تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء التاسع


الباب الثالث

في بقية الصلوات

وفيه فصول

الفصل الأول

في صلاة الجمعة

 

وفيه مقدمة ومطالب: اما المقدمة ففى فضل يوم الجمعة وليلته:

روى في الكافي عن ابى بصير (2) قال " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة ".


(2) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 349 ]

وعن احمد بن محمد عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (1) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان يوم الجمعة سيد الايام يضاعف الله تعالى فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ويكشف فيه الكربات ويقضى فيه الحوائج العظام، وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار، وما دعا به أحد عن الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حقا على الله تعالى ان يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فان مات في يومه وليلته مات شهيدا وبعث آمنا، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عزوجل ان يصليه نار جنهم إلا ان يتوب ". وعن ابان عن الصادق عليه السلام (2) قال: " ان للجمعة حقا وحرمة فاياك ان تضيع أو تقصر في شئ من عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلها، فان الله يضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات. وذكر ان يومه مثل ليلته فان استطعت ان تحييها بالصلاة والدعاء فافعل فان ربك ينزل في اول ليلة الجمعة الى السماء الدنيا فيضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات وان الله واسع كريم " اقول: الظاهر كما استظهره في الوافى وقوع التقديم والتأخير في قوله في الخبر " يومه مثل ليلته " سهوا من بعض النقلة وانه انما كان " ليلته مثل يومه ". وعن ابن ابى يعفور عن الباقر عليه السلام (3) قال: " قال له رجل كيف سميت الجمعة ؟ قال ان الله عزوجل جمع فيها خلقه لولاية محمد صلى الله عليه وآله ووصيه في الميثاق فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه ". وعن جابر عن الباقر عليه السلام (4) قال: " سئل عن يوم الجمعة وليلتها فقال ليلتها ليلة غراء ويومها يوم ازهر، وليس على وجه الارض يوم تغرب فيه


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (3) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها. والسند فيه هكذا: عن ابن ابى يعفور عن ابى حمزة عن ابى جعفر " ع " وكذا في الفروع ج 1 ص 115. وفى التهذيب ج 1 ص 246 عن الكليني كما في المتن وكذا في الوافى باب فضل يوم الجمعة وليلته.


[ 350 ]

الشمس اكثر معافى من النار، من مات يوم الجمعة عارفا بحق اهل البيت (عليهم السلام) كتب الله تعالى له براءة من النار وبراءة من عذاب القبر، ومن مات ليلة الجمعة أعتق من النار ". وعن ابراهيم ابن ابى البلاد عن بعض اصحابه عن الباقر أو الصادق (عليهما السلام) (1) قال: " ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة وان كلام الطير فيه إذا لقى بعضها بعضا سلام يوم صالح ". وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " قلت له بلغني ان يوم الجمعة اقصر الايام ؟ قال كذلك هو. قلت جعلت فداك كيف ذاك ؟ قال ان الله تعالى يجمع ارواح المشركين تحت عين الشمس فإذا ركدت الشمس عذب الله ارواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود رفع الله تعالى عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود ". وروى في الفقيه (3) مرسلا قال: " سئل الصادق عليه السلام عن الشمس كيف تركد كل يوم ولا يكون لها يوم الجمعة ركود ؟ قال لان الله تعالى جعل يوم الجمعة اضيق الايام. فقيل له ولم جعله أضيق الايام ؟ قال لانه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده ". وروى في الفقيه والتهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " ان الله تبارك وتعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من اول الليل الى آخره ألا عبد مؤمن يدعوني لاخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فاجيبه ؟ ألا عبد مؤمن يتوب الى من ذنوبه قبل طلوع الفجر فاتوب عليه ؟ ألا عبد مؤمن قد قترت عليه


(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (2) الفروع ج 1 ص 116 وفى الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (3) ج 1 ص 145 وفى الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (4) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآدابها. والرواية عن ابى جعفر (ع)


[ 351 ]

رزقه يسألنى الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فازيده واوسع عليه ؟ ألا عبد مؤمن سقيم يسألنى أن أشفيه قبل طلوع الفجر فاعافيه ؟ ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألنى ان اطلقه من حبسه واخلي سربه ؟ ألا عبد مؤمن مظلوم يسألنى ان آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له وآخذ له بظلامته ؟ قال فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر ". وروى في الفقيه عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى عن ابراهيم بن ابى محمود (1) قال: " قلت للرضا عليه السلام ما تقول في الحديث الذى يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال ان الله تبارك تعالى ينزل في كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا ؟ فقال عليه السلام لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك انما قال ان الله تبارك وتعالى ينزل ملكا الى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير وليلة الجمعة من اول الليل فيأمره فينادى هل من سائل فاعطيه ؟ هل من تائب فاتوب عليه ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل ويا طالب الشر اقصر. فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد الى محله من ملكوت السماء. حدثنى بذلك ابى عن جدى عن أبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ". اقول: يمكن ان يكون وجه الجمع بين هذا الخبر وما تقدم في حديث ابان بحمل تحريف الكلم عن مواضعه في هذا الخبر على فهم المخالفين من هذا الحديث الذى نقلوه عنه صلى الله عليه وآله التجسيم وان نزوله عزوجل انما هو باعتبار نزول من يأمره بذلك، فان هذا المجاز شائع في الكلام كما تقول " قتل الملك فلانا " باعتبار امره بذلك، ويكون الخبر الذ " نقله عليه السلام هنا انما هو عبارة عن معنى ذلك الخبر وان المراد به ذلك لا ما فهموه من التجسيم وجواز الانتقال عليه عزوجل كما هو مذهب الحنابلة (2).


(1) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآدابها (2) نسبه إليهم العلامة " قدس سره " في (نهج الحق وكشف الصدق) وانكر النسبة =


[ 352 ]

وروى في الفقيه (1) مرسلا قال: " وروى انه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة وكان اليوم الذى نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله امير المؤمنين عليه السلام بغدير خم يوم الجمعة، وقيام القائم عليه السلام يكون في يوم الجمعة، وتقوم القيامة في يوم الجمعة يجمع الله تعالى فيه الاولين والاخرى، قال الله عزوجل: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (2). وروى محمد عن الصادق عليه السلام في قول يعقوب لبنيه: سوف استغفر لكم ربى (4) قال: " اخرها الى السحر ليلة الجمعة ". وروى أبو بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: " ان العبد المؤمن ليسأل الله عزوجل الحاجة فيؤخر الله عزوجل قضاء حاجته التى سأل الى يوم الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة ". وروى داود بن سرحان عن الصادق عليه السلام (6) في قول الله عزوجل: وشاهد ومشهود (7) قال " الشاهد يوم الجمعة ".


= ابن روزبهان وايد القاضى التستري في احقاق الحق نسبة المصنف إليهم بنسبة الفخر الرازي ذلك إليهم في رسالته في ترجيح مذهب الشافعي، راجع دلائل الصدق للحجة المظفر ج 1 ص 133. وفى كتاب السنة لاحمد بن حنبل ص 48 و 49 " والله تعالى سميع لا يشك.. الى ان قال: ويبصر ويضحك... قم قال وينزل تبارك وتعالى كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا كيف يشاء " 42: 11 ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " وقلوب العباد بين اصبعين من اصبع الرب وخلق الله عزوجل آدم " عليه السلام " بيده والسموات والارض يوم القيامة في كفه ويخرج قوما من النار بيده وينظر اهل الجنة الى وجهه ويرونه فيكرمهم ويتجلي لهم فيعطيهم ". (1) ج 1 ص 272 (2) سورة هود الاية 105 (3) و (5) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة وآداب (4) سورة يوسف الاية 99 (6) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها (7) سورة البروج الاية 3


[ 353 ]

قال في مجمع البيان (1) في تفسير قوله تعالى " وشاهد ومشهود " فيه اقوال (احدها) - ان الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة عن ابى عباس وقتادة، وروى ذلك عن الباقر والصادق (عليهما السلام) وعن النبي صلى الله عليه وآله ايضا وسمى يوم الجمعة شاهدا لانه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وفى الحديث " ما طلعت الشمس على يوم ولا غرب على يوم أفضل منه وفيه ساعة لا يواففقها من يدعو فيها الله تعالى بخير إلا استجاب له ولا استعاذ من شر إلا اعاذه منه " ويوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج وتشهده الملائكة. و (ثانيها) ان الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة عن ابراهيم. و (ثالثها) ان الشاهد محمد صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية اخرى وسعيد بن المسيب وهو المروى عن الحسن بن على (عليهما السلام) وروى ان رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال فسألته عن الشاهد والمشهود فقال: نعم الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن ذلك فقال نعم: اما الشاهد فيوم الجمعة واما المشهود فيوم النحر. فجزتهما الى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن ذلك فقال: نعم اما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله واما المشهود فيوم القيامة، اما سمعته سبحانه يقول " يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " (2) وقال " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (3) فسألت عن الاول فقالوا ابن عباس وسألت عن الثاني فقالوا ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا الحسن ابن على (عليهما السلام). و (رابعها) ان الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة، وعن ابى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اكثروا الصلاة على يوم الجمعة فانه يوم مشهود تشهده الملائكة وان أحدا لا يصلى على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها. قال


(1) ج 5 ص 466 (2) سورة الاحزاب الاية 44 (3) سورة هود الاية 105


[ 354 ]

فقلت وبعد الموت ؟ فقال ان الله تعالى حرم على الارض ان تأكل اجساد الانبياء فنبي الله حى يرزق " و (خامسها) ان الشاهد الملك يشهد على ابن آدم والمشهود يوم القيامة عن عكرمة، وتلا هاتين الايتين " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " (1) " وذلك يوم مشهود " (2) و (سادسها) ان الشاهد الذين يشهدون على الناس والمشهود هم الذين يشهد عليهم عن الجبائى. و (سابعها) الشاهد هذه الامة والمشهود سائر الامم لقوله " لتكونوا شهداء على الناس (3) " عن الحسن ابن الفضل. و (ثامنها) الشاهد اعضاء بنى آدم والمشهود هم لقوله تعالى " يوم تشهد عليهم السنتهم... الاية " (4) و (تاسعها) الشاهد الحجر الاسود والمشهود الحاج. و (عاشرها) الشاهد الايام والليالي والمشهود بنو آدم، وينشد للحسين بن على عليه السلام مضى امسك الماضي شهيدا معدلا * وخلفت في يوم عليك شهيد فان انت بالامس اقترفت اساءة * فقيد باحسان وانت حميد ولا ترج فعل الخير يوما الى غد * لعل غدا يأتي وأنت فقيد (الحادى عشر) الشاهد الانبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وآله لقوله سبحانه " واذ أخذ الله ميثاق النبيين... الى قوله فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين " (5) (الثاني عشر) الشاهد الخلق والمشهود الحق " وفى كل شئ له آية تدل على انه واحد " وقيل الشاهد الله والمشهود لا إله إلا الله لقوله تعالى: " شهد الله انه لا إله إلا هو... الاية " (6). انتهى. وروى الصدوق في الفقيه عن المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام (7) انه قال " من وافق منكم يوم الجمعة فلا يشتغلن بشئ غير العبادة فان فيه يغفر للعباد وتنزل عليهم الرحمة ".


(1) سورة ق الاية 20 (2) سورة هود الاية 105 (3) سورة البقرة الاية 137 (4) سورة النور الاية 24 (5) سورة آل عمران الاية 75 (6) سورة آل عمران الاية 16 (7) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 355 ]

قال: وروى الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين عليه السلام (1) انه قال: " ليلة الجمعة ليلة غراء ويومها يوم ازهر من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من ضغطة القبر ومن مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار ". وعن هشام بن الحكم في الصحيح عن الصادق عليه السلام (2) " في الرجل يريد ان يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا ؟ قال يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة فان العمل يوم الجمعة يضاعف ". وروى في الخصال بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله (3) قال: " ان ليلة الجمعة ويوم الجمعة اربع وعشرون ساعة لله عزوجل في كل ساعة ستمائة الف عتيق من النار ". وعن ابن ابى عمير عن غير واحد عن الصادق عليه السلام (4) قال: " السبت لنا والاحد لشيعتنا والاثنين لاعدائنا والثلاثاء لبنى امية (لعنهم الله) والاربعاء يوم شرب الدواء والخميس تقضى فيه الحوائج والجمعة للتنظيف وهو عيد المسلمين وهو أفضل من الفطر والاضحى، ويوم غدير خم أفضل الاعياد وهو الثامن عشر من ذى الحجة. ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة وتقوم القيامة يوم الجمعة، وما من عمل أفضل يوم الجمعة من الصلاة على محمد وآله " الى غير ذلك من الاخبار وفى ما ذكرناه كفاية لذوى الاعتبار.

المطلب الاول

في بيان حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة

ونقل الاقوال والاخبار وبيان ما هو المختار الظاهر من الاية واحاديث العترة الاطهار (صلوات الله عليهم آناء الليل والنهار " إلا انا قبل الخوض في المقام نقدم من التحقيق الظاهر لذوى الافهام ما عسى به تنكشف غشاوة الابهام وتنجلى به غياهب الظلام: فنقول: لا ريب ان الظاهر من الاخبار حتى كاد ان يكون كالشمس الساطعة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 356 ]

على جميع الاقطار هو الوجوب العينى الذى لا يختلجه الشك منها والانكار متى لوحظت في حد ذاتها بعين الانصاف والاعتبار إلا ان الشبهة قد دخلت على جل اصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة من وجهين فاسقطوا بذلك فيها الوجوب العينى من البين:

(احدهما) عدم جواز العمل بخبر الواحد فان بعضا منهم منع من العمل به وبعضا توقف في ذلك وتحقيق ذلك في الاصول.

و (ثانيهما) من أخذ الاجماع مدركا شرعيا كالكتاب والسنة النبوية وجعله دليلا مرعيا يعتمد عليه في الاحكام الشرعية، فالكلام هنا يقع في مقامين:

(الاول) - في العمل بخبر الواحد فانا نقول بتوفيق الله تعالى وهدايته وعنايته: ان اخبارنا المروية في كتب الاخبار المصنفة من علمائنا الابرار وان صدق عليها اخبار الاحاد باعتبار المقابلة المتواتر إلا انها قد اعتضدت بالقرائن الدالة على صحتها عن الائمة الطاهري كما صرح به جملة من علمائنا المحققين: منهم - شيخ الطائفة في صدر كتاب الاستبصار وكتاب العدة وغيره في غيرهما، بل صرح بذلك المرتضى (رضى الله عنه) الذى هو احد المنقول عنه تلك المقالة كما نقله عنه في المعالم. ولا يخفى ان عمل اصحابنا (رضوان الله عليهم) قديمهم وحديثم مجتهدهم واخباريهم إنما هو على هذه الاخبار وبناء مذهبهم إنما هو عليها، وقد قيض الله تعالى بلطيف حكمته ومنيف عنايته اقواما من الثقات الصادقين في زمن الائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) لجمع الاخبار المسموعة عنهم (عليهم السلام) وتدوينها في الاصول المشهورة وهى اربعمائة أصل كما صرح به جملة من الاصحاب وامروا من أهل البيت (صلوات الله عليهم اجمعين) بتدوينها وحفظها لعلهم بما يحدث من التقية والحيرة بعد غيبة قائمهم (عليهم السلام) وانسداد ابواب استفادة الاحكام التى كانت في زمانهم وزمان نواب قائمهم مشرعة لجملة الانام فالعمل والمدار في الايراد والاصدار إنما هو على هذه الاخبار كما لا يخفى على ذوى البصائر والابصار. ولنكتف هنا بنقل كلام المحقق المدقق صاحب المعالم في المقام ونذكره مع طوله لجودة محصوله وان طال به زمام الكلام فنقول:


[ 357 ]

قال المحقق المذكور بعد ان ذكر اولا ان خبر الواحد يفيد العلم مع انضمام القرائن إليه واحتجاجه بما ذكره من الحجج عليه، ثم ذكر ان ما عرى من خبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبد به عقلا، وهل هو واقع أو لا ؟ خلاف بين الاصحاب، فذهب جمع من المتقدمين كالمرتضى وابن زهرة وابن البراج وابن ادريس الى الثاني وصار جمهور المتأخرين الى الاول وهو الاقرب، ثم استدل على ذلك بوجوه ثم ذكر الاول والثانى ثم قال ما صورته: الثالث - اطباق قدماء الاصحاب الذين عاصروا الائمة (عليهم السلام) وأخذوا منهم أو قاربوا عصرهم على رواية اخبار الاحاد وتدوينها والاعتناء بحال الرواة والتفحص عن المقبول والمردود والبحث عن الثقة والضعيف واشتهار ذلك بينهم في كل عصر من تلك الاعصار وفى زمان امام بعد امام ولم ينقل عن أحد منهم انكار لذلك أو مصير الى خلافه ولا روى عن الائمة (عليهم السلام) حديث يضاده مع كثرة الروايات عنهم في فنون الاحكام، قال العلامة في النهاية: اما الامامية فالاخباريون منهم لم يعولوا في اصول الدين وفروعه إلا على اخبار الاحاد المروية عن الائمة (عليهم السلام) والاصوليون منهم كأبى جعفر الطوسى وغيره وافقوا على قبول الخبر الواحد في الفروع ولم ينكره احد سوى المرتضى واتباعه لشبهة حصلت لهم. وحكى المحقق عن الشيخ سلوك هذا الطريق في الاحتجاج للعمل باخبارنا المروية عن الائمة (عليهم السلام) مقتصرا عليه فادعى الاجماع على ذلك وذكر ان قديم الاصحاب وحديثهم إذا طولبوا بصحة ما افتى به المفتى منهم عولوا على المنقول في اصولهم المعتمدة وكتبهم المدونة فيسلم له خصمه منهم الدعوى في ذلك، وهذه سجيتهم من زمن النبي صلى الله عليه وآله الى زمن الائمة (عليهم السلام) فلو لا ان العمل بهذه الاخبار جائز لانكروه وتبرأوا من العامل به. وموافقونا من أهل الخلاف احتجوا بمثل هذه الطريقة ايضا فقالوا ان الصحابة والتابعين اجمعوا على ذلك بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد وعملهم به في الوقائع المختلفة التى لا تكاد تحصى، وقد تكرر ذلك مرة بعد اخرى وشاع وذاع بينهم ولم ينكر عليهم أحد والا لنقل، وذلك يوجب العلم العادى


[ 358 ]

باتفاقهم كالقول الصريح.

(الرابع) - ان باب العلم القطعي بالاحكام الشرعية التى لم تعلم بالضرورة من الدين أو من مذهب اهل البيت (عليهم السلام) في نحو زماننا منسد قطعا، إذ الموجود من ادلتها لا يفيد غير الظن لفقد السنة المتواترة وانقطاع طريق الاطلاع على الاجماع من غير النقل بخبر الواحد ووضوح كون اصالة البراءة لا تفيد غير الظن وكون الكتاب ظنى الدلالة، وإذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعى كان التكليف فيه بالظن قطعا، والعقل قاض بان الظن إذا كانت له جهات متعددة تتفاوت بالقوة والضعف فالعدول عن القوى منها الى الضعيف قبيح، ولا ريب ان كثيرا من أخبار الاحاد يحصل بها من الظن ما لا يحصل بشئ من سائر الادلة فيجب تقديم العمل بها. ثم ساق الكلام في الذب عن ما ذكره في المقام ورد حجج اولئك الاعلام على ما ذهبوا إليه من ذلك القول الناقص العيار والقليل المقدار، الى ان قال: وقد اورد السيد على نفسه في بعض كلامه سؤالا هذا لفظه: فان قيل إذا سددتم طريق العمل بالاخبار فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله ؟ واجاب بما حاصله ان معظم الفقه يعلم بالضرورة من مذهب أئمتنا (عليهم السلام) فيه بالاخبار المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه - ولعله الاقل - يعول فيه على اجماع الامامية. وذكر كلاما طويلا في بيان ما يقع فيه الاختلاف بينهم ومحصوله انه إذا امكن تحصيل القطع باحد الاقوال من طرق ذكرناها تعين العمل عليه وإلا كنا مخيرين بين الاقوال المختلفة لتعذر ذليل التعيين. ولا ريب ان ما ادعاه من علم معظم الفقه بالضرورة وباجماع الامامية امر ممتوع في هذا الزمان واشباهه والتكليف فيها بحصول العلم غير جائز والاكتفاء بالظن في ما يتعذر فيه العلم مما لا شك فيه ولا نزاع - وقد ذكره في غير موضع من كلامه ايضا - فتستوي حينئذ الاخبار وغيرها من الادلة المفيدة للظن في الصلاحية لاثبات الاحكام الشرعية في الجملة كما حققناه، مع ان السيد قد اعترف في جواب المسائل التبانيات بان اكثر اخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر واما بامارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهى موجبة للعلم مقتضية للقطع وان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الاحاد.


[ 359 ]

الى هنا ما نقلناه من كلام المحقق المشار إليه آنفا وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه إلا ان جعله (قدس سره) الاخبار تبعا لما ذكره غيره من علمائنا الابرار من قبيل اخبار الاحاد العارية عن القرائن الموجبة للعلم بصحتها محل مناقشة بطول بذكرها الكلام. ثم ان مما يدل على الاعتماد على اخبار الاحاد وصحة العمل بها ما روى عنه صلى الله عليه وآله (1) في خطبة الغدير وغيرها من قوله " فليبلغ الشاهد الغائب " وقوله صلى الله عليه وآله في خطبته في مسجد الخيف المروية في الكافي وغيره عن الصادق عليه السلام (2) " رحم الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه... الحديث " وحديث (3) " من حفظ على امتى اربعين حديثا " وما علم من ارساله صلى الله عليه وآله وكذا امير المؤمنين عليه السلام بعده في وقت خلافته الى جباية الخراج والصدقات والمقاسمات بل غير ذلك من الولايات الى البلدان البعيدة آحاد الناس ممن لم يبلغ عددهم التواتر فان جيمع ذلك ونحوه مما يدل على ان المرجع في العمل بالاخبار ليس إلا الى ما يقتضى سكون النفس واطمئنان الخاطر لا الى ما يقتضى القطع واليقين بصحة المخبر به من عدد أو قرينة كما توهمه من لم يعض بضرس قاطع على تتبع السير


(1) الوسائل الباب 8 من صفات القاضى والغدير ج 1 ص 33 (2) الوسائل الباب 8 من صفات القاضى عن الكافي بطريقين ولفظ الاول هكذا: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه.. " والثانى بمعناه بادنى تفاوت في اللفظ. وفى مجمع البحرين نقل الحديث في مادة " نضر " هكذا " نضر الله امرأ " وفى مستدرك الوسائل الباب 8 من صفات القاضى نقله بلفظ " نضر " ايضا الا في رواية عوالي اللئالى فان فيها " رحم " وفى رسالة الاصول للشافعي في مقدمة كتاب الام ص 65 نقل الحديث كما في الوسائل (3) نقله في الوسائل بطرق متعددة في الباب 8 من صفات القاضى وفيها هكذا: " من حفظ من امتى... " أو " من حفظ من شيعتنا... " نعم اللفظ في رواية الخصال كما في المتن وكذا في المستدرك الباب 8 من صفات القاضى عن العوالي.


[ 360 ]

والاخبار ولم يعط التأمل حقه في الاثار. وبالجملة فان ما ذهب إليه اولئك المتقدم ذكرهم من المنع من العمل بخبر الواحد ودعوى كون اخبارنا المذكورة من جملة ذلك في البطلان اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان، إذ ليس مع رد هذه الاخبار المدونة في كتب الاصحاب إلا الخروج من هذا الدين أو العمل على غير مذهب ودين، وذلك فانه ليس بعد هذه الاخبار عندهم إلا الكتاب والاجماع ودليل العقل، ولا ريب ان الكتاب لما هو عليه من الاجمال وقبول الاحتمال لا يفى بالمراد، واما الاجماع فقد عرفت وستعرف ما فيه من انه ليس في عده إلا تكثير السواد وتضييع المداد، واما دليل العقل فاضعف ومع تسليمه فهو لا يأتي على جميع الاحكام. ثم انه مما يزيد ما ذكرناه تأييدا ويعلى مناره تشييدا ما استفاض بل تواتر معنى بين الخاصة والعامة من قوله صلى الله عليه وآله (1) " انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتى لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " وهو مروى بطرق عديدة ومتون متقاربة، ونحوه خبر (2) " أهل بيتى كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق ".


(1) في الوسائل الباب 5 من صفات القاضى " قد تواتر بين العامة والخاصة عن النبي " ص " انه قال " انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " ورواه الترمذي في سننه ج 13 ص 200 و 201 باختلاف يسير في اللفظ ومسلم في صحيحه ج 7 ص 122 و 123 واحمد في مسنده ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 وج 4 ص 366 والدارمى في سننه ج 2 ص 432، وقد ذكر الشيخ قوام الدين الوشنوى في رسالته " حديث الثقلين " المطبوعة بالقاهرة باشراف دار التقريب ص 6 مصادر هذا الحديث من كتب العامة وهى كثيرة وذكر فيها اختلاف المتن ايضا. وقد روى الحديث ايضا في كتب العامة بلفظ الكتاب والسنة دون العترة وقد ذكر مصادر ذلك في مفتاح كنوز السنة ص 447. (2) الوسائل الباب 5 من صفات القاضى ونقله في الغدير ج 2 ص 301 =


[ 361 ]

والتقريب فيهما هو دلالتهما على ان النجاة والامن من الوقوع في مهاوى الضلال انما هو في التمسك بحبل الال (عليهم صلوات ذى الجلال) والاقتداء بهم في الاقوال والافعال، وحينئذ فاما ان يخص هذا بزمان وجودهم (صلوات الله عليهم) وما قاربه واللازم منه تضييع باقى الامة الى يوم القيامة، لانه صلى الله عليه وآله كان عالما بامتداد امته الى يوم القيامة وكان عالما بان زمان وجود الائمة (عليهم السلام) الى وقت الغيبة إنما هو زمان يسير، وعلى هذا فلو قصر الامر بالتمسك بهم على زمان وجودهم وما قاربه فاللازم ما ذكرناه وهو مما يقطع بفساده، واما ان يجعل هذا الخطاب للامه والامر لهم بالاتباع والتمسك الى يوم القيامة وهو لا يتم إلا بالعمل بهذه الاخبار المروية عن ابنائه الاطهار التى هي محل البحث، إذ لا طريق في مثل زماننا هذا وامثاله من ازمان الغيبة الى اتباعهم والاخذ بدينهم والتمسك بهم سواها. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. ثم لا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين الاشارة الى سد باب التمسك بسوى الثقلين المذكورين حيث كان رفع الضلال على وجه الشمول لافراده وافراد زمانه والنجاة ليس مرتبا إلا على التمسك بهما، وبالجملة فان التمسك بهما طريق علم انها مخلصة من الضلال على كل حال واما غير مما فما اشد الاشكال فيه والاعضال سيما مع عدم ورود الاذن بالاخذ به في حال من الاحوال.

