تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء التاسع


المطلب الثالث

في الشك

والمراد به في هذا المقام عند الاصحاب - كما صرح به غير واحد - هو تساوى الاعتقادين وتكافؤهما، والمفهوم من كلام اهل اللغة انه ما قابل اليقين وهو حينئذ اعم من الشك بهذا المعنى وما يشمل الظن، والتخصيص بهذا المعنى الذى ذكره الاصحاب اصطلاح اهل المعقول، فان العلم عندهم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، والظن عبارة عن الاعتقاد الراجح الغير المانع من النقيض ويقابله


[ 161 ]

الوهم، والشك عبارة عن تساوى الاعتقادين من غير ترجيح، والاصحاب قد جروا في اكثر هذه المعاني في ابواب الفقه وحل الاحكام على كلام أهل اللغة. والمفهوم من الاخبار ان العلم شرعا اعم مما ذكروه ومن الظن، فان يقين الطهارة والحلية المأمور بالاخذ بهما حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك انما هو عبارة عن عدم العلم بالرافع لا العلم بعدمه كما تقدم تحقيقه في الباب الخامس من كتاب الطهارة والظن لغة لمعان: منها - الشك واليقين، قال في كتاب بجمع البحرين نقلا عن بعضهم انه يقع لمعان اربعة: منها معنيان متضادان احدهما الشك والاخر اليقين الذى لا شك فيه، قال: فاما بمعنى الشك فاكثر من ان تحصى شواهده واما بمعنى اليقين فمنه قوله عزوجل " وانا ظننا ان لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا " (1) ثم اطال الى ان قال: والمعنيان الغير المتضادين احدهما الكذب والاخر التهمة... الى آخر كلامه زيد في مقامه. واما الوهم فكثيرا ما يطلق في الاخبار على الظن كما سيأتي ان شاء الله تعالى. واما الشك فقد فسر في الصحاح والقاموس بانه خلاف اليقين، وقال في كتاب المصباح المنير: قال أئمة اللغة الشك خلاف اليقين فقولهم خلاف اليقين هو التردد بين شيئين سواء استوى طرفاه أو رجح احدهما على الاخر، قال الله تعالى " فان كنت في شك مما انزلنا اليك " (2) قال المفسرون أي غير مستيقن وهو يعم الحالتين. وقال الازهرى في موضع من التهذيب الظن هو الشك وقد يجعل بمعنى اليقين. وقال في موضع آخر: الشك نقيض اليقين. ففسر كل واحد بالاخر، وكذلك قال جماعة. وقال ابن فارس الظن يكون شكا ويقينا، وقد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة نحو قولهم من شك في الطلاق ومن شك في الصلاة أي لم يستيقن سواء رجح احد الجانبين ام لا، وكذلك قولهم - من تيقن الطهارة وشك في الحدث وكعسه - انه يبنى على اليقين. انتهى ما ذكره في المصباح المنير.


(1) سورة الجن الاية 12 (2) سورة يونس الاية 94


[ 162 ]

وبالجملة فالواجب الرجوع في كل جزئي من جزئيات الشك الروايات في ذلك المقام وما تدل عليه من العموم أو الخصوص في هذه المعاني المذكورة كما سنشير إليه ان شاء الله تعالى في ما سيأتي منها.

وكيف كان فالبحث في هذا المطلب يقع في مسائل:

(الاولى) لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى شك في عدد الثنائية - كالصبح، وصلاة السفر وصلاة الجمعة والعيدين إذا كانت واجبة والكسوف - والمغرب فانه موجب لبطلانها ونقلوا الخلاف هنا عن ابن بابويه، قال في في المنتهى: انه قول علمائنا اجمع إلا ابن بابويه فانه جوز البناء على الاقل والاعادة. اقول: قد اشتهر في كلام الاصحاب من العلامة فمن دونه نقل الخلاف عن ابن بايويه في مواضع من الشكوك كما ستمر بك ان شاء الله تعالى مع انه لا اصل له وهذا من اعجب العجاب عند ذوى الالباب، والسبب في ذلك هو تقليد المتأخر لمتقدم من غير مراجعة لكلام ابن بابوية والنظر فيه بعين التأمل والتحقيق كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في ما نشرحه لك من البيان الرشيق، ومن جملتها هذا الموضع فان كلامه فيه جار على ما جرى عليه الاصحاب ودلت عليه الاخبار في الباب، فانه قال في كتاب الفقيه في باب احكام السهو في الصلاة: ومن شك في المغرب فعليه الاعادة ومن شك في الغداة فعليه الاعادة ومن شك في الجمعة فعليه الاعادة. وقال في كتاب المقنع: وإذا شككت في الفجر فاعد وإذا شككت في المغرب فاعد. وسيأتيك قريبا ان شاء الله تعالى التنبيه على بقية المواضع التى نسبوا إليه فيها الخلاف ثم انه مما يدل على الحكم المذكور الاخبار الكثيرة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وحفص بن البخترى وغير واحد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا شككت في المغرب فاعد وإذا شككت في الفجر فاعد ". وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة


[ 163 ]

(عليه السلام) عن الرجل يصلى ولا يدرى واحدة صلى ام اثنتين ؟ قال يستقبل حتى يستيقن انه قد اتم، وفى المغرب وفى الصلاة في السفر ". وعن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ليس في المغرب والفجر سهو ". وما رواه في التهذيب عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " إذا سهوت في المغرب فاعد ". وعن سماعة في الموثق (3) قال: " سألته عن السهو في صلاة الغداة قال إذا لم تدر واحدة صليت ام ثنتين فاعد الصلاة من اولها، والجمعة ايضا إذا سها فيها الامام فعليه ان يعيد الصلاة " لانها ركعتان، والمغرب إذا سها فيها فلم يدركم ركعة صلى فعليه ان يعيد الصلاة " اقول: قوله " لانه ركعتان " كأنه ضابط كلى في وجوب الاعادة في الثنائية. وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن السهو في المغرب ؟ قال يعيد حتى يحفظ، انها ليست مثل الشفع ". وعن العلاء بن رزين في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يشك في الفجر ؟ قال يعيد. قلت المغرب ؟ قال نعم والوتر والجمعة، من غير ان اسأله ". وروى الصدوق في الخصال في القوى عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يكون السهو في خمس: في الوتر والجمعة والركعتين الاولتين من كل صلاة وفى الصبح والمغرب " وروى الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الرجل يصلى الفجر فلا يدرى أركعة صلى أو ركعتين ؟ قال يعيد. فقال له بعض اصحابنا وان احاضر: والمغرب ؟


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة


[ 164 ]

قال: والمغرب. فقلت له انا: والوتر ؟ قال نعم والوتر والجمعة ".

وفى المقام فوائد يحسن التنبيه عليها:

(الاول) قد روى الشيخ (قدس سره) عن عمار الساباطى في الموثق (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى ام ثلاثا ؟ قال يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة. ثم قال هذا والله مما لا يقضى ابدا ". وعن عمار الساباطى (2) ايضا في الموثق قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة ؟ قال يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلى ركعة فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا وان كان صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة. قلت فصلى المغرب فلم يدر اثنتين صلى ام ثلاثا ؟ قال يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلى ركعة فان كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا وان كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة، وهذا والله مما لا يقضى ابدا ". وهذان الخبران كما ترى ظاهر ان في المنافاة لما استفاض في الاخبار المعتضدة باتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) والذى ينبغى ارجائهما الى قائلهما (عليه السلام) واجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب عنهما بانه يحتمل ان يكون المراد من شك ثم غلب على ظنه الاكثر وتكون اضافة الركعة على وجه الاستحباب. واجاب في الاستبصار بانهما شاذان مخالفان للاخبار كلها فان الطائفة قد اجتمعت على ترك العمل بهما. ثم احتمل حملهما على نافلتي الفجر والمغرب. ولا يخفى ما في هذا الحل من البعد فان الخبرين ظاهران في الفريضة، فان قوله " فيضيف إليها ركعة " في الاول وقوله: " فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا " في الثاني يناديان بان المراد بهما الفريضة، وكذا قوله في الخبر الثاني " كانت هذه تمام الصلاة ". قال في الوافى بعد استبعاد حمل الشيخ: اقول ويحتملان في المغرب الرخصة وذلاك لانه قد حفظ الركعنين وانما شك في الثالثة فلا يبعد الاتمام، وفى اطلاق حديث


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة


[ 165 ]

البقباق والخبر الاتى (1) اشعار بذلك. ثم قال: ولو كان الراوى غير عمار لحكمنا بذلك إلا ان عمارا ممن لا يوثق باخباره. وقال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل خبر عمار الثاني والكلام فيه: وبالجملة فيشكل التعويل على هذا الخبر الذى هو رواية عمار الذى قلما يكون خبر من اخباره خاليا من تشويش واضطراب في اللفظ أو المعنى وترك الاخبار الكثيره الصحيحة الدالة على البطلان وإلا كان يمكن القول بالتخيير. واما قوله (عليه السلام) في آخر الحديثين " وهذا والله مما لا يقضى ابدا " فلعل معناه ان هذا الحكم مما لا يقضى به العامة لانهم يرون ان مثل هذا الشك مما يوجب الاعادة. انتهى. اقول: والاظهر في الخبرين المذكورين هو ما قدمنا ذكره والحمل على التقية غير بعيد، واستقربه في الوسائل قال لموافقتهما لجميع العامة (2) وهو جيد واما قوله (عليه السلام) " انه لا يقضى به ابدا " فالظاهر انه اشارة الى ان هذا الكلام انما خرج منه (عليه السلام) مخرج التقية في المخالفة بين الاحكام كما قدمنا بيانه في المقدمة الاولى من مقدمات كتاب الطهارة بمعنى انه لا يقضى به العامة لما ذكره ولا الشيعة ايضا لما استفاض في اخبارهم من ابطال هذا الشك للصلاة ووجوب الاعادة الثانية - ان ما دلت عليه الاخبار المذكورة من بطلان الصلاة بالشك في


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة رقم (13) و (3) (2) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 88 " إذا شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثا أو اربعا لزمه ان ياخذ بالاقل وياتى بما بقى " وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري ج 3 ص 228 باب السهو في الصلاة " قال مالك والشافعي واحمد والجمهور متى شك في صلاته هل صلى ثلاثا ام اربعا مثلا لزمه البناء على اليقين فيجب ان ياتي بالرابعة ويسجد للسهو " وفى نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 97 " استدل بحديث ابن عوف على البناء على الاقل الشافعي والجمهور " اقول: حديث ابن عوف ياتي في المسألة الثالثة - بعد نقل الاخبار الدالة على بطلان الصلاة بالشك في عدد الاوليين والاخبار المعارضة لها شاهدا على ورود الاخبار المعارضة للتقية.


[ 166 ]

المغرب هو المروف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد تقدم نقل ذلك عن الصدوق إلا ان العلامة في المختلف والشهيد في الذكرى نقلا عنه في المقنع انه قال: إذا شككت في المغرب فلم تدرأ في ثلاث انت ام في اربع وقد احرزت الثنتين في نفسك فانت في شك من الثلاث والاربع فاضف إليها ركعة اخرى ولا تعتد بالشك، وان ذهب وهمك الى الثالثة فسلم وصل ركعتين باربع سجدات وأنت جالس. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: وهو نادر. وكتاب المقنع لا يحضرني في الان لاراجع ذلك منه فليلاحظ. ثم اعلم ان عموم النص والفتوى يقتضى عدم الفرق في وجوب الاعادة بين الشك في الزيادة والنقصان، ويعضده ما رواه الشيخ عن الفضيل (1) قال: " سألته عن السهو فقال في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث الى الاربع فاعد صلاتك ". الثالثة - لاظاهر من الروايات ان الشك في الفريضة الثنائية والثلاثية مبطل مطلقا واجبة بالاصل أو بالعارض كصلاة السفر والصبح والجمعة والعيدين الواجبين وصلاة الكسوف والصلاة المنذورة ثنائية أو ثلاثية وركعتي الطواف. وينبغى ان يعلم انه لو كان الشك في الصلاة الكسوف فان كان الشك بين الركعة الاولى والثانية أو بينهما وبين الثالثة بطلت لانها ثنائية، وان كان الشك انما هو في عدد الركوعات فان تضمن الشك في الركعتين كما لو شك هل هو في الركوع الخامس أو السادس ؟ فانه ان كان في السادس فهو في الركعة الثانية وان كان في الخامس فهو في الركعة الاولى بطلت ايضا، وان احرز ما هو فيه ولكن شك في عدد الركوع فالاشهر الاظهر البناء على الاقل لاصالة عدم فعله، فهو في الحقيقة شك في فعل شئ وهو في محله فيأتى به كركوع الصلاة اليومية. وفى المسألة قولان نادران: احدهما للقطب الراوندي والثانى للسيد جمال الدين ابن طاووس في البشرى قد نقلهما في الذكرى وردهما، من أحب الوقوف عليهما فليرجع الى الكتاب المذكور.


(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة


[ 167 ]

الرابعة - ظاهر خبرى الخصال وقرب الاسناد وكذا صحيح العلاء المنقول برواية الشيخ ان الشك في الوتر يوجب البطلان، ولا يخلو من الاشكال لانها نافلة والمعروف من كلام الاصحاب هو التخيير في النافلة متى شك فيها بين البناء على الاقل والاكثر وان كان البناء على الاقل افضل. وحملها على صلاة الوتر المنذورة وان امكن إلا انه لا يخلو من بعد. ويحتمل تخصيص عموم حكم النافلة بالاخبار المذكورة فيقال باستثناء الوتر من ذلك الحكم، وقد نقل بعض مشايخنا المحققين انه الى ذلك صار بعض المتأخرين. وقيل انه لما كان الوتر بطلق غالبا على الثلاث فيحمل على الشك بين الاثنتين والثلاث إذ الشك بين الواحدة والاثنتين شك في الشفع حقيقة والشك بين الثلاث والاربع نادر فيعود شكه الى انه علم ايقاع الشفع وشك في انه اوقع الوتر أم لا ولما كانت الوتر صلاة برأسها فإذا شك في ايقاعها يلزمه الاتيان بها وليس من قبيل الشك في الركعات. انتهى. الخامسة - ينبغى ان يعلم ان المراد بالشك في هذه المسألة ما هو اعم من الظن لمقابلة الشك فيها باليقين كما في صحيح محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام) " حتى يستيقن انه قد اتم " والتعبير في جملة من الاخبار المتقدمة بالدراية التى هي بمعنى العلم كما صرح به أهل اللغة مثل قوله (عليه السلام) " إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين " أي إذا لم تعلم، ونحوها غيرها، فانه (عليه السلام) جعل مناط الابطال عدم العلم الشامل للظن. والمفهوم من كلام جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) حمل الشك على المعنى المشهور وحينئذ فلو ظن بنى على ظنه صحة وفسادا. والاخبار تدفعه: منها - ما اشرنا إليه ومنها - ما يأتي في المسألة الاتية بعد هذه المسألة. وسيأتى لهذه المسألة زيادة تحقيق ايضا في المسألة الخامسة ان شاء الله تعالى. المسألة الثانية - قد صرح جملة من الاصحاب بانه إذا شك في شئ من افعال الصلاة ركنا كان أو غيره فان كان في موضعه اتى به وان انتقل عنه الى غيره مضى


[ 168 ]

في صلاته، وانه لا فرق في ذلك بين الاولتين والاخيرتين.

وتفصيل هذه الجملة يقع في مقامات:

(المقام الاول) ان ما ذكروه من التلافى في محله والمضى بعده ركنا كان أو غيره مما لا اعرف فيه خلافا لا في كلام الاصحاب ولا في الاخبار. ويدل على الاول اصالة عدم فعله وبقاء الخطاب بفعله مضافا الى جملة من الاخبار: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمران الحلبي (1) قال: " قلت الرجل يشك وهو قائم فلا يدرى أركع ام لا ؟ قال فليركع ". وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوى جالسا فلم يدر أسجد ام لم يسجد ؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد ام لم يسجد ؟ قال يسجد ". وعن ابى بصير باسنادين احدهما في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك وهو قائم فلا يدرى أركع ام لم يركع ؟ قال يركع ويسجد " وفى الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة ام اثنتين ؟ قال يسجد اخرى وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو ". وما رواه في الكافي عن ابى بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر سجدة سجد ام سجدتين ؟ قال يسجد حتى يستيقن انهما سجدتان ". وعن الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) " في رجل شبه عليه فلم يدر واحدة سجد أو ثنتين ؟ قال فليسجد اخرى ".


(1) و (3) الوسائل الباب 12 من الركوع. (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 15 من السجود


[ 169 ]

وما رواه في التهذيب عن ابى بصير والحلبي (1) " في الرجل لا يدرى أركع أم لم يركع ؟ قال يركع ". وجملة من هذه الاخبار وان كانت مطلقة إلا انه يجب حملها على بقاء محل التدارك للاخبار المقيدة من قبيل حمل المطلق على المقيد، والاخبار الاتية الدالة على انه يمضى في صلاته متى دخل في غيره. واما ما رواه الشيخ عن الفضيل بن يسار في الصحيح (2) - قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا أدرى ركعت ام لا ؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان " - فحملها الشيخ (قدس سره) على انه اراد (عليه السلام) إذا استتم قائما من الركعة الرابعة فلا يدرى اركع في الثالثة أم لا ؟ ولا يخفى بعده. قال في الذخيرة بعد ذكر تأويل الشيخ ورده بانه بعيد ما صورته: والجمع بالتخيير ممكن إلا ان الظاهر انه لا قائل بمضمونه من الاصحاب. ويمكن أن يقال المراد بقوله " استتم قائما " القيام عن الانحناء وظاهر ذلك حصور الركوع منه فيكون من باب الظن بالركوع فلم يجب عليه الركوع. أو يقال انه شك في الركوع بعد الاشتغال بواجب آخر وهو القيام عن الركوع. ولعل هذا الوجه اقرب. ويمكن ايضا تأويل هذا الخبر بالمحل على كثرة السهو ويشعر به قوله: استتم " بصيغة الاستقبال الدالة على الاستمرار التجديدي، وقوله (عليه السلام) " انما ذلك من الشيطان " لا يخلو من ايماء إليه " وفيه بعد. انتهى. اقول: لا ريب ان ما ذكره من التأويل الاول والثالث وهو الذى قربه لا يخلو من بعد، اما الاول فلان الخروج عن مضمون تلك الاخبار بهذا الخبر المجمل المتشابه لا يخلو عن مجازفة. واما الثالث فانه متى علم انه واجب آخر وانه قيام عن


(1) الوسائل الباب 12 من الركوع (2) الوسائل الباب 13 من الركوع


[ 170 ]

الركوع فقد سقط البحث ولا معنى للسؤال حينئذ فكيف يقول " فلا ادرى أركعت ام لا ؟ " والظاهر هو الوجه الثاني أو الرابع وهو الذى يعضده قوله (عليه السلام) " فانما ذلك من الشيطان ". ويدل على الحكم الثاني جملة من الاخبار ايضا: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة ؟ قال يمضى. قلت رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر ؟ قال يمضى. قلت رجل شك في التكبير وقد قرأ ؟ قال يمضى. قلت شك في القراءة وقد ركع ؟ قال يمضى. قلت شك في الركوع وقد سجد ؟ قال يمضى على صلاته. ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وعن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ". وعن اسماعيل بن جابر في الصحيح (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " ورواه الشيخ ايضا بسند آخر عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4).


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 13 من الركوع و 15 من السجود (4) هذه الرواية نقلها في الوافى في باب الشك في اجزاء الصلاة من التهذيب عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكا عن ابى بصير عن ابى عبد الله " ع " ولم نقف عليها في الوسائل والتهذيب بعد الفحص عنها في مظانه. ولا يخفى ان صحيحة اسماعيل ابن جابر المذكورة في التهذيب ج 2 ص 153 رقم 602 من الطبع الحديث تشتمل على فرعين (احدهما) وهو الصدر نسيان السجدة الثانية وذكرها حال القيام. و (ثانيهما) وهو العجز الشك في الركوع والسجود بعد تجاوز المحل وهو يشتمل على الضابطة الكلية. وقد =


[ 171 ]

وعن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشك وانا ساجد فلا ادرى ركعت ام لا ؟ قال امض ". وعن حماد بن عثمان ايضا في الصحيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشك وانا ساجد فلا أدرى ركعت ام لا ؟ فقال قد ركعت امضه ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال " سألته عن رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع ؟ قال يمضى في صلاته ". بقى الكلام في انه هل المراد بالشك في هذه المسألة ما هو عبارة عن تساوى الطرفين خاصة أو ما يشمل الظن ايضا ؟ ظاهر كلام الاصحاب الاول من غير خلاف يعرف وظاهر النصوص المتقدمة هو الثاني وهو المؤيد بكلام اهل اللغة الذى قدمناه في صدر المطلب. فان قولهم (عليهم السلام) في جملة من تلك الاخبار (4) " شك فلم يدر سجد ام لم يسجد " يعنى لم يعلم سجد ام لا، وهو شامل لظن السجود فان عدم العلم اعم من يكون مترددا أو مرجحا لاحدهما ترجيحا لا يبلغ حد العلم وهو الظن عندهم. واصرح من ذلك قولهم (عليهم السلام) في بعض تلك الاخبار (5) " يسجد ذكر مجموع الرواية في الوسائل بالتقطيع في الباب 14 من السجود رقم (1) والباب 15 منه رقم " 14 " كما صنع كذلك في الوافى فاورد الفرع الاول في باب السهو في السجود والثانى في باب الشك في الاجزاء. وقد روى الشيخ في التهذيب الفرع الاول عن الحسين ابن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قبل صحيحة اسماعيل بن جابر برقم 598 ولم يرد فيها ذكر الفرع الثاني اصلا وقد نقلها في الوسائل منه في الباب 14 من السجود برقم " 4 " واوردها في الوافى في باب السهو في السجود. وكيف كان فالذي اورده في الوافى في البابين المذكورين - من ان الشيخ روى في التهذيب عن ابى بصير الفرعين المتقدمين بالطريق المتقدم كما رواهما عن سعد عن احمد بن محمد عن ابيه عن عبد الله بن المغيرة عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله " ع " لم نقف عليه في التهذيب والوسائل وانما الموجود فيهما من طريق ابى بصير هو الفرع الاول فقط.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 13 من الركوع (4) و (5) ص 168


[ 172 ]

حتى يستيقن انهما سجدتان ". ومحل الاشكال المتفرغ على القولين انه لو شك قبل تجاوز المحل مع ظن الاتيان بما شك فيه فانه على تقدير كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) يمضى في صلاته وعلى تقدير ما قلناه يأتي بما شك فيه وان ظنه حتى يستيقن الاتيان به، وفى ما إذا تجاوز المحل لو ظن عدم الاتيان بما شك فيه فعلى كلام الاصحاب يجب الاتيان به وعلى ما قلناه يمضى بمجرد تجاوز المحل وان ظن عدم الاتيان به ولا يلتفت الى هذا الظن في الموضعين. وبالجملة فانك قد عرفت من كلام اهل اللغة ان الشك عبارة عما يشمل الظن (1) بل ظاهرهم الاتفاع عليه وظاهر هذه الاخبار يساعد ما ذكروه ولكن ظاهر الاصحاب كما عرفت. والمسألة لذلك محل اشكال فان الخروج عن ما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل وموافقتهم مع ظهور الادلة في خلاف ما ذهبوا إليه اشكل، والاحتياط يقتضى العمل بما قلناه ثم الاعادة من رأس. والله العالم.

(المقام الثاني) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في الحكمين المتقدمين بين ان يكون في الاولتين والاخيرتين، وقال الشيخ المفيد في المقنعة: وكل سهو يلحق الانسان في الركعتين الاولتين من فرائضه فعليه الاعادة. وحكى المحقق في المعتبر عن الشيخ قولا بوجوب الاعادة لكل شك يتعلق بكيفية الاولتين كاعدادهما. ونقل في الذكرى عن الشيخين القول بالبطلان إذا شك في افعالهما كما إذا


(1) العبارة في الطبعة القديمة ظاهرة النقض وقد كتب في الهامش في المقام العبارة التالية " كذا في عدة نسخ عندنا لكن الظاهر بمعونة آخر العبارة انه سقط بعد قوله " الظن " مثل هذه العبارة: لكن المشهور بين الاصحاب ان المراد بالشك هو بمعنى تساوي الطرفين فمخالفة ما اشتهر عندهم... والله العالم " وفى ما وقفنا عليه من النسخ الخطية العبارة كما جاءت في هذه الطبعة، ويظهر ان الناسخ قد انتقل من كلمة " الاتفاق عليه " الاولى الى الثانية واسقط ما بينهما.


[ 173 ]

شك في اعدادهما، قال ونقله الشيخ عن بعض القدماء من علمائنا، ونقله في المختلف عن الشيخ وغيره، قال نقل الشيخ وغيره عن بعض علمائنا اعادة الصلاة بكل سهو يحلق الركعتين الاولتين سواء كان في افعالهما أو في عددهما وسواء كان في الاركان من الافعل أو غيرها. ويدل على المشهور ما تقدم من اطلاق الاخبار المتقدمة في كل ممن الحكمين فانها باطلاقها شاملة للاولتين والاخيرتين، وكذا اطلاق الاخبار الدالة على صحة الصلاة بنسيان السجدة وقضائها بعد الصلاة. واما ما ظاهره المعارضة كرواية المعلى ابن خنيس فقد تقدم الجواب عنها. واما ما يدل على قول الشيخين ومن قبلهما فجملة من الروايات الصحيحة التى لم يتنبه لها احد من الاصحاب في ما اعلم: ومنها - صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " كان الذى فرض الله على العباد من الصلاة عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهن وهم - يعنى سهوا - فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن الوهم وليس فيهن قراءة فمن شك في الاولتين اعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شك في الاخيرتين عمل بالوهم ". واطلاقه شامل للاعداد والافعال وانه لابد في الاوليين من اليقين فيهما فلا يكفى البناء على الظن كما عليه جمهور الاصحاب من انه لو ترجح أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه في الاوليين كان أو الاخيرتين. وظاهر هذا الخبر وكذا ما يأتي من قبيله تخصيص ذلك بالاخيرتين. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " عشر ركعات " ركعتان من الظهر وركعتان من العصر


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض


[ 174 ]

وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الاخرة لا يجوز الوهم فيهن ومن وهم في شئ منهن استقبل الصلاة استقبالا وهى الصلاة التى فرضها الله تعالى على المؤمنين في القرآن، وفوض الى محمد (صلى الله عليه وآله) فزاد النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، والوهم انما يكون فيهن ". وعن عبد الله بن سليمان العامري عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين فلما ولد الحسن والحسين (عليهما السلام) زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع ركعات... الى ان قال وانما يجب السهو في ما زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الاولتين استقبل صلاته ". وعن عمر بن اذينة في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) في بعض اخبار المعراج وهو طويل (2) قال (عليه السلام) في آخره: " ومن اجل ذلك صارت الركعتان الاولتان كلما حدث فيهما حدث كان على صاحبهما اعادتهما ". ونقل ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز بن عبد الله (3) قال: " قال زرارة قال أبو جعفر (عليه السلام) كان الذى فرض الله من الصلاة عشرا فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعا وفيهن السهو وليس فيهن قراءة فمن شك في الاولتين اعاد حتى يحفظ ويكون على يقين... الحديث "، ولا يخفى ما في هذه الاخبار من الظهور في ما ادعاه اولئك الاعلام. والمراد من الوهم المنفى فيها هو الظن كما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام) (4) " وان ذهب وهمك " ونحوه.


(1) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض (2) الوسائل الباب 1 من افعال الصلاة (3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 7 و 10 و 11 و 15 من الخلل في الصلاة


[ 175 ]

ويدل على ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (1) قال: " قال لى إذا لم تحفظ الركعتين الاولتين فاعد صلاتك ". وعن الوشاء (2) قال: " قال لى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الاعادة في الركعتين الاولتين والسهو في الركعتين الاخيرتين ". وبهذين الخبرين استدل في المدارك للشيخين ثم اجاب عنهما بالحمل على حفظهما من الشك في العدد. وانت خبير بانه لو خلينا وظاهر هذه الروايات التى سردناها لامكن تخصيص اطلاق الاخبار التى استدل بها للقول المشهور بهذه الاخبار لانها خاصة والقاعدة تقتضي تقديم العمل بها. إلا انك قد عرفت من صحيحة زرارة المتقدمة في ادلة الحكم الثاني من المقام الاول الدلالة على ان " من شك في التكبير وقد قرأ قال يمضى ومن شك في القراءة وقد ركع قال يمضى " وهذا الشك لا يكون إلا في الاولتين مع انه (عليه السلام) حكم بصحة الصلاة والمضى فيها بعد تجاوز المحل، ومفهومه الرجوع لو لم يتجاوز المحل كما يدل عليه آخر الخبر وقد تقدم، وهو ظاهر في عدم بطلان الاوليين بالشك في الافعال. ونحوها في ذلك رواية محمد بن منصور (3) قال: " سألته عن الذى ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها ؟ فقال إذا خفت ألا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرة واحدة وليس عليك سهو ". والشيخ اجاب عنها في التهذيب بان المراد بالركعة الثانية يعنى من الركعتين الاخيرتين، ولا يخفى ما فيه. وحينئذ فالواجب حمل اطلاق الاخبار المتقدمة على


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 14 من السجود


[ 176 ]

الاعداد خاصة واستثناء الشك في الافعال من عمومها بهذين الخبرين، وانه لابد في العمل بالاعداد من البناء على اليقين فلو شك في عددهما ثم غلب عليه ظن احد الطرفين فانه لا يكفى في البناء عليه خلافا لظاهر الاصحاب بل لابد من اليقين فيهما كما صرحت به هذه الاخبار.

(المقام الثالث) - لا ريب في انه متى شك في فعل من الافعال وقد دخل في غيره فانه يمضى وقبل الدخول فيه يرجع لكن هذه الافعال التى يترتب عليها هذا الحكم هل هي عبارة عن افعال الصلاة المعدودة في كتاب الصلاة المفردة بالتبويب من النية وتكبيرة الاحرام والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد مثلا أو ما هو اعم منها ومن مقدماتها كالهوى للركوع والهوى للسجود ولما يركع ولما يسجد والنهوض للقيام ولما يستتم قائما والرفع من السجود لاجل التشهد مثلا ونحو ذلك ؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الاول وهو ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة في اول روايات الحكم الثاني من المقام الاول وصحيحة اسماعيل بن جابر (1) المروية ايضا عن ابى بصير (2). ويدل عليه صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوى جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد " وهى كما ترى ظاهرة في انه بالدخول في مقدمات الفعل يجب عليه الرجوع، وهو ظاهر في تخصيص الغيرية التى يترتب عليها الحكم المذكور بنفس تلك الافعال دون مقدماتها. إلا انه قد روى ايضا هذا الراوى بعينه في الصحيح (4) قال: " قلت


(1) ص 170 (2) ارجع الى التعليقة 4 ص 170 (3) الوسائل الباب 15 من السجود (4) الوسائل الباب 13 من الركوع


[ 177 ]

لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال قد ركع " وهو ظاهر المنافاة لخبره الاول والعجب ان صاحب المدارك قد عمل بكل من الخبرين فقال في تعداد المواضع التى وقع الخلاف فيها في هذا المقام: الثاني - ان يشك في الركوع وقد هوى الى السجود، والاظهر عدم وجوب تداركه لصحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله، ثم أورد الصحيحة الثانية، ثم قال: وقد قوى الشارح وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود وهو ضعيف... الى ان قال: الرابع - ان يشك في السجود وقد اخذ في القيام ولما يستكمله، والاقرب وجوب الاتيان به كما اختاره الشهيدان لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله، ثم ذكر الصحيحة الاولى. وانت خبير بما فيه وذلك فان مقتضى القاعدة المنصوصة في الاخبار وكلام الاصحاب من انه متى شك في شئ وقد دخل في غيره فلا يلتفت والا فانه يرجع هن ان مناط الرجوع الى المشكوك فيه وعدم الرجوع هو الدخول في ذلك الفعل الاخر وعدمه، وحينئذ فان صدق ذلك الغير على مقدمات الافعال فما اختاره في الثاني جيد للصحيحة المذكورة لكنه يرد عليه ان ما اختاره في الرابع ليس كذلك وان الصحيحة التى اوردها مما يجب تأويلها، وان لم يصدق ذلك الغير على المقدمات بل يختص بالافعال المعدودة أو لا كان الامر بالعكس. وبالجملة فان الروايتين المذكورتين قد تعارضتا في هذا الحكم فالقول بهما قول بالمتناقضين. واما ما اجاب به المحدث الكاشانى في الوافى - عن تعارض هاتين الروايتين حيث قال - بعد ذكر الصحيحة الاولى اولا لا ثم الثانية ثانيا - ما لفظه: (ان قيل) ما الفرق بين النهوض قبل استواء القيام والهوى للسجود قبل السقوط له ؟ حيث حكم في الاول في حديث البصري بالاتيان بالسجود المبنى على بقاء محله وحكم في الثاني هنا بالمضي المبتنى على تجاوز وقت الركوع (قلنا) الفرق بينهما ان الهوى للسجود مستلزم للانتصاب الذى منه اهوى له والانتصاب فعل آخر غير الركوع وقد


[ 178 ]

دخل فيه وتجاوز عن محل الركوع، بخلاف النهوض قبل ان يستتم قائما فانه بذلك لم يدخل بعد في فعل آخر. انتهى - فالظاهر ضعفه (اما اولا) فلاستلزامه انه لو شك في حال القيام قبل الهوى للسجود في انه ركع ام لا ان يمضى ولا يركع مع انه لا خلاف نصا وفتوى في انه يجب عليه الركوع في الصورة المذكورة فكيف يتم ما ادعاه من ان الانتصاب فعل آخر يمضى مع الذخول فيه وانه تجاوز وقت الركوع ؟ و (اما ثانيا) فان أخرية القيام وغيريته بالنسبة الى الركوع انما تثبت لو كان مرتبته التأخر عنه كما هو في سائر الافعال التى يجب المضى فيها بالشك في ما قبلها، وهو هنا غير معلوم لجواز ان يكون هذا القيام الذى اهوى عنه الى السجود انما هو القيام الذى يجب أن يركع عنه، وهذا هو السبب في وجوب الركوع لو شك وهو قائم كما هو مدلول الاخبار وكلام الاصحاب. وبالجملة فتوجيهه عندي غير موجه كما لا يخفى على التأمل. واما ما جرى عليه السيد السند (قدس سره) - من القول بالروايتين المذكورتين فافتى في صورة الشك في الركوع وقد اهوى الى السجود بان الاظهر عدم وجوب تداركه للصحيحة التى ذكرها وافتى في ما إذا شك في السجود وقد اخذ في القيام ولما يستكمله بان الاقرب وجوب الاتيان به - فقد عرفت ما فيه، وحينئذ فلا يخلو اما ان يخص ذلك الفعل الذى يتصل (1) بالدخول فيه تلك الافعال المعودة التى اشرنا إليها آنفا كما هو ظاهر الشهيدين، وحينئذ فجيب الرجوع بالدخول في مقدماتها، ولهذا ذهب جده كما نقل عنه في الموضع الثاني الى وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود حيث انه يخص الفعل


(1) هكذا في النسخة المطبوعة، وفى ما وقفنا عليه من المخطوطة هكذا " الذي بالدخول فيه " من دون كلمة " يتصل " والظاهر سقوط كلمة " يمضى " ونحوها بان تكون العبارة هكذا " الذى يمضى بالدخول فيه ".


[ 179 ]

الموجب للمضي بتلك الافعال المعدودة، وعلى هذا فيجب تأويل صحيحة عبد الرحمان الدالة على المضى في الصورة المذكورة، أو انه يقول بالعموم لمقدمات تلك الافعال فيجب المضى في الصورتين، وحينئذ يجب تأويل صيحيحة عبد الرحمان الاخرى أو القول بها وتخصيصها بموردها والعمل في ما عدا هذا الموضع باطلاق الاخبار المتقدمة من صحيحتي زرارة واسماعيل بن جابر ونحوهما باعتبار صدق الغيرية في المقدمات. إذا عرفت هذا فاعلم ان الذى يقرب عندي هو القول بالفرق بين الافعال المشار إليها آنفا وبين مقدماتها وانه لا يجب عليه المضى إلا بالدخول في تلك الافعال وفاقا للشهيدين اما بالدخول في مقدماتها فانه يرجع عملا بصحيحة عبد الرحمان الاولى وما ذكروه - من عموم تلاك الاخبار المتقدمة مثل صحيحتي زرارة واسماعيل بن جابر ونحوهما باعتبار صدق الغيرية على مقدمات الافعال وقد جعل (عليه السلام) المناط في المضى هو الدخول في الغير والغيرية ثابتة في تلك المقدمات - فهو وان تم في بادئ النظر إلا انه بالتأمل في الاخبار المذكورة ليس كذلك، وذلك فان قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (1) " ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض " يدل بمفهومه الشرطي الذى هو حجة عند المحققين على عدم المضى قبل ذلك وانه ليس هنا حد يوجب المضى في الاول قبل السجود وفى الثاني قبل القيام، وحينئذ فقوله " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره " وان كان مطلقا كما تمسك به الخصم إلا انه يجب تقييده بما دل عليه صدر الخبر. وهذا المعنى قد وقع في صحيحة زرارة (2) على وجه ظاهر في ما ذكرناه حيث قال: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " فان عطف قوله " دخلت في غيره " ب‍ " ثم " الدالة على المهلة والتراخى يشعر بوجود واسطة بين الدخول والخروج كما هو موجود في تلك الافعال المعدودة في الرواية،


(1) و (2) ص 170


[ 180 ]

وإلا فالخروج عن الشئ مستلزم للدخول في غيره والتلبس به التبة فلا معنى لهذا التراخي والمهلة المدلول عليها ب‍ " ثم " لو كان المراد ما هو اعم من الافعال ومقدماتها ولعل الاجمال في الاخبار انما وقع بناء على معلومية الحكم يومئذ كما هو الان معلوم بين الفقهاء فانهم يعدون افعال الصلاة ويفسرونها بهذه الافعال المشار إليها آنفا المخصوصة بالبحث والتبويب في الكتب الفقهية وكذا في الاخبار. وبالجملة فصحيحة عبد الرحمن الاولى صريحة في هذا الحكم فيحمل عليها اجمال هذين الخبرين بالتقريب الذى ذكرناه. واما صحيحته الثانية الدالة على انه متى شك حال الهوى للسجود في انه ركع قال (عليه السلام) " قد ركع " فالذي يقرب عندي انها ليست من محل البحث في شئ بل هي محمولة على كثير السهو، ولعله (عليه السلام) علم ذلك من قرينة الحال والسؤال يومئذ أو ان ذلك مجرد وسواس. ومما يدفع الاستبعاد عما ذكرنا صحيحة الفضيل المتقدمة قريبا (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا ادرى ركعت ام لا ؟ قال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان " فانه لا اشكال في ان من شك في الركوع وهو قائم انه يجب عليه الركوع كما دلت عليه الاخبار واتفقت عليه كلمة الاصحاب مع انه (عليه السلام) امره بالمضي وحكم بانه ركع ونسب شكه الى مجرد الوسواس. ومما يستأنس به لذلك ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل المذكورة " بلى قد ركعت " وفى صحيحة عبد الرحمان ايضا (2) قال: " قد ركع " مع ان الامر بالمضي بعد تجاوز الفعل المشكوك لا يستلزم التمام وانه انما امر بالتجاوز لانه قد فعله بل وقع الامر بذلك تسهيلا وتخفيفا في التكليف ودفعا لتسلط الشيطان، وفى هاتين الرواتين قد حكم بانه ركع وهو كناية عن عدم الالتفات الى الشك


(1) ص 169 (2) ص 176 و 177


[ 181 ]

بالكلية كما في كثير الشك. والله العالم.

