تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء التاسع


خاتمة

في احكام سجدتي السهو

اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في موجب سجدتي السهو على اقوال متعددة واراء متفرقة، فقال ابن ابى عقيل: الذى تجب فيه سجدتا السهو عند آل الرسول صلى الله عله وآله شيئان: الكلام ساهيا خاطب المصلى نفسه أو غيره، والاخر دخول الشك عليه في اربع ركعات أو خمس فما عداها. والشيخ المفيد في المقنعة قد عد ثلاثة مواضع تجب فيها سجدتا السهو أحدها - السهو عن سجدة حتى يفوت محلها، ونسى التشهد ولم يذكر حتى يركع في الثالثة، ومن تكلم ناسيا. ولم يذكر شيئا آخر ولم ينص على عدد. وقال في الرسالة الغرية: لو نسى التشهد الاول وذكره بعد الركوع مضى في صلاته فإذا سلم من الرابعة سجد سجدتي السهو، وكذلك ان تكلم ناسيا في صلاته فليسجد بعد التسليم سجدتي السهو، وان لم يدر أزاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد


[ 311 ]

ركوعا أو نقص ركوعا ولم يتيقن ذلك وكان الشك له فيه حاصلا بعد تقضى وقته وهو في الصلاة سجد سجدتي السهو، قال وليس لسجدتي السهو موضع في الشك في الصلاة إلا في هذه الثلاثة المواضع والباقى بين مطرح أو متدارك بالجبران أو فيه اعادة. وقال ثقة الاسلام في الكافي بعد تقسيمنه مواضع السهو الواردة في الاخبار الى ما يجب على الساهي فيه اعادة الصلاة وهى سبعة مواضع ثم عدها، وما لا يجب فيها اعادة الصلاة وتجب فيها سجدتا السهو: الذى يسهو فيسلم في الركعتين ثم يتكلم من غير ان يحول وجهه ويتصرف عن القبلة، قال فعليه أن يتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو، والذى ينسى تشهده ولا يجلس في الركعتين وفاته ذلك حتى يركع في الثالثة فعليه سجدتا السهو وقضاء تشهده إذا فرغ من صلاته، والذى لا يدرى اربعا صلى أو خمسا عليه سجدتا السهو، والذى يسهو في بعض صلاته فيتكلم بكلام لا ينبغى له مثل أمر ونهى من غير تعمد فعليه سجدتا السهو، فهذه اربعة مواضع تجب فيها سجدتا السهو... الى آخر كلامه. وقال الشيخ في المبسوط: واما ما يوجب الجبران بسجدتي السهو فخمسة مواضع: من تكلم في الصلاة ساهيا، ومن سلم في الاولتين ناسيا، ومن نسى التشهد الاول حتى يركع في الثالثة، ومن ترك واحدة من السجدتين حتى يركع في ما بعد، ومن شك بين الاربع والخمس، قال وفى اصحابنا من قال ان من قام في حال قعود أو قعد في حال قيام فتلافاه كان عليه سجدتا السهو. وقال في الجمل ما يوجب الجبران بسجدتي السهو أرقعة مواضع، وعد ما تقدم واسقط التشهد.

وقال في الخلاف: وسجدتا السهو لا تحبان في الصلاة إلا في أربعة مواضع.

(احدها) إذا تكلم في الصلاة ناسيا.

و (الثاني) إذا سلم في الصلاة في غير موضع السلام ناسيا.

و (الثالث) إذا نسى سجدة واحدة ولا يذكر حتى يركع في الركعة التى بعدها.

و (الرابع) إذا نسى التشهد الاول ولا يذكر حتى يركع في الثالثة، فان هذه المواضع يجب عليه المضى في الصلاة ثم سجدتا السهو بعد التسليم، قال واما


[ 312 ]

ما عدا ذلك فهو كل سهو يلحق الانسان ولا يجب عليه سجدتا السهو فعلا كان أو قولا زيادة كان أو نقصانا متحققة كانت أو متوهمة وعلى كل حال، قال وفى اصحابنا (رضوان الله عليهم) من قال عليه سجدتا السهو في كل زيادة ونقصان. وفى الاقتصاد مثل الجمل. وقال السيد المرتضى في الجمل: تجب سجدتا السهو في خمسة مواضع: في نسيان السجدة والتشهد ولم يذكر حتى يركع. وفى الكلام ساهيا، وفى القعود حالة القيام وبالعكس، وفى الشك بين الاربع والخمس. وقال أبو جعفر بن بابوية، ولا تجب سجدتا السهو إلا على من قعد في حال قيام أو قام في حال قعود أو ترك التشهد أو لم يدر أزاد أو نقص. ثم قال في موضع آخر: وان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت " اقيموا صفوفكم " فاتم صلاتك واسجد سجدتي السهو. وقال في المقنع: واعلم ان السهو الذى تجب فيه سجدتا السهو هو انك إذا أردت ان تقعد قمت وإذا أردت أن تقوم قعدت، قال وروى أنه لا يجب عليك سجدتا السهو إلا ان سهوت في الركعتين الاخيرتين لانك إذا شككت في الاولتين اعدت الصلاة، قال وروى ان سجدتي السهو تجب على من ترك التشهد. واوجب ابوه سجدتي السهو في نسيان التشهد وفى الشك بين الثلاث والاربع إذا ذهب وهمه الى الرابعة. واوجب سلار سجدتي السهو في نسيان التشهد والسجدة والكلام ناسيا والقعود في حالة القيام وبالعكس. وأوجبهما أبو الصلاح على من شك في كمال الفرض وزيادة ركعة عليه وفيلزمه أن يتشهد ويسلم ويسجد بعد التسليم سجدتي السهو وعلى من جلس ساهيا في موضع قيام وبالعكس وعلى من تكلم ساهيا وعلى الساهي عن سجدة وعلى من يسهو عن ركعة أو اثنتين ويسلم ثم يذكر ذلك قبل ان ينصرف فيلزمه التلافى وسجدتا السهو والتسليم. وابن البراج أوجبهما في ما اوجبهما السيد


[ 313 ]

المرتضى وزاد التسلم في غير موضعه، وكذا ابن حمزة إلا انه اسقط التسليم في غير موضعه وجعل عوضه السهو عن سجدتين من الاخيرتين. وقال ابن ادريس: اختلفت اصحابنا في ما يوجب سجدتي السهو فذهب بعضهم الى انها أربعة مواضع وقال آخرون في خمسة مواضع وقال الباقون الاكثرون المحققون في ستة مواضع، قال وهو الذى اخترناه لما فيه من الاحتياط لان العبادات يجب أن يحتاط لها ولا يحتاط عليها. والمواضع التى عدها نسيان السجدة والتشهد والكلام ناسيا والتسليم في غير موضعه والقعود حالة القيام وبالعكس والشك بين الاربع والخمس. وقال المحقق في المعتبر بوجوبهما في نسيان السجدة والتشهد والسلام والكلام والشك بين الاربع والخمس، وحكى القيام والقعود ورده برواية سماعة الاتية ان شاء الله تعالى، وحكى الزيادة والنقصان والخلاف فيه والمستمسك من الجانين ولم يرجح شيئا في البين. وقال ابن عمه نجيب الدين في الجامع بمقالته وحكى القيام والقعود. وقال العلامة في المنتهى بوجوبهما في الكلام سهوا والتسليم في غير موضعه كالاولتين من الرباعيات والثلاثية والاولية من الثنائية، والشك بين الاربع والخمس والقعود في حال قيام وبالعكس (1) والسهو عن السجدة الواحدة. وفى المختلف انهاه الى ستة مواضع: الكلام ناسيا والتسليم في غير موضعه وترك التشهد ناسيا وترك السجدة كذلك ومن شك بين الاربع والخمس و من شك فلا يدرى زاد أو نقص. هذا ما وقفت عليه من كلام الاصحاب واختلافهم في هذا الباب والواجب ان نبين من ذلك مما ذكره الاصحاب كلا أو بعضا ما اقترن بالاخبار عنهم (عليهم السلام) ودلت عليه الادلة في المقام وذلك في مواضع:

(الاول) الكلام ناسيا، والمشهور بين الاصحاب وجوبهما بل نقل العلامة


(1) سيأتي في الموضع السابع حكاية عدم الوجوب فيهما عن المنتهى


[ 314 ]

في المنتهى اجماع الاصحاب عليه إلا انه نقل في الذخيرة عن المختلف والذكرى انهما نقلا خلاف ابني بابويه في ذلك. وانت خبير بانه قد تقدم النقل عن ابن بابويه بان قال: " وان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت " اقيموا صفوفكم " فاتم صلاتك واسجد سجدتي السهو " إلا ان يحمل كلامه على وجوب سجدتي السهو في خصوص هذا الكلام كما هو ظاهر عبارته لا مطلق الكلام كما فهمه الاصحاب من الخبر الوارد بهذه العبارة، نعم عبارة ابيه ظاهرة في عدم عد الكلام في ما يوجب سجود السهو حيث اقتصر على ذينك الموضعين. إلا انه يمكن القول بان كلامه غير دال على الحصر في الموضعين المذكورين وغايته أن يكون مطلقا بالنسبة الى غير ذينك الموضعين لما ستعرف ان شاء الله تعالى من دلالة الاخبار على جملة من المواضع الزائدة عليهما فيبعد منه الاقتصار على ذينك الموضعين والحصر فيهما. ويدل على المشهور ما رواه الشيخ في الصحيح عن بعد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول " اقيموا صفوفكم " ؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد " والظاهر فيه كما فهمه الاصحاب ان ذكر قوله " اقيموا صفوفكم " إنما خرج مخرج التمثيل فيكون الخبر دالا على السجود لمطلق الكلام لا التخصيص كما هو ظاهر عبارة الصدوق المقتدمة. ورواية عبد الله بن ابى يعفور المقتدمة في المسألة الثامنة (2) وقوله فيها: " وان تكلم فليسجد سجدتي السهو ". والظاهر انه لا فرق في وجوب السجود بين التكلم في الصلاة ناسيا أو ظانا الخروج من الصلاة. ويدل على ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن سعيد الاعرج (3)