(المقام الثاني) في الاجماع وقد تقدم في مقدمات الكتاب نزر من القول


= عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 151 عن ابى ذر وصححه. ولفظه فيه " مثل اهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق " ونقله ايضا عن تاريخ الخطيب ج 12 ص 91 وكثير من غيرهما. قال واشار إليه الامام الشافعي بقوله المأثور عنه في رشفة الصادي ص 24 ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في ابحر الغى والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم اهل بيت المصطفى خاتم الرسل وامسكت حبل الله وهو ولاؤهم * كما قد امرنا بالتمسك بالحبل


[ 362 ]

في بيان بطلان القول به والاعتماد عليه في الاحكام الشرعية وعدم كونه مدركا لها وان اشتهر في كلامهم عده من المدارك القطعية كالكتاب العزيز والسنة النبوية، ونزيده هنا بمزيد من التحقيق الرشيق والتذقيق الانيق: فنقول: قد عرفت مما قدمنا في المقام الاول دلالة خبر الثقلين على ان ما يعمل به أو عليه من حكم فرعى أو مدرك أصلى يجب أن يكون متمسكا فيه بكتاب الله تعالى واخبار العترة على ما مر من البيان لتحقيق الامن من الضلال والنجاة من اهوال المبدأ والمال، والزاعم لكون ذلك مدركا شرعيا زائدا على ما ذكره صلى الله عليه وآله يحتاج الى اقامة البرهان والدليل وليس له الى ذلك سبيل إلا مجرد القال والقيل ومن الظاهر عند التأمل بعين الانصاف وتجنب المصبية للمشهورات الموجبة للاعتسافات ان عد اصحابنا (رضوان الله عليهم) الاجماع مدركا إنما اقتفوا فيه العامة العمياء لاقتفائهم لهم في هذا العلم المسمى بعلم اصول الفقه وما اشتمل عليه من المسائل والاحكام والابحاث وهذه المسألة من امهات مسائله، ولو ان لهذا العلم من اصله اصلا اصيلا لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يؤذن بذلك، إذ لا يخفى على من لاحظ الاخبار انه لم يبق امر من الامور التى يجرى عليها الانسان في ورود أو صدور من اكل وشرب ونوم ونكاح وتزويج وخلاء وسفر وحضر ولبس ثياب ونحو ذلك إلا وقد خرجت الاخبار ببيان السنن فيه وكذا في الاحكام الشرعية نقيرها وقطميرها، فكيف غفلوا (عليهم السلام) عن هذا العلم مع انه كم زعموه مشتمل على اصول الاحكام الشرعية فهو كالاساس لها لابتنائها عليه ورجوعها إليه هذا، وعلماء العامة كالشافعي وغيره في زمانهم (عليهم السلام) كانوا عاكفين على هذه العلوم تصنيفا وتأليفا واستباطا للاحكام الشرعية بها وجميع ذلك معلوم للشيعة في تلك الايام فكيف غفلوا عن السؤال منهم عن شئ من مسائله ؟ ومع غفلة الشيعة كيف رضيت الائمة (عيلهم السلام) بذلك لهم ولم يهدوهم إليه ولم يوقفوهم عليه ؟ مع كون مسائله اصولا للاحكام كما زعمه اولئك الاعلام، ما هذا إلا عجب عجيب


[ 363 ]

كما لا يخفى على الموفق المصيب (1).


(1) اقول: ان توقف معرفة الاحكام الشرعية واستنباطها من ادلتها على الابحاث الاصولية من الوضوح بمكان لا مجال للشك فيه والارتياب، فانه بعد ما كان معظم الاحكام الشرعية نظريا تتوقف معرفته على البحث والاستدلال كما هو واضح ولم تكن دليلية ادلتها مستغنية عن الاثبات اصبح من الضرورى لمن يريد التفقه في الدين ومعرفة احكام سيد المرسلين " ص " ان يمهد الطريق لذلك بنحو يقطع بكونه طريقا بحكم الشارع تأسيسا أو امضاء ويبحث عن كل ما يأمن بسلوكه واتباعه مسؤولية مخالفة الحكم الشرعي المعلوم له اجمالا بالالتفات الى الشريعة الاسلامية والاعتقاد والتدين بها وان المسائل المتكفلة بالبحث عن ذلك هي مسائل اصول الفقه، ووجه التسمية مذكور في المتن. وان الامور التى يلزم ان يبحث عنها الفقيه في المسائل الاصولية اربعة: " الاول " الحجج فيبحث في كل ما يحتمل فيه الحجية والدليلية كالخبر الواحد والشهرة الفتوائية والاجماع وظواهر الكتاب المجيد، ومن ذلك بحث التعادل والترجيح لانه بحث عن الحجة في فرض التعارض " الثاني " ظواهر المواد والهيئات الافرادية والتركيبية التى تستعمل في الكتاب والسنة وغيرهما في مقام بيان الحكم بوجه كلى من دون اختصاص بمورد دون مورد كالامر والنهى والعام والمطلق وغير ذلك مما يبحث عنه في مباحث الالفاظ مما يلزم تشخيص مدلوله وظهوره بعد الفراغ عن حجية الظهور " الثالث " الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته والملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده والملازمة بين حرمة العبادة أو المعاملة وفسادها والملازمة بين وجوب الشئ وعدم حرمة مقارنه وملابسه وبين حرمة الشئ وعدم وجوب مقارنه، ويعبر عن البحث في الاخير ببحث اجتماع الامر والنهى، وكالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. ولا مناص للفقيه من البحث في هذه الملازمات لينتهى بالدليل القطعي الى الملازمة أو عدمها وبذلك يستكشف الحكم الشرعي " الرابع " الاصول العملية وهى القواعد التى ينتهى إليها الفقيه بعد فحصه وعجزه عن الظفر بالدليل على الحكم الشرعي فيبحث عن وظيفته في هذا الفرض من الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير حسب اختلاف الموارد. وهنا يقع البحث عن الوظيفة الشرعية اولا وعن الوظيفة العقلية ثانيا على تقدير عدم الانتهاء الى الوظيفة الشرعية. هذه هي مباحث =


[ 364 ]

ومما يعضد ما ذكرناه باوضح تأييد رسالة الصادق عليه السلام الى الشيعة وامره لهم


= الاصول التى تبتنى عليها معرفة الاحكام الشرعية ولا يستغنى الفقيه عن الاستعانة بها في استنباط الاحكام بنحو يكون معذورا وآمنا من المسؤولية في المخالفة ولا تكون فتواه مصداقا لعنوان التشريع، وما خرج عن هذه الامور فليس البحث فيه من المسائل الاصولية نعم قد تذكر في كتب الاصول بعض المباحث الخارجة عن العناوين الاربعة استطرادا لتشريح الاذهان ولا يوجب ذلك هدم البحث الاصولي وقلعه من اساسه بما اشتمل عليه من المسائل والاحكام والابحاث على حد تعبيره " قدس سره " وكيف كان فيندفع ما ذكره " اولا " بما تقدم. و " ثانيا " بالنقض بتحريره المسائل الاصولية في مقدمات كتابه وسيره عليها في الابحاث الفقهية. و " ثالثا " ان القواعد الاصولية - وان لم ترد في كلامهم " ع " بعنوانها الخاص - قد وردت متفرقة في الكتاب والسنة في ضمن الايات والروايات التى يستدل بها في المباحث الاصولية كالايات والروايات التى يستدل بها على حجية الخبر الواحد على تقدير تمامية الدلالة وكالاخبار العلاجية لتعارض الخبرين واخبار الاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية واخبار للبراءة والاحتياط وكقوله " ع " " علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا " المتقدم ج 1 ص 133 فانه شامل للقواعد الاصولية والفقهية وكالاخبار الامرة بطرح الخبر المخالف للكاتب وانه باطل وزخرف فانها تتضمن قاعدتين اصوليتين: احداهما عدم حجية الخبر المخالف للكتاب. الثانية - حجية ظواهر الكتاب كما يدل عليه قوله " ع " في رواية عبد الاعلى المتقدمة ج 1 ص 151 " يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ". و " رابعا " ان علماء العامة - كما هو واضح - لم يرجعوا الى الائمة " ع " في شئ من الاحكام الشرعية ولم يعترفوا لهم بالمرجعية فيها واستقلوا في فهم الكتاب والسنة والتزموا بحجية القياس والاستحسان وعملوا بالمصالح المرسلة، الى غير ذك من الاستنباطات الظنية المتبعة عندهم، ولم يعملوا بمقتضى حديث الثقلين الذى اناط الامن من الضلال بالتمسك بالكتاب والعترة وجعل العترة عدل الكتاب في المرجعية في امر الدين، وقد وردت عنهم " ع " الاخبار الكثيرة في ذم هذه الطريقة والنهى عن الاستقلال في الفتوى وانهم هم المرجع في الاحكام الشرعية مع الكتاب، فهذا النحو من الاصول المبتنى على الاستقلال في الفتوى والاستغناء عن الائمة " ع " وعدم =


[ 365 ]


= الاخذ منهم " ع " قد منعوا عنه واسقطوه عن درجة الاعتبار بالكلية، واما علم الاصول المتبع عند فقهاء الامامية فمرجعه في الحجج والتعارض بينها وفى الاصول العملية الشرعية هو الكتاب والاخبار الواردة عن المعصومين " صلوات الله عليهم اجمعين " ولا يتخطى فيه قيد شعرة عن اقوالهم تصريحا أو امضاء، ومرجعه في الملازمات والاصول العقلية حكم العقل القطعي من حيث كشفه عن الحكم الشرعي أو من حيث المنجزية والمعذرية. ومن الواضح عدم توجه الاعتراض على هذا النحو اصلا لاختلافه تمام من حيث المدرك والدليل عن علم الاصول المتبع عند العامة وتقيده بالمتابعة لاقوال العترة " ع " والاستناد الى حديث الثقلين وتقيد ذاك بعدم المتابعة لهم، فكيف ينسب علم الاصول المدون على ضوء حديث الثقلين ونحون والمبتنى على اتباع الحجتين الى من لم يرجع في الاحكام الى العترة أصلا واستقل عنها تماما. وبذلك يتضح ايضا حال الاجماع المتبع عند الامامية وأنه لا يمت إلى اجماع العامة بصلة إذ بعد ان كان اعتباره عند الامامية من حيث كشفه عن قول المعصوم - وان اختلفوا في وجهه - ولم يكن له من حيث كونه اتفاقا اية قيمة عندهم كان مؤسسا على اساس التمسك بالعترة وسائرا على النهج الذي سنه حديث الثقلين وغيره مما يؤدى مؤداه. ولا ينحصر التمسك بالعترة بالعمل باخبارهم فان تعيين النبي " ص " المرجع بعده في شرعه والتأكيد الصادر منه " ص " في هذا الشأن في حديث الثقلين وغيره إنما هو في قبال من علم " ص " انهم يرومون عزل العترة بعده عن هذا المنصب والاستغناء عنهم والاكتفاء بكتاب الله تعالى بزعمهم كما جرى ذلك على لسان بعضهم عندما طلب النبي " ص " ما يكتب به كتابا يضمن سلامة الامة بعده من الضلال فحال بينه وبين ذلك وقال " يكفينا كتاب الله " ونسب إليه " ص " ما أوجب عدم الاثر في ما يكتبه بل اخلاله بمقام النبوة كما أشار إليه بقوله " ص " " أبعد الذي قلتم " راجع مفتاح كنوز السنة ص 445 فالمخالف لمدلول الحديث هم الذين لم يعترفوا للعترة بمقامها الشامخ ولم يرجعوا إليهم في أمر الدين واكتفوا بالكتاب بزعمهم واما من يرى ان العترة عدل الكتاب ويرجع في الدين اليهما معا ولا يرجع الى الكتاب إلا بعد الفحص عن ما ورد من العترة في بيانه ويأخذ اقوالهم " ع " مما ورد من الاخبار عنهم ويستكشفها ايضا من اتفاق أصحابهم وتابعيهم ولا يتخطاها اصلا فهو ليس مخالفا لحديث الثقلين =


[ 366 ]

بمدارستها والتعهد لها المروية في روضة الكافي (1) باسانيد ثلاثة ونحن ننقل موضع الحاجة منها: قال عليه السلام " ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله عزوجل أتم لكم ما آتاكم من الخير، واعلموا انه ليس من علم الله تعالى ولا من امره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأى ولا مقاييس، قد انزل الله تعالى القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل القرآن ولتعلم القرآن اهلا، لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأى ولا مقاييس، اغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله تعالى اكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى هذه الامة بسؤالهم (2) وهم الذين قد سبق في علم الله تعالى ان من يتبعهم ويصدق اثرهم أرشدوه واعطوه من علم القرآن ما يهتدى به الى الله


= قطعا فكيف تنسب الى مثل هذا الشخص في استكشافه قول العترة من اتفاق اصحابهم وتابعيهم المتابعة لمن خالف النبي " ص " في شأن العترة ولم يرجع إليهم في امر الدين أصلا، وقد اعترف هو " قدس سره " بحجيته وكشفه عن قول المعصوم في موردين، راجع ج 1 ص 36. نعم استند الفقهاء في موارد كثيرة الى الاجماع وليس فيها اتفاق أو ليس الاتفاق فيها كاشفا عن قول المعصوم بنظر الاخرين كما انه قد يناقش بعض في كاشفية الاتفاق كلية، ولا يصحح شئ من ذلك هذه النسبة إليهم وانما تتوجه عليهم المناقشة بعدم تحقق الكاشف فقط. وقد وجه بعض الفقهاء هذه الدعاوى بما ذحكره " قدس سره " ج 1 ص 39 و 40. بما ذكرناه يتضح جليا ان ما ذكره " قدس سره " في شأن علم الاصول عموما والاجماع خصوصا لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه. ولعله " قدس سره " كتب ذلك قبل ان يكتب المقدمة الثانية عشرة من مقدمات الكتاب التى عقدها لبيان الفرق بين المجتهد والاخباري فانها إذا كانت متأخرة عن ما ذكره في المقام يمكن ان تكون رجوعا عنه وبمراجعتها يظهر ذلك جليا. (1) ص 5 وفى الوسائل الباب 6 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به (2) سورة النحل الاية 45


[ 367 ]

باذنه والى جميع سهل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم ولا عن سألتهم وعن علمهم الذى اكرمهم الله تعالى به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله تعالى الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة، فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر واولئك الذين يأخذون باهوائهم وآرائهم ومقاييسهم حتى دخلهم الشيطان، لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله تعالى في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة اهوائهم، وقد عهد إليهم رسول الله صلى الله عليهم وآله قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله صلى الله عليه وآله يسعنا ان نأخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهده الذى عهد الينا وأمرنا به مخالفا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فما أحد على الله تعالى ولا ابين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه، والله ان لله تعالى على خلقه ان يطيعوه ويتبعوا امره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وبعد موته... الحديث ". اقول: وكما يستفاد من هذا الخبر ان أصل الاجماع من مخترعات العامة وبدعهم يستفاد منه ان الرجوع الى القرآن وأخذ الاحكام منه يتوقف على تفسيرهم (عليهم السلام) وبيان معانيه عنهم، ومنه يعلم ان الاخبار كالاصل لمعرفة الكتاب وحل مشكلاته وبيان مفصلاته وتفسير مجملاته وتعيين المراد من احكامه وبيان ابهامه، وهو المشار إليه في خبر الثقلين بعدم الافتراق بين العترة والقرآن بمعنى ان القرآن لما كان المرجمع فيه إليهم واحكامه لا تؤخذ إلا منهم (عليهم السلام) فهو لا يفارقهم وانه لما كانت افعالهم وأقوالهم (عليهم السلام) مقتبسة من القرآن فهم لا يفارقونه. وكيف كان فهذا الخبر الشريف ظاهر في ما دل عليه خبر الثقلين من ان الاعتماد ليس الا على القرآن والاخبار وان ما عداهما فهو ساقط عن درجة النظر إليه والاعتبار.


[ 368 ]

ولا يخفى ان تكرر كلامه عليه السلام ومقابلته عدم الاخذ عنهم عليهم السلام بالرأى والهوى والمقايبس مما يشير الى ان الاستناد الى هذا الاجماع من جملة الهوى والرأى حيث انه لما لم يكن مستندا إليهم (عليهم السلام) حيث لم يأمروا به ولم يشيروا إليه بالكلية فهو إنما استند الى رأى ذلك القائل به وهواه، ولهذا ان اصحابنا لما اقتفوهم في جعله من مدارك الاحكام الشرعية عدلوا عن معناه عند العامة بانه عبارة عن اجماع الناس الى اعتبار دخول المعصوم عليه السلام فيه وكشفه عن دخوله وان الحجة في ذلك انما هو قول المعصوم عليه السلام. على ان التحقيق ان الذين هم الاصل في الاجماع كالشيخ والمرتضى قد كفونا مؤنة القدح فيه وبيان بطلانه بما وقع لهم من دعوى الاجماعات المتناقضة تارة ودعوى الاجماع على ما تفرد به أحدهما تارة أو تبعه عليه شذوذ من اصحابه كما لا يخفى على المطلع على اقوالهم، وقد وقفت على رسالة لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) قد عد فيها إلاجماعات التى ناقض الشيخ فيها نفسه في مسألة واحدة انتهى عددها الى نيف وسبعين مسألة، قال (قدس سره) فيها: افردناها للتنبيه عن ان لا يغتر الفقيه بدعوى الاجماع فقد وقع فيه الخطأ والمجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ والمرتضى، قال ومما ادعى الاجماع من كتاب النكاح دعواه في الخلاف... ثم ساق الكلام في تعداد تلك المسائل الى آخرها بما يقرب مما ذكرنا. قال شيخنا زين الملة والدين في رسالته التى في هذه المسألة: الاجماع عند اصحابنا إنما هو حجة بواسطة دخول قول المعصوم عليه السلام في جملة أقوال القائلين والعبرة عندهم إنما هي بقوله دون قولهم، وقد اعترفوا بان قولهم " الاجماع حجة " إنما هو مشى مع المخالف حيث انه كلا حق في نفسه وان كان حيثية الحجية مختلفة عندنا وعندهم على ما هو محقق في محله، وإذا كان الامر كذلك فلابد من العلم بدخول قول المعصوم عليه السلام في جملة اقوالهم حتى يتحقق حجية قولهم ومن اين لهم العلم في امثال هذه المواضع مع عدم وقوفهم على خبره فضلا عن قوله عليه السلام ؟ واما


[ 369 ]

ما اشتهر بينهم - من انه متى لم يعلم في المسألة مخالف أو علم مع معرفة أصل المخالف ونسبه يتحقق الاجماع ويكون حجة ويجعل قول الامام في الجانب الذى لا ينحصر ونحو ذلك مما بينوه واعتمدوه - فهو قول مجانب للتحقيق جدا ضعيف المأخذ، ومن اين يعلم ان قوله عليه السلام وهو بهذه الحالة من جملة اقوال هذه الجماعة المخصوصة دون غيرهم من المسلمين خصوصا في هذه المسألة فان قوله بالجانب الاخر اشبه وبه اولى لموافقته لقول الله تعالى ورسوله والائمة (صلوات الله عليهم) على ما قد عرفت. ثم متى بلغ قول أهل الاستدلال من اصحابنا في عصر من الاعصار السالفة حدا لا ينحصر و لا يعلم به بلد القائل ولا نسبه وهم في جميع الاعصار محصورون منضبطون بالاشتهار والكتابة والتحرير لاحوالهم على وجه لا يتخالجه شك ولا تقع معه شبهة، ومجرد احتمال وجود واحد منهم مجهول الحال مغمور في جملة الناس مع بعده مشترك من الجانبين، فان هذا ان اثر كان احتمال وجوده مع كل قائل ممكنا ومثل هذا لا يلتفت إليه أصلا ورأسا، وقد قال المحقق في المعتبر - ونعم ما قال - الاجماع حجة بانضمام المعصوم عليه السلام فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله عليه السلام فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعى الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين إلا مع العلم القطعي بدخول الامام عليه السلام في الجملة. انتهى. ومن اين يحصل العلم القطعي بموافقة قوله عليه السلام لاقوال الاصحاب مع هذا الانقطاع المحض والمفارقة الكلية والجهل بما يقوله على الاطلاق من مدة تزيد عن ستمائة سنة. انتهى ما اردنا نقله من كلامه زيد في مقامه. وقال في المسالك - في مسألة " ما لو اوصى له بابيه فقبل الوصية " بعد الطعن في الاجماع - ما هذا لفظه: وبهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التى ادعوا فيها الاجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضى خلافهم وقد اتفق لهم ذلك كثيرا ولكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخر. وقال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ومن جملة ما عد مدركا من المدارك الاصلية لفروع الاحكام ما يسمونه إجماعا المفسر عند العامة


[ 370 ]

باتفاق فقهاء امة محمد صلى الله عليه وآله في عصر على امر شرعى وعند الخاصة باتفاق الفرقة المحقة منها فيه عليه. وقد حاولت العامة في استخراج مدرك حجيته من الكتاب بادلة (1) كلها مزيفة ومن السنة بخبر رووه عنه صلى الله عليه وآله (2) " لا تجتمع امتى على خطأ " وفيه من النقوض ما هو مذكور في محله ولا طائل في ذكره، واما اصحابنا الذين حذوا حذو العامة في عده مدركا فحاولوا في الاستدلال على حجيته بانه إذا تحقق اتفاق فقهاء الطائفة المحقة على أمر اقتضى دخول المعصوم عليه السلام فيهم لكونه من الفقهاء وعدم خلو عصر من معصوم يكون قوله حجة والحجة حينئذ قوله والاجماع كاشف عنه. وهذا اقرار بانه ليس دليلا وان كان كاشفا عنه وليس في عده من الادلة إلا تكثير العدد وأطالة الطريق وايهام جواز خلو العصر من معصوم حجة كما هو معتقد اولئك الذين هم عن الحق بمرمى سحيق، ولذا خلا ظاهر الكتاب وما وصل الينا من اخبار العترة الطاهرة عن ما يشعر بالامر بالعمل بما يسمى اجماعا. وقال (قدس سره) في موضع آخر: ثم انه على تقدير ما ذكروه في بيان الاجماع وحجيته ان الحجة انما هو دخول المعصوم فان علم دخوله فلا بحث ولا مشاحة في اطلاق اسم الاجماع عليه ثم اسناد الحجية إليه ولو تجوزا فيهما، وان لم


(1) استدلوا من الكتاب - كما في أصول الفقه لابي زهرة ص 193 و 140 بقوله تعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " قال: وان هذا النص الكريم اثبت ان اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لان من يفعل ذلك يشاقق الله ورسوله ويصليه الله تعالى جهنم وساءت مصيرا وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما فان اتباع سبيلهم واجب ومن يخالفهم ويقرر نقيض رأيهم لا يكون متبعا لسبيلهم. ونقل في الهامش عن الغزالي المناقشة في دلالة الاية وغيرها من ادلتهم واستدلوا من السنة بما دل على عدم اجتماع الامة على الضلال وان ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وبان عمل الصحابة على ان ما يجمعون عليه حجة، ونقل عن الشافعي وجها اعتباريا وهو في رسالته ص 65 في مقدمة كتاب الام. (2) مفتاح كنوز السنة ص 63 " ان امتى لا تجتمع على ضلالة "


[ 371 ]

يعلم فان ظن ولو بمعاضدة خبر واحد يحكى فعله أو قوله أو تقريره فكذلك وإلا فليس نقل الاجماع بمجرده موجبا للظن بدخول المعصوم ولا كاشفا عنه كما زعموه. ثم ان العلم بدخول المعصوم في زمان ظهوره وانحصار حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة ممكن اما في مثل زماننا هذا كزمان الغيبة الكبرى فالحق انه لا طريق الى العلم به - لانه إنما يكون بطريق التواتر بان ينقله في كل طبقة جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب مستندون الى الحس بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الاجماع عليه أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول والعمل على نوع من التقية ونحوها مع تشتتهم وانتشارهم في اقطار الارض وانزوائهم في الطوامير والسراديب وحرصهم على ان لا يطلع عليهم ولا على عقائدهم ومذاهبهم وهو كما لا يخفى ممتنع عادة - ولا الى ظنه بنقله بطريق الاحاد لما ذكرنا من التشتت والانزواء المانعين من إطلاع آحاد الناس. وقال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم - بعد ان اسلف انه يتجه ان يقال ان المدار في الحجية على العلم بدخول المعصوم عليه السلام من غير حاجة الى اشتراط اتفاق جميع المجتهدين أو الكثرهم ولا سيما معروفى النسب، ونقل عن المحقق في المعتبر ما تقدم نقله في كلام والده مما يتضمن التصريح باشتراط العلم القطعي بدخول المعصوم عليه السلام في حجية الاجماع - ما هذا لفظه:

هنا فوائد:

(الاولى) الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل الى العلم بقول الامام كيف وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم ويكون قوله مستورا بين اقوالهم وهذا مما يقطع بانتفائه، فكل اجماع يذكر في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) مما يقرب من عصر الشيخ الى زماننا هذا وليس مستندا الى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم فلابد ان يراد به ما ذكره الشهيد (قدس سره) من الشهرة، واما الزمان السابق على ما ذكرنا المقارب لعصر ظهور الائمة (عليهم السلام) وامكان الاطلاع على أقوالهم فيمكن فيه


[ 372 ]

حصول الاجماع والعلم بطريق التتبع، والى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف حيث قال: والانصاف يقتضى ان لا طريق الى معرفة حصول الاجماع إلا في زمن الصحابة حيث كان المؤمنون قليلين لا يتعذر معرفتهم بالتفصيل. وقال الفاضل المولى محمد باقر الخراساني (قدس سره) صاحب الذخيرة والكفاية في رسالته في المسألة بعد الكلام في المسألة: (فان قلت) الاية والاخبار كما ذكرت دالة على الوجوب العينى إلا ان الاصحاب نقلوا الاجماع على انتفاء الوجوب العينى، وممن نقل ذلك العلامة في النهاية والتذكرة والشيخ على والشهيد الثاني في شرح اللمعة وشرح الالفية وهو ظاهر كلام المحقق والشهيد، والاجماع الذى نقله هؤلاء الاعيان من فضلاء اصحابنا حجة إذ التعويل في موارد الاجماع والخلاف على قولهم فاذن سقط القول بالوجوب العينى، واعترف جماعة منهم بان الكتاب والسنة دالان على الوجوب العينى لكن دعاهم الى عدم القول به اجماع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على انتفائه (قلت) هذا هو الداء العضال والشبهة التى بها زلت اقدام وعدلت عن الحق اقوام واخطأت التحقيق افهام لكنه عند الفحص الصحيح والنظر بمكان من الضعف، ثم اطال في بيان عدم تحققه وامكانه زمن الغيبة الى ان قال: (الثاني) نجد في كثير من المسائل ادعى بعضهم الاجماع عليه مع وجود الخلاف فيه بل من المدعى نفسه في كتاب آخر سابق عليه اولا حق به، وكذلك نجد بعض من ادعى الاجماع على حكم وادعى آخر الاجماع على خلافه حتى قد يتفق ذلك من المدعى نفسه، وحسبك في هذا الباب ما وقع للسيد المرتضى والشيخ ابى جعفر في الانتصار والخلاف مع كونهما امامى الطائفة ومقتدييها، ومن اغرب ذلك دعوى السيد المرتضى في الكتاب المذكور اجماع الامامية على وجوب التكبيرات الخمس في كل ركعة للركوع والسجود والقيام منهما، ثم ساق جملة من اجماعاته التى من هذا القبيل، ثم نقل ذلك عن العلامة وعن المحقق الشيخ على. ولهذا الفاضل المذكور في الذخيرة بحث طويل في الطعن في الاجماع في باب


[ 373 ]

