرواية في الكراهة نظر، مع أن رواية محمد بن مسلم المتضمنة للنهى خالية من ذلك. وبالجملة فحمل النهى على الكراهة مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة وهى منتفية فاذن المعتمد التحريم دون الابطال. انتهى. ومنه يعلم قول ثالث في المسألة ايضا وهو التحريم بغير ابطال، والى هذا القول أشار جده (قدس الله روحهما) في الروض


[ 13 ]

ورده بانه أحداث قول ثالث مخالف لما أجمع عليه الفريقان. وقال الشهيد في الذكرى بعد نقل كلام المحقق: قلت في بعض كلامه (قدس سره) مناقشة وذلك لانه قائل في كتبه بتحريمه وابطاله الصلاة، والاجماع وان لم لعله فهو إذا نقل بخبر الواحد حجة عند جماعة من الاصوليين. واما الروايتان فالنهى فيهما صريح وهو للتحريم على ما اختاره معظم الاصوليين، وخلاف العين لا يقدح في الاجماع، ولاتشبه بالمجوس فيما لم يدل دليل على شرعيته حرام واين الدليل الدال على شرعية هذا الفعل ؟ والامر بالصلاة مقيد بعدم التكفير الثابت في الخبرين المعتبرى الاسناد الذين عمل بهما الاصحاب (رضوان الله عليهم) فحينئذ الحق ما صار إليه الاكثر وان لم يكن اجماعا. انتهى. وجرى على نحوه الشهيد الثاني في الروض ايضا. اقول: ما ذكره الشهيدان (قدس الله سرهما) بالنسبة الى الاجماع هو الانسب بالقواعد الاصولية وما ذكره المحقق (قدس سره) هو الاوفق بالتحقيق. بقى الكلام في الروايات التى قدمناها مما ذكروه وما لم يذكروه ولا ريب ان مقتضى صيغة النهى فيها هو التحريم الى ان يقوم ما يوجب صرفه عن حقيقته، إلا ان عده في روايه حريز وصحيحة زرارة (1) في سياق جملة من المكروهات مما يثمر ظنا بكونه كذلك لقوله في الاولى، لا تكفر انما يصنع ذلك المجوس ولا تلثم ولا تحتفز ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك، وقوله في الثانية " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فانما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك فان ذلك نقصان في الصلاة (2) الحديث، ولاظاهر ان قوله، نقصان في الصلاة، راجع الى كل من هذه


(1) ص 10 و 11 (2) لفظ الحديث في فروع الكافي ج 1 ص 82 والوافى باب (الاقبال على الصلاة) والوسائل هكذا " فان ذلك كله نقصان من الصلاة "


[ 14 ]

الاشياء المذكورة وهو مؤيد للحمل على الكراهة، والى ذلك ايضا يشير قوله (عليه السلام) في رواية على بن جعفر المنقولة من كتابه (1) بعد قوله " لا يصلح ذلك " " فان فعل فلا يعود له " فانه مؤذن بالكراهة ايضا. وبالجملة فان المسألة لا تخلو من شوب تردد وان كان القول بالتحريم كما ذهب إليه في المدارك لا يخلو من قوة. والله العالم.

(الثاني) - في تفسيره، والتكفير في اللغة هو الخضوع وان ينحنى الانسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعله من يريد تعظيم صاحبه، ففى القاموس فسره بان يخضع الانسان لغيره. وفى النهاية الاثيرية هو أن ينحنى الانسان.. إلى آخر ما ذكر. وقد اختلف الاصحاب في تفسيره، فالفاضلان على انه عبارة عن وضع اليمين على الشمال وقيده العلامة في المنتهى والتذكرة بحال القراءة. وقال الشيخ لا فرق بين وضع اليمين على الشمال وبالعكس وتبعه ابن ادريس والشهيدان، ويدل على هذا القول ما تقدم من رواية صاحب كتاب دعائم الاسلام وهو ظاهر روايتي على بن جعفر المتقدمتين ايضا وبه يظهر قوة القول المذكور. قال بعض مشايخنا المتأخرين: والظاهر انه لا فرق في الكراهة أو التحريم بين أن يكون الوضع فوق السرة أو تحتها وبين أن يكون بينهما حائل أم لا وبين أن يكون الوضع على الزند أو على الساعد، وقد صرح بالجميع جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) واستكشل العلامة في النهاية الاخير. انتهى. اقول: ويدل على الاخير ما تقدم (2) في رواية على بن جعفر الثانية من قوله " يضع احدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه " وبه يضعف استشكال العلامة في ذلك.


(1) و (2) ص 11.


[ 15 ]

وكيف كان فلا ريب في جوازه حال التقية (1) بل وجوبه ان أدى تركه الى الضرر، ولو تركه حال التقية فالظاهر عدم البطلان لتوجه النهى الى أمر خارج عن العبادة. فائدة: روى العياشي في تفسيره عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له أيضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة ؟ قال لا بأس ان بنى اسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى فانزل الله على


(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 14 " يبحث عن وضع احدى اليدين على الاخرى (اولا) عن اصله، قال به الحنفية والشافعي واحمد واسحاق وعامة اهل العلم وهو قول ابى هريرة والنخعي والثوري وسعيد بن جبير وابى مجلز وابي ثور وابى عبيد وابن جرير وداود. والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتبعين ومن بعدهم وحكاه ابن المنذر عن مالك. وقال ابن الزبير والحسن البصري وابن سيرين يرسلهما وهو المشهور عن مالك وقال الليث بن سعد ان طال عليه الارسال وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. وقال الاوزاعي وهو مخير بين الوضع والارسال. و (ثانيا) في كيفيته وهى ان يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، وقال الاسبيحاتى وعند ابى يوسف يقبض بيده المنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، وفى المفيد يأخذ الرسغ بالخنصر والابهام وهو المختار. وفى الدراية يضع باطن اصابعه على الرسغ طولا ولا يقبض. واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بان يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى ويحلق بالخنصر والابهام على الرسغ. و (ثالثا) في مكان الوضع فعندنا - الحنفية - تحت السرة وعند الشافعي على الصدر، وقال الترمذي العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وضع اليمين على الشمال وراى بعضهم فوق السرة وبعضهم تحت السرة وكل ذلك واسع. و (رابعا) وقت الوضع والاصل فيه كل قيام ذكر فيه مسنون فيعتمد بيده اليمنى على اليسرى فلا يعتمد في حال القنوت وصلاة الجنازة والقيام عن الركوع وبين تكبيرات العيد الزوائد، وهذا هو الصحيح، وعند ابى على النسفى والامام ابى عبد الله يعتمد في كل قيام سواه ذكر فيه مسنون اولا ". (2) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة.


[ 16 ]

نبيه، خذ ما آتيتك بقوة " (1) فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها بجلد وقوة. ثم ذكرها في طلب الرزق فإذا طلبت الرزق فاطلبه بقوة ". اقول: الظاهر ان نفى البأس في الخبر المذكور خرج مخرج التقية وفيه اشارة الى ان التكفير يحصل بوضع اليد على الذراع كما قدمنا ذكره. وباقى الخبر لا يخلو من غموض واشكال فيحتمل أن يكون المراد بنبيه هنا هو موسى (عليه السلام) وما ذكر فيه من تماوت بنى اسرائيل يحتمل أن يكون راجعا الى تكفيرهم في الصلاة فان التكفير في هيئة التماوت وعلى هذا فالاية دالة على النهى عنه والامر بالدخول بقوة الذى هو عبارة عن وضع اليدين على الفخدين، وعلى تقدير كونه خطابا لنبينا (صلى الله عليه وآله) يكون المراد انه ينبغى لهذه الامة ان يأتوا بذلك من الارسال على الفخذين وعدم التكفير. والله العالم.

(الثاني) - الكلام بحرفين فصاعدا مما ليس بقرآن ولا دعاء، ولا خلاف في ذلك بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد نقل اتفاقهم على ذلك جمع: منهم - الفاضلان والشهيدان وغيرهم. ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصيحح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع ؟ قال ينفتل فيغسل انفه ويعود في الصلاة وان تكلم فليعد الصلاة، ورواه الشيخ عن محمد بن مسلم باسناد آخر صحيح (3) وكذا رواه الكليني عنه باسناد صحيح (4) وزاد عليه " وليس عليه وضوء "، وما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن عبد الخالق (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلى المكتوبة فيعرض له رعاف كيف


(1) سورة البقرة الاية 63 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. وفى التهذيب ج 1 ص 229 " يصلى بهم المكتوبة " وفى الوسائل والوافى باب (الرعاف والقئ والدم) والاستبصار ج 1 ص 403 كما هنا


[ 17 ]

يصنع ؟ قال يخرج فان وجد ماء قبل أن يتكلم فليغسل الرعاف ثم ليعد فليبن على صلاته ". وما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلاة ؟ فقال ان قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقى من صلاته وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته ". وقال في الفقيه: وفى رواية أبى بصير عنه (عليه السلام) (2) " ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة ". وقد تقدم قريبا (3) في صحيحة الفضيل بن يسار ورواية ابى سعيد القماط ما يدل على ذلك ايضا. وتمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل:

(الاولى) قد صرح بعضهم بان الكلام جنس لما يتكلم به سواء كان من حرف واحد أو اكثر إلا ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا تقييده بما تركب من حرفين فصاعدا، وظاهرهم الاجماع على ان الحرف الواحد الغير المفهم لا يسمى كلاما، نقل الاجماع على ذلك جمع: منهم - العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى. قال في المدارك: وقد قطع الاصحاب بعدم بطلان الصلاة بالكلام بالحرف الواحد لانه لا يسمى كلاما في العرف بل ولا في اللغة ايضا لاشتهار الكلام لغة في المركب من حرفين كما ذكره الرضى (رضى الله عنه) وان ذكر بعضهم انه جنس لما يتكلم به سواء كان على حرف واحد أو اكثر لان الاطلاق أعم من الحقيقة. انتهى ولا يخفى ما فيه فانه عدول عن ظاهر اللفظ المذكور إلا انه يمكن ان يقال


(1) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. (2) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة (3) ص 5 و 6


[ 18 ]

- كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع - ان الاحكام المودعة في الاخبار تبنى على ما هو الغالب المتكرر الذى يتبادر إليه الاطلاق وهو هنا إنما يصدق على ما كان من حرفين فصاعدا. ولعل إجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور مبنى على ذلك. نعم يبقى الكلام في الحرف الواحد المفهم مثل " ق " من " وقى يقى " و " ع " من " وعى يعنى " ونحو هما من الافعال المعتلة الطرفين، وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) دعوى صدق الكلام عليها لغة وعرفا بل هو كلام عند أهل العربية فضلا عن الكاملة لتضمنه الاسناد المفيد فيخدل في عموم الاخبار المتقدمة. ويمكن بناؤه على ان المحذوف في هذه الاوامر بمنزلة المذكور فيكون حرفين فصاعدا.

(الثانية) حيث قد عرفت ان الكلام عندهم هو ما تركب من حرفين فصاعدا وهو أعم من أن يكون موضوعا أو مهملا فالتكلم بالالفاظ المهملة مبطل اجماعا بالترتيب المذكور.

(الثالثة) الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في أن التنحنح والتأوه والانين والتنخم ونحوها مما لا يشتمل شئ منها على حرفين فانه غير مبطل لعدم صدق التكلم بذلك لغة ولا عرفا. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق (1) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسمع صوتا بالباب وهو في الصلاة فيتنحنح لتسمع جاريته أو أهله لتأتيه فيشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر من هو ؟ فقال لا بأس به ". وما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فانفخه إذا اردت


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. والرواية رواها في الفقيه ج 1 ص 242 ولم ينقلها صاحبا الوسائل والوافى إلا عنه. (2) الوسائل الباب 7 من السجود


[ 19 ]

السجود ؟ فقال لا بأس " ورواه في الفقيه مرسلا نحوه (1). إنما الكلام في ما إذا اشتمل على حرفين والظاهر انه غير مبطلا لان الحكم دائر مدار التسمية فما لم يسم كلاما لا يحصل به الابطال والسامع إنما يقول تنحنح أو تأوه أو نحو ذلك، وظاهر جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) الابطال به لصدق الكلام عليه باعتبار تضمنه حرفين. وفيه ما عرفت من أنه وان تضمن حرفين لكنه لا يقال في العرف أنه تكلم وإنما يقال تنحنح أوتنخم إو نحو ذلك والى ما ذكرنا يميل كلام المحقق في المعتبر حيث انه استحسن جواز التأوه بحرفين للخوف من الله عند ذكر المخوفات، قال وقد نقل عن كثير من الصلحاء التأوه في الصلاة، ووصف إبراهيم (عليه السلام) بذلك (2) يؤذن بجوازه. واستحسنه في المدارك. وفيه ان جواز ذلك إن كان من حيث خصوص ما ذكره من خوف الله ففيه انه لا دليل عليه مع صدق الكلام عرفا، والكلام عندهم مبطلا إلا ما استثنى وليس هذا منه، وان كان من حيث عدم تسميته كلاما عرفا كما ذكرنا فلا وجه للتقييد بما ذكره. قال في المنتهى: لو تنحنح بحرفين وسمى كلاما بطل صلاته. قال بعض مشايخنا بعد نقل ذلك عنه: وهذا الفرض مستبعد بل يمكن ادعاء استحالته إلا ان ينضم إليه كلام آخر. انتهى. وهو جيد فان مع صدق التنحنح عرفا فصدق الكلام والحال كذلك مستبعد بل محال كما ذكره إلا ان يصل هذين الحرفين بكلام يخرج بهما عن صدق التنحنح فيكون خارجا عن محل الفرض. نعم روى الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3)


(1) الوسائل الباب 7 من السجود (2) في قوله تعالى " ان ابراهيم لحليم اواه منيب " في سورة هود الاية 77، وقوله تعالى " ان ابراهيم لاواه حليم " في سورة التوبة الاية 115 (3) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. والسند في كتب الحديث هكذا " عن جعفر عن ابيه عن على (ع) "


[ 20 ]

ان عليا (عليه السلام) قال: " من أن في صلاته فقد تكلم " والاصحاب (رضوان الله عليهم) حملوه على الانين بحرفين والاظهر حمله على تأكيد الكراهة لما قلناه. ويمكن ايضا استثناء الانين من الحكم المذكور للخبر المشار إليه. ويؤيده ايضا ما رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: " ومن أن في صلاته فقد تكلم " ولعله الاجود فيكون الانين من جملة القواطع زائدا على الكلام ولا تعلق له به بوجه، ولا ضرورة الى تكلف اشتماله على المحرفين كما ذكروه.

(الرابعة) ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في بطلان الصلاة بالكلام بين أن يكون الكلام لمصلحة الصلاة أم لا ولا بين أن يكون لمصلحة اخرى غير الصلاة كانقاذ الاعمى والصبى إذا خيف عليهما التردي في بئر أو الوقوع في نار ونحو ذلك، ويفهم من المعتبر والمنتهى ان الحكم اجماعي. ونقل عن العلامة في التذكرة انه غير مبطل. والظاهر الاول لما رواه الشيخ عن اسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: " في رجل يصلى ويرى الصبى يحبوا الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشئ ؟ قال فلينصرف وليحرز ما يتخوف ويبنى على صلاته ما لم يتكلم ".

(الخامسة) قد تقدم انه يستثنى من الكلام المبطل ما إذا كان دعاء أو ذكرا أو قرآنا، ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق في تتمة الرواية المتقدمة عنه في المسألة الثالثة (3) " وعن الرجل والمرأة يكونان


(1) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. والرواية - كما في الفقيه ج 1 ص 232 والوسائل والوافى باب (الالتفات والفرقعة والتكلم) مرسلة لم تسند الى ابى بصير (2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة (3) ص 18 والرواية للصدوق لا للشيخ كما تقدم هناك


[ 21 ]

في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا " سبحان الله " ؟ قال نعم ويومئان الى ما يريدان، والمرأة إذا أرادت شيئا ضربت على فخذها وهى في الصلاة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل يكون في صلاته والى جانبه رجل راقد فيريد أن يوقظه فيسبح ويرفع صوته لا يريد إلا ليستيقظ الرجل أيقطع ذلك صلاته أو ما عليه ؟ قال لا يقطع ذلك صلاته ولا شئ عليه. وسألته عن الرجل يكون في صلاته فيستأذن انسان على الباب فيسبح ويرفع صوته ويسمع جاريته فتأتيه فيريها بيده ان على الباب انسانا هل يقطع ذلك صلاته وما عليه ؟ قال لا بأس لا يقطع ذلك صلاته ". وروى ان عليا (عليه السلام) (2) قال: " كانت لى ساعة أدخل فيها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان كان في الصلاة سبح وذلك اذنه وان كان في غير الصلاة اذن ". والروايات الدالة على استحباب الدعاء في الصلاة لنفسه ولاخوانه اكثر من ان يحيط بها المقام. واما جواز قراءة القرآن في الصلاة فلا يحضرني من الاخبار إلا صحيحة معاوية بن وهب (3) الدالة على قراءة امير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ابن الكواء لما قرأ " ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " (4) فانصت أمير المؤمنين (عليه السلام) الى ان كان


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. والسؤال الاول من الحديث ليس للشيخ وانما هو رواية قرب الاسناد وكتاب على بن جعفر راجع رقم 6 و 9 من الباب المذكور من الوسائل والوافى باب (ارادة الحاجة) والتهذيب ج 1 ص 230 (2) مستدرك الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة بادنى اختلاف في اللفظ (3) الوسائل الباب 34 من الجماعة (4) سورة الزمر الاية 65


[ 22 ]

في الثالثة فقرأ امير المؤمنين (عليه السلام) في جوابه " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " (1). وذكر بعض الاصحاب انه يجوز التنبيه بتلاوة القرآن كما لو أراد الاذن لقوم بقوله " ادخلوها بسلام آمنين " (2) أو لمن اراد التخطي على البساط بنعله " اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى " (3) أو اراد اعطاء كتاب من اسمه يحيى " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " (4). اقول: والظاهر ان من هذا القبيل ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل " قل هو الله احد " فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس، فان الظاهر ان المراد من الدعاء بها إنما هو بمعنى الطلب بمعنى يطلب بها الغير كما انه يطلب بالتسبيح كما تقدم. وبعض الاصحاب حمل الدعاء بها في الخبر على القنوت بالقرآن في الصلاة وجعله من قبيل التسبيح الذى ورد الاجتزاء به في القنوت. وبعض حمله على الدعاء وانه لا يشترط فيه الطلب بمعنى انه لا يشترط فيه أن يكون متضمنا للطلب. وقال في الوافى: لعل مراد السائل الرخصة في الاتيان بقراءة القرآن في غير محلها على وجه الدعاء والتمجيد طلبا لمعناها لا على وجه التلاوة. انتهى. والكل تكلف محض بل الظاهر ما ذكرناه فانه معنى صحيح لا يحتاج الى تكلف. وبما ذكرناه من الاخبار يعلم انه لو لم يقصد بالتسبيح أو القرآن سوى التفهيم فالظاهر صحة صلاته، ونقل عن العلامة في النهاية احتمال البطلان. ولو اتى بمفردات القرآن على غير الترتيب الذى هي عليه كان يقول " بسلام ادخلوها " فالظاهر - كما استظهر بعض الاصحاب - البطلان لانه ليس بقرآن فيكون كلاما اجنبيا.


(1) سورة الروم، الاية 59 (2) سورة الحجر، الاية 46 (3) سورة طه، الاية 12 (4) سورة مريم الاية 13 (5) الوسائل الباب 9 من القراءة


[ 23 ]

وقد صرح غير واحد بان اشارة الاخرس ليست بكلام. وفيه وجه ضعيف بالبطلان.

(السادسة) المشهور انه لا تبطل الصلاة بالكلام سهوا بل نفى عنه الخلاف جمع من الاصحاب: منهم - الفاضلان وغيرهما. ويدل عليه ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول " اقيموا صفوفكم " قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعده ؟ قال بعده ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتلكم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه ". وقد تقدم (3) في صحيحة الفضيل بن يسار " فان تكلمت في الصلاة ناسيا فلا شئ عليك ". وروى في الفقيه باسناده عن عقبة (4) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دعاه رجل وهو يصلى فسها فاجابه بحاجته كيف يصنع ؟ قال يمضى على صلاته " اقول: وفى حكمه ما لو ظن الفراغ من الصلاة فتكلم على الاشهر الاظهر وذهب الشيخ في النهاية آلى البطلان. لنا - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) " في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى انه قد اتم الصلاه وقد تكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين ؟ فقال يتم ما بقى من صلاته ولا شئ عليه ".