(المقام الرابع) - قد ذكر الاصحاب هنا مواضع وقع الخلاف فيها في البين:

منها - ان يشك في قراءة الفاتحة وهو في السورة، والظاهر ان المشهور وجوب الاعادة لعدم تحقق التجاوز عن المحل فان القراءة الشاملة لكل من الفاتحة والسورة أمر واحد، ويعضده ما تقدم (1) في صحيحة زرارة من قوله " شك في القراءة وقد ركع "، ونقل عن ابن ادريس انه قال لا يلتفت، ونقله ايضا عن الشيخ المفيد في رسالته الى ولده، وهو الاقرب. واليه مال في المعتبر ايضا حيث قال بعد ان نقل عن الشيخ القول بوجوب الاعادة: ولعله بناء على ان محل القراءتين واحد وبظاهر الاخبار يسقط هذا الاعتبار واعترضه في المذارك بانه غير جيد، قال: فان الاخبار لا تدل على ما ذكره بل ربما لاح من قوله: " قلت شك في القراءة وقد ركع " انه لو لم يركع لم يمض. انتهى. اقول: من المحتمل قريبا ان صاحب المعتبر انما اراد بالاخبار الاخبار الواردة في القراءة مما يؤذن بمغايرة الحمد للسورة كالاخبار الدالة على وجوب الحمد وانه لا تصح الصورة إلا بها مع دلالة الاخبار على صحتها بترك السورة في مقام العذر والضرورة والنافلة، وكذا مع اختلافها في وجوبها واستحبابها في الفريضة وجواز تبعيضها، فان جميع ذلك مما يدل على المغايرة التى هي مناط المضى، وبالجملة فان التسمية منفردة والاوامر الواردة في كل منهما مؤيدة واحكامها المتعايرة شاهدة والى هذا القول يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة مستندا الى ثبوت الغيرية ودلالة الاخبار على انها هي المناط في المضى وعدم الرجوع. واختاره ايضا شيخنا المجلسي في البحار مستندا الى الدليل المذكور، وقبلهما المحقق الاردبيلى


(1) ص 170


[ 182 ]

(طاب ثراه) في شرح الارشاد. واما ما استند إليه في المدارك - من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة " شك في القراءة وقد ركع " من دلالة مفهومه على عدم المضى لو لم يركع - ففيه اولا - انه معارض بما اشتملت عليه الصحيحة المذكورة وغيرها من جعل مناط المضى الغيرية وقد بينا ثبوتها بين الحمد والسورة. وثانيا - ما اجاب به في الذخيرة حيث قال: حجة القول الاول قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " قلت شك في القراءة وقد ركع " فان التقييد بالركوع يقتضى مغايرة حكم ما قبل الركوع له. وقد تعلق بهذا الوجه جماعة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو ضعيف، لان التقييد ليس في كلامه (عليه السلام) بل في كلام الراوى فلا يصلح للاحتياج، على انه ليس في كلام الراوى ايضا حكم على محل الوصف حتى يقتضى نفيه عما عداه بل سؤال عن حكم محل الوصف ولا دلالة في ذلك على شئ، سلمنا لكن دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق. انتهى. وربما استدل بعضهم للقول الاول بل القراءة فعل واحد، وهو مردود بما ذكرناه من اثبات المغايرة، على انه يطلق على جميع الافعال اسم الصلاة ايضا مع انه غير مانع من المغايرة في افعالها اتفاقا. اقول: القول بالفصل في المقام بناء على ما قدمنا تحقيقه من حمل الغير الذى يجب المضى فيه على تلك الافعال المعدودة هو وجوب الرجوع في الصورة المذكورة وما استدل به في المدارك على ذلك صحيح والايراد علبه بحديث الغيرية قد عرفت جوابه. وجواب صاحب الذخيرة عن الخبر المذكور مدخول بان الاعتماد من الاستدلال ليس على كلام السائل بل انما هو على جواب الامام (عليه السلام) فانه في قوة قوله: " إذا شك في القراءة وقد ركع فليمض " ومفهومه الشرطي الذى هو حجة عند المحققين انه إذا لم يكن كذلك فلا يمضى. وبالجملة فان تقرير الامام السائل


(1) ص 170


[ 183 ]

على ما ذكره وجوابه عنه بالمضي في قوة قوله هو نفسه (عليه السلام) بذلك. وقوله - ان دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق - مردود بما قدمنا تحقيقه من حمل الغير في الرواية على تلك الافعال المخصوصة جمعا بين الاخبار كما اوضحنا بيانه وشددنا اركانه وبه يتجه قوة القول المشهور. وما أبعد ما بين هذا القول الاخير وبين ما نقل عن العلامة من وجوب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع، نقله عنه في الروض. بقى الكلام في الايات في كل من الفاتحة والسورة، والظاهر من المحقق الاردبيلى القول بالمضي ايضا لحصول المغايرة، وبه صرح ايضا الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد نقل كلام في المقام: ومما ذكرنا يظهر ان الشك في ابعاض الحمد أو السورة بعد التجاوز عنه والدخول في بعض آخر حكمه عدم الالتفات. انتهى. ونفى عنه البعد شيخننا المجلسي (قدس سره) في البحار إلا انه قال: ويمكن ان يقال الرجوع هنا احوط إذ القرآن والدعاء غير ممنوع في الصلاة ودخول ذلك في القرآن الممنوع غير معلوم. انتهى. والمسألة لا تخلو من توقف إذ الظاهر ان الامر لا يبلغ الى هذا المقدار وإلا لجرى في الحروف في الكلمة الواحدة ايضا كأن يشك في اخراج الحرف الاول من الكلمة من مخرجه أو تشديده أو اعرابه بعد انتقاله الى آخرها، وهو بعيد لا أظن أحدا يلتزمه خصوصا على القول بتغيير الفعل الموجب للمضي فيه بتلك الافعال المعدودة خاصة كما هو ظاهر الشهيدين وتخصيص الغيرية به أو مع العموم لمقدمات تلك الافعال، واما البلوغ في الغيرية الموجبة للمضي الى هذا الحد من الايات في السورة الواحدة فمشكل والاخبار تقتضي الرجوع كما ذكره شيخنا المشار إليه آنفا. والله العالم.

ومنها - الشك في السجود وهو في التشهد أو بعد ما تشهد وقبل الاستكمال قائما، ومقتضى ما قدمناه من التحقيق هو عدم الرجوع لان التشهد أحد افعال


[ 184 ]

الصلاة المعدودة مع ثبوت الغيرية بالدخول فيه، وبه صرح الشيخ في المبسوط وجملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). وظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى هو الرجوع في الصورة المذكورة استنادا الى قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) " رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال يسجد " فانه مطلق في العود الى السجود قبل استكمال القيام فيشمل ما لو كان بعد السجود تشهد أم لم يكن. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: لو شك في السجود وهو متشهد أو قد فرغ منه ولم يقم أو قام ولم يستكمل القيام يأتي به، وكذا لو شك في التشهد يأتي به ما لم يستكمل القيام لاصالة عدم فعل ذلك كله وبقاء محل استدراكه، ولرواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (2) " في رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائم فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ فقال يسجد " انتهى. ورده جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بحمل الخبر المذكور على ما إذا كان النهوض بعد السجود من غير تشهد في البين، ولا ريب انه هو ظاهر الخبر المذكور لقلوله في الخبر: " رجل نهض من سجوده فشك " فان عطف الشك على النهوض بالفاء المقتضية للتعقيب بغى مهلة ظاهر في عدم مخلل التشهد بينهما، هذا مع دلالة صحيحة زرارة واسماعيل بن جابر على المضى بالدخول في الغير وغيرية التشهد للسجود امر ظاهر. وبالجملة فالظاهر بعد ما ذكره (قدس سره) والله العالم.

ومنها - الشك في الركوع وهو هاو الى السجود ولم يسجد، وقد صرح في


(1) ص 176 وفى الوسائل الباب 15 من السجود (2) الوسائل الباب 15 من السجود. والراوي لهذه الرواية - كما في التهذيب ج 1 ص 189 والوافى باب الشك في اجزاء الصلاة والوسائل - هو عبد الرحمن بن ابى عبد الله لا عبد الرحمن بن الحجاج.


[ 185 ]

المدارك بان الاظهر عدم وجوب تداركه لصحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) الواردة، في رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال قد ركع " وقد صرح جده في الروض بان الواجب هو العود ما لم يصر الى حد السجود، وهو الذى استظهرناه في ما تقدم وبينا حمل الرواية المذكورة على غير ما ادعاه السيد المشار إليه ههنا. ويزيده تأييدا قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (2) " ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض " فان مفهومه انه لو لم يسجد فلا يمضى بل يعود. ونحوه مفهوم صحيحتي حماد ومحمد بن مسلم المذكورتين آنفا (3).

ومنها - الشك في السجود أو التشهد بعد ان قام واستكمل القيام، والاشهر الاظهر المضى لان القيام فعل آخر فيمضى بالدخول فيه حسبما دلت عليه الروايات المتقدمة. قال في الذكرى: وبه قال الشيخ في المبسوط. ثم نقل عنه انه قال في النهاية يرجع الى السجود والتشهد ما لم يركع إذا شك في فعله. وفى المدارك نقل هذا القول عن المبسوط حيث قال: وقال الشيخ في المبسوط يرجع الى السجود والتشهد ما لم يركع. وهو بعيد جدا. انتهى. اقول: وكل من النقلين لا يخلو من خلل وسهو، اما ما نقله في المدارك عن المبسوط فليس كذلك بل كلامه فيه صريح في موافقة القول المشهور كما ذكره في الذكرى، وهذه عبارته في المبسوط، وان شك في القراءة في حال الركوع أو في الركوع في حال السجود أو في السجود في حال القيام أو في التشهد الاول وقد قام الى الثالثة فانه لا يلتفت. واما ما نقله في الذكرى عن النهاية فهو كذلك بالنسبة الى السجود خاصة دون التشهد، حيث قال في الكتاب المذكور: فان شك في السجدتين وهو قاعد أو قد قام قبل أن يركع عاد فسجد السجدتين... الى ان قال: ومن شك في التششهد وهو


(1) ص 76 و 177 (2) ص 170 (3) ص 171


[ 186 ]

جالس فليتشهد فان كان شكه في التشهد الاول بعد قيامه الى الثالثة مضى في صلاته وليس عليه شئ. ثم انه في الذكرى بعد ان نقل عن النهاية القول المتقدم ذكره احتج له بحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل سها فلم يدر سجد سجدة ام اثنتين ؟ قال يسجد اخرى... الحديث " وقد تقدم، قال وهو يشمل الشاك بعد القيام كما يشمل الشك في الجلوس. ثم قال: وجوابه الحمل على الشك ولما يقم توفيقا بين الاخبار. انتهى. وهو جيد، ونحن قد اشرنا الى هذا الحمل ذيل الرواية المذكورة في ما تقدم. ونقل العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى عن القاضى انه فرق في بعض كلامه بين السجود والتشهد فاوجب الرجوع بالشك في التشهد حال قيامه دون السجود وفى موضع آخر سوى بينهما في عدم الرجوع. وحمل على انه اراد بالشك في التشهد تركه ناسيا لئلا يتناقض كلامه. وقد تقدم النقل عن العلامة انه اوجب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع. ولو حمل كلامه على السهو واراد السهو كما حمل عليه كلام القاضى لكان وجها، ويدل صريحا على وجوب المضى بالشك في السجود بعد القيام قوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة (2) " وان شك في السجود بعد ما قام فليمض " والله العالم.

ومنها - ما لو شك في القراءة وهو قانت، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل الى وجوب الرجوع بناء على تخصيص المضى بالافعال المعدودة المتقدمة التى هي واجبات الصلاة. قال (قدس سره): مقتضى الصحيحتين عدم وجوب العود ومفهوم قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (3) " قلت شك في القراءة وقد ركع ؟ قال يمضى " انه لو لم يكن


(1) الوسائل الباب 15 من السجود (2) و (3) ص 170


[ 187 ]

ركع يعود فيدخل فيه ما لو كان قانتا، وخبر عبد الرحمان يقتضيه ايضا فان العود الى الفعل مع الشروع في واجب وان لم يكن مقصودا بالذات قد يقتضى العود مع الشروع في المندوب بطريق اولى. ويمكن أن يقال هنا ان القنوت ليس من أفعال الصلاة المعهودة فلا يدخل في الخبرين. ثم قال: ولا يكاد يوجد في هذا المجال احتمال أو اشكال إلا وبمضمونه قائل من الاصحاب. انتهى. اقول: اما ما ذكره من ان مقتضى الصحيحتين - يعنى صحيحتي زرارة واسماعيل ابن جابر - ذلك فهو جيد من حيث الغيرية ويعضده انه فعل آخر من افعال الصلاة وان لم يكن من الواجبات المعدودة. واما الاستناد الى صحيحة زرارة المذكورة في وجوب العود فهو غير ظاهر، وذلك فان الظاهر من سؤالات زرارة في هذا الخبر الترتيب فيها وان مراده بالقراءة والركوع انما هو باعتبار الركعة الاولى التى لا قنوت فيها، وادخال الركعة الثانية وان امكن باعتبار عموم الكلام أو اطلاقه لكن سياق الخبر يشعر بان المراد انما هو الركعة الاولى ولا أقل أن يكون ما ذكرناه احتمالا يسقط به الاستدلال في هذا المجال. واما الاستناد الى خبر عبد الرحمان بالتقريب الذى ذكره ففيه ان الاظهر ان يقال - باعتبار ما قدمه من الفرق بين الافعال وبين مقدماتها وهى التى اشار إليها هنا بانها غير مقصودة بالذات من انه بالدخول في الافعال يمضى وبالدخول في المقدمات يرجع - ان الواجب هنا هو المضى لان القنوت من جملة الافعال وان كان مستحبا على المشهور والرجوع مخصوص بالمقدمات والقنوت ليس كذلك، والرجوع والمضى ليس معلقا بالواجب وعدمه ليتجه هنا انه متى جاز الرجوع من الواجب وان لم يكن مقصودا ذاتيا جاز من المستحب بطريق اولى بل المناط فيه انما هو آخرية الفعل وكونه فعلا مستقلا ليس مقدمة لغيره واجبا كان أو مستحبا.


[ 188 ]

فروع الاول - لو تدارك ما شك فيه في محله ثم ذكر فعله فالمشهور انه ان كان ركنا اعاد للزوم زيادة ركن في الصلاة وان كان واجبا آخر فلا بأس سجدة كان أو غيرها وقال المرتضى (رضى الله عنه): ان شك في سجدة فاتى بها ثم ذكر فعلها اعاد الصلاة وهو قول ابى الصلاح وابن ابى عقيل، ولعله لقولهم بركنية السجدة الواحدة، إلا ان الدليل عليه غير ناهض بالدلالة. ويدل على عدم الابطال بزيادة السجدة صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة ؟ فقالا لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة ". وموثقة عبيد بن زرارة (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة ؟ فقال لا والله لا تفسد الصلاة زيادة سجدة - وقال لا يعيد صلاته من سجدة ويعيدها من ركعة ". الثاني - لو تلافى ما شك فيه بعد الانتقال فالظاهر البطلان كما صرح به جملة من الاصحاب ان تعمد ذلك، وعللوه بالاخلال بنظم الصلاة، ولان المأتى به ليس من افعال الصلاة. وقال في الذخيرة بعد نقل ذلك: وفيه تأمل نعم يتوقف تحصيل البراءة اليقينية من التكليف على ترك التدارك. انتهى. واحتمل الشهيد في الذكرى عدم البطلان بناء على ان ترك الرجوع رخصة. اقول: لا ريب ان الاخبار المتقدمة قد انفقت على الامر بالمضي فالواجب حينئذ هو المضى، وحمل ذلك على الرخصة تخرص لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر النصوص والعبادات توقيفية، وهذا هو الذى رسمه صاحب الشريعة (صلى الله


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من الركوع.


[ 189 ]

عليه وآله) فيها فالخروج عنه من غير دليل يدل عليه تشريع محض موجب لبطلان العبادة. والله العالم. الثالث - لو شك في الركوع وهو قائم فركع ثم ذكر في اثناء الركوع انه قد ركع سابقا فالمشهور بين المتأخرين بطلان الصلاة، وذهب الكليني في الكافي والشيخ والمرتضى وابن ادريس الى انه يرسل نفسه الى السجود ولا شئ عليه. حجة الاولين انه قد زاد ركوعا إذ ليس رفع الرأس جزء من الركوع. وقال في الذكرى بعد نقل القول الثاني: وهو قوى لان ذلك وان كان بصورة الركوع إلا انه في الحقيقة ليس بركوع لتبين خلافه، والهوى الى السجود مشتمل عليه وهو واجب فيتأدى الهوى الى السجود به فلا تتحقق الزيادة حينئذ بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع فان الزيادة حينئذ متحققة لافتقاره الى هوى السجود قال في المدارك بعد نقله ذلك: ولا يخفى ضعف هذا التوجيه نعم يمكن توجيهه بان هذه الزيادة لم تقتض تغييرا لهيئة الصلاة ولا خروجا عن الترتيب الموظف فلا تكون مبطلة وان تحقق مسمى الركوع لانتفاء ما يدل على بطلان الصلاة بزيادته على هذا الوجه من نص أو اجماع. ولا يشكل ذلك بوجوب اعادة الهوى للسجود حيث لم يقع بقصده وانما وقع بقصد الركوع، لان الاظهر ان ذلك لا يقتضى وجوب اعادته كما يدل عليه فحوى صحيحة حريز المتضمنة لان من سها في الفريضة فاتمها على انها نافلة لا يضره (1) وقد ظهر بذلك قوة هذا القول وان كان الاتمام ثم الاعادة طريق الاحتياط. انتهى. اقول: ومرجع ما ذكره جملة منن المتأخرين في توجيه كلام المتقدمين مما نقلناه وما لم تنقله يرجع الى وجوه: (احدها) ان الانحناء الخاص مشترك بين الركوع والهوى الى السجود وانما يتميز الاول عن الثاني بالرفع منه ولم يثبت ان مجرد القصد يكفى في كونه ركوعا فإذا لا يلزم زيادة الركن. و (ثانيها) ما ذكره الشهيد في


(1) الوسائل الباب 2 من النية


[ 190 ]

الذكرى. و (ثالثها) ما ذكره في المدارك. و (رابعها) انه بعد تسليم تحقيق الزيادة فان المنساق الى الذهن مما دل على ان الزيادة في الصلاة مبطلة وكذا ما دل على ان زيادة الركوع مبطلة غير هذا النحو من الزيادة. ولا يخفى ما في الجميع من الوهن والضعف فان بناء الاحكام الشرعية التى استفاضت الايات والروايات بوجوب كونها عن علم ويقين بمثل هذه التخريجات الضعيفة والتقريبات السخيفة لا يخلو من المجازفة في احكام سبحانه. والظاهر ان الحامل لهم على ارتكاب هذه التكلفات في توجيه القول المذكور هو ذهاب صاحب الكافي إليه وافتاؤه به وإلا فانهم لا يعبأون باقوال الشيخ والمرتضى ونحوهما ولا يحافظون عليه أو يتكلفون تصحيحها ان لم يقابلوها بالرد والاعتراض. اقول: ان الله لا يستحيى من الحق، فان كان صاحب الكافي انما افتى بذلك لنص وصل إليه - وهو الظاهر لانه من أرباب النصوص - فان حكمنا في ذلك غير حكمه لعدم وصول النص الينا وعدم وجوب تقليده علينا، وان كان انما هو لمجرد استنباط كما ذهب إليه غيره فالامر أظهر من ذلك. نعم لو كان لهذه الفتوى شهرة في كلام غيره من المعاصرين له والمتقدمين عليه والمتأخرين عنه من المتقدمين لامكن الاعتماد عليها كما تقدم التصريح به في صدر كتاب الطهارة في المقدمة التى في الاجماع وكيف كان فكلام المتأخرين وما عللوا به الابطال لا يخلو من قوة كما اعترف به هؤلاء المخالفون في المسألة في غير موضع - إلا انه لعدم النص في المسألة فالواجب فيها الاحتياط بالاتمام كما ذكره القائلون بالصحة تم الاعادة كما ذكره الاخرون فان المسألة عندي من المتشابهات الواجب فيها الاحيتاط. والله العالم. الرابع - قد عرفت ان ضابط التجاوز عن المحل في الشك هو الشروع في فعل موضعه بعد ذلك الفعل ركنا كان أو غيره، بقى الكلام في التخصيص بافعال مخصوصة أو ما هو اعم وقد تقدم الكلام فيه.


[ 191 ]

وضابط التجاوز في السهو فوت المحل بان يدخل في ركن يكون بعد ذلك المنسى أو يكون تداركه مستلزما لتكرار ركن أو تكرار جزء من ركن، أما تكرار الركن فكنسيان ذكر الركوع حتى رفع رأسه منه وانتصب قائما، وكذا نسيان الطمأنينة فيه، فان تدارك ذلك موجب لتكرار الركوع. واما تكرار جزء من الركن فهو كنسيان ذكر احدى السجدتين وتذكره بعد الرفع، فان العود إليه وان لم يوجب تكرار الركن لكن يوجب تكرار جزء منه فان السجدة الواحدة جزء من الركن وهو السجدتان، وحينئذ فليس لناسى ذكر الركوع أو الطمأنينة فيه حتى ينتصب الرجوع فيه ولا لناسى الرفع من الركوع أو الطمأنينة في الرفع حتى يسجد الرجوع وكذا ناسى الذكر في السجدتين حتى رفع رأسه من السجدة الثانية أو الذكر في احدى السجدتين أو السجود على الاعضاء السبعة سوى الجبهة أو الطمأنينة فيهما أو في الجلوس بينهما أو اكمال الرفع من السجدة الاولى حتى سجد ثانيا. وكذا لو شك في شئ من ذلك فليس له الرجوع الى استدارك شئ من ذلك. ولا تبطل صلاته بتركها ولا يلزمه شئ سوى سجود السهو على القول بكونه لكل زيادة ونقيصة. والمستند في الجميع فوات محل التدارك وعدم الدليل على الرجوع إليها أو على بطلان الصلاة بتركها ناسيا، وقد وردت جملة من الروايات بخصوص بعض هذه المواضع. والله العالم. الخامس - لو شك بعد رفع رأسه من الركوع هل وصل الى حد الراكع ام لا ؟ مع جزمه بتحقق الانحناء في الجملة وكون هويه بقصد الركوع فالاقرب العود، لانه يرجع الى حكم الشاك في الركوع قائما وقد صرحت الاخبار بوجوب الرجوع عليه وكذا صرح الاصحاب. ومن الاخبار صحيحة عمران الحلبي (1) قال: " قلت الرجل يشك وهو قائم فلا يدرى أركع أم لا ؟ قال فليركع ".


(1) الوسائل الباب 13 من الركوع


[ 192 ]

واحتمل بعض مشايخنا عدم العود لرواية الفضيل بن يسار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا ادرى ركعت أم لا ؟ فقال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان ". وقد قدمنا الكلام في هذا الخبر وانه لا يصلح لمعارضة تلك الاخبار الناصة على وجوب الرجوع المعتضدة بكلام الاصحاب وبينا ان الظاهر حمله على كثير الشك فان الغالب ان مثل هذا الشك لا يصدر الا منه، وقوله (عليه السلام) " فانما ذلك من الشيطان " ظاهر في التأييد لما قلناه. وربما حمل الخبر المذكور على القيام من السجود أو التشهد. وهو وان كان لا يخلو عن بعد إلا انه لضرورة الجمع بين الاخبار غير بعيد، وكم مثله بل ابعد منه في امثال هذه المقامات ولا سيما في كلام الشيخ (قدس سره) والله العالم.

(المسألة الثالثة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بالشك في عدد الاوليين. وقد نقل الاصحاب من العلامة فمن بعده عن الصدوق هنا ايضا القول بجواز البناء على الاقل، قال العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى انه قول علمائنا أجمع الا ابا جعفر ابن بابوية فانه قال: " لو شك بين الركعة والركعتين فله البناء على الاقل " وتناقل هذه العبارة عن الصدوق جملة من تأخر عنهم كصاحب المدارك وغيره مع انا لم نقف عليها في كلامه بل الموجود فيه ما يخالفها ويطابق القول المشهور. وهذا الموضع الثاني من مواضع نقولاتهم المختلفة عنه (رضى الله عنه) في هذا المقام فانه قال في كتاب الفقيه: والاصل في السهو ان من سها في الركعتين الاولتين من كل صلاة فعليه الاعادة ومن شك في المغرب... الى آخر ما قدمناه عنه في صدر المسألة الاولى. ولا يخفى ان مراده بالسهو هنا - كما ذكره ايضا المحقق المشهور بخليفة سلطان


(1) الوسائل الباب 13 من الركوع


[ 193 ]

في حواشيه على الكتاب - انما هو الشك بقرينة ما بعد العبارة المذكورة، قال المحقق المذكور: الظاهر ان المراد الشك في العدد الاولتين لا كل سهو وقع فيهما فانه لو كان السهو فيهما عن غير الركن أو عن الركن وتمكن من استدراكه في محله فليس عليه اعادة الصلاة. انتهى. اقول: ويوضح ذلك قوله في آخر العبارة: ومعنى الخبر الذى روى (1) " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " انما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. وهو كما ترى صريح في حكمه بوجوب الاعادة بالشك في الاولتين. هذا كلامه في الكتاب المذكور وقال ايضا في كتاب المقنع: إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فاعد الصلاة وروى ابن على ركعة. انتهى. وهو كما ترى صريح في الفتوى بوجوب الاعادة كما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) وانما نسب البناء على الاقل الى الرواية. ففى أي موضع هذه العبارة التى نقلوها عنه وتبع المتأخر فيها المتقدم ؟ وهذا كلامه في الكتابين صريح في موافقة الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجل الروايات الواردة في الباب، ما هذا إلا عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الاطياب. ونحوه ما سيأتي ان شاء الله تعالى ايضا في المقام. ونقل في الذكرى عن الشيخ على بن بابوية انه قال: إذا شك في الركعة الاولى والثانية اعاد، وان شك ثانيا وتوهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعذ التسليم بركعتين قاعدا، وان توهم الاولى بنى عليها وتشهد في كل ركعة، فان تيقن بعد التسليم الزيادة لم يضر لان التسليم حائل بين الرابعة والخامسة، وان تساوى الاحتمالان تخير بين ركعة قائما وركعتين جالسا. انتهى. ثم قال في الذكرى: واطبق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الاعادة ولم نقف له على رواية تدل على ما ذكره من التفصيل.


(1) الفقيه ج 1 ص 225 وفى الوسائل الباب 1 رقم (5) والباب 9 رقم (3) والباب 29 رقم (1) من الخلل في الصلاة.


[ 194 ]

أقول: والذى يدل على القول المشهور وهو المؤيد المنصور جملة من الاخبار المتكاثرة: ومنها - ما رواه الشيخ عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: " قال لى إذا لم تحفظ الركعتين الاولتين فاعد صلاتك ". وعن ابى بصير في الصحيح أو الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: إذا سهوت في الركعتين فاعدهما حتى تثبتهما ". وعن رفاعة في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يدرى أركعة صلى ام ثنتين ؟ قال يعيد ". وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: " قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين ؟ قال يعيد ". وعن الحسن بن على الوشاء (5) قال: " قال لى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الاعادة في الركعتين الاولتين والسهو في الركعتين الاخيرتين ". وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (6) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل شك في الركعة الاولى ؟ قال يستأنف ". وعن عنبسة بن مصعب (7) قال: " قال لى أبو عبد الله (عليه السلام) إذا شككت في الركعتين الاولتين فاعد ". وعن سماعة في الموثق (8) قال قال: " إذا سها الرجل في الركعتين الاولتين من الظهر والعصر ولم يدر واحدة صلى أم ثنتين فعليه ان يعيد الصلاة ". وعن اسماعيل الجعفي وابن ابى يعفور عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (9) انهما قالا: " إذا لم تدر أواحدة صلى تأم ثنتين فاستقبل ". هذه جملة ما حضرني من الاخبار الدالة على القول المشهور وهى في دلالتها


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة


[ 195 ]

واضحة الظهور لا يعتريها خلل ولا قصور. إلا انه قد ورد بازائها بعض الاخبار الدالة على البناء على الاقل واستدل من نسب بزعمه الى ابن بابويه القول بالبناء على الاقل بهذه الاخبار وقد عرفت فساد النسبة وانها غلط بلا ريبة. ومن الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أركعتين صلى أم واحدة ؟ قال يتم ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (2) قال: " في الرجل لا يدرى ركعة صلى أم ثنتين ؟ قال يبنى على الركعة ". وعن عبد الله بن ابى يعفور في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أركعتين صلى أم واحدة ؟ قال يتم بركعة ". واجاب الشيخ عن هذه الاخبار (اولا) بانها اخبار قليلة وما تضمن الاعادة كثير جدا ولا يجوز العدول عن الاكثر الى الاقل. و (ثانيا) بالحمل على النافلة إذ لا تصريح فيها بكون الشك في الفريضة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهذا الحمل وان كان بعيدا إلا انه لا بأس بالمصير إليه لضعف هذه الروايات من حيث السند ولو صح سندها لامكن القول بالتخيير بين البناء على الاقل ولا استثناف كما اختاره ابن بابويه. انتهى. اقول: بل الحق في ذلك انما هو حمل هذه الاخبار على التقية التى هي في اختلاف الاحكام الشرعية أصل كل بلية. ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (4) باسناده عن عبد الرحمان بن عوف


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (4) رواه الترمذي في صحيحه على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 188 وحكاه العينى في عمدة القارئ ج 3 ص 749 عنه كما في تيسير الوصول ج 2 ص 260 ايضا ورواه =


[ 196 ]

قال: " سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، وان لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليبن على اثنتين، وان لم يدر ثلاثا صلى أم اربعا فليبن على ثلاث ويسجد سجدتين قبل ان يسلم " قال البغوي في شرح السنة بعد نقل الخبر المذكور: هذا الحديث يشتمل على حكمين (أحدهما) انه إذا شك في صلاته فلم يدر كم ركعة صلى يأخذ بالاقل.

و (الثاني) ان محل سجدتي السهو قبل السلام. اما الاول فاكثر العلماء على انه يبنى على الاقل ويسجد للسهو... الى آخر كلامه. وبذك يظهر بطلان ما ذكره من الاحتمال وان فرضنا صحة تلك الاخبار وان الحمل على التقية كما هو القاعدة المنصوصة عن اهل العصمة (عليهم السلام) مما لا ريب فيه ولا اشكال، وسيأتى ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد ايضاح وتأييد لذلك بتوفيق الملك المتعال. هذا. واما ما ذكره الشيخ أبو الحسن على بن بابويه واعترضه من وصل إليه كلامه بعدم الوقوف له على دليل فدليله انما هو كتاب الفقه الرضوي على الطريق التى عرفت وستعرف في غير مقام حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) " وان شككت في الركعة الاولى والثانية فاعد صلاتك، وان شككت مرة اخرى فيهما وكان اكثر وهمك الى الثانية فابن عليها واجعلها ثانية فإذا سلمت صليت ركعتين من قعود بام الكتاب، وان ذهب وهمك الى الاولى جعلتها الاولى وتشهدت في كل ركعة، وان استيقنت بعد ما سلمت ان التى بنيت عليها واحدة كانت ثانية


= البيهقى في السنن ج 2 ص 332، ورواه ابن تيمية في المنتقى على هامش شرحه نيل الاوطار ج 3 ص 96 وذكر رواية احمد وابن ماجة والترمذي له ولم يذكر الشوكاني في الشرح رواية مسلم له كما لم يذكر ذلك في السنن، ولم نجده في صحيح مسلم في باب سجود السهو. ولكن في البحار ج 18 الصلاة ص 649 حكاه عن مسلم. (1) ص 10


[ 197 ]

وزدت في صلاتك ركعة لم يكن عليك شئ لان التشهد حائل بين الرابعة والخامسة وان اعتدل وهمك فانت بالخيار ان شئت صليت ركعتين من قيام وإلا ركعتين وانت جالس ". ثم انه نقل في الذكرى ايضا عن الشيخ على بن بابويه على اثر العبارة المتقدمة انه قال ايضا: فان شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم اربعا صليت ركعة من قيام وركعتين من جلوس. ثم قال: وربما استند الى صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) " عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم صلاثا ؟ قال يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا " قال وظاهر الجزم الاحتياط بما ذكر لانه بناء على الاكثر ثم التدارك. انتهى. اقول: وهذا ايضا من قبيل ما قدمناه فان عبارة الشيخ المذكور عين عبارة الكتاب المشار إليه في هذا الموضع ايضا حيث قال (عليه السلام) (2): وان شككت فلم تدر ثنتين صليت أم ثلاثا أم أربعا فصل ركعة من قيام وركعتين وانت جالس، وكذلك ان شككت فلم تدر واحدة صليت ام ثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام وركعتين وأنت جالس. انتهى. وانت خبير بان اعتماد الشيخ المشار إليه على الافتاء بعبارة الكتاب المذكور - في المسألة التى هي محل البحث في مقابلة تلك الاخبار الصحاح الصراح المتكاثرة وترجيحه العمل بهذا التفصيل على ما دلت عليه تلك الاخبار - أظهر ظاهر في صحة نسبة هذا الكتاب إليه (عليه السلام) زيادة على نسبة تلك الاخبار إليهم (عليهم السلام) كما لا يفخى، ومنه يظهر قوة الاعتماد على الكتاب المذكور والرجوع إليه في الاحكام الشرعية لاعتماد هذا العمدة في رسالته من اولها الى آخرها عليه كما اوضحناه في غير مقام مما تقدم. وسيأتى مثاله في الابواب الاتية والكتب التالية. والله العالم

(المسألة الرابعة) - لا خلاف بين الاصحاب (عطر الله مراقدهم) في انه لو لم


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) ص 10


[ 198 ]

يدر كم صلى فانه يجب عليه الاعادة. وقد نسبوا الى الصدوق ايضا في هذه المسألة الخلاف السابق الذى زعموا قوله به، قال في المدارك بعد ذكر هذا الحكم: ومقتضى كلام ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه جواز البناء على الاقل في مثل هذه المسألة ايضا. ونحوه قال الفاضل الخراساني في الذخيرة. اقول: الظاهر انه اشار في المذارك بقوله " ومقتضى كلام ابن بابويه " الى ما قدمنا نقله عنه في المسألة السابقة من نقل تلك العبارة المتقدمة عن الصدوق مع انك قد عرفت انه لا عين لها ولا اثر بل المصرح به فيه خلاف ذلك، وكذلك في هذا الموضع فانه قد صرح فيه بما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث انه قال في الكتاب المذكور: ومن لم يدر كم صلى ولم يقع وهمه على شئ فليعد الصلاة. انتهى. وهو عين ما افتى به الاصحاب ودلت عليه أخبار الباب. ولا أدرى كيف اتفقوا على هذه النقولات الظاهرة الخلل واجتمعوا على الوقوع في هذا الخلل والزلل وكتاب الفقيه بمنظر منهم وسيأتى مثله ايضا. نعم ربما ظهرت المخالفة في هذه المسألة من كلام والده في الرسالة على ما تقدم نقله في الذكرى عنه من قوله: فان شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام وركعتين من جلوس. وقد قدمنا ان ذلك مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي. وكيف كان فالمعتمد هو القول المشهور للادلة الاخبار المتكاثرة عليه، ومنها ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: " ان كنت لا تدرى كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فاعد الصلاة ". وعن عبد الله بن ابى يعفور باسنادين احدهما في الصحيح أو الحسن عن ابى بعد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا شككت فلم تدرأ في ثلاث أنت أم في


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة


[ 199 ]

اثنتين أم في واحدة أم في أربع فاعد ولا تمض على الشك ". وعن ابى بصير وزرارة باسنادين احدهما من الصحيح أو الحسن (1) قالا: " قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى ولا ما بقى عليه ؟ قال يعيد. قلنا فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك ؟ قال يمضى في شكه... الحديث ". وعن على بن النعمان الرازي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " إنما يعيد من لا يدرى ما صلى ". ويعضده ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدرى صلى شيئا أم لا ؟ فقال يستقبل ". ويدل عليه ايضا ما تقدم من الاخبار الدالة على بطلان الصلاة مع عدم سلامة الاوليين (4). إلا انه قد ورد بازاء هذه الروايات ما يدل بظاهره على جواز البناء على الاقل واستدل بها الصدوق بناء على زعمهم قوله بذلك. ومن الاخبار المذكورة ما رواه الشيخ عن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم ثلاثا ؟ قال يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا " وحملها الشيخ على ان المراد بالجزم استئناف الصلاة وحمل الامر بالسجود على الاستحباب. وأجاب العلامة عنها بالحمل على من كثر سهوه. والجميع بمحل من البعد وانما الوجه فيها الحمل على التقية كما قدمنا ذكره في سابق هذه المسألة (6)


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 3 و 15 من الخلل في الصلاة (3) و (5) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (4) ص 194 (6) ص 195 و 196


[ 200 ]

فانك قد عرفت ان الحكم عندهم البناء على الاقل وسجود السهو. وعن عنبسة بن مصعب (1) قال: " سألته عن الرجل لا يدرى ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا ؟ قال يبنى صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ويسجد سجدتي السهو ". وعن عبد الله بن المغيرة عن على بن ابى حمزة عن رجل صالح (2) قال: " سألته عن الرجل يشك فلا يدرى واحدة صلى أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته ؟ قال كل ذا ؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فانه يوشك ان يذهب عنه ". قال في الفقيه (3) بعد نقل رواية على بن ابن حمزة المذكورة: وروى سهل بن اليسع في ذلك عن الرضا (عليه السلام) انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". والوجه في هذه الاخبار ما عرفت من الحمل على التقية مع زيادة احتمال الحمل على كثرة السهو في رواية على بن ابى حمزة. واحتمل الشيخ فيها الحمل على السهو في النوافل ثم احتمل الحمل على من كثر سهوه. واحتمل جمله من المتأخرين الجمع بين الاخبار المختلفة في هذه المسألة بالحمل على التخيير، قال في الذخيرة: والاقرب في الجمع بين الاخبار الحمل على التخيير ولكن العدول عن الاخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة الى غيرها مشكل. وبالجملة لا ريب في ان الاحتياط في الاعادة. وقال في المدارك بعد رد تأويلي الشيخ والعلامة في المختلف بالبعد: وكيف كان فلا ريب ان الاستثناف اولى وأحوط. اقول: بل الظاهر الذى لا يكاد يختلجه الريب هو أن هذه الاخبار انما