غسل الجنابة في مسألة الوطء في الدبر وقد اشبع الكلام فيه ونفى كونه من الادلة الشرعية وإنما غايته الصلوح للتأييد. واما صاحب المدارك فانه نقل في الكتاب المذكور انه صنف رسالة في رد الاجماع وابطاله. فان قيل: ان هؤلاء المذكورين كثيرا ما يستندون إليه في جملة من المسائل. (قلنا) نعم ربما يستسلقونه مجازفة في مواضع وربما مما قيدوه بقولهم " ان تم " أو " ان ثبت " واما في مقام التحقيق فانهم يمزقونه تمزيقا ويجعلونه حريقا. وعلى هذا النهج كلام جملة من متأخرى المتأخرين. وبالجملة فان ملخص القول في ذلك هو انه غير متحقق الوقوع ولا الامكان لما عرفت من اتفاق كلمة هؤلاء الاعيان، وغاية ما ربما يتشبث به الخصم هو ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة وهو باطل من وجوه: الاول - انه حيث قد عرفت ما وقع لهم من الاختلاف والاضطراب في دعوى الاجماع كما قدمنا نقله عن رسالة شيخنا الشهيد الثاني من ضبط جملة من الاجماعات التى ادعى الشيخ فيها الاجماع على حكم وأدعى الاجماع على خلافه وهكذا دعاوى المرتضى الاجماع على ما يتفرد به ونحوه غيره، فانه لا وثوق حينئذ بنقلهم لهذا الاجماع في هذه المسألة فلعله من قبيل تلك الاجماعات التى نفاها عليهم من تأخر عنهم. الثاني - انه مع غض النظر عن ذلك فانه من المقرر في كلامهم والجارى في قواعدهم انهم لا يجمعون بين الدليلين متى تعارضا إلا مع التكافؤ في الصحة وإلا فتراهم يطرحون المرجوح أو يأولونه بما يرجع به الى الراجح، ولا ريب في ان هذا الاجماع المدعى إنما هو في قوة خبر مرسل بل اضعف فلا يقوم بمعارضة ما سنذكره ان شاء الله تعالى من الاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة فالواجب طرحه من البين. الثالث - انه من القواعد المقررة عن أهل العصمة (عليهم السلام) عرض


[ 374 ]

الاخبار في مقام الاختلاف على الكتاب العزيز والاخذ بما وافقه وما خالفه يضرب به عرض الحائط (1) فإذا كانت اخبارهم الصحيحة الصريحة ترد مع مخالفة الكتاب العزيز فكيف هذا الاجماع الذى يرجع في التحقيق الى قول جماعة قليلة من الاصحاب ؟ الرابع - تحقق الخلاف في المسألة كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقله عن جماعة من متقدمي الاصحاب كالشيخ المفيد والكليني والصدوق وابى الصلاح والكراجكي بل هو ظاهر غيرهم من المقتدمين كما ذكره شيخنا زين الدين في الرسالة وتلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد في كتاب العقد الطهماسى، وسيأتى نقل كلامهما ان شاء الله تعالى وحينئذ فكيف تتم دعوى الاجماع والحال كما عرفت ؟ الخامس - انهم عللوا هذا الاجماع بعلة ضعيفة روما لتقويته وزيادته على سائر الاجماعات كما سيأتي نقله عن المحقق في المعتبر، وسيأتى الكلام عليها وبيان ضعفها ان شاء الله تعالى عند نقل القول بالتخيير. السادس - ان ظاهر كلام اكثرهم ان هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام عليه السلام والتمكن منه كما اومأ إليه المحقق (قدس سره) حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام عليه السلام واما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه. واظهر منها عبارة الشهيد في الذكرى حيث قال: التاسع - اذن الامام كما كان النبي صلى الله عليه وآله يأذن لائمة الجماعات وامير المؤمنين عليه السلام بعده وعليه اتفاق الامامية، هذا مع حضور الامام واما مع غيبته كهذا الزمان ففى انعقادها قولان... الى آخر كلامه وسيأتى نقله ان شاء الله تعالى بتمامه. ونحوه كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروضة وقال (قدس سره): ان الذى يدل عليه كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع الاجماع المدعى انما هو


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به


[ 375 ]

حال حضور الامام وتمكنه والشرط المذكور حينئذ انما هو امكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة، لانهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه اولا ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه ويختارون جوازها حينئذ أو استحبابها معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به في المسألة وصرحوا به في الموضعين، فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك بل اختيار جواز فعلها بدونه ايضا، فانهم يصرحون بانه شرط للوجوب ثم يذكرون الحكم حال الغيبة ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب، وهو دليل بين على ان الوجوب الذى يجعلونه مشروطا بالامام وما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العينى حال حضوره بناء منهم على ان ما عداه لا يسمونه واجبا وان امكن اطلاقه عليه من حيث انه واجب تخييري. وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع لو سلمنا تمامه في غيره، السابع - ان كلامهم في الاذن لا يخلو من تشويش لدلالة بعض عباراتهم على ان المراد الاذن لخصوص شخص بعينه لهذه الصلاة بخصوصها أو لما يشملها وبعض يدل على الاذن العام الشامل للفقيه، وبعضها على الاعم الاشمل لكل من يصلح للامامة وعلى هذا تسقط فائدة النزاع. قال الشيخ في الخلاف - بعد ان اشترط اولا في الجمعة الامام أو نائبه ونقل فيه الاجماع - ما هذا لفظه (فان قيل) أليس قد رويتم في ما مضى من كتبكم انه يجوز لاهل القرى والسواد من المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذى تتعقد بهم ان يصلوا جمعة ؟ (قلنا) ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم. انتهى. وظاهره ان الاذن الذى ادعى الاجماع على اشتراطه أو لا يشمل الاذن العام كما ينادى به قوله " فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم " وحينئذ فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص فاى مانع من الوجوب العينى


[ 376 ]

ولهذا نسب الوجوب العينى الى الشيخ في الخلاف لظاهر هذه العبارة، قالوا: وقوله " مأذون ومرغوب " لا ينافى ذلك. اقول: فلينظر العاقل الفطن المنصف المتقيد بقيود الشريعة في هذا الاجماع المدعى في هذا المقام والمعول عليه عند هؤلاء الاعلام ما هو عليه من الضعف وتطرق الطعن إليه الظاهر لكل ناظر من الانام، وهل يستجيز مؤمن يخاف الله تعالى ان يخرج عن ظواهر الاخبار الساطعة الانوار المستفيضة الصحيحة الصريحة مضافا الى الاية الشريفة (1) بهذا الاجماع (2) الذى لماعرفت تمجه الطباع مضافا الى ما عرفت في أصل الاجماع. ثم انه كيف يشترط في العمل بالكتاب والسنة عمل الشيخ والمرتضى واتباعهما بذلك (3) واى فرق بين الشيخ ومن تبعه في هذه المسألة وبين الشهيد الثاني ومن تأخر عنه ؟ حيث تعتبر اقوال اولئك ولا تعتبر اقوال


(1) سورة الجمعة الاية 9 (2) قد ظهر بما تقدم ص 365 في التعليقة 1 ص 363 ان هذا الاجماع ان كان بنظر الفقيه كاشفا عن قول المعصوم فلا مناص له من رفع اليد عن ظهور الاخبار والاية في الوجوب التعييني ان تم ظهورهما فيه عنده لان قول المعصوم المستكشف بالاجماع يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، وان لم يكن كاشفا عنه عنده فلا مسوغ لتقديمه على ظهور الاية والاخبار إلا إذا كان قائلا بحجية الشهرة الفتوائية وكانت الشهرة متحققة في جانب نفى الوجوب التعييني بنظره فانه يمكن القول بترجيحها على ظهور الادلة لكونها قرينة على عدم ارادة الظاهر منها كالخبر الصحيح الصريح في نفى الوجوب التعييني. (3) لم يعتبر فقيه من فقهاء الامامية عمل الشيخ والمرتضى واتباعهما بالكتاب في العمل به ولا وجه لتوهم ذلك وانما المعتبر فيه عند الفقهاء الرجوع الى ما ورد عن الائمة " ع " في بيانه فان ورد شئ عنهم " ع " يكون بيانا فهو المتبع وإلا كان ظاهره حجة خلافا لبعض حيث اوقف جواز العمل به في كل مورد على ورود البيان عنهم " ع " وقد تقدم الكلام منه " قدس سره " في هذا الموضوع في المقدمة الثالثة ج 1 ص 27 وان اردت تجلى الحقيقة في هذا البحث فارجع الى البيان لاية الله الخوئى ج 1 ص 182.


[ 377 ]

هؤلاء مع انه لا ريب عند كل ناظر وسامع ممن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ان هؤلاء ادق فهما واذكى ذهنا وأشد تيقظا واكثر تتبعا وأقرب الى الصواب (1) وابتداء الفحص والتحقيق وتر ك التقليد للسلف نشأ من زمن الشهيد الاول وان أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك. قال شيخنا الشهيد الثاني في الدراية: ان اكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا احكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء وما دروا ان مرجعها الى الشيخ (قدس سره) وان الشهرة إنما حصلت بمتابعته. ثم قال: وممن اطلع على هذا الذى تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصى والسيد رضى الدين بن طاووس وجماعة، قال السيد (قدس سره) في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة: اخبرني جدى الصالح ورام بن ابى فراس (قدس الله تعالى روحه) ان الحمصى حدثه انه لم يبق للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك: والان قد ظهران الذى يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين. انتهى. أقول: ومن ابطال هذين الاصلين يظهر بطلان ما ابتنى عليهما من القول


(1) المعروف بين الفقهاء عدم جواز العمل بالخبر الذي يعرض عنه القدماء منهم وان كان واجدا لشروط الحجية، والسر في ذلك ان اعراضهم عنه مع كونه بمرأى منهم يكشف عن اطلاعهم على خلل فيه يوجب سقوطه عن الحجية، وبهذا يظهر وجه اعتبار عمل المتقدمين وان عمل المتأخرين دون المتقدمين لا اثر له لان الاخبار انما وصلت الى المتأخرين من طريق المتقدمين وعصرهم قريب من عصر الائمة " ع " فيمكن ان يطلعوا على ما لا يطلع عليه المتأخرون مما يكشف عن وجود خلل في الخبر ولهذا ينسب الى بعضهم ان الخبر المعرض عنه كلما ازداد صحة ازداد وهنا. واما كون المتأخرين أدق فهما فهذا شئ لا يرتبط بناحية سند الخبر والاطلاع على ان فيه خللا أو لا ولا دخل له فيه اصلا وهو واضح.


[ 378 ]

بالتحريم في هذه المسألة كما هو القول النادر الشديد الندور، والقول بالوجوب التخييري كما هو بين جملة من المتأخرين مشهور، ومنه يظهر قوة القول بالوجوب العينى المؤيد بالاية والاخبار والمنصور كما سيأتي ادلته ان شاء الله تعالى ساطعة الظهور كالنور على الطور. واذ قد عرفت ذلك فلنشرع الان في الاقوال المذكورة في المسألة وما يتعلق بها من الكلام وتحقيق البحث فيها وما ذكر فيها من نقض وإبرام مستمدين منه سبحانه التوفيق للسلامة من زلل الاقدام وزيغ الافهام متوسلين في ذلك باهل الذكر (عليهم السلام):

فنقول: يبنغى أن يعلم اولا ان هنا مقامات:

(الاول) انه هل يشترط الامام المعصوم في الجمعة أو نائبه أم لا ؟:

(الثاني) انه هل هذا الشرط شرط في الانعقاد أو الوجوب ؟

(الثالث) ان هذا الشرط مخصوص بزمان الحضور أو يشمل الغيبة ايضا ؟

(الرابع) ان المراد بالنائب هل هو الخاص أو العام الذى يشمل الفقيه حال الغيبة أو الاعم الشامل لامام الجماعة ؟

(الخامس) ان وجوبها على تقدير اشتراط الفقيه عينى أو تخييري ؟ اقوال ولكل من هذه الشقوق قائل، والذى استقر عليه رأى جملة من محققى متأخرى المتأخرين وهو الحق اليقين الذى لا يداخله الظن ولا التخمين هو ان وجوب هذه الفريضة مع اجتماع شرائطها الاتية ان شاء الله تعالى كغيرها من الفرائض اليومية لا توقف فيها على حضور الامام ولا غيبته ولا اذنه ولا غير ذلك وقوفا على ظواهر الادلة الواردة فيها من الكتاب والسنة. ولا خلاف بين أصحابنا في جوبها عينا مع حضوره عليه السلام أو نائبه الخاص وانما الخلاف في زمن الغيبة وعدم وجود الاذن على الخصوص على اقوال:

(الاول) القول بالوجوب العينى وهو المختار المعتضد بالاية والاخبار وبه صرح جملة من مشاهير علمائنا الابرار (رضوان الله عليهم) متقدميهم ومتأخريهم: احدهم - الشيخ المفيد (قدس سره) حيث قال في المقنعة: واعلم ان الرواية


[ 379 ]

جاءت عن الصادقين (عليهم السلام) (1) " ان الله جل جلاله فرض على عباده من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة فقال جل من قائل: يا ايها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون " (2) وقال الصادق عليه السلام (3) " من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة طبع الله على قلبه " ففرضها - وفقك الله - الاجتماع على ما قدمناه إلا انه بشريطة حضور امام مأمون على صفات يتقدم الجماعة ويخطبهم خطبتين يسقط بهما وبالاجتماع عن المجتمعين من الاربع ركعات ركعتان، وإذا حضر الامام وجبت الجمعة على سائر المكلفين إلا من عذره الله تعالى منهم، وان لم يحضر امام سقط فرض الاجتماع، وان حضر امام يخل شرائطه بشريطة من يتقدم فيصلح به الاجتماع فحكم حضوره حكم عدم الامام. والشرائط التى تجب في من يجب معه الاجتماع ان يكون حرا بالغا طاهرا في ولادته مجنيا من الامراض الجذام والبرص خاصة في خلقته مسلما مؤمنا معتقدا للحق في ديانته مصليا للفرض في ساعته، فإذا كان كذلك واجتمع معه اربعة نفر وجب الاجتماع. ومن صلى خلف امام بهذه الصفات وجب عليه الانصات عند قراءته والقنوت في الاولى من الركعتين في فريضته ومن صلى خلف امام بخلاف ما وصفناه رتب الفرض على المشروح في ما قدمناه. ويجب حضور الجمعة مع من وصفناه من الائمة فرضا ويستحب مع من خالفهم تقية. انتهى. وظاهر الشيخ في التهذيب موافقته في ذلك حيث انه بعد نقل هذا الكلام استدل له بجملة من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى الدالة على ما نقله عنه ولم يتعرض لتأويلها ولا الجواب عنها كما هو دأبه في ما يخالف اختياره.


(1) و (3) المقنعة ص 27 وفى الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها (2) سورة الجمعة الاية 9


[ 380 ]

وقال (قدس سره) في كتاب الاشراف باب عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة: عدد ذلك ثمانية عشرة خصلة: الحرية والبلوغ والتذكير وسلامة العقل وصحة الجسم والسلامة من العمى وحضور المصر والشهادة للنداء وتخلية السرب ووجود اربعة نفر بما تقدم ذكره من هذه الصفات ووجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الايجاب: ظاهر الايمان والطهارة في المولد من السفاح والسلامة من ثلاثة ادواء البرص والجذام والمعرة بالحدود المشينة لمن اقيمت عليه في الاسلام والمعرفة بفقه الصلاة والافصاح بالخطبة والقرآن واقامة فرض الصلاة في وقتها من غير تقديم ولا تأخير عنه بحال والخطبة بما تصدق عليه من الكلام. وإذا اجتمعت هذه الثمانية عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرناه وكان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الايام. انتهى. وهو صريح في ان المعتبر في امام الجمعة هو المعتبر في امام الجماعة. والمراد من الوجوب في عبارته هو الوجوب العينى لان ذلك هو ظاهر الاطلاق والمنصرف إليه اللفظ بالاتفاق سيما مع قوله في العبارة الاولى: ويجب الحضور مع من ذكرناه فرضا. ثم عقب ما ذكره في كتاب الاشراف بقوله: باب من يجتمع في الجمعة وهو خمسة نفر في عدد الامام والشاهدين والمشهود عليه والمتولي لاقامة الحدود. وهو ظاهر بل صريح في ان المعتبر حضور قوم بعدد المذكورين لا عينهم كما توهمه من ذهب الى ذلك استنادا الى خبر محمد بن مسلم الاتى ان شاء الله تعالى (1) وان اشتمل على سبعة بزيادة القاضى والمدعى. الثاني - الشيخ أبو الصلاح الحلبي في كتابه الكافي حيث قال: لا تنعقد الجمعة إلا بامام الملة أو منصوب من قبله أو من تتكامل له صفات امام الجماعة عند تعذر الامرين. هذه عبارته وهى صريحة الدلالة في الاكتفاء عند تعذر الامام ومنصوبه


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 381 ]

بامام الجماعة، وليس في عبارات الاصحاب في هذا الباب اجلى ولا اوضح منها، ويؤكد ذلك قوله في باب الجماعة من الكتاب المذكور: واولى الناس بها امام الملة أو من نصبه فان تعذر الامران لم تنعقد إلا بامام عدل... الى آخره. ومنه يعلم ان حكم الجمعة والجماعة عنده أمر واحد. ومراده بالوجوب العينى كما صرح به اخيرا في كتابه حيث قال بعد ذلك: وإذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة وانتقل فرض الظهر من أربع ركعات الى ركعتين بعد الخطبة، وتعين فرض الحضور على كل رجل مسلم بالغ سليم مخلى السرب حاضر بيته وبينها فرسخان فما دونهما ويسقط فرضها عن من عداه فان حضرها تعين عليه فرض الدخول فيها جمعة. ومن العجيب مع تصريحه بذلك في الكتاب المذكور ما اتفق لشيخنا الشهيد في البيان حيث انه نقل عنه القول بعدم شرعيتها في حال الغيبة كما ذهب إليه سلار وابن ادريس مع تصريحه كما سمعت بالوجوب العينى، مع انه نقل عنه في كتاب نكت الارشاد القول بالاستحباب الراجع الى الوجوب التخييري وكذا نقله عنه العلامة في المختلف، وكل من النقلين كما ترى ليس في محله لما عرفت من تصريحه بالوجوب العينى. الثالث - الشيخ أبو الفتح الكراجكى في كتابه المسمى بتهذيب المسترشدين قال - بعد ان ذكر جملة من احكام الجمعة وان العدد المعتبر فيها خمسة - ما هذا لفظه: وإذا حضرت العدة التى يصح أن تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة وكان امامهم مرضيا متمكنا من اقامة الصلاة في وقتها وايراد الخطبة على وجهها وكانوا حاضرين آمنين ذكورا بالغين كاملين العقول اصحاء وجبت عليهم فريضة الجمعة جماعة وكان على الامام ان يخطب بهم خطبتين ويصلى بهم بعدهما ركعتين... الى آخره. وهذه العبارة ايضا صريحة في الاكتفاء للجمعة بامام مرضى الجماعة وهى لعمومها لحال الحضور والغيبة كعبارة المفيد في الاشراف.


[ 382 ]

الرابع - الشيخ عماد الدين الطبرسي في كتاب نهج العرفان الى هداية الايمان حيث قال بعد نقل الخلاف بين المسلمين في وجوب الجمعة: ان الامامية اكثر ايجابا للجمعة من الجمهور ومع ذلك يشنعون عليهم بتركها حيث انهم لم يجوزوا الائتمام بالفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيحة. وتقريب الدلالة فيها - على ما ذكره شيخنا زين الدين في رسالة الجمعة - ان العلة في ترك الشيعة الامامية صلاة الجمعة والتهاون بها ما عهد من قاعدة مذهبهم انهم لا يقتدون بالمخالف ولا الفاسق والجمعة إنما تقع في الاغلب من أئمة المخالفين ونوابهم فكانوا متهاونين بها لهذا الوجه، فتركهم الجمعة لهذه العلة لا لامر آخر فلو كانوا يشترطون في وجوبها بل في جوازها مطلقا اذن الامام المفقود حال الغيبة اصلا أو اكثريا بالنسبة الى الموضع الذى يحضر فيه النائب بل في زمان حضوره ايضا لعدم تمكنه غالبا من نصب الائمة لها حينئذ ايضا ولا مباشرتها بنفسه لما تصور العاقل ان الامامية اكثر ايجابا لها من العامة، لان ذلك معلوم البطلان ضرورة وإنما يكونون اكثر ايجابا من حيث انهم لا يشترطون فيها المصر كما يقوله الحنفي ولا جوفه ولا حضور اربعين كما يقوله الشافعي (1) ويكتفون في ايجابها بامام يقتدى به اربعة مكلفون بها، فيظهر بذلك كونهم اكثر ايجابا من الجمهور وإنما منعهم من اقامتها غالبا ما ذكرناه من فسق الائمة. انتهى. الخامس - شيخنا ثقة الاسلام الكليني (قدس سره) في الكافي حيث قال في كتاب الصلاة: باب " وجوب الجمعة وعلى كم تجب " ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم وابى بصير عن الصادق عليه السلام (2) " ان الله تعالى فرض في كل سبعة أيام خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة...


(1) عمدة القارئ ج 3 ص 263 والبحر الرائق ج 2 ص 151 ونيل الاوطار ج 3 ص 287 والمهذب ج 1 ص 110 والفقه على المذاهب الاربعة ج 291 1 و 292 (2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 383 ]

الى آخرها، وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام (1) " فرض الله تعالى على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهى الجمعة... الى آخرها " وسيأتى نقلها بتمامها. ثم روى اخبارا اخر في تعيين العدد ووجوب حضور من كان على رأس فرسخين واشتراط الفصل بن الجمعتين بثلاثة اميال واقتصر على ذلك. وهو ظاهر في ان مذهبه وما يفتى به هو الوجوب العينى من دون شرط اذن ولا تجويز الترك الى بدل، إذ لو كان يعتقد شيئا من ذلك أو وصل إليه حديث بذلك لذكره ولو اشارة. وإنما نسبنا ذلك إليه مذهبا لما صرح به في صدر كتابه من قوله لبعض اخوانه الذى صنف لاجله الكتاب الذى شكى إليه ان امورا قد اشكلت عليه لا يعرف وجهها وانه يجب ان يكون عنده كتاب كاف يجمع من جميع فنون العلم ما يكتفى به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين الاثار الصحيحة عن الصادفقين (عليهم السلام) والسنن القائمة التى عليها العمل وبها يؤدى فرض الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله: وقد يسر الله تعالى وله الحمد تأليف ما سألت... الى آخره. السادس - شيخنا رئيس المحدثين الصدوق أبو جعفر محمد بن على بن الحسين ابن بابويه القمى في كتاب الفقيه حيث قال فيه - بعد ان قدم ما صدر به كتابه من انه إنما قصد الى ايراد ما يفتى به ويحكم بصحته ويعتقد انه حجة بينه وبين ربه - باب " وجوب الجمعة وفضلها ومن وضعت عنه والصلاة والخطبة فيها " قال أبو جعفر الباقر عليه السلام لزرارة بن اعين " انما فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهى الجمعة... " ثم ذكر الحديث بتمامه. وهو ظاهر بل صريح بالنظر الى ما صرح به في صدر كتابه (2) في ان مذهبه وما يفتى به هو مضمون هذه الرواية. ولا ريب ان


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها (2) تقدم منه " قدس سره " ص 115 خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة


[ 384 ]

مقتضى مضمونها هو الوجوب العينى من غير شرط ولا تخيير فان اصحابنا المخالفين لنا في المسألة - كما عرفت آنفا وستعرف - معترفون بدلالة هذه الاخبار على الوجوب العينى وانما صرفهم عنها ما يزعمه شذوذ منهم انها اخبار آحاد وآخرون الاجماع على نفى الوجوب العينى فيرتكب التأويل فيها بالحمل على الوجوب التخييري جمعا بين الادله، وحينئذ فمن ليس لهذا الاجماع عده عين ولا أثر كالصدوق ونحوه من المتقدمين الذين لا يتجاوزون مدلول الاخبار وبها افتاؤهم وعليها عملهم مع الكتاب العزيز على ممر الادوار والاعصار فلا ريب في نسبة هذا القول إليه بذكره هذه الاخبار ونقلها في كتابه بعد ان يعنون الباب بالوجوب. وقال (قدس سره) في المقنع في باب صلاة الجمعة: وان صليت الظهر مع الامام بخطبة صليت ركعتين وان صليت بغير خطبة صليتا أربعا وقد فرض الله تعالى من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله تعالى في جماعة وهى الجمعة ووضعها عن تسعة: الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين، ومن صلاها وحده فليصلها اربعا كصلاة الظهر في سائر الايام. قال شيخنا الشهيد الثاني في الرسالة الموضوعة في المسألة: ودلالة هذه العبارة على المراد واضحة من وجوه: (منها) قوله " وان صليت الظهر مع الامام... الى آخره " فان المراد بالامام حيث يطلق في مقام الاقتداء من يقتدى به في الصلاة اعم من كونه السلطان العادل أو غيره. وهذه العبارة خلاصة قول الصادق عليه السلام في موثقة سماعة (1) حيث سأله عن الصلاة يوم الجمعة فقال: " اما مع الامام فركعتان واما من يصلى وحده فهى اربع ركعات بمنزلة الظهر يعنى إذا كان امام يخطب فإذا لم يكن امام يخطب فهى أربع ركعات وان صلوا جماعة " هذا آخر الحديث والصدوق طريقته في هذا الكتاب ان يذكر متون الاحاديث مجردة عن الاسانيد


(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 385 ]

ولا يغيرها غالبا. وايضا فلا يمكن حمله على السلطان من وجه آخر وهو انه ليس بشرط باجماع المسلمين فان الشرط عند القائل به هو أو من نصبه ولا شك ان منصوبه غيره. و (منها) قوله " تسقط عن تسعة " وعدهم، وهو مدلول رواية زرارة المتقدمة (1) الدالة على المطلوب، فان مفهومها عدم سقوطها عن غيرهم فيتناول موضع النزاع. و (منها) قوله " ومن صلاها وحده فليصلها أربعا " وهذا يقابل قوله سابقا " وان صليت الظهر مع الامام " ومقتضاه ان من صلاها في جماعة مطلقا يصليها اثنتين كما تقدم. ولا تعرض لجميع العبارة باشتراط السلطان العادل وما في معناه مطلقا. انتهى كلامه. وقال (قدس سره) في الامالى في وصف دين الامامية: والجماعة يوم الجمعة فريضة واجبة وفى سائر الايام سنة فمن تركها رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له. ووضعت الجمعة عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين. انتهى. وتأويلها بالتخصيص بزمان الحضور - مع انه بصدد بيان مذهب الامامية للعمل به في جميع الاحوال والازمان - تعسف محض لا يخفى على ذوى الاذهان والافهام. هذا ما وقفت عليه من كلام المتقدمين واما المتأخرون عن عصر شيخنا الشهيد الثاني ممن قال بهذا القول فهم اكثر من أن يأتي عليهم قلم الاحصاء وان يدخلوا في حيز الاستقصاء إلا انه لا بأس بذكر جملة من مشاهيرهم ونقل عبائرهم في المقام تتمة لما قدمناه من متقدمي علمائنا الاعلام: السابع - شيخنا الشيخ زين الدين في رسالته المشهورة وهو اول من كشف الغطاء عن هذه المسألة بعد اندراسها واحيى رسومها بعد انطماسها، وقد تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى نقل جملة من كلماته. الثامن - حافده سيد المحققين السيد محمد في كتاب المدارك، قال بعد نقل


(1) ص 383


[ 386 ]

جملة من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى: فهذه الاخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثنى تقتضي الوجوب العينى، إذ لا اشعار فيها بالتخيير بينها وبين فرد آخر خصوصا قوله عليه السلام (1) " من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه " فانه لو جاز تركها الى بدل لم يحسن هذا الاطلاق، وليس فيها ذلالة على اعتبار حضور الامام عليه السلام أو نائبه بوجه بل الظاهر من قوله عليه السلام (2) " فان كان لهم من يخطب جمعوا " وقوله (3) " فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم " خلافه كما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى وقال جدى في رسالته الشريفة التى وضعها في هذه المسألة بعد ان اورد نحو ما أوردناه من الاخبار ونعم ما قال: فكيف يسع المسلم الذى يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله والائمة (صلوات الله عليهم) بهذه الفريضة وايجابها على كل مسلم ان يقصر في أمرها ويهملها الى غيرها ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها وأمر الله ورسوله وخاصته (صلوات الله عليهم) احق ومراعاته اولى، فليحذر الذين يخالفون عن امره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (4) ولعمري لقد اصابهم الامر الاول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله ويسامح (5) نسأل الله العفو والرحمة بمنه وكرمه. انتهى.