(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة (2) و (5) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (3) ص 5 (4) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة


[ 24 ]

وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه " وعن زيد الشحام (2) قال: " سألته عن الرجل.. ثم ساق الخبر الى ان قال (عليه السلام) وان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف فتكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فإنما عليه أن يتم الصلاة ما بقى منها فان نبى الله (صلى الله عليه وآله) صلى بالناس ركعتين ثم نسى حتى انصرف فقال له ذو الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدث في الصلاة شئ ؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين. فقام فاتم ما بقى من صلاته " ونحوه صحيحة سعيد الاعرج المتضمنة سهوه (صلى الله عليه وآله) (3). وما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن على بن النعمان الرازي (4) قال: " كنت مع اصحاب لى في سفر وانا امامهم فصليت بهم المغرب في الركعتين الاولتين فقال اصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم وكلموني فقالوا أما نحن فنعيد فقلت لكنى لا اعيد واتم بركعة فاتممت بركعة ثم سرنا فاتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذى كان من أمرنا فقال لى أنت كنت أصوب منهم فعلا إنما يعيد الصلاه من لا يدرى ما صلى "، اقول: الظاهر ان تصويبه (عليه السلام) للامام دونهم إنما هو بالنسبة الى أصل الحكم في المسألة بمعنى انه من سلم ساهيا على ركعتين فان حكمه الاتمام ما لم يأت بمناف من خارج دون الاعادة من رأس وإلا فان اعادة المأمومين في الصورة المذكورة في محلها لانهم على يقين من عدم تمام الصلاة وقد تكلموا في اثنائها عمدا بقولهم للامام " إنما صليت بنا ركعتين " فالاعادة في محلها لذلك، وامام الامام ففى بنائه على ما فعل ايضا اشكالا لانه بعد العلم بما اخبروه قال: " لكنى لا اعيد واتم بركعة " وهذا كلام اجنبي قد وقع في اثناء الصلاة ايضا وهو موجب لاعادتها، اللهم


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة


[ 25 ]

إلا ان يراد به انه قال في نفسه من غير ان يتلكم بذلك. ونقل عن الشيخ انه حمل الخبر على جهل المسألة وقال بان الجاهل هنا في حكم الناسي. والشهيد في الذكرى حمل القول الاخير على مثل حديث النفس. وفيه انه لا يتم في المأمومين لانهم تكلموا اولا عالمين بكونهم في الصلاة. ثم الظاهر ان المراد بافعل التفضيل في قوله " أنت كنت أصوب منهم " إنما هو بمعنى أصل الفعل كما هو شائع الاستعمال لا بمعنى كون فعلهم ايضا صوابا فيدل على جواز الامرين والتخيير بينهما كما توهمه بعض متأخرى المحدثين. وأما ما ذهب إليه الشيخ هنا من البطلان فلا أعرف له دليلا إلا ان كان دخوله تحت إطلاق أخبار الكلام في الصلاة متعمدا وشمولها له. وفيه أن المتبادر من تلك الاخبار ان التعمد المبطل انما هو من علم انه في الصلاة وتكلم متعمدا بمعنى انه تعمد الكلام في الصلاة وأما من ظن انه أتم وان تعمد الكلام إلا انه بنى على خروجه من الصلاة وان لم يكن كذلك في الواقع فهو لم يتعمد الكلام في الصلاة ليلزم منه بطلان صلاته.

(السابعة) - قال في المنتهى: لو تكلم مكرها ففى الابطال به تردد ينشأ من كون النبي (صلى الله عليه وآله) جمع بينه وبين الناسي في العفو (1) والاقرب البطلان لانه تكلم عامدا بما ليس من الصلاة، والاكراه لا يحرج الفعل عن التعمد. انتهى. وقال في الذكرى: لو تكلم مكرها ففى الابطال وجهان: نعم لصدق تعمد الكلام، ولا لعموم " وما استكرهوا عليه " (2) نعم لا يأثم قطعا. وقال في التذكرة يبطل لانه مناف للصلاة فاستوى فيه الاختيار وعدمه كالحدث. وهو قياس مع الفارق فان نسيان الحدث مبطل لا الكلام ناسيا قطعا. انتهى.


(1) و (2) في حديث الرفع المروى في الوسائل في الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس. وفى بعض رواياته " وما اكرهوا عليه ".


[ 26 ]

اقول: لا يبعد القول بالبطلان هنا لا لما ذكره في التكرة بل لشمول الاخبار المتقدمة للمكره لانها قد انفقت في الدلالة على ان من تكلم في صلاته فقد ابطلها، وظاهرها أعم من أن يكون ذلك عن عمد أو سهو أو اكراه وقيد التعمد إنما وقع في كلام الاصحاب، نعم قام الدليل على عدم البطلان بالنسبة الى الكلام ساهيا فوجب استثناؤه من اطلاق تلك الاخبار وبقى ما عداه. والاصحاب (رضوان الله عليهم) بالنظر الى قيام الادلة على استثناء الناسي وان صلاته صحيحة اطلقوا لفظ التعمد في جانب الاخبار الدالة على البطلان وقيدوها به وإلا فهى كما عرفت مطلقة شاملة باطلافها للعامد والناسى المكره. وهذا بحمد الله سبحانه واضح. ثم انه لو ورد في شئ من اخبار البطلان قيد التعمد لكان الظاهر حمله على ما قابل الناسي الذى دلت عليه الاخبار وبقى المكره داخلا تحتها ايضا. وأما خبر " وما استكرهوا عليه " فغايته رفع الاثم بمعنى انه إذا اكره على ارتكاب فعل محرم فلا اثم عليه في فعله وان بطلت الصلاة به في ما نحن فيه. وظاهره في الذكرى التوقف في الحكم المذكور وكذا في المدارك حيث قال: " وفى المكره وجهان احوطهما الاعاذة " مع ان ما ذكرناه من الابطال بالتقريب المذكور واضح لا سترة عليه. وكيف كان فانه وان كان ما ذكرناه هو الاقرب لما عرفت إلا ان الاحتياط لعدم النص الصريح في المقام مما لا ينبغى تركه. والله العالم.

(الثالث) - الالتفات الى ما وراءه، وكلام الاصحاب وكذا اخبار الباب لا يخلو من المقام من اجمال واضطراب: قال في المعتبر: الالتفات يمينا وشمالا لا ينقض ثواب الصلاة والالتفات الى ما وراءه يبطلها لان الاستقبال شرط صحة الصلاة فالالتفات بكله مفوت لشرطها.. الى ان قال وأما كراهة الالتفات يمينا وشمالا بوجهه مع بقاء جسده مستقبلا فلرواية الحلبي (1).. إلى آخره


(1) ص 29


[ 27 ]

وظاهر هذا الكلام تخصيص الابطال بالالتفات الى ما وراءه بجميع البدن عامدا أو ساهيا والالتفات بكل البدن الى محض اليمين والشمال لا يوجب البطلان. وبذلك يظهر لك ما في نقل صاحب الذخيرة عنه يحث قال - بعد ان نقل عن اكثر عبارات الاصحاب (رضوان الله عليهم) تقييد الالتفات المبطل بما إذا كان الى ورائه وذكر ان هذا التقييد يوجب عدم بطلان الصلاة بالالتفات الى اليمين والشمال - ما لفظه: لكن صرح المحقق في المعتبر بان الالتفات بكل البدن مبطل وهو اعم من أن يكون الى الخلف أو الى اليمن أو اليسار بل يشمل ما بين الجانبين والقبلة ايضا. انتهى. وفيه ما عرفت من تصريحه في العبارة بما إذا كان الى ورائه. نعم لو خلينا وظاهر تعليله لامكن استفادة ذلك منه لصدق عدم الاستقبال وتفويت الشرط على ما إذا كان محض اليمين أو اليسار أو ما بين أحدهما وبين القبلة لكن قضية التقييد في المدعى يوجب التقييد في الدليل ليكون متطبقا على المدعى. الا ان ظاهر كلام المنتهى - وهو قد حذا حذو المعتبر في المقام - هو ما ذكره (قدس سره) من تخصيص الالتفات يمينا وشمالا الذى ينقض الصلاة بما إذا كان بالوجه. وبالجملة فان عبائرهم في المقام غير منقحة ولا ظاهرة بالظهور التام الحاسم لتطرق الاحتمال في تمييز تلك الاحكام. وقال في الذكرى: يحرم الانحراف عن القبلة ولو يسيرا، فلو فعل عمدا ابطلها، وان كان ناسيا وكان بين المشرق والمغرب فلا ابطال، وان كان الى المشرق والمغرب أو كان مستدبرا فقد اجرياه في المغنعة والنهاية مجرى الظان في الاعادة في الوقت إذا كان اليهما ومطلقا ان استدبر. وتوقف فيه الفاضلان.. الى ان قال واعلم ان الالتفات الى محض اليمين واليسار بكله كالاستدبار كما انه بحكمه في الصلاة مستدبرا على اقوى القولين فيجئ القول بالابطال ولو فعله ناسيا إذا تذكر في الوقت، وان فرقنا بين الالتفات وبين الصلاة الى اليمين واليسار فلا ابطال. انتهى


[ 28 ]

وهو ظاهر في بطلان الصلاة بتعمد الالتفات الى محض اليمين واليسار بجميع البدن كالاستدبار، وهو خلاف ما يفهم من كلام الاكثر من تخصيص الابطال بالالتفات الى ما وراءه كما سمعت من كلام المعتبر. واما الالتفات بالوجه خاصة فلا يخلو اما أن يكون الى الخلف أو الى احد الجانبين أو الى ما بينه وبين القبلة، وظاهر قولهم انه تبطل بتعمد الالتفات الى ما وراءه تخصيص الابطال في الوجه ايضا بالصورة الاولى، وظاهر عبارة المعتبر حيث خص الالتفات المبطل بكل البدن عدم الابطال وان استدبر به، وكلام العلامة في المنتهى والتذكرة والنهاية لا يخلو من اضطراب، وقال في الذكرى يكره الالتفات الى اليمين والشمال بحيث لا يخرج الوجه الى حد الاستدبار وكان بعض مشايخنا المعاصرين يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (1). هذا في صورة التعمد واما السهو فكلامهم فيه اشد تدافعا واضطرابا ليس في التعرض له كثير فائدة ومن أراد الاطلاق فليرجع في ذلك الى الدخيرة للفاضل الخراساني فانه قد اطال فيه بنقل تلك الاقوال. والواجب الرجوع الى الاخبار الواردة في المقام وبيان ما يظهر منها من الاحكام: الاول - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن اذينة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه سأله عن الرجل يرعف وهو في الصلاة وقد صلى بعض صلاته ؟ فقال ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير ان يلفت وليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة. قال والقى مثل ذلك " الثاني - ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح (3) " انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله ". الثالث - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه


(1) البحر الرائق ج 2 ص 21 (2) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة


[ 29 ]

السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يلتفت في الصلاة قال لا ولا ينقض اصابعه " الرابع - ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: " ثم استقبل القبلة بوجهك ولا نقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله عزوجل يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة: فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (3). الخامس - ما رواه الكليني والشيخ عته في الصحيح أو الحسن عن زراره عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) في الفريضة: فول وجهك... (5)... الحديث ". السادس - ما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد ". السابع - ما تقدم في مسألة الكلام في الصلاة عمدا (7) من قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته " وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته ". الثامن - ما رواه الصدوق عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة ". التاسع - ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (9)


(1) و (6) و (8) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 9 من القبلة (3) و (5) سورة البقرة الاية 139 و 145 (4) الفروع ج 1 ص 83 والتهذيب ج 1 ص 192 و 218 وفى الوسائل الباب 9 من القبلة (7) ص 17 (9) التهذيب ج 1 ص 235 وفى الوافى باب " السهو في اعداد الركعات "


[ 30 ]

قال: " سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته وقد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر انه قد فانته ركعة ؟ قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا ". العاشر - ما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) وكتاب المسائل لعلى بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال إذا كانت الفريضة والتفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به وان كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود " الحادى عشر - ما رواه في مستطرفات السرائر من جامع البزنطى (3) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال إذا كانت الفريضة والتفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به وان كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود ". الثاني عشر - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن ان ثوبه قد انخرق أو أصابه شئ هل يصلح له ان ينظر فيه أو يمسه ؟ فقال ان كان في مقدم ثوبه أو جانبيه فلا بأس وان كان في مؤخره فلا يتلفت فانه لا يصلح " ورواه على بن جعفر في كتابه (5) والحميري في قرب الاسناد (6). الثالث عشر - ما رواه الشيخ عن عبد الحميد بن عبد الملك (7) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الالتفات في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ قال لا وما أحب أن يفعل ".


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) البحار ج 18 ص 210 (7) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة. وفى كتب الحديث هكذا: عن عبد الحميد عن عبد الملك. وفى جامع الرواة عند ذكر عبد الملك بن حكيم الخثعمي قال: حماد بن عثمان عن عبد الحميد عن عبد الملك عن ابى عبد الله " ع ". وهو مطابق لما نقلناه من كتب الحديث


[ 31 ]

الرابع عشر - ما رواه في الخصال باسناده عن على (عليه السلام) في حديث الاربعمائة (1) قال: " الالتفات الفاحش يقطع الصلاة وينبغى لمن فعل ذلك ان يبدأ الصلاة بالاذان والاقامة والتكبير ". اقول: هذا ما حضرني من الاخبار ولا يخفى ما فيها من الاختلاف والاضطراب ومن اجلها اختلفت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب وتفصيل الكلام في هذا المقام ان يقال - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) - انه لا يخلو اما أن يكون الالتفات بالبدن كملا أو الوجه خاصة، وعلى الاول فاما أن يكون عمدا أو سهوا، وعلى كل منهما إما أن يكون الى ما بين اليمين واليسار أو الى محض اليمين واليسار أو الى دبر القبلة فههنا صور:

(الاولى) - أن يكون الالتفات بالبدن عمدا الى ما بين اليمين واليسار، والظاهر الابطال لانه متعمد الصلاة الى غير القبلة، وعلى ذلك يدل الخبر الثاني والرابع والخامس والثامن والتاسع.

(الثانية) - الصورة الاولى بحالها ولكن الالتفات الى محض اليمين واليسار والحكم فيها كذلك لما عرفت.

(الثالثة) - الصورة بحالها ولكن الى دبر القبلة، وهو اولى بالبطلان للاخبار المتقدمة، ويدل على ذلك زيادة على ما تقدم الخبر السادس والعاشر والحادي عشر

(الرابعة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى ما بين اليمين والشمال، والظاهر الصحة لما تقدم في بحث القبلة من موثقة عمار (2) الدالة على ان " من صلى الى غير القبلة فعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ وكان متوجها الى ما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه حين يلعم... الحديث " وهو شامل باطلاقه للظان والساهى وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) ج 6 ص 430 وفى الوسائل الباب 10 من القبلة (3) الوسائل الباب 10 من القبلة


[ 32 ]

الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ فقال له: قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة ". والتقريب فيها انه إذا صحت الصلاة بعد الاتيان بها كلا على تلك الحال في ما بين اليمين واليسار صح بعضها بطريق اولى لاشتراك الجميع في موجب الصحة وهو كون ما بين اليمين واليسار قبلة لغير المتعمد، بل ظاهر بعض الاخبار ايضا انه قبلة للمتعمد كما تقدم في بحث القبلة. وبما ذكرنا من هذه الاخبار يخص اطلاق الاخبار الدالة على الابطال في الصورة المتقدمة بحملها على العامد. وبذلك يظهر ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد ايراد جملة من اخبار المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان الصحيح ان الانحراف عن القبلة بكل البدن موجب لبطلان الصلاة مطلقا وان لم يصل الى حد التشريق والتغريب عملا بمنطوق صحيحة زرارة المذكورة (1) وعموم عدة من الاخبار المذكورة. انتهى. فان الظاهر ان مراده بالاطلاق يعنى اعم من ان يكون عن عمد أو سهو. وفيه ما عرفت والى ما ذكرنا من الصحة في هذه الصورة يشير كلامه في الذكرى كما قدمنا من قوله: وان كان ناسيا وكان ما بين المشرق والمغرب فلا ابطال.

(الخامسة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى محض اليمين واليسار والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاعادة في الوقت لموثقة عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا صليت وانت على غير القبلة واستبان لك انك صليت على غير القبلة وانت في وقت فاعد وان فانك الوقت فلا تعد، ونحوها غيرها مما تقدم في بحث القبلة وهى شاملة باطلاقها للظان والساهى في الصلاة. ويدل عليه اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة، خرج منه ما إذا كان الالتفات الى ما بين اليمين واليسار بالنصوص المتقدمة وبقى ما عداه.


(1) ص 28 (2) الوسائل الباب 11 من القبلة


[ 33 ]

إنما الاشكال في وجوب القضاء، ومنشأه من ظواهر الاخبار المشار إليها فان متقتضاها الابطال في الصورة المذكورة لما عرفت من عمومها لذلك وإنما خرج عنه حكم الصورة الرابعة بالنصوص المذكورة وبقى ما عداه، ومن دلالة موثقة عبد الرحمن المذكورة ونحوها على عدم الاعادة خارج الوقت. ومقتضى ما نقل في الذكرى عن المقنعة والنهاية هو الاعادة في الوقت خاصه حملا للالتفات على ظن الصلاة الى تلك الجهة وهو مقتضى موثقة عبد الرحمان المذكورة، ولا يخلو من قوة إلا ان الاحتياط في الاعادة. والى القول بعدم وجوب القضاء يميل كلام الشهيد في البيان وبه صرح ايضا في الروض، وكذا ظاهر عبارة الذكرى المتقدمة القول بوجوب القضاء في الوقت خاصة وقيل بوجوب القضاء مطلقا.

(السادسة) - ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى دبر القبلة والمراد به ما بين اليمين واليسار من خلف لا خصوص دبر القبلة حقيقة، وظاهر الشهيد في الدروس ان المشهور عدم البطلان إلا انه اختار البطلان، ونقل ذلك عن ظاهر الشيخ في التهذيب، وهو ظاهر المحقق في ما تقدم من عبارته. قال في الذكرى: ويجوز ان يستدل على بطلان الصلاة بالاستدبار مطلقا بما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال قال: " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " فانه يشمل باطلاقه العامد والناسى إلا ان يعارض بحديث الرفع عن الناسي (2) فيجمع بينهما بحمله على العامد، انتهى. اقول: الظاهر ضعف هذه المعارضة فان المتبادر من الخبر المذكور إنما هو رفع المؤاخذة وهو لا ينافى البطلان. وبما ذكره هنا من القول بالصحة في الناسي اعتمادا على الخبر المذكور صرح العلامة


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس


[ 34 ]

في المنتهى فقال: لو التفت الى ما وراءه ناسيا لم يعد صلاته لقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وفيه ما عرفت. ثم انه على تقدير البطلان فهل يختص بالوقت بمعنى وجوب الاعادة في الوقت خاصة أو يجب القضاء ايضا ؟ قولان وبالاول صرح في البيان، قال في تعداد المبطلات: وتعمد التحرف عن القبلة ولو يسيرا، ولو كان الى محض الجانبين أو مستدبرا بطلت وان كان سهوا إلا ان يستمر السهو حتى يخرج الوقت فلا قضاء فيهما على الاقرب. انتهى. وظاهر المقنعة والنهاية هو الاعادة مطلقا كما تقدم في عبارة الذكرى، والظاهر انه الاقرب لظواهر اطلاق اكثر الاخبار المقتدمة وخصوصا الخبر العاشر والحادي عشر. هذا كله في الالتفات في البدن.

واما الالتفات بالوجه خاصة ففيه صور:

(الاولى) الالتفات الى محض اليمين واليسار، والمشهور بين الاصحاب جواز الالتفات على كراهية، وقد تقدم نقل كلام صاحب الذكرى عن بعض مشايخه المعاصرين - والظاهر إنه فخر المحققين ابن العلامة كما نقله غير واحد من الاصحاب - انه كان يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (2) قال لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال " لا تلتفتوا في صلاتكم فانه لا صلاة لملتفت " رواه عبد الله بن سلام (3) قال: ويحمل على الالتفات بكله. وروى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله ". انتهى. قال في المدارك بعد أن نقل حكاية القول المذكور عن الشهيد: وربما كان مستنده اطلاق الروايات المتضمنة لذلك كحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة


(1) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس (2) البحر الرائق ج 2 ص 21 (3) عمدة القارئ ج 3 ص 53 (4) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة (5) ارجع الى التعليقة 4 ص 29


[ 35 ]

فتفسد صلاتك... الحديث " ثم قال: وحملها الشهيد في الذكرى على الالتفات بكل البدن لما رواه زرارة في الصحيح (1) " انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " وقد يقال ان هذا المفهوم مقيد بمنطوق قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي (2) " أعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا " فان الظاهر تحقق التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة الى أحد الجانبين. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان الموجود في الذكرى هو ما قدمنا نقله عن الكتاب المذكور لا ما ذكره (قدس سره) من الاستدلال لذلك القول بصحيحة زرارة وجواب الشهيد عن الرواية المذكورة. والمناقشة في ذلك وان كانت سهلة إلا ان من لم يراجع الذكرى يتوهم ان الامر على ما ذكره فلذلك نبهنا عليه. و (ثانيا) - انه إنما يتم التقييد الذى ذكره بناء على ما ادعاه من حصول التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة وهو بعيد، مع ان هذا المفهوم مؤيد بما دل عليه الخبر الثاني عشر (3). وظاهر السيد (قدس سره) الميل الى القول المذكور استنادا الى اطلاق الروايات المشار إليها وان كان صاحب القول المذكور انما استند الى تلك الرواية العامية. وهو جيد لظاهر حسنة زرارة المذكورة ونحوها الخبر الرابع (4) فان النظر بالوجه الى محض اليمين والشمال قلب الوجه عن القبلة، ونحوهما قوله في الخبر السابع (5) " وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه فقد قطع صلاته " وكذا الخبر الثامن والتاسع (6) وفى رواية ابى بصير الواردة في الرعاف (7) " ان تكلمت أو


(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الضلاة (2) و (4) و (5) و (6) ص 29 (3) ص 30 (7) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة. وهذه الرواية ذكرها في الوافى في باب " الرعاف والقئ والدم " بعد صحيحة ابن اذينة المتقدمة ص 28 كما في الفقيه ج 1 ص 239 وليس فيها قرينة على ورودها في الرعاف إلا ذلك ولم يذكرها في باب الالتفات =


[ 36 ]

صرفت وجهك عن القبلة فاعد الصلاة " ومثلها صحيحة ابن اذينة (1) إلا أن ظاهر مفهوم صحيحة زرارة الدالة على ان الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله المؤيد بصحيحة على بن جعفر المذكورة (2) هو عدم البطلان، والمسألة لذلك موضع تردد. واما ما نقله في المدارك عن الذكرى من حمل حسنة زرارة على الالتفات بكل البدن فقد عرفت ان صاحب الذكرى لم ينقل الحسنة المذكورة وإنما ذكر هذا التأويل للخبر العامي وهو غير بعيد، اما بالنسبة الى الجسنة المذكورة فهو بعيد حيث انها اشتملت على استقبال القبلة بالوجه والنهى عن قلب الوجه. وحمل الوجه على مجموع البدن بعيد كما لا يخفى. والعجب من الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يظهر منهم من الاتفاق على عدم البطلان بالالتفات بالوجه الى محض اليمين واليسار إلا من فخر المحققين وقد اتفقوا على رد قوله مع ان الاخبار التى اشرنا إليها ظاهرة الدلالة على القول المذكور كالنور على الطور. وأما التفصيل - بالاتيان بشئ من الاقبال على تلك الحال فيعيد في الوقت وإلا فلا اعادة كما ذكره في المدارك واقتفاه غيره - فلا أعرف عليه دليلا بل ظاهر الاخبار التى ذكرناها دالة على الابطال في هذه الصورة الدلالة على البطلان مطلقا كما لا يخفى. هذا إذا كان عمدا اما لو وقع الالتفات كذلك سهوا فالظاهر الصحة لان الروايات الدالة على قطع الصلاة بالالتفات بالوجه ظاهرة في العمد والنهى في ما ورد بالنهي انما يتوجه الى العامد فلا شمول فيها للصورة المذكورة.