(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (3) ج 1 ص 230 وفى الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة


[ 201 ]

خرجت مخرج التقية كما سيأتيك ان شاء الله تعالى مزيد بيان لذلك، ولكنهم (رضوان الله علهم) حيث الغوا هذه القواعد بالكلية وكذا غيرها من القواعد المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار وقعوا في ما وقعوا فيه من هذا الكلام وامثاله الناقص العيار، وربما ارتكبوا التأويلات الباردة والتمحلات الشاردة، والحق أحق أن يتبع. إذا عرفت ذلك فاعلم ان مما نقل عن الصدوق ايضا في احكام الشكوك جواز البناء على الاقل في الشكوك الاتية المتعلقة بالاخيرتين وجعلوه مخالفا للاصحاب والاخبار القائلين بالبناء على الاثكر في تلك الشكوك، وهنا موضع اشتباه في كلامه (قدس سره) في الفقيه ربما كان هو الحامل لهم على ما وقع لهم من الوهم وان كانت بعض نقولاتهم عنه يأبى ذلك مثل نقل العبارة المتقدمة عنه مع انه لا وجود لها في كلامه. وها انا اذكر لك ملخص كلامه (قدس سره) في الكتاب المذكور واشرح لك ما تضمنه ودل عليه ليظهر لك ما في كلامهم من القصور: قال (قدس سره) في احكام السهو في الصلاة قريبا من اول الباب (1) ما صورته: والاصل في السهو ان من سها في الركعتين الاولتين من كل صلاة فعليه الاعادة، ومن شك في المغرب فعليه الاعادة، ومن شك في الغداة فعليه الاعادة ومن شك في الجمعة فعليه الاعادة، ومن شك في الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة أخذ بالاكثر فإذا سلم اتم ما ظن انه قد نقص. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) (2) لعمار بن موسى " يا عمار اجمع لك السهو كله في كلمتين متى شككت فخذ بالاكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت " ومعنى الخبر الذى روى (3) " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " إنما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. انتهى. وهذا الكلام كما ترى


(1) ج 1 ص 225 (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 1 و 9 و 29 من الخلل في الصلاة


[ 202 ]

من أوله الى آخره موالق لما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) ودلت عليه أخبار تلك الابواب. ثم ساق الكلام بعد ما ذكرناه في جملة من مسائل السهو والشك الخارجة عن ما نحن فيه بما يقرب من ورقة كبرى الى أن قال: وروى الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا لم تدر اثنتين صليت ام أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين... الروابه الى آخرها " وهذا الخبر هو مستند الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه الصورة التى اشتمل عليها الخبر، وظاهر روايته له وجموده عليه يؤذن بموافقته الاصحاب في ذلك. ثم ساق الكلام والاخبار في مسائل خارجة عما نحن فيه الى أن قال: وروى الحلبي عنه (عليه السلام) (2) انه قال: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا... الحديث الى آخره " والتقريب فيه ما تقدم في سابقه. ثم ساق الكلام في امور خارجة الى أن قال: وروى عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (3) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا... الحديث " والتقريب فيه أيضا كما ذكرناه. ثم قال: وروى على بن ابى حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) ثم ساقها كما قدمناه (4) ثم قال: وروى سهل بن اليسع... الى آخر ما قدمنا نقله أيضا عنه (5) ثم قال: وقد روى انه يصلى ركعة من قيام وركعتين من جلوس (6) وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار بأى خبر أخذ منها فهو مصيب. وروى عن إسحاق بن عمار (7) انه قال " قال لى أبو الحسن (عليه السلام) إذا شككت فابن


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (3) و (6) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (4) و (5) ص 200 (7) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة


[ 203 ]

على اليقين. قال قلت هذا أصل ؟ قال نعم " ثم ساق الكلام في غير ما نحن فيه واطال الى أن قال: ومن لم يدر كم صلى ولم يقع وهمه على شئ فليعد الصلاة. هذا خلاصة ما ذكره في الكتاب المذكور بالنسبة الى المسائل التى نقلوها عنه. ومن المحتمل قريبا - بل هو الظاهر هو من كلام المحدث الكاشانى في الوافى - ان منشأ الشبهة في ما نقلوه عنه قوله هنا " وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار... " باعتبار ارجاع الاشارة الى جميع ما تقدم من تلك المسائل المتفرقة. وفيه (أولا) ان الظاهر - بل هو المقطوع به كما سنشرحه لك ان شاء الله تعالى - ان مراده بالاشارة انما هو الى هذه الاخبار الثلاثة المتصلة في هذا المقام المتضمنة للشك بين الواحدة والثنتين والثلاث والاربع، فانها كما ترى قد اختلفت في ذلك، فظاهر رواية على بن ابى حمزة وقوله فيها " فليمض في صلاته " انه يتمها بالبناء على الاكثر من غير احتياط، وظاهر رواية سهل بن اليسع في ذلك أيضا انه يبنى على الواحدة ويتم صلاته ويسجد سجدتي السهو، وظاهر قوله " وقد روى انه يصلى " انه يبنى على الاكثر ويحتاط بهذا الاحتياط المذكور. والظاهر ان مراده بقوله " روى " هو الاشارة الى كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتضمن لهذه الصورة وانه يحتاط فيها بما ذكر، وهى التى قدمنا نقلها عن ابيه في الرسالة بنقل صاحب الذكرى، وان هذه الروايات الثلاث مع كون موردها أمرا واحدا قد اختلفت في حكمه وهو قد جمع بينها بالتخيير بين العمل بأى الاخبار الثلاثة شاء، والظاهر من نقله رواية إسحاق بن عمار هو ان مراده تأييد البناء على الاقل. هذا هو ظاهر كلامه. و (ثانيا) انه كيف يصح حمل لاشارة بهذه الاخبار الى أخبار مسائل الشكوك التى نقلوا عنه الخلاف فيها ؟ والحال ان جمله من تلك المسائل التى قدمنا نقلها عنه في الكتاب المذكور انما ذكرها بطريق الفتوى المؤذن بالجزم بذلك لا بطريق الرواية كما عرفت من صدر عبارته التى قدمناها أول الكلام مثل مسألة الشك


[ 204 ]

في اولتى الرباعية ومسألة الشك في الثانية والثلاثية ومسألتي الشك بين الثنتين والثلاث والثلاث والاربع، فانه لم ينقل في شئ من هذه المسائل خبرا، ومثل مسألة " من لم يدر كم صلى " المتأخرة عن هذه الاشارة بكثير، فكيف يصح الاشارة الى هذه الفتاوى الغير المقرونة بخبر بالكلية بقوله " وليست هذه الاخبار " ؟ سيما مع تأخر بعضها عن الاشارة، ما هذا إلا تعسف صرف وتكلف بحت. و (ثالثا) انه مع الاغماض عن ذلك كيف يصح الاشارة الى هذه المسائل المتفرقة المتقدمة وفيها ما هو متقدم بورقة كبرى مع تفرقها بين الاخبار والاحكام الخارجة عما نحن فيه ؟ و (رابعا) انهم قد نقلوا عنه عبارات في بعض الخلافات التى نسبوها إليه مع ان تلك العبارات لا وجود لها في كتابه بل الموجود انما هو ما يدل على خلاف ذلك. وبالجملة فان حمل الاشارة في هذه العبارة - على الاشارة الى جميع ما تقدم وما تأخر من المسائل المذكورة والحال ما عرفت - تعسف ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر فضلا عن الخبير الماهر، بل كلامه المتقدم في أول الباب والاخبار التى نقلها في الاثناء كله صريح في مطابقة كلام الاصحاب ولم يورد له مناقضا في الباب وانما نقل هذه الاخبار الثلاثة المختلفة في خصوص هذه الصورة وجمع بينها بما ذكر. بقى الكلام في شئ آخر وهو انه قد دل صدر كلامه الذى قدمنا نقله على ان الشك متى تعلق بالاولتين كان مبطلا وفى هذه الصورة التى اختلفت فيها هذه الاخبار الامر كذلك، فكيف حكم بالصحة هنا وخير بين ما دلت عليه هذه الاخبار والواجب هو الحكم بالبطلان وتأويل هذه الاخبار ؟ ويمكن الجواب باستثناء هذه الصورة عنده بهذه الاخبار مما دلت عليه أخبار ذلك الحكم، وأما غيرها فهو جار على ما ذكره أولا لاتفاق الاخبار وعدم ذكره المخالف في شئ من تلك المسائل فلا منافاة حينئذ. ثم انه لا يخفى ان ما حملنا عليه كلامه ووجهناه به ان لم يكن متعينا ومتحتما


[ 205 ]

لما ذكرناه فلا أقل ان يكون هو الارجح والاظهر ومع التنزل فلا أقل ان يكون مساويا لما ذكروه، وبه يبطل ما زعموه من حمل كلامه على الخلاف في تلك المسائل فانه متى قام الاحتمال بطل الاستدلال كما هو بينهم مسلم في مقام البحث والجدال. والله العالم.

(المسألة الخامسة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الشك انما يعتبر مع تساوى الطرفين واما مع الظن بأحدهما فانه يبنى على الظن، ومعناه تقدير الصلاة كأنها وقعت على هذا الوجه المظنون سواء اقتضى الصحة أو الفساد. وظاهر كلامهم انه لا فرق في حمل الشك على هذا المعنى بين ما إذا شك في الاعداد أو الافعال، وقد عرفت في ما تقدم انه في الافعال محل اشكال لما قدمناه في المسألة الثانية، وأما في الاعداد فانه لا اشكال فيه لدلالة الاخبار على البناء على الظن فيها فالمراد بالشك فيها ما هو عبارة عن تساوى طرفي ما شك فيه، فلو شك بين الاثنتين والثلاث وظن الثلاث بنى عليه من غير احتياط، ولو شك بين الاربع والخمس وظن الاربع بنى عليه من غير سجود السهو، ولو ظن كونها خمسا كان كمن زاد ركعة فيجئ فيه الخلاف المتقدم في هذه المسألة. وقد وقع في كثير من عبائر الاصحاب التعبير هنا بغلبة الظن وربما أشعر بعدم الاكتفاء بمطلق الظن مع انه خلاف النص والفتوى كقوله (عليه السلام) (1) " إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه وان وقع وهمك على الاربع فسلم وانصرف " والمراد بالوهم هنا هو الظن وهو الطرف الراجح ويرجع الى مطلق ترجيح أحد النقيضين، ولا يمكن حمله على معناه المصرح به في كلام أهل المعقول فانه باطل اجماعا، وحينئذ فلا وجه لاعتبار ما زاد على مجرد الظن. قال في الروض: وكأن من عبر بالغلبة تجوز بسبب ان الظن لما كان غالبا بالنسبة الى الشك والوهم وصفه بما


(1) هذا المضمون ورد في رواية عبد الرحمن بن سيابة وابى العباس الواردة في الوسائل في الباب 7 من الخلل في الصلاة. واللفظ فيها الرأى بدل الوهم


[ 206 ]

هو لازم له وأضاف الصفة الى موصوفها بنوع من التكلف. والمشهور بين الاصحاب انه لا فرق في هذا الحكم بين الاوليين والاخيرتين ولا بين الرباعية والثلاثية والثنائية، فان حصل الشك في موضع يوجب البطلان كالثنائية وغلب الظن على أحد الطرفين بنى عليه وان تساويا بطلت حتى لو لم يدركم صلى وظن عددا معينا بنى عليه. وكذا لا فرق في ذلك بين الافعال والاعداد في الركعات. ونقل عن ابن ادريس ان غلبة الظن انما تعتبر فيما عدا الاوليين وان الاوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما وان غلب الظن. قال في الذكرى: لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه لان تحصيل اليقين عسر في كثير من الاحوال فاكتفى بالظن تحصيلا لليسر ودفعا للحرج والعسر وروى العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر احرى ذلك الى الصواب فليبن عليه " وعن الصادق (عليه السلام) (2) بعدة طرق " إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه وان وقع وهمك على الاربع فسلم وانصرف " ولا فرق بين الشك في الافعال والاعداد ولا بين الاوليين والاخيرتين في ذلك. ويظهر من كلام ابن ادريس ان غلبة الظن تعتبر فيما عدا الاوليين وان الاوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما وان غلب الظن، فان أراده فهو بعيد وخلاف فتوى الاصحاب وتخصيص لعموم الادلة. انتهى. واعترضه في المدارك بأن لقائل ان يقول ان مخالفته لفتوى المعلومين من الاصحاب لا محذور فيه إذا لم يكن الحكم اجماعيا. وما ادعاه من العموم غير ثابت فان الخبر الاول عامى وباقى الروايات مختص بالاخيرتين. نعم يمكن الاستدلال


(1) في صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة في حديث " إذا شك احدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين " وفى رواية ابن بشر " فلينظر احرى ذلك للصواب " وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 165 هكذا اورد الرواية " إذا شك احدكم في صلاته فليتحر اقربه الى الصواب وليبن عليه " (2) ص 205


[ 207 ]

على اعتبار الظن في الاولتين بما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن سعد بن سعد عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال " ان كنت لا تدرى كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " ومقتضى الرواية اعتبار الظن في اعداد الاولتين. انتهى ملخصا. ونحوه ما ذكره في الذخيره أيضا. أقول: لقائل ان يقول ان مفهوم هذه الرواية الدال على انه إذا وقع وهمه على شئ فانه لا يعيد بل يبنى على ظنه الشامل لاوليين في اعدادهما وأفعالهما معارض بمنطوق جملة من الاخبار المتقدمة في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2) بتقريب ما بيناه في ذيل الرواية الاولى منها، إلا انك قد عرفت (3) معارضة صحيحة زرارة المذكورة ثمة ورواية محمد بن منصور لما دلت عليه وان وجه الجمع بين الجميع هو تخصيص الروايات المشار إليها بالشك في الاعداد كما هو المتفق عليه بين جملة علمائنا الامجاد، وحينئذ فالشك في الافعال فيها غير مبطل واما انه مع ترجح أحد الطرفين هل يبنى على الظن الحاصل له أم لا سواء كان قبل التجاوز أو بعده ؟ فهو راجع الى ما قدمناه من الاشكال المذكور في آخر المقام الاول من المسألة الثانيه. وبالجملة فانه يجب استثناء الشك في الافعال إذ لا تعلق للاخبار المشار إليها بالافعال بناء على مقتضى الجمع المذكور، نعم لا بد في الاعداد فيهما من اليقين فلو شك في عددهما ثم ترجح عنده أحد الاعداد بطريق الظن فانه لا يجوز البناء بمقتضى الاخبار المشار إليها على ذلك الظن لتصريحها باعتبار العلم واليقين كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (4) التى هي احدى تلك الروايات " فمن شك في الاولتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين ومن شك في الاخيرتين عمل


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) ص 173 (3) ص 175 (4) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة


[ 208 ]

بالوهم " فانه صريح كما ترى في ان البناء على الظن الذى عبر عنه بالوهم إنما هو في الاخيرتين وان الاولتين لا بد فيها من اليقين فما لم يحصل له اليقين تجب عليه الاعادة. وعلى هذا النحو جملة من الروايات الباقية فانها صريحة أو ظاهرة في اشتراط اليقين في الاولتين. وهى وان كانت باطلاقها شاملة للافعال والاعداد إلا انك قد عرفت تخصيصها بالاعداد جمعا بينها وبين صحيحة زرارة المتقدمة ورواية محمد بن منصور. ومما ذكرنا يظهر لك قوة كلام ابن ادريس في هذه المسألة بالنسبة الى اعداد الاولتين وان لا يجوز البناء فيهما على الظن، وان ما استدل به في المدارك للقول المشهور من مفهوم الرواية التى ذكرها ليس بجيد لمعارضة هذا المفهوم بمنطوق هذه الاخبار الصحاح الصراح في ما ذكرنا، وربما يظهر من كلام ابن ادريس (قدس سره) في سرائره ان حكم المغرب والغداة حكم الاولتين في وجوب البناء على اليقين حيث قال في جملة كلام له: والسهو المعتدل فيه الظن على ضروب ستة: فأولها ما يجب إعادة الصلاة على كل حال، وعد منه السهو في الركعتين والمغرب والغداة، وكلامه في الكتاب المشار إليه لا يخلو من نوع تشويش واضطراب كما لا يخفى على من راجعه. ويشير الى ذلك أيضا كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار حيث قال: الاولى ان الشك إنما يعتبر مع تساوى الطرفين ومع غلبة الظن يبنى عليه وهذا في الاخيرتين إجماعى واما في الاولتين والصبح والمغرب فالمشهور أيضا ذلك، ونسب الى ظاهر ابن ادريس تخصيص الحكم بالاخيرتين من الرباعية. ثم نقل الاحتجاج للمشهور برواية صفوان المتقدمة في كلام السيد السند (قدس سره) ثم قال: وبمفهوم الاخبار الواردة في انه إذا شككت في المغرب فاعدو إذا شككت في الفجر فأعد وإذا شككت في الركعتين الاولتين فأعد. أقول: أما الاستدلال للمشهور برواية صفوان المذكورة فقد عرفت ما فيه، وأما الاستدلال بالنسبة الى المغرب والفجر والركعتين الاوليين بالاخبار المشار


[ 209 ]

إليها فهو مبنى على ما تقرر في كلامهم من ان الشك عبارة عن تساوى الاعتقادين وتكافؤهما، ونحن قد قدمنا لك في صدر هذا المطلب ان الشك لغة - كما صرح به جمله من أئمة اللغة - أعم من هذا المعنى ومن الظن، وهم قد قرروا في غير مقام ان الواجب مع فقد الحقيقة الشرعية والعرفية الخاصة الرجوع الى الحقيقة اللغوية وكلام أهل اللغة كما ترى أعم، وحينئذ فكما يجوز حمل الشك في هذه الاخبار على المعنى الذى ذكروه يجوز حمله على الظن أيضا الذى هو أحد معنييه لغة، وحينئذ فلا تقوم هذه الاخبار حجة على ما ادعوه مع ما عرفت عن تصريح الاخبار المتقدمة باشتراط اليقين في الاوليين في صحة الصلاة فلا يبعد ان تكون الثنائية والثلاثية كذلك وبه يحصل الاشكال في هذا المجال لتشابه الدليل المذكور بتعدد الاحتمال. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من النصوص وكلام جل الاصحاب - كما أشرنا إليه آنفا - انه مع حصول الظن والبناء عليه فانه في قوة وقوع الصلاة كذلك عن علم ويقين ان أوجب صحة أو إبطالا وان لا احتياط مع ذلك. ولم يوجد الخلاف في هذا الحكم إلا في كلام الشيخ على بن بابوية (قدس سره) في الرسالة ومنه ما تقدم في المسألة الثالثة من قوله " وان شك ثانيا وتوهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا " وما سيأتي ان شاء الله في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث من انه إذا حصل الظن بالثلاث يبنى عليه ويتم ويصلى صلاة الاحتياط ركعة قائما ويسجد سجدتي السهو، وهو شاذ وان كان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي كما عرفت وستعرف. ثم انه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني بأن من عرض له الشك في شئ من أفعال الصلاة يجب عليه التروي فان ترجح عنده أحد الطرفين بنى عليه وان بقى الشك بلا ترجح لزمه حكم الشاك. وانت خبير بأن الاخبار خالية من ذلك وتقييد اطلاقها من غير دليل مشكل وان كان الاحوط ما ذكره (قدس سره) والله العالم.


[ 210 ]

(المسألة السادسة) إذا شك في الرباعية بين الاثنتين والثلاث فالاشهر الاظهر انه يبنى على الثلاث ويتم ثم يأتي بصلاة الاحتياط الاتية ان شاء الله تعالى. وفى المسألة أقوال اخر: منها - البناء على الاقل نقل، عن المرتضى في المسائل الناصرية حيث قال: من شك في الاولتين استأنف ومن شك في الاخيرتين بنى على اليقين. وفى الانتصار وافق المشهور. ومنها - قول الشيخ على بن الحسين بن بابويه حيث قال: وان ذهب وهمك الى الثالثة فأضف إليها رابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وان ذهب وهمك الى الاقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتين بعد التسليم، فان اعتدل وهمك فأنت باخيار ان شئت بنيت على الاقل وتشهدت في كل ركعة وان شئت بنيت على الاكثر وعملت على ما وصفناه. انتهى. ومنها - ما نقلوه بزعمهم عن الصدوق من تجويزه البناء على الاقل. وفيه ما عرفت مما قدمنا تحقيقه في المسألة الرابعة فانه قد صرح في ما نقلناه عنه ثمة بأن من شك في الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة أخذ بالاكثر فإذا سلم أتم ما ظن انه نقص. وهذا هو الذى عليه الاصحاب في هذه المسألة، ولم يصرح بما يخالفه الا بما أشرنا إليه ثمة من موضع الاشتباه الذى ربما كان سببا لارتكابهم لهذه الاوهام السخيفة والخيالات الضعيفة. ومنها - ما نسب إليه في كتاب المقنع من القول بالابطال متى عرض له هذا الشك حيث قال " سئل الصادق (عليه السلام) (1) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال يعيد. قيل فاين ما روى عن رسول الله (صلى إليه عليه وآله) الفقيه لا يعيد الصلوة ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع " والتقريب فيه ان من عادته في هذا الكتاب الافتاء بمتون الاخبار ولهذا نقل جملة من الاصحاب القول بذلك عنه في الكتاب المذكور الا ان الفاضلين نقلا الاجماع على عدم الاعادة في صور الشك


(1) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة


[ 211 ]

في الاخيرتين، وهو المؤيد بالاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

وتحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع:

(الموضع الاول) - قال في الذكرى: وأما الشك بين الاثنتين ولا ثلاث فأجراه معظم الاصحاب مجرى الشك بين الثلاث والاربع ولم نقف فيه على رواية صريحة ونقل فيه ابن ابى عقيل تواتر الاخبار. انتهى. ونحوه الشهيد الثاني في الروض حيث قال: وليس في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث الان نص خاص ولكن الاصحاب أجروه مجرى الشك ين الثلاث والاربع. ثم نقل عن ابن ابى عقيل كما نقل في الذكرى. وظاهرهما - كما ترى - عدم الوقوف على نص صريح في المسألة مع ان الشيخ استدل في التهذيب بما رواه في الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى ام اثنتين ؟ قال يعيد. قلت رجل لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ عليه ويسلم ". وعن عمار بن موسى الساباطى (2) قال " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الاكثر، قال فإذا انصرفت فأتم ما ظننت انك نقصت ". إلا ان السيد السند (قدس سره) في المدارك اعترضه فقال: ويتوجه عليه ان الرواية الثانية ضعيفة السند باشتماله على جماعة من الفطحية فلا تنهض حجة، والرواية الاولى غير دالة على المطلوب وانما تدل على البناء على الاقل إذا وقع الشك بعد الدخول في الثالثة وهى الركعة المترددة بين الثالثة والرابعة حيث قال: " مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ " عليه " ولا يجوز حمل الثالثة على الركعة


(1) الوسائل الباب 1 و 9 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة


[ 212 ]

المترددة بين الثانية والثالثة لان ذلك شك في الاولتين وهو مبطل. انتهى. وقد تبعه على هذا التوجيه لمعنى الحسنة المذكورة من تأخر عنه من الفضلاء كما هي عادتهم غالبا كالفاضل الخراساني والمحدث الكاشانى والفاضل المجلسي وغيرهم. والتحقيق عندي ان ما ذكروه بمحل من القصور بل الرواية المذكورة واضحة الظهور في الدلالة على القول المشهور. وحاصل كلام السيد المزبور ان قوله (عليه السلام): " ان دخله الشك بعد الدخول في الثالثة يمضى فيها... الخ " يدل على أن الشك عرض له في أول الدخول في تلك الركعة المعبر عنها بالثالثة. وهذه الركعة التى سماها (عليه السلام) ثالثة اما ان تكون مترددة بين الثانية والثالثة فيلزم منه الشك قبل إكمال الاولتين وهو مبطل فلا يجوز حمل الخبر عليه، واما أن تكون مترددة بين الثالثة والرابعة كما هو ظاهر الخبر وحينئذ فلا يكون من محل الاستدلال في شئ لانه شك بين الثلاث والاربع وقد أمره (عليه السلام) بالبناء على الثلاث التى هي الاقل. أقول: والظاهر ان منشأ الشبهة الذى أوجب للسيد المذكور الطعن في الخبر وحمله على ما ذكره من وجهين: (أحدهما) - قوله (عليه السلام) " ثم صلى الاخرى " فانه حملها على الركعة الرابعة بمعنى انه بعد البناء على الثالثة وهى التى شك في حال القيام لها أردفها بالركعة الرابعة. وهذا وان توهم في بادئ النظر إلا انه ليس هو المراد بل المراد بالاخرى في الخبر إنما هي ركعة الاحتياط كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. و (ثانيهما) - قوله) عليه السلام): " فان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة " فان ظاهر كلام السيد حمل الالف واللام في الشك على العهد الذهنى أي شك ما من الشكوك وهو الشك في كون هذه الركعة ثالثة أو رابعة. والتحقيق ان الالف واللام إنما هي للعهد الخارجي والمراد انما هو الشك المسؤول عنه وهو الشك بين الاثنتين والثلاث فحكم (عليه السلام) بأنه يمضى في الثالثة التى هي الاكثر ويتمها


[ 213 ]

بعد البناء على الثلاث فتكون هذه رابعة ثم يصلى اخر وهى ركعة الاحتياط. وتوضيح ما قلناه انه لا يفخى على من تأمل روايات هذه المسائل المشتملة على البناء على الاكثر والتعبير عن الاحتياط فيها انها مختلفة في تأدية هذا المعنى والدلالة عليه، ففى بعضها جعل الاحتياط في عبارة الخبر موصولا كما هنا بمعنى انه لم يصرح في الرواية بأنه يتشهد ويسلم ثم يحتاط بل عبر عنه بمثل هذه العبارة الجملة الموهمة لدخوله في الصلاة الاصلية، وبعض منها قد صرحت بالفصل وان تفاوتت أيضا تأديته كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وسنشير الى ذلك ان شاء الله تعالى ذيل الروايات الاتية في صورة الشكوك الباقية مذيلا ببيان ما قلناه وايضاح ما ادعيناه. وحينئذ فمعنى الخبر المذكور بناء على ما ذكرناه - وهو الذى فهمه من استدل به من علمائنا الاعلام - انه ان دخله الشك المسؤول عنه بعد اكماله الثنتين ودخوله في الثالثة المتيقنة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة مضى في الثالثة يعنى بنى على الثلاث وأتمها بهذه الركعة التى شك حال قيامها ثم أردفها بالركعة الاخرى التى هي صلاة الاحتياط، لانه بشكه حال القيام بكونها ثالثة أو رابعة قد حصل له الشك في ما تقدم من انه ركعتان فتكون هذه ثالثة أو ثلاث فتكون هذه رابعة فهو شاك حينئذ في ما قدمه هل هو ثلاث أو اثنتان فأمره (عليه السلام) بالمضي في الثالثة بالمعنى الذى ذكرناه، وفى العطف ب‍ " ثم " اشعار بذلك غاية الامر انه (عليه السلام) جعل صلاة الاحتياط هنا موصولة ولم يصرح بما يوجب الفصل بينها ويين الصلاة الاصلية مما يؤذن بكونها خارجة عن الصلاة الاصلية ومنه نشأ الاشتباه كما عرفت. ومما يوضح ما قلناه باظهر ايضاح ويفصخ عنه بانور افصاح (أولا) ان الشك في جميع الصور انما يطلق على ما تقدم من الصلاة لا ما يأتي فإذا قيل شك بين الاثنتين والثلاث فالمراد ان ما قدمه هل هو اثنتان أو ثلاث، وكذلك قولك شك بين الثلاث والاربع انما هو بمعنى ان ما قدمه هل هو ثلاث أو أربع، ولهذا صرح العلامة في القواعد والمنتهى والمختلف بأنه لو قال: لا أدرى قيامى هذا


[ 214 ]

للثالثة أو الرابعة فهو شك بين الاثنتين والثلاث وهو عين ما اشتملت عليه الرواية المذكورة لا انه شك بين الثلاث والاربع كما توهموه وبنوا عليه ما بنوا من الايراد وعدم دلالة الخبر على ما هو المطلوب والمراد. وقد صرح العلامة في المختلف وغيره أيضا بأنه لو قال: لا أدرى قيامى هذا للخامسة أو الرابعة فانه شك بين الثلاث والاربع وانه يجلس ويبنى على الاربع. ومما يبنبه على هذا الالف واللام في قوله: " فان دخله الشك " أي الشك المسؤول عنه وهو الشك بين الاثنتين والثلاث. و (ثانيا) - انه يلزم بناء على ما توهموه ان الامام (عليه السلام) لم يجب عن أصل السؤال بشئ بالكلية لان السائل انما سأله عن من لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فكيف يجيبه الامام بحكم الثلاث والاربع وانه يبنى على الثلاث التى هي الاقل ؟ وكيف سكت السائل وقنع بذلك وهو زرارة الذى من عادته تنقيح أجوبة المسائل وطلب الحجج فيها والدلائل ؟ وكيف ينسب الى الامام (عليه السلام) العدول عن ذلك ولا مانع في البين. و (ثالثا) ان البناء على الاقل في هذه الصور المنصوصة بل مطلقا لا مستند له ولا دليل عليه وان ظهر من جملة منهم - لعدم امعان النظر في الاخبار - الركون إليه، وأخباره كلها محمولة على التقية كما عرفت آنفا (1) وستعرف ان شاء الله تعالى، وحينئذ فلا يصح حمل هذه الرواية عليه بالكلية. وإذا ثبت بما ذكرناه ان مورد الرواية إنما هو الشك بنى الاثنتين والثلاث وانه (عليه السلام) أمره في ذلك بالبناء على الثلاث فانه يتحتم البتة حمل قوله (عليه السلام (2): " ثم صلى الاخرى " على ركعة الاحتياط وإلا لزم البناء على الاكثر في الصورة المذكورة مع عدم الاحتياط بالكلية وهو باطل إجماعا. وبالجملة فان الخبر المذكور بتقريب ما أوضحناه في هذه السطور ظاهر الدلالة


(1) ص 195 (2) ص 211


[ 215 ]

عار عن القصور. ومثله في ذلك ما رواه الحميرى في قرب الاسناد عن محمد بن خالد عن العلاء (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة ؟ قال: يبنى على اليقين فإذا فرغ تشهد وقام قائما فصلى ركعة بفاتحة الكتاب ". والمراد باليقين هنا ما يحصل به يقين البراءة وهو البناء على الاكثر فانه ان ظهر التمام كان الاحتياط نافلة وان ظهر النقصان كان الاحتياط متمما. وأما حمل اليقين هنا على البناء على الاقل فانه ينافيه الاحتياط المذكور. وهذه الرواية من الاخبار التى صرح فيها بفصل الاحتياط بالتشهد الشامل للتسليم تجوزا. والله العالم.

(الموضع الثاني) قال في المدارك على اثر الكلام المتقدم نقله عنه: وربما ظهر من هذه الرواية بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة، ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا ؟ قال: يعيد. قلت: أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه ؟ قال: انما ذلك في الثلاث والاربع " وبمضمون هذه الرواية أفتى ابن بابويه (قدس سره) في كتاب المقنع، وأجاب عنها الشيخ في التهذيب بالحمل على صلاة المغرب. ويدفعه الحصر المستفاد من قوله (عليه السلام): " انما ذلك في الثلاث والاربع "... الى ان قال: والمسألة قوية الاشكال ولا ريب ان الاتمام والاحتاط مع الاعادة إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة طريق الاحتياط. انتهى. أقول: لا يخفى ان مقتضى ما ذكره من انه بعروض الشك حال القيام في الثالثة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة وانه يصير من قبيل الشك بين الثلاث والاربع هو بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث، فان المفهوم من الخبر على هذا انه


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة


[ 216 ]

ان دخله الشك قبل الدخول في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته، وهو ظاهر في الابطال بالشك بين الاثنتين والثلاث، لانه متى شك بعد السجدة الثانية بين كون ما صلاه اثنتين أو ثلاثا فان الصلاة باطلة بمقتضى ظاهر التعليق، ولهذا استدل بصحيحة عبيد بن زرارة الظاهرة في بطلان الصلاة بالشك في الصورة المذكورة. واما على ما ذكرناه من ان هذا الشك الذ ى وقع منه بعد القيام الركعة المذكورة انما هو الشك بين الاثنتين والثلاث فانه لا فرق بين عروض هذا الشك في حال القيام أو قبله بعد إتمام الركعتين المتيقنتين بالسجدة الثانية فانه يجب العمل فيه بالبناء على الاكثر والاحتياط كما هو المشهور. وأما ما دل عليه الخبر بمفهومه - من انه لو دخله الشك قبل دخوله في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته كما ذكره - فانه يجب ارتكاب التأويل فيه، ولهذا ان جملة ممن تبع السيد السند في الطعن في الخبر بما تقدم ذكره أجابوا عن مفهوم ما دل عليه الخبر الموجب لبطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين والثلاث بحمل الدخول في الثالثة على ما هو أعم من الدخول فيها أو في مقدماتها والرفع من السجود من جملة مقدماتها. وأجاب بعضهم بتقييد المفهوم بما إذا وقع الشك قبل إكمال الاوليين. ولا يخفى ما في الجميع من البعد. والذي‍ يقرب عندي ان هذه العبارة إنما خرجت مخرج التجوز وان التعليق غير مراد منها بمعنى انه قوله (عليه السلام): " ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة " إنما هو كناية عن إتمام الاولتين فكأنه قال: " إذ دخله الشك بعد إكمال الاولتين مضى... الخ " وباب المجاز في الكلام واسع، ولعل الاجمال في هذه الرواية في كل من هذا الحكم والحكم الاول مبنى على معلومية ذلك يومئذ عند أصحابهم (عليهم السلام) كما هو الان معلوم بين علمائنا. وبالجملة فانه متى ثبت مما حققناه آنفا من ان الرواية دالة عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث حسبما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد علم اتفاقا


[ 217 ]

نصا وفتوى ان المدار في العمل في الشك في الاخيرتين على اتمام الاوليين فلا معنى لصحته حال القيام وبطلانه قبله بعد اتمام الاوليين وايضا فان القاعدة الجارية في سائر الشكوك المنصوصة لا يفرق فيها بين عروض الشك جالسا أو قائما، وبه يظهر ان هذه العبارة انما خرجت مخرج التجاوز وكم مثلها وأمثالها في الكتاب العزيز والاخبار. وأما ما استند إليه في حجية هذا المفهوم - من صحيحة عبيد بن زرارة التى من أجلها استشكل في المسألة كما صرح به في آخر كلامه - فهو أيضا بمحل من الوهن والضعف: (أما أولا) فلما شرحناه من معنى حسنة زرارة وبيان دلالتها على حكم المسألة فتكون معارضة لهذه الرواية، وكذا رواية العلاء التى قدمنا نقلها عن كتاب قرب الاسناد. و (أما ثانيا) فلمعارضتها بالروايات الكثيرة الدالة باطلاقها على وجوب البناء على الاكثر في جميع الشكوك كموثقة عمار التى قدمنا نقلها عن الشيخ (1) وان كان السيد المذكور قد ردها بضعف السند بنا على هذا الاصطلاح الغير المعتمد مع ما جرى له من التمسك بالموثقات إذا احتاج إليها كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم. و (أما ثالثا) فلمعراضتها بالاخبار الصحيحة الصريحة الدالة على ان الاعادة في الاوليين والسهو في الاخيرتين، وقد تقدمت في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2). وحينئذ فلا بد من تأويل هذه الرواية وإلا فارجائها الى قائلها ولكنه لما كان من عادته انه إنما يحوم حول الاسانيد في جميع الاحكام والمقامات ولا ينظر الى ما اشتمل عليه متن الرواية من المخالفات والمناقضات وقع في الاشكال الذى أشار إليه. ومن تأمل ما ذكرناه حق التأمل ظهر له ان ما ذكره الاصحاب (رضوان الله


(1) ص 211 (2) ص 173


[ 218 ]

عليهم) هو الحق الذى لا غشاوة عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. والاظهر في صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة هو الحمل على الشك قبل إكمال الركعتين كما ذكره جملة من متأخرى الاصحاب في البين. والله العالم.