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها. (2) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها (4) سورة النور الاية 63 (5) اقول: ان كان نظره " قدس سره " في ما ذكره الى الفقيه وهو من تكون وظيفته الرجوع في معرفة الاحكام الشرعية الى الادلة واستنباطها منها فاللازم على مثل هذا الشخص في هذه المسألة - كسائر المسائل الفقهية - ان يفحص بالمقدار الميسور له عن أدلتها وينظر فيها ويستفرغ وسعه ويعمل غاية جهده في ذلك ولا يكون منه ادنى تهاون في هذا الشأن، ويلزمه العمل على طبق ما يؤدى إليه نظره ان ادى الى اللزوم، ويجزئه ذلك ان ادى الى عدم اللزوم ويكون معذورا في مخالفة الواقع ان كانت كما هو واضح، وعليه فان =


[ 387 ]

التاسع - شيخنا الفاضل الشيخ حسين بن عبد الصمد تلميذ شيخنا الشهيد الثاني


= تم بنظره ظهور الاية والاخبار في الوجوب التعييني وتحقق عنده الاجماع الكاشف عن قول المعصوم على عدم الوجوب التعييني فاللازم عليه ان يفتى بالوجوب التخييري لان قول المعصوم يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، وان لم يتحقق عنده الاجماع على ذلك فمن الواضح انه يجب عليه الجري على ظواهر الادلة الفتوى على طبقها، وهل يحتمل في حق فقيه من فقهائنا ان يقصر في امر الحكم الشرعي ويفتى بمالا يعتقد صحته بينه وبين الله ويعرض عن امر الله تعالى ورسوله " صلى الله عليه وآله " المعلوم له بالدليل ويتعلل في ذلك بخلاف بعض العلماء ؟ كلا ثم كلا، وانما الخلاف والاشكال في تشخيص امر الله وانه باى شئ تعلق. نعم هنا شئ ربما يوجب اطمئنان الفقيه بعدم كون الحكم هو الوجوب التعييني وان تم بنظره ظهور الاية والاخبار فيه ولم يقم عنده اجماع على الخلاف وهو انه إذا كان الفرض يوم الجمعة هو صلاة الجمعة على التعيين لكان اللازم - مع ظهور الاية فيه وورود الاخبار الكثيرة عنهم " ع " في شأنها بحد لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم " ع " في هذه المسألة من الاخبار البالغة في الاشتهار والانتشار والتهديد والتشديد والحث الاكيد الى حد لا يقبل الانكار كما ذكر ذلك المصنف " قدس سره " في نهاية القول الثاني من الاقوال - اشتهار هذا الحكم بين اصحاب الائمة " ع " والفقهاء وتسالمهم عليه بل كونه من الامور الواضحة الضرورية بين جميع الشيعة كسائر الفرائض اليومية، وحيث ان الامر ليس كذلك بالوجدان - بل عمل الطائفة على عدم الوجوب التعييني في سائر الاعصار والامصار كما ذكره الشهيد في كلامه الاتى ص 392 - يكشف ذلك عن ان الحكم الواضح المعروف بين احاب الائمة " ع " لم يكن ذلك وإلا لاستمر ضوح الحكم الى يومنا هذا وتواتر بحيث لم يكن فيه مجال للشك والارتياب. هذا كله إذا كان نظره الى الفقيه الذى وظيفته الاستنباط وإذا كان نظره الى من لم يبلغ مرتبة الاستنباط فمن الواضح ان وظيفته الرجوع الى الفقيه واخذ الحكم الشرعي منه، وكل ما يفتى به من يجب عليه الرجوع إليه فهو حكم الله في حقه وليس له العمل بما يفهمه من الاخبار. وبما ذكرناه يظهر ما في الكلام المذكور من التهويل من دون ان يقتضيه دليل.


[ 388 ]

ووالد شيخنا البهائي، قال في رسالته المعروفة بالعقد الطهماسى: تتمة مهمة - ومما يتحتم فعله في زماننا صلاة الجمعة اما لدفع تشنيع أهل السنة إذ يعتقدون انا نخالف الله والرسول صلى الله عليه وآله واجماع العلماء في تركها وظاهر الحال معهم، واما بطريق الوجوب الحتمى والاعراض عن الخلاف لضعفه لقيام الادلة القاطعة الباهرة على وجوبها من القرآن واحاديث النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين الصحيحة الصريحة التى لا تحتمل التأويل بوجه، وكلها خالية من اشتراط الامام والمجتهد بحيث انه لم تحضرني مسألة من مسائل الفقه عليها أدلة بقدر أدلة صلاة الجمعة من كثرتها وصحتها والمبالغة فيها، ولم نقف لمن اشترط المجتهد على دليل ناهض وكيف مع معارضة القرآن والاحاديث الحصيحة، ولا قال باشتراطه أحد من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين ما عدا الشيهد في اللمعة وفى باقى كتبه وافق العلماء ولم يشترطه نعم تبعه عليه المحقق الشيخ على. ثم قال وملخص الاقوال ثلاثة: الوجوب الحتمى من غير تعرض للمجتهدين وهو ظاهر كلام كل العماء المتقدمين وجماعة من المتأخرين. والثانى - الوجوب التخييري بينها وبين الظهر وهو مذهب المتأخرين ما عدا سلار وابن ادريس، وادعوا عليه الاجماع ولم يشترطوا مجتهدا. والثالث - المنع منها حال الغيبة مطلقا سواء حضر المجتهد اولا وهو مذهب سلار وابن ادريس، واتفق الكل على ضعف دليله وبطلانه. والذى يصلى الجمعة يكون قد برئت ذمته وادى الفرض بمقتضى كلام الله ورسوله والائمة (صلوات الله عليهم) وجميع العلماء، وخلاف سلار وابن ادريس والشيخ لا يقدح في الاجماع لما تقرر من قواعدنا ان خلاف الثلاثة والاربعة بل والعشرة والعشرين لا يقدح في الاجماع إذا كانوا معلومى النسب وهذا من قواعدنا الاصولية الاجماعية، والذى يصلى الظهر تصح صلاته على مذهب هذين الرجلين والمتأخرين لانهم ذهبوا الى التخيير ولا تصح بمقتضى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين والعلماء المتقدمين " فاى الفريقين أحق بالامن ان كنتم تعلون " (1) نعم لو أراد أحد تمام الاحتياط للخروج من خلاف هذين


(1) سورة الانعام الاية 81


[ 389 ]

الرجلين صلى الظهر بعدها. وليهئ تاركها الجواب لله تعالى لو سأله يوم القيامة لم تركت صلاة الجمعة وقد امرت بها في كتابي العزيز على ابلغ وجه وأمر بها رسولي الصادق عليه السلام على آكد وجه وأمر بها الائمة الهادون (عليهم السلام) واكدوا فيها غاية التأكيد ووقع اجماع المسلمين على وجوبها في الجملة ؟ فهل يليق من العاقل الرشيد ان يقول تركتها لاجل خلاف سلار وابن ادريس ؟ ما هذا إلاعمى أو تعامى أو تعصب مضر بالدين اجارنا الله واياكم منه وجميع المسلمين (1) انتهى كلامه زيد مقامه العاشر - الفاضل المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في رسالته الموسومة بالاثنى عشرية وابنه الفاضل الشيخ محمد، قال في الرسالة: شرط وجوب الجمعة الان حضور خمسة من المؤمنين فما زاد ويتأكد في السبعة وان يكون فيهم من يصلح للامامة ويتمكن من الخطبة. وقال ابنه الفاضل في شرح هذه الرسالة مشيرا الى الاخبار المتقدمة: وهذه الاخبار كما ترى مطلقة في وجوب الجمعة عينا والحمل على التخييري موقوف على قيام ما يصلح للدلالة على وجوب الاخر وإلا فالدلالة على الفرد المذكور وحده لا يتعريه شوب الارتياب ولا يخفى مفادها على ذوى الالباب. وما ينقل من الاجماع على انتفاء العينى في زمن الغيبة فقد سمعت الكلام في نظيره. انتهى. الحادى عشر - الشيخ الفقيه الزاهد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي في شرح الرسالة المتقدمة، حيث قال: اما في زمن الغيبة كهذا الزمان الذى عبر عنه المصنف بالان فللعلماء في انعقادها وعدمه أقوال ثلاثة... الى ان قال: و (ثالثها) الوجوب العينى من غير تعرض للمجتهد وهو ظاهر كلام اكثر المتقدمين كما نقل عنهم، وما ظفرنا فيه شاهد على هذا النقل كعبارة المفيد في المقنعة فانها صريحة في عدم اشتراط الامام أو نائبه في الوجوب العينى وقد نقل ذلك عنه في كتاب الاشراف، ثم ساق ملخص العبارة ونقل القول بذلك من جملة ممن قدمنا ذكره، الى


(1) راجع التعليقة 5 ص 386 لتظهر لك حقيقة الحال


[ 390 ]

أن قال: وما ادعوه من الاجماع غير تام فانه لو تم فانما هو بنقل الواحد، وعلى تقدير تسليم حجيته لا يزيد عن الخبر بل ربما يكون بمنزلة الخبر المرسل فإذا عارض الاخبار رجعنا الى الترجيح ورجحان الاخبار هنا غير خفى لصراحتها. ثم قال ولله در الشهيد الثاني حيث قال في بعض كتبه كيف يسع المسلم... الى آخر ما قدمناه. الثاني عشر - الفقيه المحدث محمد تقى المشهور بالمجلسى والد شيخنا صاحب البحار في رسالة مبسوطة الفها في تحقيق هذه المسألة واثبات الوجوب العينى من غير اشتراط، وقد ابلغ الكلام فيها غايته وجاوز نهايته بنقل آيات باهرة واخبار كثيرة ظاهرة وذكر وجوه دلالتها متعاضدة متكاثرة، قال (قدس سره) فذلكة: فصار مجموع الاخبار مائتي حديث، فالذي يدل على الوجوب بصريحه من الصحاح والحسان والموثقات وغيرها اربعون حدينا، والذى يدل بظاهره على الوجوب خمسون حديثا، والذى يدل على المشروعية في الجملة اعم من أن يكون عينيا أو تخييريا تسعون حديثا، والذى يدل بعمومه على وجوب الجمعة وفضلها عشرون حديثا ثم الذى يدل بصريحه على وجوب الجمعة الى يوم القيامة حديثان، والذى يدل على عدم اشتراط الاذن بظاهره ستة عشر حديثا بل اكثرها كذلك كما مرت الاشارة إليه في تضاعيف الفصول، واكثرها ايضا يدل على الوجوب العينى كما اشير إليه، فظهر من هذه الاخبار المتواترة الواضحة الدلالة التى لا يشوبها شك ولا يحوم حولها شبهة من طرف سيد الانبياء والمرسلين والائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) ان صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم عدا ما استثنى. وليس في هذه الاخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام ولا من نصبه ولا لاعتبار حضوره في ايجاب هذه الفريضة العظيمة، فكيف يليق بالمؤمن الذى يخاف الله إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله وأئمته (صلوات الله عليهم اجمعين) وايجابها على كل مسلم وعلى كل مؤمن وعلى كل عاقل ان يقصر في أمرها ويتعلل بخلاف سلار وابن ادريس فيها مع اتفاق كافة العلماء على وجوبها ؟ وامر الله تعالى ورسوله وأئمته (صلوات الله عليهم اجمعين) أحق مرعاته أولى " فليحذر الذين


[ 391 ]

يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (1) انتهى. الثالث عشر - الفقيه الفاضل المولى محمد باقر السبزواري في رسالة ألفها في الوجوب العينى في هذه المسألة فانه قال فيها - بعد نقل الادلة والبراهين على الوجوب العينى بلا شرط - ما صورته: ومما ذكرنا ظهر ان الذى يقتضيه التحقيق والادلة القاهرة الظاهرة ان صلاة الجمعة في زمن الغيبة واجبة عينا وانه لا يعتبر فيها الفقيه بل يكفى العدل الجامع لشرائط الامامة... الى ان قال فلا يليق اهمالها وتعطيلها وهجرها استنادا الى العلل العلية والاهواء الردية ومع ذلك فقد اهمل الناس مثل هذه الفريضة المؤكدة وتركوها وهجروها في بلاد المؤمنين مع انتفاء التقية من قبل المخالفين. وقال في موضع آخر من هذه الرسالة ايضا: وما كان حق هذه الفريضة العظيمة من فرائض الدين ان يبلغ التهاون بها الى هذا الحد مع أن شرائط الوجوب متحققة في اكثر بلاد الايمان خصوصا في هذه الاعصار والازمان، والعجب كل العجب من طائفة من المسلمين كيف يقدمون على انكار هذه الفريضة العظيمة ويشنعون على من فعلها أو قصد الاتيان بها ويبالغون في ذلك أشد المبالغة من غير أن يكونوا على بينة ويتمسكوا في ذلك بحجة ؟ فيا عجبا كيف جرأتهم على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله واقدامهم على الحق واهله. وسيجمع الله بين الفريقين في موقف واحد هناك ويرفع حجاب كل مكتوم ويعرف الظالم من المظلوم " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (2) فالى الله المشتكى في كل حال وعليه التوكل في المبدأ والمال. انتهى. الرابع عشر - المحدث الكاشانى وله في المسألة رسالة اختار فيها الوجوب العينى، قال في صدر الرسالة المذكورة: مقدمة - اعلم ايدك الله بروح منه ان وجوب صلاة الجمعة اظهر من الشمس في رابعة النهار وانه مما اتفق عليه علماء الاسلام في جميع الاعصار وسائر الامصار والاقطار كما صرح به جم غفير من


(1) التعليقة 5 ص 386 (2) سورة الشعراء الاية 228 ويرجع الى التعليقة 5 ص 386


[ 392 ]

الاخبار، وان جميع علماء الاسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بان النبي صلى الله عليه وآله استمر بفعلها على الوجوب العينى طول حياته المقدسة وان النسخ لا يكون بعده، ولم يذهب الى اشتراط وجوبها بشرط يوجب سقوطها إلا رجل أو رجلان من متأخرى فقهائنا الذين هم اصحاب الرأى والاجتهاد دون الاخباريين من القدماء الذين هم لا يتجاوزون مدلول الفاظ الكتاب والسنة واخبار أهل البيت (عليه السلام) (1) فانه لا خلاف بينهم في وجوبها العينى الحتمى وعدم سقوطها أصلا إلا للتقية، كما لا اختلاف في الفاظ القرآن والحديث في ذلك، وانما وقعت في الشبهة أصحاب الآراء من المتأخرين لما رأوا من ترك أجلة الاصحاب لها برهة من الزمان دون برهة فزعموا ان لها شرطا آخر غير ما ثبت من الاخبار الصحيحة وانه قد يوجد وقد لا يوجد وإلا لما تركها هؤلاء الاجلاء وقتا دون وقت كما قال الشيخ الشهيد (قدس سره) بعد اثباته الوجوب العينى بالبرهان: إلا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العينى في سائر الاعصار والامصار (2) واتفقت آراؤهم على ان ذلك الشرط إنما هو حضور السلطان العادل أو من نصبه لذلك، وكأنهم عنوا بالسلطان العادل - كما صرح به بعضهم - الامام المعصوم عليه السلام فاشترطوا حضوره إذا تيسر كما في بلد اقامته في دولة الحق واذنه عليه السلام لها إذا لم يتيسر الحضور كما في البلاد الاخر ذلك الوقت، ولذلك لما رأوا ان الائمة كانوا كذلك يفعلون في دولتهم محقين كانوا أو مبطلين ولما رأوا ان العامة يستدلون عليه بان الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن والحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف ولن يستمر الامر إلا مع السلطان فاستحسنوا هذا الاستدلال كما استسحنوا أصل الاجتهاد والقول بالرأى منهم ثم زعموا ان ذلك كان شرطا لشرعية هذه الصلاة. ثم اختلف هو هؤلاء فمنهم من عمم هذا الشرط لزمان الحضور والغيبة


(1) مقتضى كلامه (قدس سره) ان المجتهدين لا يتقيدون في استنباط الاحكام بالكتاب والسنة واخبار أهل البيت " ع " وقد تقدم في التعليقة 1 ص 363 ما يرتبط بالمقام (2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 فقد تقدم فيها ما يتعلق بالمقام.


[ 393 ]

فحكم بسقوط الصلاة في الغيبة لعدم امكان الشرط حينئذ وهو محمد بن ادريس صريحا وسلار بن عبد العزيز ظاهرا وهما اللذان كنينا عنهما بالرجل والرجلين، وانما اتينا بالترديد لاحتمال كلام سلار التأويل بما يرجع الى الحق، ومنهم من خص الشرط بزمان الظهور واسقطه في زمان الغيبة لامتناعه. ثم اختلف هؤلاء فمنهم من جعل الوجوب حينئذ حتميا من دون رخصة في تكرها فوافق رأيهم مذهب القدماء الاخباريين وسائر الامة، ومنهم من زعم ان في تركها حينئذ رخصة وان وجوبها حينئذ تخييري وانها أفضل الفردين الواجبين تخييرا فهى مستحبة عينا واجبة تخييرا واليه ذهب شرذمة من مشاهيرهم، وذلك لما رأوا من ترك اصحابنا لها في بعض الاوقات كما ذكرناه، والاشتباه وقع لهم من عبارات بعض من تقدم عليهم ولا سيما الشيخ الطوسى الذى هو قدوتهم كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى. وكأنهم عنوا بالتخيير - كما صرح به بعضهم - ان الناس بالخيار في انشائها وجمع العدد لها وتعيين الامام لاجلها فإذا فعلوا ذلك وعزموا على فعلها تعين على كل من اجتمعت له الشرائط الاخر حضورها ولا يسع احدا التخلف عنها حينئذ لا ان لاحاد الناس حينئذ التخيير في حضورها وعدمه، ومنهم من زعم ان الاذن العام قائم مقام الاذن الخاص في زمان الغيبة فاشترط فيها حضور الفقيه لانه نائب الامام على العموم ومأذون من قبله في اجراء الاحكام، واليه ذهب واحد أو اثنان من متأخريهم. وكل من أصحاب هذه الاراء ادعى الاجماع على رأيه مع انه لا مستند لا جماعه من كتاب ولا سنة ولا خبر وليس لرأيه من هذه الدلائل الثلاثة عين ولا اثر. انتهى. ما اردنا نقله من كلام المحدث المتقدم ذكره. الخامس عشر - شيخنا غواص بحار الانوار ومستخرج لئالئ النكت والاثار قال (قدس سره) في كتاب البحار - بعد الابحاث الطويلة وذكر جملة من اخبار المسألة - تتميم: جملة القول في هذه المسألة التى تحيرت فيها الافهام واضطربت فيها الاعلام انه لا أظن عاقلا يتريب في انه لو لم يكن الاجماع المدعى فيها لم يكن لاحد


[ 394 ]

مجال شك في وجوبها على الاعيان في جميع الاحيان والازمان كما في سائر الفرائض الثابتة بالكتاب والسنة، فكما ليس لاحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر وزكاة الغنم مشروطان بوجود الامام وحضوره واذنه فكذا ههنا لعدم الفرق بين الادلة الدالة عليها، لكن طرأ ههنا نقل اجماع من الشيخ وتبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في سائر المسائل فهو عروتهم الوثقى وحجتهم العظمى به يتصاولون فاشتهر في الاصقاع ومالت إليه الطباع، والاجماع عندنا - على ما حققه علماؤنا في الاصول - هو قول جماعة من الامة يعلم دخول قول المعصوم عليه السلام في اقوالهم وحجيته إنما هو باعتبار دخول قوله عليه السلام فهو كاشف عن الحجة والحجة إنما هو قوله عليه السلام قال المحقق في المعتبر... ثم نقل كلامه المؤذن بذلك ثم قال والاجماع بهذا المعنى لا ريب في حجيته على فرض تحققه والكلام في ذلك. ثم انهم (قدس الله أرواحهم) لما رجعوا الى الفروع كأنهم نسوا ما اسسوه في الاصول فادعوا الاجماع في اكثر المسائل سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا وافق الروايات المنقولة فيها أم لا، حتى ان السيد (رضى الله عنه) واضرابه كثيرا وما يدعون الاجماع في ما ينفردون بالقول به أو يوافقهم عليه قليل من اتباعهم، وقد يختار هذا المدعى للاجماع قولا آخر في كتابه الاخر، وكثيرا ما يدعى أحدهم الاجماع على مسألة ويدعى غيره الاجماع على خلافه، فيغلب على الظن ان مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الاصول بان سموا الشهرة عند جماعة من الاصحاب اجماعا كما نبه عليه الشهيد في الذكرى وهذا بمعزل عن الحجية، ولعلهم انما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره الدلائل التى ظهرت لهم. ولا يخفى ان في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الاجماع إذ مع فرض الاطلاع على مذاهب جميع الامامية مع تفرقهم وانتشارهم في اقطار البلاد والعلم بكونهم متفقين على مذهب واحد لا حجة فيه، لما عرفت ان العبرة عندنا بقول المعصوم ولا يعلم دخوله فيها. وما يقال - من انه يجب حينئذ على المعصوم ان يظهر القول بخلاف ما اجمعوا عليه لو كان باطلا فلما لم


[ 395 ]

يظهر ظهر انه حق (1) - لا يتم سيما إذا كاتت في روايات اصحابنا رواية بخلاف ما اجمعوا عليه، إذ لا فرق بين ان يكون اظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان انه قول فقيه وبين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجوة في روايات اصحابنا... الى ان قال: وايضا دعوى الاجماع إنما نشأ من زمن السيد والشيخ ومن عاصرهما ثم تابعهما القوم ومعلوم عدم تحقق الاجماع في زمانهم فهم ناقلون عن من تقدمهم فعلى تقدير كون مرادهم بالاجماع هذا المعنى لكان في قوة خبر مرسل فكيف ترد به الاخبار الصحيحة المستفيضة (2) ومثل هذا يمكن أن يركن إليه عند الضرورة وفقد دليل آخر اصلا... الى آخر كلامه زيد في اكرامه فهذه جملة من عبائر من وصل الينا كلامهم في القول بالوجوب العينى، واما غيرهم ممن قال بهذا القول فقد ذكرنا آنفا ان قلم الاحصاء لا يأتي عليهم إلا ان الذى حضرني الان منهم جماعة: منهم - المحقق العماد مير محمد باقر الداماد، قال المحدث الكاشانى في رسالته المشار إليها آنفا انه كان يواظب على فعلها متى تيسر له، قال وقد صلينا معه غير مرة. ومنهم - العلامة السيد الماجد البحراني، قال المحدث المشار إليه في الرسالة: وكان استاذنا المتبحر السيد ماجد بن هاشم الصادقي البحراني (طاب ثراه) من المواظبين عليها بشيراز وقد صليت معه زمانا طويلا وكنا في ذلك الاوان نستفيد من بركات صبحته بكرة واصيلا، وكان يقول مقتضى الدليل


(1) اختلف الاعلام في مستند القطع برأى المعصوم " ع " من الاجماع، فقيل انه دخول شخصه " ع " في المجمعين ويحكى ذلك عن السيد المرتضى، وقيل انه قاعدة اللطف بالتفريب المذكور في المتن ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة، وقيل ان سببه هو الحدس برأيه " ع " ورضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرؤوسين المنقادين على شئ وبين رضا الرئيس بذلك الشئ ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين، وقيل ان سببه هو تراكم الظنون من الفتاوى الى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر وقيل ان سببه هو كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين. (2) قد تقدم في التعليقة 5 ص 386 ما يرتبط بالمقام


[ 396 ]

الوجوب الحتمى ولم يثبت الاجماع على خلافه. انتهى. وقال ايضا في الرسالة: وكان السيدان الجليلان امير محمد زمان ولد امير محمد جعفر وامير معز الدين محمد (رحمهم الله تعالى) مواظبين على هذه الصلاة بمشهد الرضا (صلوات الله عليه) برهة من الزمان، وقد صنف أحدهما في الوجوب العينى في زمان الغيبة رسالة رأيتها ولم تحضرني الان. انتهى. ومنهم - المحقق المدقق الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني صاحب كتاب رياض المسائل، وله في المسألة رسالة قد رد فيها على الشيخ الفقيه الشيخ سليمان ابن على بن ابى ظبية الشاخورى البحراني، حيث ان الشيخ سليمان المذكور كان يذهب الى التحريم في هذه المسألة وكتب فيها رسالة فكتب الشيخ المحقق المذكور رسالة في ردها ونقضها: ومنهم - الشيخ العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني وتلميذه المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني - وقد جرى بين الشيخ عبد الله المذكور وبين الفاضل المشهور بالفاضل الهندي من علماء اصفهان - وكان يقول بالتحريم - مباحثات في المسألة وصنف الشيخ المذكور رسالة في الرد عليه سماها اسالة الدمعة للقائل بتحريم صلاة الجمعة، كذا ذكر في بعض تحقيقاته. ولم اقف على الرسالة المذكورة - والفاضل المشهور المولى عبد الله التسترى، ونقله شيخنا المحقق المدقق الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني عن الشيخ ابن ميثم البحراني صاحب شرح نهج البلاغة. ومنهم - الاخوند المشهور بملا رفيعا المجاور بالمشهد الرضوي حيا وميتا والمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي والشيخ على بن الشيخ جعفر بن الشيخ على بن سليمان البحراني والشيخ أحمد بن عبد الله البحراني أحد تلامذة شيخنا الشيخ سليمان والفاضل الشريف الملا أبو الحسن بن الشيخ محمد طاهر المجاور بالنجف الاشرف حيا وميتا في شرحه على المفاتيح.


[ 397 ]

وبالجملة فجملة من تأخر عن شيخنا الشهيد الثاني ووقفت على رسالته من الفضلاء المحققين فكلهم على الوجوب العينى إلا الشاذ النادر ممن قال بالتحريم أو الوجوب التخييري كما لا يخفى على من له انس واطلاق على العلماء وسيرهم واحوالهم. وانما اطلنا الكلام بنقل كلام هؤلاء الاعلام واسماء من ذهب الى هذا القول وان كان خارجا عن ما هو المقصود والمرام لما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين (سامحه الله بعفوه وغفرانه) مما لا يليق ان ينسب إليه في هذا المقام، حيث قال: الصنف السادس - جماعة جاهلون قاصرون أو غافلون أو متجاهلون متغالفون وهم الذين يقولون وجوب الجمعة في زمن الغيبة بالوجوب العينى ايضا من اليقينيات، ينسبون فقهاءنا المتقدمين والمتأخرين الى الاجماع على الجهل والقصور والغفلة والغرور نعوذ بالله من هذا... الى آخر كلامه، فان فيه (اولا) ان القائلين بالوجوب العينى هم الاكثر كما عرفت من كلامنا وكلام شيخنا الشهيد الثاني وغيره. و (ثانيا) ان أحدا لم يقل ما ذكره من هذه الالفاظ الظاهرة في سوء الادب وغاية ما ربما يقولون ان منشأ القول بالتخيير هو الغفلة عن تتبع الادلة واعطاء التأمل حقه في المسألة. وهذا ليس ببدع ولا منكر كما هو شائع في كلام علمائنا جيلا بعد جيلا، على انه قد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك كما سجل به المحقق والعلامة على ابن ادريس من الطعن فيه حتى نسبوه الى الجهل في جملة من المواضع، ومن شيخنا المفيد في كتاب تصحيح اعتقادات الصدوق ورسالته التي في الرد عليه في عدم جواز السهو على المعصوم كما لا يخفى على من راجعها، وهذه سجية بين العلماء جارية قديما وحديثا. وبالجملة فكلامه - دام ظله - لا يخلو من غفلة عن تتبع اقوال من نقلنا عنه القول بالوجوب وعدم الاطلاع على مذاهبهم واقوالهم وعدم اعطاء النظر حقه في الادلة والاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار والتقط من لذيذ هذه الثمار. وفى كلامه سلمه الله تعالى مناقشات واسعة ليس في التعرض لها كثير فائدة. فهذا ذكر من معى وذكر من قبلى في ايجاب هذه الفريضة المعظمة والصلاة المحتمة.