(الصورة الثانية) ما بين اليمين واليسار والظاهر الصحة للخبر الثالث عشر (3)


= والتكلم بخلاف صاحب الوسائل فانه لم يذكرها في باب الرعاف وانما ذكرها في باب بطلان الصلاة بالاستدبار وباب بطلانها بالكلام. (1) ص 28 (2) و (3) ص 30


[ 37 ]

بحمله على هذه الصورة. وما رواه الصدوق في ثواب الاعمال عن الخضر بن عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قام العبد الى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ولا يزال مقبلا عليه حتى يلتفت ثلاث مرات فإذا التفت ثلاث مرات اعرض عنه " بحمله على هذه المرتبة التى هي أقل مراتب الالتفات. ورواه البرقى في المحاسن (2). ونحوه ما رواه في قرب الاسناد عن ابى البخترى عن الصادق عن ابيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان فاياكم والالتفات في الصلاة فإن الله تبارك وتعالى يقبل على العبد إذا قام في الصلاة فإذا التفت قال الله تعالى يا ابن آدم عمن تلتفت ؟ (ثلاثا) فإذا التفت الرابعة اعرض عنه " وروى البرقى في المحاسين (4) قال وفى رواية ابن القداح عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) قال: " قال على (عليه السلام) للمصلى ثلاث خصال: ملائكة حافين به من قدميه الى اعنان السماء، والبر ينتثر عليه من رأسه الى قدمه، وملك عن يمينه وعن يساره، فإذا التفت قال الرب تبارك وتعالى الى خير منى تلتفت يا ابن آدم ؟ لو يعلم المصلى لمن يناجى ما انفتل ". وبهذه الاخبار بخص اطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على قطع الصلاة بالانصراف بالوجه، فانه وان صدق الانصراف بالوجه في هذه الصورة في الجملة إلا ان هذه الاخبار قد دلت على مجرد الكراهة كما عرفت، وحينئذ فيخص الجواز على كراهة بهذه الصورة خلافا لما عليه الاصحاب من عمومها للصورة المتقدمة لما عرفت. هذا مع التعمد ومنه يعلم السهو بطريق اولى.

(الصورة الثالثة) الاستدبار بالوجه والظاهر البطلان ان امكن وقوعه مع التعمد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واختار جماعة من الاصحاب: منهم - الشهيد البطلان مع بلوغ الوجه الى حد الاستدبار وان كان الفرض بعيدا، ويدل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة


[ 38 ]

عليه رواية الحلبي - واشار بها الحديث السادس (1) - قال إذ لا التفات افحش مما يصير الى حد الاستدبار. أقول: ونحوه الخبر الثالث عشر (2) ويدل عليه ايضا الاخبار التى أشرنا الى دلالتها على الابطال بالالتفات الى محض اليمين والشمال بطريق الاولى. قال في الروض: وإنما يبطل الالتفات في مواضعه لو وقع على وجه الاختيار أما لو وقع اضطرارا أو سهوا أو غيره ففى ابطاله نظر، من أن الاستقبال شرط فيبطل المشروط بفواته ولا فرق فيه بين الحالين كالطهاره إلا ما أخرجه النص، ومن العفو عما استكره الناس عليه للخبر (3) وهذا ههو الظاهر. انتهى. والله العالم. الرابع - القهقهة وهى لغة الترجيع في الضحك أو شدة الضحك كما في القاموس، وقال في الصحاح: القهقهة في الضحك معروف وهو أن يقول " قه قه ". قال في الروض بعد نقل كلام أهل اللغة وانه الترجيع في الضحك أو شدة الضحك: والمراد هنا مطلق الضحك كما صرح به المصنف في غير هذا الكتاب. والحكم يتحريم القهقهة وابطالها للصلاة مما لا خلاف فيه حكى اجماعهم عليه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) كالفاضلين في المعتبر والمنتهى والتذكرة والشهيد في الذكرى وغيرهم. والاصل فيه الاخبار الواردة عنهم (علهيم السلام)، ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال: " سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة ؟ قال أما التبسم فلا يقطع الصلاة وأما القهقهة فهى تقطع الصلاة ". وما روياه ايضا في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة ". وروى في الفقيه مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) لا يقطع


(1) ص 29 (2) ص 30 (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 34 (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 7 من قواطع الصلاة


[ 39 ]

التبسم الصلاة وتقطعها القهقهة ولا تنقض الوضوء ". وروى الصدوق في الخصال (1) عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع الصلاة التبسم ويقطعها القهقهة ". أقول: ظاهر هذ الاخبار كما ترى هو ترتب القطع على القهقهة وقد عرفت معناها لغة، وظاهر كلام الروض المتقدم ان القاطع عند الاصحاب هو مطلق الضحك، وقال في الروضة في تفسير القهقهة هي الضحك المشتمل على الصوت وان لم يكن فيه ترجيع ولا شدة، وعلى هذا النحو كلام غيره ايضا. وبالجملة فان بعضهم فسر القهقهة بالضحك المشتمل على الصوت لوقوعها في الاخبار في مقابلة التبسم الخالى منه، ومنهم من فسرها بمطلق الضحك ظنا منهم ان التبسم ليس من افراد الضحك مع ان الظاهر من موثقة سماعة انه من افراد الضحك، وبذلك صرح في القاموس ايضا حيث قال فيه هو أقل الضحك واحسنه. وكيف كان فان ما ذكروه لا يخلو من الاشكال مخالفته للاخبار وكلام أهل اللغة. ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة عدم لفرق بين العمد والسهو إلا ان العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى ادعيا الاجماع على عدم الابطال بالواقعة سهوا. ولو وقعت على وجه لا يمكن دفعها لمقابلة لاعب ونحوه فاستقرب الشهيد في الذكرى البطلان وان لم يأثم لعموم الخبر. وهو جيد بل يظهر من التذكرة انه مجمع عليه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) والله العالم. الخامس - تعمد الفعل الكثير الخارج به عن الصلاة بلا خلاف بين الاصحاب بل كافة العلماء، حكى ذلك الفاضلان وغيرهما. قال في المنتهى: ويجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج من أفعال الصلاة فلو فعله عامدا بطلت صلاته وهو قول أهل العلم كافة، لانه يخرج به عن كونه مصليا،


(1) ج 2 ص 166 وفى الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة رقم 16


[ 40 ]

والقليل لا يبطل الصلاة بالاجماع، قال ولم يحد الشارع القلة والكثرة فالمرجع في ذلك الى العادة وكل ما ثبت ان النبي والائمة (صلوات الله عليهم) فعلوه في الصلاة وامروا به فهو من جنس القليل كقتل البرغوث والحية والعقرب، وكما روى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) انه كان يحمل امامة بنت أبى العاص فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها. أقول: لا يخفى ان الاخبار خالية من ذكر هذا الفرد والتعرض له في عداد ما يبطل الصلاة وإنما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولهذا اضطرب كلامهم في تحديد القلة والكثرة اضطرابا شديدا، فمنهم من حده بما سمى كثيرا عرفا، ومنهم من قال ما يخرج به فاعله عن كونه مصليا عرفا.


(1) قال في هامش محاضرات آية الله الخوئي في الفقه الجعفري قسم المعاملات ص 52: ولم يستشهد الائمة " ع " بقصة حمل النبي " ص " امامة ابنة زينب ولو كان لها عندهم " ع " عين أو اثر لاستشهدوا بها كما هي عادتهم ولكن اهل السنة في جوامعهم تعرضوا لهذه القصة ومع حرصهم الشديد عليها لم يذكروا إلا رواية واحدة عن ابى قتادة والراوي عنه عمرو بن سليم الزرقى وعنه عامر بن عبد الله بن الزبير وابو سعيد المقبرى ويزيد بن عتاب المجهول. وقد اختلفوا في النقل ففى صحيح البخاري ج 1 ص 87 قبل مواقيت الصلاة وصحيح مسلم ج 1 ص 205... الى ان قال بعد عد الجوامع وبيان الاختلاف بينها في المتن: وقد اضطرب فقهاؤهم لهذا الحديث الكاشف عن العمل الكثير المبطل وللخلاف في متن الحديث فمنهم من قال انه منسوخ ومنهم من قال انه في النافلة الجائز فيها ذلك، ثم قال راجع فيه نيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 102 وفتح الباري ج 2 ص 464 وعمدة القارئ ج 2 ص 501 وشرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد السارى ج 3 ص 198 يتجلى لك من اضطراب الفقهاء في توجيهه بعده عن الحقيقة... الى آخر كلامه. وفى النسخة المطوعة من الحدائق ادرجت العبارة الاتية في عبارة المنتهى وهى هذه: " وهذا الحديث من موضوعات العامة ارادوا به انحطاط منزلته " ص " ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره المشركون " مع انها غير موجودة في المنتهى لا في ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق الخطية ولذا حذفت في هذه الطبعة.


[ 41 ]

وقال في السرائر ما يسمى في العادة كثيرا مثل الاكل والشرب واللبس وغير ذلك مما إذا فعله الانسان لا يسمى مصليا بل يسمى آكلا وشاربا ولا يسمى فاعله في العادة مصليا. وقال العلامة في التذكرة: اختلف الفقهاء في حد الكثرة فالذي عول عليه علماؤنا البناء على العادة فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير وإلا فلا، لان عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم وبه قال بعض الشافعية. وقال بعضهم القليل ما لم يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة والكثير ما يسع. وقال بعضهم ما لا يجتاج الى فعل اليدين معا كرفع العمامة وحل الازرار فهو قليل وما يحتاج اليهما معا كتكوير العمامة وعقد السراويل فهو كثير. وقال بعضهم القليل ما لا يظن الناظر الى فاعله انه ليس في الصلاة والكثير ما يظن به الناظر الى فاعله الاعراض عن الصلاة (1) انتهى. واورد عليه ان ما ذكره من التعليل على احالة الحكم على العرف فهو متجه ان كان مستند أصل الحكم النص، وليس كذلك فانى لم اطلع على نص يتضمن ان الفعل الكثير مبطل ولا ذكر نص في هذا الباب في شئ من كتب الاستدلال، فاذن مستند الحكم هو الاجماع فيحب اناطة الحكم بمورد الاتفاق فكل فعل ثبت الاتفاق على كونه فعلا كثيرا كان مبطلا ومتى ثبت انه ليس بكثير فهو ليس بمبطل، ومتى اشتبه الامر فلا يبعد القول بعدم كونه مبطلا فان اشتراط الصحة بتركه يحتاج الى دليل بناء على ان الصلاة اسم للاركان المعين مطلقا فتكون هذه الامور خارجة عن حقيقتها. ويحتمل القول بالبطلان ووجوب الاعادة لتوقف البراءة اليقينية من التكليف الثابت عليه. انتهى. اقول - وبالله التوفيق الى هداية سواء الطريق - قد عرفت في غير مقام مما تقدم ما في بناء الاحكام الشرعية على الرجوع الى العرف من الفساد مضافا الى عدم


(1) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 252 وبدائع الصنائع ج 1 ص 241 والمغنى ج 2 ص 249 والبحر الرائق ج 2 ص 12 ولم نعثر في ما وقفنا عليه من كتبهم بتحديد الفعل الكثير بما يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة.


[ 42 ]

الدليل عليه من سادات العباد. واما قول العلامة في ما قدمناه من كلامه - ان عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم - فهو ممنوع أشد المنع بل المعلوم من الاخبار على وجه لا يعتريه غشاوة الانكار عند من جاس خلال الديار عند فقد النص إنما هو الوقوف والتثبت والاخذ بالاحتياط، وقد تقدمت في ذلك الاخبار في مقدمات كتاب الطهارة في مقدمة البراءة الاصلية وكذا في مواضع من مطاوى ابحاث الكتاب، ولا بأس بالاشار الى بعضها لازالة ثقل المراجعة على النظار: ومنها - قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) " إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا ". وقولهم (عليهم السلام) في جملة من الاخبار (2) " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة. إنما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع وامر بين غيه فيجتنب وامر مشكل يرد علمه الى الله تعالى والى رسوله (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من الهلكات ". وقوله (عليه السلام) في حديث حمزة بن الطيار " (3) كف واسكت انه لا يسعكم في ما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد الى ائمة الهدى (عليهم السلام) حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " (4). وقوله (عليه السلام) (5) " ان وضح لك أمر فاقبله وإلا فاسكت تسلم ورد علمه الى الله تعالى فانك في أوسع مابين السماء والارض ". وقول الصادق (عليه السلام) في حديث ابى البريد المروى في الكافي (6)


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. (4) سورة النحل، الاية 45. (6) الوسائل الباب 7 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. وفيه - كما في اصول الكافي باب الضلال - هكذا (عن هاشم صاحب البريد) .


[ 43 ]

" اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا " الى غير ذلك من الاخبار التى يضيق عن نقلها المقام. واما الاعتماد على الاجماع واناطة الحكم به فهو وان كان مشهورا بينهم إلا انك قد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه وخافيه. والتحقيق عندي في المقام هو ان يقال لا ريب أن الصلاة عبادة شرعية موظفة محدودة بالتكبير الى التسليم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (1) وانها عبارة عن الافعال المخصوصة وما بينها من الانتقالات إلا أنه قدرخص الشارع في الاتيان ببعض الافعال فيها مما هو خارج عنها، فيجب الوقوف على مواضع الرخص لانها جارية على خلاف الاصل، لانا لو خلينا وظاهر الامر بها وانها عبارة عما ذكرنا ولم يرد شئ من ما ذكرناه من الرخص لكنا نوجب الحكم ببطلانها مع الاتيان بتلك الاشياء البتة لخروجها عن الصلاة المبنية على التوقيف عن صاحب الشرع لكن لما وردت النصوص بها لم يسع الحكم بالابطال، وحينئذ فالواجب الاقتصار في الحكم بالصحة على موارد النصوص من تلك الاشياء ونحوها وما خرج عن ذلك سمى عرفا كثيرا أو لم يسم انمحت به صورة الصلاة أم لا فانه يجب الحكم فيه بالابطال وقوفا على ما ذكرناه عن الاصل. وبالجملة فانه حيث كانت النصوص خالية من هذا الحكم وما ادعوه من الاجماع في المقام وفرعوا عليه من الاحكام فهى لا توصل عدنا الى مقام فالواجب الوقوف على مقتضى الاصل في حكم الصلاة وما يقتضيه الامر بها وما ورد من النصوص المخصصة لذلك في هذا الباب. فالواجب ذكر جملة من تلك النصوص الواردة في ذلك لتكون انموذجا لا يتعداه السالك في هذه المسالك، فمن ذلك أخبار الرعاف وقد تقدم جمله منها في مسألة الكلام.


(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام و 1 من التسليم


[ 44 ]

ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة (1) انه قال: " لا بأس أن يعد الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعد به ". وما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال: " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يسوى الحصى في موضع سجوده بين السجدتين ". وعن عبيد الله الحلبي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته أيمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها تراب ؟ فقال نعم قد كان أبو جعفر (عليه السلام) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب ". وعن اسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فانفخه إذا اردت السجود ؟ فقال لا بأس " وروى الكليني والشيخ عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (5) " في الرجل يمس انفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أينصرف ؟ قال إن كان يابسا فليرم به ولا بأس " وفى الكافي " دما كثيرا " (6). وروى الشيخ في الصحيح عن ابن ابى نصر عن ابى الوليد (7) قال: " كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فسأله ناجية أبو حبيب فقال له جعلني الله فداك ان لى رحى أطحن فيها فربما قمت في ساعة من الليل فاعرف من الرحى ان الغلام قد نام فاضرب الحائط لا وقظه ؟ فقال نعم أنت في طاعة الله تطلب رزقه " ورواه ابن بابويه بتفاوت في المتن (8) وفيه " فاقوم فاصلي... الى آخره ". وروى في الكافي والتهذيب في الحسن أو الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (9) في حديث قال: " والمرأة إذا ارادت الحاجة وهى


(1) الوسائل الباب 28 من الخلل في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 18 من السجود (4) الوسائل الباب 7 من السجود (5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة (6) ليس في الكافي ج 1 ص 101 كلمة " كثيرا " (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة


[ 45 ]

تصلى تصفق بيديها ". وروى في الفقيه (1) قال: " وسأله حنان بن سدير أيومئ الرجل وهو في الصلاة ؟ قال نعم قد أومأ النبي (صلى الله عليه وآله) في مسجد من مساجد الانصار بمحجن كان معه. قال حنان ولا اعلمه الا مسجد بنى عبد الاشهل " وروى في الفقيه والتهذيب عن محمد بن بجيل اخى على بن بجيل (2) قال: " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلى فمر به رجل وهو بين السجدتين فرماه أبو عبد الله (عليه السلام) بحصاة فاقبل إليه الرجل ". ورويا ايضا عن زكريا الاعور (3) قال " رأيت أبا لاحسن (عليه السلام) يصلى قائما والى جنبه رجل كبير يريد أن يقوم ومعه عصا له فاراد أن يتناولها فانحط أبو الحسن (عليه السلام) وهو قائم في صلاته فتاول الرجل العصا ثم عاد الى موضعه من الصلاة ". ورويا ايضا عن سعيد الاعرج (4) قال ": قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انى ابيت واريد الصوم فاكون في الوتر فاعطش فاكره أن اقطع الدعاء واشرب واكره أن أصبح وأنا عطشان وامامي قلة بينى وبينها خطوتان أو ثلاثة ؟ قال تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء ". وروى في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس ان تحمل المرأة صبيها وهى تصلى أو ترضعه وهى تتشهد ".


(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 12 من القيام. ولفظ التهذيب " ثم عاد الى صلاته " والفقيه " ثم عاد الى موضعه الى صلاته " (4) الوسائل الباب 23 من قواطع الصلاة. واللفظ للتهذيب وهو يختلف عن لفظ الفقيه وقد نقله في الوسائل عن كل منهما مستقلا. (5) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة


[ 46 ]

وروى في الفقيه (1) قال: " سأل الحلبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتك وهو في الصلاة ؟ قال لا بأس ". وروى في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: " في رجل يصلى ويرى الصبى يحبو الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشئ ؟ قال فلينصرف وليحرز ما يتخوف ويبنى على صلاته ما لم يتكلم ". وروى الشيخ في الحسن عن مسمع (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت اكون اصلى فتمر بى الجارية فربما ضممتها الى ؟ قال لا بأس ". وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " في الرجل يصلى في موضع ثم يريد ان يتقدم ؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذى يريد ثم يقرأ ". وما رواه في التهذيب والكافي عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه من قبل ان تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف فان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف ". قال في الفقيه (6) " وروى انه يمشى في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى " وفى هذا الحكم اخبار عديدة بدلك. وروى في الفقيه والتهذيب في الموثق عن عمار قال: " سألت ابا عبد الله


(1) الوسائل الباب 28 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 22 من قواطع الصلاة. (4) الوسائل الباب 44 من مكان المصلى و 34 من القراءة (5) و (6) الوسائل الباب 46 من الجماعة (7) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة


[ 47 ]

(عليه السلام) عن الرجل يكون في الصلاة فيرى حية بحياله يجوز له أن يتناولها فيقتلها ؟ فقال ان كان بينه وبينها خطوة واحدة فيلخط وليقتلها والا فلا ". ورويا في الحسن عن الحسين بن العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى الحية والعقرب وهو يصلى المكتوبة ؟ قال يقتلهما ". وفى الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: " في رجل يرى العقرب والافعى والحية وهو يصلى أيقتلها ؟ قال: نعم ان شاء فعل " وروى في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا وجدت قملة وأنت تصلى فادفنها في الحصى " ومثلها رواية الحسين ابن ابى العلاء (4). وروى في كتاب قرب الاسناد وكتاب المسائل عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته فيرمى الكلب وغيره بالحجر ما عليه ؟ قال ليس عليه شئ ولا يقطع ذلك صلاته. وسألته عن الرجل هل يصلح له وهو في صلاته أن يقتل القملة أو النملة أو الفأرة أو الحلمة أو شبه ذلك ؟ قال أما القملة فلا يصلح له ولكن يرمى بها خارجا من المسجد أو يدفنها تحت رجليه. وسألته عن رجل رعف وهو في صلاته وخلفه ماء هل يصلح لن ان ينكص على عقبيه حتى يتناول الماء ويغسل الدم ؟ قال إذا لم يلتفت فلا بأس. وسألته عن المرأة تكون في صلاة الفريضة وولدها الى جنبها فيبكى وهى قاعدة هل يصلح لها أن تتناوله فتقعده في حجرها وتسكته وترضعه ؟ قال لا بأس ". وروى في المحاسن (6) عن ابن اذينة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 10 و 20 و 2 و 24 من قواطع الصلاة بترتيب الاسئلة في المتن وقد نقل الاول والرابع من كتابه ايضا دون الثاني والثالث، وفى البحار ج 18 الصلاة ص 210 نقل الجميع من قرب الاسناد ومن كتابه. (6) ص 590


[ 48 ]