(الموضع الثالث) قال في المدارك أيضا على اثر الكلام المتقدم في سابق هذا الموضع: ونقل عن السيد المرتضى في المسائل الناصرية انه جوز البناء على الاقل في جميع هذه الصور، وهو الظاهر من كلام ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، ويدل عليه ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: " قال لى أبو الحسن الاول (عليه السلام) إذا شككت فابن على اليقين. قلت: هذا أصل ؟ قال: نعم " وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج وعلى عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (2) " في السهو في الصلاة ؟ فقال: يبنى على اليقين ويأخذ بالجزم ويحتاط بالصلاة كلها " ثم نقل كلام الشيخ على بن بايويه حسبما قدمنا نقله عنه وقال بعده قال في الذكرى: ولم نقف على مأخذه. ثم قال: والمسألة قوية الاشكال... الى آخر ما قدمناه. أقول: وهذه الروايات أيضا هنا حيث ان فيها الصحيح باصطلاحه مما قوى هذا الاشكال عنده في هذا المجال ولكن قد عرفت وستعرف انه لا إشكال بحمد الملك المتعال. ولا بأس بالتعرض لبيان ما في كلامه (قدس سره) أيضا هنا من الاختلال ليظهر لك صحة ما ذكره وقوة ما قويناه: فنقول: أما ما نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) من انه جوز البناء على الاقل فالمنقول عنه في الكتاب المذكور إنما هو تعين البناء على الاقل، وهذا هو الذى تنادى به عبارة الكتاب المشار إليه حيث ان جده الناصر قال: " ومن شك في الاولتين استأنف الصلاة ومن شك في الاخيرتين بنى على اليقين " فقال السيد


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة


[ 219 ]

" قدس سره ": هذا مذهبنا وهو الصحيح عندنا... الخ. وهو كما ترى صريح في تعين البناء على الاقل لا تجويزه، ولا ريب في ضعف هذا القول ان حمل اليقين على البناء على الاقل كما هو الظاهر من سياق عبارة جده لان فيه طرحا للاخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في أحكام هذه الصور في البناء على الاكثر، ويشبه ان يكون قائله لم يراجع الاخبار في هذا المجال ولم يخطر له يومئذ بالبال. ولا يخفى ان الناصر جد السيد المذكور كان من كبراء الزيدية علما وشرفا وجاها (1)


(1) هو أبو محمد الحسن بن على بن الحسن بن على الاصغر بن عمر الاشرف بن الامام السجاد بن الحسين الشهيد بن على بن ابى طالب " عليهم السلام " قيل له الاطروش من ضربة سيف على راسه في حرب الداعي أذهبت سمعه، واشتهر بالناصر الكبير لظهور ناصر بعده من ائمة الزيدية. كان شريفا فاضلا كبيرا اماميا اثنى عشريا متفننا في العلوم له كتب في الامامة كبير وصغير وفى الطلاق وفى فدك والخمس وفضل الشهداء وفصاحة ابى طالب ومعاذير بنى هاشم في ما نقم عليهم ومواليد الائمة الى الحجة " عجل الله فرجه " خرج مع الداعي الكبير الحسن بن زيد واخيه محمد بن زيد واتصل بعماد الدولة الديلمى وفى سنة 301 ظهر بطبرستان وملك اكثر بلادها ولعدالته وحسن سيرته أثرت دعوته للحق في اولئك المجوس فدان بدين الاسلام اهل طبرستان وآمل فبنى المساجد وأسس مدرسة درس فيها الفقه والحديث. ورميه باعتناق المذهب الزيدى لا أساس له في قرارة نفسه والسر فيه إعتقاد الزبدية امامته من جهة خروجه بالسيف في وجه المنكر ورأيهم على امامة الناهض لذلك وزاد عليه تحره في فقه الزيدية فكان في مؤلفاته يوافقهم تارة ويرد عليهم اخرى فتخيل من لا خبرة له بحقيقته انه زيدي الطريقة التى لا تبتعد عن خلافة الشيخين وان كان علي " عليه السلام " افضل منهما، وفقه الزيدية يتفق مع الفقه السنى كثيرا كما يشهد به من كتهم البحر الزخار ونيل الاوطار والروض النضير في شرح فقه زيد والمجموع الفقهى لزيد، ومن هنا سجل المحققون في آثار الرجال إعتقادهم ببراءته من الانتساب الى الزيدية إشارة وتصريحا وان وردت النسبة إلى الزيدية في فهرست ابن النديم ومعالم العلماء لابن شهر اشوب وكامل ابن الاثير وعمدة الطالب، فهذا الشيخ الصدوق المعاصر له يقول عند ذكره: " قدس الله سره " ويترحم عليه النجاشي المتوفى سنة 450 سنة =


[ 220 ]

والزيدية قد جروا في فقههم غالبا على فقه العامة والسيد (قدس سره) قد جرى


= بعد اعترافه بأنه امامى المذهب ويقول سبطه علم الهدى الشريف المرتضى في مقدمة المسائل " الناصريات ": وانا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع " كرم الله وجهه " احق واولى... الى أن يقول: والناصر كما تراه من ارومتى وغصن من أغصان دوحتي وهذا نسب عريق في الفضل والنجابة والرياسة... الى أن يقول: وأمام أبو محمد الناصر الكبير وهو الحسن بن علي ففضله في علمه وزهده وفقهه أظهر من الشمس الباهرة وهو الذي نشر الاسلام في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة وعدلوا بدعايته عن الجهالة، وسيرته الجميلة اكثر من ان تحصى وأظهر من أن تخفى. هذا رأي الشريف المرتضى في جده الناصر الاكبر ولو كان للزيدية في نفسه أثر لنبه عليه ولما اطراه وافتخر بالانتساب إليه وهو البعيد عن هذا المذهب المشلول والرأي المؤسس على كثيب رمل. ولوضاءة مذهبه الحق وسطوع رأيه الصريح في امامة أهل البيت من آل الرسول " ص " الى الحجة المنتظر " عجل الله فرجه " سجل اعتقاده فيه صاحب رياض العلماء فقال: الناصر الكبير من عظماء الامامية وان كان الزيدية يعتقدون انه من جملة أئمتهم فظن من ذلك انه زيدي المذهب وليس كذلك. وتابعه أبو على الحائري في منتهى المقال قال: لا غبار في مدحه والثناء عليه لانه من علماء الامامية ومصنفى الاثنى عشرية. وكلمة شيخنا البهائي في رسالة إثبات الحجة المنتظر " عليه السلام " تنادى بأعلى صوتها باعتدال طريقته وحسن سريرته وتباعده عما لا يلتئم مع المذهب الحق، قال: ان المحققين من علمائنا إعتقدوا انه ناصر الحق وتابع طريقة ابى عبد الله الصادق " عليه السلام " فرضوان الله عليه وتحياته. نعم لما اقتضت دعوته تأليف النفوس المائلة عن الصراط السوي والداعية الى عبادة النار أظهر بعض الامور التى تدين بها أهل المذاهب وان كانت نفسه نافرة عنها لئلا تفشل دعوته ويذهب جهاده سدى وارجاء تعديل ميلهم الى الظروف المناسبة كما هي طريقة آبائه المعصومين " عليهم السلام " فتراه يجمع في الوضوء بين الغسل والمسح وفى القنوت على مذهب الشيعة والشافعية ويتردد في تحليل المتعة، الى أمثالها مما اعتنقه أرباب المذاهب، والذى يشهد بذلك رأيه الذى سجله في كتابه المسترشد على طبق الحديث المروي عن على " عليه السلام " " لا تخلو الارض من قائم لله بحجة اما ظاهر مشهور أو خائف مغمور " وهذا كما يراه النابه نص في =


[ 221 ]

قلمه بذلك غفلة عن الاخبار المشار إليها. وأما ما نقله عن ابن بابويه فقد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه وخافيه. وأما ما نقله من الاخبار الدالة على البناء على الاقل التى هي معظم الشبهة له ولغيره في هذا المقام ونحوه فقد تقدم الجواب عنها، ونزيده هنا بيانا ببسط الكلام بما يرفع عن المسألة إن شاء الله تعالى غشاوة الابهام: فنقول: لا يخفى انه قد اختلفت الاخبار في البناء في مطلق الشك على الاقل والاكثر، فما يدل على البناء على الاقل ما نقله من موثقة إسحاق بن عمار وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المذكورتين، مع انه قد رد موثقة عمار الدالة على البناء على الاكثر بضعف السند بكونها موثقة، فان كان الامر كما زعمه من ضعف الموثقات فكيف يستدل هنا بموثقة اسحاق بن عمار ؟ وإلا فلا وجه لطعنه في موثقة عمار. وأعجب من ذلك انه حيث اختار العمل بهذه الرواية عبر عنها بموثقة اسحاق بن عمار وحيث لم يختر موثقة عمار عبر عنها برواية عمار من غير أن


= إعتقاد إمامة الحجة المنتظر " عليه السلام ". واعتقاد اصحاب إمامته لا يستلزم رضاه به فقد ادعى جماعة الوهية امير المؤمنين " ع " ولم ينتهوا بزجره ولا بمجاهرته بالعبودية لله حتى أحرقهم بالنار، إذا فلا عجب من اعتقاد جماعة زيدية الناصر. إنتهى كلام الشيخ البهائي ملخصا. هذا ما افاده بعض المحققين الباحثين في ترجمة الناصر الكبير وعقيدته تلخيصا من المصادر، واليك أسماء من تعرض لترجمته مختصرا أو مفصلا: تاريخ الطبري وكامل ابن الاثير ومختصر ابى الفداء في حوادث سنة 301 وسنة 304 ومروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 553 وفهرست ابن النديم وعمدة الطالب ورجال الشيخ الطوسى وفهرست النجاشي ومنهج المقال للاسترابادى والتعليقة عليه للاقا البهبهانى ومنتهى المقال للحائري وروضات الجنات ورياض العلماء ومجالس المؤمنين للتستري وشرح النهج لابن ابى الحديد ومفاخرة بنى هاشم وبنى امية للجاحظ والمجدي للنسابة العمرى وتاريخ رويان والكنى والالقاب وأعيان الشيعة ج 22 ص 288، والنقل عن فهرست ابن النديم والمجدي وتاريخ رويان بواسطته.


[ 222 ]

يعبر عنها بلفظ " موثقة " إيذانا بمزيد الضعف، وكل ذلك خلاف قواعد الانصاف كما لا يخفى على ذوى المعرفة والعفاف. وما يدل على ذلك أيضا صحيحة على بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ؟ قال: يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا ". و رواية سهل بن اليسع المروية في الفقيه عن الرضا (عليه السلام) (2) في ذلك انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". وروايته الاخرى (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أثلاثا صلى أم اثنتين ؟ قال: يبنى على النقصان ويأخذ بالجزم ". ومما يدل على البناء على الاكثر موثقة عمار المتقدمة في صدر الموضع الاول وموثقته الاخرى برواية صاحب التهذيب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة ؟ فقال: الا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت انك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الاكثر فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت فان كنت قد أتممت لم يكن في هذه عليك شئ وان ذكرت انك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت ". وموثقة ثالثة له أيضا برواية صاحب الفقيه (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعمار بن موسى: يا عمار أجمع للك السهو كله في كلتين: متى ما شككت فخذ بالاكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت ". ولا يخفى ان الترجيح لاخبار الاخيرة وذلك من وجوه: (أحدهما) الاعتضاد بالاخبار الصحاح الصراح الواردة في خصوصيات الصور المذكورة في


(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة


[ 223 ]

هذا المقام فانها متفقة الدلالة على البناء على الاكثر في جميع الصور كما سنشرحه إن شاء الله تعالى. ويعضدها زيادة على ذلك إجماع الطائفة سلفا وخلفا على العمل بمضمونها إلا الشاذ النادر وهم انما يتوهمون بخلاف المرتضى والصدوق وقد عرفت ما فيه. و (ثانيها) - صراحة هذه الاخبار في المدعى وتطرق وجوه الاحتمالات الى كثير من تلك الاخبار المخالفة كموثقة اسحاق بن عمار المشتملة على البناء على اليقين، فانه من المحتمل قريبا ان المراد انما هو البناء على ما يوجب اليقين أي يقين البراءة وذلك في البناء على الاكثر كما فصلته موثقة عمار الثانية، وقد عرفت من رواية قرب الاسناد المتقدمة اطلاق هذا اللفظ على هذا المعنى بحيث لا يحتمل غيره فلا يبعد ارادته هنا أيضا. ومثلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) فانها محتملة لما ذكرناه ويؤيده قوله فيها: " يأخذ بالجزم ويحتاط بالصلاة كلها " فان الاحتياط وهو فعل ما يوجب براءة الذمة على جميع الوجوه والاحتمالات انما يحصل بالحمل على ما قلناه وإلا فمع البناء على الاقل والاتمام لو ذكر تمام الصلاة انه يلزم زيادة ما يوجب بطلانها فتجب الاعادة حينئذ. وبالجملة فانه لو لم يكن ما ذكرناه في هاتين الروايتين هو الاظهر فلا أقل ان يكون مساويا وبه يسقط الاستدلال بهما. ونحوهما في ذلك أيضا رواية سهل بن اليسع الاولى. وأما صحيحة على بن يقطين فهى معارضة بالاخبار الكثيرة الدالة على الابطال متى تعلق الشك بالاوليين المعتضدة باتفاق الاصحاب سلفا وخلفا على ذلك فلا تصلح للعمل عليها. وأما رواية سهل الثانية فهى معارضة بخصوص حسنة زرارة ورواية قرب الاسناد وعموم الروايات المتقدمة المعتضدة بعمل الطائفة. و (ثالثها) - وهو المعتمد ما قدمنا ذكره آنفا من ان هذه الروايات انما خرجت مخرج التقية لما عرفت من حديث مسلم المتقدم (2) وكلام البغوي في شرح السنة


(1) ص 218 (2) ارجع الى التعليقة 4 ص 195


[ 224 ]

ويؤيده اشتمال صحيحة على بن يقطين ورواية سهل الاولى على سجدتي السهو بعد الامر بالبناء على الاقل حسبما تضمنته الرواية العامية، وقد صرح المحقق في المعتبر بنسبة ذلك إليهم أيضا حيث نقل عن الشافعي البناء على اليقين وعن ابى حنيفة البناء على الظن فان فقده بنى على اليقين (1) محتجا على ذلك بأن الاصل عدم المشكوك فيه، ولما رووه عنه (صلى الله عليه وآله) (2) قال: " من لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليلق الشك وليبن على اليقين ". وممن أشار الى ما ذكرنا أيضا شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب روض الجنان حيث قال بعد نقل رواية ابن اليسع: ورواية ابن اليسع مطرحة لموافقتها لمذهب العامة. ورأيت في بعض الحواشى المنسوبة الى شيخنا المجلسي (قدس سره) استصواب الحمل على التقية، وبه صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه).


(1) في بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 165: " إذا سها في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فان لم يكن السهو له عادة بأن لم يعرض له كثيرا فعند الشافعي يبنى على الاقل لحديث ابى سعيد الخدرى: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليلغ الشك وليبن على الاقل " وعندنا يستقبل الصلاة لحديث عبد الله بن مسعود: " إذا شك أحدكم في صلاته انه كم صلى فليستقبل الصلاة " وان كان السهو يعرض له كثيرا تحرى وبنى على ما وقع عليه التحرى في ظاهر الروايات. وروى الحسن عن ابى حنيفة انه يبنى على الاقل وهو قول الشافعي ولنا رواية ابن مسعود: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر أقربه لى الصواب وليبن عليه " وفى البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 108 و 110 " إذا شك انه كم صلى وكان عروض الشك له أول مرة استقبل العمل وان كان يعرض له كثيرا يتحرى وهو ما يكون اكبر رأيه عليه، وعبر عنه تارة بالظن واخرى بغالب الظن فان لم يترجح عنده شئ بنى على الاقل " ويرجع أيضا لى التعليقة 2 ص 165. (2) صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة إلا ان فيه " فليطرح كالشك وليبن على ما استيقن " وبدائع الصنائع ج 1 ص 165 وفيه " وليبن على الاقل "


[ 225 ]

ومما يستأنس به للحمل على التقية في هذه الاخبار انها كلها إنما خرجت عن الكاظم (عليه السلام) ولا يخفى على المتتبع للسير والاثار والعارف بالقصص والاخبار اضطرام نار التقية في وقته (عليه السلام) زيادة على غيره من الاوقات وما وقع عليه (عليه السلام) وعلى شيعته من المخافات. ومما يومئ الى ذلك التعبير بهذا اللفظ المجمل في جل تلك الاخبار، ولهذا تكاثرت الاخبار بالتقية بالنقل عنه (عليه السلام) بغير اسمه الشريف من العبد الصالح أو عبد صالح ونحو ذلك. وبالجملة فالحمل على التقية عندي مما لا ريب فيه ولا شك يعتريه عملا بالقاعدة المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) في عرض الاخبار عند اختلافها على مذهب العامة والاخذ بخلافه كما استفاضت به النصوص (1) ولكن أصحابنا (رضوان الله عليهم) لما الغوا العمل بهذه القواعد فاتهم ما يترتب عليها من الفائدة ووقعوا في ما وقعوا فيه من مشكلات هذه الاشكالات وارتكاب التمحلات والتكلفات. وأما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه في هذه المسألة - وقوله في الذكرى: انه لم يقف على مأخذه - فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على نحو ما عرفت من الطريقة المعروفة والسجية المألوفة حيث قال (عليه السلام) (2): وان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا وذهب وهمك الى الثالثة فاضف إليها الرابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، وان ذهب وهمك الى الاقل فابن عليه وتشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتي السهو بعد التسليم، وان اعتدل وهمك فانت بالخيار ان شئت بنيت على الاقل وتشهدت في كل ركعة وان شئت بنيت على الاكثر وعملت ما وصفناه لك. إنتهى وكيف كان فالظاهر ان الترجيح للقول المشهور المؤيد بالاخبار الموافقة لمقتضى الاصول المعتضدة بعمل الطائفة، وهذه الرواية لا تبلغ قوة


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به (2) ص 10


[ 226 ]

المعارضة فهى مفوضة الى قائلها (عليه السلام). وأنت خبير أيضا بما في عدول الشيخ المذكور عن القول المشهور المعتضد بالاخبار المشار إليها الى القول بعبارة الكتاب من الدلالة على مزيد الاعتماد على الكتاب المذكور وثبوت حجيته عنده. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه في هذه المواضع الثلاثة نقاب الابهام يظهر لك ان المسألة بحمد الله سبحانه ذى الجلال خالية من الاشكال كما وقع فيه صاحب المدارك ومن نسج معه على ذلك المنوال حيث لم يعطوا التأمل حقه في ما شرحناه في هذا المجال من واضح المقال. والله العالم.

(الموضع الرابع) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) التخيير في احتياط هذه الصورة بين ركعة من قيام وركعتين من جلوس، ونقل عن ابن ابى عقيل والجعفى انهما لم يذكرا التخيير وانما ذكرا الركعتين من جلوس. والموجود في حسنة زرارة (1) التى هي مستند هذا الحكم كما عرفت إنما هو الركعة من قيام، وكذا في رواية قرب الاسناد (2) ونحوهما في عبارة كتاب الفقه على تقدير البناء على الاكثر وهو فتوى الشيخ على بن الحسين بن بابويه كما عرفت " والمعتمد ما دلت عليه هذه الاخبار. وأما القولان الاخران فلم أقف فيها على دليل.

(الموضع الخامس) قال في المدارك في هذا المقام: واعلم ان ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان كل موضع تعلق فيه الشك بالاثنتين يشترط فيه إكمال السجدتين محافظة على ما سبق من اعتبار سلامة الاولتين، ونقل عن بعض الاصحاب الاكتفاء بالركوع لصدق مسمى الركعة وهو غير واضح " قال في الذكرى نعم لو كان ساجدا في الثانية ولما يرفع رأسه وتعلق الشك لم استبعد صحته لحصول مسمى الركعة. وهو غير بعيد. إنتهى. أقول: قد صرح بما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى.


(1) ص 211 (2) ص 215


[ 227 ]

وأنت خبير بأن هنا شيئين: (أحدهما) - ان ما يصدق عليه الركعة هل هو عباره عن ما يدخل فيه السجود أو يكفى مجرد الركوع ؟ قولان: المشهور الاول وبه صرح السيد السند هنا وفى ما تقدم في بحث المواقيت في شرح قول المصنف: " ولو زال المانع فان أدرك الطهارة وركعة... الخ " ونقله عن العلامة أيضا حيث قال: وتتحقق الركعة برفع الرأس من السجدة الثانية كما صرح به في التذكرة. واحتمل الشهيد في الذكرى الاجتزاء بالركوع للتسمية لغة وعرفا ولانه المعظم. وهو بعيد. أقول: ونحن قد حققنا في مقدمة المواقيت بأن حكمهم بكون الركعة عبارة عن ما ذكروه يوجب انقداح اشكال عليهم في مسألة الشك بين الاربع والخمس فيما إذا حصل الشك بعد الركوع وقبل السجود، حيث انهم قالوا بالصحة في هذه الصورة مع انه لم يأت بالركعة بزعمهم فلا يكون داخلا تحت النص الوارد في المسألة. والمحقق في أجوبة المسائل البغدادية إنما تخلص من هذا الاشكال بالتزام كون الركعة عبارة عن مجرد الركوع كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في المسألة المذكورة ونقل كلامه في ذلك. و (ثانيهما) - انه على تقدير القول المشهور هل تتحقق الركعة بمجرد إتمام ذكر السجدة الثانية أو يتوقف على رفع الرأس من السجود ؟ وجهان: جزم بالاول منهما شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال: ويتحقق اكمالها بتمام السجدة الثانية وان لم يرفع رأسه منها على الظاهر لان الرفع ليس جزء من السجود وإنما هو واجب آخر. إنتهى. وهو جيد. والمشهور الثاني ولهذا انه في الذكرى انما أشار إليه إحتمالا في المقام.

(المسألة السابعة) - إذا شك بين الثلاث والاربع فالمشهور انه يجب البناء على الاكثر ويحتاط بركعة قائما أو ركعتين جالسا، ونقل في المختلف ومثله السيد السند في المدارك ومن تبعهما عن ابن بابويه وابن الجنيد انهما قالا: يتخير الشك بين


[ 228 ]

الثلاث والاربع بين البناء على الاقل ولا احتياط والاكثر مع الاحتياط. وأنت خبير بما في هذا النقل عن ابن بابويه في هذا المقام فان على قياس ما قدمناه من النقولات المختلفة والحكايات المعتلة، حيث انه لا وجود لشئ من ذلك في كتابه بالمرة بل الموجود فيه انما هو ما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت من البناء على الاكثر من غير تردد ولا ذكر لفرد آخر، ونسبة هذه العبارة إليه - باعتبار التوهم الذى ينشأ من قوله: " وليست هذه الاخبار مختلفة " كما قدمنا ذكره - بعيد عن سياق الكلام وخارج عن سلك ذلك النظام. وبالجملة فان هذه النقولات في هذه المقامات محل عجب عجاب سيما مع متابعة الخلف للسلف في هذا الباب، والفقيه بمنظر منهم مطبقين على درسه وشرحه ومراجعته فكيف اتفق لهم هذا الامر الغريب ولم يتنبه أحد منهم الى هذا العجب العجيب ؟ وأما نقل ذلك عن ابن الجنيد فان كلامه لا يحضرني ولا أعلم صحته ولا بطلانه. وكيف كان فالمعتدم هو القول المشهور وهو المؤيد المنصور للاخبار الكثيرة ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمان بن سيابة وابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وان وقع رأيك على الاربع فسلم وانصرف، وان اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: " وان كنت لا تدرى ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صل ركعتين وأنت جالس تقرأ فيهما بام الكتاب وان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو،


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة


[ 229 ]

فان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو ". قال في الوافى: لعل الامر بسجدتي السهو في الصورة الاخيرة لتدارك النقصان الموهوم وينبغى حمله على الاستحباب. أقول: وسيأتى تحقيق القول في ذلك في موجبات سجدتي السهو إن شاء الله تعالى. وعن جميل عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " في من لا يدرى أثلاثا صلى أم أربعا وهمه في ذلك سواء ؟ قال فقال: إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة وهو قائم وان شاء صلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسين بن ابى العلاء في الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إن استوى وهمه في الثلاث والاربع سلم وصلى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس يقصر في التشهد " قوله " يقصر في التشهد " أي يخففه. وربما وجد في بعض النسخ " يقصد " بالدال من القصد وهو بمعنى التوسط. وقال في كتاب الفقه الرضوي (3): " وان شككت فلم تدر ثلاثا صليت أم أربعا وذهب وهمك الى الثالثة فأضف إليها ركعة من قيام وان اعتدل وهمك فصل ركعتين وأنت جالس ". ومن أخبار المسألة التى لا تخلو من الاشكال ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " انما السهو ما بين الثلاث والاربع وفى الاثنتين والاربع بتلك المنزلة، ومن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس، وان كان اكثر


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) ص 10 (4) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة


[ 230 ]

وهمه الى الاربع تشهد وسلم ثم قرأ فاتحة الكتاب وركع وسجد ثم قرأ وسجد سجدتين وتشهد وسلم، وان كان اكثر وهمه الى الثنتين نهض فصلى ركعتين وتشهد وسلم ". وجه الاشكال فيه انه حكم في من شك بين الثلاث والاربع واعتدل شكه بأنه يقوم فيتم ثم يجلس فيتشد ويسلم ويصلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس، وهو ظاهر في انه يبنى على الاقل ويتم صلاته ثم يحتاط مع ذلك بركعتين جالسا ولا قائل به. وأيضا فان الاحتياط إنما هو مع البناء على الاكثر لا مع البناء على الاقل. وكذا الاشكال في قوله: " وان كان أكثر وهمه الى الاربع تشهد وسلم ثم قرأ فاتحة الكتاب... الى آخره " فانه ظاهر في انه مع ظن الاربع وترجيحها يبنى عليها ويحتاط مع ذلك بركعتين جالسا مع انه لا خلاف ولا إشكال في انه مع ترجيح أحد الطرفين وظنه يبنى عليه زيادة أو نقصانا ولا احتياط بالكلية. وما ذكره في الوافى بالنسبة الى الاول - حيث قال: الظاهر ان " أو " بدل الواو في قوله: " ويصلى ركعتين " - لا يدفع الاشكال فان غايته انه مع تساوى طرفي الشك في الصورة المذكورة يتخير بين البناء على الاقل والاكثر ولا قائل به ايضا. وكيف كان فان الخبر المذكور لما لم يكن مسندا عن الامام (عليه السلام) وانما هو كلام محمد بن مسلم كان الخطب هينا. ومن ذلك - ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابى بصير في الموثق (1) قال: " سألته عن رجل صلى فلم يدر أفى الثالثة هو أم في الرابعة ؟ قال: فما ذهب وهمه إليه، ان رأى انه في الثالثة وفى قلبه من الرابعة شئ سلم بينه وبين نفسه ثم يصلى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ". وظاهره انه مع غلبة ظنه انه في الثالثة يبنى على الاربع ويصلى صلاة الاحتياط وهو خلاف فتوى الاصحاب (رضوان الله عليهم) وخلاف ما عليه غير هذا الخبر من الاخبار. ويمكن تأويله بحمل جوابه (عليه السلام) على التفصيل بين ما ذهب


(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة


[ 231 ]

إليه وهمه فيبنى عليه وبين ما لم يكن كذلك فيعمل فيه بموجب الشك في المسألة. وقوله: " ان رأى انه في الثالثة وفى قلبه من الرابعة شئ " بمعنى مساواته لما رآه في الثالثة فيحمل على الشك الموجب لتساوي الطرفين. وأما ما ذكره المحدث الكاشانى - بعد نقله لهذه الرواية حيث قال: هذا برزخ بين الفصل والوصل لان سهوه برزخ بين الظن والشك. إنتهى - فلا أعرف له وجها وجيها لماعرفت من انه مع ظن أحد الطرفين فانه يجب البناء عليه ولا إحتياط كما ذكره الاصحاب (رحمهم الله) وعليه دلت صحيحة عبد الرحمان ابن سيابة وابى العباس وصحيحة الحلبي أو حسنته وغيرهما (1) وان تساوى الطرفان فالواجب البناء على الاكثر والاحتياط كما هو المشهور وهو الذى عبر عنه بالفصل، وعلى القول الاخر يتخير بينه وبين البناء على الاقل والاتمام وهو الذى عبر عنه بالوصل، وحينئذ فهذه الرواية ان حملت على المعنى الاول اشكل الامر فيها بالاحتياط المذكور وان حملت على المعنى الثاني - وان كان خلاف ظاهرها - فلا إشكال. والفصل والوصل الذى ذكره محله إنما هو في صورة الشك وتساوى الطرفين فانه عنده بتخير بين البناء على الاقل ولا إحتياط وهو المسمى بالوصل وبين البناء على الاكثر والاحتياط، وما في هذا الخبر لا يخرج عن أحد الفردين المتقدمين ليكون برزخا وواسطة في البين، فان زعم ان ذلك باعتبار قوله: " وفى قلبه من الرابعة شئ " فانه لا يخفى ان كل من رجح أحد الطرفين وظنه فان قلبه شيئا من الطرف الاخر وهو المسمى عندهم بالوهم ولكن لا عمل عليه في مقابلة الظن. وبالجملة فان كلامه غير موجه ولا واضح. وأما ما نقل عن ابن الجنيد - من القول بالتخيير، وعن الصدوق بزعمهم - فلم أقف له على خبر يدل عليه، إلا انه قال في المدارك: إحتج القائلون بالتخيير بأن فيه جمعا بين ما تضمن البناء على الاكثر وبين ما تضمن البناء على الاقل


(1) ص 228


[ 232 ]

كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه... " وهذا القول لا يخلو من رجحان إلا ان الاول أجود. إنتهى. أقول - وبالله الثقة لادراك المأمول ونيل المسؤول - الظاهر ان هذا الدليل الذى نقله عن القائلين بالتخيير إنما هو من مخترعاته (قدس سره) بناء على ما توهمه من الصحيحة المذكورة وانها دالة على البناء على الاقل حسبما جرى له في حسنة زرارة المتقدمة، ويدل على ذلك (أولا) ان العلامة في المختلف إنما احتج لاصحاب هذا القول بدليل عقلي إقناعى ثم رده وابطاله. و (ثانيا) انه قد نسب هذا القول والاحتجاج بهذا الدليل الى ابن بابوية مع انه ليس له في كتابه عين ولا اثر كما عرفت، ولكنه (قدس سره) حيث فهم من الرواية المذكورة - وقوله فيها: " قام فأضاف إليها اخرى " يعنى بنى على الثلاث وقام فأضاف إليها رابعة - البناء على الاقل مع صراحة الاخبار المتقدمة في البناء على الاكثر جمع بينها بالتخيير وجعله دليلا لهذا القول، وكان الاولى على هذا ان يقول: ويدل على هذا القول ان فيه جمعا بين الاخبار لا انه ينسب ذلك الى أصحاب هذا القول والحال كما عرفت. وتحقيق القول في هذا المقام على وجه تنكشف به غشاوة الاشكال ويتضح به هذا الاجمال هو ان يقال: لا يخفى على المتأمل في اخبار الاحتياط التى وردت في هذه الصور المنصوصة بعين الانصاف ان الائمة (عليهم السلام) ربما أجملوا في التعبير عن ذلك الاحتياط إجمالا زائدا يوهم الناظر ما وقع فيه السيد المشار إليه ومن تبعه من توهم انه من نفس الصلاة الاصلية وربما أوضحوا ذلك إيضاحا تاما وبينهما مراتب متفاوتة في الوضوح والخفاء وكل ذلك بالنظر الى أحوال السامعين وزيادة الغباوة والبلادة والفهم والذكاء، ولهذا ان أصحابنا (رضوان الله عليهم)


(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.


[ 233 ]

قديما وحديثا لم يزالوا يستدلون بهذه الاخبار على وجوب الاحتياط في كل صورة صورة من هذه الصور مجملها ومفصلها ومرصولها ومفصولها فيحملون المجمل على المفصل والموصول على المفصول حتى انهى النوبة الى السيد السند فوقع في هذا الاشكال وتبعه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا مثل المحدث الكاشانى والفاضل الخراساني وغيرهما، حتى ان المحدث الكاشانى في الوافى عمد الى هذه الاخبار الغير المصرح فيها بالفصل فجعلها أصلا وقاعدة كلية وقابلها بالاخبار الصريحة في الفصل وجعلها قاعدة ثانية فأثبت هنا ضابطتين، وقوى الشبهة عنده في ذلك (أولا) ما ورد في الاخبار من الروايات الدالة على البناء على الاكثر بقول مطلق وما ورد منها دالا على البناء على الاقل مطلقا كما تقدم نقله في المسألة المتقدمة. و (ثانيا) توهم ذهاب الصدوق الى ما ذكروه واستدلاله بهذا الخبر كما سمعت من كلام صاحب المدارك. والجميع من قبيل البناء على غير أساس فلهذا عظم فيه الاشتباه والالتباس وهو عند التأمل في ما ذكرناه ظاهر الانهدام والانطماس. وقال المحدث المشار إليه في الكتاب المذكور بعد نقل صحيحة زرارة أو حسنته التى استند السيد السند هنا الى عجزها الوارد في حكم هذه الصورة، وصورتها كملا هكذا: زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت له من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال: يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه " فقال المحدث المشار إليه بعد نقلها بطولها ما صورته: لم يتعرض في هذا الحديث لذكر فصل الركعتين أو الركعة المضافة للاحتياط ووصلها كما تعرض في الخبر السابق والاخبار في ذلك مختلفة وفى بعضها إجمال كما ستقف عليه، وطريق التوفيق بينها التخيير كما ذكره في الفقيه ويأتى كلامه فيه، وربما يسمى الفصل بالبناء على الاكثر والوصل


(1) الوسائل الباب 10 و 11 من الخلل في الصلاة


[ 234 ]

بالبناء على الاقل وما سمعت أحدا تعرض لهذه الدقيقة، وفى حديث عمار الاتى اشارة الى ذلك فلا تكونن من الغافلين. إنتهى. أقول: أشار بحديث عمار الى روايته التى قدمناها (1) وهى قوله (عليه السلام): " كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الاكثر... الخ " فانه قد قال بعدها: هذه هي الضابطة الكلية المشتملة على أكثر أخبار هذا الباب وهى فذلكتها وفى مقابلتها ضابطة اخرى هي البناء على الاقل وإتمام الصلاة جملة واحدة. إنتهى. ولا بد في دفع هذه الاوهام التى وقع فيها هؤلاء الاعلام من نقل جملة من الروايات الواردة في المقام وبيان ما اشتملت عليه من المراتب في الايضاح والافهام عن ذلك المعنى الذى اضطربت فيه هذه الافهام. لكن ينبغى أن يعلم أو لا انه لما ثبت بما حققناه آنفا ان هذه الاخبار الصريحة في البناء على الاقل مطلقا إنما خرجت مخرج التقية (2) والعمل إنما هو على الاخبار الدالة على البناء على الاكثر مطلقا كان أو في خصوص هذه الصور فالواجب حمل ما دل من هذه الاخبار الواردة في هذه الصور المذكورة على التقية أيضا لو كان صريحا في البناء على الاقل والاعراض عن العمل به فكيف وهو قابل للحمل على تلك الروايات المفصلة بل بعضه ظاهر في ذلك. وهذه الجملة كافية في دفع شبهة هذا الخصم ولكنا مع ذلك نستظهر بنقل الروايات التى أشرنا إليها: فمن ذلك - الصحيحة التى ذكر المحدث المذكور هذا الكلام على أثرها فانه (عليه السلام) قد أجمل في صدرها وعجزها إلا ان صدرها أظهر في الدلالة على ما ندعيه لان ذكر فاتحة الكتاب قرينة على إرادة الاحتياط كما هو مصرح به في غيرها وان كانت القراءة في الاخيرتين جائزة من حيث التخيير بناء على المشهور لكنه لم يجر في هذه الاخبار ولا عبر به في شئ منها بل ذكر القراءة في روايات الاحتياط كلها إنما هو من حيث الفصل، وكأنهم (ع) قصدوا الى انها صلاة منفردة لا بد فيها


(1) ص 211 (2) ص 223


[ 235 ]

من فاتحة الكتاب كما ربما ذكروا أيضا فيها التشهد والتسليم. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في صحيحة البقباق (1): " وان اعتدل وهمك فانصرف وصل كعتين وأنت جالس " والاحتياط ههنا موصول لكن قرينة الامر بالجلوس دفع توهم دخوله في الصلاة. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في مرسلة جميل (2): " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار ان شاء صلى ركعة وهو قائم وان شاء صلى ركعتين واربع سجدات وهو جالس " وهذه الرواية أيضا لم يصرح فيها بالفصل وانما علم من حيث التخيير في الاحتياط بين الفردين المذكورين، ولو لم يذكر الركعتين من جلوس لسبق الى الوهم كون تلك الركعة من قيام متصلة داخلة في الصلاة الاصلية وكل ذلك انما جرى على التوسع في التعبير كما أشرنا إليه آنفا. ومن ذلك - قوله (عليه السلام) في رواية ابن ابى يعفور (3): " في رجل لا يدرى ركعتين صلى أم أربعا ؟ قال: يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين وأربع سجدات ". وفى صحيحة محمد بن مسلم (4): " في رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو أربع ؟ قال: يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين بفاتحة الكتاب " وقد أفصح (عليه السلام) في هذين الخبرين أي افصاح وصرح بالفصل الصراح. وفى موثقة ابى بصير (5): " إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين " وقد أجمل (عليه السلام) في هذا الخبر كمل أجمل في صدر صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة إلا أنه هناك صرح بفاتحة الكتاب التى هي قرينة على كونها صلاة الاحتياط كما قدمنا ذكره. وهذه كلها كما ترى في الشك بين الاثنتين والاربع والاحتياط فيها واحد


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة


[ 236 ]

لكن الاخبار اختلفت في الاجمال والتصريح، والاصحاب قد حملوا مجملها على مفصلها كما هو القاعدة في أمثال ذلك. وهؤلاء الاعلام باعتبار الروايات الدالة على جواز البناء على الاقل مطلقا ونسبتهم ذلك الى الصدوق عمدوا الى هذه الاخبار المجملة وألحقوها بتلك الروايات المطلقة. وأنت قد عرفت ما في أساسهم الذى بنوا عليه من الخراب والانهدام لوجوب حمل تلك الروايات على التقية وفساد ما نسبوه الى الصدوق في هذا المقام ومتى بطل الاصل الذى بنوا عليه بطل ما فرعوه وجعلوه راجعا إليه. هذا. وأما ما ذكره المحدث المذكور - وسجل به مما قدمنا نقله عنه وان ما ذكره دقيقة لم يتفطن لها غيره - ففيه (أولا) - ان هذه الدقيقة ان أراد بها ما فهمه من الاخبار المجملة من حيث عدم التصريح بالفصل بين الصلاة الاصيلة وبين صلاة الاحتياط فقال فيها بالبناء على الاقل وجعلها ضابطة كلية وقابلها بالاخبار الصريحة في الفصل الدالة على البناء على الاكثر فجعلها ضابطة اخرى، ففيه انه قد سبقه صاحب المدارك الى ذلك بل الصدوق أيضا بزعمهم. نعم ان السيد قد وقف على مورد تلك الاخبار المجملة وهو قد جعل ذلك قاعدة كلية في جميع الشكوك اعتضادا بعموم تلك الاخبار المطلقة. وأنت قد عرفت ان تلك الاخبار التى هي أصل الشبهة الحاملة له على جعل ذلك ضابطة كلية إنما خرجت مخرج التقية. واما هذه الاخبار المجملة في هذه الصور فيجب حمل إجمالها على الروايات المفصلة كما هي القاعدة الكلية. و (ثانيا) - ان ما زعمه من نسبة التخيير في جميع الشكوك الى الفقيه بناء على قوله: " وليست هذه الاخبار مختلفة وصاحب السهو بالخيار... الخ " وهو الذى أشار إليه في كلامه المتقدم بقوله " ويأتى كلامه فيه " فقد أوضحنا بطلانه بما لا مزيد عليه. والله العالم ورسوله وأولياؤه (عليهم السلام).


[ 237 ]

بقى الكلام في الاحتياط في هذه الصورة والمشهور ما قدمناه من التخيير ونقل عن ظاهر ابن ابى عقيل والجعفى تعين الركعتين من جلوس وهو الذى تضمنه اكثر أخبار المسألة المتقدمة إلا ان مرسلة جميل قد دلت على التخيير وعليها عمل الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبها قيدوا إطلاق تلك الاخبار. وصاحب المدارك ومن حذا حذوه بناء على الاصطلاح المحدث بينهم قد ردوا الرواية بضعف السند فلا تصلح لتخصيص تلك الاخبار، وهو جيد على ذلك الاصل الغير الاصل. وكيف كان فالاحتياط يقتضى الوقوف على ما تضمنه اكثر الاخبار من الركعتين من جلوس. والله العالم.