(1) اقتباس من الاية 24 سورة الانبياء


[ 398 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الدليل على هذا القول المختار منحصر في الاية والاخبار وهما الثقلان المأمور بالتمسك بهما من النبي المختار صلى الله عليه وآله اللذان من أخذ بهما نجى من اهوال المبدأ والمال ومن تنكب عنهما وقع في تيه الضلال. والكلام هنا يقع في مقامين.

(المقام الاول) الاية الشريفة اعني قوله عز وجل: " يا ايها الذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون " (1) والتقريب فيها اتفاق المفسرين على ان المراد بالذكر في الاية صلاة الجمعة أو خطبتها أو هما معا، نقل ذلك غير واحد من العلماء، والامر للوجوب على ما تحقق في الاصول، وقد قدمنا في مقدمات الكتاب ما يدل على ذلك من الايات القرآنية والاخبار المعصومية، فلا حاجة الى الادلة الاصولية القابلة للبحث والنزاع، ولا سيما الاوامر القرآنية فان الخلاف بينهم إنما هو في اوامر السنة كما تقدم ذكره في المقدمات المشار إليها. وسياق الاية ظاهر في إرادة الصلاة أو ما يشمل الخطبة فكأنه قال: " إذا نودى للصلاة فاسعوا إليها " وسماها ذكرا تنويها بشأنها، وبه ايضا ينادى قوله تعالى " فإذا قضيت الصلاة " ويعضد ذلك ما رواه في الكافي عن جابر بن يزيد عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " قلت له قول الله عزوجل: فاسعوا الى ذكر الله ؟ قال اعملوا وعجلوا فانه يوم مضيق على المسلمين فيه وثواب اعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم والحسنة والسيئة تضاعف فيه. قال وقال أبو جعفر عليه السلام والله لقد بلغني ان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخميس لانه يوم مضيق على المسلمين ". اقول: الظاهر ان المراد من الخبر المذكور انه حيث كان وقت صلاة الجمعة مضيقا بساعة زوال الشمس - كما ستأتيك الاخبار به ان شاء الله تعالى في المقام - لا اتساع فيه كغيره من اوقات الصلاة في سائر الايام وقع الحث على تقطيع العلائق وازالة


(1) سورة الجمعة الاية 9 (2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 399 ]

العوائق عن الاتيان بالصلاة في ذلك الوقت إذ لا سعة فيه كما عرفت حتى انهم كانوا يتجهزون للفراغ للصلاة ويقضون اعراضهم التى ربما تمنع من الاتيان بها في وقتها في يوم الخميس كما دل عليه الخبر المذكور. والمراد بالنداء الاذان أو دخول وقته كما ذكره المفسرون، وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: " روى انه كان بالمدينة إذا اذن المؤمن يوم الجمعة نادى مناد حرم البيع لقول الله عزوجل: يا ايها الذين امنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع " (2) وحينئذ فالمستفاد من الاية المذكورة الامر بالسعي الى صلاة الجمة لكل واحد من المؤمنين متى تحقق الاذان لها أو دخول وقته، وحيث ان الاصل عدم التقييد بشرط يلزم عموم الوجوب بالنسبة الى زمان الغيبة والحضور. وقد اورد على هذا الدليل وجوه من الايرادات لا بأس بذكرها وذكر ما اجيب به عنها: الاول - ان كلمة " إذا " غير موضوعة للعموم لغة فلا يلزم وجوب السعي كلما تحقق النداء بل يتحقق بالمرة وهى عند تحقق الشرط. والجواب عن ذلك ان " إذا " وان لم تكن موضوعة للعموم لغة إلا أنه يتسفاد منها العموم في امثال هذه المواضع اما بحسب الوضع العرفي أو بحسب القرائن الدالة عليه كما قالوه في آية الوضوء وامثالها، على ان حملها على الاهمال يجعل الكلام خاليا من الفائدة المعتد بها وهو مما يجب تنزيه كلام الحكيم عنه. وايضا فانه لا يخلو اما أن يكون المراد ايجاب السعي ولو في العمر مرة واحدة أو ايجابه على سبيل العموم أو ايجابه بشرط حضور الامام أو نائبه، لا سببل الى الاول لمخالفته لاجماع المسلمين إذ الظاهر انهم متفقون على انه ليس المراد من الاية ايجاب


(1) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة وآدابها (2) سورة الجمعة الاية 9


[ 400 ]

السعي ولو في الجملة بحيث يتحقق بالمرة بل الظاهر المعلوم اطباقهم على ان المراد التكرار، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا يقبل الانكار. واما الثالث فانه لا سبيل إليه ايضا لكونه خلاف الظاهر من اللفاظ إذ لا دلالة اللفظ عليه ولا قرينة تؤنس به وتشير إليه، والعدول عن الظاهر يحتاج الى دليل قاهر. على انك قد عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى انه لا وجود لهذا الشرط الذى ذكروه ولا معنى لهذا الاعتبار الذى اعتبروه. وحينئذ فيتعين الثاني وهو المطولب. وزاد بعض الافاضل في الجواب قال: وايضا الخطاب عام بالنسبة الى جميع المؤمنين سوء تحقق الشرط المدعى بالنسبة إليه أم لا فعلى تقدير تجويز ان لم يكن المراد بالاية التكرار يلزم ايجاب السعي على من لم يتحقق الشرط بالنسبة إليه ولو مرة ويلزم منه الدوام والتكرار لعدم القائل بالفصل. انتهى. وبالجملة فانه لا يخفى على المتأمل بعين التحقيق والمنصف الناظر بالفكر الصائب الدقيق ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية المضاهية لبيت العنكبوت وانه لاضعف البيوت، إذ لا يخفى على من تأمل سياق السورة المذكورة وفعله صلى الله عليه وآله مدة حياته والخلفاء من بعده حقا أو جورا ان المراد من الاية انما هو التكرار والاستمرار مدى الازمان والاعصار لا ما توهمه هذا المورد من صدق ذلك ولو مرة واحدة. الثاني - ان الامر في الاية معلق على ثبوت الاذان فمن اين ثبت الوجوب مطلقا ؟ والجواب انه يلزم بصريح الاية الايجاب متى تحقق الاذان ويلزم منه الايجاب مطلقا لعدم القائل بالفصل واتفاق المسملين على ان الاذان ليس شرطا لوجوب الجمعة، ولعل فائدة التعليق على الاذان الحث على فعله لتأكد استحباب الاذان لها حتى ذهب بعضهم الى وجوبه لها. ويحتمل أن يكون المراد من النداء دخول الوقت على سبيل الكناية كما ذكره في الكشاف. (فان قيل) لنا ان تعارض ذلك ونقول انه يستفاد من الاية عدم وجوب السعي عند عدم الاذان ويلزم من ذلك انتفاء الوجوب في بعض صور انتفاء الشرط


[ 401 ]

المتنازع فيه ويلزم منه عدم الوجوب عند عدم الشرط المذكور مطلقا لعدم القائل بالفصل. (قلنا) إذا حصلت المعارضة بين منطوق الكلام ومفهومه فدلالة المفهوم مطرحة باتفاق المحققين كما حقق في محله، على ان التعليق بالاذان إنما خرج مخرج الغالب ويعبتر في دلالة المفهوم ان لا يكون للتعليق فائدة سوى انتفاء الجزاء بانتفاء شرطه والامر هنا بناء على ما ذكرنا ليس كذلك. قال شيخنا زين الملة والدين في رسالته الموضوعة في المسألة: (لا يقال) الامر بالسعي في الاية معلق على النداء لها وهو الاذان لا مطلقا والمشروط عدم عند عدم شرطه فيلزم عدم الامر بها على تقدير عدم الاذان. سلمنا لكن الامر بالسعي إليها مغاير للامر بفعلها ضرورة انهما غير ان فلا يدل على المدعى. سلمنا لكن المحققين على ان الامر لا يدل على التكرار فيحصل الامتثال بفعلها مرة واحدة (لانا نقول) إذ ثبت بالامر اصل الوجوب حصل المطلوب لاجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الاصحاب على ان الوجوب غير مقيد بالاذان وانما علقه على الاذان حثا على فعله لها حتى ذهب بعضهم الى وجوبه لها لذلك، وكذا القول في تعليق الامر بالسعي فانه أمر بقدماتها على أبلغ وجه، وإذا وجب السعي لها وجبت هي ايضا إذ لا يحسن الامر بالسعي إليها وايجابه مع عدم ايجابها ولاجماع المسلمين على عدم وجوبه بدونها، كما اجمعوا على انها متى وجبت وجب تكرارها في كل وقت من اوقاتها على الوجه المقرر ما بقى التكليف بها كغيرها من الصلوات اليومية والعبادات الواجبة مع ورود الاوامر بها مطلقة كذلك، والاوامر المطلقة وان لم تدل على التكرار لم تدل على الوحدة فيبقى اثبات التكرار حاصلا من خارج بالاجماع والنصوص، وسنتلو عليك ما يدل على التكرار صريحا. انتهى كلامه زيد مقامه. قال شيخنا غواص بحار الانوار في الكتاب المذكور - ونعم ما قال - بعد ذكر أصل الاعتراض الذى قدمنا ذكره: والجواب انه يلزم بصريح الاية الايجاب متى


[ 402 ]

تحقق الاذان ويلزم بنه الايجاب مطلقا، مع انا قد قدمنا ان الظاهر ان المواد دخول وقت النداء. واعترض عليه بوجوه سخيفة اخرى الاعراض عنها احرى وبعضها يتضمن الاعتراض على الله تعالى، إذ لا يتريب متتبع في ان الاية إنما نزلت لوجوب صلاة الجمعة والحث عليها فقصورها عن افادة المرام يؤول الى الاعتراض على الملك العلام، ويظهر الجواب عن بعضها مما قررناه سابقا في تفسير الايات. ثم ان امثال تلك الاعتراضات انما يحسن ممن لم يستدل في عمره بآية ولا خبر في حكم من الاحكام واما من كان دأبه الاستدلال بالظواهر والايهامات على الاحكام الغريبة لا يليق به تلك المناقشات وهل توجد آية أو خبر لا يمكن المناقشة في الاستدلال به بامثال ذلك ؟ ومن العجب انهم يقولون ورد في الخبر ان الذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فيمكن أن يكون المراد به هنا السعي إليه صلى الله عليه وآله ولا يعرفون ان الاخبار الواردة في تأويل الايات وبطونها لا تنافى الاستدلال بظواهرها، فقد ورد في كثير من الاخبار ان الصلاة رجل والزكاة رجل وان العدل رسول الله صلى الله عليه وآله والاحسان امير المؤمنين عليه السلام والفحشاء والمنكر والبغى الثلاثة، وامثال ذلك اكثر من ان يحصى، وشئ منها لا ينافى العمل بظواهرها والاستدلال بها، وقد حققنا معانيها واشبعنا الكلام فيها في تضاعيف هذا الكتاب والله الموفق للصواب. انتهى كلامه (رفع مقامه) وهو جيد رشيق وسيأتى في كلامنا ان شاء الله ما يؤيده من التحقيق. الثالث - ان الخطاب انما يتوجه الى الموجودين عند المحققين ولا يشمل من سيوجد إلا بدليل من خارج وليس إلا الاجماع وهو لا يجرى في موضع الخلاف. والجواب ان التحقيق - كما ذكره غير واحد من المحققين - ان الخطاب يتوجه الى المعدومين بتبعية الموجودين إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم كهذه الاية وقد حقق في محله. والاجماع على عدم اختصاص الاحكام بزمانه صلى الله عليه وآله لم يتحقق على كل مسألة مسألة حتى يقال لا يجرى في موضع الخلاف بل على هذا المفهوم الكلى مجملا وإلا فلا يمكن الاستدلال بالايات والاخبار على شئ من المسائل الخلافية إذا ورد بلفظ


[ 403 ]

الخطاب وهذا سفسطة. على ان التحقيق ان الاخبار المستفيضة دالة على عدم اختصاص احكام السنة والكتاب بزمان دون وان حلال محمد صلى الله عليه وآله) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة (1) بل جملة منها دالة على ان الخطابات القرآنية شاملة للموجودين في ايامه صلى الله عليه وآله ولمن يأتي بعدهم: روى ثقة الاسلام في الكافي (2) عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: " لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ولكنه حى يجرى في من بقى كما جرى في من مضى ". وروى الصدوق في كتاب العلل عن الرضا عن ابيه (عليهما السلام) (3) " ان رجلا سأل ابا عبد الله عليه السلام ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة ؟ فقال ان الله لم يجعله لزمان دون زمان وناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض الى يوم القيامة ". وروى في الكافي والتهذيب عن ابى عمر والزبيرى عن ابى عبد الله عليه السلام (4) حين سأله عن احكام الجهاد وساق الخبر الى ان قال " فمن كان قد تمت فيه شرائط الله عزوجل التى وصف بها أهلها من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله) وهو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد كما اذن لهم لان حكم الله في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسأل الاخرون عن اداء الفرائض كما يسأل الاولون ويحاسبون كما يحاسبون به... الحديث "


(1) الفصول المهمة للحر العاملي ص 84 عن الكليني، وفى اصول الكافي باب الشرائع وفى الوسائل الباب 12 من صفات القاضى عن الباقر " ع " عن النبي " ص " قال " حلالى حلال الى يوم القيامة وحرامى حرام الى يوم القيامة ". (2) الاصول ج 1 ص 102 الطبع الحديث باب ان الائمة هم الهداة. (3) رواه في العيون ص 239 ونقله في البحار ج 19 باب " فضل القرآن واعجازه " عن العيون وتفسير العياشي ولم ينقله من العلل. (4) الوسائل الباب 9 من جهاد العدو


[ 404 ]

وروى في الكافي (1) عن ضريس عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال: " ان الاية تنزل في الرجل ثم تكون في اتباعه... الحديث ". وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في المراد لا تعتريها النقض ولا الايراد. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين في بعض تحقيقاته: اعلم ايدك الله تعالى انه يدل على وجوب الجمعة عينا مطلقا كتاب الله تعالى حيث أمر فيه المؤمنين بالسعي الى ذكر الله وترك البيع بعد النداء للصلاة يوم الجمعة، وهذا الامر يعم جميعهم الى يوم القيامة على القول بان خطاب المشافهة يعم الكل ولا كلام فيه، واما على القول بانه يخص الموجودين زمنه صلى الله عليه وآله فلا ريب ان حكمه لم ينسخ في زمنه فهو باق بشروطه الثابتة الى آخر التكليف لا ناسخ له بعده صلى الله عليه وآله ومنع ثبوته هنا في بعض الازمنة كزمان الغيبة للاجماع المنقول مما لا يليق، فان الاجماع المدعى انما هو على اشتراطه بشرط ولا كلام في انتفاء المشروط حيث انتفى الشرط، انما الكلام في اثبات الاشتراط وهو على مدعيه وليس على المستدل اثبات العدم ويكفيه عدم وجدان دليله واصلة العدم وهو واضح، والامر حقيقة في الوجوب على ما حقق. انتهى المراد من نقل كلامه زيد مقامه. اقول: وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب إليه الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في كتاب الذخيرة من جعل الاية المذكورة من المؤيدات لا من الادلة لهذا الايراد المذكور في المقام مع ما هو عليه كما عرفت من الانتقاض والانهدام، حيث قال (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد ذكر الروايات الدالة على ما اختاره من الوجوب العينى: ويؤيده قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة... " (2) ثم ساق الاية وساق الكلام في بيان دلالتها الى ان قال: وانما جعلنا الاية من المؤيدات دون الدلائل إذ لقائل ان ينازع في الاية ويقول المشهور بين المحققين ان الخطابات القرآنية لا تشمل غير الموجودين في زمن الخطاب وانما


(1) الاصول باب الشرك (2) سورة الجمعة الاية 9


[ 405 ]

يعلم شمولها للموجودين وغيرهم بدليل من خارج من الاجماع وغيره، وعلى هذا فيجوز أن يكون الايجاب بالنسبة الى الموجودين في زمن الخطاب بناء على تحقق شرط الوجوب وهو الامام الصالح لامامة الجمعة ولا يلزم وجوبه بالنسبة الى غير الموجودين ايجابا مطلقا سوء تحقق الشرط أم لا، نعم صلاحتيها للتأييد غير منكر كما لا يخفى على المتدبر. انهى. إلا انه في رسالته التى له في المسألة أورد الاية دليلا واجاب عن ما أورد عليها في المقام ولم يتعرض لهذا الايراد. وكيف كان فقد عرفت انه لا ورود له. الرابع - ان الامر بها معلق على النداء لها والنداء لها يتوقف على الامر بها للقطع بانها لو لم تكن مشروعة لم يصح الاذان لها فيلزم الدور. وايضا الحكم معلق على الاذان لها وهو لا يشرع لها إلا إذا كانت مأمورا بها وتحقق ذلك بدون الشرط المتنازع فيه ممنوع والجواب عن ذلك ما افاده شيخنا زين الملة والدين في الرسالة حيث قال: مقتضى الاية ان الامر بالسعي معلق على مطلق النداء للصلاة الصالح لجميع افراده، وخروج بعض الافراد بدليل خارج واشتراط بعض الشرائط فيه لا ينافى أصل الاطلاق، وكل ما لا يدل دليل على خروجه فالاية متناولة له وبه يحصل المطلوب قال: ويمكن دفع الدور بوجه آخر وهو ان المعلق على النداء هو الامر بها الدال على الوجوب والاذان غير متوقف على الوجوب بل على أصل المشروعية فيرجع الامر الى ان الوجوب متوقف على الاذان والاذان متوقف على المشروعية والمشروعية أعم من الوجوب فلا دور. وايضا فان النداء المعلق على الامر هو النداء للصلاة يوم الجمعة أعم من كونها أربع ركعات وهى الظهر المعهودة أو ركعتين وهى الجمعة ولا شبهة في مشروعية النداء للصلاة يوم الجمعة مطلقا وحيث ينادى لها يجب السعي الى ذكر الله وهى صلاة الجمعة أو سماع خطبتها المقتضى لوجوبها وكأنه تعالى قال: إذا نودى للصلاة عند زوال يوم الجمعة فصلوا الجمعة أو فاسعوا الى صلاة الجمعة وصلوها. وهذا واضح الدلالة لا اشكال فيه. ولعل السر في قوله تعالى: " فاسعوا الى ذكر الله "


[ 406 ]

ولم يقل " فاسعوا إليها " لئلا يلزم الاشكال المتقدم. انتهى. ومنه يعلم الجواب عن وجهى الايراد. الخامس - ان مطلق النداء لها غير مراد في الامر بالسعي عنده بل يحتمل ان يراد به نداء خاص وهو حال وجود الامام عليه السلام وقرينة الخصوص الامر بالسعي الدال على الوجوب لان الاصحاب لا يقولون به عينا حال الغيبة بل غايتهم القول بالوجوب التخييري ومن ثم عبر اكثرهم بالاستحباب أو الجواز حينئذ. والجواب ما افاده شيخنا المقتدم ذكره في الرسالة، قال: لانا نقول لا شك ان النداء المأمور بالسعي معه مطلق شامل باطلاقه لجميع الازمان التى من جملتها زمان الغيبة فيدل باطلاقه على الوجوب المضيق، والوجوب التخييري الذى ادعاه متأخرو الاصحاب ستعرف ضعف مبناه ان شاء الله تعالى ولكن على تقدير تسليمه يمكن ان يقال ان الامر بالسعي المقتضى للوجوب لا ينافيه لان الوجوب التخييري داخل في مطلق الوجوب الذى يدل عليه الامر وفرد من افراده، فان الامر لا يدل على وجوب خاص بل على مطلقه الشامل للعينى المضيق والتخييري والكفائي وغيرها وان كان اطلاقه على الفرد الاول منها أظهر وتخصيص كل منها في مورده بدليل خارج عن أصل الامر الدال على ماهية الوجوب الكلية كما لا يخفى. السادس - ان الامر بالسعي على تقدير النداء المذكور ليس عاما بحيث يشمل جميع المكلفين للاجماع على ان الوجوب مشروط بشرائط خاصة كالعدد والجماعة وغيرهما، وإذا كان مشرطوا بشرائط غير معينة في الاية كانت مجملة بالنسبة الى الدلالة على الوجوب المتنازع فلا يثبت بها المطلوب. والجواب ما افاده شيخنا المذكور (منحه الله بالقرب والحبور) قال: لانا نقول مقتضى الامر المذكور واطلاقه يدل على وجوبها على كل مؤمن وتبقى دلالة باقى الشروط من خارج، فكل شرط يدل عليه دليل صالح يثبت به ويكون مقيدا لهذا


[ 407 ]

الامر المطلق وما لا يدل عليه دليل صالح تبقى دلالة هذه الاية الكريمة على أصل الوجوب ثابتة مطلقا. انتهى. أقول: والتحقيق ان هذه المناقشات في هذه الاية إنما حمل عليها التعصب للقول المشهور وإلا فاى آية من الايات التى استدلوا بها في الحكام بل والاخبار ايضا لا يتطرق إليها أمثال ذلك من الاحتمالات البعيدة والتمحلات السخيفة العديدة ؟ ولو قامت هذه الاحتمالات في مقابلة الظواهر لانسد باب الاستدلال إذ لا قول إلا وللقائل فيه مجال، فكيف تقوم الحجة لهم على مخالفيهم في الامامة بل واصحاب الملل والاديان إذا قابلوهم بالاحتمالات في ما يستدلون به من الايات والاخبار ونحوها ؟ مع ان الناظر المنصف إذا تأمل الاية المذكورة وما قرنت به في هذه السورة من أولها الى آخرها لا تخفى عليه دلالة الاية على ما قلناه، وهل المناقش بهذه المناقشات الواهية إلا متعرض للرد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ إذ من المعلوم ضرورة من الدين وجوب هذه الفريضة المعظمة ولوفى الجملة، ومن المعلوم بين الخاصة والعامة ان هذه الاية إنما نزلت في الامر بها والحث عليها منه تعالى، والراد لدلالة الاية راد عليه تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله كما لا يخفى (1) ومن اراد الاطلاع على مافى السورة المذكورة من الايماء والاشارة الى ما ذكرنا فليرجع الى ما فصله شيخنا غواص بحار الانوار (نور الله مرقده) في الكتاب المذكور. ثم ان مما يؤيد هذه الاية ايضا قوله عزوجل " لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله " (2) حيث فسر الذكر هنا ايضا بصلاة الجمعة كما نقله جمع من الاصحاب، وقوله عزوجل " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " (3) حيث ان الذى عليه المحققون ان الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر في غير يوم الجمعة وفى يوم الجمعة هي صلاة الجمعة لا غير، وقد مر تحقيق ذلك في مقدمات هذا الكتاب في شرح صحيحة


(1) بالرجوع الى التعليقة 5 ص 386 يهون امر هذا التهويل (2) سورة المنافقين الاية 9 (3) سورة البقرة الاية 239


[ 408 ]

زرارة الواردة بذلك (1) بل قال جماعة من الاصحاب انها هي الجمعة لا غير كما نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين عن الشهيد الثاني في بعض فوائده.

(المقام الثاني) - وهو الدليل الواضح الظهور بل الساطع النور الذى لا يعتريه نقص ولا قصور إلا عند من غطت على قلبه ولبه غشاوة العصبية للقول المشهور الاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة كالنور على الطور: ومنها - صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام (2) قال: " فرض الله على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين ". أقول: لا يخفى ان غير الجمعة من هذه الفرائض المشار إليها مما لا خلاف ولا إشكال في وجوبها عينا من غير شرط زائد على ما قرر في الصلوات اليومية، ونظم الجمعة فيها وعدها معها أظهر ظاهر في انها مثلها في الوجوب العينى مع استكمال ما دلت عليه الاخبار واتفقت عليه علماؤنا الابرار من الشرائط فيها. وادعاء الوجوب التخييري على بعض الوجوه موجب لتهافت الكلام واختلاف حكم الفرائض بغير مائز. وايضا لو كان وجوبها تخييريا على بعض الوجوه لاستثنى ذلك الوجه كما استثنى المملوك والمسافر وغيرهما، فان استثناه هؤلاء إنما هو من الوجوب العينى لا مطلق الوجوب لوجوبها عليهم لو حضروا وإنما لهم الخيرة في الحضور كما تقرر عندهم فالوجوب التخييري ثابت لهم فلا وجه لاستثنائهم دون شركائهم. واما تخصيص الوجوب بزمان حضور الامام عليه السلام فغير جائز (اما اولا) فلانه خلاف الظاهر فيحتاج الى دليل واضح وليس فليس كما ظهر وسيظهر ان شاء الله تعالى تمام الظهور.


(1) ج 6 ص 20 و 21 (2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 409 ]

و (اما ثانيا) فلانه ان اريد بزمان حضوره زمان ظهوره على وجه الشوكة والسطلنة والاستيلاء كما نقل عن جماعة منهم التصريح به فاللازم حينئذ خروج اكثر الجمعات واكثر الناس عن هذا الحكم لان ايام ظهور الامام على وجه السلطنة والاستيلاء قليلة جدا بالنسبة الى غيرها، ويلزم منه خروج اكثر افراد العام وهو غير جائز عند المحققين وسياق الخبر ظاهر في رده، وهل يستقيم في الطباع السليمة تجويز أن يكون المعصوم عليه السلام في بيان الحكم الشرعي وافادته يبالغ في وجوب شئ ويقول انه واجب على كل مسلم في كل اسبوع إلا جماعة خاصة ويقرنه بصلوات واجبة التكرار في اليوم والليلة ومع ذلك لا يثبت الحكم لاحد من أهل عصره ولا لمعظم المسلمين بل انما ثبت لقليل مضوا في زمان التى صلى الله عليه وآله وزمان خلافة امير المؤمنين عليه السلام وسوف يثبت في آخر الزمان بعد ظهور القائم عليه السلام ليس إلا ؟ وان اريد بزمن الحضور ما هو أعم من السلطنة والاستيلاء فلا وجه للتخصيص المذكور، إذ لا فرق بين حضوره مع الخوف وبين غيبته في عدم تمكنه من الصلاة بنفسه ولا بتعيين نائب عنه الذى هو مناط الوجوب العينى عند من نفاه في زمن الغيبة ومنها - صحيحة ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام (1) قال: " ان الله فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلاثين صلاة: منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها إلا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبى ". والتقريب في هذا الخبر كما في سابقه من المبالغة والتأكيد والاتيان بلفظ الفرض الدال على تأكد الوجوب كما في سابقه الصريح بلفظ " كل " الذى هو أوضح الالفاظ في العموم في الموضعين مع الاستثناء الموجب لزيادة التأكيد في العموم والشمول لسائر الازمنة كالصلوات الاخر التى جمع بينها وبين الجمعة في الحكم. ومنها - صحيحة زرارة (2) قال: " قلت لابب جعفر عليه السلام على من تجب


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 410 ]

الجمعة ؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين أحدهم الامام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم ". قال بعض المحدثين من متأخرى المتأخرين: وهذا نص في عدم اشتراط الاذن الذى ادعوه، وان مرادهم بالامام في مثل هذا الموضع امام الصلاة لا المعصوم عليه السلام فان سموا مثل هذا اذنا من الامام واكتفوا به فهو ثابت الى يوم القيامة لكل من يصلح لان يخطب ويؤم. ومنها - صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام (1) قال: " يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا فان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم. والجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبى " قال بعض المحدثين " يجمع القوم " بتشديد الميم أي يصلون الجمعة. ومنها - صحيحة عمر بن يزيد عنه عليه السلام (2) " إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصدوا في جماعة وليلبس البرد والعمامة ويتوكأ على قوس أو عصى وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر بالقراأة ويقنت في الركعة الاولى منهما قبل الركوع ". ومنها - صحيحة الفضل بن عبد الملك (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسه نفر وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين " اقول: وهذا نص ايضا في عدم اشتراط اذن الامام أو حضوره إلا ان يكتفوا بمثل هذا الاذن العام. ومنها - صحيحة زرارة (4) قال: " قال أبو جعفر عليه السلام الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله انما يصلى العصر


(1) الوسائل الباب 2 و 1 من صلاة الجمعة وآدابها (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة وآدابها (3) الوسائل الباب 2 و 3 من صلاة الجمعة وآدابها (4) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 411 ]

في وقت الظهر في سائر الايام كى إذا قضوا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله رجعوا الى رحالهم قبل الليل وذلك سنة الى يوم القيامة ". ومنها - صحيحة ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام (1) قال: " من ترك الجمعة ثلاث جمع متوالية طبع الله على قلبه ". ومنها - صحيحة زرارة (2) قال " حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه فقلت نغدو عليك ؟ فقال لا انما عنيت عندكم " (3).