" لدغت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقرب وهو يصلى بالناس فأخذ النعل وضربها ثم قال بعد ما انصرف: لعنك الله فما تدعين برا ولا فاجرا إلا آذيته. قال ثم دعا (صلى الله عليه وآله) بملح جريش فدلك موضع اللذعة ثم قال لو علم الناس ما في الملح الجريش ما احتاجوا معه الى ترياق وغيره ". وروى على بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكى ابنا الى جنبها هل يصلح له ان تتناوله وتحمله وهى قائمة ؟ قال لا تحمل وهى قائمة ". قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) قوله " لا تحمل وهى قائمة " يمكن أن يكون ذلك لاستلزام زيادة الركوع بناء على عدم اشتراط النية في ذلك وظاهر بعض الاصحاب اشتراطها، ثم نقل كلام الذكرى الدال على ذلك ثم نقل رواية زكريا الاعور المتقدمة المتضمنة لهوى الامام لمناولة الشيخ عصاه (2) ثم قال: وهذا الخبر يدل على الجواز وعلى الاشتراط المذكور، ويمكن الجمع بينهما بحمل هذا الخبر على الفريضة أو الكراهة وخبر الاعور على النافلة أو على الجواز والاول اظهر. انتهى. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطى في الصحيح عن الحلبي (3) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخطو امامه في الصلاة خطوتين أو ثلاثا ؟ قال نعم لا بأس. وعن الرجل يقرب نعله بيده أو رجله في الصلاة ؟ قال نعم ". وروى الشهيد في الذكرى عن البزنطى عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (4). في عد الاى بعقد اليد ؟ قال لا بأس هو احصى للقرآن ". وروى الصدوق في الفقيه عن على بن جعفر (5) " انه سأل اخاه موسى (عليه


(1) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة (2) ص 45 (3) و (4) الوسائل الباب 30 من قواطع الصلاة (5) الوسائل الباب 27 من قواطع الصلاة


[ 49 ]

السلام) عن الرجل يتحرك بعض أسنانه وهو في الصلاة هل ينزعه ؟ قال ان كان لا يدميه فلينزعه وان كان يدميه فلنصرف. وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟ قال ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس وان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله. وعن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره هل يحكه وهو في صلاته ؟ قال: لا بأس. وقال لا بأس ان يرفع الرجل طرفه الى السماء وهو يصلى ". وروى الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وفى كمه شئ من الطير ؟ قال: ان خاف عليه ذهابا فلا بأس. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يستدخل الدواء ويصلى وهو معه وهل ينقض الوضوء ؟ قال لا ينقض الوضوء ولا يصلى حتى يطرحه. وسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى وفى فيه الخرز واللؤلؤ ؟ قال إذا كان يمنعه من قراءته فلا وان كان لا يمنعه فلا بأس ". واما ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن سماعة (2) - قال: " سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه ؟ قال يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب أو يصيب منها عنتا ؟ فقال لا بأس ان يقطع صلاته " وزاد في الفقيه (3) " ويتحرز ويعود في صلاته ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن حريز عن من اخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذ كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد ابق أو غريما لك عليه مال أو حية تخافها على نفسك فاقطع الصلاة واتبع الغلام


(1) الوسائل الباب 60 من لباس المصلى و 33 من قواطع الصلاة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة


[ 50 ]

أو غريما لك واقتل الحية " - فيجب حمله على ما إذا استلزم فعل أحد المبطلات من الكلام والاستدبار، على ان الثاني منهما مطلق فيجوز حمله على ما تقدم من الاخبار. أقول: ومن هذه الاخبار يستفاد ان ما كان من الافعال مثل ما اشتملت عليه نوعا أو شخصا فلا بأس به وما زاد على ذلك وخرج عنه فهو محل الاشكال وان لم يسم كثيرا عرفا. هذا هو القدر الذى يمكن القول به في المقام. ثم ان المشهور بينهم ان ابطال الفعل الكثير مخصوص بصورة العمد كما صرح بذلك جمع منهم ونسبه في التكرة الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. وقال الشهيد الثاني: لو استلزم الفعل الكثير ناسيا انمحاء صورة الصلاة رأسا توجه البطلان ايضا لكن الاصحاب اطلقوا الحكم بعدم البطلان. انتهى. وجزم سبطه في المدارك بالبطلان هنا حيث قال: ولم اقف على رواية تدل بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير لكن ينبغى ان يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكلية كما هو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر اقتصارا في ما خالف الاصل على موضع الوفاق وان لا يفرق في بطلان الصلاة بين العمد والسهو. انتهى.

(السادس) - تعمد البكاء للامور الدنيوية من ذهاب مال أو فوت عزيز وان وقع بغير اختيار إلا انه لا يأثم به، وهذا الحكم ذكره الشيخ ومن تأخر عنه وظاهره عدم الخلاف فيه. واستدلوا عليه بانه فعل خارج عن حقيقة الصلاة فيكون قاطعا لها كالكلام، وما رواه الشيخ عن ابى حنيفة (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ قال ان بكى الذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الاعمال في الصلاة وان كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة ". ورد الاول في المدارك بانه قياس والثانى بضعف السند لاشتماله على عدة من


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة


[ 51 ]

الضعفاء، قال فيشكل الاستناد إليها في اثبات حكم مخالف لاصل ثم نقل عن شيخه المعاصر التوقف في الحكم، قال وهو في محله. اقول: يمكن الجواب بناء على الاصلاح المحدث في تقسيم الاخبار بجبر الخبر بالشهرة بين الاصحاب لما عرفت من اتفاقهم على الحكم المذكور والامران اصطلاحيان وقال في الفقيه (1): وروى ان البكاء على الميت يقطع الصلاة والبكاء لذكر الجنة والنار من أفضل الاعمال في الصلاة. وقال شيخنا في الروض: واعلم ان البكاء المبطل للصلاة هو المشتمل على الصوت لا مجرد خروج الدمع مع احتمال الاكتفاء به في البطلان، ووجه الاحتمالين اختلاف معنى البكاء لغة مقصورا وممدودا والشك في ارادة ايهما من الاخبار قال: الجوهرى البكاء يمد ويقصر فإذا مددت اردت الصوت الذى يكون مع البكاء وإذا قصرت اردت الدموع وخروجها، قال الشاعر: بكت عينى وحق لها بكاها ولا يجدى البكاء ولا العويل. انتهى اقول: لا يخفى أن الموجود في النص الذى هو مستند هذا الحكم إنما هو بالفعل الشامل للامرين دون المصدر الذى هو مظهر لكل من المعنيين المذكورين وحينئذ فما اشتهر بين الاصحاب من تخصيص الابطال بما إذا اشتمل على الصوت دون مجرد خروج الدمع لا أعرف له وجها. وربما أيده بعضهم باستصحاب حكم الصحة في الصلاة والمتيقن هو الابطال بما اشتمل على الصوت. وهو ضعيف. واما ما ذكره في الذخيرة - من ان الظاهر من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ارادة الاعم - لعله مبنى على اطلاق بعضهم الكلام في البكاء وإلا فظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المذكور ظاهر في اختياره التخصيص بالمشتمل على الصوت وإنما جعل الاخر احتمالا. وقال سبطه في المدارك: وينبغى ان يراد بالبكاء ما كان فيه انتحاب وصوت


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة


[ 52 ]

لا مجرد خروج الدمع اقتصارا على موضع الوفاق ان تم. انتهى. وبعضهم علله بما قدمنا ذكره. ثم ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من حيث تعليقهم الابطال بالامور الدنيوية الذى هو اعم من ان يكون لفوتها أو لطلبها هو حصول الابطال بالبكاء لطلب ولد أو مال أو شفاء مريض أو نحو ذلك، وهو مشكل لانه مأمور به ومندوب إليه في الاخبار، مع ان ظاهر الخبر الذى هو مستند هذا الحكم إنما هو فواتها لا طلبها. وحينئذ فالظاهر انه لا تبطل بالبكاء لطلبها. ولا يعارض ذلك بمفهوم صدر الخبر لدلالته على انه ما لم يكن من الامور الاخروية يكون مبطلا، لانا نقول مفهوم صدر الخبر انه ما لم يكن كذلك ليس افضل الاعمال وعدم كونه افضل الاعمال لا يوجب البطلان. هذا. واما ما يدل من الاخبار على عدم الابطال بالبكاء للامور الاخروية - من الشوق الى الجنة أو الخوف من العذاب أو الندامة على الذنوب بل هو من افضل الاعمال عند ذى الجلال كما استفاضت به اخبار الال (صلوات الله وسلامه عليهم ما ترادفت الايام والليالي) وعضدته الايات الواردة في الكتاب العزيز كقوله عزوجل " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا " (1) - فمنها - ما صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " انه قال لعلى (عليه السلام) في جملة وصيته له: والرابعة كثرة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة الف بيت في الجنة " وما رواه الصدوق (قدس سره) عن منصور بن يونس بزرج (3) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكى ؟ قال قرة عين والله. وقال إذا كان ذلك فاذكرني عنده ".


(1) سورة مريم الاية 59 (2) البحار ج 19 باب فضل البكاء وذم جمود العين (3) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة


[ 53 ]

وما رواه الشيخ (عطر الله مرقده) عن سعيد بياع السابرى (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيتباكى الرجل في الصلاة ؟ فقال بخ بخ ولو مثل رأس الذباب ". وما رواه ثقة الاسلام (نور الله ضريحه) عن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ما من شئ إلا وله كيل ووزن إلا الدموع فان القطرة تطفئ بحارا من نار فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهها قتر ولا ذلة فإذا فاضت حرمه الله على النار، ولو ان باكيا بكى في امة لرحموا ". وعن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ما من عين إلا وهى باكية يوم القيامة إلا عين بكت عن خوف الله، وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله (عزوجل) إلا حرم الله عزوجل سائر جسده على النار ولا فاضت على خده فرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، وما من شئ إلا وله كيل ووزن إلا الدمعة فان الله عزوجل يطفئ باليسير منها البحار من النار فلو ان عهدا بكى في امة لرحم الله تلك الامة ببكاء ذلك العبد ". وعن ابى حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " ما من قطرة احب الى الله عزوجل من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من الله لا يراد بها غيره ". وفى الحسن عن صالح بن رزين ومحمد بن مروان وغيرهما عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة: عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في طاعة الله وعين بكت في جوف الليل من خشية الله " وعن ابن ابى عمير في الصحيح أو الحسن عن رجل من اصحابه (6) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) اوحى الله عزوجل الى موسى ان عبادي لم يتقربوا الى بشئ أحب الى من ثلاث خصال. قال موسى (عليه السلام) يا رب وما هن ؟ قال


(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس


[ 54 ]

يا موسى الزهد في الدنيا والورع عن المعاصي والبكاء من خشيتي. قال موسى يا رب فما لمن صنع ذا ؟ فأوحى الله عزوجل إليه يا موسى اما الزاهدون في الدينا ففى الجنة واما البكاءون من خشيتي ففى الرفيع الاعلى لا يشاركهم احد واما الورعون عن المعاصي فانى افتش الناس ولا افتشهم ". وعن على بن ابى حمزة (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لابي بصير ان خفت امرا يكون أو حاجة تريدها فابدا بالله فمجده واثن عليه كما هو اهله وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) واسأل حاجتك وتباك ولو مثل رأس الذباب، ان ابى كان يقول ان أقرب ما يكون العبد من الرب وهو ساجد باك ".

(السابع) - تعمد الاكل والشرب إلا في الوتر لصائم أصابه عطش على المشهور وأصل الحكم المذكور ذكره الشيخ في الخلاف والمبسوط وادعى عليه الاجماع وتبعه عليه اكثر من تأخر عنه، ومنعه المحقق في المعتبر وطالبه بالدليل على ذلك. وهو جيد فانا لم نقف على ما يدل عليه من الاخبار، والى هذا مال جملة من أفاضل المتأخرين ومتأخريهم. قال في الذكرى: اما الاكل والشرب فالظاهر انهما لا يبطلان بمسماهما بل بالكثرة فلو ازدرد ما بين أسنانه لم يبطل اما لو مضغ لقمة وابتلعها أو تناول قلة فشرب منها فان كثر ذلك عادة ابطل وان كان لقمة أو شربة فقد قال في التذكرة يبطل لان تناول المأكور ومضغه وابتلاعه افعال معدودة. انتهى. وقال في المنتهى: لو ترك في فيه شيئا يذوب كالسكر فذاب فابتلعه لم تفسد صلاته عندنا وعند الجمهور تفسد (2) لانه يسمى أكلا. أما لو بقى بين اسنانه شئ من بقايا الغذاء فابتلعه في الصلاة لم تفسد صلاته قولا واحدا لانه لا يمكن التحرز عنه، وكذا لو كان في فيه لقمة ولم يبلعها إلا في الصلاة لانه فعل قليل. انتهى. اما لو وضع في فيه لقمة حال الصلاة ومضغها وابتلعها أو تناول قلة وشرب


(1) الوسائل الباب 29 من الدعاء (2) المغنى ج 2 ص 62


[ 55 ]

منها فقد صرح العلامة في النهاية والتذكرة على ما نقل عنهما بانه مبطل ابضا لان التناول والمضغ والابتلاع افعال كثيرة وكذا المشروب. وهذا القول جار على مذهب الشيخ المتقدم. وبالجملة فان من نازع في أصل الحكم إنما بنى فيه على حصول الكثرة وعدمها فجعل الابطال وعدمه دائرا مدار الكثرة وعدمها وإلا فالاكل والشرب من حيث هما غير مبطلين وهو الاظهر في المسألة، لنا - ان مجرد الاكل والشرب من قبيل الافعال التى تقدم في الاخبار تعدادها وما اشتملت عليه تلك الاخبار من الافراد المعدودة فيها إنما خرج مخرج التمثيل فتكون هي وما شابهها كذلك، وما زاد عليها يكون مبطلا لخروجه من الاخبار المذكورة وان علله الاصحاب بالكثرة التى عدوها من القواطع فالنزاع لفظي. وكيف كان فانه لا خلاف في استثناء الصورة المتقدمة بالشروط الواردة في الخبر الذى هو مستند الحكم المذكور وهو خبر سعيد الاعرج المتقدم (1) في جملة اخبار ما يجوز فعله في الصلاة. وهل يتعدى الحكم الى النافلة مطلقا ؟ صرح الشيخ بذلك والمشهور خلافه، قال في المعتبر: قال في المبسوط والخلاف لا بأس بشرب الماء في صلاة النافلة لان الاصل الاباحة وإنما منعناه في الفريضة بالاجماع، وقال الشافعي لا يجوز في نافلة ولا في فريضة (2). ثم استدل برواية سعيد الاعرج ثم ساق الرواية. ثم قال في المعتبر: وقوله " منعناه في الفريضة بالاجماع " لا نعلم أي اجماع اشار إليه والرواية المذكورة غير دالة على دعواه لانه ادعى الجواز في النافلة مطلقا والرواية تدل على الوتر خاصة بالقيود التى تضمنها الحديث وهى ارادة الصوم وخوف العطش وكونه في دعاء الوتر، ولا يلزم من جواز الشرب على هذا لا تقدير جوازه في النافلة


(1) ص 45 (2) الاقناع للخطيب الشربينى للشافعي ج 1 ص 123 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 254 فقد ذكرا ما يقتضى ذلك باطلاقه


[ 56 ]

مطلقا. انتهى. وهو جيد. اقول: وبغضهم لذلك تخطى عن عموم الوتر كما هو ظاهر المشهور الى تخصيص الجواز بدعائه كما هو مورد الرواية ولا ريب انه الاحوط. وأنت خبير بان هذا الاستثناء إنما يصح بناء على قول الشيخ واتباعه من الابطال بمسمى الاكل والشرب أو بناء على ان الشرب فعل كثير فيقتصر حينئذ على موضع النص والا فلا استثناء ولا قصر كما هو الاظهر وهو اختياره في المدارك ايضا المقام الثالث - في ما يكون الافضل تركه وان لم يقطعها وبعبارة اخرى ما يكره فيها: ومنها - الالتفات ييمنا وشمالا عند الاصحاب وذهب بعضهم الى انه محرم مبطل وقد تقدم تحقيق القول في ذلك قريبا. ومنها - العقص للرجل، قال في القاموس عقص شعره ضفره وفتله. والقول بالكراهة هو المشهور بين المتأخرين وذهب إليه سلار وابو الصلاح وابن ادريس وجمهور المتأخرين، وهو ظاهر عبارة الشيخ المفيد حيث قال: لا ينبغى للرجل إذا كان له شعر ان يصلى وهو معقوص حتى يحله وقد روى رخصة في ذلك للنساء. وقال الشيخ في التهذيب والمبسوط والخلاف إذا صلى الرجل وهو معقوص الشعر عامدا بطلت صلاته. واستدل عليه في الخلاف بالاجماع وبما رواه في التهذيب عن مصادف عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل الى صلى فريضة وهو معقوص الشعر ؟ قال يعيد صلاته " واجاب المتأخرون عن الاجماع بعدم ثبوته وهو جيد، وعن الرواية بضعف السند.


(1) الوسائل الباب 36 من لباس المصلى. والرواية للكليني كما في الفروع ج 1 ص 113 ورواها الشيخ عنه في التهذيب ج 1 ص 202


[ 57 ]

وفيه اولا - ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم بل ولا على من لا يرى العمل به. وبالجملة فان رد الخبر من غير معارض مشكل ومن ثم مال المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل الى تحريمه وابطال الصلاة به. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن على (عليه السلام) (1) انه قال: " نهانى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن اربع: عن تقليب الحصى في الصلاة وان اصلى وان عاقص رأسي من خلفي، وان احتجم وانا صائم، وان اخص يوم الجمعة بالصوم " وظاهر هذه الرواية الكراهة كما هو المشهور. ونفى البعد شيخنا المجلسي (قدس سره) عن حمل رواية مصادف على التقية (2). وكيف كان فالحكم مختص بالرجل واما النساء فلا كراهة فيهن اجماعا. ثم ان جمله من الاصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا بانه على تقدير التحريم لا يلزم البطلان، وعللوه بان النهى عن أمر خارج عن العبادة فلا يستلزم بطلانها. ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغفلة عن النص المذكور حيث انه قد اشتمل على الاعادة الصريحة في البطلان وليس في الباب غيره وليس هاهنا نص يتضمن النهى حتى يتجه ما ذكروه من التقريب. والله العالم. ومنها - التثاؤب والتمطى وفرقعة الاصابع والعبث بلحيته أو غيرها ونفخ موضع سجوده والتنخم والبصاق ونحو ذلك. والمستند في هذه الاشياء ونحوها عدة اخبار: منها - ما ورد في صحيح زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما اقبلت عليه، ولا تعبث فيها بيدك ولا برأسك ولا


(1) مستدرك الوسائل الباب 27 من لباس المصلى (2) في البحر الرائق ج 2 ص 23 استظهر التحريم للنهى بلا صارف (3) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة


[ 58 ]

بلحيتك ولا تحدث نفسك ولا تتثأب ولا تتمط ولا تكفر فانم ايفعل ذلك المجوس ولا تلثم ولا تحتفز ولا تفرج كما يتفرج البعير ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك ولا تفرقع اصابعك، فان ذلك كله نقصان من الصلاة، ولا تقم الى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا، فانها من خلال النفاق فان الله تعلى نهى المؤمنين أن يقوموا الى الصلاة وهم سكارى (1) يعنى سكر النوم، وقال للمنافقين: وإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (2). بيان: قال في النهاية: فيه " التثاؤب من الشيطان " التثاؤب معروف وهو مصدر تثاءب والاسم الثؤباء، وإنما جعله من الشيطان كراهية له لانه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله الى الكسل والنوم، واضافة الى الشيطان لانه الذى يدعو الى اعطاء النفس شهوتها. واراد به التحذير من السبب الذى يتولد منه وهو التوسع في المطعم والشبع فيثقل عن الطاعات ويكسل عن الخيرات. انتهى. والتمطى معروف وقيل أصله من التمطط وهو التمدد. قال في المنتهى: يكره التثاؤب في الصلاة لانه استراحة في الصلاة ومغير لهيئتها المشروعة وكذا يكره التمطى ايضا لهذه العلة، ويؤيد ذلك ما رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يتثأب في الصلاة ويتمطى ؟ قال هو من الشيطان ولن يملكه " ثم قال: وفى ذلك دلالة على رجحان الترك مع الامكان. انتهى. واما التكفير فقد تقدم الكلام فيه وكذا في اللثام. واما الاحتفاز فقال في النهاية: الحفز الحث والاعجال، ومنه حديث ابى بكرة " انه دب الى الصف راكعا وقد حفزه النفس " ومنه الحديث " انه (عليه السلام) اتى بتمر فجعل يقسمه وهو محتفز " أي مستعجل مستوفز يريد القيام، ومنه حديث على (عليه السلام) (4)


(1) سورة النساء الاية 46 (2) سورة النساء الاية 141 (3) الوسائل الباب 11 من قواطع الصلاة. (4) الوسائل الباب 3 من السجود


[ 59 ]

" إذا صلت المرأة فلتحتفز إذا جلست وإذا سجدت ولا تخوى كما يتخوى الرجل أي تتضام وتجتمع، انتهى. وقال في المجمع: في الحديث المصلى لا تلثم ولا تحتفز أي لا تتضام في سجودك بل تتخوى كما يتخوى البعير الضامر وهذا عكس المرأة فانها تحتفز في سجودها ولا تتخوى. انتهى. اقول: وقد علم من ذلك ان هذا اللفظ محتمل لمعنيين:

(أحدهما) الجلوس غير متمكن ولا متورك بل يجلس مقعيا كالمريد للقيام سريعا.