(المسألة الثامنة) - لو شك بين الاثنتين والاربع فالمشهور هو البناء على الاكثر والاحتياط بركعتين من قيام. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو اربع ؟ قال يسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف وليس عليه شئ ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن والصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا لم تدر اثنتين صليت أم اربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين واربع سجدات تقرأ فيهما بام القرآن ثم تشهد وسلم. فان كنت إنما صليت ركعتين كانت هاتان تمام الاربع، وان كنت صليت الاربع كانت هاتان نافلة ". وما رواه في الكافي عن ابن ابى يعفور (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى ركعتين صلى أم اربعا ؟ قال يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين وأربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فان كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة


[ 238 ]

صلى أربعا كانت هاتان نافلة وان كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الاربع، وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". وعن زرارة في الصحيح (1) قال: " قلت له من لم يدر في اربع هو أو في ثنتين وقد احرز الثنتين ؟ قال يركع ركعتين واربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه... الحديث ". وعن جميل عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " في رجل لم يدر ركعتين صلى ام اربعا ووهمه يذهب الى الاربع والى الركعتين ؟ فقال يصلى ركعتين واربع سجدات... الحديث " قوله: " ووهمه يذهب الى الاربع والى الركعتين " أي من غير ترجيح ولا ظن احدهما ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) " وان شككت في الثانية أو الرابعة فصل ركعتينمن قيام بالحمد ". وروى الشيخ عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد اله (عليه السلام) (4) قال ": إذا لم تدر اربعا صليت ام ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين وانت جالس ثم سلم بعدهما " وحمل الشيخ والعلامة سجدتي السهو هنا على ما إذا تكلم ناسيا. ولا يخلو من البعد. وجملة من متأخرى المتأخرين حملوهما على الاستحباب. ومن المحتمل قريبا ان الامر بالسجود هنا انما هو من حيث البناء على الاقل وان الحديث يراد به البناء على الاقل ويكون حينئذ محمولا على التقية لما قدمنا (5) تحقيقه من ان العامة على البناء على الاقل وسجود السهو كما مر في خبر صحيح مسلم (6) عن عبد الرحمان بن عوف وبه صرح البغوي في شرح السنة. وحينئذ فلا يكون هذا الخبر من اخبار المسألة في شئ لخروجه مخرج التقية.


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (3) ص 10 (5) ص 223 و 224 (6) ارجع الى التعليقة 4 ص 195


[ 239 ]

ونحوه في ذلك ما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقى في المحاسن عن بكير بن اعين في الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له رجل شك فلم يدر اربعا صلى ام اثنتين وهو قاعد ؟ قال يركع ركعتين واربع سجدات ويسلم ثم يسجد سجدتين وهو جالس ". قال في المدارك في هذا المقام بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم والحلبي دليلا للقول المشهور: ويحتمل قويا الخيير في هذه المسألة بين ذلك وبين البناء على الاقل ولا إحتياط جمعا بين هذه الروايات وبين ما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة عن احدهما (عيهما السلام) قال: " قلت له من لم يدر... " ثم ساق الخبر المتقدم (2) اقول: هذا من جملة ما قدمنا ذكره من توهم وصل الاحتياط بالصلاة الاصلية في الاخبار لعدم ذكر الفصل بالتشهد والتسليم بينه وبين الصلاة الاصلية أو أحدهما، وهذه الرواية هي التى قدمنا الكلام عليها وبينا ان قوله فيها " بفاتحة الكتاب " قرينة على ان المراد صلاة الاحتياط لا كونهما اخيرتي الرباعية لما شرحناه آنفا، فان التعبير بذلك وقع في جملة من الروايات كصحيحة محمد بن مسلم المذكورة في هذه المسألة، وكذا صحيحة الحلبي المذكورة هنا ايضا، ومثلهما حسنة الحلبي المتقدمة في صورة الشك بين الثلاث والاربع، وعباره كتاب الفقه. وهو مع هذه القرينة الظاهرة تعسف في حملهما على الركعتين الاخيرتين وان قراءة الفاتحة انما هي لكونها أحد الفردين المخير بينهما. ولا يخفى عليك ما فيه من التعسف وبالجملة فانه إنما وقع في هذا الوهم من حيث انه ذكر في صحيحتي محمد بن مسلم والحلبي المذكورتين في كلامه الفصل بالتشهد والتسليم أو التسليم وفى هذه الرواية قال: " يركع ركعتين... الى آخره " ولم يذكر انه يتشهد أو يسلم، فهو يدل على كون هاتين الركعتين من الصلاة الاصلية بانه يكون قد بنى على الاقل. وفيه انه كيف يتم الاستناد الى مجرد هذه العبارة والحال انه قد وقع التعبير


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة (2) ص 233


[ 240 ]

بها في جملة من الروايات التى علم الفصل فيها بقرائن آخر كما قدمنا ذكره، وغاية ما يلزم انها باعتبار عدم التصريح بالفصل وعدم وجود قرينة اخرى على ارادة الفصل مجملة محتلمة لكل من الامرين لا انها تكون صريحة أو ظاهرة في ما يدعيه ولهذا ان صاحب الذخيرة - بعد نقل رواية ابى بصير المتقدمة التى هي في الاجمال مثل هذه الرواية - قال يمكن ان يحمل على البناء على الاقل والاكثر ولا يبعد ادعاء ظهوره في الاول. انتهى. وادعاء ظهوره في الاول ممنوع لما عرفت. وبالجملة فانه مع هذا الاجمال لا يصح الاستناد إليها أو الى غيرها متى كان كذلك في اثبات حكم شرعى مخالف للاخبار الصحيحة الصريحة المتكاثرة المعتضدة بفتوى الاصحاب قديما وحديثا عدا من وقع في هذا الوهم من هؤلاء المذكورين ولا ريب ان هذا التعبير وهذا الاجمال انما نشأ من معلومية الحكم يومئذ وكم مثله في سعة التجوز في العبارات كما لا يخفى على من خاض بحور الاستدلالات وتتبع المقالات، بل الواجب حمل اجمالها على ما فصل في غيرها. وكيف كان فانك قد عرفت ان كلامهم في هذه الروايات انما نشأ من تلك الاخبار المطلقة في البناء على الاقل فانهم اتخذوها كالاساس، ونحن قد هدمنا بحمد الله سبحانه بنيانها و زعزعنا اركانها فزال الالتباس. ولم تر مثل هذا التحقيق الرشيق في غير زبرنا ومصنفاتنا فتأمله بعين البصيرة وانظره بمقلة عير حسيرة ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا. ونقل في المختلف عن ابن بابويه في كتاب المقنع انه يعيد الصلاة، وربما كان مستنده ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد (1) - وهو ابن مسلم على الظاهر - قال: " سألته عن الرجل لا يدرى صلى ركعتين ام اربعا ؟ قال يعيد الصلاة " والجواب عنها ما تقدم من الجواب عن صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة في مسألة الشك ين الاثنتين والثلاث ويجب حملها على ما حملت تلك عليه. والشيخ حملها على الشك في


(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة


[ 241 ]

الصبح أو المغرب وبعده ظاهر. قيل: والصدوق قال بالتخيير لهذه الرواية. وهو ضعيف لما عرفت. وقال في البحار: واحتمل الشيهد في الذكرى والعلامة في النهاية كون البناء على الاكثر وصلاة الاحتياط للرخصة والتخفيف وتكون الاعادة ايضا مجزئة. ثم رده وقال لا يخفى بعد هذا الكلام عن ظواهر النصوص ولا داعى الى ذلك ولم يعلم قائل بذلك ايضا قبلهما انتهى. وهو جيد فان الخروج عن ظواهر تلك الاخبار بل صريحها الدال على وجوب البناء على الاكثر والاحتياط بما ذكر بهذا الخبر الشاذ النادر لا يخلو من مجازفة، وقد سبق نظيره في مسألة الشك بين الاثنتين والثلاث مع ان المعارض ثمة اقل مما هنا، وما ذكراه هنا انسب بتلك المسألة سيما مع دعوى جملة منهم عدم الدليل كما عرفت ثمة. والله العالم.

(المسألة التاسعة) - لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع فالمشهور انه يبنى على الاكثر ويتم صلاته ثم يصلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس، وذهب الصدوقان وابن الجنيد الى انه يبنى على الاربع ويصلى ركعة من قيام وركعتين من جلوس. ونقل عن ابن الجنيد البناء على الاقل ما لم يخرج الوقت. ويدل على القول المشهور ما رواه الكليني والشيخ عن ابن ابى عمير في الصحيح عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) " في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى ام ثلاثا ام اربعا ؟ قال يقوم فيصلى ركعتين من قيام ويسلم ثم يصلى ركعتين من جلوس ويسلم فان كان صلى اربع ركعات كانت الركعتان نافلة وإلا تمت الاربع ". وانت خبير بان هذه الرواية قد اشتملت على وصل الاحتياط بالفريضة مثل ما وقع في حسنتي زرارة المتقدمتين اللتين صارتا منشأ لتوهم السيد ومن تبعه ولكن لمعلومية الاحتياط هنا وانه لا يصلح الجزئية من حيث ركعتي الجلوس زال الوهم المذكور. إلا ان اللازم بمقتضى ما توهمه - لو كان صحيحا - ان يكون الحكم


(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة. والشيخ يرويه عن الكليني


[ 242 ]

في هذه الرواية هو البناء على الاقل ثم الاتمام بتلك الركعتين من قيام يجعلهما من الصلاة الاصلية ثم الاحتياط بركعتين جالسا وهو لا يقول به ولا يلتزمه. والظاهر انه لا خلاف هنا في البناء على الاكثر إلا ما يتوهمون به من قول الصدوق بالتخيير في جميع افراد الشكوك، وما تقدم من المرتضى في المسائل الناصرية من البناء على الاقل مطلقا وقد عرفت ما في الجميع. والخلاف المشهور هنا انما هو في الاحتياط وقد عرفت ما هو المشهور وما يدل عليه. واما القول الثاني من الاحتياط بركعة قائما وركعتين جالسا فقال في الذكرى انه قوى من حيث الاعتبار لانهما تنضمان حيث تكون الصلاة اثنتين ويجتزأ باحدهما حيث تكون ثلاثا إلا ان النقل والاشتهار يدفعه. وكأنه اشار بالنص الى مرسلة ابن ابى عمير المذكورة مع انه قد روى الصدوق عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابى ابراهيم (عليه السلام) (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل لا يدرى اثنتين صلى ام ثلاثا أم اربعا ؟ ففال يصلى ركعة من قيام ثم يسلم ثم يصلى ركعتين وهو جالس ". وفى كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): " وان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا أم اربعا فصل ركعة من قيام وركعتني من جلوس ". وربما استشكل في الرواية المذكورة من حيث تضمنها لسؤال الكاظم من ابيه (عليهما السلام) كما اشار إليه في المدارك حيث قال - بعد رد مرسلة ابن ابى عمير بانها قاصرة من حيث الارسال وذكر الصحيحة المذكورة - ما لفظه: إلا ان ما تضمنته الرواية من سؤال الكاظم من ابيه (عليهما السلام) على هذا الوجه غير معهود والمسألة محل اشكال. انتهى. اقول: لا يخفى ان المعلوم من قاعدته - كما نبهنا عليه في غير موضع - انه متى صح سند الرواية جمد على القول بما تضمنته وان خالف مقتضى القواعد والاصول


(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة (2) ص 10


[ 243 ]

أو خالف ما هو المعلوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) أو نحو ذلك فلا وجه لهذا الاشكال باعتبار عدم معهودية رواية الكاظم عن ابيه (عليهما السلام) وقد اشتمل كتاب الفقه الرضوي على الرواية عن ابيه (عليهما السلام) في مواضع لا تخفى بقوله (1): " واروى عن العالم وكنت يوما عند العالم " ونحو ذلك ورواياتهم عن آبائهم (عليهم السلام) بعد الموت كثيرة. وبالجملة فان هذا ليس مما يوجب الطعن في السند باصطلاحه. إلا ان نسخ من لا يحضره الفقيه في هذا الخبر مختلفة ففى بعضها " يصلى ركعتين من قيام " وفى سند الرواية ايضا اختلاف ففى بعفها عن ابى ابراهيم (عليه السلام) قال: " قلت له... " إلا ان اكثر النسخ على ما ذكرناه في الخبر. ويؤيده بالنسبة الى الاول خبر كتاب الفقه. وكيف كان فالظاهر في الجمع بين الاخبار المذكورة هو القول بالتخيير وان لم يعلم به قائل من الاصحاب (رضوان الله عليهم). ثم انه على تقدير القول المشهور فهل يجوز ان يصلى بدل الركعتين جالسا ركعة قائما أم لا ؟ اقوال ثلاثة: (احدها) تحتمه ونسبه في الذكرى الى ظاهر الشيخ المفيد في الغرية وسلار. و (ثانيها) عدم الجواز ونسبه في الذكرى الى الاصحاب. و (ثالثها) التخيير لتساويهما في البدلية بل الركعة من قيام أقرب الى حقيقة المحتمل وهو قول العلامة والشهيدين. قال في الذخيرة والاوسط أقرب وقوفا على النص. أقول: ما ذكره جيد لو لم يكن في المسألة إلا رواية ابن ابى عمير المذكورة وأما بالنظر الى ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية كتاب الفقه فالثالث هو الاصح لا باعتبار ما ذكروه من التعليل فانه عليل بل من حيث الجمع بنى الخبرين وان كان ما ذكر انما هو تفريع على القول المشهور.

وهل يجب تقديم الركعتين من قيام ؟ فيه ايضا اقوال:

(الاول) وجوب ذلك وهو قول الشيخ المفيد في المقنعة والمرتضى في احد قوليه.


(1) من ص 45 الى ص 52


[ 244 ]

(الثاني) التخيير ونقل عن ظاهر المرتضى (قدس سره) في الانتصار.

(الثالث) تحتم تقديم الركعتين جاسا وقد نقل بعض الاصحاب حكاية قول به.

(الرابع) تحتم تقديم الركعة من قيام وهو قول الشيخ المفيد في الغرية. والصواب هو الاخذ بما دل عليه النص في الباب. فائدة قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض وانما خص المصنف واكثر الجماعة من مسائل الشك هذه الاربع لانها مورد النص على ما مر، ولعموم البلوى بها المكلفين فمعرفة حكمها واجب عينا كباقي واجبات الصلاة، ومثلها الشك بين الاربع والخمس وحكم الشك في الركعتين الاوليين والثنائية والثلاثية بخلاف باقى مسائل الشك المتشعبة فانها تقع نادرا ولا تكاد تنضبط لكثير من الفقهاء. وهل العلم بحكم ما يجب معرفته منها شرط في صحة الصلاة فتقع بدون معرفتها باطلة وان لم تعرض في تلك الصلاة ؟ يحتمله تسوية بينها وبين باقى الواجبات والشرائط التى لا تصح الصلاة بدون معرفتها وان اتى بها على ذلك الوجه، وعدمه لان الاتيان بالفعل على الوجه المأمور به يقتضى الاجزاء، ولان اكثر الصحابة لم يكونوا في ابتداء الاسلام عارفين باحكام السهو والشك مع مواظبتهم على الصلاه والسؤال عند عروضه. ولاصالة عدم عروض الشك وان كان عروضه اكثريا. وفى هذه الاوجه نظر واضح وللتوقف مجال. انتهى. اقول: والاصح ما ذكره اخيرا بقوله " وعدمه... الخ " لما حققناه في كتاب الدرر النجفية في درة الجاهل بالاحكام الشرعية وفى مطاوى ابحاث الكتاب من صحة العبادة بدون ذلك. وقد تقدم ايضا في كتاب الطهارة في المقام التاسع من مقامات البحث في النية ما فيه اشارة الى ذلك.

(المسألة العاشرة) - لو شك بين الاربع والخمس فالمشهور انه يتم صلاته ويسجد سجدتي السهو.


[ 245 ]

وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى بعد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت لا تدرى اربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت ام خمسا أم نقصت ام زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وانت جالس ثم سلم بعدهما ". ومما استدل به بعض الاصحاب في هذا المقام ايضا صحيحة زرارة أو حسنته (4) قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين ". والمفهوم من هذه الرواية انما هو ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة والنقيصة كما هو ظاهر بعض الاخبار التى قبلها ايضا. واظهر منها في ذلك ما رواه الصدوق بطريقه الى الفضيل بن يسار (5) " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو فقال من حفظ سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو وانما السهو على من لم يدر ازاد في صلاته أم نقص منها ". والمراد بالسهو الشك كما يطلق عليه في الاخبار في غير مقام، وسيأتى ان شاء الله تعالى ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة والنقيصة لهذه الاخبار وبموجب ذلك يجب سجود السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة وهو قول الصدوق


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة، وهذه الرواية رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 98 ولم ينقلها في الوسائل من التهذيب نعم نقلها في الوافى عنهما.


[ 246 ]

إلا انه يجب تقييد هذه الاخبار بالاخبار الدالة على ابطال الشك المتعلق بالاولتين والثنائية والثلاثية فيخص بما عدا ذلك. والخلاف في هذه المسألة قد وقع في موضعين (احدهما) ما ذهب إليه الصدوق في المقنع من الاحتياط في هذه الصورة بركعتين جالسا حيث قال في الكتاب المذكور: إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد وسلم وصل ركعتين باربع سجدات وانت جالس بعد تسليمك. وفى حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة. انتهى. وقال في المختلف - بعد ذكر القول المشهور ونقل قول ابن بابويه المذكور والاستدلال للقول المشهور بصحيحة الحلبي المتقدمة - ما لفظه: ولان الاصل عدم الاتيان بالزيادة فلا يجب عليه شئ، ولان الركعتنى جعلتا تماما لما نقص من الصلاة والتقدير انه شك في الزيادة بعد حفظ الكمال فلا يجب عليه بدل المأتى به. نعم ان قصد الشيخ أبو جعفر ابن بابويه ان الشك إذا وقع في حالة القيام كأنه يقول قيامى هذا لا أدرى أنه لرابعة أو خامسة فانه يجلس إذا لم يكن قد ركع ويسلم ويصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس ويسجد للسهو وان كان بعد ركوعه قبل السجود فانه يعيد الصلاة. انتهى. اقول: ما ذكره واورده على الصدوق جيد لو كان ما ذكره الصدوق هنا من نفسه وانما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التى قدمنا ذكرها، وهذه صورة عبارته (عليه السلام) في الكتاب المشار إليه: وان لم تدر اربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد وسلم وصل ركعتين باربع سجدات وانت جالس بعد تسليمك. وفى حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة وتشهد فيهما تشهدا خفيفا. انتهى. وهى كما ترى طبق عبارة المقنع كلمة كلمة وحرفا وحرفا إلا في زيادة قوله " وتشهد فيهما تشهدا خفيفا " في عبارة كتاب الفقه. وهو (عليه السلام) قد افتى اولا بالاحتياط ونسب ما دلت عليه الاخبار المتقدمة


[ 247 ]

المعمول عليه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) الى الرواية مؤذنا بتضعيفه. وقد روى الشيخ عن زيد الشحام عن ابى اسامة (1) قال: " سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات ؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد وان كان لا يدرى أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد... الحديث، ورده بعضهم بضعف السند وانه غير معمول عليه بين الاصحاب. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور للاخبار المتقدمة المعتضدة بفتوى الاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا وهم (عليهم السلام) اعرف بما قالوه في الخبرين المذكورين. الموضع الثاني - ما ذهب إليه جملة من الاصحاب: منهم - الشيخ المفيد والشيخ في الخلاف والصدوق وسلار وابو الصلاح من عدم وجوب سجدتي السهو في هذا الموضع والاخبار المتقدمة كما ترى على خلافه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان للشك بين الاربع والخمس صورا انهاها بعضهم الى ثلاث عشرة صورة إلا انها ترجع عند التحقيق الى ثلاث صور: الاولى - ان يشك قبل الركوع والظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه يجلس وينقلب شكه الى الثلاث والاربع فيعمل فيه على ما تقدم في تلك المسألة ويزيد مع ذلك سجدتي السهو لمكان القيام، وقد تقدم ذلك في كلام العلامة في المختلف وهو مؤيد لما حققناه سابقا من انه إذا شك في حال قيامه بين كون قيامه لثالثة أو رابعة فانه لا يكون شكا بين الثلاث والاربع كما توهمه السيد واتباعه بل يكون شكا بين الثنتين والثلاث كما انه في هذه الصورة لا يكون شكا بين الاربع والخمس وانما هو


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة. ولا يخفى ان " ابا اسامة " كنية زيد الشحام وفى التهذيب ج 1 ص 236 هكذا " عن زيد الشحام ابى اسامة " فكلمة " عن " يحتمل ان تكون من زيادة النساخ.


[ 248 ]

شك بين الثلاث والاربع. وقال شيخنا المحدث الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني في شرح رسالة شيخه الصلاتية - بعد ان ذكر هذه الصورة وذكر انه لا خلاف فيها بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) - انه لا مستند لها بالخصوص إلا ما روى انه " ما اعاد الصلاة فقيه يحتال فيها ويدبرها حتى لا يعيدها " كما في موثقة عمار المروية في الفقيه (1) انتهى اقول: لا يخفى ما فيه فان اخبار الشك بين الثلاث والاربع شاملة لهذه الصورة فانه ما لم يدخل في الركوع يرجع الى ما تقدم، إذ لا فرق بين ان يشك وهو جالس قبل القيام أو بعد القيام وقبل الركوع حسبما فصل في هذه الصورة. الثانية - ان يشك بعد رفع رأسه من السجود أو بعد تمام ذكر السجدة الثانية وان لم يرفع على القولين المقتدمين قريبا، فانه يبنى على الاربع ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو، وعلى ذلك دلت الاخبار المتقدمة في صدر المسألة. الثالثة - الشك بعد الركوع وقبل تمام السجود والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكمها كحكم سابقتها في الصحة والبناء على الاربع وسجود السهو. وقطع العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بالبطلان واقتفاه المحقق الشيخ على (قدس سره) على ما نقل عنه. واحتجوا على ذلك بلزوم التردد بين محذورين: الا كمال المعرض للزيادة والهدم المعرض للنقيصة. ورد بان المبطل إنما هو يقين الزيادة لا احتمالها ولو اثر ذلك


(1) هذا اللفظ ورد في رواية حمزة بن حمران المروية في التهذيب ج 1 ص 236 وفى الوسائل في الباب 29 من الخلل في الصلاة من التهذيب واما الصدوق فانه بعد ان ذكر في ج 1 ص 225 رواية عمار المتضمنة للبناء على الاكثر في كل شك المتقدمة ص 222 قال: ومعنى الخبر الذى روى " ان الفقيه لا يعيد الصلاة " انما هو في الثلاث والاربع لا في الاولتين. ويحتمل انه يريد بيان وجه الحيلة والتدبير في موثقة عمار.


[ 249 ]

لاثر في ما لو عرض الشك بعد السجود ايضا مع انهم اتفقوا هناك على الصحة. إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في الروضة نقل الاحتجاج للعلامة هنا بحجة اخرى وهو ان في القول بالصحة هنا خروجا عن مقتضى النصوص فانه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينها وبين ما قبلها، قال (قدس سره) - بعد قول المصنف: وقيل تبطل الصلاة لو شك ولما يكمل السجود إذا كان قد ركع - ما صورته: لخروجه عن المنصوص فانه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينهما. ثم نقل الحجة الثانية وهو تردده بين محذورين ثم ردها بما قدمنا ذكره. ولم يتعرض للجواب عن الحجة الاولى، والسبب فيه انه قد صرح هو وغيره بان الركعة عبارة عن الركوع والسجود فما لم يكملها بتمام السجود لا يصدق حصول الركعة ومتى لم يصدق لم يدخل تحت النصوص، وانما الكلام في تحقيق اتمامها بالرفع من السجود أو باتمام ذكر السجدة الثانية وقد تقدم، ولهذا اوجبوا في صحة الشك والعمل به اتمام الاوليين بالسجود وحينئذ فإذا ثبت ان الركعة عبارة عما ذكر فالشك قبل السجود شك قبل اكمال الركعة وتمامها فلا يدخل تحت النص، لان مرجع الشك بين الاربع والخمس الى انه لا يدرى اتى بخمس أو اربع فإذا لم يتمها فكيف يصدق الشك فيها ؟ وبذلك يظهر لك ان ما ذكروه في المقام - من الحكم بالصحة في ما إذا وقع الشك بين السجدتين وكذا بين الركوع والسجود - مدافع لما ذكروه من عدم تحقق الركعة إلا بالاتمام بالسجود بل بالرفع منه فكيف يصح شكه هنا ويبنى على الاربع ؟ وبالجملة فانه ما لم تتحقق الركعة وتتم بالسجود أو مع الرفع لا يتجه دخوله في الصورة المفروضة، ومن أجل ذلك ان شيخنا المشار إليه في الروضة اغمض النظر عن احتجاجه للعلامة أو لا بالخروج عن محل النص ولم يجب عنه بشئ لاتفاقهم على هذه المقالة المؤذنة بصحة الحجة المذكورة، ولا طريق الى الجواب عن ذلك والخروج من هذا الاشكال إلا بمنع ما ادعوه من ان الركعة عبارة عما ذكروه والقول بانها عبارة عن مجرد الركوع كما هو القول الاخر الذى تقدم ذكره وان تقدم رد صاحب


[ 250 ]

المدارك له بالضعف إلا انه ناشئ عن الغفلة عن هذا الاشكال. والى هذا القول مال المحقق في اجوبة المسائل البغدادية وجعله وجه الجواب عن الوقل بالصحة في المسألة حيث قال - بعد حكمه بالصحة وعدم البطلان في الصورة المذكورة - ما نصه: لان الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة والسجود والركبة والركوب. انتهى. وبذلك يظهران المدار هنا في الجواب عن الاشكال المذكور مبنى على بيان معنى الركعة شرعا وانها عبارة عماذا ؟ فان كانت عبارة عما ذكروه فالحكم بالصحة غير متجه لما عرفت وان كانت عبارة عن مجرد الركوع فما ذكروه من الحكم بالصحة جيد. والمفهوم من الاخبار انها تطلق تارة على مجرد الركوع واخرى على ما يدخل فيه السجود بل التشهد ايضا كقولهم: يتشهد في الركعة الثانية ويسلم في الركعة الرابعة ونحو ذلك. ولعل الكلام في ما عدا الاول انما خرج مخرج التجوز تسمية للكل باسم الجزء ومما يؤيده الاخبار الواردة في صلاة الكسوف حيث اشتملت على التعبير عن الركوع فيها بالركعة كما لا يخفى على من راجعها وهو اقوى حجة في ما ذكرناه. قال في الذكرى: واما الشك بين الاربع والخمس فالنص ان عليه سجدتي السهو كما يأتي، وفصل متأخر والاصحاب (رضوان الله عليه) بما حاصله ان ههنا صورا: (احدها) ان يقع بعد اكمال السجدتين والامر فيه ظاهر. و (ثانيها) ان يقع قبل رفع رأسه من السجدة الثانية والظاهر الحاقه به لان الرفع لا مدخل له في الزيادة. و (ثالثها) ان يقع بين السجدتين فيحتمل الحاقه بها تنزيلا لمعظم الركعة منزلة جميعها ويحتمل عدمه لعدم الاكمال وتجويز الزيادة. و (رابعها) ان يقع بين الركوع والسجود وهى اشكل مسائله، قطع الفاضل فيها بالبطلان لتردده بين محذورين اما القطع وهو معرض للاربع واما الاتمام وهو معرض للخمس. وقطع شيخه المحقق في الفتاوى بالصحة تنزيلا للركعة على الركوع والباقى تابع. وتجويز الزيادة لا ينفى ما هو ثابت بالاصالة، إذ الاصل عدم الزيادة، ولان تجويز الزيادة لو منع لاثر


[ 251 ]

في جميع صوره. و (خامسها) ان يقع في اثناء الركوع فحيتمل الوجهين وان يرسل نفسه فكأنه شاك بين الثلاث والاربع. و (سادسها) ان يقع بعد القراءة وقبل الركوع سواء كان قد انحنى ولم يبلغ حد الراكع أو لم ينحن اصلا. و (سابعها) ان يقع في اثناء القراءة. و (ثامنها) ان يقع قبل القراءة وقد استكمل القيام. و (تاسعها) ان يقع في اثناء القيام. وفى هذه الصور الاربع يلزم الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا لانه شك بين الثلاث والاربع ويرسل نفسه في جميعها ولا يترتب على التعدد فيها شئ سوى احتمال سقوط سجود السهو ما لم يستكمل القيام واحتمال تعدده إذا قرأ. وهذه الاحتمالات التسعة واردة في كل مسألة من المسائل الاربع المتقدمة فلو اريد تركيب مسائل الشك الخمسة تركيبا ثنائيا وثلاثيا ورباعيا حصل منه احدى عشرة مسألة: ست من الثنائي واربع من الثلائى وواحد من الرباعي، فإذا ضربت في الصور التسع كانت تسعا وتسعين مسألة تظهر بادنى تأمل. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: ومرجع هذه التسع التى ذكرها عند التحقيق والتأمل بالنظر الثاقب الدقيق الى ما قدمناه من الثلاث، اما الاربع الاخيرة فلما اعترف به بقوله " وفى هذه الصور الاربع... " من حيث انقلاب الشك الى ما بين الثلاث والاربع والخروج عن محل البحث، ومرجع هذه الاربع الى الصورة الاولى من الثلاث المتقدمة، واما الاول والثانية فمرجعهما الى ما ذكرناه من الصورة الثانية، وما ذكره من التعدد يرجع الى الخلاف في ما يتحقق به اتمام الثانية من الرفع أو مجرد اتمام ذكر سجود الثانية، وقد عرفت ان الذى اختاره ومثله الشهيد الثاني في الروض هو الثاني، واما الثالثة والرابعة والخامسة فمرجعها الى ما ذكرناه من الصورة الثالثة لاشتراك الصور الثلاث المذكورة في عدم الدخول تحت النصوص المتقدمة بالتقريب الذى تقدم تحقيقه لا لما ذكره من الاحتمالات. واما ما ذكره (قدس سره) من ورود هذه الاحتمالات التسعة في كل من المسائل الاربع المتقدمة فصحيح إلا انه يرجع على ما ذكرناه من التحقيق الى الثلاث المتقدمة.


[ 252 ]

واما ما ذكره - من تركيب مسائل الشكوك الخمس تركيبا ثنائيا... الخ - فتوضيحه ان الثنائي ما كان مشتملا على التردد بين طرفين منها وهى الشك بين الاثنتين والثلاث وبين الاثنتين والاربع وبين الاثنتين والخمس وبين الثلاث والاربع وبين الثلاث والخمس وبين الاربع والخمس، فهذه ست صور للثنائي، والثلاثى ما كان مشتملا على التردد بين اطراف ثلاثة وهى الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع وبين الاثنتين والثلاث والخمس وبين الاثنتين والاربع والخمس وبين الثلاث والاربع والخمس، والرباعى ما كان مشتملا على اربعة اطراف كالشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس، فهذه احدى عشرة صورة حاصلة من تركيب الشكوك الخمسة وضم بضعها الى بعض إذا ضربت في ما ذكرناه من الثلاث المتقدمة تبلغ ثلاثا وثلاثين مسألة وان ضربت في ما ذكروه من الاحتمالات التسعة بلغت الى ما ذكره شيخنا المذكور. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد انهى جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) افراد الشكوك الى اعداد اكثرها لا يرع الى طائل لخلوه من الدلائل سوى مجرد التخريجات العقلية والاحتمالات الظنية، ولنشر الى جملة من ذلك ونبين ما هو الاصح لدينا باعتبار المدارك:

فمنها - ما لو شك بين الاثنتين والاربع والخمس، وهذا الفرد يشتمل على شكين منصوصين فيلزم فيه ما يلزم فيهما فيبنى على الاربع حينئذ ويحتاط بركعتين قائما ثم يسجد للسهو.

ومنها - ما لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس، ويزيد فيها على الاحتياط الذى في الصورة الاولى ركعتين جالسا لتضمنه الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والحكم فيها ركعتان من قيام وركعتان من جلوس.

ومنها - الشك بين الثلاث والاربع والخمس، وهو ايضا يشتمل على شكين


[ 253 ]

منصوصين فيجب فيه ما يجب فيهما وهو الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا ثم السجود للسهو. وتنظر بعض افاضل متأخرى المتأخرين في الاحتياط في هذه الصور الثلاث بما قدمناه لخروجها عن النص فانه إنما تضمن حكم كل منها على حدة واختار في كل منها البناء على الاقل نظرا الى عموم ما دل على البناء على الاقل (1) وشموله لكل شك وفيه اولا - ان النصوص الواردة في احكام تلك الصور التى اسلفناها في المسائل المتقدمة مطلقة لا تقييد فيها بحال انفارد أو اجتماع وان كان الاكثر الانفراد فانها تضمنت ان من شك بين الثلاث والاربع مثلا فالحكم فيه كذا وكذا. وهو كما ترى مطلق شامل باطلاقه الحالين المذكورين فالشك بين الثلاث والاربع والخمس يصدق عليه انه شاك بين الثلاث والاربع فيدخل تحت عموم اخباره وانه شك بين الاربع والخمس فيدخل تحت عموم دليله ايضا. وثانيا - ان ما دل باطلاقه على البناء على الاقل قد أوضحنا في ما تقدم انه انما خرج مخرج التقية (2) وانه غير معمول عليه وان اشتهر في كلامهم الاخذ به والعمل عليه غفلة عما ذكرناه من التحقيق المتقدم في المسألة.

ومنها - الشك بين الاثنتين والخمس والشك بين الاثنتين والثلاث والخمس والشك ين الثلاث والخمس. قالوا: وفيه وجه بالبناء على الاقل بناء على اصالة الصحة ولقوله (عليه السلام) (3) " ما اعاد الصلاة فقيه " ولعموم الروايات الدالة على البناء على الاقل (4) ووجه بالابطال لتعذر البناء على أحد الطرفين لاستلزامه التردد بين محذورين، فان البناء على الاكثر موجب الزيادة ومعرض للنقصان والبناء على الاقل معرض للزيادة. ورجح في الذخيرة الاول استنادا الى الادلة المذكورة.


(1) و (4) ص 218 و 221 و 222 (2) ص 223 (3) الوسائل الباب 29 من الخلل في الصلاة.


[ 254 ]

والاظهر البطلان لعدم النص الواضح في ذلك. وما ذكروه من اصالة الصحة كلام شعرى، ومن عموم تلك الروايات فقد عرفت ما فيه. واما حديث " ما اعاد الصلاة فقيه " فالعجب منهم في الاستدلال به في غير موضع مع ورورد النص بتخصيصه بالثلاث والاربع كما تقدم في صحيحة عبيد ابن زرارة الواردة بالابطال في صورة الشك بين الاثنتين والثلاث (1) حيث قال له الراوى: " أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع ". ومثلها ايضا ما رواه الصدوق في معاني الاخبار (2) بسنده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: " كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل فسأله عن رجل لم يدر واحدة صلى أو اثنتين ؟ فقال له يعيد الصلاة. فقال له فاين ما روى ان الفقيه لا يعيد الصلاة ؟ قال انما ذلك في الثلاث والاربع ". وما قدمنا ذكره في المسألة السادسة (3) نقلا عن الصدوق في المقنع حيث قال: " وسئل الصادق (عليه السلام) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال يعيد الصلاة قيل فاين ما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفقيه لا يعيد الصلاة ؟ قال إنما ذلك في الثلاث والاربع ". فهذه جملة من الروايات الدالة على التخصيص فكيف يحسن مع ذلك الاستناد الى عموم الخبر المذكور كما صاروا إليه ؟ تتمة قال في المختلف: لو شك بين الاربع وما زاد على الخمس قال ابن ابى عقيل ما يقتضى انه يصنع كما لو شك بين الاربع والخمس، لانه قال تجب سجدتا السهو في موضعين: من تكلم ساهيا ودخول الشك عليه في اربع ركعات أو خمس فما عداها واستوى وهمه في ذلك حتى لا يدرى صلى اربعا أو خمسا أو ما عداها. ولم نقف


(1) ص 215 (2) ص 51 وفى الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة (3) ص 210


[ 255 ]

لغيره في ذلك على شئ. وما قاله محتمل لان رواية الحلبي تدل عليه من حيث المفهوم ولانه شك في الزيادة فلا يكون مبطلا للصلاة لاحراز العدد ولا مقتضيا للاحتياط إذ الاحتياط يجب مع شك النقصان فلم يبق إلا القول بالصحة مع سجدتي السهو، مع انه يحتمل الاعادة لان الزيادة مبطلة فلا يقين بالبراءة. والحمل على المشكوك فيه قياس فلا يتعدى صوره المنصوص. انتهى. اقول: وما احتمله اولا قد مال إليه جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) منهم الشهيدان وغيرهما، قالا في الرسالة الصلاتية وشرحها: الثاني عشر - ان يتعلق الشك بالسادسة فما زاد وفيه وجه بالبطلان مطلقا لان زيادة الركن مبطلة اجماعا ومع احتمالها لا يتيقن البراءة من الصلاة التى قد اشتغلت الذمة بها بيقين. وضعفه ظاهر فان تجويز زيادة الركن لو اثر لبطل حكم كثير من الصور السابقة مع النص على صحتها والاجماع على صحة بعضها. واحتمال خروج تلك عن الحكم بالنص يندفع باصالة عدم الزيادة والشك في المبطل. ووجه آخر بالبناء على الاقل لاصالة عدم الزيادة والبناء على الاكثر أو الاربع موقوف على النص لخروجه عن الاصل وهو مفقود هنا والفساد غير معلوم. وفيه وجه ثالث اشار إليه بقوله: " أو يجعل حكمه حكم ما يتعلق بالخمس فيصح حيث يصح وببطل حيث يبطل ويجب سجود السهو في موضع الصحة ويلزمه الاحتياط مع السجود في موضع اجتماعهما " والى هذا الاحتمال ذهب ابن ابى عقيل من القدماء ومال إليه المصنف والعلامة ورجحه الشارح المحقق، وهو الظاهر تمسكا بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة، ولعموم قوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " (1) وان الفقيه لا يعيد صلاته (2) واطلاق قول الصادق (عليه السلام) (3) في صحيحة الحلبي " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم زدت أم نقصت فتشهد وسلم واجسد سجدتي السهو " انتهى.