(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة والشيخ يرويه عن الكليني (2) ص 237 و 238 (3) الفروع ج 1 ص 99 والتهذيب ج 1 ص 234 وفى الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة


[ 315 ]

قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سلم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله صلى الله عليه وآله أحدث في الصلاة شئ ؟ فقال وما ذلك ؟ قالوا إنما صليت ركعتين، فقال أكذلك يا ذا اليدين ؟ - وكان يدعى ذا الشمالين - فقال نعم. فبنى على صلاته فاتم الصلاة اربعا. وقال ان الله عزوجل هو الذى انساه رحمة للامة، ألا ترى لو ان رجلا صنع هذا لعير وقيل ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك قال قد سن رسول الله صلى الله عليه وآله وصارت اسوة. وسجد سجدتين لمكان الكلام ". إلا انه قد ورد في مقابلة هذا الخبر في خصوص السجدتين المذكورتين ما رواه الشيخ في الموثق بعبد الله بن بكير عن زرارة (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام هل سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدتي السهو قط ؟ فقال لا ولا يسجدهما فقيه ". قال في التهذيب: الذى افتى به ما تضمنه هذا الخبر واما الاخبار التى قدمناها من ان النبي صلى الله عليه وآله سها فسجد فانها موافقة للعامة وانما ذكرناها لان ما تتضمنه من الاحكام معمول بها على ما بيناه. ثم ان مما يدل على عدم السجدتين في هذا الموضع عدة اخبار ايضا: منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) " في الرجل يسهو في الركعتين ويتلكم ؟ قال يتم ما بقى من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه ". وعن زيد الشحام (3) قال: سألته عن الرجل... ثم ساق الخبر كما في صحيح زرارة المذكور (4) الى ان قال: وان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف وتكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فانما عليه ان يتم الصلاة ما بقى منها فان نبى الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس ركعتين ثم نسى حتى انصرف فقال له ذول الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدث


(1) و (2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة. (3) الوسائل الباب 3 و 14 من الخلل في الصلاة (4) ص 233 وخبر الشحام تقدم صدره في ص 247 و 303


[ 316 ]

في الصلاة شئ ؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين. فقام فاتم ما بقى من صلاته. وعن الفضيل بن يسار في الصحيح (1) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام اكون في الصلاة فاجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا ؟ فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا وان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا... الحديث ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (2) " في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى انه قد اتم الصلاة وتكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين ؟ فقال يتم ما بقى من صلاته ولا شئ عليه ". وانت خبير بان هذه الاخبار غير صريحة بل ولا ظاهرة في المنافاة لاحتمال قوله " ولا شئ عليه " يعنى من اعادة الصلاة وصحيحة الفضيل ظاهرة في هذا المعنى، أو لا شئ عليه من الاثم. والاول أقرب. واما حمل الروايات المتقدمة على الاستحباب كما اختاره بعض الاصحاب فظني بعده لما عرفت ما في هذا الحمل في غير باب، ويعضد الاخبار المتقدمة شهرة العمل بها بين الاصحاب وانها الاوفق بالاحتياط وعدم ظهور الاخبار الاخيرة في المنافاة. واما ما ايد به بعضهم القول بالعدم - من حديث على بن النعمان الرازي (3) المشتمل على انه سلم في المغرب في الركعتين الاولتين سهوا وتكلم فاعاد اصحابه الصلاة وهو لم يعد بل اتم بركعة، حيث ان ظاهره انه لم يسجد سجدتي السهو وإلا لذكر والصادق عليه السلام صوب فعله - ففيه ما قدمنا بيانه في المقام الثاني في ما يبطل الصلاة من المطلب الاول في قواطع الصلاة (4) وبالجملة فالاظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة (2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة. (3) و (4) ص 24


[ 317 ]

(الثاني) - من سلم في غير موضعه ناسيا، والمشهور وجوب السجود فيه بل نقل العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك ونسبه المحقق الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. وانت خبير بانه يظهر من عباثر جملة ممن قدمنا كلامهم سقوط السجود في هذا الموضع كابن ابى عقيل والشيخ المفيد والمرتضى وابن زهرة وسلار وابن حمزة. احتج العلامة في المختلف على ذلك بانه لما كان في غير موضعه كان كلاما غير مشروع صدر نسيانا من المصلى فيدخل في مطلق الكلام. واحتج على ذلك في بعض كتبه بصحيحة سعيد الاعرج المتقدمة بالتقريب الذى ذكره في المختلف. وفيه ان الظاهر من الصحيحة المذكورة ان المراد بالكلام فيها انما هو ما تكلم صلى الله عليه وآله به بعد التسليم وخاطب به القوم لا نفس التسليم. واحتج المحقق بما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث ؟ قال يبنى على صلاته متى ما ذكر ويصلى ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): " وكنت يوما عند العالم ورجل سأله عن رجل سها فسلم في ركعتين من المكتوبة ثم ذكر انه لم يتم صلاته ؟ قال فليتمها ويسجد سجدتي السهو " فان الظاهر ان المراد بالسهو في الركعتين يعنى التسليم على الركعتين لقوله " ثم ذكر انه لم يتم صلاته " وحينئذ فيكون ذلك دالا على وجوب سجدتي السهو للتسليم في غير موضعه. إلا انه يمكن تطرق القدح الى دلالة رواية عمار بانه يجوز ان يكون السجود لغير التسليم وذلك فانه قد جلس في الثالثة وتشهد وسلم وكل من الجلوس والتشهد صالح لان يكون سببا للسجود فيجوز ان يكون السجود لاجل الجلوس في موضع


(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (2) ص 10


[ 318 ]

القيام أو لزيادة التشهد فلا يكون الخبر ظاهرا في المدعى. وبنحو ذلك يمكن القول في عبارة كتاب الفقه (1). ويدل على عدم الوجوب في هذه الصورة صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في سابق هذا الموضع ورواية على بن النعمان الرازي المشار إليها ثمة ورواية زيد الشحام (2) وفيه ما عرفت مما قدمنا ذكره. نعم يمكن ان يستدل على ذلك بصحيحة الحارث بن المغيرة ورواية ابى بكر الحضرمي وحسنة الحسين بن ابى العلاء المتقدم جميع ذلك في صدر المسألة الرابعة من المطلب الثاني (3). إلا انه يمكن الجواب عن ذلك بان مساق الاخبار المذكورة انما هو في بيان صحة الصلاة وعدم بطلانها ومقام البيان فيها إنما تعلق بذلك، فغايتها ان تكون مطلقة بالنسبة الى وجوب سجدتي السهو. إلا ان صحة هذا الكلام يتوقف على وجوب المخصص وقد عرفت ان رواية عمار قاصرة عن ذلك. وإلاحتياط لا يخفى. قال في المدارك - بعد نقل الاتفاق في الصورة المذكورة على وجوب السجود عن العلامة في المنتهى - ما لفظه: واستدل عليه بصحيحة سعيد الاعرج الواردة في حكاية تسليم النبي صلى الله عليه وآله على ركعتين في الرباعية وتكلمه مع ذى الشمالين في ذلك حيث قال في آخرها: " وسجد سجدتين لمكان الكلام " وفى الدلالة نظر إذ من المحتمل ان يكون الموجب للسجود التكلم الواقع بعد التسليم كما هو مذهب الكليني رضى الله عنه ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال لانا نجيب عنه بالحمل على نفى الاثم أو الاعادة كما تقدم ولو لا الاتفاق على هذا الحكم لامكن الجمع بين الروايتين بحمل الاولى على الاستحباب. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) ان جعله ما ذكره احتمالا في الرواية مشعر بكون الظاهر من


(1) سيأتي في موضعين من ص 319 تأييد ظهورهما (2) ص 316 و 125 و 315 (3) ص 125 و 126


[ 319 ]

الرواية هو ما ذكره العلامة من حمل الكلام على التسليم لان هذه العبارة إنما ترمى في هذا المقام، مع انه ليس الامر كذلك عند النظر في الخبر بعين التحقيق بل هذا الاحتمال الذى ذكره هو ظاهر الخبر بل ربما يدعى تعينه، فان المتبادر من الكلام إنما هو الكلام الأجنبي من الصلاة لا اجزاء الصلاة المعدودة منها وأما اجزاء الصلاة فانه لو اريد التعبير عنها فانما يعبر عنها بصورتها من سجود أو تسليم أو تشهد أو نحو ذلك مع التقييد بالسهو أو العمد، والمراد به في الخبر انما هو كلامه صلى الله عليه وآله مع ذى الشمالين أو مع الصحابة ومخاطبته لهم، فركونه (قدس سره) الى ما ذكروه من المعنى السحيق البعيد عن جادة التحقيق حتى انه يجعل ما قابله احتمالا مخالفا للظاهر ليس مما ينبغى، بل الرواية المذكورة ظاهرة الدلالة في ان المراد انما هو كلامه صلى الله عليه وآله مع المأمومين. والظاهر ان الحامل لهم على الاستدلال بهذه الرواية انما هو ضيق الخناق بعد دعوى الاتفاق في عدم الدليل من الاخبار مع ما عرفت من ظهور الدلالة في موثقة عمار إلا انها لم تجر يومئذ على خواطرهم فالتجأوا الى هذه الرواية بالتقريب المتقدم في كلام المختلف. و (ثانيا) - ان هذه الرواية قد تضمنت وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله من اتفاقهم على عدم جوازه عليه صلى الله عليه وآله وردهم لاخباره أو حملهم لها على التقية وطعنهم على الصدوق وشيخه ابن الوليد حيث جوزا ذلك، فكيف قبلوها هنا واعتمدوا في الاستدلال عليها وحكموا انه صلى الله عليه وآله سها وسجد للسهو ؟ ما هذا إلا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر. و (ثالثا) - دلالة موثقة عمار المتقدمة على الحكم المذكور وظهورها فيه تمام الظهور ولقد كانت هي الاولى بالايراد والاستدلال بها على المراد مع اعتضادها بكلامه عليه السلام في كتاب الفقه وقد قدمنا بيانه. و (رابعا) - قوله " ولولا الاتفاق على هذا الحكم " نظرا الى دعوى العلامة ذلك مع انه في غير موضع من شرحه طعن في امثال هذه الدعاوى وناقش في هذه