و (الثاني) بمعنى التضام في السجود أي لا تتضام في حال سجودك. وفى بعض النسخ " ولا تحتقن " والمراد به مدافعة الاخبثين. وروى في الكافي عن احمد بن محمد بن عيسى رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قمت في الصلاة فلا تعبث بلحيتك ولا برأسك ولا تعبث بالحصى وانت تصلى إلا أن تسوى حيث تسجد فلا بأس ". وروى الشيخ في التهذيب عن ابى بصير (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت في الصلاة فاعلم انك بين يدى الله تعالى فان كنت لا تراه فاعلم انه يراك فاقبل قبل صلاتك ولا تمتخط ولا تبزق ولا تتقض أصابعك ولا تورك فان قوما قد عذبوا بنقض الاصابع والتورك في الصلاة... الحديث ". اقول: ان نقض الاصابع بالقاف بعد النون ثم الضاد المعجمة، قال في القاموس: انقض اصابعه ضرب بها لتصوت. وقال في مجمع البحرين: وانقاض الاصابع تصويتها وفرقعتها وانقض أصابعه ضرب بها لتصوت، ومنه الحديث لا ينقض الرجل أصابعه في الصلاة " انتهى. والتورك قسمان: منه هو سنة وهو ما تقدم في بحث السجود والتشهد، ومكروه وهو ان يضع يديه على وركيه في الصلاة وهو قائم، وهو المراد في الخبر، قال الصدوق في الفقيه (3): ولا


(1) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة (3) ج 1 ص 198


[ 60 ]

تتورك فان الله عزوجل قد عذب قوما على التورك كان أحدهم يضع يديه على وركيه من ملالة الصلاة. وروى البزنطى في جامعه باسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا قمت في صلاتك فاخشع فيها ولا تحذث نفسك ان قدرت على ذلك واخضع برقبتك ولا تلتفت فيها ولا يجز طرفك موضع سجودك وصف قدميك وارخ يديك ولا تكفر ولا تورك " قال البزنطى (رحمه الله) فانه بلغني عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان قوما عذبوا لانهم كانوا يتوركون تضجرا بالصلاة. انتهى. قال الجزرى في النهاية: فيه " كره ان يسجد الرجل متوركا " هو ان يرفع وركيه إذا سجد حتى يفحش في ذلك. وقيل هو ان يلصق الييه بعقبيه في السجود. وقال الازهرى: التورك في الصلاة صربان سنة ومكروه، اما السنة فان ينحى رجليه في التشهد الخير ويلصق مقعدته بالارض، وهو من وضع الورك عليها والورك ما فوق الفخذ وهى مؤنثة، واما المكروه فان يضع يديه على وركيه في الصلاة وهو قائم وقد نهى عنه. انتهى كلام النهاية. وقال العلامة في المنتهى: يكره التورك في الصلاة وهو أن يعتمد بيديه على وركيه وهو التخصر روى الجمهور عن ابى هريرة (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن التخصر في الصلاة " ومن طريق الخاصة ما رواه ابى بصير، ثم ساق الرواية المتقدمة. والشهيد (قدس سره) في النفلية فسر التورك بالاعتماد على احدى الرجلين تارة وعلى الاخرى اخرى والتخصر بقبض خصره بيده، وحكم بكراهتهما معا. وروى في الكافي عن الحسن بن ابى الحسين الفارسى عن من حدثه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال. " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان


(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة عن البحارج 18 الصلاة ص 191 ومجموعة الشهيد (2) صحيح البخاري باب الخصر في الصلاة. (3) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة


[ 61 ]

الله كره لكم ايتها الامة اربعا وعشرين خصلة ونهاكم عنها: كره لكم العبث في الصلاة... " وروى في الفقيه (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله تعالى كره لى ست خصال وكرهتهن للاوصياء من ولدى واتباعهم من بعدى: العبث في الصلاة والرفث في الصوم والمن بعد الصدقة واتيان المساجد جنبا والتطلع في الدور والضحك بين القبور ". وروى الكليني عن مسمع ابى سيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال " ان النبي (صلى الله عليه وآله) سمع خلفه فرقعة فرقع الرجل اصابعه في صلاته فلما انصرف قال النبي (صلى الله عليه وآله) اما انه حظه من الصلاة ". ومنها - مدافعة البول والغائط والريح، وعلل بما فيه من سلب الخشوع والتوجه والاقبال الذى هو روح العبادة. ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه ". بيان: الموجود في التهذيب والذى نقله جمله من الاصحاب هو ما ذكرناه من قوله " ولا لحاقنة " ونقله في الوافى " لحاقن ولا لحاقب " ثم قال: بيان - كلاهما بالحاء المهملة وفى آخر الاول نون وفى آخر الثاني باء موحدة: يعنى بالحاقن حابس البول وبالحاقب حاس الغائط. ثم نقل كلام النهاية بذلك... الى ان قال فما يوجد في بعض نسخ التهذيب، لا صلاة لحاقن ولا حاقنة " بالنون فيهما جميعا فلعله تصحيف. انتهى. اقول: والظاهر انه اجتهاد منه (قدس سره) بناء على ما نقله عن النهاية


(1) الوسائل الباب 63 من الدفن (2) الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة (3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة


[ 62 ]

وإلا فالموجود في التهذيب والذى نقله الاصحاب عنه في كتب الاستدلال إنما هو ما ذكرناه، ويؤيده ان البرقى في المحاسن (1) قد رواه ايضا كذلك فروى عن ابيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " لا صلاة لحاقن ولا حاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه ". قال في المنتهى بعد ايراد هذه الصحيحة: المراد بذلك نفى الكمال لا الحصة. ثم قال بعد ذلك: يكره مدافعة الاخبثين وهو قول من يحفظ عنه العلم، قال ولو صلى كذلك صحت صلاته ذهب إليه علماؤنا ونقل عن مالك وبعض العامة القول بالاعادة (2) وروى الشيخ عن ابى بكر الحضرمي عن ابيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تصل وانت تجد شيئا من الاخبثين ". وروى في كتاب الخصال في الصحيح عن احمد بن ابى عبد الله البرقى رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانيه لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الابق حتى يرجع الى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكاة وتارك الوضوء والجارية المدركة تصلى بغير خمار وامام قوم يصلى بهم وهم له كارهون والزنين - قالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما الزنين ؟ قال الذى يدافع البول والغائط - والسكران، فهؤلاء الثمانية لا تقبل منهم صلاة ". بيان: قال في النهاية: فيه " لا يقبل الله صلاة الزبين " هو الذى يدافع الاخبثين وهو بوزن السجيل هكذا رواه بعضهم والمشهور بالنون كما روى " لا يصلين أحدكم وهو زنين " أي حاقن يقال زن فدن أي حقن فقطر. وقيل هو الذى يدافع الاخبثين معا. انتهى. وقال في القاموس في مادة " زبن " بالباء: وكسكين


(1) ص 83 (2) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 259 (3) و (4) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة


[ 63 ]

مدافع الاخبثين أو ممسكهما على كره. ولم يتعرض في " زنن " بالنون الى ذلك. ونحوه في مجمع البحرين. وروى الصدوق في كتاب معاني الاخبار والمجالس عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا صلاة لحاقن ولا لحاقب ولا لحاذق فالحاقن الذى به البول والحاقب الذى به الغائط والحاذق الذى قد ضغطه الخف " وروى في كتاب المحاسن عن عيسى بن عبد الله العمرى عن ابيه عن جده عن على بن ابى طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " لا يصل أحدكم وبه احد العصرين يعنى البول والغايط " اقول: قال في القاموس: والعصر الحبس وفى الحديث " أمر بلالا أن يؤذن قبل الفجر ليعتصر معتصرهم " أراد قاضى الحاجة وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ قال فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر " وفيه دلالة على صحة الصلاة مع الحقن كما ادعى عليه الاجماع. وكيف كان فان الحكم المذكور مخصوص بما إذا عرض له ذلك قبل الدخول في الصلاة وإلا فلو كان بعد ذلك فلا كراهة اجماعا.

مسائل:

(الاولى) - لا خلاف في جواز السلام على المصلى للاصل ولعموم قوله عزوجل " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا " (4). ولموثقة عمار السابطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) " انه سأله عن


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة (3) ارجع الى التعليقة 2 ص 6 (4) سورة النور، الاية 61 (5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة


[ 64 ]

التسليم على المصلى فقال إذا سلم عليك رجل من المسلمين وانت في الصلاة فرد عليه في ما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك ". وفى موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة ؟ قال يرد يقول سلام عليكم ولا يقل وعليكم السلام فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قائما يصلى فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا " هكذا رواه في الكافي عن عثمان بن عيسى عن سماعة (2) وفى التهذيب رواه عن عثمان بن عيسى عنه (عليه السلام) (3). وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) وهو في الصلاة فقلت السلام عليك فقال السلام عليك فقلت كيف اصبحت ؟ فسكت (عليه السلام) فلما انصرف قلت أيرد السلام وهو في الصلاة ؟ فقال نعم مثل ما قيل له ". ولا خلاف ايضا في جواز الرد من المصلى بل وجوبه، ويدل عليه موثقة عمار المذكورة وصحيحة محمد بن مسلم المذكورة ايضا. وما رواه في الفقيه في الصحيح (5) قال: " سأل محمد بن مسلم ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال إذا سلم عليك مسلم وانت في الصلاة فسلم عليه تقول الصلام عليك واشر باصبعك ".


(1) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (2) الفروع ج 1 ص 102 في الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (3) هكذا في النسخة المطبوعة ج 1 ص 29 إلا ان في هامشها علق على قوله " عثمان بن عيسى " هكذا " عن سماعة في نسخة ولعله هو الصواب لان عثمان لم ينقل عنه عليه السلام " وفى الوافى باب " رد السلام والتحميد للعطاس " نقل الرواية عن عثمان ابن عيسى عن سماعة من الكافي والتهذيب كليهما، وظاهر الوسائل ايضا ان عثمان يرويها عن سماعة، راجع الباب 16 من قواطع الصلاة (4) و (5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة


[ 65 ]

اقول: ومن اخبار المسألة ما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذ سلم عليك الرجل وأنت تصلى قال ترد عليه خفيا كما قال ". وما رواه في الفقيه (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) سلم عمار على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في الصلاة فرد عليه ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ان السلام اسم من اسماء الله تعالى ". وما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيسلم عليه الرجل هل يصلح له أن يرد ؟ قال نعم يقول السلام عليك فيشير إليه باصبعه ". وما رواه الصدوق في الخصال عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " لا تسلموا على اليهود والنصارى... الى ان قال ولا على المصلى - لانه لا يستطيع أن يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع والرد فريضة - ولا على آكل الربا ولا على رجل جالس على غائط ولا على الذى في الحمام " وما رواه الشهيد في الذكرى (5) قال: روى البزنطى عن الباقر (عليه السلام) قال: " إذا دخلت المسجد والناس يصلون فسلم عليهم وإذا سلم عليك فاردد فانى أفعله، وان عمار بن ياسر مر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصلى فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فرد عليه السلام ". وروى في الخصال (6) في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " بينما امير المؤمنين (عليه السلام) في الرحبة والناس عليه متراكمون


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة (4) و (5) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة (6) ج 2 ص 56 وفى الوسائل الباب 43 من احكام العشرة


[ 66 ]

فمن مستفت ومن مستعد إذ قام إليه رجل فقال السلام عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فنظر إليه امير المؤمنين (عليه السلام) بعينيه هاتيك العظيمتين فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته... الخبر ". وروى في الكافي عن حماد الاحمسي (1) قال: " دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) وأنا أريد ان أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال وعليك السلام أي والله انا لولده... الحديث ". وعن الحكم بن عتيبة (2) قال " بينا أنا مع ابى جعفر (عليه السلام) والبيت غاص باهله إذ اقبل شيخ يتوكأ على عنزة له حتى وقف على باب البيت فقال السلام عليك يا ابن رسول (صلى الله عليه وآله) ورحمة الله وبركاته فقال أبو جعفر (عليه السلام) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته... ". وعن ابن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا سلم احدكم فليجهر بسلامه ولا يقول سلمت فلم يردوا على ولعله يكون قد سلم ولم يسمعهم، فادا رد أحدكم فليجهر برده ولا يقول المسلم سلمت فلم يردوا على، ثم قال كان على (عليه السلام) يقول لا تغضبوا ولا تغضبوا افشوا السلام واطيبوا الكلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، ثم تلا عليهم قول الله تعالى: السلام المؤمن الميهمن " (4). وعن الحسن بن المنذر (5) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من قال السلام عليكم فهى عشر حسنات ومن قال سلام عليكم ورحمة الله فهى عشرون


(1) الفروع ج 1 ص 137 وفى الوسائل الباب 2 و 16 من اعداد الفرائض ونوافلها. والراوي - كما في الكافي والوافى باب " فضل الصلاة " والوسائل - عائذ الاحمسي لا حماد الاحمسي. (2) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 38 و 34 من احكام العشرة (4) سورة الحشر الاية 23 (5) الوسائل الباب 39 من احكام العشرة


[ 67 ]

حسنة ومن قال سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهى ثلاثون حسنة ". وعن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " ثلاثة يرد عليهم رد الجماعة وان كان واحدا: عند العطاس يقال يرحمكم الله وان لم يكن معه غيره، والرجل يسلم على الرجل فيقول السلام عليكم والرجل يدعو للرجل فيقول عافاكم الله تعالى وان كان واحدا فان معه غيره " والضمير في " غيره " راجع للواحد المذكور في جميع هذه الصور، والمراد بالغير الملائكة الموكلون به الحافظون والكاتبون وغيرهم. وعن ابى عبيدة الحذاء عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " مر امير المؤمنين (عليه السلام) بقوم فسلم عليهم فقالوا عليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه. فقال لهم امير المؤمنين (عليه السلام) لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لابينا ابراهيم (عليه السلام) إنما قالوا رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ". وعن عنبسة بن مصعب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " القليل يبدأون الكثير بالسلام والراكب يبدأ الماشي وأصحاب البغال يبدأون اصحاب الحمير وأصحاب الخيل يبدأون أصحاب البغال ". وعن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد وإذا لقيت جماعة جماعة سلم الاقل على الاكثر وإذا لقى واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة ". إذا عرفت ذلك فههنا فوائد شريفة ونكات لطيفة يحب التنبيه عليها في المقام ليكمل بها النظام: الاولى - لا خلاف في وجود الرد في الصلاة كان أم لا، والاصل فيه


(1) الوسائل الباب 41 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة (3) و (4) الوسائل الباب 45 من احكام العشرة


[ 68 ]

قبل الاخبار الاية الشريفة وهى قوله عزوجل: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (1). والمراد بالتحية في الاية السلام أو ما هو اعم منه، والتحية لغة ايضا السلام، قال في القاموس: التحية السلام. وقال في المصباح المنير: وحياه تحية أصله الدعاء بالحياة، ومنه التحيات لله أي البقاء، وقيل الملك، ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشارع في دعاء مخصوص وهو " سلام عليكم ". وفى المغرب حياه بمعنى احياه تحية كبقاه بمعنى ابقاه تبقية، هذا أصلها ثم سمى ما حيى به من سلام ونحوه تحية، قال الله تعالى: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " (2) وحقيقة " حييت فلانا " قلت حياك الله أي عمرك الله. انتهى. وقال امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: التحية السلام يقال حيى يحيي تحية إذا سلم. وقال في تفسير الاية امر الله المسلمين برد السلام على المسلم باحسن مما سلم ان كان مؤمنا وإلا فليقل " وعليكم " لا يزيد على ذلك، فقوله: " باحسن منها " للمسلمين خاصة وقوله: " اوردوها ": لاهل الكتاب، عن ابن عباس فإذا قال المسلم " السلام عليكم " فقلت " وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته " فقد حييته باحسن منها وهذا منتهى رد السلام. وقيل ان قوله " اوردوها " للمسلمين ايضا عن السدى وعطاء وابراهيم وابن جريح قالوا إذا سلم عليك فرد عليه باحسن مما سلم عليك أو بمثل ما قال. وهذا اقوى لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". وذكر على بن ابراهيم في تفسيره عن الصادقين (عليهم السلام) ان المراد بالتحية في الاية السلام وغيره من البر، وذكر الحسن ان رجلا دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال السلام عليك فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله فجاءه آخر فقال السلام عليك ورحمة الله فقال (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته


(1) سورة النساء الاية 88 (2) سورة الاحزاب الاية 43 (3) صحيح مسلم ج 2 ص 138 كتاب السلام باب الرد على اهل الكتاب


[ 69 ]

فجاءه آخر فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقيل يا رسول الله زدت للاول والثانى في التحية ولم تزد للثالث فقال انه لم يبق لى من التحية شيئا فرددت عليه مثله. انتهى كلامه زيد مقامه أقول: ومن الاخبار الواردة على العموم كما ذكره على بن ابراهيم في تفسيره ما رواه الصدوق في الخصال بسنده في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) (1) قال: " إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله ويقول هو يغفر الله لكم ويرحمكم قال الله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (2) وفى كتاب المناقب لابن شهر اشوب (3) " جاءت جارية للحسن (عليه السلام) بطاق ريحان فقال أنت حرة لوجه الله. فقيل له في ذلك فقال (عليه السلام) ادبنا الله تعالى فقال: " إذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (4) وكان أحسن منها عتقها ". ويؤيده ما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5) من ان رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام. بقى هنا اشكال وهو انه على تقدير العموم في الاية يلزم وجوب تعويض كل بر واحسان والظاهر انه لا قائل به بل ربما دلت الاخبار على العدم، ويمكن حمل الاية على الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب، وعلى هذا فالاستدلال بالاية المذكورة على وجوب الرد لا يخلو من الاشكال إلا ان يقال ان الواجب الحمل على مقتضى ظاهر الامر وقيام الدليل الصارف في بعض الافراد لا يستلزم القول بذلك في ما لا دليل عليه.


(1) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (2) و (4) سورة النساء الاية 88 (3) البحار ج 18 الصلاة ص 204 (5) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة


[ 70 ]

هذا. واما الاخبار الدالة على وجوب الرد فقد تقدمت الاشارة إليها الثانية - المفهوم من الاخبار التى قدمناها ان الرد من المصلى بمثل ما قيل له من " السلام عليكم " و " السلام عليك " ونحوهما، وقد تضمنت موثقة سماعة النهى عن الرد بقوله " وعليكم السلام " واما غير المصلى فانه يرد بقوله " وعليكم السلام " بتقديم الظرف. هذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولابن ادريس خلاف في موضعين، قال في الروض بعد ذكر وجوب الرد بالمثل في الصلاة وذكر بعض الاخبار الدالة عليه: وخالف ابن ادريس في اعتبار المثل فجوز الرد بقوله " عليكم السلام " خصوصا مع تسليم المسلم به لعموم الاية واستضعافا لخبر الواحد والاصحاب على خلافه. انتهى. والاظهر هو القول المشهور لما تقدم من الاخبار الصريحة في ذلك. ويظهر من العلامة في المختلف موافقة ابن ادريس في عدم وجوب الرد بالمثل ايضا. وخالف ابن ادريس ايضا بالنسبة الى غير المصلى فجوز الرد بالمثل ووافقه في ذلك بالنسبة الى غير المصلى الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث جوز الرد بالمثل استنادا الى ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) في حديث قال: " إذا سلم عليكم مسلم فقولوا سلام عليكم وإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك ". وانت خبير بان الاخبار الكثيرة مما قدمنا ذكره وما لم نذكره كلها متفقة الدلالة على الرد بتقديم الظرف عكس ما يسلم به المسلم. ويمكن الجواب عن هذه الرواية بان الغرض من هذا اللفظ إنما هو بيان الفرق بين الرد على المسلم والكافر بان الكافر يقتصر في افرد عليه بقوله " عليك " من غير اردافه بالتسليم عليه بخلاف المسلم فانه يردفه بالتسليم عليه، وسياق الخبر إنما هو في ذلك وليس الخبر مسوقا


(1) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة


[ 71 ]

لبيان كيفية الرد كما في الاخبار التى قدمناها. ولا بأس بذكر الخبر كملا لتظهر للناظر قوة ما ذكرناه من الاجمال وهو ما رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " دخل يهودى عى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة عنده ففال السام عليكم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليكم. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد (صلى الله عليه وآله) عليه كما رد على صاحبه. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه كما رد على صاحبيه فغضبت عائشة فقالت عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود يا اخوة القردة والخنازير. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا عائشة ان الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء ان الرفق لم يوضع على شئ قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شانه. قالت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما سمعت الى قولهم: السام عليكم ؟ فقال بلى اما سمعت ما رددت عليهم ؟ قلت عليكم، فإذا سلم عليكم مسلم... الحديث كما تقدم ". وسياق الخبر كما ترى إنما هو في ما ذكرناه لا في بيان كيفية الرد وحينئذ فالمراد منه إنما هو بيان زيادة لفظ السلام في الرد على المسلم دون الكافر وذكره بهذه الكيفية وقع تعليما لذلك، والاخبار المتقدمة صريحة في أن الكيفية الواجبة في الرد هي التى يقدم فيها الظرف كما عرفت. وبما ذكرناه صرح العلامة في التذكرة فقال: وصيغة الجواب " وعليكم السلام، ولو قال: " وعليك السلام " لا واحد جاز. ولو ترك العطف فقال: " عليكم السلام " فهو جواب خلافالبعض الشافعية (2) فلو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الاخر وجب على كل واحد منهما جواب الاخر ولا يحصل


(1) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة (2) في فتح الباري ج 11 ص 29 باب " من رد فقال عليك السلام " عن النووي انه قال اتفق اصحابنا ان المجيب لو قال " عليك " بغير واو لم يجزئ وان قال بالواو فوجهان.


[ 72 ]

الجواب بالسلام. انتهى. وذهب بعض الى الجمع بين الاخبار بالتخيير والاظهر ما قدمناه.