(1) سورة محمد، الاية 35 (2) في صحيح عبيد بن زرارة ص 215 (3) الوسائل الباب 14 و 20 من الخلل في الصلاة


[ 256 ]

اقول وبالله التوفيق للهداية الى سواء الطريق: لا يخفى ان ما استند إليه من الادلة في الحاق حكم تعلق الشك بالسادسة بتعلقه بالخامسة لا يخلو من شوب النظر والاشكال: اما تمسكه بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة أي زيادة الركن، فان اريد بها النصوص الواردة في الشك بين الاربع والخمس مع البناء على الاربع المستلزم لاحتمال زيادة الخامسة فهو صحيح بالنسبة الى مورده، وحمل تعلقه بالسادسة على ذلك قياس محض، إذ ليس فيها ما يدل على ازيد من هذه الصورة، وان اراد النصوص الواردة في بقية صور الشكوك المتقدمة فليس فيها ما يدعيه فانه مع البناء على الاكثر والاحتياط بما ذكر فيها من اتمام الناقص على تقدير احتمال النقص لا يتضمن احتمال زيادة الركن، لانه مع بنائه على الاكثر فان كان الامر كذلك واقعا صار الاحتياط نافلة وإلا كان متمما فلا احتمال فيها لزيادة الركن وليس هنا نصوص واردة بوجه كلى حسبما ادعاه ليتم الاستناد إليها. واما تمسكه بعموم قوله تعالى " ولا تبطلوا اعمالكم " فقد تقدم ما فيه في غير موضع، والظاهر من سياق الاية انما هو ابطال الاعمال بالكفر لا ما يتناقلونه في كلامهم ويتداولونه على رؤوس اقلامهم من مثل هذا المقام ونحوه من الاحكام. واما التمسك بحديث " ان الفقيه لا يعيد صلاته " فقد عرفت ما فيه آنفا. واما صحيحة الحلبي فهى لا تلخو من الاجمال القابل لتعدد الاحتمال، والاستدلال بها هنا مبنى على ان المراد فيها بيان نوع واحد من الشك بين التام وبين الناقص والزائد بركعة وازيد كالشك بين الثلاث والاربع والخمس والست فيكون تقدير الكلام: إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت عن الاربع أم زدت على الخمس، فيكون شاملا للشك بين الاربع والخمس والازيد منهما والانقص، نعم يخرج ما اشتمل على الشك في الاوليين بالاخبار الدالة على الابطال ويبقى ما عدا ذلك. والاحتمال الثاني في الرواية المذكورة ان يكون " ام " في قوله " ام نقصت


[ 257 ]

أم زدت " بمعنى " أو " وهو المصرح به في روايتي المقنع وكتاب الفقه الرضوي وان كان الظاهر انهما رواية واحدة كما تقدم ذكره في صدر هذه المسألة، فيكون بيانا لنوع آخر من الشك وهو الشك في الزيادة والنقيصة وهو أحد موجبات سجود السهو. وهذا الاحتمال هو الاظهر لما تقدم في صدر المسألة من دلالة صحيحة زرارة أو حسنته وكذا صحيحة الفضيل بن يسار على هذا الفرد وانه احد موجبات سجدتي السهو، وان لم يكن هذا الاحتمال ارجح فلا اقل ان يكون مساويا وبه يبطل الاستدلال معتضدا ذلك بروايتي المقنع وكتاب الفقه. وزاد بعض مشايخنا المحدثين من متأخرين المتأخرين في الاستدلال على ما ذكره في شرح الالفية الاستدلال بقول الكاظم (عليه السلام) في موثقة اسحاق ابن عمار المروية في الفقيه (1) " إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت هذا أصل ؟ قال نعم ". وفيه ما عرفت آنفا من ان هذا الخبر ونحوه إنما خرج مخرج التقية لما قدمناه من بيان مذهب العامة (2) ومعارضته ونحوه بما هو أصح سندا واكثر عددا واصرح دلالة فلا يبقى للتمسك به وجه. ثم انه على تقدير ما ذكره هؤلاء الاعلام من تصحيح الشك المتعلق بالسادسة قالوا تكون الصور فيها خمس عشرة صورة: سبع منها مع ضميمة ما زاد على الخامسة إليها وادخال ما نقص عنها وسبع مع انفرادها عنها وواحدة مع اشك فيهما خاصة بان تحقق الزيادة على الاربع، فاربع من الجميع ثنائية وست ثلاثية واربع رباعية وواحدة خماسية. فالاولى اعني الاربع الثنائية الشك بين الاثنتين والست والشك بين الثلاث والست والشك بين الاربع والست والشك بين الخمس والست. والثانية اعني الست الثلاثية الشك بين الاثنتين والثلاث والست، والشك


(1) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة (2) ص 222 و 223


[ 258 ]

بين الاثنتين والاربع والست، والشك بين الاثنتين والخمس والست، والشك بين الثلاث والاربع والست، والشك بين الثلاث والخمس والست، والشك بين الاربع والخمس والست. والثالثة اعني الاربع الرباعية الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والست والشك بين الاثنتين والثلاث والخمس والست، والشك بين الاثنتين والاربع والخمس والست، والشك بين الثلاث والاربع والخمس والست. والرابعة اعني الواحدة الخماسية الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع والخمس والست. قالوا: والمراد بالست في جميع ما ذكر الست فما فوقها لاشتراك الجميع في الوصف وهو الزيادة على الخامسة المشار إليها في صحيحة الحلبي بقوله " زدت " والاشتراك ايضا في الحكم بناء على ما قدمنا نقله عنهم. فهذه خمس عشرة صورة تضاف الى ما تقدم في كلام الشهيد في الذكرى من الصور الاحد عشر ثم تضرب في الاحوال التسعة المتقدمة ثمة ايضا والمجتمع مائتان واربعة وثلاثون هي مسائل الشك التى يقع البحث عنها من حيث الصحة والبطلان. وأنت خبير بانه على ما اخترناه من بطلان الشك المتعلق بالسادسة تسقط هذه الصور الخمس عشرة رأسا وعلى تقدير ما ذكروه من الصحة يصح منها ما صححوه في صور التعلق بالخمسة. والله العالم. -

(المسألة الحادية عشرة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا سهو في سهو. وهذه العبارة لا تخلو من الاجمال وتعدد الاحتمال في هذا المجال ابن البخترى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو ولا على الاعادة اعادة ".


(1) الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة


[ 259 ]

وما رواه الكليني في مرسلة يونس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) من قوله: " ولا سهو في سهو ". قال العلامة في كتاب المنتهى: ومعنى قول العلماء: " لا سهو في السهو " أي لا حكم للسهو في الاحتياط الذى يوجبه السهو كمن شك بين الاثنتين والاربع فانه يصلى ركعتين احتياطا فلو سها فيهماو لم يدر صلى واحدة أو اثنتين لم يلتفت الى ذلك. وقيل معناه ان من سها فلم يدر هل سها ام لا ؟ لا يعتد به ولا يجب عليه شئ. والاول أقرب. والظاهر ان مراده بعدم الالتفات الى ذلك البناء على الفعل المشكوك فيه كما هو ظاهر المحقق في المعتبر فانه يحذو في المنتهى حذوه في الاكثر حيث قال في المعتبر: ولا حكم للسهو في السهو لانه لو تداركه امكن ان يسهو ثانيا فلا يتخلص من ورطة السهو، ولان ذلك حرج فيسقط اعتباره، ولانه شرع لازالة حكم السهو فلا يكون سببا لزيادته. ثم انه ذكر جمع من أصحابنا المتأخرين (رضوان الله عليهم) انه يمكن أن يراد بالسهو في كل من الموضعين معناه المتعارف الذى هو عبارة عن نسيان بعض الافعال، ويمكن أن يراد به الشك فيحصل من ذلك صور اربع. أقول: وتفصيل الكلام في هذه المقام بوجه واضح لجميع الافهام لا يحوم حوله ان شاء الله تعالى نقض ولا ابرام هو انه لما كان السهو يطلق في الاخبار على الشك زيادة على معناه اللغوى وعلى ما هو اعم اطلاقا شائعا كما لا يخفى على من راجعها وتتبع مظانها ومواضعها فيحتمل هنا حمل كل من اللفظين على كل من المعنيين فتحصل من ذلك صور أربع وهى التى ذكرها الاصحاب، وهى السهو في السهو والشك في الشك والسهو في الشك والشك في السهو، إلا انه لما كان الثاني من اللفظين على أي كان من المعنيين محتملا للموجب بكسر الجيم والموجب بفتحها فانه يلزم انحلال هذه


(1) الوسائل الباب 25 من الخلل في الصلاة


[ 260 ]

الصور الاربع الى ثمان صور ناشئة من ضرب اربعة في اثنين. وها نحن نفصل الكلام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام) وان طال به زمام الكلام لما فيه من عموم النفع والفائدة في المقام فنقول:

(الصورة الاولى) - الشك في موجب الشك بكسر الجيم أي شك في انه هل شك في الفعل أم لا ؟ وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا يتلفت إليه وفصل بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين (رضوان الله عليهم) فقال بعد ذكر ما نقلناه عن الاصحاب: والتحقيق انه ان كان الشكان في زمان واحد وكان محل الفعل المشكوك فيه باقيا ولا يترجح عنده في هذا الوقت الفعل أو الترك فهو شاك في أصل الفعل ولم يتجاوز محله فمقتضى عمومات الادلة وجوب الاتيان بالفعل ولا يظهر من النصوص استثناء تلك الصورة، ويشكل تخصيص العمومات ببعض المحامل البعيدة لقوله (عليه السلام): " ولا سهو في سهو " ولو ترجح عنده أحد طرفي الفعل والترك فهو جازم بالظن غير شاك في الشك، ولو كان بعد تجاوز المحل فلا عبرة به. ولو كان الشكان في زمانين - ولعل هذا هو المعنى الصحيح لتلك العبارة - بان شك في هذا الوقت في انه هل شك سابقا ام لا ؟ فلا يخلو اما ان يكون شاكا في هذا الوقت ايضا ومحل التدارك باق فيأتى به أو تجاوز عنه فلا يلتفت إليه، أو لم يبق شكه بل اما جازم أو ظان بالفعل أو الترك فيأتى بحكمهما. ولو تيقن بعد تجاوز المحل حصول الشك قبل تجاوز محله ولم يعمل بمقتضاه فلو كان عمدا بطلت صلاته ولو كان سهوا فيرجع الى السهو في الشك وسيأتى حكمه هذا إذا استمر الشك، ولو تيقن الشك واهمل حتى جاز محله عمدا بطلت صلاته ولو كان سهوا يعمل بحكم السهو، ولو تيقن الفعل وكان تأخير الفعل المشكوك فيه الى حصول اليقين عمدا بطلت صلاته ايضا ان جاوز محله وان كان سهوا فلا تبطل صلاته. وكذا الكلام لو شك في انه هل شك سابقا بين الاثنتين والثلاث أو بين الثلاث والاربع، فان ذهب شكه الان وانقلب باليقين أو الظن فلا عبرة به


[ 261 ]

ويأتى بما تيقنه أو ظنه، وإذا استمر شكه فهو شاك في هذا الوقت بين الاثنتين والثلاث والاربع. وكذا الكلام لو شك في أن شكه كان في التشهد أو في السجدة قبل تجاوز المحل أو بعده. وبالجملة الركون الى تلك العبارة المجملة وترك القواعد المقررة المفصلة لا يخلو من إشكال. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما فصله (قدس سره) من التحقيق جيد رشيق لكنه من مفهوم العبارة بمحل سحيق، فانه لا يخفى ان الشك في الشئ يقتضى تقدم زمان المشكوك فيه بمعنى انه لا يدرى الان ان هذا الفعل المشكوك فيه وقع في الزمان المتقدم أم لا غاية الامر انه بالنسبة الى الشك في الافعال قد يكون القوت الذى حصل فيه الشك مما يمكن التدارك فيه بان لم يدخل في فعل آخر وقد يكون مما لا يمكن التدارك فيه لدخوله في شئ آخر، فمعنى قوله: " انه شك بين الثنتين والثلاث " انه لا يدرى الان هل صلى قبل هذه الحالة التى عرض فيها الشك ثنتنى أو ثلاثا ؟ وكذا لو شك في التشهد والسجود بمعنى انه الان لا يدرى انه قد حصل منه سباقا سجود أو تشهد مثلا، هكذا في هذه العبارة ايضا بعين ما ذكرنا، ففرضه اجتماع الشكين مما لا وجه له في البين. وهذا المعنى هو الذى رتب عليه الفقهاء الحكم بعدم الالتفات ثم ان ظاهر عبائر الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو كون المشكوك فيه الشك بقول مطلق لا شك مقيد بكونه في سجدة أو تشهد أو بين الركعات أو نحو ذلك حتى يلزم فيه هذا التفصيل، فانه لا ريب انه يجب فيه لو كان كذلك ما رتبه من الاحكام ولا اظن احدا من الفقهاء يتجشم الخروج عن هذه الاحكام الظاهرة المتفق عليها بينهم نصا وفتوى بمثل هذا اللفظ المجمل كما ظنه (قدس سره) بل ظاهر عبائرهم إنما هو ما قلناه من الشك المطلق، ولهذا اتفقوا على عدم الالتفات إليه بقول مطلق، وكلامهم هنا إنما هو مجرد فرض احتملوه في ظاهر هذا اللفظ واسقطوه لعدم ترتب حكم شرعى عليه بالكلية. والله العالم.


[ 262 ]

(الثانية) - الشك في موجب الشك بفتح الجيم بمعنى انه شك في ما اوجبه الشك من صلاة إحتياط أو سجود سهو وله افراد: منها - ان يشك بعد الفراغ من الصلاة في انه هل اتى بالفعل الذى اوجبه الشك من صلاة احتياط أو سجود سهو أو لم يأت به ؟ والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاتيان به لتيقن حصول السبب الموجب وتيقن اشتغال الذمة والشك في الخروج عن عهدة التكليف مع بقاء الوقت كما لو شك في الوقت هل صلى ام لا ؟

ومنها - ان يعلم بعد الصلاة حصول شك منه يجوب الاحتياط مثلا إلا انه شك في انه هل يوجب ركعتين من قيام أو ركعتين من جلوس ؟ والظاهر هنا هو وجوب الاتيان بهما معا لتوقف البراءة اليقينية على ذلك، ونظيره في الاحكام الشرعية غير عزيز، ومنه من فاتته فريضة وشك في كونها ظهرا أو صبحا مثلا فانه يجب على الاتيان بهما معا.

ومنها - ما لو شك في ركعات الاحتياط أو في افعالها أو في عدد سجدتي السهو أو في افعالها، وهدا الفرد هو الذى ينطبق عليه مدلول الخبر المذكور، وأكثر الاصحاب خصوا الخبر بهذا الفرد وبصورة الشك في موجب السهو. وعلى هذا فلو شك في عدد ركعتي الاحتياط يبنى على الاكثر ويتم ما لم يستلزم الزيادة المبطلة وإلا بنى على الاقل فيبنى على الصحيح دائما ولا يلزمه احتياط ولا سجود سهو. ولو وقع شك في فعل من افعالهما لم يلتفت إليه وان كان في محله بل يبنى على وقوعه. وقيل يبنى على الاقل في اعداد الركعات ويأتى بالفعل المشكوك فيه لو لم يتجاوز محله، ونقل عن المحقق المولى الاردبيلى (قدس سره) الميل إليه معللا له بعدم صراحة النص في سقوط ذلك واصل بقاء شغل الذمة، ولعموم ما ورد في وجوب العود الى المشكوك فيه. وفى هذه الادلة مناقشات سيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى. والحكم وان كان ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه وكلام المحقق المذكور انما هو


[ 263 ]

على جهة الايراد والمناقشة للاصحاب وإلا فهو لم يجزم به إلا انه عندي لا يخلو من اشتباه والعمل فيه بالاحتياط عندي لازم فيأتى بالاحتياط على ما ذكره الاصحاب ثم يعيد الصلاة من رأس. وبالجملة فان ما ذكرناه من هذا الفرد الاخير هو الذى ينطبق عليه الخبر كما ذكرنا وإلا فالافراد المتقدمة من حيث وجوب التدارك فيها لا يمكن حمل الخبر عليها كما هو ظاهر، ويحتمل دخولها تحت الخبر المذكور باعتبار انه لم يترتب عليها في خصوص هذا الشك شئ زائد على ما تقرر في سائر المواضع والظاهر بعده.

(الثالثة) - الشك في موجب السهو بكسر الجيم أي في نفس السهو كان شك في انه هل عرض له سهو أم لا ؟ وظاهر الاصحاب الاطلاق في انه لا يلتفت إليه. وفصل شيخنا المشار إليه آنفا هنا ايضا فقال بعد نقل كلام الاصحاب واطلاقهم عدم الالتفات فيه: والتحقيق انه لا يخلو اما ان يكون ذلك الشك بعد الصلاة أو في اثنائها، وعلى الثاني لا يخلو اما ان يكون محل الفعل باقيا بحيث إذا شك في الفعل يلزمه العود إليه أم لا ؟ ففى الاول والثالث لا شك انه لا يلتفت إليه لانه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل وقد دلت الاخبار الكثيرة على عدم الالتفات إليه، واما الثاني فيرجع الى الشك في الفعل قبل تجاوز محله وقد دلت الاخبار على وجوب الاتيان بالفعل المشكوك فيه، ولعل كلام الاصحاب ايضا مخصوص بغير تلك الصورة. انتهى. اقول: الظاهر ان كلام الاصحاب انما ابتنى على تعلق الشك بمطلق السهو من غير تقييد بعين ما قلنا في الصورة الاولى، ولهذا ان جملة منهم ممن صرح بعدم الالتفات ذكروا فروعا في المسألة بالنسبة الى السهو المقيد ورتبوا عليه احكام الشك كما لا يخفى على من راجع مطولاتهم.

(الرابعة) - الشك في موجب السهو بفتح الجيم وله ايضا صور: منها - ان يقع منه سهو يلزمه تدارك ذلك بعد الصلاة كالتشهد والسجود مثلا أو سجدتي السهو


[ 264 ]

ثم يشك بعد الصلاة في انه هل اتى به ام لا ؟ والظاهر انه لا إشكال ولا خلاف في وجوب الاتيان به بعين ما قدمناه في الفرد الاول من افراد الصورة الثانية.

ومنها - ان يشك في اثناء السجدة المنسية أو التشهد المنسى في التسبيح أو الطمأنينة أو بعض فقرات التشهد، ولا إشكال في انه يجب عليه الاتيان به متى كان المحل باقيا وأنت خبير بان شيئا من هذين الفردين لا يدخل في مصداق الخبر المذكور إلا على المعنى الذى احتملناه اخيرا في الصورة الثانية.

ومنها - أن يشك في عدد سجدتي السهو أو افعالهما قبل تجاوز المحل فانه يبنى على وقوع المشكوك فيه إلا ان يستلزم الزيادة فيبنى على الصحيح. وهذا الفرد مصداق الخبر في هذه الصورة يقينا.

(الخامسة) - السهو في موجب الشك بكسر الجيم أي في الشك نفسه، والظاهر انه غير داخل في مصداق النص المذكور. ويمكن فرضه في ما لو شك في فعل يجب تداركه كالسجدة قبل القيام وكان يجب عليه فعلها فسهاو لم يأت بها فلو ذكر الشك والمحل باق يأتي بها ولو ذكر بعد تجاوز المحل لا يلتفت إليه لانه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل. واستشكل فيه بعض الافاضل بانه يمكن ان يقال ان هذا الفعل الواجب بسبب الشك بمنزلة الفعل الاصلى في الوجوب، لان هذه السجدة صارت واجبة بالشك فيها في محل يجب تداركها فيه وهو قد سها عن ذلك الشك، فكما ان السجدة الاصلية إذا سها عنها وذكر قبل الركوع يأتي بها ولو ذكر بعد الركوع يقضيها بعد الصلاة فكذا هذه السجدة الواجبة يجب الاتيان بها لو ذكرها بعد القيام وقبل الركوع لانه خرج عن حكم الشك في أصل الفعل بسبب ما لزمه من السجدة بسبب الشك فقد تيقن ترك سجدة واجبة والوقت باق فيجب الاتيان بها. ويمكن ان يجاب بان شمول ادلة السهو في افعال الصلاة واجزائها لما نحن فيه غير معلوم ولا متيقن، فان المتبادر منها كون تلك الافعال التى عرض الشك فيها


[ 265 ]

اجزاء حقيقة الصلاة فان قولهم " من شك في سجدة فحكمه كذا ومن شك في الركوع فحكمه كذا " انما يتبادر الى الاجزاء الاصلية التى تركبت الصلاة منها لا مثل هذه السجدة التى إنما حصل وجوبها بالشك، وفى ما نحن فيه لم يحصل اليقين بترك الفعل الاصلى والجزء الحقيقي حتى يجب تداركه في الصلاة أو بعدها بتلك العمومات بل انما حصل اليقين بترك فعل وجب الاتيان به بسبب الشك ودخول مثله في العمومات غير معلوم فيرجع الى حكم الاصل وهو عدم وجوب قضاء الفعل. وبالجملة فانهم قد قرروا في غير مقام ان الاحكام المودعة في الاخبار إنما تنصرف الى الافراد الشائعة المتكررة الوقوع، ولا ريب ان هذه الفروض المذكورة نادرة اتم الندور والتكرار في احكام الشكوك والسهو إنما هو بالنسبة الى افعال الصلاة الاصلية. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحوط - لو اتفق ذلك - المضى في الشك ثم الاعادة. ومما يتفرع على هذا الاشكال ما لو شك في السجدتين معا في حال الجلوس فنسى ان يأتي بهما حتى قام فذكر في القيام أو بعد الركوع فعلى تقدير كونهما بحكم الاجزاء الاصلية يجب عليه العود في الاول وتبطل الصلاة في الثاني وعلى الوجه الاخر لا يلتفت إليه أصلا.

(السادسة) - السهو في موجب الشك بفتح الجيم ويحصل فرض ذلك في مواضع: منها - ان يسهو عن فعل في صلاة الاحتياط أو في سجدتي السهو اللتين لزمتا بسبب الشك في الصلاة، والاشهر الاظهر انه لا يجب عليه لذلك سجود السهو لان الادلة الدالة على وجوب سجدتي السهو غير معلوم شمولها لمثل صلاة الاحتياط وسجود السهو بل الاظهر اختصاصها باصل الفرائض.

ومنها - ان يسهو في فعل من افعال صلاة الاحتياط أو سجود السهو وذكر في محله الحقيقي، والظاهر انه لا إشكال في وجوب الاتيان به كما إذا نسى سجدة من


[ 266 ]

صلاة الاحتياط وذكرها قبل القيام أو قبل الشروع في التشهد، إذ ليس الاتيان بها من جهة السهو حتى يسقط بالسهو في السهو بل وجوب الاتيان بها إنما نشأ من أصل الامر بصلاة الاحتياط والامر بسجدتي السهو فان الامر بالشى يقتضى الامر بجميع اجزائه. هذا إذا كان في محل الفعل واما إذا جاز عنه ولم يجز عن محل تدارك الفعل المنسى إذا كان في أصل الصلاة فهل يكون الحكم هنا كالحكم في الصلاة في وجوب التدارك والسجود أم لا ؟ ظاهر جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني الاول، وتنظر فيه بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين معللا ذلك بانه بعد الشروع في فعل آخر فات محله المأمور به بالامر الاول والتدارك والعود يحتاج الى دليل وشمول دلائل العود الواردة في الصلاة لصلاة الاحتياط ممنوع. والمسألة لا تخلو من الاشكال.

ومنها - ان يسهو عن صلاة الاحتياط وسجدتي السهو الواجبتين بسبب الشك فلا يأتي بشئ من ذلك بعد الصلاة ثم انه يذكر بعد ذلك فهذا السهو لا يترتب عليه حكم، فانه ان ذكر قبل عروض المبطل للصلاة فلا خلاف ولا إشكال في صحة الصلاة ووجوب الاتيان بهما كما سيأتي بيانه في المسألتين المذكورتين ان شاء الله تعالى ومع عروض المبطل فهو محل خلاف كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى وان الاظهر الصحة ايضا فلا يترتب على هذا السهو حكم.

(السابعة) - السهو في موجب السهو بكسر الجيم أي في نفس السهو كأن يترك السجدة الواحدة أو التشهد سهوا ثم يذكر بعد القيام وكان الواجب عليه العود الى ما نسيه فنسى العود والسهو، وحينئذ فان ذكر قبل الركوع اتى به وان ذكر بعده تداركه بعد الصلاة مع سجدتي السهو على المشهور. ولو كان السهو عن السجدتين معا وذكرهما في حال القيام ولم يأت بهما سهوا ثم ذكرهما بعد الركوع بطلت صلاته. ومن ذلك يظهر انه لا يترتب على السهو هنا حكم جديد بل ليس حكمه إلا حكم السهو


[ 267 ]

في أصل الفعل. وكذا لو نسى ما يجب تداركه بعد الصلاة من الاجزاء المنسية التى يجب قضاؤها أو سجود السهو لها فانه يجب الاتيان بهما بعد الذكر إذ ليس لهما وقت معين ومع عروض المبطل فالاظهر ايضا وجوب الاتيان بهما كما عرفت في تلك المسألة.

(الثامنة) - السهو في موجب السهو بفتح الجيم، والهسو قد يوجب سجدتي السهو وقد يوجب قضاء السجدة والتشهد وقد يوجب الرجوع الى الفعل وتداركه في الصلاة ما لم يتجاوز محل التدارك. وفى جميع هذه الصور قد يتعلق السهو بنفس الفعل المتروك أو باجزائه، فإذا سها في الثلاثة الاول عن نفس الفعل بعد الغراغ من الصلاة ثم ذكر بعد ذلك وجب عليه الاتيان به بعد الذكر، وفى الرابع يأتي به ان ذكره في محل التدارك وإلا فان كان مما يقضى قضاه وإلا سقط، فالسهو في جميع هذه الافراد ليس فيه زيادة على الاحكام المقررة قبله. وعلى هذا تكون الصورة غير داخلة في مصداق الخبر كما ذكرنا سابقا. ويحتمل انه باعتبار عدم ترتب شئ على خصوص هذا السهو يصدق عليه انه لا سهو في سهو أي لا شئ يترتب عليه. إلا ان المتبادر من هذه العبارة المذكورة انه من حيث كونه سهوا في سهو لا يترتب عليه شئ بالكلية بل يكون حكمه حكم ما لو لم يكن ثمة سهو بالمرة وعدم الترتب هنا ليس من هذه الحيثية بل من حيثية اخرى. وقد يتعلق باجزء ذلك الفعل كأن يسهو في فعل من افعال الفعل الذى يقضيه بعد الصلاة وهو السجدة أو التشهد، وهل يلحقه ما يلحق افعال الصلاة من الاحكام ؟ ظاهر الاصحاب العدم الظاهر هذا الخبر. واحتمل بعض مشايخنا المحققين مساواته للصلاة في الاحكام وهو الاحوط. هذا. واما قوله في الخبر " ولا على الاعادة اعادة " فانه قد ذكر اصحابنا (رضوان الله عليهم) فيه احتمالين (احدهما) ما رجحه شيخنا المجلسي ونقله عن والده (طاب ثراهما) من انه إذا صدر منه شك أو سهو مبطل بحيث لزمته الاعادة ثم صدر في


[ 268 ]

الاعادة ما يوجب الاعادة ايضا فانه لا يلتفت إليه. و (ثانيهما) ان من صلى منفردا ثم وجد الامام فاعاد استحبابا فانه لا يعيد مع امام آخر. والظاهر رجحان الاول فان نظم هذه العبارة مع قوله " لا سهو في سهو " في محل واحد ومقام واحد قرينة على ذلك، إذا المعنى الثاني لا مناسبة له في المقام وان كان صحيحا في حد ذاته. إلا ان الاحوط الاعادة في الصورة الاولى ايضا لتشابه الخبر وعدم تيقن هذا المعنى منه. وفى الخبر ايضا احتمالات اخر لا تخلو من البعد. والله العالم.

(المسألة الثانية عشرة) - لا يخفى ان ما تقدم في احكام السهو في سابق هذا المطلب وما تقدم في هذا المطلب من احكام الشك كله مخصوص بالانسان نفسه واما ما يتعلق بالامام والمأموم فلم يجر له ذكر في البين في شئ من الموضعين، فلابد من بيان ذلك هنا ان شاء الله تعالى في مقامين:

(الاول) - في الشك الحاصل لهما، لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في رجوع كل من الامام والمأموم الى الاخر لو شك وحفظ عليه الاخر، وهو مقطوع به في كلامهم كما نقله غير واحد من المتأخرين. ويدل عيه زيادة على ما تقدم في سابق هذه المسألة من صحيحة حفص أو حسنته (1) ما رواه ثقة الاسلام (قدس سره) عن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الامام يصلى باربعة انفس أو خمسة انفس فيسبح اثنان على انهم صلوا ثلاثا ويسبح ثلاثة على انهم صلوا اربعا ويقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا والامام مائل مع احدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه ؟ قال ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم (3) وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام، ولا سهو في سهو، وليس في المغرب والفجر سهو ولا في الركعتين الاولتين من كل صلاة ولا في نافلة، فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه وعليهم


(1) ص 258 (2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 وفى الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (3) راجع التعليقة 1 و 2 ص 269


[ 269 ]

في الاحتياط الاعادة والاخذ بالجزم " وفى التهذيب (1) " بايقان " عوض لفظ " اتفاق ". وقال في من لا يحضره الفقيه (2): في نوادر ابراهيم بن هاشم " انه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن امام يصلى باربعة نفر أو خمسة فيسبح... الحديث " بدون قوله " ولا في نافلة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (3) قال: " سألته عن رجل يصلى خلف الامام لا يدرى كم صلى هل عليه سهو ؟ قال ". وما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن سهل عن الرضا عليه السلام (4) قال: " الامام يحمل اوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح ". ونحوه روى الكليني والشيخ عنه عن محمد بن يحيى رفعه عن الرضا عليه السلام (5) قال: " الامام يحمل اوهام من خلفه الا تكبيرة الافتتاح ". وتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بيان امور (احدها) قد عرفت مما قدمنا ان السهو يطلق في الاخبار كثيرا على الشك وعلى ما يشمله والمعنى المشهور ولا ريب في شمول الاخبار المذكورة لكل منهما، ولا خلاف في رجوع كل من الامام والمأموم عند عروض الشك الى الاخر مع حفظه له في الجملة سواء


(1) ج 1 ص 261 وفى المطبوع من الكافي " بايقان " ايضا، نعم في الوافى عن الكافي " باتفاق " وسياتى في الامر الثاني ص 270 التصريح منه " قدس سره " باتفاق الكافي والتهذيب في لفظ " ايقان " وان كلمة " اتفاق " انما هي في الفقيه. وكذا في الصورة الرابعة ص 273. (2) ج 1 ص 231 وفى الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة. (4) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة. ورواه الشيخ عن محمد بن سهل ايضا كما في نفس الباب من الوسائل. (5) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الاحرام رقم 12


[ 270 ]

كان الشك في الركعات أو في الافعال، ولا فرق بين الشك الموجب للابطال لو كان منفردا أو الموجب للاحتياط كالشك بين الثلاث والاربع مثلا أو سجود السهو كالشك بين الاربع والخمس، والى الاول يشير قوله في صحيحة على بن جعفر " لا يدرى كم صلى " ونحوه قبل الركعتين وفى الفجر والمغرب. ومقتضى الاخبار المذكورة انه لا ابطال في الاول ولا إحتياط في الثاني ولا سجود للسهو في الثالث. و (ثانيها) - قال في المدارك: وكما يرجع الشك من الامام والمأموم الى المتيقن كذا يرجع الظان الى المتيقن والشك الى الظان. انتهى. وبنحو ذلك صرح غيره ايضا. اقول: ما ذكروه من رجوع الظان منهما الى المتيقن والشاك الى الظان وان كان ظاهر الاصحاب في هذا الباب إلا انه لا يخلو من الاشكال عند التأمل بعين الحق والصواب، وذلك فان غاية ما يستفاد من الدليل هو رجوع الشاك منهما الى المتيقن، واما رجوع الظان منهما الى المتيقن ففيه ما ذكره بعض افاضل متأخرى المتأخرين من عدم ثبوت الدليل عليه مع انه متعبد بظنه. وكون اليقين اقوى من الظن غير نافع هنا لان قوة اليقين الموجبة للترجيح مختصة بمن حصل له اليقين لا غيره. نعم ان حصل له ظن اقوى بسبب يقين الغير كان عليه العمل بمقتضاه إلا انه خارج عن محل المسألة. واما رجوع الشاك الى الظان فاستدلوا عليه بان الظن في باب الشك بمنزلة اليقين. وفيه (اولا) انه ان اريد انه بمنزلة اليقين لمن حصل له الظن فمسلم لان الانسان في باب الشكوك يبنى على ظنه كما يبنى على يقينه ولكن لا يجدى نفعا في المقام، وان اريد انه متى كان شاكا يبنى على ظن غيره فلا دليل عليه. و (ثانيا) قوله عليه السلام في المرسلة التى هي مستند الحكم " بايقان منهم " كما في التهذيب والكافي " وباتفاق منهم " كما في الفقيه (1).


(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 268 والتعليقة 1 و 2 ص 269


[ 271 ]

و (ثالثها) - المشهور في كلام الاصحاب انه لا فرق في رجوع الامام الى المأموم بين كون المأموم ذكرا أو انثى ولا بين كونه عدلا أو فاسقا ولا بين كونه واحدا أو متعددا مع اتفاقهم ولا بين حصول الظن بقولهم ام لا، لاطلاق النصوص المتقدمة في جميع ذلك وعدم التعرض للتفصيل في شئ منها. واما مع كون المأموم صبيا مميزا فقيل ان فيه اشكالا، وذهب جمع الى قبول قوله للاعتماد على قوله في كثير من الاحكام كقبول الهدية واذن الدخول وامثالهما. وفيه ما فيه. والاظهر التسمك في ذلك باطلاق النصوص المذكورة. وان حصل الظن بقوله فلا إشكال. وربما يستأنس لهذا الحكم بما روى عن الصادق عليه السلام (1) " في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبى ؟ فقال نعم ألا ترى انك تأتم بالامام إذا صليت خلفه فهو مثله ". واما غير المأموم فلا تعويل عليه إلا ان يفيد الظن فيدخل في عمومات ما ورد في هذا الباب من التعويل على الظن. و (رابعها) - قوله عليه السلام في آخر مرسلة يونس " فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الاعادة والاخذ بالجزم " وكذا في نسخ الكافي والتهذيب وبعض نسخ الفقيه، وفى اكثر نسخ الفقيه (2) " فعليه وعليهم في الاحتياط والاعادة الاخذ بالجزم " بتقديم العاطف في الاعادة، وظاهر الكلام على تقدير النسخة الاولى ان على الجميع في صورة اختلاف المأمومين خلف الامام ولا سيما في مخالفة الامام لكل من الفريقين الاعادة. وفيه منافاة لما ذكره الاصحاب في كثير من الصور الاتية في المقام ان شاء الله تعالى وكذا كثير من عمومات أحكام اليقين والشك. واما على النسخة الثانية من تقديم العاطف فالظاهر ان


(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 والتهذيب ج 1 ص 261 والفقيه ج 2 ص 231


[ 272 ]

معنى الكلام حينئذ ان على الامام وعلى كل من المأمومين في صورة اختلافهم ان يعمل كل منهم على ما يقتضيه شكه أو يقينه من الاحتياط أو الاعادة حتى يحصل له الجزم ببراءة الذمة. وهذا هو الموافق للقواعد الشرعية والضوابط المرعية وليس كلامه عليه السلام مقصورا على الحكم المنقول عنه حتى يقال انه لا تلزم الاعادة في الصورة المذكورة على أحد منهم بل هو حكم عام يشمل جميع صور الاختلاف بين الجميع فيشمل ما إذا شك الامام أو بعض المأمومين بين الواحدة والاثنتين فانه تلزمه الاعادة وكذا كل صورة تجب فيها الاعادة.

و (خامسها) - لا يخفى انه متى كان الامام موقنا أو ظانا أو شاكا فالمأموم لا يخلو اما ان يكون موافقا له في المواضع الثلاثة فلا اشكال في الاولين واما الثالث فسيجئ حكمه على حدة، واما ان يكون مخالفا له في كل من الامور الثلاثة فههنا صور:

(الاولى) ان يكون الامام موقنا والمأموم شاكا، والحكم هنا هو رجوع المأمومين الى الامام سواء كانوا متفقين في الشك أو مختلفين إلا ان يكونوا مع شكهم موقنين بخلاف يقين الامام فينفردون حينئذ.

(الثانية) ان يكون المأموم موقنا والامام شاكا مع اتفاق المأمومين، ولا شك حينئذ في رجوع الامام الى يقينهم إلا ان يكون مع شكه موقنا بخلاف يقينهم فيرجع كل منهم الى يقينه.

(الثالثة) ان يكون الامام موقنا والمأمومون موقنين بخلافه اتفقوا في يقينهم أو اختلفوا، ولا خلاف ايضا في انه يرجع كل منهم الى يقينه.

(الرابعة) ان يكون الامام شاكا والمأمومون موقنين مع اختلافهم كما هو المفروض في مرسلة يونس، والمشهور في كلام الاصحاب وجوب انفراد كل منهم والعمل بما يقتضيه شكه أو يقينه، إذ لا يمكن رجوع المأمومين مع يقينهم الى شك الامام ولا رجوع الامام الى أحد اليقينين لانه ترجيح من غير مرجح. نعم لو حصل له بالقرائن ظن بقول احدهما عمل بمقتضى ظنه. وحينئذ فلا ينفرد عنه


[ 273 ]

الموقن الذى وافقه ظن الامام وينفرد الاخر. وربما احتمل تخير الامام في الرجوع الى أحد اليقينين مع عدم حصول الظن له لعموم قوله عليه السلام (1) " ليس على الامام سهو " وفيه ما يظهر من المرسلة المذكورة من عدم رجوع الامام الى المأمومين إلا مع اتفاقهم سيما على رواية الفقيه من قوله " باتفاق منهم ". نعم يبقى الكلام على تقدير نسخة تأخير العاطف فانك قد عرفت في الامر الرابع ان ظاهر الكلام على هذه النسخة وجوب الاعادة على الجميع وهو مخالف كما ترى لما ذكرناه من الحكم المشهور في هذه الصورة المؤيد بعمومات احكام المتيقن والشاك، فان حكم كل منهما البناء على ما يقتضيه شكه ويقينه، وتخصيص تلك العمومات بهذه الرواية سيما مع ضعفها وارسالها لا يخلو من الاشكال. والاحتياط بالعمل بكل من الامرين.

(الخامسة) - ان يكون المأمومون متيقنين متفقين مع ظن الامام بخلافهم، والمشهور في كلام الاصحاب رجوع الامام إليهم. ومال المحقق الاردبيلى على ما نقل عنه في شرح الارشاد الى عمل الامام بظنه وانفراده عن الامومين. وقوى بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين الاول بان الظاهر من قوله عليه السلام (2) " لا سهو على الامام " عدم ترتب احكام السهو على سهوه، قال ولا يخفى على التتبع ان في الاخبار يطلق السهو على ما يشمل الظن كما يظهر من مرسلة يونس بل ومن صحيحة على بن جعفر (3) ايضا. انتهى. اقول قد عرفت في الامر الثاني ما يؤيد كلام المحقق المذكور وانه هو الاولى بالظهور.

(السادسة) - تيقن المأمومين مع اختلافهم وظن الامام بخلافهم، والاشهر الاظهر الانفراد لكل منهم وعمل كل بظنه أو يقينه كما تقدم في الصورة الرابعة.


(1) و (2) في صحيحة حفص ص 258 ومرسلة يونس ص 268 (3) ص 269


[ 274 ]

ويأتى الاشكال المذكور ثمة هنا ايضا، والاحتياط في الاعادة بعد اتيان كل منهم بما يلزمه من ظنه ويقينه.

(السابعة) - اختلاف المأمومين في اليقين وظن الامام باحدهما، والظاهر انه يعمل هنا بظنه ويتبعه الموافقون له في ذلك بيقين منهم وينفرد المخالفون، وظاهر المرسلة المتقدمة بناء على نسخة تأخير العاطف وجوب الاعادة على الجميع. والاحتياط كما عرفت في العمل بما ذكرنا ثم اعادة الجميع.