[ 320 ]

الاجماعات ولاسيما مع ظهور المخالف هنا كما اعترف به من ان مذهب ثقة الاسلام في المقام هو نفى السجود في هذه الصورة وهو من قدماء المحدثين ورؤساء اساطين الدين وهو أعرف من العلامة (رضوان الله عليهما) بمواقع الاحكام في تلك الايام لانه في عصرهم (عليهم السلام) فانه قال في الكتاب المذكور - في ضمن عده ما يجب فيه سجدتا السهو وما لا يجب - ما صورته: ومنها مواضع لا يجب لها سجدتا السهو... الى ان قال والذى يسلم في الركعتين الاولتين ثم يذكر فيتم قبل أن يتكلم فلا سهو عليه. وهو ظاهر الجماعة الذين قدمنا ذكرهم في صدر الكلام. و (خامسا) - ما ذكر من الحمل على الاستحباب الذى اتخذوه ذريعة في هذه الابواب مع ما فيه من الخروج عن جادة التحقيق والصواب. والله العالم.

(الثالث) من شك بين الاربع والخمس، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك في المسألة العاشرة في بيان الخلاف في المسأله ونقل الاخبار الدالة على القول المشهور وقد عرفت من جملة من العبارات المتقدمة عدم ذكر هذا الموضع في موجبات سجود السهو. ولم نقف للنافين على دليل والعلامة في المختلف انما استدل لهم باصالة البراءة ثم رده بان الاصل يخرج عنه بالدليل المنافى. وهو جيد. وقد تقدم في المسألة الثامنة (1) رواية ابى بصير الدالة على سجود السهو في الشك بين الاثنتين والاربع وقد تقدم تحقيق القول في ذلك.

(الرابع والخامس) - نسيان السجدة الواحدة وذكرها بعد تجاوز المحل ونسيان التشهد وذكره بعد تجاوز المحل، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة من مسائل المطلب الثاني من هذا المقصد (2).

(السادس) - الشك بين الثلاث والاربع مع غلبة الظن بالاربع، قال الصدوق بوجوب سجدتي السهو في الموضع المذكور، ونسب في الذكرى الى الصدوقين القول بوجبهما في كل شك ظن الاكثر وبنى عليه، قال في الذكرى: لو ظن الاكثر


(1) ص 238 (2) في المسألة الخامسة ص 150 و 154


[ 321 ]

بنى عليه لما سلف ولا يجب معه سجدتا السهو للاصل ولعدم ذكرهما في احاديث الاحتياط هنا ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واوجبهما الصدوقان ولعله لرواية اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع أفهمت ؟ قلت نعم " وحملت على الاستحباب. انتهى. أقول: روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) في حديث قال: " وان كنت لا تدرى ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صلى ركعتين وانت جالس تقرأ فيهما بام الكتاب وان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو " وهذا الحديث كما ترى مع صحة سنده صريح في ما ذكره الصدوقان وبه يحصل الجواب عما ذكره في الذكرى من عدم ذكر السجدتين في هذا الموضع في احاديث الاحتياط فان هذا من احاديث الاحتياط وهو صريح في ذلك مع اعتضاده بخبر اسحاق بن عمار المذكور في كلامه. ثم ان الظاهر ان ما نقله عن الصدوقين في المقام انما استندا فيه الى كتاب الفقه الرضوي حيث انه افتى فيه بمضمون صحيحة الحلبي أو حسنته المذكورة كما هي عادتهما المعروفة وطريقتهما المألوفة كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى حث قال عليه السلام (3) " وان لم تدر ثلاثا صليت أم اربعا ولم يذهب وهمك الى شئ فسلم ثم صل ركعتين واربع سجدات وانت جالس تقرأ فيهما بام القرآن، وان ذهب وهمك الى الثالثة فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، وان ذهب وهمك الى الاربع فتشهد وسلم واسجد سجدتي السهو ". انتهى.


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة (3) ص 10


[ 322 ]

وقد ظهر من ذلك انه قد تطابق على هذا الحكم صحيحة الحلبي أو حسنته ورواية اسحاق بن عمار وكلامه عليه السلام في هذا الكتاب فلا مجال للتوقف فيه مع عدم المنافى. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المجلسي في البحار حيث قال - بعد ذكر رواية اسحاق وحسنة الحلبي أو صحيحته وان الحكم بذلك لا يخلو من قوة - ما لفظه: ولكن موثقة ابان عن ابى العباس ظاهرة في عدم الوجوب فيمكن حمله على الاستحباب. انتهى. والرواية التى اشار إليها هي ما رواه الراوى المذكور عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث وان وقع رأيك على الاربع فسم وانصرف وان اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وانت جالس ". وانت خبير بان غاية هذه الرواية ان تكون مطلقة بالنسبة الى الحكم المذكور فيجب تقييدها بالاخبار المتقدمة وحملها عليها من قبيل حمل المطلق على المقيد فلا منافاة. ولا يخفى على المتتبع ان احكام المسألة الواحدة لا تكاد تجتمع في خبر واحد وإنما تؤخذ من مجموع اخبارها بضم بعضها الى بعض وحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها وعامها على خاصها ونحو ذلك. وبما حققناه يظهر قوة القول المذكور وان كان خلاف ما هو المشهور لاعتضاده بالدليل المأثور. والله العالم.

(السابع) القيام في موضع قعود وبالعكس، صرح به الصدوق والمرتضى وسلار وابو الصلاح وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس والعلامة، وخالف فيه الشيخان والكليني والشيخ على بن بابويه وابن ابى عقيل وابن الجنيد والمحقق وابن عمه الشيخ نجيب الدين في الجامع وهو اختيار العلامة في المنتهى وقد تقدم ذلك في عبائر الجماعة المذكورة، والاخبار في المسألة ايضا ظاهرة الاختلاف. احتج في المختلف بانه زاد على صلاته وكل من زاد على صلاته وجب عليه


(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة


[ 323 ]

سجود السهو، اما الصغرى فظاهرة واما الكبرى فلان الشك في الزيادة والنقيصة يقتضى وجوب السجدتين كما تقدم فاليقين بهما اولى. انتهى. ومما يدل على الوجوب من الاخبار ما رواه الشيخ عن منهال القصاب (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اسهو في الصلاة وانا خلف الامام ؟ فقال إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب ". قال في المختلف بعد ايراده دليلا على ذلك: وجه الاستدلال انه علق وجوب السجدتين على السهو المطلق وهو يتناول صورة النزاع. وعن عمار الساباطى في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السهو ما يجب فيه سجدتا السهو ؟ فقال إذا أردت ان تقعد فقمت أو أردت ان تقوم فقعدت أو اردت ان تقرأ فسبحت أو أردت ان تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو ". إلا ان في هذه الرواية ما يضعف الاحتجاج بها حيث قال بعد السؤال الاول وهو ما قدمناه (3) " وعن الرجل إذا اراد ان يقعد فقام ثم ذكر من قبل ان يقوم شيئا أو يحدث شيئا ؟ قال ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ " وهذه المناقضة في الخبر قد أوردها جملة من مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين. ويمكن الجواب عنها بانه لما استفيد من السؤال الاول ان سجود السهو انما هو بالاتيان بالقيام كملا في موضع القعود وبالعكس سأل ثانيا بانه لو ذكر قبل ان يأتي بشئ من القيام بالكلية أو يفعل شيئا مطلقا أجاب عليه السلام بانه لا سجود للسهو هنا إلا ان يتكلم بشئ. وهو معنى صحيح لا منافاة فيه للحكم الاول كما لا يخفى. بقى الكلام في ما ذكره عليه السلام من عد التسبيح في موضع القراءة أو القراءة في موضع التسبيح ساهيا من الموجبات، ويمكن حمله على ان السجود حينئذ لوقوع


(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة


[ 324 ]

القراءة أو التسبيح في غير محلهما وزيادتهما في الصلاة، هذا إذا كان الذكر في موضع السهو وتلافي ما أخل به وان كان بعد التجاوز فيكون لنقصان القراءة أو التسبيح، والجميع مبنى على وجوب السجدتين لكل زيادة ونقيصة كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ثم ان القراءة في موضع التسبيح يمكن حمله على الاخيرتين بناء على تعين التسبيح كما هو ظاهر الاخبار المتقدمة في المسألة وبه قال بعض الاصحاب إلا انه خلاف المشهور من التخيير، وسجود السهو هنا متى حملنا الخبر على هذا الموضع لا يتجه إلا على ما ذكرناه إذ مع التخيير لا معنى لسجود السهو. ويحتمل على بعد الحمل على تسبيح الركوع والسجود بان يقرأ ساهيا في الموضعين أو احدهما. ووجوب سجدتي السهو هنا نقله في الخلاف عن الشافعي (1). ومنها - ما رواه ثقة الاسلام بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس - وهو ضعيف عند جمع وصحيح عند آخرين - عن معاوية بن عمار (2) قال: " سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام ؟ قال يسجد سجدتين بعد التسليم وهما المرغمتان ترغمان الشيطان ". ومما يدل على خلاف ما دلت على هذه الاخبار ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق (3) قال: " من حفظ سهوه واتمه فليس عليه سجدتا السهو انما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها " ورواه في الفقيه عن ابى عبد الله عليه السلام مثله (4).