(الثالثة) - المفهوم من الاخبار ان صينة السلام التى يسلم بها لابد أن يبدأ فيها بلفظ السلام مثل " سلام عليكم أو عليك " أو " السلام " باحد الوجهين، فاما تقديم الظرف فانما هو في الجواب من غير المصلى كما عرفت. ونقل بعض المتأخرين عن ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان " عليك السلام أو عليكم السلام " صحيح يوجب الرد. وانكره في الذخيرة فقال ولم اطلق على ما نقله عن ظاهر الاصحاب إلا في كلام ابن ادريس مع انه قد صرح العلامة في التذكرة بخلافه فقال: ولو قال " عليك السلام " لم يكن مسلما إنما هي صيغة جواب. انتهى. وهو الموافق لما ورد في الاخبار كما أشرنا إليه وهو ظاهر لمن تتبع الاخبار وقد روى العامة عنه (صلى الله عليه وآله) (1) " انه قال لمن قال عليك السلام يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتى، إذا سلمت فقل سلام عليك فيقول الراد عليك السلام ". واما كلام ابن ادريس في هذا المقام فانه قال في السرائر: ويرد المصلى السلام إذا سلم عليه قولا لا فعلا ولا يقطع ذلك صلاته سواء رد بما يكون في لفظ القرآن أو ما يخالف ذلك إذا أدى بالرد الواجب الذى تبرأ ذمته به. إذا كان المسلم عليه قال له " سلام عليك أو سلام عليكم أو السلام عليكم أو عليكم السلام " فله ان يرد عليه باى هذه الالفاظ كان لانه رد سلام مأمور به وينويه رد سلام لا قراءة قرآن إذا سلم الاول بما قدمنا ذكره، فان سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلى الرد


(1) في سنن ابى داود ج 4 ص 353 كتاب الادب باب " كراهة ان يقول وعليك السلام " عن ابى جري الهجيمى قال " اتيت النبي (ص) فقلت عليك السلام يارسول الله صلى الله عليه وآله فقال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية لموتي "


[ 73 ]

عليه لانه ما تعلق بذمته الرد لانه غير سلام، وقد اورد شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه خبر عن محمد بن مسلم قال: دخلت على ابن جعفر (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه (1) ثم قال اورد هذا الخبر ايراد راض به مستشهدا به محتجا على الخصم بصحته، فاما ما اورده في نهايته فخبر عثمان بن عيسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) وقد ذهب بعض اصحابنا (رضوان الله عليهم) الى خبر عثمان ابن عيسى فقال: ويرد المصلى السلام على من سلم عليه ويقول له في الرد " سلام عليكم " ولا يقول له: وعليكم " وان قال له المسلم " عليكم السلام " فلا يرد مثل ذلك بل يقول " سلام عليكم " والاصل ما ذكرناه لان التحريم يحتاج الى دليل. انتهى. اقول: لا يخفى ان موثقة سماعة وان دلت بظاهرها على تعين الجواب بقوله " سلام عليكم " لكنها محمولة على ما إذا كان المسلم عليه بهذه الصيغة عملا بما دل على وجوب الرد بالمثل حال الصلاة فان المستفاد منها انه يرد بمثل ما سلم عليه، ونحوها في ذلك رواية محمد بن مسلم المنقولة عن الفقيه (3) حيث قال فيها " إذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلم عليه تقول: السلام عليكم " فانها مبنية على كون المسلم يسلم بهذه الصيغة ايضا، وبالجملة فان اطلاق هذين الخبرين محمول على ما دل على وجوب الجواب بالمثل كما في صحيحة محمد بن مسلم لما سلم على ابى جعفر بقوله " السلام عليك " فاجابه بقوله " السلام عليك " ثم ذكر في آخر الرواية انه يرد بمثل ما قيل له. ونحو ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم (4) " ترد عليه خفيا كما قال " وما ذكرناه ظاهر من الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض لا ما توهمه من تعين الجواب ب‍ " سلام عليكم " وان سلم عليه بصيغة اخرى غيرها. واما ما ذكره في صيغ السلام التى يسلم بها - من انها " سلام عليكم أو سلام عليك أو السلام عليكم أو عليكم السلام " وان عدا هذه الصيغ الاربع لا يجب


(1) ص 64 (2) هو خبر سماعة المتقدم ص 64 وقد تقدم هناك منه (قدس سره) ان الشيخ رواه عن عثمان بن عيسى عنه (ع) (3) ص 64 وفيها " السلام عليك " (4) ص 65


[ 74 ]

رد الجواب فيها لانه ليس بسلام فلا يجوز للمصلى الرد عليه - ففيه (أولا) ان من جملة صيغ التسليم " السلام عليك " كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم حيث سلم به على الامام (عليه السلام) فاجابه بمثله. (وثانيا) ان صيغة " عليكم السلام " ليست من صيغ الابتداء بالسلام وإنما هي من صيغ الرد كما تقدم نقله عن العلامة في التذكرة. والاستناد الى إطلاق صدق التحية في الاية يجب تقييده بالاخبار، فان المفهوم منها ان صيغ الابتداء بالسلام هي ما ذكرناه فيجب حمل اطلاق الاية على ذلك. وبذلك ايضا يظهر لك ما في كلام العلامة في المختلف حيث ان ظاهره موافقة ابن ادريس في هذا المقام، حيث قال - بعد ان نقل عن الشيخ انه يرد مثل ما قيل له " سلام عليكم " ولا يقول " وعليكم السلام " وذكر انه احتج على ذلك بحديث عثمان ابن عيسى المتقدم نقله عن سماعة - وعندي في العمل بهذه الرواية نظر فان في طريقها عثمان بن عيسى وهو ضعيف. ثم نقل كلام ابن ادريس من قوله: واما ما أورده في نهايته... الخ. ثم قال: وهذا الكلام يشعر بتسويغ ذلك لو قال له المسلم وعليكم السلام. انتهى. ثم قال بعد ذلك: الخامس في الحديث الذى رواه محمد بن مسلم اشعار بالايتان بالمثل، والاقرب انه ليس واجبا بل لو أتى بمغايره من التحيات لم يكن عندي به يأس. انتهى. اقول: لا يخفى ان من تأمل الاخبار بعين الاعتبار ظهر له ما في كلامهما من القصور وإن المعتمد هو القول المشهور من وجوب الرد بالمثل في الصلاة بشرط ان يكون السلام من الصيغ الواردة في الاخبار وهى الاربع المقتدمة واما في غير الصلاة فيرد بايها شاء بتقديم الظرف. أما لو قال " سلام أو سلاما أو والسلام أو سلام الله عليك " أو نحو ذلك فتردد بعض الاصحاب في وجوب الرد من حيث صدق التحية عرفا وعدم ثبوت عموم الاية، وظاهر ابن ادريس كما عرفت العدم لخروج ذلك عن الصيغ التى ذكرها وهو الاقرب فان القدر المعلوم من الاخبار هو ما ذكرناه من الصيغ الاربع


[ 75 ]

المتقدمة والحكم باشتغال الذمة يحتاج الى دليل قاطع وليس فليس. وصدق التحية عرفا مقيد بالاخبار إذا الحكم شرعى لا عرفى ليكون مناطه العرف. الرابعة - لا خلاف في أن الرد واجب كفاية لا عينا وكدا استحباب الابتداء به كفاية لا عينا ونقل في التذكرة عليه الاجماع. ويدل عليه من الاخبار مضافا الى الاجماع ما رواه في الكافي في الموثق عن غياث ابن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذ سلم من القوم واحد اجزأ عنهم وإذا رد واحد اجزأ عنهم ". وعن ابن بكير عن بعض اصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا مرت الجماعة بقوم اجزأهم ان يسلم واحد منهم وإذا سلم على القوم وهم جماعة اجزأهم ان يرد واحد منهم ". وبهذين الخبرين مضافا الى الاجماع المدعى في المسألة يحص اطلاق الاية. وايده بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه إنما سلم سلاما واحدا فليس له الاعوض واحد فإذا تحقق خرجوا عن العهدة. ثم الظاهر انه انما يسقط برد من كان داخلا في المسلم عليهم فلا يسقط برد من لم يكن داخلا فيهم. وهل يسقط برد الصبى المميز الداخل فيهم ؟ اشكال واستظهر في المدارك العدم وان قلنا ان عبادته شرعية، قال لعدم امتثال الامر المقتضى للوجوب. وقال في الذكرى: وجهان مبنيان على صحة قيامه بفرض الكفاية وهو مبنى على ان افعاله شرعية أو لا وقد سبقت الاشارة إليه، ونحوه في الروض إلا انه رجح ان افعاله تمرينية فلا يجزئ رد سلامه. وقد تقدم لنا تحقيق في المسألة يؤذن بجواز الاكتفاء برده وان كان الاحوط ما ذكر. ولا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين حصول الاجزاء به إلا ان ظاهر الاية خلافه لتوجه الخطاب فيها الى المكلفين.


(1) و (2) الوسائل الباب 46 من احكام العشرة


[ 76 ]

ولو كان المسلم صبيا مميزا ففى وجوب الرد عليه وعدمه وجهان استظهر اولهما جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - السيد السند في المدارك وجده في الروض وغيرهما، ووجه قربه دخوله تحت عموم الاية. ولو رد بعض الجماعة فهل يجوز للمصلى الرد ايضا أم لا ؟ قال في الذكرى: لم يضر لانه مشروع في الجملة ثم توقف في الاستحباب من شرعيته خارج الصلاة مستحبا، ومن انه تشاغل بغير الصلاة مع عدم الحاجة إليه. واستجود في الروض جوازه واستحبابه لعموم الاوامر إذ لا شك انه مسلم عليه مع دخوله في العموم فيخاطب بالرد استحبابا ان لم يكن واجبا. وزوال الوجوب بالكفاية لا يقدح في بقاء الاستحباب كما في غير الصلاة فان استحباب رد الثاني متحقق اتفاقا ان لم يوصف بالوجوب معللا بالامر. انتهى. والمسألة محل توقف لان المسألة خالية من النص وقياس حال الصلاة على خارجها قياس مع الفارق الخامسة - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب الاسماع تحقيقا أو تقديرا، قال في الذخيرة: ولم اجد أحدا صرح بخلافه في غير حال الصلاة. وقال في المدارك: وهل يجب على المجيب اسماع المسلم تحقيقا أو تقديرا ؟ قيل نعم لعدم صدق التحية عرفا ولا الرد بدونه، وقيل لا وهو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر وقواه شيخنا المعاصر لرواية عمار المتقدمة (1) ورواية منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سلم عليك رجل... ثم ساق الرواية كما قدمنا (2) ثم قال: وفى الروايتين قصور من حيث السند فلا تعويل عليهما. انتهى. اقول، لا يخفى ما في كلامه هنا من النظر الظاهر للخبير الماهر وذلك فان رواية عمار هذه قد استدل بها سابقا على وجوب الرد في الصلاة ووصفها بكونها موثقة كما استدل ايضا بموثقة سماعة ووصفها بذلك. وحينئذ فان كانت الاخبار الموثقة من الادلة الشرعية صح ما ذكره أو لا وينبغى أن يجيب عن الموثقة المذكورة


(1) ص 63 (2) ص 65


[ 77 ]

بغير ضعف السند وإلا فلا وجه لاستدلاله اولا بها ولا بموثقة سماعة ولكن هذه قاعدته كما نبهنا عليه في غير مقام من استدلاله بالموثقات عند الحاجة إليها وردها بضعف السند عند اختياره خلاف ما دلت عليه كما تراه هنا قد وصف رواية عمار في مقام الاستدلال بكونها موثقة وفى مقام الاعراض عنها بكونها رواية عمار وهى طريقة غير محمودة، إلا أن ضيق المقام في هذا الاصطلاح الذى هو الفساد اقرب من الصلاح اوجب لهم انحلال الزمام وعدم الوقوف على قاعدة في المقام. واما صحيحة منصور بن حازم فليس في سندها من ربما يحصل الاشتباه به إلا محمد بن عبد الحميد الذى سبق الكلام معه فيه حيث توهم من ظاهر عبارة الخلاصة في ترجمته كما كتبه جده (قدس سرهما) على حواشيها ان التوثيق فيها انما يرجع الى ابيه وقد اوضحنا في ما سبق بطلانه ولهذا ان أصحاب هذا الاصطلاح يعدون حديثه في الصحيح وهو الحق كما لا يخفى على الممارس. نعم يبقى الكلام في مضمون الخبرين المذكورين فانهما ظاهران في ما ذهب إليه الفاضلان المتقدمان فينبغي الجواب عنهما عند من قال بوجوب الاسماع، وكان هذا هو الاولى بالتعرض في المقام إلا ان تلك الطريقة التى عكف عليها اسهل تناولا في الخروج عن ضيق الالزام. والتحقيق عندي في المقام ان يقال: الظاهر من كلام جل الاصحاب (رضوان الله علهيم) وجوب الاسماع تحقيقا أو تقديرا في الصلاة وغيرها والمخالف إنما اسند له الخلاف في الصلاة خاصة، ويدل على ما ذهب إليه الاصحاب اطلاق رواية ابن القداح المتقدمة (1) ويؤيدها ايضا ما رواه في معاني الاخبار عن عبد الله بن الفضل (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى التسليم في الصلاة قال التسليم علامة الامن وتحليل الصلاة. قلت وكيف ذاك جعلت فداك ؟ قال كان الناس في ما مضى إذا سلم عليهم وارد امنوا شره وكانوا إذا ردوا عليه امن شرهم


(1) ص 66 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم


[ 78 ]

وان يسلم لم يأمنوه وان لم يردوا على المسلم لم يأمنهم، وذلك خلق في العرب... الحديث، وقد اشتمل صحيح محمد بن مسلم (1) على اسماع ابى جعفر (عليه السلام) له وهو في الصلاة، وحينئذ فيمكن تأويل هذين الخبرين بحمل قوله " خفيا " في صحيحة منصور بن حازم و " بينك وبين نفسك " في موثقة عمار على ما يحصل به اسماع المسلم من غير اجهار يزيد على ذلك كما يشير إليه قوله في موثقة عمار: " ولا ترفع صوتك " بعنى الجهر المنهى عنه في الاية (2) ومثل هذا التجوز في الاخبار غير عزيز. واحتمل بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) حملهما على التقية، قال لان المشهور عند العامة عدم وجوب الرد نطقا (3) ولعله الاقرب، ويؤيده ما ذكره شيخنا في الذكرى في جملة المسائل التى عدها في المقام، قال: الثانية - لو كان في موضع تقية رد خفيا واشار وقد تحمل عليه الروايتان السابقتان. واشار بالروايتين الى روايتي منصور وعمار المذكورتين، وهو جيد وبه يزول الاشكال في المقام.


(1) ص 64 (2) سورة بنى اسرائيل، الاية 110 (3) في الهداية لشيخ الاسلام المرغينانى الحنفي ج 1 ص 43 " ولا يرد السلام بلسانه لانه كلام ولا بيده لانه سلام معنى حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته " وفى البحر الرائق ج 2 ص 8 عن الخلاصة: " السلام ورده مفسد للصلاة عمدا أو سهوا لانه من كلام الناس ويشمل ما إذا قال " السلام " فقط من غير ان يتبعه ب‍ " عليكم ". ثم قال واما رد السلام باليد أو بالراس أو بالاصبع فعن الخلاصة والفتاوى الظهيرية لا يفسد ونقل ابن امير الحاج عن بعض انه نسب الى ابى حنيفة فساد الصلاة بالرد باليد وصريح الطحاوي في شرح الاثار عدم الفساد عند ابى حنيفة وابى يوسف ومحمد. وقال ابن نجيم الحق ان الفساد غير ثابت في المذهب " وقال ابن حزم في المحلى ج 4 ص 46 " من سلم عليه وهو يصلى فليرد اشارة لا كلاما إما بيده أو برأسه " ولم ينقل خلافا من احد. وفى فتح الباري ج 11 ص 16 " يستحب ان يرد المصلى السلام بالاشارة وان رد بعد الفراغ من الصلاة لفظا فهو احب ".


[ 79 ]

السادسة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه إذا سلم عليه في الصلاة بقوله " سلام عليكم " يجب أن يكون الجواب مثله ولا يجوز الجواب ب‍ " عليكم السلام " ونسبه المرتضى (رضى الله عنه) الى الشيعة، وقال المحقق هو مذهب الاصحاب قاله الشيخ وهو حسن. وقد تقدم الكلام في ذلك ولم يخالف فيه الا ابن ادريس والعلامة في المختلف كما عرفت، والاصحاب انما نقلوا هنا خلاف ابن ادريس خاصة وكأنهم لم يطلعوا على كلام العلامة في المختلف وإلا فهو كذلك كما اوضحناه آنفا. وقال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض: ولا يقدح في المثل زيادة الميم في " عليكم " في الجواب لمن حذفه لانه ازيد دون العكس لانه ادون. انتهى. وفيه، إشكال ومثله ما لو زاد في الرد بما يوجب كونه أحسن، ووجه الاشكال تضمن الاخبار ان المصلى يرد بمثل ما قيل له كما في صحيحة محمد بن مسلم وكما قال في صحيحة منصور بن حازم (1) ويؤيده اقتصار ابن جعفر (عليه السلام) في الرد على محمد بن مسلم بمثل ما قال. والاية وان تضمنت التخيير بين المثل والاحسن إلا انها مخصوصة بالاخبار المذكورة ومحمولة على ما عدا المصلى. السابعة - إذا سلم عليه وهو في الصلاة وجب الرد عليه لفظا ولا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ونسبه في التذكرة الى علمائنا، وقال في المنتهى: ويجوز له ان يرد السلام إذا سلم عليه نطقا ذهب إليه علماؤنا اجمع. وحمل كلامه على ان الظاهر ان مراده من الجواز نفى التحريم ردا لقول بعض العامة (2) وقال في الذكرى: يجب الرد عليه لعموم قوله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " (3) والصلاة غير منافية لذلك وظاهر الاصحاب مجرد الجواز للخبرين الاتيين والظاهر انهم ارادوا به بيان شرعيته ويبقى الوجوب معلوما من


(1) ص 64 و 65 (2) ارجع الى التعليقة 3 ص 78 (3) سورة النساء الاية 88


[ 80 ]

القواعد الشرعية، وبالغ بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال تبطل الصلاة لو اشتغل بالاذكار ولما يرد السلام، وهو من مشرب اجتماع الامر والنهى في الصلاة كما سبق والاصح عدم البطلان بترك رده. اقول: لا ريب ان جل الاخبار التى قدمناها ظاهرة في المشروعية بل الوجوب، للامر بذلك الذى هو حقيقة في الوجوب في موثقة سماعة وصحيحة محمد ابن مسلم المروية في الفقيه (1) مضافا الى الاية، وباقى الاخبار تدل على المشروعية وكأنه اشار بالخبرين الاتيين الى موثقة عمار وصحيحة منصور (2) الدالتين على الرد خفيا لانه مع عدم الاسماع لا يتحقق الرد كما تقدم تحقيقه. الثامنة - قد تكاثرت الاخبار باستحباب الابتداء بالسلام وظاهرها افضليته على الرد وان كان الرد واجبا، وهذا أحد المواضع التى صرحوا فيها بافضلية المستحب على الواجب: روى في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) السلام تطوع والرد فريضة ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " البادئ بالسلام اولى بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله ". وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: " كان سليمان (عليه السلام) يقول افشوا سلام الله تعالى فان سلام الله لا ينال الظالمين ". اقول: المراد بافشاء السلام هو ان يسلم على كل من يلقاه من المسلمين ولو كان ظالما، وحيث كان السلام بمعنى الرحمة والسلامة من آفات الدنيا ومكاره الاخرة فانه لا ينفع الظالمين ولا ينالهم ونفعه انما يعود الى المسلم خاصة


(1) ص 64 (2) ص 65 (3) و (4) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (5) الوسائل الباب 34 من احكام العشرة


[ 81 ]

وعن محمد بن قيس في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان الله يحب افشاء السلام ". وعن معاوية بن وهب في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان الله عزوجل قال البخيل من بخل بالسلام " وعن هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من التواضع ان تسلم على من لقيت ". وقد تقدم (4) حديث الحسن بن المنذر الدال على ثواب المسلم وتزايده بتزايد الصيغة في التسليم. وروى في الكافي (5) بالسند الاول من هذه الاخبار قال: " من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه. وقال ابدأوا بالسلام قبل الكلام فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه " قال الشارح المحقق المازندرانى (قدس سره) في شرحه على الكتاب: لان ترك السنة المؤكدة والاستخفاف بها وبالؤمن خصوصا إذا كان بالتجبر يقتضى مقابلة التارك بالاستخفاف. التاسعة - الشمهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان وجوب الرد فورى، قالوا لانه المتبادر من الرد والفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة في الاية، وربما يمنع ذلك في الفاء الجزائية. والمسألة محل توقف لعدم الدليل الناص في ما ذكروه وان كان هو الاحوط. ثم انه يتفرع على الفورية ان التارك له ياثم، وهل يبقى في ذمته مثل سائر الحقوق ؟ تأمل فيه بعض الاصحاب قال إلا أن يكون اجماعيا. وقال بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم): الظاهر ان الفورية المعتبرة في رد السلام إنما هو تعجيله بحيث لا يعد تاركا له عرفا وعلى هذا لا يضر اتمام كلمة أو كلام لو وقع السلام في اثنائهما. انتهى. وهو جيد.


(1) و (3) الوسائل الباب 34 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (4) ص 66 (5) الوسائل الباب 32 من احكام العشرة


[ 82 ]

العاشرة - قال في التذكرة: ولو ناداه من وراء ستر أو حائط فقال " السلام عليك يا فلان " أو كتب كتابا وسلم عليه فيه أو أرسل رسولا فقال: " سلم على فلان " فبلغه الكتاب والرسالة قال بعض الشافعية (1) يجب عليه الجواب لان تحية الغائب إنما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة وقد قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها " (2) والوجه انه ان سمع النداء وجب الجواب وإلا فلا. انتهى. قال في الذخيرة بعد نقله: وهو متجه لعدم ثبوت شمول الاية للصور المذكورة عدا صورة المناداة مع سماع النداء. اقول: روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام، والبادئ بالسلام أولى بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله " وهذا الخبر دال بعمومه على وجوب رد السلام الذى كتب له في ذلك الكتاب لانه من جملة ما يتوقع صاحبه رده سيما إذا كان الكتاب إنما يشتمل على مجرد الدعاء والسلام وقد حكم (عليه السلام) بوجوب رده كرد السلام. وفى قوله " والبادئ بالسلام... الخ " اشارة الى ان البادئ بالكتاب أفضل كما تقدم الخبر بذلك في أفضلية الابتداء بالسلام، وبالجملة فان ظاهر الخبر ان حكم الكتاب في وجوب الرد كحكم السلام. وروى في الكافي ايضا عن ابى كهمش (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) عبد الله بن ابى يعفور يقرأك السلام قال وعليك وعليه السلام إذا اتيت عبد الله فاقرأه السلام وقل له... الحديث " وفى هذا الخبر دلالة على استحباب الارسال بالسلام وان الرد بصيغة الرد على الحاضر بتقديم الظرف.