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة (3) اورد الوحيد البهبهانى " قدس سره " في تعليقته على المدارك على عد المصنف هذه الصحيحة من ادلة الوجوب التعييني بما ملخصه: ان الاستدلال بها على مدعاه في غاية الغرابة لان الحث لا يدل على ازيد من الترغيب بل لاخفاء في ظهوره في الاستحباب، اضف الى ذلك ان زرارة مع عدالته وجلالته وفقاهته كيف يروى عن الباقر " ع " في مرات متعددة ما يدل على وجوب الجمعة تعيينا ويكون شاملا له ويضبطه في اصله المشتهر بين الشيعة ويرويه الاجلة عنه ويدونونه في اصولهم ومع ذلك يتركها حتى يحتاج الى حث الصادق " ع " عليها، وكيف يكتفى " ع " بالحث ولم ينفعه الايجاب والتشديد والتاكيد المتعدد من الباقر " ع " وفظاعة عدم الاتيان بها وشناعته، وكان المناسب ان يستفسر " ع " اولا عن سبب تركه فان اعتذر بوجه صحيح تركه على حاله وإلا بين خطأه فان لم يرتدع عن تركها انكر عليه أشد الانكار وهدده بازيد مما صدر من الباقر " ع " وهو " ع " قد انكر على حماد عدم اتيانه بالصلاة بحدودها تامة مع انها من المستحبات بقوله " ع " " ما اقبح بالرجل منكم... " بل كانوا ينكرون " ع " ترك مثل غسل الجمعة والنوافل اليومية ونحو ذلك فكيف بمثل هذه الفريضة من مثل هذا الجليل ولا سيما بعد ايجابات سابقة كثيرة اكيدة شديدة رواها هو بنفسه وكذا نظراؤه كابن مسلم وابى بصير وغيرهما من الاجلة ودونوها في اصولهم المشهورة، على انهم كانوا دائما يقرأون القرآن وسورة الجمعة ويفهمون المعنى أحسن منا وكذا الاخبار الصادرة عن المعصومين " ع " ولا سيما ما رووه بانفسهم وكان بامكانهم الرجوع الى المعصوم (ع) في معرفة القيود والشروط... الى ان قال بعد كلام من هذا القيل: ومما يدل بظاهره على عدم الوجوب عينا ما رواه الشيخ في =


[ 412 ]

ومنها - موثقة عبد الملك عن الباقر عليه السلام (1) قال " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله ؟ قال قلت كيف أصنع ؟ قال صلوا جماعة يعنى صلاة الجمعة ". ومنها - حسنة محمد بن مسلم بابراهيم بن هاشم التى هي عندنا وعند جملة من المحققين من الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجمعة فقال تجب على من كان مهنا على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شئ " ومنها - حسنة محمد بن مسلم وزرارة - بابراهيم الذى قد عرفت ان حديثه عندنا من الصحيح - عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين ". ومنها - موثقة سماعة (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة يوم


= مصباحه والصدوق في اماليه بسند صحيح انه " ع " قال: " انى احب للرجل ان لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع ولو مرة ويصلى الجمعة ولو مرة " ثم قال: ويظهر منه " قدس سره " في المصباح ان مستند التخيير عندهم هو هذا الحديث ثم قال ما ملخصه: ويؤيده ايضا رواية عبد الملك فان المراد من الهلاك فيها الموت لا الوقوع في العذاب لان المناسب لذلك التعليل بترك الفريضة لا الاتيان بالواو الحالية، والظاهر من الخبر ان ترك عبد الملك للجمعة لم يكن عصيانا بل من جهة انه لم يكن يدري ما يصنع حيث كان يعتقد انه لا يجوز ان تقام بغير المنصوب من قبل الامام فازال الله حيرته بقوله (ع) " صلوا جماعة " أي لا تتوقف اقامتها على المنصوب، ولو كان تركه للتقية لم يكن لسؤاله مناسبة وكذا جوابه (ع) والمستفاد من الخبر - كما لا يخفى على المتأمل فيه - ان منشأ التوبيخ فيه هو عدم صدور الفريضة منه اصلا بحيث لو تحققت منه مرة لم يتوجه التوبيخ إليه ولو كان المراد الوجوب التعييني لكان المناسب ان يقول له كيف تترك فريضة الله في مدة عمرك مرة واحدة لا ان يقول له كيف ينقضى عمرك ولم تتحقق من فريضة الله اصلا... الى آخر كلامه في المقام ومن اراد الاطلاع عليه فليراجعه. (1) و (4) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة وآدابها (2) و (3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 413 ]

الجمعة ؟ فقال اما مع الامام فركعتان واما من يصلى وحده فهى اربع ركعات بمنزلة الظهر يعنى إذا كان امام يخطب فان لم يكن امام يخطب فهى أربع ركعات وان صلوا جماعة ". ومنها - موثقة سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال: " صلاة الجمعة مع الامام ركعتان فمن صلى وحده فهى اربع ركعات ". ومنها - صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة ؟ قال نعم يصلونها أربعا إذا لم يكن من يخطب ". ومنها - حسنة زرارة (3) قال: " كان أبو جعفر عليه السلام يقول لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الامام واربعة ". ومنها - صحيحة زرارة برواية الفقيه (4) قال: " قال زرارة قلت له على من تجب الجمعة ؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين أحدهم الامام فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم ". ومنها - ما نقله جمع من الاصحاب: منهم - شيخنا الشهيد الثاني في رسالته والمحدث الكاشانى في الوافى (5) وغيرهما من الاخبار المرسلة عنه صلى الله عليه وآله من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه ". وعنه صلى الله عليه وآله " من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة ختم الله على قلبه بخاتم النفاق ". وعنه صلى الله عليه وآله " لينتهين اقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة وآدابها (2) الوسائل الباب 3 من صلاة الجمعة وآدابها (3) و (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها (5) باب (وجوب صلاة الجمعة وشرائطها) والرسالة ص 54 و 55 و 61


[ 414 ]

ثم ليكونن من الغافلين ". وعنه صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة حث فيها على صلاة الجمعة " ان الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتى وله امام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في امره، ألا ولا صلاة له ألا ولا زكاة له ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ولا بر له حتى يتوب " قال في الوافى: قوله صلى الله عليه وآله " وله امام عادل " ليس في بعض الروايات، ورواه العامة هكذا " وله امام عادل أو فاجر " (1) انتهى، وعنه صلى الله عليه وآله " كتبت عليكم الجمعة فريضة واجبة الى يوم القيامة ". وعنه صلى الله عليه وآله " الجمعة واجبة على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض ". ومنها - ما نقله شيخنا مفيد الطائفة (2) قال: واعلم ان الرواية جاءت عن الصادقين (عليهم السلام) " ان الله جل جلاله فرض على عباده من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة فقال عز من قائل: يا ايها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون " (3). ومنها - صحيحة زرارة بن اعين عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الامام فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق " رواه الصدوق في كتاب المجالس (5).


(1) سنن ابن ماجة ج 1 ص 334 باب (فرض الجمعة) وفيه هكذا " وله امام عادل أو جائر " (2) ص 27 (3) سورة الجمعة الاية 9 (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها (5) ص 290


[ 415 ]

ومنها - ما رواه في كتاب ثواب الاعمال في الصحيح أو الموثق عن ابى بصير ومحمد بن مسلم (1) قالا " سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متوالية بغير علة طبع الله على قلبه ". ومنها - ما رواه في كتاب عقاب الاعمال في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام) (2) قال: " صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الامام... ". اقول: فلينظر العاقل المنصف الى ما دلت عليه هذه الاخبار من الدلاله الصريحة الواضحة على وجوب هذه الفريضة المعظمة وجوبا عينيا من غير ما زعموه من الشرائط التى تمحلوها بمجرد آرائهم وعقولم، وهل ورد في مسألة من مسائل الفقه المسلمة بينهم مثل ما ورد في هذه المسألة من الاخبار ؟ ولا معارض لها إلا ما يدعونه ويصولون به من الاجماع على نفى الوجوب العينى زمن الغيبة وقد عرفت آنفا ما فيه مما أوضح فساد باطنه وخافيه، وقصاراه مع تسليمه انه في قوة خبر مرسل ومن المقرر في كلامهم والمتفق عليه من قواعدهم انهم لا يجمعون بين الادلة إلا مع التكافؤ في الصحة، وهل يبلغ هذا الاجماع على تقدير ما ذكرنا الى مقاومة خبر من هذه الاخبار فضلا عنها كلها حتى انه يجب تخصيصها به ؟ ما هذا إلا قلة تأمل وانصاف بل عدم صيانة وعفاف وجرأة تامة على ترك هذه الفريضة الجليلة نعوذ بالله من زيغ الافهام وطغيان الاحلام وزلل اقدام الاقلام في أحكام الملك العلام (3). وممن اعترف بما قلناه من دلالة الاخبار المذكورة على الوجوب العينى شيخنا الشهيد في الذكرى إلا انه تعلل بان عمل الطائفة على عدم الوجوب العينى في سائر الاعصار والامصار. وفيه انك قد عرفت من كلام المشايخ الذين قدمنا نقل عبائرهم دلالة كلامهم


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة وآدابها (3) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 والتعليقة 3 ص 411 والتعليقة الاتية على كلام الشهيد الثاني


[ 416 ]

على الوجوب العينى كالشيخ المفيد وثقة الاسلام والصدوق في كتبهم المتقدم ذكرها وغيرهم ما بين في ذلك وظاهر، والظاهر ان جملة المتقدمين وان لم يبلغ الينا كلامهم كانوا كذلك فان هذا القول الذى ادعاه انما ثبت عن الشيخ والمرتضى ومن تأخر عنهما وإلا فمن تقدمهما لم يصرح بشئ من ذلك، ويوضح صحة ما قلناه ان جملة المتقدمين كانوا من أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالخصوص وليس لهذا الاجماع في هذه المسألة ولا في غيرها في كلامهم عين ولا أثر، وكتبهم التى تشتمل على مذاهبهم انما تضمنت النصوص خاصة وفتاويهم فيها يعلم من تبويب الابواب للنصوص التى ينقلونها كما عرفت من الصدوق وثقة الاسلام، ونصوص هذه المسألة كما عرفت كلها دالة على الوجوب العينى، ولعله لما ذكرنا نقل جملة من متأخرى اصحابنا المتأخرين القائلين بالوجوب العينى عن القدماء هذا القول مع انه لم يوجد مصرح منهم بذلك إلا من قدمنا نقله عنه من المشايخ المتقدم ذكرهم وما ذكرناه واضح في صحة نسبة القول إليهم بذلك. وبالجملة فدعوى شيخنا المشار إليه اتفاق الطائفة على ما ذكره دعوى عارية عن البرهان يكذبها صريح العيان (1). قال المحدث الكاشانى في كتاب الوافى - بعد نقل اخبار المسألة المذكورة في الكتب الاربعة - ما لفظه: لا يخفى دلالة هذه الاخبار المستفيضة على وجوب صلاة الجمعة على كل مسلم عدا من استثنى من غير شرط سوى ما ذكر كوجوب سائر الصلوات اليومية وجوب حتم وتعيين من غير تخيير في تركها ولا توقف عى حضور معصوم أو اذن منه (صلوات الله عليه) وذلك لانه ليس في شئ منها ذكر لشئ من ذلك راوامر الشارع إنما تكون شاملة للازمان والاشخاص إلا ما خرج بدليل خاص، فما زعمته طائفة من متأخرى أصحابنا من التخيير في هذه الصلاة في زمن غيبة الامام أو عدم جواز فعلها حينئذ أو عدم جوازه مطلقا من دون اذن منه فلا وجه له ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة (2).


(1) و (2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 والتعليقة 3 ص 411 والتعليقة الاتية على كلام الشهيد الثاني (قدس سره)


[ 417 ]

وقال شخينا زين المحققين في الرسالة بعد نقل الاية ونعض ما قدمناه من الاخبار: فهذه الاخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة التى لا يشوبها شك ولا تحوم حولها شبهة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) في الامر بصلاة الجمعة والحث عليها وايجابها على كل مسلم عدا من استثنى والتوعد على تركها بالطبع على القلب الذى هو علامة الكفر والعياذ بالله كما تبه عليه في كتابه العزيز. وتركنا ذكر غيرها من الاخبار الموثقة وغيرها حسما لمادة النزاع ودفعا لشبهة المعارضة في الطريق، وليس في هذه الاخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام ولا من نصبه ولا لاعتبار حضوره في ايجاب هذه الفريضة المعظمة، فكيف يسع المسلم الذى يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع امر الله ورسوله وأئمته (عليهم السلام) بهذه الفريضة وايجابها عى كل مسلم ان يقصر في أمرها ويهملها الى غيرها ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها ؟ وأمر الله ورسوله وخاصته (عليهم السلام) أحق ومراعاته اولى " فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم " (1) ولعمري لقد اصابهم الامر الاول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله ويسامع نسأل الله العفو والرحمة. وقد تحصل بهذين الدليلين ان من كان مؤمنا فقد خل تحت نداء الله وأمره في الاية الكريمة بهذه الفريضة العظيمة ونهيه عن الانتهاء عنها، ومن كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي صلى الله عليه وآله وقول الائمة (عليهم السلام) انها واجبة على كل مسلم، ومن كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى " ومن يفعل ذلك - يعنى الانتهاء عنها - فاولئك هم الخاسرون " (2) وقولهم (عليهم السلام) " من تركها على ذلك الوجه طبع الله على قلبه " لان من موضوعة لمن يعقل ان لم تكن اعم، فاختر لنفسك واحدة من هذه الثلاث وانتسب الى اسم من هذه الاسماء اعني الايمان أو الاسلام أو العقل وادخل تحت مقتضاه أو اختر قسما رابعا ان شئت. نعوذ بالله من قبح الزلة وسنة الغفلة (3).


(1) سورة النور الاية 63 (2) سورة المنافقين الاية 9 (3) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 ففيها ما يتعلق بالمقام. وقال الوحيد البهبهانى =


[ 418 ]

ثم انه اعترض على نفسه بان دلالة هذه الاخبار مطلقة فلا ينافى تقييدها بشرط من دليل خارج. وأجاب بان مقتضى القواعد الاصولية وجوب اجرائها على اطلاقها والعمل على مدلولها الى ان يتحقق الدليل المقيد، وسنبين ان شاء الله تعالى انه غير متحقق. ثم اعترض على نفسه ثانيا بانه يجوز استناد الوجوب في خبرى حث زرارة وعتاب عبد الملك الى اذن الامامين (عليهما السلام) كما نبه عليه العلامة في النهاية بقوله: لما اذنا لزرارة وعبد الملك جاز لوجود المقتضى وهو اذن الامام عليه السلام. واجاب بان المعتبر عند القائل بهذا الشرط كون امام الجمعة الامام عليه السلام أو من نصبه وليس في الخبرين ان الامام نصب أحد الرجلين اماما لصلاة الجمعة وإنما امرهما


= (قدس سره) في تعليقته على المدارك تعليقا على نقل المصنف عبارة رسالة جده: في هذه الرسالة ما لا يرضى المتأمل ان ينسب الى جاهل فضلا عن العاقل فضلا عن الفقيه فضلا عن الشهيد (قدس سره) فانه ما كان يرضى ان ينسب الفسق الى المجاهر بالفسق فكيف يحكم بفسق علمائنا وفقهائنا العظام الزهاد الكرام الثقاة العدول بلا كلام، امناء الله في الحلال والحرام والمروجين لحلالهم وحرامهم وحجج الله على الانام بعد الائمة، المتكفلين لايتامهم والمؤسسين لشرعهم واحكامهم، وعليهم المدار في الدين والمذهب في الاعصار والامصار، الراد عليهم كالراد على الله، الى غير ذلك مما ورد عن الله تعالى ورسوله (ص) والائمة (عليهم السلام) حيث قال بعد التوبيخ والتقريع والتشنيع والتفظيع: " فليحذر الذين يخالفون عن امره... " مع ان الجماعة الذين كانوا تاركين اكثرهم كان تركهم من جهة التقية ومنهم الشيهد الثاني ومن كان متمكنا منها اكثرهم كانوا يصلونها لكونها واجبة عندهم وان كان بالوجوب التخييري ومستحبة عندنا عينا، ومن لا يصلى اما لانه كانا يعتقد الحرمة فكيف يمكنه فعل الحرام وكيف يتاتى منه قصد القربة ؟ فما ندرى ان الشنيعة على أي جماعة واى شخص ؟... الى ان قال: وقيل انه كتبها في الطفولية وصغر السن. وحاشاه ثم حاشاه من هذه الشنائع والقبائح كيف وهو في جميع تأليفاته المعلومة انها منه اختار عدم الوجوب العينى... الى آخر كلامه وقد أطنب فيه ومن أراد الاطلاع عليه فليراجعه.


[ 419 ]

بصلاتها أعم من فعلهما لها امامين أو مؤتمين وليس في الخبرين زيادة على غيرهما من الاوامر الواقعة بها من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) لسائر المكلفين، فان كان هذا كافيا في الاذن فلتكن تلك الاوامر كافية ويكون كل مكلف جامع لشرائط الامامة ماذونا فيها منهم أوكل مكلف مطلقا مأذونا فيها ولو بالائتمام بغيره كما يقتضيه الاطلاق، إذ لا فرق في الشرع بين الامر الخاص والعام من حيث العمل بمقتضاه. وايضا فامرهما (عليهما السلام) للرجلين ورد بطريق يشمل الرجلين وغيرهما من المكلفين أو من المؤمنين كقوله " صلوا جماعة " وقول زرارة " حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة " وقوله " إنما عنيت عندكم " من غير فرق بين المخاطبين وغيرهما إلا في قوله عليه السلام " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله " وذلك أمر خارج عن موضع الدلالة، وعلى تقدير اختصاص المخاطبين فظاهر رواية زرارة انهم كانوا بحضرته عليه السلام جماعة ولم يعين أحدا منهم للامامة ولا خصه بالامر والحث. انتهى. الثاني من الاقوال في المسألة القول بالوجوب التخييري، والمراد به - كما تقدم في كلام المحدث الكاشانى (قدس سره) نقله عن بعض اصحاب هذا القول - ان للناس الخيار في انشائها وجميع العدد لها وتعيين الامام لها فإذا فعلوا ذلك تعين على كل من اجتمعت له الشرائط حضورها والاتيان بها ويصير الوجوب حينئذ عينيا لا ان لاحاد الناس التخيير في حضورها وعدمه بعد اجتماع الامام والعدد المشترط معه. والظاهر ان البعض المصرح بما ذكر هو شيخنا الشهيد في كتاب نكت الارشاد حيث صرح - بعد قول المصنف: وفى استحبابها حال الغيبة وامكان الاجتماع قولان - بان الاستحباب انما هو في الاجتماع لها في الحالة المذكورة لا في ايقاع الجمعة فانه مع الاجتماع يجب الايقاع وتتحقق البدلية عن الظهر. واستدلوا على هذا القول بادلة أقواها وامتنها بزعمهم ان الكتاب والسنة وان دلا على الوجوب العينى إلا انه يعارضهما الاجماع المدعى على اشتراط الامام أو اذنه في الوجوب العينى ويرجع الى الاجماع على نفى الوجوب العينى زمان الغيبة.


[ 420 ]

قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض - حيث انه في أول الامر قبل تسريح النظر وامعان الفكر في أدلة المسألة من الجماعة القائلين بالقول المشهور - ما لفظه بعد الكلام في المسألة وذكر الاية وجملة من روايات المسألة: والدليل الدال على الوجوب أعم من الحتمى والتخييري ولما انتفى الحتمى في حال الغيبة بالاجماع تعين الحمل على التخييري ولولا الاجماع على عدم العينى لما كان لنا عنه عدول. انتهى. وقال (قدس سره) في الروضة بعد الكلام في المسألة: ولولا دعواهم الاجماع على عدم الوجوب العينى لكان القول به في غاية القوة. انتهى. وشيخنا الشهيد في الذكرى بسبب هذا الاجماع قد تخطى بعد اختياره القول المشهور الى القول بالتحريم في المسألة وتبع ابن ادريس حيث انه ان عمل بمقتضى الادلة المذكورة فاللازم هو الوجوب العينى، قال في الكتاب المذكور في تعداد شروط الوجوب: التاسع - اذن الامام كما كان النبي صلى الله عليه وآله يأذن لائمة الجمعات وأمير المؤمنين عليه السلام بعده وعليه اطباق الامامية، هذا مع حضور الامام واما مع غيبته كهذا الزمان ففى انعقادها قولان اصحهما وبه قال معظم الاصحاب الجواز إذ امكن الاجتماع والخطبتان، ويعلل بامرين: أحدهما - ان الاذن حاصل من الائمة الماضين (عليهم السلام) فهو كالاذن من امام الوقت، واليه أشار الشيخ في الخلاف، ويؤيده صحيح زرارة (1) قال: " حثنا أبو عبد الله عليه السلام... الحديث كما تقدم " ثم قال: ولان الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو أعظم من ذلك بالاذن كالحكم والافتاء فهذا اولى. والتعليل الثاني ان الاذن إنما يعتبر مع امكانه اما مع عدمه فيسقط اعتباره ويبقى عموم القرآن والاخبار خاليا من المعارض، وقد روى عمر بن يزيد... ثم ساق الرواية وقد تقدمت (2) ثم نقل بعدها موثقة عبد الملك (3) ثم: في اخبار كثيرة مطلقة والتعليلان حسنان والاعتماد على الثاني. ثم نقل عن الفاضلين سقوط وجوب الجمعة حال الغيبة وعدم سقوط الاستحباب، قال وظاهرهما انه اتى بها كانت واجبة مجزئة عن الظهر


(1) ص 411 (2) ص 410 (3) ص 412


[ 421 ]

والاستحباب انما هو في الاجتماع أو بمعنى انها أفضل الامرين الواجبين على التخيير ثم قال: وربما يقال بالوجوب المضيق حال الغيبة لان قضية التعليلين ذلك فما الذى اقتضى سقوط الوجوب ؟ إلا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العينى في سائر الاعصار والامصار، ونقل الفاضل فيه الاجماع. وبالغ بعضهم فنفى الشرعية أصلا ورأسا وهو ظاهر كلام المرتضى وصريح سلار وابن ادريس وهو القول الثاني من القولين بناء على ان اذن الامام شرط الصحة وهو مفقود... الى ان قال: وهذا القول متوجه وإلا لزم الوجوب العينى. انتهى ملخصا. وبالجملة فانهم مصرحون بان مقتضى الكتاب والسنة هو الوجوب العينى كما عرفت وانما صرفهم عنه الاجماع حيث انه أحد الادلة الشرعية والجمع بينه وبين دليلى الكتاب والسنة يقتضى حمل الوجوب على الوجوب التخييري كما هو المشهور فيبقى الكلام معهم في هذا الاجماع وحجيته وقد عرفت مما حققناه آنفا ما يبطل التمسك به والاعتماد عليه. ونزيده تأكيدا (اولا) - انه لا ريب ان هؤلاء المتأخرين انما تلقوا هذا الاجماع من الشيخ والمرتضى اللذين هما أصل الخلاف في هذه المسألة، وقد قدمنا لك ما في دعاويهم الاجماع في غير مقام من المجازفة والمساهلة سيماما عدده شيخنا الشهيد الثاني في رسالته التى قدمنا ذكرها، وحينئذ فهل يثق أحد ممن وقف على ذلك بالركون الى هذا الاجماع والخروج به عن صريح قول الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله الصريحين في الوجوب العينى بمزيد التأكيد والتشديد ؟ ما هذه إلا جرأة تامة على الله ورسوله وأئمته صلى الله عليه وآله. والتستر بان الاجماع المنقول بخبر الواحد مقبول لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت. و (ثانيا) - انه مع تسليم قبوله فهو لا يخرج عن أن يكون من قبيل خبر مرسل في الباب وهو مما لا يعارض به تلك الادلة الصحيحة الصريحة من السنة والكتاب، وتخصيصها به متوقف على كونه في الصحة والصراحة مثلها ليجب الجمع بينه وبينها


[ 422 ]

وإلا فهو مما يرى به جزافا كما هو المقرر في قواعدهم فانهم لا يجمعون بين الدليلين إلا مع التكافؤ في الصحة والصراحة وإلا فتراهم يطرحون المرجوح. وهذا بحمد الله سبحانه واضح للمنصف غاية الوضوح. و (ثالثا) - ما عرفته في ما تقدم من اتقاق كلمات جملة من علمائنا الاعلام على تعذر الاجماع في زمن الغيبة لما وجهوه به من الوجوه النيرة الظاهرة التى لا يتطرق المنع إليها إلا بطريق المكابرة. وجملة منهم قد تمحلوا لتصحيح هذا الاجماع المدعى في المقام فاصطنعوا له دليلا ليجدوا إليه سبيلا، فقالوا - كما تقدمهم فيه العامة العمياء (1) وكم قد تبعوهم في امثال هذه الظلماء - ان الاجتماع لما كان مظنة النزاع ومثار الفتن والحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف فالواجب قصر الامر في ذلك على الامام بان يكون هو المباشر لهذه الصلاة أو الاذن فيها وان النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده من الخلفاء كانوا يعينون ائمة الجمعات. قال المحقق في المعتبر: مسألة - السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة وهو قول علمائنا، ثم نقل الخلاف فيه عن فقهاء العامة، ثم قال والبحث في مقامين (أحدهما) في اشتراط الامام أو نائبه والمصادمة مع الشافعي (2) ومعتمدنا فعل النبي


(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 261 " شرط اداء الجمعة عندنا السلطان حتى لا تجوز اقامتها بدون حضرته أو حضرة نائبه خلافا للشافعي فلم يعتبر السلطان، ولنا ان النبي (ص) شرط الامام لا لحاق الوعيد بتارك الجمعة بقوله في الحديث عنه (ص) " وله امام عادل أو جائر " ولانه لو لم يشترط السلطان لادى الى الفتنة لان هذه الصلاة تؤدى بجمع عظيم والتقدم على جميع أهل المصر يعد من باب الشرف والرفعة فيتسارع إلى ذلك كل من جبل على علو الهمة والميل الى الرئاسة فيقع بينهم التجاذب والتنازع فيؤدي ذلك الى التقاتل ففوض ذلك الى الوالى ليقوم به أو ينصب من رآه أهلا له فيمتنع غيره من الناس عن المنازعة لما يرى من طاعة الوالى أو خوفا من عقوبته ". (2) بدائع الصنائع ج 1 ص 261 وفى المغنى ج 2 ص 330 " اختلفت الرواية =


[ 423 ]