(1) لم اقف عليه بالخصوص في ما الطلعت عليه من كتب العامة إلا انه يفهم من ما ذكره الشيرازي الشافعي في المهذب ج 1 ص 90 حيث قال " وان قرأ في غير موضع القراءة سجد لانه قول في غير موضعه فصار كالسلام " بضميمة ما تقدم ج 8 ص 271 التعليقة 1 من منع الجمهور من القراءة في الركوع والسجود، وكذا يفهم من عبارة الام ج 1 ص 114 " قال الشافعي سجود السهو كله عندنا في الزيادة والنقصان قبل السلام وهو الناسخ والاخر من الامرين " بالضميمة المتقدمة. (2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة. (3) و (4) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة


[ 325 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل نسى ان يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد ؟ قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء " وفى مضمونها صحيحة ابى بصير مع اشتمالها زيادة على هذه الرواية على قوله: " وليس عليه سهو " فهى صريحة في نفى سجدتي السهو وقد تقدمتا في المسألة الرابعة من المطلب الثاني من هذا المقصد (2). وبالجملة فان جملة روايات نسيان السجدة وكذا روايات نسيان التشهد وانه يرجع اليهما ما لم يركع ما بين ظاهر وصريح في نفى السجدتين، وروايات السجدة وذكر انها بعد الركوع ظاهرة ايضا في قضاء السجدة خاصة من غير سجود وان كان المشهور في كلامهم وجوب السجود كما تقدم. واستدل العلامة في المنتهى على ما اختاره فيه من عدم السجود بما رواه الشيخ في الموثق عن الحلبي (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد ؟ فقال يرجع فيتشهد. فقلت أيسجد سجدتي السهو ؟ فقال لا ليس في هذا سجدتا السهو " قال: وهذا من صورة النزاع. اقول: الاستدلال بهذا الخبر إنما يتم مع الحمل على التشهد الاول اما مع الحمل على الثاني فلا، والاستدلال مستند هنا الى اطلاق الخبر. والجمع بين الاخبار في هذا المقام لا يخلو من الاشكال، وجملة من متأخرى المتأخرين جمعوا بين الاخبار هنا بحمل اخبار السجود على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الاحكام والابواب. ولا يبعد عندي حمل اخبار السجود على التقية فان القول بوجوب السجود هنا مذهب ابى حنيفة والشافعي واتباعهما (4) والله العالم.


(1) الوسائل الباب 14 من السجود (2) في المسألة الخامسة ص 136 (3) الوسائل الباب 9 من التشهد (4) البحر الرائق ج 2 ص 105 والمحلى ج 4 ص 160 والمبسوط ج 1 ص 220 =


[ 326 ]

الثامن - كل زيادة ونقيصة، وهذا القول نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الاصحاب كما تقدم في نقل عبارته، وظاهر الاكثر عدم عده في موجبات السجود و جملة عبائر من قدمنا نقل كلامه خالية من ذلك، وقال في الدروس انه لم يظفر بقائله ولا بمأخذه مع انه من القائلين به في اللمعة وجعله في الالفية احوط ونقله في الذكرى عن الفاضل واختاره بعذ ذلك من بين الاقوال، ونقله شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة عن الصدوق ايضا واختاره في كتاب الروض، ونقل هذا القول عن الصدوق قد وقع في التحرير للعلامة ثم قال: وهو الاقول عندي. ويمكن ان يستدل عليه بما رواه الشيخ عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن سفيان بن السمط عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " وردها جملة من متأخرى المتأخرين بضعف الاسناد وربما استدل على ذلك ايضا بصحيحة الحلبي الواردة في الشك بين الاربع والخمس (2) وقوله عليه السلام فيها " أم نقصت أم زدت " فانه إذا وجب السجود بالشك في الزيادة والنقيصة ففى صورة اليقين اولى. ويظهر من المبسوط ان قولهم بالسجود للزيادة والنقصان شامل للمستحبات وظاهر العلامة تخصيصه بالواجبات، وقال ابن الجنيد بوجوبهما في خصوص القنوت ان تركه، وعد أبو الصلاح من جملة موجباتهما لحن القراءة سهوا. وانت خبير بان جملة الاخبار المتقدمة الدالة على عدم سجدتي السهو في المواضع المتقدمة كلها دالة على عدم الوجوب، ومنها اخبار السجدة والتشهد وذكرهما قبل الركوع أو بعده، فان اخبارهما في الحالتين دالة على عدم الوجوب. نعم اخبار التشهد دلت على السجود لنقص التشهد لا لزيادة القيام الذى ذكره قبل ركوعه أو


= والمهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 90 ويفهم ايضا مذهب الشافعي في ذلك مما تقدم في التعليقة 1 ص 324. (1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة. (2) ص 328


[ 327 ]

بعده، ومنها اخبار نسيان القراءة في الصلاة كصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة وموثقة منصور بن حازم ووراية معاوية بن عمار وغيرها من الاخبار الدالة على ذلك، ومنها اخبار الجهر والاخفات كصحيحة زرارة والاخبار الواردة في نسيان ذكر الركوع، الى غير ذلك من الاخبار الواردة في جملة من الاحكام مما تدل على عدم السجود في هذه المقامات، وبعض منها صريح في المطلوب وبعض باعتبار عمومه واطلاقه وبعض باعتبار السكوت عن سجدتي السهو في مقام البيان. ومنه يظهر قوة القول المشهور إلا ان الاحتياط يقتضى الاتيان بالسجود حيث لا محمل للخبر المذكور ظاهرا مع احتمال حمله على الزيادة والنقصان في الركعات لا مطلقا، وكيف كان فهو مردود الى قائله عليه السلام. والله العالم. التاسع - الشك في الزيادة والنقيصة. ذهب إليه العلامة كما تقدم في عبارته في المختلف، قيل وهو ظاهر ما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الاصحاب. وفيه ما لا يخفى، وكلام الصدوق في الفقيه يحتمله وقد تقدم نقل عبارته في المقام. ويحتمل ان يكون مراده زيادة الركعة أو نقصانها. والى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في الروض وكذا الى ما قبله كما قدمنا ذكره. وذهب المفيد في الغرية كما قدمناه في عبارته الى وجوبهما ان لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعها أو نقص ركوعا ولم يتيقن ذلك وكان الشك بعد تقضى وقته. والمشهور بين الاصحاب هو عدم الوجوب في جميع ما ذكر. اقول: ويدل على هذا القول جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الفضيل بن يسار (1) " انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن السهو فقال من حفظ سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو وانما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها ". وما رواه الكليني والشيخ عنه عن سماعة في الموثق (2) قال قال " من حفظ


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة


[ 328 ]

سهوه فاتمه فليس عليه سجدتا السهو إنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها ". وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (1) قال: " سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماهما رسول الله صلى الله عليه وآله المرغمتين " واطلاق هذه الاخبار شامل للافعال والاعداد. واحتج جملة من الاصحاب لهذا القول ايضا بصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وانت خبير بان هذه الرواية محتملة لوجهين (أحدهما) حمل الزيادة والنقيصة على أن يكونا من أسباب سجدتي السهو كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، وحينئذ فتكون الرواية مشتملة على سببين من الاسباب المذكورة وهى الشك بين الاربع والخمس والشك في الزيادة والنقيصة. و (ثانيهما) ان يكون المراد انما هو بيان نوع واحد من الاسباب المذكورة وهو الشك بين الاربع والخمس والنقيصة عن الاربع والزيادة عن الخمس، فيكون تقدير الكلام إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت من الاربع أم زدت على الخمس، وحينئذ فيشمل كل شك بين الاربع والخمس والازيد منهما والانقص كالشك بين الثلاث والاربع والخمس والست والشك بين الاثنتين والاربع والخمس والسبع مثلا. نعم لابد من استثناء ما تعلق به الشك في الاولتين بالاخبار الدالة على الابطال ويبقى ما سوى ذلك، وعلى هذا الاحتمال فلا تصلح الرواية هنا للاستدلال. والظاهر هو الاحتمال الاول المؤيد بالاخبار المذكورة، وعلى هذا فتجب سجدتا السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة.