(1) الاذكار للنووي ص 199 (2) سورة النساء الاية 88 (3) الوسائل الباب 33 من احكام العشرة (4) الوسائل الباب 43 من احكام العشرة


[ 83 ]

الحادية عشرة - لو ترك المصلى الرد واشتغل باتمام الصلاة يا ثم وهل تبطل الصلاة ؟ قيل نعم للنهى المقتضى للفساد. وقيل ان اتى بشئ من الاذكار في زمان الرد بطلت. وقيل ان اتى بشئ من القراءة أو الاذكار في زمان وجوب الرد فلا يعتد بها بناء على ان الامر بالشئ بستلزم النهى عن ضده والنهى عن العبادة يقتضى الفساد، ولكن لا يستلزم بطلان الصلاة إذ لا دليل على ان الكلام الذى يكون من قبيل الذكر والدعاء والقرآن يبطل الصلاة وإن كان حراما، فان استمر على ترك الرد وقلنا ببقائه في ذمته لزم بطلان الصلاة لانه لم يتدارك القراءة والذكر على وجه صحيح. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: والحق ان الحكم بالبطلان موقوف على مقدمات اكثرها بل كلها في محل المنع لكن الاحتياط يقتضى اعادة مثل تلك الصلاة. انتهى. وهو جيد. الثانية عشرة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) تحريم سلام المرأة على الأجنبي وعللوه بان صوتها عورة فاستماعه حرام وتوقف جملة من متأخرى المتأخرين إذ الظاهر من الاخبار عدم كون صوتها عورة. أقول: وهو الحق مضافا الى ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ربعى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورواه في الفقيه مرسلا قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسلم على النساء ويرددن عليه وكان امير المؤمنين (عليه السلام) يسلم على النساء وكان يكره ان يسلم على الشابة منهن ويقول اتخوف أن يعجبنى صوتها فيدخل على اكثر مما اطلب من الاجر " قال في الفقيه: إنما قال (عليه السلام) لغيره وان عبر عن نفسه وأراد بذلك ايضا التخوف من ان يظن انه يعجبه صوتها فيكفر، قال: ولكلام الائمة (صلوات الله عليهم) مخارج ووجوه لا يعقلها إلا العالمون.


(1) الوسائل الباب 48 من احكام العشرة


[ 84 ]

اقول: ونظيره في القرآن من باب " اياك اعني واسمعي يا جارة " كثير. وروى في الفقيه (1) قال: " سأل عمار الساباطى ابا عبد الله (عليه السلام) عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن عن القوم ؟ قال المرأة تقول عليكم السلام والرجل يقول السلام عليكم ". واما ما رواه في الكافي عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا تسلم على المرأة " فهو محمول على الكراهة جمعا. ثم ان على المشهور من التحريم على الأجنبي فهل يحب الرد عليها ؟ قيل يحتمل ذلك لعموم الدليل والعدم لكون المتبادر التحية المشروعة، وهو مختار التذكرة حيث قال: ولو سلم رجل على امرأة أو بالعكس فان كان بينهما زوجية أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب وإلا فلا. قالوا: وفى وجوب الرد عليها لو سلم عليها اجبني وجهان فيحتمل الوجوب نظرا الى عموم الاية فيجوز اختصاص تحريم الاستماع بغيره، ويحتمل العدم كما اختاره العلامة ويحتمل وجوب الرد خفيا كما قيل. اقول: وهذا البحث لما كان على غير اساس كما عرفت فلا وجه للتشاغل بصحته وابطاله. الثالثة عشرة - قال العلامة في التذكرة: ولا يسلم على أهل الذمة ابتداء، ولو سلم عليه ذمى أو من يعرفه فبان ذميا رد بغير السلام بان يقول " هداك الله أو انعم الله صباحك أو اطال الله بقاءك " ولو رد بالسلام لم يزد في الجواب على قوله " وعليك " انتهى اقول: الذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما تقدم (3) من صحيحة زرارة أو حسنته في رد النبي (صلى الله عليه وآله) على اليهود، وما رواه في الكافي عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال امير المؤمنين


(1) الوسائل الباب 39 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 130 من النكاح (3) ص 71 (4) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة


[ 85 ]

(عليه السلام) لابتدأوا أهل الكتاب بالتسليم وإذا اسلموا عليكم فقولوا وعليكم " وعن سماعة في الموثق (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليهودي والنصراني والمشرك إذا سلموا على الرجل وهو جالس كيف ينبغى ان يرد عليهم ؟ قال يقول عليكم ". وعن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا سلم عليك اليهودي والنصراني والمشرك فقل عليك ". وعن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " تقول في الرد على اليهودي والنصراني سلام ". وعن محمد بن عرفة عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام) كيف ادعو لليهودي والنصراني ؟ قال تقول بارك الله لك في دنياك ". اقول: المستفاد من الخبر الاول تحريم ابتداء أهل الكتاب بالسلام ونحوهم من المشركين بطريق الاولى، ولا ينافى ذلك ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) أرأيت ان احتجت الى متطبب وهو نصراني ان اسم وادعو له ؟ قال نعم ولا ينفعه دعاؤك " لانا نجيب عنه بالحمل عن حال الضرورة، وكذا ما تقدم ايضا (6) من حديث " افشوا سلام الله فان سلام الله لا ينال الظالمين " ونحوه، لانا نجيب عنه بان خبر غياث خاص وهذا عام والقاعدة تقديم العمل بالخاص وتخصيص العموم به. واكثر هذه الاخبار إنما اشتملت على الرد ب‍ " عليكم أو عليك " واما ما ذكره من الرد بتلك الالفاظ فلم نقف له على دليل، نعم ربما يقال في مقام الدعاء له كما يشعر به خبر محمد بن عرفة لا في مقام رد السلام كما ادعاه. نعم رواية زراره قد


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 49 من احكام العشرة (4) و (5) الوسائل الباب 53 من احكام العشرة (6) ص 80


[ 86 ]

تضمنت الرد ب‍ " سلام " والظاهر انه على تقدير الرواية بفتح السين من قبيل قوله عزوجل: " سلام عليك سأستغفر لك ربى " (1) وقوله سبحانه " وقل سلام فسوف يعلمون " (2) والوجه في جوازه انه لم يقصد به التحية وانما قصد به المباعدة والمتاركة قال امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) في تفسير الاية الخيلاة: " وقل سلام " تقديره وقل امرنا وامركم سلام أي متاركة ". ثم قال في بيان معنى الاية: " وقل سلام " أي مداراة ومتاركة. وقيل سلام هجران ومجانبة لا سلام تحية وكرامة كقوله " سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين " (3) وقال في معنى الاية الاولى: وقال ابراهيم " سلام عليك " سلام توديع وهجر على الطف الوجوه وهو سلام متاركة ومباعدة عن الجبائى وابى مسلم، وقيل هذا سلام اكرام وبر فقابل جفوة ابيه بالبر تأدية لحق الابوة أي هجرتك على وجه جميل من غير عقوق. انتهى. ولم اقف لهذا المعنى في كتب اللغة على ذكر مع أن الايات كما ترى ظاهرة فيه. ثم ان اكثر هذه الروايات انما اشتملت على الرد ب‍ " عليكم السلام " و " عليك " بدون الواو ورواية غياث اشتملت على ذكر الواو، واخبار العامة ايضا مختلفة ففى بعضها بالواو ووفى بعض آخر بدونها (4) والمعنى بدون الواو ظاهر لان المقصود حينئذ ان الذى تقولون لنا مرود عليكم، وهم غالبا - كما سمعت عن صحيحة زرارة (5) - انما يسلمون بالسام الذى هو الموت، واما مع الواو فيشكل لان الواو تقتضي اثبات ما قالوه على نفسه وتقريره عليها حتى يصح العطف فيدخل معهم في ما دعوا به، ولهذا قال ابن الاثير في النهاية: قال الخطابى عامه المحدثين يروون " وعليكم " باثبات واو العطف وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وهو الصواب لانه


(1) سورة مريم الاية 48 (2) سورة الزخرف الاية 89 (3) سورة القصص الاية 55 (4) فتح الباري ج 11 ص 35 كتاب الاستئذان باب كيفية الرد على اهل الذمة (5) ص 80


[ 87 ]

إذا حذف الواو صار قولهم الذى قالواه ننفسه مردودا عليهم خاصة وإذا اثبت الواو وقع الاشتراك معهم في ما قالوه لان الواو تجمع بين الشيئين. والمثبتون للواو اختلفوا فقال بعضهم انها للاستثناف لا العطف فلا تقتضي الاشتراك. وقال عياض: هذا بعيد والاولى ان يقال الواو على بابها من العطف غير انا نجاب فيهم ولا يجابون فينا كما دل عليه الحديث. ثم قال حذف الواو أصح معنى واثباتها أصح رواية واشهر. انتهى. وقال بعض أصحابنا بعد نقل ذلك: وهذا ليس باولى لان المفسدة قبول المجيب دعاءهم على نفسه وتقريره عليها وقبول المشاركة وهى باقية غير مدفوعة بما ذكره. ثم قال ثم اقول ويمكن ان يقال إذا علم المجيب انهم قالوا " السام عليك " يجيب ب‍ " عليكم " بدون واو كما فعله (صلى الله عليه وآله) وإذا علم انهم قالوا السلام عليك " كما هو المعروف في التحية يجيب بقوله " وعليكم " فيقبل سلامهم على نفسه ويقرره عليها ويأتى بلفظ يفيد المشاركة إلا ان ذلك لا ينفعهم وفائدته مجرد الرفق وتأليف القلوب، وذكا يصح ان يجيب ب‍ " عليك " بدون واو، وبذلك يتحقق الجمع بين الروايات. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما ذكره من الجمع جيد الا ان الظاهر ان الاجود منه حمل رواية غياث على التقية (1) لانه لم يرد لفظ الواو في غيرها من الروايات المتقدمة، ويعضده ان الراوى عامى بترى (2) فهو موافق لاكثر رواياتهم واصحها كما عرفت من كلامهم. ثم انه هل يجب الرد عليهم ؟ استشكله بعض الاصحاب ثم قال ولعل العدم اقوى. وقال الفاضل المازندرانى في حاشيته على الكتاب: ثم ان الامر بردهم على سبيل الرخصة والجواز دون الوجوب وان احتمل نظرا الى ظاهره كما نقل عن ابن عباس والشعبى و قتادة من العامة، واستدلوا بعموم الاية " وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها اوردوها " حيث قال باحسن منها للمسلمين وقوله " أو ردوها "


(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 86 (2) رجال المامقاى ج 2 ص 366


[ 88 ]

لاهل الكتاب. والحق ان كليهما للمسلمين لعدم وجوب الرد بالاحسن للمسلمين اتفاقا بل الواجب أحد الامرين اما الرد بالاحسن أو بالمثل. انتهى. وهو جيد. الرابعة عشرة - قد صرح الاصحاب بانه يكره ان يخص طائفة من الجمع بالسلام، وانه يستحب ان يسلم الراكب على الماشي والقائم على الجالس والطائفة القليلة على الكثيرة والصغير على الكبير وأصحاب الخيل على اصحاب البغال وهما على أصحاب الحمير. اقول وقد تقدم (1) في روايتي عنبسة بن مصعب وابن بكير عن بعض اصحابه الدلالة على ذلك، قال بعض شراح الحديث: اما بدأة الصغير على الكبير فلان للكبير على الصغير فضلا بالسن فحصل له بذلك مزية التقدم بالتحية، نعم لو كان للصغير فضائل نفسانية مثل العلم والادب دون الكبير لا يبعد القول بالعكس لان مراعاة الفضل البدني تقتضي مراعاة الفضائل النفسانية بالطريق الاولى، ولان العالم له نسبة مؤكدة الى النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة المعصومين (عليهم السلام) دون الجاهل، ومن اعتبر حال بعض الائمة والانبياء علم ان تقدمهم على غيرهم مع صغر سنهم انما كان لاجل كمالاتهم. وحمل الصغير والكبير على الصغير المعنوي والكبير المعنوي مستبعد. واما بدأة المار على القاعد فلان القاعد قد يقع في نفسه خوف من القادم فإذا ابتدأ القادم بالسلام امن، أو لان القاعد لو امر بالبدأة على المارين شق عليه لكثرة المارين بخلاف العكس. واما بدأة القليل على الكثير فلفضيلة الجماعة وايضا لو بدأت الجماعة على الواجد لخيف معه الكبير، ويحتمل غير ذلك. واما بدأة الراكب على الماشي فلان للراكب فضلا دنيويا فعدل الشرع بينهما فجعل للماشي فضيلة أن يبدأ بالسلام، أو لان الماشي قد يخاف من الراكب فإذا سلم الراكب عليه أمن، أو لانه لو ابتدأ الماشي بالسلام على الراكب خيف على الراكب الكبر. انتهى وهو جيد مستفاد من الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. والله العالم.


(1) ص 67


[ 89 ]

الخامسة عشرة - قد عرفت من جملة من الاخبار المتقدمة في صدر المسألة جواز التسليم على المصلى بل استحبابه وقد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يكره السلام على المصلى للعموم. وفيه ان رواية الخصال المتقدمة ثمة (1) - وهى من الموثقات عن مسعدة بن صدقة قال فيها: " لا تسلموا على اليهود ولا على النصارى ولا على المجوس ولا على عبدة الاوثان ولا على موائد شراب الخمر ولا على صاحب الشطرنج والنرد ولا على المخنث ولا على الشاعر الذى يقذف المحصنات ولا على المصلى... الى آخر ما تقدم ثمة " - ظاهرة في النهى عن ذلك، وقد عللها بما ذكره من ان المصلى لا يستطيع ان يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع والرد فريضة، والظاهر ان المقصود من التعليل المذكور انه لما كان الرد فريضة فلابد له أن يرد متى سلم عليه وفى ذلك شغل له عن التوجه والاقبال على صلاته، فمعنى كونه لا يستطيع أن يرد السلام أي من حيث استلزامه للشغل له. ويعضد هذه الرواية ايضا ما رواه في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال: " كنت اسمع ابى يقول إذا دخلت المسجد الحرام والقوم يصلون فلا تسلم عليهم وسلم على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم أقبل على صلاتك، وإذا دخلت على قوم جلوس يتحدثون فسلم عليهم ". وظاهر صاحب المدارك الميل الى القول بالكراهة لهذه الرواية الاخيرة حيث انه قال - بعد ان نقل عن جمع من الاصحاب انه لا يكره السلام على المصلى للعموم - ما لفظه: ويمكن القول بالكراهة لما رواه عبد الله بن جعفر في كتابه قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام)... الى آخر ما تقدم. اقول: الاظهر عندي حمل ما دل على المنع على التقية لما تقدم من ان


(1) ص 65 وفى الوسائل الباب 28 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة


[ 90 ]

مذهب جمهور العامة المنع من الرد وإنما يشير باصبعه، وابو حنيفة قد منع الرد والاشارة (1) مع ان الراوى عن ابى عبد الله في رواية قرب الاسناد إنما هو الحسين ابن علوان كما عرفت وهو عامى (2) والعجب من صاحب المدارك في اعتماده عليها والحال كما عرفت مع مناقشة الاصحاب في الروايات الصحيحة وتصلبه في الادلة كيف ركن الى هذه الرواية واسندها الى الصادق عليه السلام) ولم يذكر الراوى عنه لئلا يتطرق إليه المناقشة بما ذكرناه. وبالجملة فالاظهر عندي هو ما عرفت. والله العالم. المسألة الثانية - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجوز للمصلى تسميت العاطس، والتسميت على ما نقل عن الجوهرى ذكر اسم الله تعالى على الشئ، وتسميت العاطس ان يقول له " يرحمك الله " بالسين والشين جميعا، قال ثعلب الاختيار بالسين لانه مأخوذ من السمت وهو القصد والمحجة. وقال أبو عبيد الشين أعلى في كلامهم وأكثر. وقال ايضا تسميت العاطس دعاء له وكل داع لاحد بخير فهو مسمت ومشمت. وقال في القاموس: التسميت ذكر الله على الشئ والدعاء للعاطس. وفى المجمل يقولون العاطس " يرحمك الله " فيقال التسميت. ويقال التسميت ذكر الله على الشئ. وفى النهاية التسميت بالسين والشين الدعاء بالخير والبركة والمعجمة اعلاهما. وقال في المصباح المنير للفيومي: المست الطريق والسمت القصد والسكينة والوقار وهو حسن السمت أي الهيئة، والتسميت ذكر الله تعالى على الشئ وتسميت العاطس الدعاء له، وبالشين المعجمة مثله. وقال في التهذيب سمته بالسين والشين إذا دعا له، وقال أبو عبيد الشين المعجمة أعلى وافشى. وقال ثعلب السين المهملة هي الاصل أخذا من السمت وهو القصد والهدى والاستقامة، وكل داع بخير فهو مسمت أي داع بالعود والبقاء الى سمته. انتهى. والمشهور في كلام الاصحاب جوازه للمصلى بل استحبابه، وظاهر المحقق في


(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 78 (2) رجال المامقانى ج 1 ص 335 واحتمل (قدس سره) كونه اماميا


[ 91 ]

المعتبر التوقف فيه إلا انه قال بعد ذلك: والجواز اشبه بالمذهب. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له اسمع العطسة وانا في الصلاة فاحمد الله تعالى واصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال نعم " وزاد في الكافي (2) " وإذا عطس اخوك وانت في الصلاة فقل الحمد لله ". وما رواه في الكافي عن جراح المدائني (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) للمسلم على اخيه من الحق ان يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض وينصح له إذا غاب ويسمته إذا عطس - يقول الحمد لله رب العالمين لا شريك له ويقول له يرحمك الله، فيجيبه يقول له يهديكم الله ويصلح بالكم - ويجيبه إذا دعاه ويشيمه إذا مات ". وعن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا عطس الرجل فسمتوه ولو من وراء جزيرة " وفى رواية اخرى (5) " ولو من وراء البحر ". وعن اسحاق بن يزيد ومعمر بن ابى زياد وابن رئاب (6) قالوا: " كنا جلوسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذا عطس رجل فما رد عليه أحد من القوم شيئا حتى ابتدأ هو فقال سبحان الله ألا سمتم ؟ من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا اشتكى وان يحيبه إذا دعاه وان يشهده إذا مات وان يسمته إذا عطس ". وعن داود بن الحصين (7) قال: " كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة. وفى الفروع ج 1 ص 102 والوافى باب " رد السلام " والوسائل هكذا " فقل الحمد لله وصل على النبي وآله " وقد اثبت في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية. وقد اثبت ايضا فيها ما يشترك فيه الكافي والتهذيب والفقيه وهو قوله (ع) " وان كان بينك وبين صاحبك اليم " الا ان العبارة فيها توهم الاختصاص بالكافي حيث قال: وزاد في الكافي... الى ان قال " وصل على النبي واله وان كان... " (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 57 من احكام العشرة


[ 92 ]

فاحصيت في البيت اربعة عشر رجلا فعطس أبو عبد الله (عليه السلام) فما تكلم أحد من القوم فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ألا تسمتون ؟ من حق المؤمن على المؤمن إذا مرض ان يعوده وإذا مات ان يشهد جنازته وإذا عطس ان يسمته - أو قال أن يشمته - وإذا دعاه ان يجيبه ". والظاهر ان مستند الاصحاب في ما ذهبوا إليه من استحباب تسميت المصلى لغيره هو عموم هذه الاخبار فانها شاملة للمصلى وغيره، ويستفاد من هذه الاخبار استحباب الحمد لله والصلاه على النبي وآله (صلوات الله عليهم) للعاطس والسامع، قال في المنتهى: ويجوز للمصلى ان يحمد الله إذا عطس ويصلى على النبي وآله (صلوات الله عليهم) وان يفعل ذلك إذا عطس غيره وهو مذهب أهل البيت (ع) ويفهم من بعض الاخبار توقف استحباب التسميت على حمد الله سبحانه بل الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) من العاطس فلو لم يفعل لم يستحب تسميته كما سيأتي ان شاء الله. وهل يجب على العاطس الرد ؟ الاظهر ذلك، وصرح جمع: منهم - صاحب المدارك بالعدم قال: وهل يجب على العاطس الرد ؟ الاظهر لا لانه لا يسمى تحيه. اقول: قد روى في آخر كتاب الخصال في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) (1) مما علمه أصحابه في مجلس واحد من اربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه قال (عليه السلام) " إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله وهو يقول يغفر الله لكم ويرحمكم، قال الله عزوجل وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها " (2) وهو ظاهر الدلالة في المطلوب، والظاهر عدم وقوف هؤلاء القائلين على الخبر المشار إليه. وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى


(1) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (2) سورة النساء الاية 88


[ 93 ]