(الثامنة) - يقين الامام مع ظن المأمومنن بخلافه متفقين أو مختلفين، والمشهور هنا رجوع المأمومين الى يقين الامام. وتوقف فيه المحقق الاردبيلى كما عرفت في الصورة الخامسة. ورد بما تقدم من عمومات الاخبار الدالة على وجوب متابعة الامام مطلقا خرج منه اليقين اجماعا فيبقى الظن. وفيه ما عرفت آنفا كما حققناه في الامر الثاني، والاخبار الدالة على وجوب متابعة الامام لا عموم فيها على وجه يشمل هذه الصورة، ولو سلم فكما خصت باليقين فلتخص بالظن ايضا لما تقرر عندهم ودلت عليه الاخبار من تعبد الانسان بظنه وانه لا دليل على التعبد بيقين الغير. واستدل شيخنا الشهيد الثاني على القول المشهور بما تقدم (1) في رواية محمد بن سهر ومرفوعة محمد بن يحيى من قول الرضا عليه السلام " الامام يحمل اوهام من خلفه " والتقريب ان الوهم يطلق في الاخبار على الظن كقوله عليه السلام (2) " ان ذهب وهمك الى الثلاث فابن عليها " ونحوه مما تقدم، فيدل الخبر ان المذكوران على ان الامام يحمل ظنون من خلفه فلا عبرة بظنهم مع يقين الامام. وفيه ان ما ذكره (قدس سره) من اطلاق الوهم على الظن في الاخبار وان كان كذلك إلا ان ارادته في الخبرين المذكورين غير معلوم بل الظاهر منهما إنما هو السهو أو الاعم منه ومن الشك وان احتمل ارادة الاعم منهما ومن الظن لكنه


(1) ص 269 (2) ص 205 و 206


[ 275 ]

يشكل الاستدلال به على ذك لما ذكرناه.

(التاسعة) - ظن الامام أو المأموم مع شك الاخر، والمشهور في كلام الاصحاب انه يرجع الشاك منهما الى الظان. واستدل عليه بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين بعموم النصوص الدالة على عدم اعتبار شك الامام والمأموم، قال: وايضا عموم اخبار متابعة الامام تدل على عدم العبرة بشك المأموم مع ظن الامام ولا قائل بالفرق في ذلك بين الامام والمأموم، ولا معارض في ذلك إلا ما يترآى من مرسلة يونس من اشتراط اليقين في المرجوع إليه، وليس فيه شئ يكون صريحا في ذلك سوى ما في اكثر النسخ من قوله عليه السلام " بايقان " واتفاق نسخ الفقيه على قوله " باتفاق " مكانه ومخالفة مدلوله لما هو المشهور بين الاصحاب، مع ما عرفت من أن ضعف السند يضعف الاحتجاج به وسبيل الاحتياط واضح. انتهى. وما ذكره (قدس سره) من الاستدلال للقول المشهور بما تكلفه من الدليلين المذكورين لا يخلو من نظر وللمناقشة فيهما مجال والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. قال المحقق الاردبيلى (قدس سره): لا شك في رجوع احدهما الى الاخر مع شكه ويقين الاخر واما إذا ظن الاخر فهو ايضا محتمل لان الظن في باب الشك معمول به وانه بمنزلة اليقين. وظاهر قوله في المرسلة المتقدمة " مع ايقان " العدم وكأنه محمول على ما يجب لهم ان يعملوا به من الظن أو اليقين مع احتمال العدم والحمل على الظاهر إلا انها مرسلة. انتهى.

(العاشرة) - كون كل من الامام والمأموم ظانا بخلاف الاخر، وظاهر الاصحاب هو عدم رجوع أحدهما الى الاخر وان كل واحد منهما ينفرد بحكمه، ويمكن ترجيحه بان المتبادر من النصوص الدالة على رجوع أحدهما الى صاحبه ان يكون بينهما تفاوت في مراتب ما اختلفا فيه بحيث ان المرجوع إليه ذو مرتبة زائدة ولا سيما المرسلة المذكورة حيث قال: " إذا حفظ عليه من خلفه ". وربما احتمل


[ 276 ]

هنا التمسك بوجوب متابعة الامام وهو ضعيف سيما مع ما عرفت.

(الحادية عشرة) - يقين الامام ويقين بعض المأمومين بخلافه وشك آخرين فالشاك منهم يرجع الى يقين الامام للاخبار المتقدمة وينفرد الاخرون الموقنون بخلاف الامام.

(الثانية عشرة) - شك الامام وبعض المأمومين مختلفين في الشك أو متفقين مع يقين بعض المأمومين، والاشهر الاظهر رجوع الامام الى الموقن من المأمومين ورجوع الشاك من المأمومين الى الامام، إلا ان مقتضى مرسلة يونس المتقدمة عدم رجوع الامام الى المأمومين مع اختلافهم وعدم متابعة المأموم للامام والحال كذلك، قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ويمكن حملها على ان المراد بقوله عليه السلام " إذا حفظ عليه من خلفه بايقان " اعم من يقين الجميع بامر واحد ويقين البعض مع عدم معارضة يقين آخرين، وحمل قوله " فإذا اختلف على الامام من خلفه " على الاختلاف في اليقين. وبالجملة يشكل التعويل على المرسلة المزبورة لضعفها مع معارضة النصوص المعتبرة وان كان الاحتياط يقتضى العمل بما قلناه ثم اعادة الجميع لظاهر المرسلة لا سيما على نسخ الفقيه من قوله عليه السلام " باتفاق منهم ".

(الثالثة عشرة) - ان يشترك الامام والمأموم في لاشك مع الاتفاق منهم في نوع الشك، والاشهر الاظهر انه يلزمهم جميعا حكم ذلك الشك. قال في الذخيرة بعد ذكر هذه الصورة أو لا ثم الصورة الاتية وان حكم هذه الصورة ما ذكرناه: ويحكى عن بعض المتأخرين وجوب الانفراد واختصاص كل منهما بشكه في الصورة الاولى مع الموافقة في الصورة الثانية، ولا وجه له. انتهى. وذكر بعضهم انه لا يبعد التخيير بين الائتمام والانفراد في ما يلزمهم من صلاة الاحتياط.

(الرابعة عشرة) - اشتراكهما في الشك مع اختلافهما في نوعه ووجود رابطة


[ 277 ]

بين الشكين، والمشهور رجوعهما الى تلك الرابطة والعمل عليها، كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث والاخر بين الثلاث والاربع، فهما متفقان في تجويز الثلاث والامام موقن بعدم احتمال الاربع والمأموم موقن بعدم احتمال الثنتين، فإذا رجع كل منهما الى يقين الاخر تعين اختيار الثلاث وحينئذ فيبنون عليها ويتمون الصلاة من غير احتياط. وربما قيل في هذه الصورة بإنفراد كل منهما بشكه. ويمكن ان يتسأنس له بما يفهم من مرسلة يونس من عدم رجوع أحدهما الى الاخر مع شك الاخر وانما يرجع مع اليقين. إلا انه يمكن دفعه بانه ليس الرجوع هنا إلا الى ما ايقنا به.

(الخامسة عشرة) - الصورة المقتدمة مع عدم الرابطة الجامعة بين الشكين كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين والثلاث والاخر بين الاربع والخمس، والشمهور انه ينفرد كل منهما بحكم شكه. وربما كان وجهه عموم النصوص الدالة على حكم شك كل منهما وعدم دخوله ظاهرا في عموم نصوص رجوع أحدهما الى الاخر. ثم انه لا يخفى ان المشهور انه لا فرق في هاتين الصورتين بين الركعات والافعال وكذا لا فرق في صورة وجود الرابطة بين كون شك احدهما مبطلا أم لا، ولا بين كون الرابطة شكا ايضا ام لا، ولا بين اختلاف المأمومين ايضا في الشك الذى انفردوا به أو اتفاقهم. فان المدار على وجود الرابطة وعدمه، فالاول كما لو شك أحدهما بين الواحدة والثنتين والثلاث والاخر بين الثنتين والثلاث. فانهم يرجعون الى الشك بين الثنتين والثلاث والرابطة هنا شك، وبه يحصل المثال الثاني ايضا، والثالث كالمثال المتقدم من شك احدهما بين الثنتين والثلاث والاخر بين الثلاث والاربع فان الرابطة الثلاث يعملون عليها من غير احتياط. والرابع كما إذا شك أحدهم بين الواحدة والثنتين والثلاث والاخر بين الثنتين والثلاث والاربع والثالث بين الثنتين والثلاث والخمس والرابطة هنا هو الشك بين الاثنتين والثلاث فيرجع الجميع إليه ويعملون بمقتضاه. والخامس هو عدم وجود الرابطة مع التعدد كما لو


[ 278 ]

شك أحدهم بين الثنتين والثلاث الاخر بين الاربع والخمس وآخر بين الثنتين والاربع.

(المقام الثاني) - في السهو ولنذكر اولا الاخبار المعلقة بذلك ثم نعطف الكلام على ما ذكره الاصحاب وما يفهم من الاخبار في هذا الباب مستمدين منه عز شأنه الهداية الى جادة الصواب: فمن الاخبار المشار إليها ما تقدم في المقام الاول، ومنها - ما رواه الكليني والشيخ (طيب الله تعالى مرقديهما) عن زرارة (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامام يضمن صلاة القوم ؟ قال لا ". ومنها - ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه لم يكن على وضوء ؟ قال يتم القوم صلاتهم فانه ليس على الامام ضمان ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قلت أيضمن الامام الصلاة ؟ قال لا ليس بضامن ". وما روياه ايضا في الكتابين المذكورين عن الحسين بن بشير كما في التهذيب وابن كثير كما في الفقيه - والرجلان مجهولان - عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام فقال لا ان الامام ضامن للقراءة وليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه إنما يضمن القراءة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون انه يضمن ؟ فقال لا يضمن أي شئ يضمن إلا ان يصلى بهم جنبا أو على غير طهر ".


(1) الوسائل الباب 30 من الجماعة. وفى الفروع ج 1 ص 105 والتهذيب ج 1 ص 329 و 330 والوافى باب " ضمان الامام... " والوسائل " سألت احدهما ع ". (2) و (5) الوسائل الباب 36 من الجماعة (3) و (4) الوسائل الباب 30 من الجماعة


[ 279 ]

وما رواه في التهذيب والفقيه عن عمار بن موسى الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل سها خلف امام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح ولم يتشهد حتى سلم ؟ فقال قد جازت صلاته وليس عليه شئ إذا سها خلف الامام ولا سجدتا السهو لان الامامن ضامن لصلاة من خلفه ". وما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل ينسى وهو خلف الامام ان يسبح في السجود أو في الركوع أو ينسى أن يقول بين السجدتين شيئا ؟ فقال ليس عليه شئ ". وعن عمار ايضا في الموثق (3) قال: " سألته عن الرجل يدخل مع الامام وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر فسها الامام كيف يصنع ؟ فقال إذا سلم الامام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذى دخل معه وإذا قام وبنى على صلاته واتمها وسلم سجد لرجل سجدتي السهو... الى ان قال: وعن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة ؟ قال يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (4) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول اقيموا صفوفكم ؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد ". وعن منهال القصاب (5) - في الصحيح إليه وهو مجهول - قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اسهو في الصلاة وانا خلف الامام ؟ قال فقال إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب ".

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع:

(الاول) - ما اشتمل عليه بعضها من ضمان الامام وبعض آخر من عدم الضمان يمكن الجمع بينها بوجوه:


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة. والشيخ يرويه عن الكليني


[ 280 ]

(احدهما) - ما ذكره الصدوق (قدس سره) حيث قال بعد ايراد رواية ابى بصير: ليس هذا بخلاف خبر عمار وخبر الرضا عليه السلام (1) لان الامام ضامن لصلاة من صلى خلفه متى سها عن شئ منها غير تكبيرة الاحرام وليس بضامن لما يتركه المأموم متعمدا. و (ثانيها) - ما ذكره (طاب ثراه) ايضا حيث قال: ووجه آخر وهو انه ليس على الامام ضمان لاتمام الصلاة بالقوم فربما حدث به حادث قبل ان يتمها أو يذكر انه على غير طهر. ثم استشهد برواية زرارة المتقدمة. و (ثالثها) - ان يكون المراد بالضمان ضمان القراءة وبعدمه سائر الاذكار والافعال. واليه يشير خبر الحسين بن بشير أو ابن كثير المتقدم. و (رابعها) - ما ذكره بعض مشايخنا الكرام (رفع الله اقدارهم في دار السلام) وهو ان يكون المراد بالضمان الاثم والعقاب على الاخلال بالشرائط والواجبات من جهة المأمومين وبعدمه عدم الاثم إذا كان ذلك سهوا، أو عدم التأثير في بطلان صلاة المأمومين مطلقا كما يومئ إليه بعض الاخبار السالفة، أو عدم وجوب اعلامهم بذلك كما يشير إليه ايضا بعض الاخبار. انتهى. والظاهر بعده. و (خامسها) - وهو الاظهر حمل ما دل على الضمان على التقية واليه تشير صحيحة معاوية بن وهب ويعضده ما نقله في المنتهى من انه اطبق الجمهور إلا مكحول على انه لا سهو على المأموم (2).

(الثاني) - لو اشترك الامام والمأموم في السهو فالظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في وجوب العمل عليهما بما يقتضيه حكم ذلك السهو اتفقا في خصوصه أو اختلفا، فالاول كما إذا تركا سجدة واحدة سهوا فذكراها بعد الركوع فانهما يمضيان في الصلاة ويقضيان السجود بعدها اتفاقا ويسجدان للسهو بناء على المشهور من وجوب


(1) ص 279 و 269 (2) المغنى ج 2 ص 41


[ 281 ]

سجود السهو في هذا الموضع، ولو ذكراها قبل الركوع فانهما يجلسان ويأتيان بها ثم يستأنفان الركعة. والثانى كما إذا ذكر الامام السجدة المنسية بعد الركوع والمأموم قبله فانه يأتي المأموم بها ثم يلحق الامام وأما الامام فانه يقضيها بعد صلاته كما تقدم وفى السجود للسهو ما مر. ولو كانا قد نسيا السجدتين معا وذكرهما الامام بعد الركوع والمأموم قبله بطلت صلاة الامام وأما المأموم فانه يأتي بهما ونيفرد ويتم صلاته.

(الثالث) - لو اختص السهو بالمأموم فلا خلاف ولا إشكال في عدم وجوب شئ لذلك على الامام، إنما الخلاف بالنسبة الى المأموم في انه هل يجب عليه الاتيان بموجب ذلك السهو ام لا ؟ والاشهر الاظهر انه يحب عليه الاتيان بموجبه، وذهب الشيخ في الخلاف والمبسوط الى انه لا حكم لسهو المأموم هنا ولا يجب عليه سجود السهو بل ادعى عليه الاجماع، واختاره المرتضى (رضى الله عنه) ونقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (1) ومال إليه الشهيد في الذكرى والمحقق في المعتبر على اختلاف بينهما في بعض الاحكام كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام. قال في الذكرى: ولا حكم لسهو المأموم الموجب لسجدتي السهو في حال الانفراد بمعنى انه لو فعل المأموم موجب سجدتي السهو كالتكلم ناسيا أو نسيان السجدة أو التشهد لم تجبا عليه وان وجب قضاء السجدة والتشهد، وكذا لو نسى ذكر الركوع أو السجود أو الطمأنينة فيهما لم يسجد لهما وان اوجبنا السجود للنقيصة وذلك كله ظاهر قول الشيخ في الخلاف والمبسوط واختاره المرتضى ونقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (2) ورواه العامة عن عمر (3)... الى آخر كلامه (قدس سره) وقال المحقق في المعتبر - بعد نقل ذلك عن الخلاف وعلم الهدى وجميع الفقهاء إلا مكحولا والاستدلال عليه بالرواية العامية ورواية حفص بن البخترى والرواية المتقدمة عن الرضا عليه السلام في سابق هذا المقام (4) - ما لفظه: والذى أراه ان ما يسهو


(1) و (2) المغنى ج 2 ص 41 (3) سنن الدار قطني ص 145 (4) ص 258 و 269


[ 282 ]

عنه المأموم ان كان محله باقيا اتى به وان تجاوز محله وكان مبطلا استأنف وان كان مما لا يبطل فلا قضاء عليه ولا سجود سهو عملا بالاحاديث المذكورة. وظاهره كما ترى عدم وجوب القضاء في ما يقضى من الاجزاء المنسية لو كان منفردا وعدم سجود السهو في ما أوجب السجود كذلك، وظاهر كلام الشهيد المتقدم انما هو سقوط سجود السهو خاصة واما قضاء الاجزاء المنسية فانه يجب. استدل الشهيد في الذكرى على ما قدمنا نقله عنه فقال على اثر الكلام المتقدم: ورواه العامة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله " انه ليس عليك خلف الامام سهو الامام كافيه وان سها الامام فعيه وعلى من خلفه " وهذا الحديث رواه الدار قطني (1) وفى طريقه ضعف عند المحدثين (2) ولان معاوية بن الحكم تكلم خلف النبي صلى الله عليه وآله فلم يأمره بالسجود (3) وروينا في الحسن عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو ولا على السهو سهو ولا على الاعادة اعادة " وقال الفاضل لو انفراد المأموم بموجب السهو وجب عليه السجدتان كالمنفرد لقول احدهما (عليهما السلام) (5) " ليس على الامام ضمان " قلنا الخاص مقدم، ويعارض بما رواه عيسى الهاشمي عن ابيه عن جده على عليه السلام (6) انه قال: " الامام ضامن " وقد يحتج بما رواه في التهذيب عن منهال القصاب، ثم نقل الرواية


(1) ص 145 من سننه ولفظه الحديث فيه هكذا قال: " ليس على من خلف الامام سهو فان سها الامام فعليه وعلى من خلفه السهو وان سها من خلف الامام فليس عليه سهو والامام كافيه ". (2) قال في هامش سنن الدار قطني في التعليق على سند الحديث: والحديث اخرجه البيهقى والبزار كما في بلوغ المرام والكل من الروايات فيها خارجة بن مصعب وهو ضعيف. (3) سنن البيهقى ج 2 ص 250 واشرنا إليه في التعليقة 5 ص 100 (4) ص 258 وفى الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة (5) ص 278 وفى الوسائل الباب 24 من الجماعة رقم 2 (6) الوسائل الباب 3 من الاذان والاقامة


[ 283 ]

كما قدمناه. ثم قال ويمكن حملها على الاستحباب. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: انت خبير بان ادلة هذا القول ترجع الى رواية حفص وحديث الرضا عليه السلام وموثقة عمار الاولى والثانية، والجميع لا يخلو من الاشكال فان منها ما هو في غاية الاجمال الموجب للقدح في الاستدلال ومنها ما هو ظاهر إلا ان تطرق الحمل على التقية إليه متوجه لما عرفت آنفا من أن ذلك مذهب الجمهور. فأما رواية حفص فلما تقدم من ان السهو فيها مجمل يحتمل شموله للسهو بالمعنى المشهور وعدمه، والظاهر من مرسلة يونس وصحيحة على بن جعفر هو حمل السهو على الشك فيمكن أن يكون في هذه الرواية كذلك. واما رواية الرضا عليه السلام فهى أشد اجمالا واكثر احتمالا وقد قيل فيها وجوه: (احدها) أن يكون المراد بالوهم الشك أو ما يشمله والظن، فان المأموم الشاك يرجع الى يقين الامام اتفاقا والى ظنه على الاشهر كما تقدم، والظان الى يقينه على الاشهر كما تقدم ايضا، فيصدق انه يحمل أو هام من خلفه. واما استثناء التكبير فيه فلانه مع الشك فيه لم يتحقق الدخول في الصلاة فضلا عن تحقق المأمومية فلا يرجع إليه. و (ثانيها) - ان يكون المراد بالوهم الاعم من الشك والسهو ويكون المقصود بيان فضيلة الجماعة وفوائدها وانه لا يقع من المأموم سهو وشك غالبا في الركعات والافعال لتذكير الامام له. ولا يخلو من بعد. و (ثالثها) - ان يكون المراد بالوهم ما يشمل الشك والظن والسهو أو يختص بالسهو كما فهمه جماعة، فيدل على عدم ترتب حكم السهو على سهو المأموم كما هو مطلوب المستدل. ومنه يظهر عدم بطلان صلاة المأموم بزيادة الركن سهوا في ما إذا ركع أو سجد قبل الامام أو رفع رأسه منهما قبله فانه يرجع في تلك الصور ولا يضره زيادة الركن. و (رابعها) - ان يكون المراد ما يسهو عنه من الاذكار غير تكبيرة الاحرام


[ 284 ]

إذ ليس فيها ركن غيرها، ولعل المراد انه يثاب عليها مع تركه لها سهوا واتيان الامام بها بخلاف المنفرد فان غايته انه لا يعاقب على تركها دون أن يثاب عليها وحينئذ فمع تعدد ما ذكرنا من الاحتمال فكيف يصلح للاستدلال. وأما موثقتا عمار فالاظهر حملهما على التقية، على ان الثانية منهما غير ظاهرة لان وجوب سجود السهو في الامور التى اشتملت عليها إنما يتجه على قول من قال بذلك لكل زيادة ونقيصة وهو خلاف المشهور ودليله لا يخلو من القصور كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى في تلك المسألة. هذا. واما ما يدل على القول المشهور من وجوب سجود السهو بعروض أحد اسبابه المروية فصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية منهال القصاب ومنها روايات نفى الضمان وقد تقدم جميع ذلك (1). واما احتمال حمل صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج على ان القائل كان منفردا كما قيل فبعيد جدا بل تعسف محض. واما حمل الشهيد (قدس سره) في ما تقدم من كلامه رواية منهال على الاستحباب ففيه ان الدليل ليس منحصرا فيها مع مما عرفت في هذا الحمل في غير مقام واما ما ذكره (قدس سره) ايضا - من ان نفى الضمان عام ونفى السجود خاص والخاص مقدم على العام مع المعارضة برواية عيسى بن عبد الله الهاشمي - ففيه ما عرفت في تلك الروايات من الاجمال وتعدد الاحتمال في بعض والحمل على التقية في آخر. وبالجملة فانه مع تسليم تعارض الاخبار يشكل ترك العمل بالاحكام الثابتة بالعمومات القوية عند عروض السهو مع انه الاوفق بالاحتياط ومؤيد بالاخبار الدالة عليه، فالاقوى والاحوط عدم ترك سجود السهو للمأموم متى عرض له احد اسبابه. والله العالم.


(1) ص 279 و 278


[ 285 ]

(الرابع) - لو اختص السهو بالامام كم لو تكلم ناسيا والحال ان المأموم لم يتابعه فالمشهور سيما بين المتأخرين اختصاصه بحكم السهو، وذهب الشيخ وجملة من اتباعه الى انه يجب على المأموم متابعته في سجدتي السهو وان لم يعرض له السبب وبهذا القول قال اكثر العامة (1). استدل الشيخ بوجوه: (احدها) وجوب متابعة الامام. ورد بانه انما تجب متابعته حال كونه اماما وسجدتا السهو إنما هما بعد الفراغ من الصلاة وانقضاء الائتمام على ان صلاة المأموم لا تبنى على صلاة الامام فقد تبطل صلاة الامام مع صحة صلاة المأموم كما لو تبين حدثه أو فسقه أو كفره فان ذلك لا يقدح في صحة صلاة المأموم فكذا مع حصول النقص فيها واستدراكه بالسجود مثلا فانه لا يستلزم تعدى ذلك أي المأموم. و (ثانيها) - ما رواه العامة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " ليس على من خلف الامام سهو الامام كافيه وان سها الامام فعليه وعلى من خلفه " رواه الدار قطني (2) ورد بان الخبر من روايات العامة فلا يقوم حجة مع انه عندهم ايضا ضعيف (3) و (ثالثها) - موثقة عمار المتقدمة وهى الثالثة من رواياته والجواب عنه بالحمل على التقية كما عرفت فان القول بذلك مذهب جمهور العامة (4). واما ما يشعر به كلام صاحب الذخيرة - من التردد هنا والميل الى مذهب الشيخ لما ذكره من الدليل الاول والثالث - فهو من تشكيكاته الواهية.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشهيد في الذكرى قد ذكر فروعا على قول الشيخ في القاعدتين، قال (الاول) لو رأى المأموم الامام يسجد للسهو وجب عليه السجود وان لم يعلم عروض السبب حملا على ان الظاهر منه انه يؤدى ما وجب


(1) و (4) المغنى ج 2 ص 41 " إذا سها الامام فعلى المأموم متابعته في السجود سواء سها معه أو انفرد الامام بالسهو، قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم على ذلك وذكر اسحاق انه اجماع اهل العلم ". (2) ارجع الى التعليقة 1 ص 282 (3) ارجع الى التعليقة 2 ص 282


[ 286 ]

عليه، ولعدم شرعية التطوع بسجدتي السهو. واعترضه المحقق الاردبيلى (قدس سره) بانه يحتمل أن يكون عرض له السبب في صلاة اخرى وذكره في هذا الوقت فلا يجب على المأموم متابعته. وأورد عليه بعض مشايخنا المحققين ايضا بالنسبة الى ادعائه عدم مشروعية التطوع بهما انه في محل المنع، قال إذ الاصحاب كثيرا ما يحملون الاخبار الواردة بهما مع المعارض أو مخالفة المشهور على الاستحباب. اقول: يمكن دفع هذا الايراد بان الظاهر ان مراد الشيخ الشهيد إنما هو عدم مشروعية سجدتي السهو بدون أحد الاسباب المعدودة في الاخبار وكلام الاصحاب كما انه يستحب السجود مطلقا بل إنما يقع ويشرع مع أحد الاسباب المذكورة، وحينئذ فلا يرد عليه حمل الاصحاب لهما على الاستحباب باعتبار وجود أحد الاسباب. ومرجع كلام الاصحاب الى أصل السبب وصلوح للسببية لا الى نفس السجود فمن حيث عدم صلوحه للسببية لمعارض ونحوه يحملون السجود على الاستحباب وهذا لا ياباه كلام الشهيد بناء على ما فسرناه به. ثم ذكر جملة من الفروع التى ليس في إيرادها كثير فائدة مع ما عرفت من ضعف القول الذى فرعت عليه.

(الخامس) - قوله عليه السلام في رواية منهال القصاب " فاسجد سجدتين ولا تهب " يحتمل أن يكون من المضاعف أي لا تقم من مكانك حتى تأتى بهما، قال في النهاية: فيه " لقد رأيت اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يهبون إليها كما يهبون الى المكتوبة " يعنى ركعتي المغرب أي ينهضون إليها. وفى القاموس الهب الانتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته. ويحتمل أن يكون على بناء الاجوف وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد به عدم الخوف عليه من تشنيع الناس عليه بالسهو في الصلاة أو عدم الخوف من المخالفين للخلاف بينهم في ذلك. والله العالم. فائدة روى الصدوق في الفقية والشيخ في التهذيب عن سماعة عن ابى عبد الله


[ 287 ]

عليه السلام (1) " في رجل سبقه الامام بركعة ثم أوهم الامام فصلى خمسا ؟ قال يعيد تلك الركعة ولا يعتد بوهم الامام " كذا في التهذيب (2) وفى الفقيه (3) " يقضى تلك الركعة " عوض " يعيد ". قال في الوافى: " يعيد تلك الركعة " أي يصليها منفردا اسماها اعادة لانه قد فاتته مع الامام. انتهى. أقول: لعل المراد من كلامه ان السؤال وقع عن حكم المأموم قبل الاتمام مع الامام، بمعنى انه لما صلى ثلاثا وبقيت عليه ركعة واحدة ولكن الامام في تلك الحال سها فزاد رابعة فما حكم المأموم في حال قيام الامام للخامسة ؟ قال يأتي بما بقى عليه وهى الركعة التى فاتته. ولكنه عبر عن الاتيان بالاعادة، ولا يخلو من بعد فان ظاهر الخبر ان الرجل اكمل صلاته أربعا مع الامام وتابعه في الخامسة التى زادها الامام سهوا، وحينئذ فيشكل امره باعادة تلك الركعة التى تابع الامام فيها حال سهوه لانه يلزم أن تكون صلاته خمسا حينئذ، فان هذا ظاهر الخبر والاشكال فيه من جهة ما ذكرناه ظاهر ايضا، والاقرب على هذا ان قوله " يعيد تلك الركعة " وقع تصحيف " يعتد " بالتاء الفوقانية من الاعتداد عوض الياء التحتانية من الاعادة فانه لا معنى لاعادة الركعة هنا بالكلية، وحاصل المعنى انه يعتد بتلك الركعة التى تابع فيها الامام ولكن يجب حمله على نية الانفراد فيها أو مشاركته للامام في سهوه، فان بطلان صلاة الامام بزيادة تلك الركعة لا يوجب بطلان صلاة المأموم لعدم حصول الزيادة في صلاته والاقتداء به فيها على تقديره إنما وقع سهوا فلا اشكال. هذا على ما في التهذيب واما على ما في الفقيه من قوله " يقضى " فالمراد من القضاء مجرد الفعل كقوله " فإذا قضيت الصلاة " (4) لا المعنى المشهور، وحاصله أن يأتي بتلك الركعة ويتم صلاته ولا يعتد ببطلان صلاة


(1) الوسائل الباب 68 من الجماعة (2) ج 1 ص 331 (3) ج 1 ص 266 (4) سورة الجمعة، الاية 10


[ 288 ]

الامام، وهو اما بقصد الانفراد ان تابع الامام في خامسة أو انه إنفرد من اول الامر ولم يتابع فيها. والله العالم.

(المسألة الثالثة عشرة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بانه لا حكم للسهو مع الكثرة لكن ظاهر جملة منهم ان المراد بالسهو هنا الشك كما صرح به في المعتبر وهو ظاهر العلامة في المنتهى والتذكرة واختاره في المدارك ونقل بعض مشايخنا انه مذهب الاكثر، وظاهر آخرين - ومنهم الشيخ وابن زهرة وابن ادريس وغيرهم والظاهر انه المشهور - هو العموم للشك والسهو وبه صرح شيخنا الشهيد الثاني وغيره وهو الاظهر. والاصل في المسألة الاخبار، ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة وابى بصير (1) قالا: " قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى ولا ما بقى عليه ؟ قال يعيد. قلنا فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك ؟ قال يمضى في شكه ثم قال لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة فانه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصى لم يعد الى احدكم ". وما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك فانه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان " وفى الفقيه (3) " فدعه " مكان " فامض في صلاتك ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان - والظاهر انه عبد الله الثقة - عن غير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك " وعن عمار الساباطى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في الرجل يكثر


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة (3) ج 1 ص 224


[ 289 ]

عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدرى أركع أم لا ويشك في السجود فلا يدرى أسجد أم لا ؟ يسجد ولا يركع ويمضى في صلاته حتى يستيقن يقينا " وروى الصدوق مرسلا عن الرضا عليه السلام (1) قال: " إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض على صلاتك ". وما رواه في الفقيه والتهذيب عن على بن ابى حمزة عن رجل صالح عليه السلام (2) قال: " سألته عن رجل يشك فلا يدرى أواحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو اربعا تلتبس عليه صلاته ؟ قال كل ذى ؟ قال قلت نعم. قال فليمض في صلاته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فانه يوشك أن يذهب عنه " وهذا الخبر حمله الشيخ على النوافل اولا ثم حمله ثانيا على كثير الشك وهو الصواب ولذا اوردناه في اخبار الباب.

إذا عرفت هذا فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا المام يحتاج الى بسطه في موارد

(الاول) - قوله عليه السلام في صحيحة زرارة وابى بصير المتقدمة أو حسنتهما " الرجل يشك كثيرا في صلاته " الظاهر ان المراد بالكثرة هنا كثرة اطراف الشك ومحتملاته واو كان شكا واحدا كأن يشك لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين أم ثلاثا أم اربعا ومن ثم أمره بالاعادة وليس المراد به كثرة افراد الشك الذى هو محل البحث فانه لا اعادة معه اتفاقا نصا وفتوى إلا ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام من بعض الاعلام، ثم انه لما راجعه السائل وقال: " انه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك " امره بما هو الحكم في كثير الشك من المضى في شكه وعدم الالتفات فانه بكثرة ذلك عليه قد دخل تحت كثير الشك فوجب عليه ما ذكرناه من حكمه. واحتمل المحقق الاردبيلى حمل قوله في صدر الخبر " يشك كثيرا " على كثرة افراد الشك أي يقع منه الشك كثيرا حتى يبلغ الى حد لا يعرف عدد ركعاته، ويدل الخبر على ما اختاره من التخيير في الحكم في كثير الشك بين ان يكون حكمه المضى وعدم الالتفات أو العمل بمقتضى الشك فهو عنده مخير بين العمل بالشك


(1) و (2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.


[ 290 ]

وعدم الالتفات إليه مستندا الى انه عليه السلام أمره أولا بالاعادة ثم لما بالغ في الكثرة أمره بعدم الالتفات إليه. وانت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور كما لا يخفى على المتأمل البصير ولا ينبئك مثل خبير، فان نهيه عليه السلام عن تعويد الخبيث وامره بالمضي في الشك ونهيه عن اكثار نقض الصلاة وذكر التعليلات المذكورة لا يجامع شئ منها التخيير فضلا عن اجتماعها وصراحتها في المدعى. وبالجملة فان معنى الخبر انما هو ما قدمنا ذكره من حمل الكثرة في صدر الخبر على كثرة اطراف الشك ومحتملاته والكثرة بالمعنى المراد في المقام انما هي ما اشار إليه السائل بعد المراجعة بقوله: " فانه يكثر عليه ذلك... الخ " ومن ثم أمره عليه السلام بالاعادة في الاول والمضى في الثاني وبذلك يظهر لك ان ما ذكره المحقق المشار إليه غير موجه وان سبقه الى ذلك ايضا الشهيد الاول (طاب ثراه) في الذكرى حيث انه احتمل حمل الامر بالمضي في الشك على الرخصة. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور لو اتى بعد الحكم بالكثرة بما شك فيه فالظاهر بطلان صلاته لانه في حكم الزيادة في الصلاة متعمدا إلا ان يقال هذا رخصة لقول الباقر عليه السلام (1) " فامض في صلاتك فانه يوشك ان يدعك الشيطان ". إذا الرخصة هنا غير واجبة. انتهى. ولا يخفى ما فيه سيما مع عدم دلالة الخبر على ما يدعيه ان لم يدل على خلافه كما لا يخفى على من يتدبر في ما ذكرناه ويعيه، فان الاصل في الاوامر الواردة في هذه الاخبار بالمضي هو الوجوب والنواهي المانعة عن تعويد الشيطان من نفسه وعن اكثار نقض الصلاة هو التحريم، وحملهما على المجاز يحتاج الى دليل لا بمجرد التشهى والظن. واما ما يظهر من خبر على بن ابى حمزة من ان كثرة الشك تحصل بتعدد


(1) في صحيح محمد بن مسلم ص 288


[ 291 ]

الاحتمالات في الشك الواحد - وقد اشرنا سابقا الى ان مثل هذا ليس من كثرة الشك في شئ - فينبغي حمله على علم الامام عليه السلام من حال السائل انه كان كثير الشك لا من مجرد هذا السؤال أو دلالة قرائن الاحوال يومئذ على انه لا يصدر عنه مثل هذا الشك إلا من حيث كونه كثير الشك دائما.

(الثاني) - قد تقدمت الاشارة الى الخلاف في ان الحكم المذكور هنا هل هو مخصوص بالشك أو شامل له وللسهو ؟ وربما رجح الاول بنسبة ذلك الى الشيطان والذى يقع من الشيطان انما هو الشك واما السهو فهو من لوازم طبيعة الانسان. وفيه نظر لتصريح الايات والروايات بنسبة السهو ايضا الى الشيطان كقوله عزوجل " واما ينسينك الشيطان " (1) وقوله " وما انسانية إلا الشيطان " مع ان الشك انما يحصل من الشيطان فلا فرق بينهما في ان كلا منهما من الشيطان. والظاهر عندي هو العموم لان اخبار المسألة منها ما ورد بلفظ الشك ومنها ما ورد بلفظ السهو والقول بالعموم جامع للعمل بالاخبار كملا واما التخصيص بالشك فيحتاج الى التأويل في اخبار السهو بالحمل على الشك واخراجه عن ظاهر حقيقته اللغوية التى هي النسيان وهو يحتاج الى دليل مع انه لا ضرورة تلجئ إليه. ويؤيد ما قلناه ما تشير إليه الاخبار المذكورة من ان العلة في هذا الحكم هو رفع الحرج والتخفيف على المكلفين لان الاعادة موجبة للزيادة حيث ان ذلك من الشيطان وهو معتاد لما عود، وهذا مما يجرى في الشك والسهو. وممن وافقنا في المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك غالبا فقال: واعلم ان ظاهر عبارات كثير من الاصحاب التسوية بين الشك والسهو في عدم الالتفات اليهما بل شمول الحكم للسهو في كلامهم اظهر. وهو ظاهر النصوص. وفى عبارة المعتبر وكلام المصنف في عدة من كتبه اشعار باختصاص الحكم بالشك. والاول يقتضى عدم الابطال بالسهو في الركن وعدم


(1) سورة الانعام الاية 67 (2) سورة الكهف الاية 62


[ 292 ]

القضاء إذا كان السهو موجبا له، ولم اجد من الاصحاب من صرح بهما بل صرح جماعة منهم بخلافهما مع تصريح بعضهم بسقوط سجود السهو والفرق بينه وبين القضاء محل تأمل واحتمل الشارح الفاضل عدم وجوب القضاء. انتهى. وهو جيد وسيأتى في المقام ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق لما اخترناه وتأييد لما ذكرناه.