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة


[ 329 ]

وتمام الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مقامات

(الاول) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع السجدتين المذكورتين بعد التسلم سواء كانتا لزيادة أو نقصان، ونقله في المختلف عن ابن ابى عقيل والشيخ في المبسوط والشيخ المفيد والسيد المرتضى، قال وهو الظاهر من كلام على بن بابوية وابى الصلاح وهو قول سلار والصدوق ابن بابويه. وقيل انهما ان كانتا للزيادة فمحلهما بعد التسليم وان كانتا للنقيصة فمحلهما قبله، ونسبه في المعتبر الى قوم من اصحابنا ونقله في المختلف عن ابن الجنيد، قال وقال ابن الجنيد ان كان السهو للزيادة كان محلهما بعد التسليم وان كان للنقصان كان قبل التسليم. والشهيد في الذكرى نقل كلام ابن الجنيد ولم يذكر هذه العبارة التى ذكرها في المختلف، ثم قال وليس في هذا كله تصريح بما يرويه بعض الاصحاب ان ابن الجنيد قائل بالتفصيل، نعم هو مذهب ابى حنيفة من العامة (1) والظاهر ان ذكر العلامة هذه العبارة انما وقع من كلامه بناء على اشتهار النقل بذلك عن ابن الجنيد. واحتمال ان يكون ابن الجنيد قال ذلك في غير الموضع الذى نقله عنه في الذكرى بعيد. ونقل المحقق في الشرائع قولا بان محلهما قبل التسليم مطلقا قال في المدارك والقول بانهما قبل التسليم منقول عن بعض علمائنا ولم نظفر بقائله. ثم انه مما يدل على القول المشهور وهو المؤيد المنصور جملة من الاخبار: منها - صحيحة ابن ابى يعفور الواردة في نسيان التشهد (2) حيث قال فيها " وان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل ان يتكلم ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " إذا كنت لا تدرى


(1) المذكور في كتب العامة - كالمحلى ج 4 ص 171 وعمدة القارئ ج 3 ص 738 ونيل الاوطار ج 3 ص 135 وبدائع الصنائع ج 1 ص 172 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 350 وكذا كتب الخاصة كالمنتهى ج 1 ص 418 - نسبة التفصيل المذكور الى مالك وان ابا حنيفة يقول بان محله بعد السلام والشافعي يقول بانه قبل السلام. (2) الوسائل الباب 7 من التشهد (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة


[ 330 ]

أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". ورواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وانت جالس ثم سلم بعدهما ". وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: اقيموا صفوفكم " ؟ فقال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد ؟ قال بعد ". ورواية عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن ابيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: " سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام ". الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة في مواضع وجوب سجدتي السهو. ومما يدل على القول بالتفصيل ما رواه الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري (4) قال: " قال الرضا عليه السلام في سجدتي السهو إذا نقصت قبل التسليم وإذا زدت فبعده " قال شيخنا الصدوق انى افتى به في حال التقية (5). واما القول بانهما قبل التسليم مطلقا فربما كان مستنده ما رواه الشيخ عن محمد ابن سنان عن ابى الجارود (6) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام من اسجد سجدتي السهو ؟ قال قبل التسليم فانك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك ". واجاب الشيخ في الاستبصار عن هذه الرواية ورواية سعد بن سعد بالحمل على ضرب من التقية، قال لانهما موافقان لمذهب كثير من العامة (7) ونقل عن ابن بابويه انه قال انما افتى بهما في حال التقية. وهو جيد. واما ما ذكره في الذخيرة - من قوله ويمكن الجمع بين الاخبار بالتخيير ايضا


(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 5 من الخلل في الصلاة (5) ارجع الى التعليقة 1 ص 329 (7) ارجع الى التعليقة 1 ص 339 والى الاستدراكات


[ 331 ]

إلا ان الترجيح للتأويل المذكور - فضعيف لان التخيير (اولا) فرع قيام المعارض بالمعارضة والامر هنا ليس كذلك كما عرفت. و (ثانيا) عدم وجود المحمل الشرعي وقد عرفت ان الحمل على التقية أحد المحامل الشرعية المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) فلا معدل عنه الى هذه الوجوه التخريجية. والله العالم.

(الثاني) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب التكبير فيهما واستدلوا عليه بما رواه الصدوق في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح ؟ فقال لا إنما هما سجدتان فقط فان كان الذى سها هو الامام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه انه قد سها، وليس عليه ان يسبح فيهما ولا فيهما تشهد بعد السجدتين ". وانت خبير بما في الدلالة من القصور لاختصاص ذلك بالامام مضافا الى ما دلت عليه من نفى التسبيح فيهما والتشهد مع دلالة الاخبار على ذلك، وبالجملة فان ما يقولون به لا تدل عليه وما تدل عليه الرواية لا يقولون به فلا وجه للتعلق بها.

(الثالث) - المشهور وجوب التشهد فيهما والتسليم، بل قال الفاضلان في المعتبر والمنتهى انه قول علمائنا اجمع، واستدلا على وجوب التشهد بقول الصادق عليه السلام (2) في صحيحة الحلبي " واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " وعلى وجوب التسليم بقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان (3) " إذا كنت لا تدرى أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". اقول: ومما يدل على ذلك موثقة ابى بصير (4) قال: " سألته عن الرجل ينسى ان يتشهد ؟ قال يسجد سجدتين يتشهد فيهما ". ورواية على بن ابى حمزة (5) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام إذا قمت في الركعتين


(1) الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة (2) ص 328 (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة (4) الوسائل الباب 7 من التشهد (5) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة


[ 332 ]

الاولتين ولم تتشهد... الى ان قال: فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذى فاتك " والمعنى انه ينوى بتشهده في السجدتين قضاء ما فاته من التشهد كما قدمنا تحقيقه في المسألة. ورواية الحسن الصيقل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع ؟ قال يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى ثم سجد سجدتين بعد ما ينصرف بتشهد فيهما ؟ قال ليس النافلة مثل الفريضة ". وصحيحة على بن يقطين (2) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ؟ قال: يبنى على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد خفيفا ". ورواية سهل بن اليسع عن الرضا عليه السلام انه قال: " يبنى على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهدا خفيفا ". وقال العلامة في المختلف: الاقرب عندي ان ذلك كله للاستحباب بل الواجب فيه النية لا غير، واستدل عليه باصالة البراءة ورواية عمار المتقدمة. قال في المدارك: ويؤيده انتفاء الامر بالتسليم في صحيحة الحلبي والامر بالتشهد في صحيحة ابن سنان مع ورودهما في مقام البيان. انتهى. وفيه ان اصل الدليل عليل لا اعتماد عليه ولا تعويل فلا ينفع هذا التأييد مع بطلان ما يبنى عليه، اما الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفته مما اوردناه من الاخبار المذكورة. واما رواية عمار فهى مردودة بما اعترف به في المقام من ضعفها فلا تنهض حجة في مقابلة تلك الاخبار، مضافا الى ما في متنها


(1) الوسائل الباب 8 من التشهد (2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة (3) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة


[ 333 ]

من التهافت والمخالفات كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله تعالى. ووجود هذه الاحكام في اخبار متفرقة وعدم اجتماعها في خبر واحد لا يمنع من العمل بها لوجود النظير في جملة من المسائل بان بضم بعض اخبار المسألة الى بعض فيجتمع من المجموع جملة الاحكام، وغاية ما فيها اطلاق بعض بالنسبة الى الاخر فيحمل المطلق على المقيد عملا بالقاعدة المقررة. وما ادعاه من ان المقام مقام البيان فيجب فيه ذكر جملة الاحكام ممنوع كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام. وبالجملة فان ما ذكره بمحل من الضعف وان كان قد تبعه في ذلك صاحب الذخيرة فقال - بعد الاشارة الى بعض الاخبار الدالة على وجوب ذكرهما وما دل على عدم ذكرهما مع وروده في مقام البيان - ما صورته: فيحصل الجمع بين الاخبار بحمل ما دل على التشهد والتسليم على الاستحباب فإذا قول المصنف في المختلف قوى. انتهى.

(الرابع) - المشهور وجوب الذكر فيهما وتردد فيه المحقق في الشرائع، قال في المدارك منشأ التردد من اطلاق قوله عليه السلام (1) " فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " وقوله عليه السلام (2) " واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " وغير ذلك من الاخبار الكثيرة المتضمنة لاطلاق الامر بالسجود من غير تعرض للذكر ولو كان واجبا لذكر في مقام البيان... ويدل على عدم الوجوب صريحا رواية عمار المتقدمة حيث قال: " وليس عليه ان يسبح فيهما " ومن رواية الحلبي الصحيحة عن الصادق عليه السلام (3) الدالة بظاهرها على الوجوب... الى ان قال وجزم المصنف في النافع والمعتبر بعدم وجوب الذكر مطلقا وهو غير بعيد وان كان العمل بمضمون هذه الرواية اولى واحوط. انتهى. وتبعه في ذلك في الذخيرة كما هي عادته غالبا فقال: وهل يجب فيهما الذكر مطلقا ؟ المشهور نعم خلافا للمحقق في المعتبر والمسنف في المنتهى وهو لا يخلو من قوة


(1) ص 329 و 330 (2) 328 (3) ص 334


[ 334 ]

نظرا الى اطلاق الامر بالسجود من غير تعرض للذكر في مقام البيان. اقول - وبالله التوفيق الى هداية الطريق - الاظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الذكر في السجدتين المذكورتين وان المراد به الذكر المخصوص في هذا الموضع لا مطلق الذكر. والمستند في ما قلناه ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال " يقول في سجدتي السهو بسم الله وبالله اللهم صلى على محمد وآل محمد. قال الحلبي وسمعته مرة اخرى يقول فيهما بسم الله وبالله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته " ورواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن الحلبي... الحديث إلا ان فيه " وصلى الله على محمد وآل محمد " وفى بعض نسخ الفقيه مثل ما نقلناه عن الكافي ايضا، ورواه الشيخ عن عبيد الله الحلبي في الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام (3) مثل ما في الفقيه لكن فيه " والسلام " باضافة الواو ؟ والظاهر اجزاء الكل إلا ان تطرق السهو الى زيادة هذه الواو في رواية الشيخ غير بعيد لما علم من عدم محافظته على ضبط الاخبار فالاحوط ان لا يؤتى بها. وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (4): " وقال يقول في سجدتي السهو بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد وسلم. وسمعته مرة اخرى يقول بسم الله وبالله السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ".