في استحباب التسميت باشتراط كون العاطس مؤمنا، قال في الذخيرة: ويحتمل الجواز في المسلم مطلقا عملا بظاهر رواية جراح وغيرها مما اشتمل على ذكر المسلم. وهو ضعيف فان لفظ المسلم وان ذكر كما نقله إلا ان المراد به المؤمن واطلاقه عليه اكثر كثير في الايات والاخبار، ويؤيده عد التسميت في قرن تلك الاشياء المعدودة من حقوق الاخوان فانها مخصوصة بالمؤمنين كما لا يخفى، فما ذكره من الاحتمال لا وجه له بالكلية. ولا بأس بنقل جمله من الاخبار الواردة في العطس لما فيما من الفوائد والاحكام وان كانت خارجة من محل البحث في المقام: ومنها - ما رواه في الكافي عن صفوان في الصحيح (1) قال: " كنت عند الرضا (عليه السلام) فعطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك. وقلت جعلت فداك إذا عطس مثلك يقال له كما يقول بعضنا لبعض " يرحمك الله " لو كما نقول ؟ قال نعم، قال أو ليس تقول صلى الله على محمد وآل محمد ؟ قلت بلى. قال وارحم محمدا وآل محمد ؟ قال بلى وقد صلى عليه ورحمه وانما صلاتنا عليه رحمة لنا وقربة ". بيان: قوله " إذا عطس مثلك " أي من أهل العصمة ولعل الترديد من الراوى بناء على ان مثلكم مرحومون قطعا فلا فائدة في طلب الرحمة لكم كما يقول بعضنا لبعض لانه تحصيل حاصل. وقوله " كما نقول " اشارة الى قوله " صلى الله عليك " " قال نعم " يعنى كل من الامرين جائز لا بأس به. ثم اشار الى ان الفائدة في الترحم علينا لكم لا لنا. ثم قال له: أو ليس تقول صلى الله على محمد وآله محمد ؟ قلت بلى. وقال ارحم محمدا وآل محمد قال الامام بلى. يعنى انك تقول ذلك بعد الصلاة والحال ان الله سبحانه صلى عليه ورحمه فلا حاجة به الى صلاة مصل ولا ترحم مترجم وإنما فائدة ذلك راجعة الى المصلى. وبدلك صرح جمله من اصحابنا (رضوان الله عليهم) قال


(1) الوافى ج 3 باب العطاس والتسميت


[ 94 ]

شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة: وغاية السؤال بها أي بالصلاة عائدة الى المصلى لان الله سبحانه وتعالى قد اعطى نبيه من المنزلة والزلفى لديه مالا تؤثر فيه صلاة مصل كما نطقت به الاخبار وصرح به العلماء الاخيار. انتهى. ومنها - ما رواه في الكتاب المذكور عن ايوب بن نوح (1) قال: " عطس يوما وأنا عنده فقلت جعلت فداك ما يقال للامام إذا عطس ؟ قال يقول صلى الله عليك " بيان: قد عرفت من الحديث السابق جواز تسميتهم (عليهم السلام) بما يقول بعضنا لبعض من قوله " يرحمك الله " وسيأتى ما يدل عليه ايضا، ولعل التخصيص هنا بهذه الصلاوة لانها افضل الفردين. ومنها - ما رواه عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: التثاؤب من الشيطان والعطسة من الله تعالى ". بيان: ثئب وتثأب أصابه كسل وفترة كفترة النعاس، قال عياض: التثأب بشد الهمزة والاسم الثؤباء، وقال ابن دريد واصله من " ثئب الرجل فهو مثؤوب " إذا استرخى وكسل. وقال في مجمع البحرين: التثأب فترة تعترى الشخص فيفتح عندها فاه يقال تثاءب على تفاعلت إذا فتحت فاك وتمطيت لكسل أو فترة والاسم الثؤباء. قال بعض الافاضل وانما نسبه الى الشيطان لانه من تكسيله وسببه. وقيل اضيف إليه لانه يرضيه. وقيل انما ينشأ من امتلاء البدن وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذلك كرهه الله واحبه الشيطان (لعنه الله) والعطاس لما كان سببا لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات وصفاء الروح وتقوية الحواس كان امره بالعكس ولكن التثأب من الشيطان. قيل انه ما تثأب نبى قط. انتهى. ومنها - ما رواه عن صلاح بن ابى حماد (3) قال: " سألت العالم (عليه السلام) عن


(1) الوافى ج 3 باب العطاس والتسميت (2) الوسائل الباب 60 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة


[ 95 ]

العطسة وما العلة في الحمد لله عليها ؟ فقال ان لله تعالى نعما على عبده في صحة بدنه وسلامة جوارحه وان العبد ينسى ذكر الله تعالى على ذلك وإذا نسى أمر الله تعالى الريح فجالت في بدنه ثم يخرجها من انفه فيحمد الله تعالى على ذلك فيكون حمده عند ذلك شكرا لما نسى ". بيان: يستفاد من هذا الخبر وجه ما تقدم في سابقه من قوله: " العطسة من الله تعالى " والظاهر انه أقرب مما ذكره الفاضل، وحاصل ذلك ان معنى كونها من الله تعالى انه هو الذى حمل عبده عليها بادخال الريح في بدنه واخراجها من انفه ليحمد الله تعالى عند ذلك. ومنها - ما رواه عن جابر (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) نعم الشئ العطسة تنفع في الجسد وتذكر بالله تعالى. قلت ان عندنا قوما يقولون ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العطسة نصيب ؟ فقال (عليه السلام) ان كانوا كاذبين فلا نالهم الله شفاعة محمد صلى الله عليه وآله ". وعن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه (2) قال " عطس رجل عند ابى جعفر (عليه السلام) فقال الحمد لله فلم يسمته أبو جعفر (عليه السلام) وقال نقصنا حقنا، ثم قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته. قال فقال الرجل فسمته أبو جعفر عليه السلام ". بيان: نقصه ونقصه بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد، وفى الخبر دلالة على ما قدمنا الاشارة إليه من ان استحقاق التسميت موقوف على حمد العاطس وصلاته على محمد وآله (صلوات الله عليهم)، وهو مروى من طريق العامة ايضا لكن بالنسبه الى التحميد، روى مسلم عن انس بن مالك (3) قال: " عطس عند النبي (صلى الله عليه


(1) و (2) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (3) ج 8 كتاب الزهد باب تسميت العاطس، ورواه أبو داود في سننه ج 4 ص 309 آخر كتاب الادب باب " من يعطس ولا يحمد الله ".


[ 96 ]

وآله) رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الاخر فقال الذى لم يشمته عطس فلان فشمته وعطست انا فلم تشمتنى ؟ فقال ان هذا حمد الله وانك لم تحمد الله تعالى ". وعن الفضيل بن يسار (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان الناس يكرهون الصلاة على محمد وآله في ثلاثة مواطن: عند العطسة وعند الذبيحة وعند الجماع ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما لهم ويلهم نافقوا لعنهم الله ". وعن سعد بن ابى خلف في الصحيح أو الحسن (2) قال: " كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا عطس فقيل له يرحمك الله قال يغفر الله لكم ويرحمكم، وإذا عطس عنده انسان قال له يرحمك الله ". بيان: هذا الحديث يشتمل على ما اشتمل عليه حديث الخصال في رد التسميت، قال في المدارك: والاولى في كيفية الرد الاعتماد على ما رواه الكليني في الحسن عن سعد بن ابى خلف، ثم ساق الرواية. وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " عطس غلام لم يبلغ الحلم عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال الحمد لله فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) بارك الله فيك " بيان: فيه دلالة على استحباب تسميت الغلام إذا حمد الله تعالى بمثل هذا القول وان لم يتعرض له الاصحاب في ما أعلم. وعن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: " إذا عطس الرجل فليقل الحمد لله لا شريك له، وإذا سمت الرجل فليقل يرحمك الله، وإذا رد فليقل يغفر الله لك ولنا، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية أو شئ فيه ذكر الله تعالى فقال كل ما ذكر الله فيه فهو حسن ".


(1) الوسائل الباب 64 من احكام العشرة (2) و (4) الوسائل الباب 58 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة


[ 97 ]

بيان: لا ينافى هذا الخبر ما تقدم في مرسلة ابن ابى عمير من عدم تسميت الامام للرجل حتى اردف التحميد بالصلاة، لان غاية هذا الخبر ان يكون مطلقا فيجب تقييده بالخبر المتقدم. ويحتمل - ولعله الاظهر - حمل الخبر الاول على التأديب وان جاز الاقتصار على مجرد التحميد. والمستفاد من اخبار المسألة بالنسبة الى العاطس انه يقول: " الحمد لله " فان اقتصر عليها فهو جائز وان زاد عليها " رب العالمين أو لا شريك له " أو نحو ذلك فهو أفضل وان زاد الصلاة فهو أفضل الجميع سيما مع ما ذكرناه من الالفاظ الزائدة على التحميد، وبالنسبة الى التسميت ان يقول " يرحمك الله أو يرحمكم الله " وفى الجواب ما ذكر في هذه الرواية، واحسن منه ما تقدم في روايتي الخصال وسعد بن ابى خلف، وان اتى بنحو ذلك فلا باس فان الظاهر حمل هذه الروايات على التمثيل في الدعاء لاخيه من الدعاء بالخير للعاطس وجوابه بما يناسب ذلك. واما قوله في آخر الخبر: " سئل عن آية عن آية أو شئ... الخ " وفى نسخة الفاضل المازندرانى - كما ذكره - " فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية تقال عند العطسة أو شئ فيه ذكر الله تعالى... الخ " والمعنى على كل من النسختين واضح فان حاصله ان النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية معينة أو ذكر معين يقال عند التسميت اورده فقال كل ما تضمن ذكر الله عزوجل المناسب لمقام التسميت ورده فهو حسن. فهو وعين ما اشرنا إليه آنفا. وعن مسمع (1) قال " عطس أبو عبد الله (عليه السلام) فقال " الحمد لله رب العالمين ": ثم جعل اصبعه على انفه فقال رغم الله انفي رغما داخرا ". بيان: هذا الحكم غير مذكور في ما حضرني من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وينبغى ان بعد في مستحباب العطس ايضا. وعن محمد بن مروان رفعه (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام)


(1) و (2) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة


[ 98 ]

من قال إذا عطس " الحمد لله رب العالمين على كل حال " لم يجد وجع الاذنين والاضراس " وعن ابن فضال عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " في وجع الاضراس ووجع الاذان إذا سمعتم من يعطس فابدأوه بالحمد لله ". وعن زيد الشحام (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من سمع عطسة فحمد الله تعالى وصلى على النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) لم يشتك عينه ولا ضرسه. ثم قال ان سمعتها فقلها ولو كان بينك وبينه البحر ". وعن عبد الرحمن بن ابى نجران عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال. " عطس رجل نصراني عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له القوم " هداك الله " فقال أبو عبد الله (عليه السلام) " يرحمك الله " فقالوا له انه نصراني ؟ فقال (عليه السلام) لا يهديه الله حتى يرحمه ". بيان: هذا الخبر بظاهره مناف لما تقدم نقله عن الاصحاب من اشتراط الايمان في تسميت العاطس كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، ويمكن ان يقال بمعونة الاخبار المتقدمة الدالة على اشتراط الايمان ان قصده (عليه السلام) من التسميت ب‍ " يرحمك الله " انما هو المنع من تسميته بما ذكروه وبغيره وانه ليس اهلا للتسميت، لان تحاشيهم عن لفظ " يرحمك الله " الى ما ذكروه لا يغنى إذا الهداية مستلزمة لسبق الرحمة الموجبة لهدايته فالاولى ان لا يسمت بحال. وهذا معنى لطيف وان تسارع الفهم القاصر الى رده. وعن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا عطس المرء المسلم ثم سكت لعلة تكون به قالت الملائكة عنه " الحمد لله رب العالمين " فان قال " الحمد الله رب العالمين " قالت الملائكة " يغفر


(1) و (4) الوسائل الباب 62 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (3) الوسائل الباب 65 من احكام العشرة


[ 99 ]

الله لك: قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) العطاس للمريض دليل العافية وراحة البدن ". وعن حذيفة بن منصور (1) قال قال: " العطاس ينفع البدن كله ما لم يزد على الثلاث فإذا زاد على الثلاث فهو داء وسقم "، وعن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا عطس الرجل ثلاثا فسمته ثم اتركه ". وعن ابى بكر الحضرمي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: ان انكر الاصوات لصوت الحمير (4) قال العطسة القبيحة ". بيان: العطسة القبيحة المشتملة على الصوت المستنكر يعنى انها مندرجة تحت الاية لا ان الاية مختصة بها. وفيه اشارة الى الامر بالاعتدال. وعن القاسم عن جده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " من عطس ثم وضع يده على قصبة انفه ثم قال " الحمد لله رب العالمين الحمد لله حمدا كثيرا كما هو اهله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم " خرج من منخره الايسر طائر اصغر من الجراد واكبر من الذباب حتى يصير تحت العرش يستغفر له الى يوم القيامة ". وعن محمد بن يحيى عن بعض اصحابه رواه عن رجل من العامة (6) قال " كنت اجالس أبا عبد الله (عليه السلام) فلا والله ما رأيت مجلسا انبل من مجالسه، قال فقال لى ذات يوم من اين تخرج العطسة ؟ فقلت من الانف. فقال لى اصبت الخطأ فقلت جعلت فداك من اين تخرج ؟ فقال من جميع البدن كما ان النطفة تخرج من


(1) و (3) الوسائل الباب. 6 من احكام العشرة (2) الوسائل الباب 61 من احكام العشرة (4) سورة لقمان الاية 18 (5) الوسائل الباب 63 من احكام العشرة (6) الاصول ج 2 ص 657 وفى الوسائل الباب 60 من احكام العشرة


[ 100 ]

جميع البدن ومخرجها من الاحليل، ثم قال اما رأيت الانسان إذا عطس نفض اعضاءه ؟ وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة ايام ". وعن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تصديق الحديث عند العطاس ". وبهذا الاسناد (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان الرجل يتحدث بحديث فعطس عاطس فهو شاهد حق ". وعن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) تصديق الحديث عند العطاس ". بيان: قال بعض المحدثين لعل السر فيه ان العطسة رحمة من الله تعالى للعبد ويستبعد نزول الرحمة في مجلس يكذب فيه خصوصا عند صدور الكذب فإذا قاربت الحديث دلت على صدقه. انتهى. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن على بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن غياث عن جعفر (عليه السلام) (4) " في رجل عطس في الصلاة فسمته رجل فقال فسدت صلاة ذلك الرجل ". بيان: قال ابن ادريس بعد ايراد الخبر: التسميت الدعاء للعاطس بالسين والشين معا، وليس على فسادها دليل لان الدعاء لا يقطع الصلاة. انتهى. وهو جيد وغير بعيد ان هذا الخبر خرج مخرج التقية لانه نسب الى الشافعي وبعض العامة القول بالتحريم (5) مع ان ظاهر الخبر بطلان صلاة العاطس وان لم يرد فانه هو الذى في الصلاة واما المسمت فغير ظاهر من الخبر كونه في الصلاة. وكيف ما كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 66 من احكام العشرة (4) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة (5) تعرض لذلك النووي الشافعي في شرحه على صحيح مسلم عند شرحه حديث معاوية بن الحكم السلمى في باب تحريم الكلام


[ 101 ]

فبالحمل على ايهما كان لا يمكن القول بالبطلان لما تقدم. والله العالم. المسألة الثالثة - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختيارا وقيده جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في بعض كتبه بالفريضة. واحتج عليه بوجهين

(الاول) ان الاتمام واجب وهو ينافى القطع فيكون القطع محرما.

(الثاني) قوله تعالى: " ولا تبطلوا اعمالكم " (1). والاول منهما لا يخلو من مصادرة، والثانى لا يخلو من الاجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال، ولهذا صرح جملة من محققى متأخرى المتأخرين بانهم لم يقفوا في المسألة على دليل يعتمد عليه وكان بعض المعاصرين يفتى لذلك بجواز قطع الصلاة اختيارا، ويجوز له في الشكوك المنصوصة قطع الصلاة والاعادة من رأس للخروج عما في بعض صورها من الخلاف. اقول: والحق ان الدليل على ذلك ما تقدم في الاخبار الكثيرة من ان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (2)، فانه لا معنى لكون تحريمها التكبير إلا تحريم ما كان محللا على المصلى قبل التكبير وانه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الامور عن الاستدبار والكلام عمدا والحدث عمدا ونحو ذلك وان هذه الاشياء انما تحل عليه بالتسليم. وهذا المعنى من هذا العبارة اظهر من ان يخفى والروايات بهذا المضمون متكاثرة كما تقدمت في فصل التكبير والتسليم فلا مجال للتوقف في ذلك. وبذلك يظهر انه لا يجوز قطع الصلاة ولا الخروج منها الا بالتسليم. نعم يستثنى من ذلك ما دلت النصوص على جواز القطع له كما يأتي ان شاء الله تعالى. ويؤيده ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (3)


(1) سورة محمد الاية 35 (2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الاحرام و 1 من التسليم (3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة. والمسؤول كما في الفروع ج 1 ص 101 والتهذيب ج 1 ص 228 والوافى باب " الحدث ومقدماته والنوم في الصلاة " والوسائل هو أبو الحسن (ع). =


[ 102 ]

قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع ان يصبر عليه أيصلى على تلك الحال أو لا يصلى ؟ فقال ان احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر ". وقد تقدمت هذه الرواية (1) وتقدمت روايات اخر في معناها، والتقريب فيها ان الامر بالصلاة والصبر الذى هو حقيقة في الوجوب ظاهر في تحريم القطع في الصورة المذكورة مع ما عرفت (2) من الروايات الدالة على كراهة الصلاة مع المدافعة وانه يمنزله من هو في ثيابه، وإذا ثبت في هذه الصورة ثبت في ما سواها بطريق الاولى، ولو كان القطع جائزا في حد ذاته لما أمر باحتمالا الاذى ولربما تضرر به إلا ان يخاف سبق الحدث فانه يجوز له القطع من حيث خوف خروجه. ثم انه قد ذكر الاصحاب من غير خلاف يعرف انه يجوز قطع الصلاة لاشياء وعبر عنها بعض بالضرورة كقبض الغريم وحفظ النفس المحرمة من التلف والضرر وانقاذ الفريق وقتل الحية التى يخافها على نفسه واحراز المال - وربما قيد بما يضر ضياعه - وخوف ضرر الحديث مع امساكه، الى غير ذلك. والذى وقفت عليه من اخبار المسألة ما رواه الصدوق في الصحيح عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد ابق أو غريما لك عليه مال أو حية تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة واتبع غلامك أو غريمك واقتل الحية " ورواه في الكافي عن حريز عن من اخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4). وعن سماعة (5) قال: " سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه ؟ قال يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب


(1) ص 6 و 63 (2) ص 61 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة


[ 103 ]

أو يصيب منها عنتا ؟ فقال لا بأس بان يقطع صلاته ويتحرز وبعود الى صلاته " اقول: والحديث الاول وان دل على قطع الصلاة إلا انه غير صريح ولا ظاهر في الاعادة من رأس بعد الاتيان بتلك الاشياء بل من الجائز بناؤه على ما مضى إلا مع وقوع احد المبطلات في البين من كلام عمدا أو استدبار أو نحو ذلك، وكذا آخر الحديث الثاني وقوله فيه: " ويعود الى صلاته " بل هو ظاهر في البناء على ما مضى كما لا يخفى، وعلى هذا يجب حمل صدر الخبر الثاني وقوله فيه " ثم يستقبل الصلاة " على ما إذا استلزم أحد المبطلات. وبالجملة فالخبر ان غير صريحين في ما ادعاه الاصحاب من ابطال الصلاة بهذه الاشياء إلا ان يدعى ان القطع إنما يطلق على الابطال خاصة ولهذا سموا مبطلات الصلاة قواطع في عباراتهم. وهو غير بعيد إذ هو المتبادر من ظاهر هذا اللفظ. وقسم الشهيدان القطع هاهنا الى الاقسام الخمسة، فقال في الذكرى بعد حكمه أو لا بتحريم القطع إلا في مواضع الضرورة: وقد يجب القطع كما في حفظ الصبى والمال المحترم من التلف وانقاذ الغريق والمحترق، وحيث يتعين عليه فلو استمر بطلت صلاته للنهى المفسد للعبادة، وقد لا يجب بل يباح كقتل الحيه التى لا يغلب على الظن اذاها واحراز المال الذى لا يضر فوته، وقد يستحب كالقطع لاستدارك الاذان والاقامة وقراءة الجمعة والمافقن في الظهر والجمعة والائتمام بامام الاصل وغيره، وقد يكره كاحراز المال اليسير الذى لا يبالى بفوته مع احتمال التحريم. انتهى اقول: ما ذكراه (قدس سرهما) في صورة وجوب القطع من الحكم ببطلان الصلاة لو تعين عليه واستمر في صلاته مبنى على استلزام الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص والظاهر منه في غير موضع من كتابه المذكور عدم القول بذلك، وبالجملة فالحكم بالبطلان ضعيف بل غايته حصول الاثم. واما ما ذكراه في صورتي الاباحة والكراهة فمحل اشكال، لان الدليل قد دل على تحريم القطع كما قدمنا بيانه ولايجوز الخروج عنه إلا بدليل ظاهر الدلالة


[ 104 ]

على الجواز، وظهور ما ادعوه من الخبرين المذكورين محل منع. وما ذكر من التمثيل بالحية التى لا يغلب على الظن اذاها واحراز المال الذى لا يضر فوته لا دليل عليه، والقطع للحية في الخبر الاول وقع مقيدا بخوفها على نفسه، واما المال فان المفهوم من الروايتين كونه مما يعتد به ويضر بالحال فوته فيكون القطع في الموضعين داخلا تحت القطع الواجب. وقد وافقنا في هذا الموضع السيد السند (قدس سره) في المدارك إلا انه يرجع الى موافقة الجماعة تعدم الدليل على تحريم القطع، ونحوه الفاضل الخراساني (قدس سره) في الذخيرة، قال في المدارك بعد نقل التقسيم الى الاقسام الخمسة عن جده وعدها كما ذكره: ويمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور لانتفاء الدليل عليه إلا انه يمكن المصير إليه لما اشرنا إليه من انتفاء دليل التحريم. انتهى. وفيه انا قد اوضحنا بحمد الله دليل التحريم في المقام بما لا يتطرق إليه نقض ولا ابرام. ثم انه قال في الذكرى: وإذا اراد القطع فالاجود التحلل بالتسليم. والظاهر ضعفه إذا المتبادر من الخبر انما هو بالنسبة الى الصلاة التامة. والله العالم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>