صلى الله عليه وآله فانه كان يعين لامامة الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء، فكما لا يصح للانسان ان ينصب نفسه قاضيا من دون اذن الامام فكذا امام الجمعة. وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار فمخالفته خرق للاجماع. ثم ايده برواية محمد ابن مسلم (1) قال: " لا تجب الجمعه على أقل من سبعة: الامام وقاضيه ومدعى حقا ومدعى عليه وشاهدان ومن يضرب الحدود بين يدى الامام " ثم قال: المقام الثاني - اشتراط عدالة السلطان وهو انفراد الاصحاب خلافا للباقين (2) وموضع النظر ان الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن غالبا والحكمة موجبة لحسم مادة الهرج وقطع نائرة الاختلاف ولن يستمر إلا مع السلطان. ثم المعنى الذى باعتباره توقفت نيابة امامة الجمعة على اذن الامام يوجب عدالته إذ الفاسق يسرع الى بواعث طبعه ومرامي اهويته لا الى مواقع المصلحة فلا يتحقق حسم مادة الهرج على الوجه الصواب ما لم يكن العادل. ولان الفاسق لا يكون اماما فلا يكون له أهلية الاستنابة (لا يقال) لو لزم ما ذكرتم لما انعقدت الجمعة ندبا مع عدمه لانسحاب العلة في الموضعين وقد اجزتم ذلك إذا امكنت الخطبة، لانا نجيب بان الندب لا تتوفر الدواعى على اعتماده فلا يحصل الاجتماع المستلزم للفتن إلا نادرا... الى آخر كلامه (زيد في مقامه) ونحوه كلام العلامة في التذكره فانه يحذو حذوه غالبا في كتبه ولا سيما المنتهى والتذكرة. وجملة من أصحاب هذا الوقل ايدوا ذلك بما تقدم (3) من حديثى زرارة


= في شرط اذن الامام والصحيح لا يشترط اذن الامام وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور والثانية هو شرط روى ذلك عن الحسن والاوزاعي وحبيب بن ثابت وابى حنيفة " وفى البحر الرائق لابن نخيم الحنفي ج 2 ص 144 " وشرطها السلطان العادل والجائر والمتغلب " (1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وآدابها (2) المغنى ج 2 ص 189 والبحر الرائق ج 2 ص 144 وبدائع الصنائع ج 1 ص 261 (3) ص 411 و 412


[ 424 ]

وعبد الملك الدال أولهما على قوله " حشا أبو عبد الله عليه السلام... الى آخره " وثانيهما على قوله عليه السلام " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله " باعتبار ان ظاهر الخبرين يشعر بان الرجلين كانا متهاونين بالجمعة مع انهما من اجلاء الاصحاب وفقهاء اصحابهما (عليهما السلام) ولم يقع منهما انكار بليغ عليهما بل حثاهما على فعلها فدل ذلك على ان الوجوب ليس عينيا وإلا لانكرا عليهما بتركها كمال الانكار، نعم يستفاد من حثهما وقوله عليه السلام " فريضة فرضها الله " وجوبها في الجملة فيحمل على التخييري (1) اقول - وبالله سبحانه الاستعانة والتوفيق الى هداية سواء الطريق وازالة شبه التعويق -: لا يخفى ما في هذا الكلام من انحلال الزمام واختلال النظام بعد ما عرفت في المقام ولكن لا مندوحة عن بيان ما فيه مما يكشف عن فساد باطنه وخافيه وذلك من وجوه:

(الاول) - ما ادعاه من الاجماع على اشتراط السلطان العادل أو نائبه في وجوب الجمعة فان فيه (اولا) ما عرفت من الطعن في الاجماع وعدم تحققه في زمن الغيبة ولا سيما بعد وجود المخالف كما تقدم، ولا ريب ان هذا الاشتراط مذهب المخالفين كالحنفية وغيرهم (2) واصحابنا قد تبعوهم فيه كما تبعوهم في حجية الاجماع والاعتماد عليه ونحو ذلك مما استحسنوه من اصولهم فلا اعتداد به ولا سيما في مقابلة الاخبار التى قدمناها بل لو فرضنا وجود خبر بهذا الشرط لوجب حمله على التقية لما عرفت، بل لقائل ان يقول لو قلبت هذه الدعوى بان يدعى الاجماع على الوجوب العينى لكان وجها إذ لا كلام في الوجوب زمانه صلى الله عليه وآله الى ان مات بغير نسخ ومقتضى الاصل والاستصحاب والادلة الشرعية بقاؤه، اما الاولان فظاهران. واما الثالث فللخبر المسلم (3) " حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة " ووجوب التأسي به في ما علم جهة وجوبه معلوم. ومجرد


(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 411 ليتضح لك المطلب المذكور تماما (2) ارجع الى التعليقة 2 ص 422 (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 403


[ 425 ]

احتمال أن يكون الوجوب مقيدا بشرط حاصل بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله وغير حاصل بالنسبة الينا يتوقف على اثباته بالدليل القاطع، ولقوله عليه السلام (1) " إياك أن تنقض اليقين بالشك " وما تقدم (2) في حديث ابى عمرو الزبيري من قول الصادق عليه السلام " لان حكم الله في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون، والاولون والاخرون أيضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسأل الاخرون عن اداء الفرائض كما يسأل عنه الاولون ويحاسبون كما يحاسبون به " ويعضد ذلك ويؤكده ويعلى مناره ويشيده ما قدمنا الاشارة إليه من ان الوجوب العينى مذهب قدماء اصحابنا بالتقريب الذى ذكرناه ذيل الاخبار المتقدمة. واما الشيخ (قدس سره) فان كلامه في كتبه في هذه المسألة لا يخلو من اضطراب وهو الى القول بالوجوب العينى في زمن الغيبة أقرب منه الى الوجوب التخييري الذى ادعوه كما لا يخفى على من راجع كلامه في الخلاف والمبسوط والنهاية، ولم يظهر هذا القول صريحا إلا من المحقق والعلامة والشيهد في غير الذكرى واما من تأخر عن شيخنا زين الملة والحق والدين بعد تصنيفه هذه الرسالة فانهم كلهم إلا الشاذ النادر على القول بالوجوب العينى كما اسلفنا لك نقل كلام جملة من مشاهيرهم فينحصر الخلاف هنا في المحقق والعلامة والشهيد، وقد قرروا ان مخالفة معلوم النسب غير قادح، ولهذا ان شيخنا المشار إليه (قدس سره) في الرسالة لم يذكر القول بالتخيير في جملة اقوال المسألة التى عدها وتعرض لنقضها ايذانا بشذوذه وضعفه وإنما أشار إليه في ضمن بعض المباحث: فقال: واعلم انه قد ظهر من كلام بعض المتأخرين أن الوجوب العينى


(1) لم نقف في اخبار الاستصحاب على لفظ " إياك " وإنما الوارد في مضمرة زرارة الاولى " ولا ينقض اليقين ابدا بالشك " وفى الثانية " فليس ينبغى ان تنقض اليقين بالشك " وقد تقدمتا ج 1 ص 143 وج 5 ص 427 (2) ص 403


[ 426 ]

منتف في هذه الصلاة حال الغيبة وإنما يبقى الجواز بالمعنى الاعم، والمراد منه استحبابها بمعنى كونها أفضل الفردين الواجبين تخييرا اعني الجمعة والظهر لا انه ينوى الاستحباب لان ذلك منتف عنها على كل حال باجماع المسلمين بل إما تجتمع شرائطها فتجب أو تنتفى فتسقط، وقد عرفت أيضا ان هذا الحكم وهو وجوبها تخييرا وان كان أفضل الفردين لا دليل عليه إلا ما ادعوه من الاجماع ولم يدعه منهم صريحا سوى ما ظهر من عبارة التذكرة ودونها في الدلالة عبارة الشهيد في الذكرى، فانه قال فيها: إذا عرفت ذلك فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة ولا يسقط الاستحباب، وظاهرهما انه لو اتى بها كانت واجبة مجزئة عن الظهر... الى قوله ونقل الفاضل فيه الاجماع - وقد تقدمت العبارة المذكورة كملا - ثم قال: وفى هذه العبارة مع ما اشتملت عليه من المبالغة اشعار بعدم ظهور الاجماع عنده ومن ثم نسبه الى الفاضل، وقد عرفت مما حكيناه من عبارات المتقدمين ما يقدح في الاجماع وعمل الطائفة معا، ولعله أشار بقوله: " وربما قيل بالوجوب المضيق " الى ذلك. والظاهر ان عمل الطائفة لا يتم إلا في المتأخرين منهم أو من بعضهم لا من الطائفة مطلقا لما سمعت من كلام المتقدمين الذين هم عمدة فقهاء الطائفة. وما اقتصرت على من ذكرت لخصوصية قولهم في ذلك بل لعدم وقوفي على مصنفاتهم ولا على باقى مصنفات من ذكرت، وفى وجود ما نقلته في ما حضرني من ذلك دليل بين على أن ذلك من الاحكام المقررة عندهم المفروغ عنها لان احدا منهم لم نقل في ذلك خلافا فكيف يتم للمتأخرين الحكم بخلافه ؟ ولا يخفى عليك ان مجرد عمل الطائفة على هذا الوجه لا يكون حجة ولا قريبا منها خصوصا مع دلالة الادلة القاطعة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك فكيف مع انحصار القول في قليل منهم ؟ والقدح في ذلك بمعلوميه نسب المخالف مشترك الالزام ان لم يكن في جانب المخالف أرجح لما عرفت من ان القائل بالوجوب العينى اكثر من القائل بالتخييرى مع اشتراكهما في الوصف (1).


(1) لا يخفى ان عمل الطائفة في مثل هذه المسألة يكشف بنحو القطع عن مطابقته =


[ 427 ]

انتهى كلامه زيد مقامه. وهو صريح في ما قلناه وواضح في ما ادعيناه.


= للحكم الشرعي، إذ لازم المخالفة بينهما هو خفاء الحكم على الطائفة وهو في مثل هذه المسألة التى تعم بها البلوى وفى هذه الفريضة المعظمة التى إقامتها من أعظم شعائر الدين مع كثرة ما ورد فيها من الاية والاخبار الواضحة الدلالة - كما ادعوا - والتأكيدات والتشديدات - مستحيل عادة كما يظهر ذلك جليا بالرجوع الى التعليقة 5 ص 386، وقد تقدم عن الشهيد (قدس سره) ص 415 ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العينى في سائر الاعصار والامصار. وصرح الشهيد الثاني (قدس سره) بذلك في رسالته ص 60 حيث قال في الجواب عن استئناس بعض الاصحاب للوجوب التخييري بظاهر روايتي زرارة وعبد الملك - والذي يظهر لى ان السر في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم لانهم لا يقتدون بالمخالف ولا بالفاسق والجمعة انما تقع في الاغلب من أئمة المخالفين ونوابهم... الى ان قال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه، ولما كانت الجمعة من أعظم فرائض الله تعالى واجلها ما رضى الامام (ع) لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها. وعلى هذا الوجه استمر حالها مع اصحابنا الى هذا الزمان فاهمل لذلك الوجوب العينى واثبت التخييري لوجه نرجو من الله تعالى ان يعذرهم فيه وآل الحال منه الى تركها راسا في اكثر الاوقات ومعظم الاصقاع مع امكان اقامتها على وجهها. وما كان حق هذه الفريضة المعظم ان يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذى يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان. انتهى. فهو (قدس سره) يصرح بان السيرة مستمرة من زمن الائمة (ع) الى زمانه على ترك الجمعة، وقد تقدم في كلام الفقيه السبزواري (قدس سره) ص 391 ما هو صريح في ذلك ايضا، فاستمرار السيرة العملية على ترك الجمعة - من زمن الائمة " ع " الى زماننا هذا في جميع بلاد الشيعة إلا في بعض الازمنة والامكنة على وجه الندور غير قابل للانكار. ولا يخفى ان ما صرح به الشهيد الثاني " قدس سره " من استمرار السيرة على الترك يناقض ما افاده في كلامه المنقول في المتن من انحصار القائل بالوجوب التخييري في قليل من المتأخرين إلا ان يلتزم بما لا يمكن ان يلتزم به أحد من الامامية وهو ان معظم فقهاء الامامية كانوا يرون الوجوب التعييني واطبقوا على مخالفة فتاويهم واستمروا على ترك هذه الفريضة المعظمة من دون =


[ 428 ]

(الثاني) - ما استندوا إليه من قولهم: ان الاجتماع مظنة النزاع والفتن. والجواب عنه ما افاده شخينا الشهيد الثاني في الرسالة حيث قال (قدس سره) ونعم ما قال: وبقى من إستدلاله ان الاجتماع مظنة النزاع الذى لا يندفع إلا بالامام العادل أو من نصبه. وهذا بالاعراض عنه حقيق بل ينبغى رفعه من البين وستره فان اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى لو توقف على حضور الامام العادل وما في معناه لما قام للاسلام نظام ولا ارتفع له مقام، ولا ارتاب مريب من الاجتماع في سائر الصلوات وحضور الخلق عرفات وغيرها من القربات وبها شرف مقامهم وتضاعف ثوابهم ولم يختل نظامهم، بل وجدنا الخلل حال وجوده وحضوره اكثر والاختلاف أزيد كما لا يخفى على من وقف على سيرة امير المومنين عليه السلام في زمن خلافته وحاله مع الناس اجمعين وحال غيره من أئمة الضلال وانتظام الامر وقلة الخلاف والشقاق في زمنهم. وبالجملة فالحكمة الباعثة على الامام أمر آخر وراء مجرد الاجتماع في حال الصلاة وغيرها من الطاعات. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما في الركون الى هذه التعليلات الواهية - في مقابلة ما قدمناه من الاية الشريفة والاخبار المنيفة ودفعها عن ما دلت عيه بذه الترهات وتزييفها بهذه الخرافات - من المجازفة في احكام الملك العلام، ولو تم ما ذكروه للزم ترك سائر الاجتماعات والجماعات في سائر الفرائض اليومية وغيرها من الصلوات كالاجتماع لصلاة العيدين والاستسقاء والكسوفين والجنائز وافعال الحج كالوقوفين - كما تقدم في كلام شيخنا - وافعال منى. وما اعتذر به في المعتبر - من أن وجوب الاجتماع مظنة ذلك دون الجواز إذ لا تتوفر الدواعى على الحضور الجائز توفرها على الحضور الواجب - مما لا يسمن


= مسوغ. وبذلك تعرف ما في كلام المحدث الكاشانى المتقدم ص 391 و 392 من نسبة القول بالوجوب التخييري الى طائفة من متأخرى الاصحاب، وقد نسبه المصنف " قدس سره " الى المشهور ص 408 و 420 و 421 ولكنه سينفى الشهرة عنه في ما سيأتي من كلامه بعد الوجه الخامس.


[ 429 ]

ولا يغنى من جوع، لانا نرى بالفعل في جميع الاوقات التى مرت بنا وبمن تقدمنا في زمن الغيبة ما وقع من الاجتماع في هذه الفرائض المعدودة والكثرة مثل ما في الاجتماع الواجب للجمعة مع انه لم يترتب عليه مفسدة ولا ضرر وليس العيان كالخبر. على ان الاخبار المتقدمة المصرحة بوجوب الجمعة قد دلت على اشتراط الوجوب بعدم خوف ضرر أو حدوث فتنة كما يرشد إليه قولهم (عليهم السلام) " ولم يخافوا " (1) ومعه فلا جواز فضلا عن الوجوب. على انا نقول مجرد حصول النزاع على شئ لا يقتضى عدم شرعيته فانه امر ينشأ من فعل المكلفين من غير ان يكون لاصل الحكم الشرعي مدخل فيه، ولو كان الامر كما ذكروا لبطل كثير من الاحكام التى هي أعظم من ما نحن فيه بل ما اخضر للاسلام عود ولا استقام له عمود. ثم انه لا يخفى عليك ان المحقق المذكور ونحوه قد تبعوا في ذلك علماء العامة، قال بعض محققى متأخرى المتأخرين من مشايخنا الاخباريين بعد نسبة اشتراط حصول الامام أو نائبه الى ابى حنيفة واتباعه من المخالفين القائلين بهذا الاشتراط ما سوى الحسن البصري والاوزاعي وحبيب بن ابى ثابت بل محمد بن الحسن أيضا واحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه (2): وعمدة مستندهم ان الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن والحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف ولن يستمر إلا مع السلطان (3). انتهى. وهو كما ترى عين ما قدمنا نقله عنهم (رضوان الله عليهم) ".

(الثالث) - ما ذكروه من أن النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء من بعده كانوا يعينون أئمة للجماعات. وفيه (اولا) - انه منقوض بالوجوب التخييري الذى ذهبوا إليه إذ لا فرق بين الوجوبين في ذلك فكيف اثبتوه في أحدهما ونفوه في الاخر ؟ و (ثانيا) - بالنقض بامامة الجماعة والاذان فانهم كانوا يعينون لامثال ذلك أيضا فيلزم بمقتضى ما ذكروه سقوطهما زمن الغيبة.


(1) ص 413 (2) المغنى ج 2 ص 330 (3) ارجع الى التعليقة 1 و 2 ص 422


[ 430 ]

و (ثالثا) - بالقضاء كما اعترفوا به فيلزم سقوطه وعدم مشروعيته في زمن الغيبة مطلقا ويلزم تعطيل الاحكام، فان اجيب بانه قد ورد عنهم (عليهم السلام) الاذن بالقضاء بقولهم (1) " انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فارضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما... الحديث " ونحوه غيره، قلنا قد ورد أيضا في ما قدمناه من الاخبار (2) ما يدل على انه إذا كان قوم في قرية ولهم من يخطب جمعوا أي صلوا الجمعة. وفى آخر (3) " إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة " ونحو ذلك مما تقدم. و (رابعا) - مع تسليم اطراده في جميع الامة نمنع دلالته على الشرطية بل هو أعم منها والعام لا يدل على الخاص. قال بعض مشايخنا المحققين: والظاهر ان التعيين إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة ورد الناس الى منصوبه من غير تردد واعتمادهم على تقليده بغير ريبة كما انهم كانوا يعينون لامامة الجماعة والاذان مع عدم توفقهما على اذن الامام اجماعا. وأيضا فان حسن الادب يقتضى ان يرجع القوم في مهمات امورهم الى رأى سيدهم وامامهم إذا كان فيهم بل غير هذا لا يكون، ولا يلزم من ذلك تعطيل الامور وتركها رأسا إذا لم يوجد فيهم الامام إلا إذا علم ان لوجوده واذنه مدخلا ودون ثبوته في ما نحن فيه خرط القتاد. انتهى. أقول: ويؤيده رواية حماد عن الصادق عن ابيه عن على (عليهم السلام) (4) قال " إذا قدم الخليفة مصرا من الامصار جمع بالناس ليس لاحد ذلك غيره " فانه يدل بالمفهوم على جواز تجميع غير الامام إذا لم يكن هو شاهدا وتقديمه من حيث كونه


(1) في مقبولة عمر بن حنظلة المروية في الوسائل بالتقطيع في الباب 1 و 9 و 11 و 12 من صفات القاضى وتقدم ما يتعلق بالترجيح منها ج 1 ص 91 (2) و (3) ص 410 (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 431 ]

اماما ظاهرا. ونحن لا ننكر تقدم الامام أو نائبه إذا وجد أحدهما وإنما نمنع سقوط التقديم عند عم حضور أحدهما. على انك قد عرفت ان أصل هذا الاشتراط إنما هو من العامة تبعهم فيه من تبعهم توهما أنه مذهبنا، واخبارنا وكلام قدمائنا كما عرفت خال من ذلك.

(الرابع) - ما ذكره من رواية محمد بن مسلم (1) فقد اجاب عنه شيخنا الشهيد الثاني في الرسالة بوجوه نذكر المعتمد منها ملخصا: (أحدها) - الطعن في سند الرواية بان في طريقها الحكم بن مسكين وهو مجهول وما هذا شأنه يرد الحديث لاجله، وشهرته بين الاصحاب على وجه العمل بمضمونه بحيث يجبر ضعفه ممنوعة فان مدلوله لا يقول به الاكثر. و (ثانيها) - ان الخبر متروك الظاهر لان مقتضى الظاهر ان الجمعة لا تنعقد إلا باجتماع هؤلاء، واجتماعهم جميعا ليس بشرط اجماعا وإنما الخلاف في حضور أحدهم وهو الامام، فما يدل عليه الخبر لا يقول به أحد وما استدل به منه لا يدل عليه بخصوصه (فان قيل) حضور غيره خرج بالاجماع فيكون هو المخصص لمدلول الخبر فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باقية (قلنا) يكفى في اطراحه وتهافته مع ضعفه مخالفة اكثر مدلولة لاجماع المسلمين وما الذى يضطر معه الى العمل ببعضه مع هذه الحالة العجيبة. و (ثالثها) - ان مدلوله من حيث العدد وهو السبعة متروك ايضا ومعارض بالاخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة (2) وما ذكر فيه السبعة غير هذا فانه نفى فيه وجوبها عن أقل من سبعة. و (رابعها) - انه مع تقدير سلامته من هذه القوادح يمكن حمله على حالة امكان حضور الامام واما مع تعذره فيسقط اعتباره جمعا بين الادلة. ويؤيده


(1) ص 423 (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة، وقد تقدم بعضها ص 410 و 413


[ 432 ]

اطلاق الوجوب فيه الدال بظاهره على الوجوب العينى المشروط عند من اعتبر هذا الحديث بحالة الحضور، واما حالة الغيبة فلا يطلقون على حكم الصلاة اسم الوجوب بل الاستحباب بناء على ذهابهم الى الوجوب التخييري مع كون الجمعة أفضل الفردين الواجبين تخييرا. و (خامسها) - حمل العدد في الخبر المذكور على اعتبار حضور قوم من المكلفين بها بعدد المذكورين اعني حضور سبعة وان لم يكونوا عين المذكورين نظرا الى فساد حمله على ظاهره من اعتبار اعيان المذكورين لاجماع المسلمين على عدم اعبتاره. وقد نبه على هذا التأويل شيخنا المتقدم السعيد أبو عبد الله المفيد في كتاب الاشراف فقال: وعددهم في عدد الامام والشاهدين والمشهود عليه والمتولي لاقامة الحدود أقول: قد تقدم ذلك في عبارته المقولة من الكتاب المذكور، وهذا الوجه عندي أقرب الوجوه في معنى الخبر فانهم (عليهم السلام) كثيرا ما يأتون بمثل ذلك في قال التعليل تقريبا للاذهان، والغرض هنا بيان علية السبعة في الوجوب دون ما زاد وما نقص فعلله عليه السلام بان الامام بحسب العادة والطريقة المستمرة لا يخلو من هؤلاء من حيث ترافع الناس إليه واقامة الحدود بين يديه فلابد من هذه السبعة فجعل في الجمعة هذا العدد لذلك. ثم ذكر وجها سادسا وهو لا يخلو من تكلف وغموض والغرض منه تكثير الجواب فلم تتعرض لنقله. ثم قال: و (سابعها) - ان العمل بظاهر الخبر يقتضى أن لا يقوم نائبه مقامه وهو خلاف اجماع المسلمين. و (ثامنها) - انه معارض بما رواه محمد بن مسلم - راوي هذا الحديث - في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة ؟ قال نعم يصلون اربعا إذا لم يكن من يخطب " ومفهوم الشرط


(1) الوسائل الباب 3 من صلاة الجمعة وآدابها


[ 433 ]

انه إذا كان فيهم من يخطب يصلون الجمعة ركعتين، وهي عامة في من يمكنه الخطبة الشامل لمنصوب الامام وغيره، ومفهوم الشرط حجة عند المحققين، وإذا تعارضت رواية الرجل الواحد سقط الاستدلال فكيف مع حصول الترجيح لهذا الجانب بصحة طريقه وموافقته لغيره من الاخبار الصحيحة وغير ذلك ؟ انتهى ملخصا اقول: و (تاسعها) ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين من ارادة التمثيل دون التخصيص، وحذف المضاف خصوصا لفظ " مثل " كثير. و (عاشرها) ما ذكره من ان تخصيصهم بالذكر ليس لاختصاص مطلق الوجوب بهم لما مر بل لاختصاص الوجوب المطلق بهم بمعنى ان عند اجتماع هذه السبعة يكون وجوب الجمعة وجوبا مطلقا لا يتوقف على شرط آخر لتحقق جميع شرائط الوجوب وارتفاع جميع موانعه حتى الخوف عند اجتماعهم، فان وجود من هو معد للقضاء وآخر يضرب الحدود من جهته عليه السلام عند ثبوته لاحد المتداعيين على الاخر بالشاهدين يقتضى بسطة اليد وانتفاء الخوف بخلاف ما لو اجتمعت سبعة سواهم وان كان المعصوم أحدهم فانه يجامع الخوف فلا يتحقق الوجوب إذ هو مشروط بفقده. وقد يزاد هذا الجواب ايضاحا وتقريرا بان يقال: لا ريب انه ليس المراد حصر متعلق الوجوب في السبعة بمعنى السقوط عن غيرهم بل ان اجتماع هذه السبعة باعيانها سبب لتعلق الوجوب المطلق بكل واحد منهم وبغيرهم ممن تعلق به الخطاب بوجوب الجمعة، فليس تخصيص السبعة المعينة بالذكر إلا بيانا لسبب الوجوب المطلق لا حصرا لمتعلق الوجوب فيها. ف‍ " على " للسببية. فتأمل فانه من غوامض الاسرار وعرائس الافكار. و (حادى عشرها) ما ذكره أيضا من انه بتقدير تسليم ان ذكر اعيان السبعة لبيان متعلق الوجوب دون سببه - مع ما قد عرفت من وضوح فساده - لا يدل على انتفاء الوجوب عند انتفائها إلا من حيث المفهوم، وهو - بعد تسليم انه مفهوم


[ 434 ]

وصف وانه حجة وان الخبر صحيح - واجب الطرح عند معارضة ما هو اقول منه من مناطيق الكتاب والسنة وعموماتها. انتهى. وهو جيد نفيس.

(الخامس) ما اعتضد به جملة منهم من خبرى زرارة وعبد الملك بالتقريب المتقدم في كلامهم، فان فيه انه لا ريب ان ذلك الزمان الذى كانا فيه زمان تقية وخوف وكانت الشيعة لا يتمكنون من اقامة الجمعة منفردين عن المخالفين لاشتراطها باذن الخليفة، وامام ذلك الوقت والائمة المنصوبون لها كانوا من المخالفين المنصوبين من أئمة الضلال، وهم لا يجوزون الاقتداء بهم وانما يصلون يوم الجمعة وغيره في بيوتهم ثم يخرجون الى جماعتهم ويصلون معهم تقية يجعلونها نافلة أو يصلون معهم ويقرأون لانفسهم فيصيرون منفردين، وربما صلوا الجمعة معهم بهذه الكيفية ثم صلوا على اثرها ركعتين كما فعله امير المؤمنين عليه السلام في صلاته خلف اللصوص الثلاثة وهذا هو السبب في تركهم الجمعة يومئذ، وهذه احدى الشبه الباعثة لمتأخري اصحابنا على القول بالتخيير في هذه الفريضة فانهم ظنوا ان ترك أصحاب الائمة (عليهم السلام) لها زمانا وصلاتها زمانا آخر إنما كان لذلك، وليس الامر كما زعموه بل ان ان السر في ذلك هو ما ذكرناه، وكأنه لما كان في الوقت الذى صدر منهما (عليهما السلام) ما ذكر في هذين الخبرين كانت سورة التقية أهون وهو زمن الباقر والصادق (عليهما السلام) لم يرضوا للشيعة بتركها بل حثوهم على فعلها سرا في بيوتهم ولم يرضوا لهم بترك هذه الفريضة الجليلة واهمالها مع امكان الاتيان بها على الوجه المذكور (1). وملخص الكلام في هذا المقام ان العمدة في ثبوت هذا القول هو الاجماع المدعى على اشتراط الامام أو نائبه في هذه الفريضة كما سمعته من كلام شيخنا المجلسي المتقدم ذكره وقوله فيه: لو لم يك الاجماع المدعى فيها لم يكن لاحد مجال شك


(1) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 والتعليقة 3 ص 411 والتعليقة 1 ص 426 لتتجلى لك الحقيقة.