(1) الفروع ج 1 ص 99 وفى الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة، وقد سقط النقل عن الكافي في الطبع الحديث من الوسائل. والظاهر ان كلمة " التهذيب " في‍ المتن هنا من سهو القلم أو زيادة النساخ لان لفظ الحديث في التهذيب يختلف عن لفظه في الكافي وسينقله عن التهذيب مستقلا. (2) ج 1 ص 226 وفى الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة. (3) التهذيب ج 1 ص 191 ولفظه هكذا " قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في سجدتي السهو... " وفى الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة. (4) ص 10


[ 335 ]

واما ما يتوهم - من اطلاق سجدتي السهو في تلك الاخبار التى استند إليها المحقق الذى هو منشأ هذا الخلاف فتبعه من تبعه فيه من الاسلاف والاخلاف استنادا الى انه لو كان الذكر واجبا فيهما لذكر لان المقام مقام البيان وحيث لم يذكر علم انه غير واجب - ففيه ان المقام وان كان مقام بيان إلا انه ليس لبيان سجدتي السهو وكيفيتهما واحكامهما كما توهموه وانما هو لبيان احكام اخر وذكر سجدتي السهو انما وقع استطرادا لبيان احكام تلك المسائل. وها انا اسوق لك جملة من اخبارهم التى استندوا إليها ليظهر لك صحة ما ذكرناه: ففى صحيحة الحلبي (1) " إذا لم تدر اربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا ". وفى رواية عبد الله بن سنان (2) " فان كنت لا تدرى اربعا صليت ام خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما ". وفى حسنة زرارة (3) " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس... الحديث ". وفى موثقة اسحاق بن عمار (4) " إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع " الى غير ذلك من الاخبار التى ذكر فيها سجود السهو. فانه لا يخفى ان المقام انما هو في بيان تلك الموجبات للسجود وان من جملة ما يترتب على حصول تلك الاسباب سجود السهو، فذكر سجود السهو انما وقع استطرادا لما يترتب على الاسباب لا ان المقام مقام بيان السهو وما يترتب عليه ويتعلق به من الاحكام. نعم ربما عبروا (عليهم السلام) بمجرد الاتيان بالسجدتين وربما اضافوا الى ذلك بعض احكامهما من كونهما بعد التسليم وكونه يسلم فيهما وكونه يتشهد


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة. (4) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة


[ 336 ]

فيهما، وحينئذ فغاية الاخبار المذكورة ان تكون مطلقة بالنسبة الى احكام السجدتين حيث لم يتعرض لذكر شئ منها فيهما والقاعدة تقتضي حمل مطلقها على مقيدها. واما صحيحتا الحلبي الواردتان بالذكر فيهما فان المقام فيهما مقام البيان لسجدتي السهو وما يجب فيهما من الذكر وانما سيقتا لذلك فيجب تقييد اطلاق تلك الاخبار بهما. وبالجملة فانك إذا لاحظت روايات المسألة كملا وضممت مطلقها الى مقيدها ومجملها الى مفصلها ظهر لك صحة ما قلناه وقوة ما ادعيناه. واما رواية عمار (1) فهى لا تبلغ حجة في معارضة صحيحتي الحلبي ولا غيرهما من الاخبار المشار إليها آنفا، مضافا الى نفى التشهد فيها مع استفاضة الاخبار به كما عرفت، وما تضمنته من ايجاب التكبير على الامام إذا سها مع انهم لا يقولون به، مع ما في روايات عمار من الغرائب التى قد تقدم الطعن عليه بذلك من جملة من الاصحاب. وحملها بعض الاصحاب على التقية لموافقة ما اشتملت عليه لجملة من العامة (2) وهو جيد. على ان الرواية إنما تضمنت نفى التسبيح فيهما يعنى مثل تسبيح سجود الصلاة وهو كذلك، وهو لا يستلزم نفى غيره من الذكر الذى اشتملت عليه صصحيحتا الحلبي. وبالجملة فالاظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت. ثم ان المحقق في المعتبر طعن في صحيحة الحلبي بانها منافية للمذهب من حيث تضمنها وفوع السهو من الامام، قال ثم لو سلمناه لما وجب فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون ما نقله على وجه الجواز لا اللزوم.


(1) ص 331 (2) اشتملت الرواية على متابعة المأموم للامام في السجود إذا كان السهو من الامام وقد تقدم في ص 285 انه مذهب العامة. وقد اختلفوا في التشهد والسلام لهما على اقوال كما في عمدة القارئ ج 3 ص 745 و 746 وفيه ايضا ج 3 ص 738 التكبير مشروع لسجود السهو بالاجماع.


[ 337 ]

ورد بان سماع ذلك من الامام لا يستلزم وقوع السهو عنه لجواز كونه اخبارا عما يقال فيهما بل الظاهر انه هو المراد لقوله عليه السلام في الرواية المتقدمة (1) بنقل صاحبي الكافي والفقيه قال: يقول في سجدتي السهو بسم الله... الحديث ". واما ما ذكره - من انه لو سلم وجوب الذكر فيهما فانه لا يتعين فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون على وجه الجواز لا اللزوم - ففيه ما حققناه في مسألة الابتداء بالاعلى في غسل الوجه من كتاب الطهارة من ان فعله عليه السلام إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه وتعين فعله والامر هنا كذلك. وقد تقدم تحقيق المسألة في الموضع المذكور. والله العالم. وقد تلخص مما حققناه في المقام ان الواجب فيهما هو الذكر المذكور في الاخبار - وجوز الشيخ في المبسوط فيهما ما شاء من الاذكار ولا اعرف له دليلا - والتشهد والتسليم، ونقل عن ابى الصلاح هنا انه ينصرف منهما بالسلام على محمد صلى الله عليه وآله ولم ينقلوا عليه دليلا. والمراد بالتشهد الخفيف فيهما هو الاقتصار على الواجب منه كما ذكره بعض الاصحاب. ويحتمل - ولعله الاقرب - الحمل على التشهد الخالى من الاذكار الطويلة المستحبة في التشهد وان اشتمل على بعض المستحبات.

(الخامس) - قال في المدارك: ويجب فيهما السجود على الاعضاء السبعة ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. لانه المعهود من لفظ السجود في الشرع فينصرف إليه اللفظ عند الاطلاق. وفى وجوب الطهارة والستر والاستقبال قولان احوطهما الوجوب. انتهى. اقول: لا يخفى ان دعوى ان المعهود من لفظ السجود ما ذكره لا يخلو من بعد، لان هذا انما يتم في سجود الصلاة حيث انه اشترط فيه ذلك لا مطلق السجود، كيف ؟ وهو قد قال في سجود التلاوة: وفى اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه والسجود على الاعضاء السبعة واعتبار المساواة بين المسجد


(1) ص 334


[ 338 ]

والموقف نظر، ولا ريب ان اعتبار ذلك احوط. انتهى. وما نحن فيه كذلك ولو تم ما ذكره هنا لجرى في سجود التلاوة ايضا لان المسألتين من باب واحد وهو قد تنظر فيه وإنما تمسك بالاحتياط فكذا القول في هذه المسألة، لان المسألة خالية من النص ولفظ السجود من حيث هو لا يدل على ذلك. لكن يقين البراءة من التكليف الثابت بيقين يقتضى ما ذكره. واما ما ذكره من وجوب الطهارة والستر والاستقبال فالامر فيه كذلك ايضا لعدم النص إلا ان المفهوم من ظاهر النصوص الدالة على الفورية والمبادرة بهما بعد التسليم وقبل الكلام (1) ذلك بناء على ما هو الغالب من حال المكلف من بقائه على الحال التى كان عليها في الصلاة. وبالجملة فانه لا مستمسك في هذا المقام زيادة على الاحتياط ويقين البراءة من التكليف الثابت. والله العالم.

(السادس) - المشهور بين الاصحاب انه لو تركهما عمدا لم تبطل صلاته ووجوب عليه الاتيان بهما وان طالت المدة، إذ غاية ما يفهم من الاخبار هو وجوبهما لا اشتراط صحة الصلاة بهما. ونقل عن الشيخ في الخلاف اشتراط صحة الصلاة بهما، قال في الذخيرة وهو احوط، ثم قال وتحقيق الامر مبنى على ان الصلاة اسم للاركان مطلقا أو مقيدا باستجماعها شرائط الصحة، وعلى الاول يقوى الاول وعلى الثاني الثاني لتوقف اليقين بالبراءة عليه. انتهى. وفيه انه لا ريب ان الصلاة اسم لهذه الافعال المخصوصة التى مفتاحها التكبير وتحليلها التسليم (2) وهو اتفاق نصا وفتوى. ولا ريب ان المكلف متى سلم فقد تمت صلاته ومضت على الصحة ما لم يعرض لها شئ من القواطع المتقدمة، وايجاب الشارع بعد ذلك بعض الافعال - تداركا لخلل واقع فيها غير مبطل لها مثل صلاة الاحتياط وقضاء السجدة أو التشهد على القول به أو سجود السهو مثلا - لا يدل على


(1) ص 330 (2) الوسائل الباب 1 من التسليم


[ 339 ]

اشتراط صحتها به وانه ان لم يأت به بطلت صلاته لعدم الدليل على ذلك، ومجرد الامر بتلك الاشياء لا يدل عليه بل غايته التأثيم بالاخلال بذلك كما تقدم تحقيقه. ويدل على وجوب الاتيان بهما متى نسيهما ثم ذكر بعد ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى ان يسجد سجدتي السهو ؟ قال يسجدهما متى ذكر ". والمفهوم من الاخبار كما تقدمت الاشارة إليه وجوبهما فورا لاشتمال الاخبار على ان محلهما بعد التسليم وقبل الكلام إلا انه قد روى الشيخ عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر ذلك حتى يصلى الفجر كيف يصنع ؟ قال لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها " والظاهر انه لا قائل به من الاصحاب (رضوان الله عليهم).