(الثالث) - قال في المدارك: ولو كثر السهو عن واجب يستدرك اما في محله أو في غير محله وجب الاتيان به، ولو كان عن ركن وتجاوز محله فلابد من الاعادة تمسكا بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو وغيره السالم من المعارض. وهل تؤثر الكثرة في سقوط سجدات السهو ؟ قيل نعم وهو خيرة الذكرى دفعا للحرج، وقيل لا وهو الاظهر لان اقصى ما تدل عليه الروايات المتقدمة وجوب المضى في الصلاة وعدم الالتفات الى الشك فتبقى الاوامر المتضمنة للسجود بفعل موجبه سالمة من المعارض. انتهى. اقول: فيه ان هذا الكلام لا يلائم ما قدمه في صدر البحث من اختصاص الحكم بالشك، فان اللازم من ذلك ان كثرة السهو ليس من هذه المسألة في شئ حتى يستثنى منه هذين الفردين. أللهم إلا ان يقال ان غرضه بيان حكم هذين الفردين بناء على القول بالعموم. وفيه ان عبارته قاصرة عن افادة هذا المفهوم. وكيف كان فانه على تقدير القول بالعموم فهل يكون الحكم في هذين الفردين ما ذكره من عدم العمل بمجوب الكثرة فيهما وبقاء حكمهما على ما كان أو انه يجرى حكم الكثرة فيهما ؟ ظاهر كلامهم الاول كما تقدمت الاشارة إليه في كلام الفاضل الخراساني وبه صرح في الذكرى كما ذكره السيد السند هنا. وما استدل به السيد من التمسك بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو وغيره معارض بعموم ما دل على المضى في الصلاة مع الكثرة والغاء السهو الشامل لهذين الفردين وغيرهما، وكيف استجاز تخصيص عموم اخبار السهو في غير هذين الموضعين واخبار الشك بهذه الاخبار ويمنعه في هذين الموضعين مع عدم ظهور


[ 293 ]

الفرق في البين وهل هو إلا تحكم محض ؟ واما ما دل على وجوب الاحتياط في افراد الشكوك فشامل باطلاقه لكثر السهو وغيره. وبالجملة فانه قد تعارض هنا عمومان عموم اخبار المضى مع كثرة الشك والسهو الشامل للسهو في ركن وغيره ولما كان في محله أو غير محله مما يقضى أو لا يقضى، وعموم ما دل على البطلان بالسهو عن الركن حتى تجاوز محله أو دل على التدارك في المحل والقضاء بعده الشامل لكثير السهو وغيره، فدعوى تخصيص العموم الاول بالثاني دون العكس ترجيح من غير مرجح بل الامر بالعكس لما ثبت في جملة افراد الشك وأفراد السهو في غير الموضعين المذكورين من تخصيص ادلة تلك الاحكام فليكن مثله في هذين الفردين مؤيدا بما اشتملت عليه التعليلات في الاخبار من مراعاة حال المكلف وتخفيف الامر عليه وتخليصه من شباك الوسواس الخناس. وبذلك يتبين لك ايضا ما في كلام شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) حيث انه من جملة من مال الى تخصيص حكم الكثرة بالشك تبعا لصاحب المدارك ومن تقدمه حيث قال - بعد الكلام في المقام واختيار حمل الاخبار كملا على الشك - ما صورته: بل الاصوب ان يقال شمول لفظ السهو في تلك الاخبار للسهو المقابل للشك غير معلوم وان سلم كونه بحسب أصل اللغة حقيقة فيه، إذ كثرة اسعتماله في المعنى الاخر بلغت حدا لا يمكن فهم أحدهما منه إلا بالقرينة، وشمولها للشك معلوم بمعونة الاخبار الصريحة، فيشكل الاستدلال على المعنى الاخر بمجرد الاحتمال، مع ان حمله عليه يوجب تخصيصات كثيرة تخرجه عن الظهور لو كان ظاهرا فهى، إذ لو ترك بعض الركعات أو الافعال سهوا يجب عليه الاتيان به في محله اجماعا، ولو ترك ركنا سهوا وفات محله تبطل صلاته اجماعا ولو كان غير ركن يأتي به بعد الصلاة لو كان مما يتدارك، فلم يبقى للتعميم فائدة إلا في سقوط سجود السهو وتحمل تلك التخصيصات الكثيرة أبعد من حمل السهو على خصوص الشك لو كان بعيدا، مع انه مدلول الروايات المضى في الصلاة وهو لا ينافى وجوب سجود السهو


[ 294 ]

إذ هو خارج عن الصلاة، فظهر ان من عمم النصوص لا تحصل له في التعميم فائدة. انتهى أقول: لا يخفى ان ما ذكره واورده وارد على من قال بهذه الاجماعات ووافق عليها وجعلها حججا شرعية ومع ذلك كله يقول بالعموم، واما من لا يعتبر هذه الاجماعات ولا يجعلها دليلا شرعيا وإنما يعتمد على الروايات ويجعل البحث منوطا بها ومعلقا عليها من غير نظر الى خلاف أو وفاق فلا ريب ان الحق عنده في المسألة هو ما قدمناه كما قدمناه في سابق هذا المورد واوضحناه. واما دعواه - ان كثرة استعمال السهو بمعنى الشك أوجبت الاشتراك بين المعنى الحقيقي للسهو وبين هذا المعنى المجازى لشيوعه وكثرته حتى انه لا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة... الخ. - فان فيه مع غض النظر عن المناقشة انه وان كان الامر كما ذكره إلا ان التعليلات التى اشتملت عليها الاخبار ظاهرة في العموم، فان الغرض من المضى في السهو والشك وعدم الالتفات اليهما إنما هو رعاية حال المكلف وتخفيف الامر عليه بعدم استيلاء الشيطان وتطرقه إليه وهذا أمر مشترك بين الشك والسهو بل ربما كان أظهر في السهو كما يشعر به نقض الصلاة بمعنى ابطالها بالكلية الناشئ عن السهو في ركن حتى تجاوز محله ونحو ذلك. واما قوله - مع ان مدلول الروايات المضى في الصلاة... الى آخره - ففيه ان الظاهر من قولهم " يمضى في شكه وبمضى في صلاته " انما هو الكناية عن عدم الالتفات الى ما يوجبه الشك أو السهو من الاتيان بالمشكوك فيه أو الاحتياط أو الاتيان بما سها عنه في محله أو فوات محله أو ما اوجباه من سجود سهو ونحوه، وبالجملة فالمراد جعل ذلك في حكم العدم كأنه لم يمكن ثمة سهو ولا شك بالمرة، وهذا هو المعنى الملائم لتلك التعليلات المشار إليها آنفا من التخفيف على المصلى وان لا يطمع الشيطان في العود إليه وهو الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط مما لا ينبغى تركه بحال. والله العالم.


[ 295 ]

(الرابع) - اعلم ان ظاهر الاصحاب من غير خلاف يعرف ان حكم الشك مع الكثرة عدم الالتفات إليه بالكلية كما تقدمت الاشارة إليه، فلو اشتمل على ما يبطلها في غير تلك الحال من الاركان أو الافعال لم تبطل في صورة الكثرة بل يمضى في صلاته ويبنى على وقوع المشكوك فيه وان كان محله باقيا ركنا كان أو غيره ما لم يستلزم الزيادة فيبنى على الصحيح، وقد دلت موثقة عمار (1) على انه بالشك في الركوع والسجود وان كان في محله فانه يمضى ولا يركع ولا يسجد. وإذا ثبت ذلك في الاركان ثبت في غيرها من الافعال بطريق اولى، مضافا الى الامر بالمضي في الاخبار وهكذا يقال بالسنبة الى السهو على ما اخترناه من العموم. ومن جملة ذلك ايضا صلاة الاحتياط في صور الشك المتقدمة فانه لا يأتي بها، وتردد المحقق الاردبيلى (طاب ثراه) في سقوط صلاة الاحتياط. ولا يخفى ما فيه. وقد اشرنا في ما تقدم ايضا الى ان الحكم بما ذكرناه من عدم الالتفات الى الشك أو السهو حتمي لظواهر الاوامر والنواهي الواردة في الاخبار، ولم يظهر خلاف في ذلك إلا ما قدمناه عن المحقق الاردبيلى وقبله الشهيد في الذكرى. ومقتضى كلام الاصحاب ان من كثر شكه فانه يبنى على الاكثر وتسقط عنه صلاة الاحتياط لعلة الكثرة، واختار المحقق الاردبيلى (قدس سره) البناء على الاقل للاصل مع العمل بعدم اعتبار الشك مع الكثرة في الجملة. ولم أقف على قائل بذلك سواء. ولا يخفى على الناظر في الاخبار بعين التأمل والاعتبار انه ليس العلة في تغيير الحكم في كثير الشك عن ما كان عليه غيره إلا مراعاة جانبه والتخفيف عيه بدفع وساوس الشياطين عنه، والتخفيف إنما يحصل بما عليه الاصحاب من البناء على الاكثر وجعل المشكوك فيه كأنه فعله واتى به من غير ان يترتب على ذلك شئ زائد على اتمامه الصلاة على تلك الحال، إذ في البناء على الاقل يحصل زيادة تكليف موجب


(1) ص 288 وفى الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة


[ 296 ]

لاعادة الشيطان له ورغبته في تشكيكه. وبالجملة فان جميع ما ذكره هذا المحقق من الاقوال وخلاف الاصحاب كله خلاف ظواهر النصوص الدالة على تسهيل التكليف مضافا الى عموم النصوص الدالة على ان دينه صلى الله عليه وآله سمح سهل كما تمدح به صلى الله عليه وآله (1) من قوله " بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ". قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد الكلام في الشك بنحو ما ذكرناه: واما السهو فقد عرفت ان المشهور بين الاصحاب عدم ترتب حكم على الكثرة فيه، وذهب الشهيد الثاني الى ترتب الحكم عليه مع موافقته لسائر الاصحاب في وجوب العود الى الفعل الذى سها فيه إذا ذكره مع بقاء محله، وقضائه بعد الصلاة مع تذكره بعد فوات محله، وبطلان الصلاة بترك الركن أو الركعة نسيانا مع مضى وقت التدارك وكذا زيادة الركن والركعة على التفصيل المقرر في احكام السهو، فلم يبق النزاع إلا في سجود السهو ويشكل الاستدلال بالنصوص على سقوطه فالاحوط الاتيان به. واحتمل الشهيد في الذكرى اغتفار زيادة الركن سهوا، من كثير السهو دفعا للحرج ولاغتفار زيادته في بعض المواضع. اقول طريق الاحتياط واضح. انتهى. اقول: اما ما ذكره من نسبة الاختصاص بالشك الى المشهور فهو اعرف به فانه لم ينقل ذلك إلا عن ظاهر المحقق والعلامة. وأما تخصيص العموم بالشهيد الثاني ففيه ما تقدم من ان ذلك مذهب الشيخ وابن زهرة وابن ادريس، نقل ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة. واما ما اورده على الشهيد الثاني فهو في محله كما تقدمت الاشارة إليه ولكن ظواهر الاخبار - كما قدمنا بيانه - تدفع ذلك لظهور عمومها للسهو والشك في ركن كان أو غيره في محله أو في غير محله كما تقدم تحقيقه.


(1) الوسائل الباب 48 من مقدمات النكاح وآدابه وفى نهج الفصاحة ص 219 " بعثت بالحنيفية السمحة ".


[ 297 ]

واما ذكره من الاشكال في الاستدلال بالنصوص على سقوط سجدتي السهو فقد تقدم الجواب عنه ايضا، وان العبارة المذكورة في النصوص إنما خرجت مخرج الكناية عن عدم الالتفات بالكلية الى ما يترتب على ذلك السهو والشك. والله العالم.

(الخامس) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما تتحقق به الكثره الموجبة لسقوط الاحكام في هذا المقام، فظاهر المشهور بين المتأخرين ومتأخريهم هو ارجاع ذلك الى العرف، ذهب إليه الفاضلان والشيهدان ومن بعدهم، وقال الشيخ في المبسوط: واما ما لا حكم له ففى اثنى عشر موضعا: من كثر سهوه وتواتر وقيل ان حد ذلك ان يسهو ثلاث مرات متوالية. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وهذا يدل على عدم الرضا بهذا القول. وقال ابن ادريس السهو الذى لا حكم له هو الذى يكثر ويتواتر، وحده ان يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات فيسقط بعد ذلك حكمه أو يسهو في اكثر الخمس فرائض اعني ثلاث صلوات من الخمس كل منهن قام إليها فسها فيها فيسقط بعد ذلك حكم السهو ولا يلتفت الى سهوه في الفريضة الرابعة. وقال ابن حمزة لا حكم له إذا سها ثلاث مرات متواليات واطلق في فريضة أو فرائض. وانكر المحقق ما ذكره ابن ادريس تمام الانكار وقال بعد نقل ذلك عنه انه يجب ان يطالب هذا القائل بماخذ دعواه فانا لا نلعم لذلك اصلا في لغة ولا شرع والدعوى من غير دلالة تحكم. انتهى. اقول: يمكن أن يكون الوجه في ما ذكره ابن ادريس هو ان النصوص تضمنت سقوط حكم السهو مع الكثرة ولم تحد هذه الكثرة في الاخبار بحد معين والكثرة لغة وعرفا تحصل بثلاث مرات، إلا انه يبقى الكلام في محلها وهو أعم من الشئ الواحد أو الفريضة الواحدة أو الفرائض الخمس حسبما ذكره، فلو سها أو شك في شئ واحد ثلاث مرات مضى في الرابعة ولم يلتفت، أو كان كذلك في فريضة واحدة شخصية فانه يمضى في الرابع ولا يلتفت، أو كان كذلك في


[ 298 ]

ثلاث فرائض متوالية فيسقط حكمه في الفريضة الرابعة. وهذا القول ليس بذلك البعيد إلا ان المحقق لما كان مولعا بتتبع سقطات الشيخ المزبور والتشنيع عليه سارع قله الى ما ذكره. والذي ورد في هذا المقام من الاخبار ما رواه الصدوق عن محمد بن ابى عمير عن محمد بن ابى حمزة في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال: " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " ولا يخفى ما فيه من الاجمال الموجب لسعة دائرة الاحتمال. قال في الذخيرة بعد الحكم بترجيح القول المشهور وهو الرجوع الى العرف ثم نقل الخبر: انه يحتمل وجهين (احدهما) ان يكون المراد الشك في جميع الثلاث بان يكون المراد الشك في كل واحد واحد من اجزاء الثلاث أي ثلاث كان. و (ثانيهما) ان يكون المراد انه كلما صلى ثلاث صلوات يقع فيها الشك بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من الشك ثبت له حكم الكثرة، وحينئذ يقع الاحتياج الى العرف ايضا إذ ليس المراد كل ثلاث صلوات تجب على المكلف عى التعاقب الى انقضاء التكليف وإلا يلزم انتفاء حكم الكثرة وسقوطه بالكلية. وترجيح أحد الاحتمالين على الاخر على وجه واضح لا يخلو من إشكال وان لم يبعد ترجيح الاخير ومع هذا فالثلاث مجمل فيحتمل أن يكون المراد الصلوات أو الفرائض أو الركعات أو الافعال مطلقا ولا يبعد ترجيح الاولين، ومع هذا فغاية ما يستفاد من الرواية حصول الكثرة بذلك وهو غير مناف للعرف لا حصرها فيه فاذن لا معدل عن الاحالة الى العرف. انتهى. اقول: ما ذكره من المعنى الاول فهو الذى فهمه المحقق الاردبيلى (نور الله مرقده) من الخبر المذكور، حيث قال: ويمكن ان يكون معنى رواية محمد بن ابى عمير ان السهو في كل واحدة واحدة من اجزاء الثلاث بحيث يتحقق في جميعه موجب


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة


[ 299 ]

لصدق الكثرة وانه لا خصوصية له بثلاث دون ثلاث بل في كل ثلاث تحقق تتحقق كثرة السهو فتزول بواحدة واثنتين ايضا ويتحقق حكمها في المرتبة الثالثة فيكون تحديد التحقق وزوال حكم الشك معا، فتأمل انه قريب. انتهى كلامه (علا مقامه) والظاهر انه لا يخلو من البعد من لفظ الخبر. واما المعنى الثاني فالظاهر انه الاقرب الى لفظ الخبر وهو ان يسهو في كل ثلاث صلوات متواليات سهوا واحدا ولا تكو ثلاث صلوات متواليات خالية من السهو، كأن يسهو مثلا في الصبح ثم في المغرب ثم في الظهر وهكدا، فهو إنما يفيد تحديد انقطاع كثرة السهو بخلو ثلاث فرائض متواليات من السهو فيها لا تحديد حصول الكثرة، فان مقتضى لفظ " كل " هو الدوام، فان جعل ذلك باعتبار الاستمرار الى آخر عمره لزم ان لا يعلم كونه كثير السهو إلا بعد موته، وان جعل باعتبار اليوم والليلة أو الاسبوع أو الشهر فلا دلالة للخبر على شئ من ذلك، مع انه لا تتعدد الثلاث في اليوم والليلة وظاهر الخبر كون ذلك في زمان تتعدد فيه الثلاث، فلابد من الخروج عن ظاهر لفظ الخبر والرجوع الى العرف بمعنى انه تكررت تلك الحال منه بحيث يقال في العرف انه ليس له ثلاث صلوات خالية من الشك، فيصير الخبر من هذه الجهة خاليا من الفائدة إذ ظاهر سياقه انما هو لبيان حكم الانقطاع فقط ففى حصول الكثرة يرجع الى العرف وفى انقطاعها الى خلو ثلاث صلوات متوالية عن السهو. ثم اقول: لا يخفى انه لما كان من القواعد المقررة في كلامهم انه مع عدم وجود الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة فانه يجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية أو العرفية حيث كانت الحقيقة اللغوية أو العرفية، وحيث كانت الحقيقة اللغوية هنا غير معلومة حملو الفظ الكثرة على العرف والعادة. قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: والمرجع في الكثرة إلى العرف لعدم تقديرها شرعا، وقيل تتحقق بالسهو في ثلاث فرائض متوالية أو في فريضة واحدة


[ 300 ]

ثلاث مرات، والظاهر انه غير مناف للعرف. وفى حكمه السهو ثلاثا في فريضتين متواليتين، وربما خصها بعضهم بالسهو في ثلاث فرائض لقول الصادق عليه السلام في رواية ابن ابى عمير (1) " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن يكثر عليه السهو " وهى غير صريحة في ذلك فان ظاهرها ان المراد وجود الشك في كل ثلاث بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من شك. ولم يقل أحد بانحصار الاعتبار في ذلك. انتهى. وانت خبير بما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف من الاشكال كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم: اما (اولا) قلنا علم اختلاف الناس والاقاليم والبلدان في العرف والعادات فان لكل بلد عرفا وعادة خاصة. و (ثانيا) انه ان اريد العرف الخاص بمعنى عرف كل بلد بالنسبة الى من فيها فانه موجب لاختلاف الحكم الشرعي باختلاف الناس في عرفهم وهو غير معهود من الشارع ولا دليل عليه بل الدليل على خلافه واضح السبيل، وان اريد العام فهو في تعذر الوقوف عليه والاطلاق أظهر من أن يحتاج الى البيان. ومن ذا الذى يدعى الاحاطة بعرف عامة البلدان في حكم واحد فضلا عن احكام عديدة مما ناطوه بالعرف. و (ثالثا) ان المفهوم من الاخبار انه مع تعذر الوقوف على المعنى المراد من اللفظ وما عنى به وقصده الشارع فان الواجب الوقوف عن الفتوى والعمل بالاحتياط متى احتيج الى العمل بذلك لدخول هذا الفرد في الشبهات المأمور فيها بذلك (2) والاحتياط في المقام بالعمل باحكام الشك و السهو ثم الاعادة من رأس.


(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة. وابن ابى عمير روى هذه الرواية عن محمد بن ابى حمزة عن الصادق " ع " وقد تقدمت ص 298 (2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به


[ 301 ]

ثم انه على تقدير تخصيص الكثرة بالثلاث فهل الحكم بتعلق بالثالثة أو الرابعة ؟ قولان، قال في الروض: ومتى حكم بثبوتها بالثلاثة تعلق الحكم بالرابع ويستمر الى أن يخلو من السهو والشك فرائض يتحقق بها الوصف فيتعلق به حكم السهو الطارئ وهكذا. انتهى. وتمسك القائلون بذلك - على ما نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) - بان حصول الثلاث سبب لتحقق حكم الكثرة والسبب مقدم على المسبب. ويرد عليه ان تقدم السبب ذاتي ولا تنافيه المعية الزمانية. مع ان التقدم الزمانى لا يخل هنا بالمقصود وظاهر ما قدمنا نقله عن المحقق الاردبيلى تعلق الحكم بالثالث. واحتمل في الذكرى حصول الكثرة بالثانيه، قال: ويظهر من قوله عليه السلام في حسنة حفص بن البخترى (1) " ولا على الاعادة اعادة " ان السهو يكثر بالثانية. إلا أن يقال يختص بموضع وجوب الاعادة. انتهى. اقول: قد قدمنا ان الاظهر في معنى هذه العبارة هو انه لو صدر منه شك أو سهو موجب لاعادة الصلاة ثم حصل في الصلاة المعادة ما يوجب الاعادة ايضا فانه لا يعيد ويلتفت إليه بل يتم صلاته، ولا منافاة بينه وبين التحديد الواقع في صحيحة محمد بن ابى عمير (2) إذ لا يلزم ان يكون عدم الاعادة في الصلاة المعادة إنما هو لحصول الكثرة بل هما حكمان شرعيان بينهما عموم وخصوص من وجه، إذ السهو الموجب للكثرة لا ينحصر في ما كان سببا للاعادة، والسهو في المعادة لا يستلزم كثره السهو (3) وان اجتمع الحكمان في بعض الموارد ولا تنافى بينهما. وقد عرفت ان ظاهر كلام الذكرى ان الاعادة تستلزم الكثرة، ويظهر من المدارك موافقته على ذلك حيث قال بعد نقل عبارة الذكرى المتقدمة: وهو كذلك إلا انى لا أعلم بمضونها قائلا.


(1) ص 258 (2) راجع التعليقة 1 ص 300 (3) العبارة في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية هكذا " والاعادة لا تستلزم كثرة السهو "


[ 302 ]

قال شيخنا المجلسي بعد نقل ذلك عنه: أقول لما لم يعلم تحقق اجماع على خلافه والرواية المعتبرة دلت عليه فلا مانع من القول به ولذا مال إليه والدى العلامة (قدس الله روحه) والاحوط الاتمام والاعادة رعاية للمشهور بين الاصحاب. انتهى. أقول: ان كان مراده وكذا مراد السيد السند بتقوية ما ذكره في الذكرى ودلالة الرواية عليه بالنسبة الى عدم الاعادة في الصلاة المعادة لو حصل فيها موجب الاعادة فهو جيد إلا انه بعيد عن سياق كلام الذكرى، وان اراد بالنسبة الى حصول الكثرة وان عدم الاعادة في الصلاة المعادة إنما هو من حيث حصول الكثرة كما هو ظاهر كلام الذكرى وكلام السيد ايضا ففيه ان الرواية لا دلالة فيها على ذلك ومجرد نفى الاعادة لا دلالة فيه على ان ذلك لحصول الكثرة. وبالجملة فان الظاهر ان كلام شيخنا المشار إليه لا يخلو من غفلة. والله العالم.

(المسألة الرابعة عشرة) - قد تقدم في صور الشكوك الاربعة وجوب صلاة الاحتياط ولم تتعرض ثمة للبحث عنها ولا عن احكامها وتحقيق ذلك هنا يقع في مواضع:

(الاول) - الظاهر من كلام الاصحاب وجوب تكبيرة الاحرام في صلاة الاحتياط بل كاد ان يكون اتفاقا بينهم، إلا ان بعض متأخرى اصحابنا نقل عن القطب الرواندى في شرح النهاية الطوسية انه قال: من اصحابنا من قال انه لو شك بين الاثنتين والاربع أو غيرهما من تلك الاربعة فإذا سلم قام ليضيف ما شك فيه الى ما يتحقق قام بلا تكبيرة الاحرام ولا تجديد نية ويكتفى في ذلك بعلمه وارادته ويقول لا تصح نية مترددة بين الفريضة والنافلة على الاستئناف وان صلاة واحدة تكفيها نية واحدة وليس في كلامهم ما يدل على خلافه. وقيل ينبغى ان ينوى انه يؤدى ركعات الاحتياط قربة الى الله ويكبر ثم يصلى. انتهى. وهذا القول وان لم يشتهر نقله بين الاصحاب إلا ان اطلاق الاخبار المتقدمة في الامر بالاحتياط يعضده، فان اقصى ما تضمنته تلك الاخبار انه يقوم ويركع ركعة أو ركعتين من قيام أو جلسو، وليس فيها على تعددها وكثرتها تعرض


[ 303 ]

لذكر تكبيرة الاحرام كما لا يخفى على من راجعها مع اشتمالها على قراءة الفاتحة والتشهد والتسليم. والمقام فيها مقام البيان لانها مسوقة لتعليم المكلفين، فلو كان ذلك واجبا لذكر ولو في بعض كما ذكر غيره مما اشرنا إليه. والذى وقفت عليه من عبائر جملة من المتقدمين وجل المتأخرين خال من ذكر التكبير ايضا. نعم روى الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام (1) قال: " سألته عن الرجل يصلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات ؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد، وان كان لا يدرى أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد ". فان ظاهره ان هاتين الركعتين إنما هما للاحتياط وان كان الاحتياط هنا غير مشهور في كلام الاصحاب إلا ان ظاهر الصدوق في المقنع القول بذلك، وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة، وحينئذ فيمكن أن تخصص تلك الاخبار بهذا الخبر. وكيف كان فالاحتياط يقتضى الوقوف على القول المشهور.

(الثاني) - لو فعل المبطل قبل الاتيان بصلاة الاحتياط فهل تبطل الفريضة ويسقط الاحتياط أم تبقى على الصحة ويجب الاتيان بالاحتياط ؟ قولان يلتفتان الى ان صلاة الاحتياط هل هي جزء من الفريضة المتقدمة أم هي صلاة برأسها خارجة عن تلك الصلاة ؟ فالاول مبنى على الاول والثانى على الثاني. والقول بالبطلان منقول عن ظاهر الشيخ المفيد واختاره العلامة في المختلف والشهيد في الذكرى. والى الثاني ذهب جمع: منهم - ابن ادريس والعلامة في الارشاد والظاهر انه الاشهر في كلام المتأخرين. قال في الذكرى: ظاهر الفتاوى والاخبار وجوب تعقيب الاحتياط الصلاة من غير تخلل حدث أو كلام أو غيره حتى ورد وجوب سجدتي السهو للكلام قبله


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة


[ 304 ]

ناسيا كما مر، وقال ابن ادريس لا تفسد الصلاة بالحدث قبله لخروجه عن الصلاة بالتسليم وهذا فرض جديد. وهو ضعيف لان شرعيته ليكون استدراكا للفائت من الصلاة فهو على تقدير وجوبه جزء من الصلاة فيكون الحدث واقعا في الصلاة فيبطلها. انتهى. واستدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من الابطال بتخلل الحدث بوجوه (احدها) ان الاحتياط معرض لان يكون تماما للصلاة فكما تبطل الصلاة بالحدث المتخلل بين اجزائها المحققة فكذا ما هو بمنزلتها. و (ثانيها) قوله عليه السلام في آخر رواية ابن ابى يعفور المتقدمة في مسألة الشك بين الاثنتين والاربع (1) " فان كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الاربع وان كان صلى اربعا كانت هاتان نافلة وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". و (ثالثها) قوله عليه السلام في رواية ابى بصير المتقدمة (2) " إذ لم تدر اربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين " والفاء للتعقيب وايجاب التعقيب ينافى تسويغ الحدث. و (رابعها) قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة (3) " وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع... قام فاضاف إليها اخرى " فان جعل القيام جزء يقتضى تعقيب فعله بالشرط. هذا حاصل ما استدلوا به على هذه القول وما يمكن تكلفه له من الادلة. ورده جملة من متأخرى المتأخرين (اما الاول) فلان شرعية فعل الاحتياط استدراكا للفائت لا يقتضى جزئيته من الصلاة، مع انه منفصل عنها بما يوجب الانفصال والانفراد من النية والتكبير والتسليم. و (اما الثاني) فمع عدم صحة الرواية فهى غير صريحة في المدعى لاحتمال ان يكون المراد سجود السهو للكلام الصادر في اثناء الصلاة أو اثناء صلاة الاحتياط لا الكلام المتخلل بين الصلاتين، على ان ترتب السجود عليه غير صريح في تحريمه، مع انه لو سلم تحريمه لا يلزم منه بطلان الصلاة به. و (اما الثالث) فبعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب مع - انه


(1) ص 237 و 238 (2) ص 238. (3) ص 233


[ 305 ]

قد منعه بعض العلماء، وان مجرد الحدث مناف للتعقيب الذى دلت عليه الفاء - فانا نقول ليس المراد بها هنا التعقيب بدلالة ذكر " ثم " في مثل هذا الموضع في بعض الاخبار كصحيحة محمد بن مسلم وحسنة الحلبي ورواية ابن ابى يعفور وعدم ذكر شئ منهما في بعض الاخبار ايضا كحسنة زرارة (1) وبالجملة فانه لا يخفى على المتتبع ان الفاء في امثال هذا المقام منسلخة عن معنى التعقيب وانم اامراد منها مجرد ترتب ما بعدها على السابق، ومع تسليم ذلك لا يلزم منه بطلان الصلاة بترك المبادرة وإنما اللازم منه وجوب المبادرة وهو غير محل البحث. و (اما الرابع) فانه لا يعتبر في الجزاء ان يكون بعد الشرط بلا فصل، مع ان ذلك لا يقتضى إلا مجرد الوجوب وهو غير محل البحث ايضا. أقول: والتحقيق ان هذه التعليلات المذكورة كما عرفت عليلة وقصارى ما تدل عليه اخبار الاحتياط هو وجوب المبادرة به بعد اتمام الصلاة وهو غير موجب لبطلان ما تقدم بالحدث المتجدد بينهما، مع ما ورد من ان تحليل الصلاة التسليم (2) وهو عام وتخصيصه بغير موضع النزاع يحتاج لى دليل وليس فليس، وبذلك يظهر قوة ما ذهب إليه ابن ادريس. ويؤيده ايضا ما ورد من الاخبار الدالة على صحة الصلاة مع تخلل الحدث قبل التسليم (3) بناء على استحباب التسليم كما هو أحد الاقوال أو كونه واجبا خارجا كما هو المختار، فانها شاملة باطلاقها لهذا الموضع وتخصيصها يحتاج الى مخصص وليس فليس. وكيف كان فانه وان كان الارجح لما ذكرناه هو القول بالصحة إلا ان المسألة لما كانت خالية من النصوص بالخصوص فالاحوط الاتيان بالاحتياط ثم اعادة الصلاة من رأس. ثم اعلم ان العلامة في المختلف أورد على ابن ادريس التناقض بين فتواه بعدم


(1) ص 237 و 233 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم (3) الوسائل الباب 13 من التشهد و 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة


[ 306 ]

البطلان بالحدث المتخلل وقوله بجواز التسبيح، لان الاول يقتضى كونها صلاة منفردة والثانى يقتضى كونها جزء. قال في الذكرى: ويمكن دفعه بان التسليم جعل لها حكما مغايرا للجزء باعتبار الانفصال عن الصلاة ولا ينافى ذلك تبعية الجزء في باقى الاحكام. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو جيد لو ثبت التبعية بدليل من خارج لكنه غير ثابت بل الدليل قائم على خلافه. انتهى. وهو جيد. اقول: لا يخفى ان ظاهر الاخبار الدالة على انه مع ظهور تمام الصلاة فالاحتياط نافلة ومع ظهور النقصان فهو متمم هو أن هذه الصلاة ذات جهتين فهى من جهة صلاة مستقلة برأسها ومن جهة اخرى تكون سادة للنقص الواقع في الصلاة وبالنظر الى هذا الوجه الاخير جوز ابن ادريس إلا ان الاخبار كما ستعرف ان شاء الله تعالى تدفعه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الاصحاب ترتب الوجهين المتقدمين في صلاة الاحتياط على الاجزاء المنسية فلو فاتته السجدة أو التشهد أو ابعاضه على القول بوجوب القضاء ففعل المنافى قبل الاتيان بها ففيه الوجهان المتقدمان في الاحتياط. قال في الذكرى: واولى بالبطلان عند بعضهم للحكم بالجزئية هنا يقينا، ولا خلاف في انه يشترط فيها ما يشترط في الصلاة حتى الاداء في الوقت، فان فات الوقت ولما يفعلها تعمدا بطلت صلاته عند بعض الاصحاب لانه لم يأت بالماهية على وجهها، وان كان سهوا لم تبطل عنده ونوى بها القضاء وكانت مترتبة على الفوائت قبلها ابعاضا كانت أو صلوات مستقلة. انتهى. اقول: اما ما نقله من الاولوية استنادا الى الحكم بالجزئية يقينا فلا يخلو من شئ، إذ لو تم ذلك لوجب الحكم ببطلان الصلاة وبتخلل الاركان بين محلها اولا ومحل تلافيها اخيرا على انه ليس كذلك، وبالجملة فانه لا ريب في خروجها عن محض الجزئية، ووجوب الاتيان بها بعد الصلاة حكم آخر. واما ما ذكره


[ 307 ]

من كونها مترتبة على الفوائت قبلها فلم نقف له على دليل بل اطلاق الادلة يقتضى انتفاءه. وبالجملة فحيث كانت المسألة كسابقتها خالية من النصوص فالاحتياط فيها مطلوب وان كان الظاهر هو القول بالصحة كما عرفت في تلك المسألة. والله العالم.

(الثالث) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) تعين الفاتحة في صلاة الاحتياط، وذهب ابن ادريس الى التخيير بينها وبين التسبيح. والقول الاول هو المعتضد بالنصوص المتقدمة الصريحة في وجوب قراءة الفاتحة فهيا، ولا ينافى ذلك اطلاق بعض الاخبار بذكر ركعة أو ركعتين من غير تعرض لذكر الفاتحة، فانه محمول على تلك الاخبار حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المشهورة المنصوصة ايضا. واما ما ذكره في الذخيرة هنا - من احتمال حمل الاخبار الدالة على التعيين على الاستحباب حتى ادعى انه لا ترجيح لاحد التأويلين على الاخر - ففيه (اولا) ما عرفت من ان هذه القاعدة في الجمع بين الاخبار وان اشتهر العمل بها بين الاصحاب بل لا عمل لهم على غيرها في جميع الابواب إلا انه لا دليل عليها من سنة ولا كتاب بل ظاهر الادلة المذكورة ردها، فان الحمل على الاستحباب مجاز لا يجوز القول به إلا مع القرينة الصارفة عن الحمل على الحقيقة وليس فليس. و (ثانيا) ان اللازم بمقتضى ما ذكره انه يتخير بين القراءة وعدمها وان كانت القراءة افضل ولا قائل به ولا دلالة في ذلك على قول ابن ادريس. وبالجملة فان ما ذكره لا اعرف له وجها وجيها وانما التجأ الى موافقة القول المشهور لقوله صلى الله عليه وآله (1) " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " قال وان لم يصل الى حد الحقيقة فالحمل عليه أقرب. ولا يخفى عليك ما فيه من الوهن لما عرفت في غير مقام مما تقدم من ان اطلاق الاحكام في الاخبار إنما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة فانها هي التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة، على انك قد عرفت


(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 9 " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "


[ 308 ]

ان صلاة الاحتياط غير متمحضة للاستقلال والمتبادر من الخبر انما هو الصلاة المستقلة. وبالجملة فالاولى في الاستدلال على ذلك انما هو ما ذكرناه. ونقل عن ابن ادريس انه احتج بان الاحتياط قائم مقام الركعتين الاخيرتين فيثبت فيه ما يثبت في مبدله. وضعفه أظهر من ان يتصدى الى بيانه. والله العالم.

(الرابع) - الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في صحة الصلاة لو ذكر تمامها بعد الاتيان بصلاة الاحتياط لدلالة الاخبار على ذلك وان الاحتياط هنا يكون نافلة. اما لو ذكر في حال الاحتياط والحال هذه فهل يقطع الاحتياط لظهور الاستغناء عنه ام يتمه ؟ الاظهر التخيير في ذلك وان كان الافضل الاتمام حيث انه بظهور الاستغناء عنه يكون نافلة ومن شأن النافلة ذلك. اما لو ذكر نقصان صلاته فلا يخلو اما ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة والاحتياط معا لو بعد الفراغ من الصلاة وقبل الاحتياط أو في اثناء الاحتياط فههنا صور ثلاث:

(الاولى) - ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة والاحتياط معا والمشهور عدم الالتفات مطلقا، وعليه تدل ظواهر الاخبار المصرحة بانه متى اتى بالاحتياط فان كانت صلاته تامة كان احتياطه نافلة وان كانت ناقصة كان متمما. وذهب بعض الاصحاب الى البطلان في صورة المخالفة يعنى مخالفة الاحتياط للناقص الذى ظهر نقصه كما إذا كان الشك بين الثنتين والثلاث والاربع وقد احتاط بركعتين من قيام ثم ركعتين من جلوس ثم ظهر له بعد ذلك كون ما صلى ثلاث ركعات. ولعل وجه البطلان عنده من حيث لزوم اختلال نظم الصلاه حيث انه متى ذكر ان الناقص ركعة والمبدو به من الاحتياط انما هو الركعتان من قيام وهو مخالف للناقص والمطابق له انما هو الركعتان من جلوس وهى المتأخرة فيلزم اختلال نظم الصلاة. وفيه ان ذلك إنما يشكل إذا قلنا بان صلاة الاحتياط جزء لا صلاة مستقلة وقد عرفت في ما تقدم ان الاظهر هو الاستقلال فلا اشكال.


[ 309 ]

(الثانية) - ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة وقبل الاحتياط، وحينئذ فلا يخلو اما ان يكون قد فعل منافيا يبطل الصلاة أم لا، وعلى الثاني لا اشكال في وجوب الاتمام ثم السجود للسهو لما زاده من التشهد والتسليم، وعلى الاول يبنى على مسألة من فعل المنافى بعد تسليمه على ركعتين من كون ذلك المنافى مبطلا عمدا لا سهوا أو عمدا وسهوا أو غير مبطل. وقد تقدم تحقيق ذلك في المسألة المذكورة.

(الثالثة) - ان يذكر النقص في اثناء الاحتياط، وحينئذ اما ان يكون ذلك الاحتياط مطابقا للناقص كما إذا شك بين الثنتين والثلاث فاتم وشرع في ركعة الاحتياط من قيام ثم ذكر في اثنائها النقصان، أو غير مطابق كما إذا شك بين الثنتين والثلاث والاربع ثم شرع في الركعتين من قيام وذكر في اثنائها نقصان ركعة. فعلى الاول هل تبطل الصلاة ويستأنف نظرا الى ان القدر المعلوم ثبوته من تلك الادلة ورودها بالنسبة الى الشك المستمر الى الفراغ من الاحتياط، فان هذا الترديد المتقدم في الاخبار انما هو بالنظر الى صلاته واقعا بمعنى انه ان كانت في الواقع صلاته تامة فاحتياطه نافلة وان كانت ناقصة فاحتياطه متمم لا بالنظر الى ظهور ذلك للمكلف وان امكن الجرى على ذلك في بعض المواضع ولهذا لم تجد لهذه الصور التى فرعها الاصحاب في هذا المقام في الاخبار اثرا، أو يجب الاتمام نظرا الى عموم الادلة ؟ قولان. وعلى الثاني فهل يتم الاحتياط ولا شئ عليه أو يقتصر على القدر المطابق ان لم يتجاوزه أو يبطل الاحتياط ويرجع الى حكم تذكر النقصان أو تبطل الصلاة ؟ احتمالات والاحتياط في مثل هذه المواضع المشتبهة الخالية من النصوص واجب. والله العالم.

فروع:

(الاول) - قال في الذكرى: لو صلى قبل الاحتياط غيره بطل فرضا كان أو نفلا ترتب على الصلاة السابقة اولا، لان الفورية تقتضي النهى عن ضده


[ 310 ]

وهو عبادة. هذا إذا كان متعمدا ولو فعل ذلك سهوا وكانت نافلة بطلت، وكذا إذا كانت فريضة لا يمكن العدول فيها اما لاختلاف نوعها كالكسوف واما لتجاوز محل العدول، ويحتمل الصحة بناء على ان الاتيان بالمنافى قبله لا يبطل الصلاة وان امكن العدول يحتمل قويا صحته كما يعدل الى جميع الصلاة.

(الثاني) - يترتب الاحتياط ترتب المجبورات، وهو بناء على انه لا يبطله فعل المنافى، وكذا الاجزاء المنسية تترتب، ولو فانته سجدة من الاولى وركعة احتياط قدم السجدة، ولو كانت من الركعة الاخيرة احتمل تقديم الاحتياط لتقدمه عليها وتقديم السجدة لكثرة الفصل بالاحتياط بنيها وبين الصلاة.

(الثالث) لو اعاد الصلاة من وجب عليه الاحتياط لم يجزئ لعدم اتيانه بالمأمور به، وربما احتمل الاجزاء لاتيانه على الواجب وزيادة. كذا صرح بذلك في الذكرى. وفى كثير منها اشكال والاحتياط في امثال هذه المواضع مطلوب على كل حال كما عرفت في غير موضع مما تقدم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>