[ 435 ]

في وجوبها على الاعيان في جميع الاحيان والازمان... الى آخر ما قدمنا ذكره. وانت قد عرفت ما في ثبوت الاجماع وان دونه خرط القتاد وخصوصا في هذه المسألة كما هو ظاهر لمن وفق للسداد والرشاد، ولهذا ان جملة من افاضل المتأخرين عن عصر شيخنا الشيهد الثاني إلا الشاذ النادر ممن لا يعبأ به ولا يعد قوله في اقوال العلماء المشهورين كلهم على القول بالوجوب العينى كما اسلفنا لك نقل اسماء جملة ممن حضرنا كلامهم واطلعنا على مذهبهم. واما من اخذته العصبية للقول بالتخيير الذى ظن بزعمه انه المشهور - مع ان الامر بالعكس (1) كما عرفت مما قدمناه في هذه السطور، لما اعتراه في ذهنه من الفتور والقصور فحاد عن هذا القول المؤيد المنصور بالايات والروايات الساطعة الظهور - فهو اقصى نصيبه في المقام وغاية حظه من الافهام. ويا عجبا انهم يستندون الى الايات القرآنية في جملة من الاحكام مع انه ليس فيها ما هو أظهر دلالة واوضح مقالة من آية الجمعة (2) المشتملة على مزيد التأكيد والحث الشديد ويستندون في الاحكام الى خبر أو خبرين من الاخبار ولو بالاطلاق أو العموم كما هو مسلم بينهم ومعلوم، ويقابلون هذه الاخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور بما عرفت من التمحلات البعيدة والتأويلات الغير السديدة، مع ان لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم (عليهم السلام) في هذه المسألة من الاخبار البالغة في الاشتهار والانتشار والتهديد والتشديد والحث الاكيد الى حد لا يقبل الانكار، إلا انها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور (3) ولله در من قال: لقد اسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادى ونار لو نفخت بها اضاءت * ولكن أنت تنفخ في رماد (4)


(1) قد وصف القول بالتخيير بالشهرة في ما تقدم من كلامه ص 408 و 420 و 421 (2) سورة الجمعة الاية 9 (3) سورة الحج الاية 45 " فانها لا تعمى... " (4) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 والتعليقة 3 ص 411 والتعليقة 1 ص 426 لتتجلى لك الحقيقة ويهون عليك التهويل


[ 436 ]

(الثالث) - من الاقوال في المسألة المذكورة القول بالتحريم في زمن الغيبة، وهذا القول صريح ان ابن ادريس وسلار وظاهر المرتضى في اجوبة المسائل الميافارقيات والعلامة في المنتهى وجهاد التحرير والتشهيد في الذكرى، وهؤلاء الثلاثة في غير هذه الكتب المذكورة قد وافقوا أصحاب القول بالتخيير. وان خبير بان من عدا الاولين فان كلامهم في المسألة صار متعارضا فيصير من قبيل ما قيل: تعارضا تساقطا. واما نقل القول به عن الشيخ في الخلاف فهو ليس بصيح كما لا يخفى على من راجع العبارة المذكورة. واما نقله عن ابى الصلاح فقد بينا آنفا فساده. ولنذكر في هذا المقام جملة ما وصل الينا من أدلة أصحاب هذا القول مما ذكره ابن ادريس وغيره وهى ثلاثة:

(الاول) - ان وجوب الظهر ثابت بيقين ولا يعدل عنه إلا بيقين مثل فلا تقابله وتزيله صلاة مكشوك فيها، لان اليقين لا تنقضه الشك ابدا للاجماع ولما رواه زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام (1) " ليس ينبغى ان تنقض اليقين بالشك ابدا " والجواب - والله الهادى الى جادة الصواب - ان نقول (اولا) - انه ان أراد بالظهر الثابت وجوبها بيقين الفريضة الواجبة عند الظهيرة مقدمة على غيرها ليكون يقينية وجوبها شاملا لجميع الاحوال والاوضاع فيكون متناولا لموضع النزاع، فنحن قائلون به ولكن لا يجديه نفعا إذ هي بهذا المعنى شاملة لذات الركعتين المفروضتين قبل ان تسن الزيادة وبعدها مع الخطبتين وبدونهما ولذات الاربع، وتيقن وجوب مفهوم كلى لا ينقض تيقن وجوب جزئي خاص منه إلا بدليل خارج، والثابت وجوبه بيقين في موضع النزاع ذلك المفهوم الكلى، والمشكوك فيه خصوصية أحد الفردين: الاربع بدون الخطبة أم الاثنين معها، وهما سيان في تعلق الشك بهما، فاين العدول عن اليقين الى الشك واين نقضه به ؟ إذ تيقن وجوب ذلك المفهوم لا ينقضه الشك في أن ذلك الوجوب المحقق باى الفردين على الخصوص


(1) الوسائل الباب 41 و 44 من النجاسات


[ 437 ]

يتعلق أو انه باى الفردين يتحقق. وان أراد بالظهر الثابتة بيقين ذات الاربع أو مقصورتها بلا تعويض الخطبتين، ففيه انه ان أراد عموم وجوبها بالنسبة الى جميع المكلفين في جميع الازمان فهو أوضح واضح في البطلان، إذ عينية الركعتين بالخطبتين على بعض المكلفين في بعض الازمان وتحريم فعل الاربع حينئذ على ذلك البعض في ذلك البعض غنى عن البيان في المقام إذ هو من ضروريات دين الاسلام، وان أراد أن يقين وجوبها ثابت في الجملة فلا يجديه نفعا إذ يقين وجوب الجمعة ثابت كذلك. وان اراد ان وجوب الظهر ثابت في يوم الجمعة باعتبار تناول عموم وجوب خمس فرائض كما يوم احداها الظهر ففيه - بعد تسليم اختصاص الظهر بما هو قسيم للركعتين ذات الخطبتين لا ما يعمهما - انه اول المسألة ومحل البحث وهل الكلام والنزاع إلا في ذلك ؟ وتناول عمومات وجوب الجمعة في يومها لموضع النزاع أقوى والعمل به أظهر وأولى. وان أراد معنى آخر غير ما ذكرنا فلابد من بيانه حتى ننظر فيه. و (ثانيا) - ان ما ذكره من الدليل مقلوب عليه في المقام بالنظر الى أصل مشروعية الصلاة وما ورد في ذلك عنهم (عليهم السلام) فان الثابت باصل الشرع إنما هو ركعتان على جميع الناس في جميع الازمان مقرونة بالخطبتين في يوم الجمعة. ثم زيد فيهما حضرا في غير يوم الجمعة وبقى يوم الجمعة والسفر على ما كان عليه الامر سابقا. والذى يفصح عن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) في حديث طويل قال فيه: " وقال تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (2) وهى صلاة الظهر وهى اول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهى وسط النهار ووسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر، وفى بعض القراءة، حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين "


(1) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض (2) سورة البقرة الاية 239


[ 438 ]

قال: ونزلت هذه الاية يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر واضاف للمقيم ركعتين، وانما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي صلى الله عليه وآله يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الايام ". والتقريب فيها ان قوله عليه السلام " وتركها رسول الله صلى الله عليه وآله على حالها في السفر والحضر " مع قوله: " وأضاف للمقيم ركعتين " صريح في بقاء يوم الجمعة على حكم الركعتين وتساوى حالها في الحالين لان ضمير " تركها " راجع الى صلاة الجمعة المدلول عليها بسياق الكلام وان اختلاف الحالين باعتبار اضافة الركعتين للمقيم إنما هو في غيرها، إلا انه لما كان مقتضى ذلك نفى الاربع فيها مطلقا حتى بالنسبة الى من لم يصل الجمعة ذات الخطبتين لفقد شرائطها أو لتعمد تفويتها استدرك عليه السلام بما هو كالتخصيص فقال " وانما وضعت الركعتان... الى قوله كصلاة الظهر في سائر الايام " وفى ذلك اشارة الى ان صلاة الظهر كما تطلق على الاربع في سائر الايام كذا تطلق على الركعتين مع الخطبتين في يوم الجمعة وإلا لم يكن للتشبيه معنى. ونحوه في ذلك - وان كان ليس فيه من مزيد البيان ما في الخبر المتقدم - ما رواه ثقة الاسلام في الحسن عن زرارة عن الباقر عليه السلام (1) قال: " عشر ركعات: ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الاخرة... الى ان قال وهى الصلاة التى فرضها الله تعالى على المؤمنى في القرآن وفوض الى محمد صلى الله عليه وآله... الى ان قال فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الاخرة وركعة في المغرب للمقيم والمسافر " ونحوها غيرها. الثاني - ان شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه لها اجماعا وفى حال الغيبة الشرط منتف فينتفى المشروط. والجواب منع هذا الشرط مطلقا ولو مع حضور الامام كما تقدم بيانه، والاجماع


(1) الوسائل الباب 13 من اعداد الفرائض


[ 439 ]

قد عرفت ما فيه. وما اعتمدوه في تقريب هذا الاجماع والدلالة عليه - من فعل النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء من بعده وانه مع عدمه يكون موجبا للفتنة والاختلاف فقد عرفت ما فيه أيضا في ما تقدم مشروحا مبرهنا بما لا يحوم حوله للمتأمل الطالب للحق شك ولا شبهة. ونزيده بيانا وتأكيدا فنقول (اولا) - انه على تقدير امكان انعقاد مثل هذا الاجماع فلابد من نقله مسلسلا من زمان الانعقاد الى زمان النزاع ولو احادا ان اكتفينا به وليس فليس، فلم يبق إلا اجماع منقول بخبر واحد مرسل، فان نقلة هذا الاجماع كان ادريس والمقداد وغيرهما ليس أحد منهم ممن عاين سيرة الائمة (عليهم السلام) فيكف يمكن نقلها فضلا عن انها مجمع عليها بدون واسطة بل لابد من وسائط معلومة تنتهى الى من عاين تلك السيرة، وليس لناقل هذا الاجماع دليل يلجأ إليه ولا مستمسك يعتمد عليه سوى ما عرفت من دعوى ان النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الراشدين بعده كانوا يباشرون هذه الصلاة أو يعينون لها من يقوم بها كما عرفت، مع ان المباشرة والتعيين الثابتين أعم من الواجبين بالاصالة أو بالعارض ولو باعتبار مصلحة مدنية والندبين والمختلفين، ولا دلالة للعام على الخاص ولو دل لدل تعيين المؤذنين وأئمة الجماعات وسقاة الحج وقابضي مفاتيح الكعبة وامارة الحجيج ونحو ذلك على الوجوب، وشئ من ذلك ليس بواجب إلا لعروض عارض مدنى، وبالجملة فانه إنما يدل على رجحان عارض يختلف باختلاف المعين والمعين والزمان والمكان والسكان لا رجحان أصلى شرعى لا يختلف باختلافها فاين دلالته على الوجوب الشرعي المدعى ؟ ثم من العجب العجاب عند ذوى البصائر والالباب والدعوى التى هي أبعد شئ من الصواب ادعاء الاجماع على سنة من سنن النبي صلى الله عليه وآله بل عى سيرة من سيره لم يخرج عن مستودعي سره وخازني علمه أهل بيت العصمة والطهارة فيها نبأ من الانباء الاحادية يدل على ثبوتها ولو دلالة إيماء واشارة، هذا والصوارف عن نقلها


[ 440 ]

من جهة التقية - حيث كان مقتضاها اشبه بمذهب ابى حنيفة (1) - مصورفة والبواعث عليها - لشدة الحاجة الى الحكم المبنى عليه - بالتحقيق معروفة، أو ما علموا انه ليس لسره وسريرته وسنته مظهر سوى ما ظهر منهم (عليهم السلام) من الاثار ؟ أو ما سمعوا مناديهم ينادى ان لا شئ من الحق والصواب في ايدى الناس إلا ما برز من وراء تلك الحجب والاستار ؟ قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين: ولعل تعيين من يباشر صلاة الجمعة كان من جملة المحدثات التى أحدثها من كان بعده صلى الله عليه وآله وبدعهم التى لم يجر عليها قلم التغيير أو آراء ابى حنيفة التى بنيت اكثرها على الاستحسان وملائمة طباع سلاطين الوقت والمنصوبين من قبلهم من قاض أو امير ثم عمت البلية فسرى الاشتباه الى هذه الفرقة الناجية وانقدح في بعض الاذهان حيث كان منسوبا الى سيرة النبي صلى الله عليه وآله وصادف قلوبا عن التحلى بحلية ما هو الحق الواقعي خالية كما قيل " وصادف قلبا خاليا فتمكنا " وانضاف الى ذلك عموم التقية المقتضية لعدم مباشرتهم (عليهم السلام) وشيعتهم تلك الوظيفة إلا سرا ولزوم حضورهم جمعة أهل الخلاف وجماعاتهم وحثهم عليها نهيا وامرا. ولعل الله ان يجعل هذه الشبهة في حق من ذهب الى الابداع أو التخيير علة وعذرا (2). انتهى كلامه زيد مقامه. وهو جيد نفيس مؤيد لما قلناه مؤكد لما سطرناه. و (ثانيا) - ما أجاب به شيخنا زين المحققين في الرسالة من انه على تقدير تسليمه لا يلزم منه تحريم فعلها حال الغيبة مطلقا كما زعمه هذا القائل، فان الفقهاء نواب الامام على العموم لقول الصادق عليه السلام (3) " انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فارضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما... الحديث " وغيره مما في معناه. وجعله حاكما من قبله (عليه السلام) على العموم


(1) ارجع الى التعليقة 1 و 2 ص 422 (2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 والتعليقة 3 ص 411 والتعليقة 1 ص 426 ليتضح لك الحق. (3) ارجع الى التعليقة 1 ص 430


[ 441 ]

الشامل للمناصب الجليلة التى هي وظيفة الامام كالقضاء واقامة الحدود وغيرها فتدخل فيه الصلاة المذكورة بطريق اولى لان شرطيتها به أضعف. ومن ثم اختلف فيها بخلاف هذه المناصب فانها متوقفة على اذنه قطعا... الى ان قال: ومع هذا كله فعمدة الامر عندي على منع الاجماع المذكور على وجه يوجب مدعاهم، ثم اطال بذكر وجه ذلك.

(الثالث) - انه يلزم من عدم القول به الوجوب العينى لافضاء الادلة إليه والمسوغون لها لا يقولون به كما أشار إليه في الذكرى مما قدمناه من نقل عباته في صدر القول الثاني. والجواب عنه (اولا) - ان تقريره وصحة دليله مبنى على عدم ثبوت الوجوب العينى وقد عرفت ثبوته بالايات الشريفة والاخبار الصحيحة الصريحة المنيفة. و (ثانيا) - ما ذكره شيخنا زين المحققين في الرسالة من انه مع تسليم عدم الوجوب العينى ان بعض الاخبار المتقدمة دال على الوجوب المطلق اعني الوجوب الكلى المحتمل لكل واحد من افراده المنقسم إليها كالعيني والتخييري وغيرهما وان كان ظاهرا في أحدها إلا ان الصارف عنه موجود وهو الاجماع الذى زعمه القائل وأى صارف عن هذا الفرد اكبر من الاجماع إذا تم فيحمل على غيره من الافراد والاجماع منحصر في ارادة أحد الفردين العينى أو التخييري فإذا انتفى الاول بقى الاخر، هذا على تقدير انسداد باب القول بالوجوب العينى وان قامت عليه الادلة ودلت عليه عبارات الاصحاب، لكن قد عرفت ان دليله قائم والقائل به من الاصحاب موجود ودعوى الاجماع على عدمه ممنوعة. ثم غايته انه نقل اجماع بخبر الواحد وهو غير مفيد هنا لان دليل القائل بحجيته من الاصوليين - مع ظهور الخلاف فيه - انه مفيد للظن المجوز للعمل بمقتضاه، وهو منتف هنا خصوصا مع ما قد اطلعنا عليه من ظهور خطأهم في هذه الدعوى كثيرا، ويكفيك في نقل العلامة الاجماع وظهور خلاف ما نقله في كثير من كتبه من الاجماع على ان الكعبين هما مفصل الساق والقدم مع ظهور الاجماع على عدمه من جميع الاصحاب


[ 442 ]

بل من المسلمين... الى أن قال: وكيف يحصل الظن بنقل الاجماع في مسألة ظاهرة الخلاف واضحة الادلة على ما خالفه: واما ما اتفق لكثير من الاصحاب - خصوصا المرتضى في الانتصار والشيخ في الخلاف مع انهما اماما الطائفة ومقتدياها في دعوى الاجماع على مسائل كثيرة مع اختصاصهما بذلك القول من بين الاصحاب أو شذوذ الموافق لهما - فهو كثير لا يقتضى الحال ذكره. ثم نقل جملة من اجماعات المرتضى (رضى الله عنه) التى هي من هذا القبيل... الى أن قال: ولو ضممنا إليه ما ادعاه كثير من المتأخرين خصوصا الشيخ على لطال الخطب، ومن غريبها دعوى الشيخ على في شرح الالفية الاجماع، ثم ساق جملة من دعاويه الاجماع التى هي من هذا القبيل... الى أن قال: ولو اتيت لك على جميع ما ذكره من ذلك في رسائله ومسائله لطال وفى هذا القدر كفاية، فإذا أضفت هذا الى ما قررناه سابقا كفاك في الدلالة على حال هذا الاجماع ونقله بخبر الواحد المنقول به الاجماع. والله يشهد - وكفى به شهيد - ان ليس الغرض من كشف هذا كله إلا بيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذى تألفه الانام ولولاه لكان لنا عنه أعظم صارف والله تعالى يتولى اسرار عباده. انتهى كلامه زيد مقامه وعلت في الفردوس أقدامه. وبعض المجتهدين من متأخرى المتأخرين من علماء بلادنا البحرين قد اختار القول بالتحريم في هذه المسألة وكتب فيها رسالة ذكر فيها زيادة على ما نقلناه من الادلة، ولو لا ان هذا القول لمزيد ظهور ضعفه وشذوذ القائل به سيما في زماننا هذا غنى عن الاطالة في رده لتعرضنا لنقل أدلته وبيان ما فيها من القصور. وأظهرها شبهة في ما يدعيه قول زين العابدين عليه السلام في الصحيفة (1) " أللهم هذا يوم مبارك ميمون والمسلمون فيه مجتمعون في اقطار ارضك... الى ان قال اللهم ان هذا المقام لخفائك واصفيائك ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التى


(1) في دعائه (ع) في الاضحى والجمعة رقم 48


[ 443 ]

اختصصتهم بها قد ابتزوها وانت المقدر لذلك... الى قوله عليه السلام حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا... الى قوله (عليه السلام) وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم ". وجه الاستدلال ان الاشارة في قوله " هذا المقام " ترجع الى الجمعة والعيد والخطبة، وقوله " لخفائك " يدل على الاختصاص بهم، وكذا قوله عليه السلام " قد اختصصتهم بها " وقوله " قد ابتزوها " فان الابتزاز هو الاستيلاء والاخذ قهرا. والجواب عنه من وجوه (احدها) - احتمال ان يكون المشار إليه إنما هو الخلافة الكبرى لظهور آثارها في هذا اليوم لما فيه من الحكم العظيمة بظهور دولهتم وتمكنهم وأمرهم ونهيهم وهدايتهم العباد وارشادهم واقتداء الخلق بهم، والى ذلك يشير قوله عليه السلام " حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا وفرائضك محرفة عن جهات اشراعك وسنن نبيك متروكة " إذ من الظاهر ان الامور المذكورة مما يترتب على الخلافة الكبرى والولاية العظمى. و (ثانيها) - ان اللام كما يحتمل الملك والاختصاص يحتمل الاستحقاق ولا دلالة لاستحقاق شخص لامر على نفى استحقاق غيره لذلك الامر إذ ليس معناه إلا استيهاله اياه وكونه أهلا له وهو لا يدل على الاختصاص به وإلا لرجع الاستحقاق إليه فلم يكن لجعله معنى آخر وجه ويؤيده ما نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين عن المحقق الدوانى في حواشيه على شرح المختصر للعضدى من ان هذا الاختصاص ليس بمعنى الحص بل يكفى فيه ارتباط مخصوص كما يقال: الجل للفرس. قيل ومن هنا نجد فرقا بينا بين قولنا " الحمد لله " وقولنا " لله الحمد " وقولنا " الامر لله " و " لله الامر ". و (ثالثها) - حمل الخلفاء على ما هو أعم من الامام الشامل لعلماء الشيعة وفقهائهم لانهم ورثة علومهم ورواة أحاديثهم التى من أخذ منها أخذ بحظ وافر لان العلماء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما ورثوا علما من علومهم، ويؤيده


[ 444 ]

ما رواه الصدوق وغيره عنه صلى الله عليه وآله (1) قال: " أللهم ارحم خلفائي. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله ومن خفاؤك ؟ قال الذين يأتون من بعدى يروون حديثى وسنتى " وفى رواية اخرى (2) زاد: " ويلعمون الناس بعدى " على انه لابد للخصم من الحمل على المعنى العام الشامل للمنصوب الخاص والتفاوت بالشدة والشعف ان أوجب الحمل على الاشد تعين الحمل على الاخص، ودعوى صدق اسم خليفة الله على المأذون له اذنا خاصا دون الاذن العام محل منع. و (رابعها) - ان عطف الاصفياء على الخلفاء يوذن بالمغايرة كما هو مقتضى الاصل فيمكن أن يكون المراد بالخفاءهم (عليهم السلام) أو هم ومنصوبوهم على الخصوص وبالاصفياء عدول الشيعة، والتأسيس أولى من التأكيد. و (خامسها) - تبقدير الستفادة الحصر من هذه العبارة فانها في قوة قولك " ليس هذا المقام إلا لخلفائك... الى آخره " فالحصر هنا ليس منحصرا في الحقيقي بل يعمه والاضافى، وكثرة استعماله وشيوعه في الاضافي غى منكور ولا مدافع بل في ما نحن فيه من قصر الموصوف على الصفة لا يصدق إلا اضافيا كما حقق في محله، ودعوى كونه مجازا فيه غير مسموع، وحينئذ فليس المراد إلا ان هذا المقام مقصور على الاتصاف بكونه لخلفاء الله قصرا اضافيا افراديا أو قلبيا أو تعينيا ردا على من اعتقد مشاركة اعدائهم لهم (عليهم السلام) أو اختصاصهم به دونهم أو تردد في ذلك، ولا يلزم من ذلك نفى ان يقوم بهذا المقام اولياؤهم المعترفون بان يدهم يد فرعية لاحظ لها في الشركة فضلا عن الاختصاص والابتزاز. و (سادسها) - بتقدير تسليم الدلالة بطريق الحصر على نفى الاستحقاق عن ما سوى الخلفاء والاصفياء بالمعنى الخاص فهو عام مخصوص بما قدمنا من الادلة الدالة على عموم الاذن بالتصرف في هذا الحق حضورا وغيبة بل الامر به من غير تخصيص للاذن بمخاطب دون مخاطب ولا في زمان دون زمان، هذا وهم مضطرون


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به


[ 445 ]

لادراج النائب الخاص الى ما وجهنا به هذا الدليل لكونه مشترك الورود علينا وعليهم فما وجهوه به فنحن نوجهه بمثله وقد كفيناهم - ولله الحمد - مؤنة خطبه.

(الرابع) - من الاقوال في المسألة وجوب الصلاة المذكورة وجوبا تخييريا حال الغيبة لكن بشرط حضور الفقيه الجامع لشرائط الفتوى وإلا لم تشرع، وهذا القول مذهب المحقق الشيخ على (قدس سره) قد رجحه ونصره واعتنى به واستدل عليه، وربما نسب الى ظاهر كلام العلامة في التذكرة والنهاية والشهيد في اللمعة والدروس القول بذلك أيضا، ورد بعدم ظهور الدلالة. والاصل في هذا القول ان اذن الامام معتبر فيها فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه ومع غيبته يقوم الفقيه المذكور مقامه لانه نائبه على العموم. وعمدة ما استدل به على هذا الشرط وجوه ثلاثة:

(الاول) - ان النبي صلى الله عليه وآله كان يعين لامامة الجمعة وكذا الخلفاء من بعده كما يعين للقضاء، وكما لا يصح ان ينصب الانسان نفسه قاضيا بدون اذن الامام فكذا امام الجمعة. قالوا وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار والامصار ومخالفته خرق للاجماع.

(الثاني) - رواية محمد بن مسلم قال: " لا تجب الجمعة على أقل من سبعة... الحديث " وقد تقدم (1).

(الثالث) - انه اجماع كما نقله جماعة من الاصحاب: منهم - المحقق نجم الدين ابن سعيد في المعتبر والعلامة جمال الدين بن المطهر والشهيد في الدروس والذكرى والاجماع المنقول بخبر الواحد حجة فكيف بنقل هؤلاء الاعيان. واجيب عن الاصل المذكور بانه لو ثم لزمهم القول بوجوبها مع الفقيه عينا على حد وجوبها مع الامام ونائبه الخاص قضية لوجود الشرط، وهؤلاء المتأخرون لا يقولون به بل يجعلونها حال الغيبة مستحبة بمعنى انها أفضل الفردين الواجبين على التخيير فهى مستحبة عينا واجبة تخييرا فما يقتضيه دليلهم لا يقولون به


(1) ص 423


[ 446 ]

وما يقولون به لا يقتضيه دليلهم. على انهم يعتبرون في هذه الحال عدم وجود شرط الوجوب الذى هو الامام أو نائبه كما وقع في عبائرهم وحكاية كلامهم، فلا فرق حينئذ بين وجود الفقيه وعدمه حيث لا يوجد هذا الرشط بل اما ان يحكموا بوجوبها نظرا الى ان الشرط المذكور انما يعتبر مع امكانه لا مطلقا أو يحكموا بعدم مشروعيتها التفاتا الى فقد الشرط. فان قيل: انهم يختارون الاول وهو حصول الشرط بوجود الفقيه ولكن الوجوب العينى منتف بالاجماع كما ندعيه فقلنا بالوجوب التخييري حيث دل الدليل على الوجوب ولم يكن القول الاول. قلنا: قد اعترفتم في كلامكم بفقد الشرط في هذه الحالة وهو خلاف ما التزمتموه هنا ودعوى الاجماع المذكور ممنوعة. فرق حينئذ بين وجود الفقيه وعدمه حيث لا يوجد هذا الرشط بل اما ان يحكموا بوجوبها نظرا الى ان الشرط المذكور انما يعتبر مع امكانه لا مطلقا أو يحكموا بعدم مشروعيتها التفاتا الى فقد الشرط. فان قيل: انهم يختارون الاول وهو حصول الشرط بوجود الفقيه ولكن الوجوب العينى منتف بالاجماع كما ندعيه فقلنا بالوجوب التخييري حيث دل الدليل على الوجوب ولم يكن القول الاول. قلنا: قد اعترفتم في كلامكم بفقد الشرط في هذه الحالة وهو خلاف ما التزمتموه هنا ودعوى الاجماع المذكور ممنوعة. اقول: مدار هذه الاقوال الخارجة عن جادة الاعتدال وثبوتها على هذا الاجماع الذى يدعونه في المسألة وببطلانه يبطل ما فرعوه عليه وقد عرفت - بحمد الله سبحانه الملك المنان - بطلانه باوضع بيان. واما ما ذكره من الوجوه الثلاثة للاستدلال على هذا الاجماع فقد عرفت الكلام فيها منقحا. والله العالم. قد تم الجزء التاسع من كتاف الحدائق الناظرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه الجزء العاشر والحمد لله اولا وآخرا .


  الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>