(السابع) - قال في الذكرى: لو جلس في موضع قيام ناسيا ولما يتشهد كالجلوس على الاول أو الثالثة صرف الى جلسة الاستراحة ولا سجود عليه على الاقوى، وان تشهد وجب السجود للتشهد لا للجلوس على الاصح. وفى الخلاف ان كان الجلوس بقدر الاستراحة ولم يتشهد فلا سجود عليه وان تشهد أو جلس بقدر التشهد سجد على القول بالزيادة والنقيصة وفى المختلف ان جلس ليتشهد ولم يتشهد فالزائد على جلسة الاستراحة يوجب السجود والظاهر انه مراد الشيخ. ولكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد اشكال لان جلسة الاستراحة لا قدر لها بل يجوز تطويلها وتركه فان صرف الجلوس للتشهد إليها فلا يضر طولها وان لم يصرف فلا ينفع قصرها في سقوط سجود السهو. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: لا يخفى ان الافعال تابعة للقصود و النيات فهيا تصير عبادة تارة ولغوا اخرى، وهذا الجالس في أحد هذين الموضعين ان قصد بجلوسه جلسة الاستراحة خاصة طول أو قصر فلا اشكال، وان قصد به التشهد ولم يأت بالتشهد فالحق ما قاله


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة


[ 340 ]

في المختلف من ان ما زاد على جلسة الاستراحة يوجب سجدتي السهو بناء على القول بانهما لكل زيادة ونقيصة لتحقيق حصول الزيادة. وقول شيخنا (قدس سره) هنا - ولكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد اشكال... الى آخره - مردود بانه انما قصد الجلوس للتشهد وبهذا الفصد يكون هذا الجلوس زيادة في الصلاة حيث انه غير محل التشهد، نعم استثنى منه قدر ما يحصل به جلوس الاستراحة حيث انه لا يشترط في الاتيان به قصد الاستراحة به بل يكفى الاتيان به كيف اتفق وبه تتحقق سنة الاستراحة ولو اتفق وقوعه سهوا. وقوله - فان صرف الجلوس للتشهد إليها... الى آخره - لا اعرف له وجها فان المفروض ان هذا الجلوس جميعه انما وقع بقصد التشهد مع زيادته على ما هو المتعارف من جلسة الاستراحة لا انه صرف جلوس التشهد الزائد الى جلسة الاستراحة ونوى به انه من الاستراحة والفرق بين الامرين واضح. والله العالم.

(الثامن) - اختلف الاصحاب في ما لو تعدد الموجب للسجود فهل يتداخل مطلقا أو لا مطلقا أو التداخل ان تجانس السبب وإلا فلا ؟ اقوال: والى الاول ذهب في المبسوط وجعل التعدد احوط، والى الثاني ذهب العلامة في المختلف وجمع من المتأخرين، والى الثالث ذهب ابن ادريس، قال في كتابه: ان تجانس اكتفى بالسجدتين لعدم الدليل ولقولهم (عليهم السلام) (1) " من تكلم في صلاته ساهيا تجب عليه سجدتا السهو، ولم يقولوا دفعة واحدة أو دفعات، فاما إذا اختلف الجنس فالاولى عندي بل الواجب الاتيان عن كل جنس يسجدتى السهو لعدم الدليل على تداخل الاجناس بل الواجب اعطاء كل جنس ما يتناوله اللفظ لانه قد تكلم وقام في حال قعود وقالوا (عليهم السلام) " من تكلم تجب عليه سجدتا السهو (2) ومن قام في حال قعود تجب عليه سجدتا السهو " (2) وهذا قد فعل الفعلين فيجب عليه


(1) و (2) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314 (3) هذا مضمون ما استدل به لذلك راجع ص 323


[ 341 ]

امتثال الامر، ولا دليل على التداخل لان الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف محقق. انتهى. واستدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من عدم التداخل واطال بما لا يرجع الى طائل، ومرجعه الى وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب وإلا لزم تخلف المعول عن علته التامة لغير مانع أو تعدد العلل المستقلة على المعلول الواحد الشخصي وكل واحد منهما محال فالملزوم محال، ثم اطال في بيان هذه المقدمات. وانت خبير بان هذا انما يجرى في العلل العقلية لا العلل الشرعية فانها ليست من قبيل العلل العقلية التى يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات كما تقدم التصريح به في غير موضع، وهذا أمر ظاهر لمن تدبر الاخبار المنقولة في كتاب علل الشرائع وما اشتملت عليه من العلل لتلك الاحكام. وقال في الذكرى: والاقرب عدم التداخل لقيام السبب واشتغال الذمة، ولما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) قال: " لكل سهو سجدتان ". وفيه انه لو ثبت الخبر المذكور لكان حجة واضحة إلا ان الظاهر انه ليس من طرقنا وانما هو من طريق العامة. واما التعليل. واما التعليل بما ذكره فستعرف ما فيه مما يبين عن ضعف باطنه وخافيه. والاقرب - كما استقربه جمع من افاضل متأخرى المتأخرين - هو القول بالتداخل مطلقا لما روى عنهم (عليهم السلام) (2) باسانيد عديدة " إذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها حق واحد " وما ذكره العلامة من وجوب تعدد المسببات بتعدد الاسباب انما هو في الاسباب الحقيقية التى يدور المسبب فيها مدار السبب وجودا وعدما، وكذا قولهم " انه لا يجوز اجتماع علتين على معلول واحد " انما هو في تلك العلل العقلية لا الشرعية، ألا ترى انه قد ورد في تعليل وجوب


(1) في سنن ابى داود ج 1 ص 374 " لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم " (2) الوسائل الباب 43 من الجنابة


[ 342 ]

العدة على المطلقة ان ذلك لاستبراء الرحم من الولد (1) مع وجوب العدة وان كان قد فارقها قبل الطلاق بعشر سنين مثلا، وورد علة استحباب غسل الجمعة ان الانصار كانت تحضر الصلاة وتأتى من نواضحها فيتأذى الناس بريح آباطهم فأمر صلى الله عليه وآله بالغسل لذلك (2) مع ما عرفت من عموما الاستحباب لمن كان ريحه اطيب من ريح المسك بل جواز تقديمه وقضائه، الى غير ذلك من العلل التى يقف عليها المتتبع. وقال في الذخيرة حيث اختار التداخل: لنا ان الامر مطلق فيحصل الامتثال بفرد واحد من المأمور به، فانهم (عليهم السلام) قالوا " إذا تكلم سجد للسهو (3) وإذا سلم في غير موضعه سجد للسهو " وليس في أحد النصين تقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر بل النص مطلق فيحصل امتثال كل من التكليفين بكل ما كان فردا للسجود. ويمكن تطرق المناقشة إليه بان المتبادر من قوله " إذا تكلم سجد للسهو " مثلا هو ان ذلك السجود للكلام خاصة والاكتفاء به عن السلام وغيره يحتاج الى دليل ومجرد عدم التقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر لا يكفى في الاكتفاء به، فانه متى انصرف هذا السجود الى الكلام مثلا بهذا الخبر وتعين ترتبه عليه فدخول غيره من الاسباب ومشاركته لهذا السبب يتوقف على الدليل. وبالجملة فالاظهر انما هو الاستناد الى ما ذكرنا من عموم النص المتقدم. ومما يستأنس به لذلك - بل يمكن أن يكون دليلا واضحا في المقام وان لم يخطر ببال أحد من علمائنا الاعلام رفع الله تعالى اقدارهم في دار السلام -


(1) الوسائل الباب 30 من العدد (2) الوسائل الباب 6 من الاغسال المسنونة (3) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314 (4) يمكن ان يكون ذكر هذا المضمون من باب المثال إذ ورود ما يدل على ذلك محل الكلام كما تقدم في الامر الثاني ص 317 وكما تقدم من صاحب الذخيرة في المسألة الثانية من المسائل التى عقدها تعليقا على بيان العلامة " قدس سره " اسباب سجود السهو.


[ 343 ]

موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث ؟ قال يبنى على صلاته ويصلى ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو ". والتقريب فيها انه جلس في موضع قيام وهو أحد موجبات سجود السهو كما تقدم ودلت عليه جملة من الاخبار، وتشهد وهو أحد الموجبات بناء على القول بالزيادة والنقصان (2) وسلم وهو كذلك، فهذه موجبات ثلاثة للسجود مع انه عليه السلام لم يأمره إلا بسجود واحد. ونحوها عبارة كتاب الفقه المتقدمة مع هذه الرواية في الموضع الثاني من صدر الخاتمة (3). إلا ان الاستدلال بهذين الخبرين انما يقوم دليلا واضحا مع اتفاق الاخبار على سببية هذه الاسباب الثلاثة وقد عرفت الاختلاف في كل واحد من المواضع الثلاثة. والله العالم.

(التاسع) - قال شيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) في الذكرى: ينبغى ترتيبه بترتيب الاسباب. ولو كان هناك ما يقضى من الاجزاء قدمه على سجدتي السهو وجوبا على الاقوى. ولو تكلم ونسى سجدة سجدها أو لا ثم سجد لسهوها وان كان متأخرا عن الكلام لا رتباطه بها، ويحتمل تقديم سجود الكلام لتقدم سببه. ولو ظن ان سهوه كلام فسجد له فتبين انه كان نسيان سجدة فالاقرب الاعادة بناء على ان تعيين السبب شرط وهو اختيار الفاضل. ولو نسى سجدات اتى بها متتاليا وسجد للسهو بعدها وليس له ان يخلله بينها على الاقرب صونا للصلاة عن الأجنبي. انتهى.


(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة (2) الظاهر منه " قدس سره " عند تحريره لهذه المسألة ص 154 انه بنفسه موجب للسجود وان لم يجب لكل زيادة ونقصان. (2) ص 317


[ 344 ]

وفى اكثر هذه الاحكام تأمل سيما بعد ما عرفت من ان عمدة ما يقضى عندهم من الاجزاء المنسية هو السجدة والتشهد، وقد عرفت ان الروايات الواردة بقضاء السجدة ليس فيها ما يدل على سجود السهو بل الذى فيها انما يدل على عدمه، والروايات الواردة في التشهد لا دلالة فيها على قضاء التشهد كما يدعونه وانما تضمنت سجود السهو خاصة، ومع الاغماض عن ذلك والنظر الى استدلالهم فما اشتمل منها على قضاء التشهد ليس فيه تعرض للسجود بالكلية وما اشتمل منها على السجود ليس فيه تعرض لذكر القضاء بالكلية.

(العاشر) - المشهور بين الاصحاب (عطر الله مراقدهم) ان وجوب السجدتين المذكورتين فورى مستندين الى كون الامر للفور. وفيه منع ظاهر لما صرح به محققو الاصوليين في المسألة من عدم ذلك كما لا يخفى على من راجع كتبهم. واستندوا ايضا الى الاخبار المتقدمة الدالة على ايقاعهمما جالسا قبل ان يتلكم وانهما بعد السلام وقبل الكلام (1). واورد عليه بان غاية ما تدل عليه كون ايقاعهما قبل الكلام ولا تلازم بينه وبين الفورية. اقول: لا يخفى انه وان كان هذا الوجه لا يصلح دليلا إلا ان اشعاره بافورية ظاهر، فان المتبادر - من كونه بعد السلام وقبل الكلام كما اشتمل عليه بعض الاخبار مع حمل البعدية على البعدية القريبة كما هو المتبادر من الاطلاق - هو الفورية به وظاهر الشهيد في الالفية جعل الفورية مستحبة فيهما حيث قال: ولا يجب فعلهما في الوقت ولا قبل الكلام والاولى وجوبه. قال شيخنا الشهيد الثاني في الشرح: لورود اخبار كثيرة وفيها اشعار بالفورية، ولما كانت الاخبار ليست سليمة من الطعن لم يكن التزام مدولها متعينا بل اولى. ثم نقل القول بالفورية عن الذكرى. وظاهر كلامه (قدس سره) ان سبب العدول الى استحباب الفورية


(1) ص 330


[ 345 ]

دون الوجوب إنما هو من حيث عدم سلامة الاخبار المشار إليها من الطعن. والظاهر ان مراده الطعن في الدلالة لما قدمنا ذكره وإلا فجملة من الاخبار المشار إليها لا طعن فيها من حيث السند. ثم انه على القولين المذكورين لا يقدح تأخيرهما في صحة الصلاة ويجب الاتيان بهما وان طالت المدة. ونقل ايضا عن ظاهر العلامة في النهاية استحباب الفورية. وظاهر جملة من الاصحاب تحريم سائر المنافيات قبلهما، وربما كان التفانهم الى ان الامر بهما بعد التسليم وقبل الكلام الذى هو من المنافيات وتخصيصه بالذكر حيث ان الغالب وقوعه بعد الفراغ وذكره انما خرج مخرج التمثيل لذلك. وبه يظهر ما في رد بعض المتأخرين لما ذكروه بانه غير مستفاد من الاخبار. وكيف كان فالاحتياط يقتضيه البتة. وذهب جماعة من الاصحاب الى وجوب اليقاعهما في وقت الصلاة التى لزمتا بسببها ولم يذكروا له دليلا معتمدا، وظاهر الالفية كما تقدم في عبارتها الاستحباب. وظاهر اكثر الاصحاب الاتفاق على انه لو اخل بالفور أو الوقت أو تكم عمدا أو سهوا لا تبطل الصلاة به ولا يسقط السجود إذ لا دليل يدل على اشتراط صحة الصلاة به كما تقدم ذكره، وتدل عليه رواية عمار المتقدمة في المقام السادس وكذا روايته الثانية المذكورة ثمة (1) إلا ان موردهما النسيان. وظاهر الثانية وقوع السهو في الصلاة السابقة على الفجر.

تتمة تشتمل على فائدتين:

(الاولى) - الاظهر انه لا خلاف بين الاصحاب في التخيير في النافلة بين البناء على الاكثر أو الاقل لو عرض له الشك فيها مع افضلية البناء على الاقل، قال في المدارك: لا ريب في افضلية البناء على الاقل لانه المتيقن، واما جواز البناء على


(1) ص 339


[ 346 ]

الاكثر فقال المصنف في المعتبر انه متففق عليه بين الاصحاب، واستدل عليه بان النافلة لا تجب بالشروع فكان للمكلف الاقتصار على ما اراد. ثم قال في المدارك: وهو استدلال ضعيف إذ ليس الكلام في جواز القطع وانما هو في تحقيق الامتثال بذلك وهو يتوقف على الدليل إذ مقتضى الاصل عدم وقوع ما تعلق به الشك. انتهى. وهو جيد. اقول يمكن ان يستدل لافضلية البناء على الاقل هنا بما رواه ثقة الاسلام في الكافي مرسلا (1) قال " وروى انه إذا سها في النافلة بنى على الاقل " والظاهر من ايراده هذا الخبر هو التنبيه على الفرق بين الفريضة والنافلة، فان حكم الفريضة - كما قدمنا تحقيقه - هو البناء على الاكثر مطلقا وما ورد فيها من البناء على الاقل فقد بينا وجهه، واما النافلة فان الحكم فيها هو البناء على الاقل لهذا الخبر. واما ما ذكره اصحابنا من جواز البناء على الاكثر فالظاهر انه لا مستند له إلا ما يدعونه من الاتفاق كما سمعت من عبارة المعتبر. قال في المدارك: واعلم انه لا فرق في مسائل السهو والشك بين الفريضة والنافلة إلا في الشك في الاعداد فان الثنائية من الفريضة تبطل بذلك بخلاف النافلة، وفى لزوم سجود السهو فان النافلة لا سجود فيها بفعل ما يوجبه في الفريضة للاصل وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (علهيما السلام) (2) قال: " سألته عن السهو في النافلة ؟ قال ليس عليك سهو " انتهى. وهو جيد. والظاهر من صحيحة محمد بن مسلم المذكورة ان السهو في النافلة لا يوجب ما يوجبه السهو في الفريضة من سجدتي السهو أو غيرهما فمعنى قوله " ليس عليك سهو " رفع احكام السهو بالكلية. واما ما ورد في بعض الاخبار من الاعادة بالشك في الوتر فحمله الاصحاب


(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة (2) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة، وفيه هكذا " ليس عليك شئ " وكذا في الفروع ج 1 ص 100 والتهذيب ج 1 ص 234 والوافى باب " من لا يعتد بشكه.. "


[ 347 ]

على الاستحباب دون البطلان وقد تقدم ذكره. وروى الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) قال: " سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة ؟ قال يدع ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ثم يستأنف الصلاة بعد ". وهذا الخبر مؤيد لما ذكرناه في معنى صحيحة محمد بن مسلم من العموم فانه في هذه الصورة المفروضة قد صلى النافلة ثلاث ركعات ولم يذكر إلا في حال ركوعه في الثالثة فأمره عليه السلام بالغاء الركعة الثالثة والبناء على الركعتين الاولتين ولم يحكم ببطلان النافلة للزيادة كما حكموا به في الفريضة. وفى معناها رواية الحسن الصيقل المتقدمة في المقام الثالث (2) والله العالم.

(الثانية) - روى ثقة إلاسلام والصدوق عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله اشكو اليك ما القى من الوسوسة في صلاتي حتى لا ادرى ما صليت من زيادة أو نقصان ؟ فقال: إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك الايسر باصبعك اليمنى المسبحة ثم قل: بسم الله وبالله توكلت على الله اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. فانك تنحره وتطرده ". وروى الصدوق في الفقيه (4) عن عمر بن يزيد في الصحيح انه قال " شكوت الى ابى عبد الله (عليه السلام) السهو في المغرب فقال صلها بقل هو الله أحد وقل يا ايها الكافرون ففعلت ذلك فذهب عنى ". وعن ابى حمزة الثمالى عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " اتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال يا رسول الله لقيت من وسوسة صدري شدة وانا رجل معيل مدين محوج ؟ فقال له كرر هذه الكلمات " توكلت على الحى الذى لا يموت والحمد لله الذى لم يتخذ


(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة (2) ص 332 (3) الوسائل الباب 31 من الخلل في الصلاة. (4) و (5) ج 1 ص 224


[ 348 ]

صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره وتكبيرا " قال فلم يلبث ان عاد إليه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله اذهب الله عنى وسوسة صدري وقضى دينى ووسع رزقي " نسأل الله ان يذهب عنا وسوسة الصدور وينجينا من عداوة الشيطان الرجيم في الورود والصدور ويقضى عناديون الدنيا والاخرة ويصلح لنا الامور ويوسع في ارزاقنا ويقينا كل محذور. الى هنا انتهى الكلام في المجلد الثالث (1) من كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه ان شاء الله تعالى المجلد الرابع في صلاة الجمعة وما يتبعها من الصلوات والملحقات وفق الله لاتمامه والفوز بسعادة ختامه ودفع عنا عوائق هذه الايام وما تبديه ولا سيما عروض الامراض والاسقام وبوائقها التى لا تنيم ولا تنام. وكان ذلك في الارض المقدسة التى على التقوى مؤسسة كربلاء المعلى على ساكنها واجداده وابنائه صلوات ذى العلا في اليوم الاول من الشهر المبارك شهر رمضان ختم بالخير والعافية والرضوان من السنة الثامنة والسبعين بعد المائة والالف من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله افضل التحية.


(1) هذا بحسب تقسيمه " قدس سره " واما بحسب تقسيمنا فهذا هو الجزء التاسع وينتهى - حفظا للتوازن بين الاجزاء - بنهاية المطلب الاول في بيان حكم صلاة االجمعة في زمن الغيبة، ويبتدئ الجزء العاشر من المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>